فاعلية برنامج مقترح قائم علي المدخل القصصي في تدريس
الدراسات الاجتماعية لتحقيق بعض أهداف التربية المائية
لدي تلاميذ الصف السادس الابتدائي
دكتور / خالد عبد اللطيف محمد عمران
مدرس المناهج وطرق التدريس
كلية التربية – جامعة سوهاج
مقدمة:
يُعد الماء مصدر الحياة والحيوية على سطح الأرض، فلا غنى عنه لإنسان أو حيوان أو نبات، فهو شريان الحياة وسر تدفقها وبقائها وبدونه تتوقف الحياة بما يؤدى إلى هلاك الإنسان وسائر الكائنات الحية، وليس هناك وصفاً لأهمية المياه أبلغ من قول الحق جلَّ وعلىَ (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ) (سورة الأنبياء، من الآية 30). والماء منذ أقدم العصور يُعد العنصر الأساسى لاستقرار الإنسان وازدهار حضاراته، فأينما وُجد الماء وُجدت مظاهر الحضارة، حيث يُلاحظ أن الحضارات القديمة كالفرعونية والبابلية والأشورية والهندية والصينية وغيرها قامت فى أحواض الأنهار الكبرى.
والماء يُمثل حوالى (71%) من مساحة الكرة الأرضية، بينما تبلغ مساحة اليابس حوالى (29%) منها، ولو تم توزيع هذا الماء على سكان كوكب الأرض لكان نصيب الفرد الواحد حوالى (400 متر مكعب) يومياً مدى حياته، ولذلك تُعرف الأرض بالكوكب المائي (محمود أبو زيد، 1998، ص5)(*). ولكن حوالى (97.3%) من هذا الماء لا يصلح للشرب لأنه عبارة عن ماء مالح يتمثل فى مياه البحار والمحيطات، والباقى وقدره (2.7%) فقط مياه عذبة، وحتى هذه النسبة الصغيرة من المياه يوجد أكثر من (77%) منها متجمد فى المناطق القطبية، و (22%) منها مياه جوفية فى باطن الأرض وأغلبها فى أعماق تتجاوز (500متر)، وما تبقى من المياه العذبة وهو (1%) هو مياه البحيرات العذبة والتى تُمثل (0.3%)، والرطوبة الجوية وهى تمثل (0.4%)، ومياه الأمطار التى تمثل (0.3%)World Health Organization and UnicEF,2005,P.11) ). وهذا يعنى أن الإنسان لا يستخدم من هذه الكمية الكبيرة جداً من المياه الموجودة فى الكرة الأرضية إلا (1%) فقط وهى نسبة الماء العذب.
وتتجسد الأزمة المائية فى أن كمية المياه العذبة على سطح الأرض نادرة بصفة عامة بالقياس بالطلب عليها، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى التفاوت الكبير فى توزيع المياه على سطح الأرض، حيث تتفاوت كمية المياه الساقطة على سطح الأرض من بلد لآخر، ومن منطقة لأخرى، علاوة على العامل البشرى الجائر مع هذا المورد، والمتمثل فى السلوكيات السلبية من جانب الأفراد وسوء استخدامهم للمياه، وتعاملهم معها بنوع من اللامبالاة، واستنزافها بشكل لا يليق بأهمية هذه السلعة الغالية.
وتُعد الدول العربية من أكثر مناطق العالم فقراً فى الموارد المائية، ويرجع ذلك إلى وقوعها ضمن المناطق المناخية الجافة وشبه الجافة، والتي تتسم بندرة المياه، حيث يبلغ المعدل السنوى لنصيب الفرد من المياه حوالى(1000م3) مقابل(7500م3) على المستوى العالمى، وتبدو الصورة المستقبلية للوضع المائي أشد حدة، إذ يقدر أن ينخفض نصيب الفرد إلى حوالى (500م3) فى عام(2025) وذلك فى ضوء معدلات النمو السكانى المرتفعة، وتناقص كميات المياه التى ترد للدول العربية من الأنهار المشتركة التى تنبع من الدول المجاورة والتى تمثل حوالى نصف كميات المياه المتاحة (مغاوري شلبى، 2000، ص2).
وندرة المياه فى حد ذاتها لا تُعد المشكلة الأساسية، إنما المشكلة تكمن فى السلوكيات السلبية التى يمارسها الأفراد بقصد وبدون قصد فى تعاملاتهم اليومية مع المياه، والتى تؤثر على تناقص كمية المياه العذبة وتغير نوعيتها (تلويثها) بشكل يعوق الإفادة الكاملة منها، وهذه السلوكيات السلبية للأفراد ناتجة عن قلة وانخفاض التنور المائي لديهم، ونتيجة لذلك أصبحت المشكلات المتعلقة بالمياه من أخطر ما يهدد حياة المواطن العالمى بصفة عامة، والعربى بصفة خاصة فى الحاضر والمستقبل.
وتؤكد على ذلك (خديجة الأعسر، 1999، ص 43) حيث ترى أن من أسباب نقص المياه فى المنطقة العربية - إلى درجة أن العالم العربى سيواجه فى العقدين القادمين أزمة نقص فى كمية المياه العذبة – الجهل بالقيمة الاقتصادية لموارد المياه لدي المواطنين فى الدول العربية، والاستمرار فى ممارسة السلوكيات السلبية التى تستهلك كميات ضخمة من المياه العذبة فى مجال الزراعة ذات العائد المنخفض، وعدم وجود ثقافة ترشيد استهلاك المياه لدي الأفراد فى دول الوطن العربى.
ويتوقع كثير من السياسيين والاقتصاديين أن تشتعل حروب القرن الحادى والعشرين بسبب الرغبة فى الاستيلاء على مصادر ومنابع المياه العذبة، وهو توقع تزداد الأدلة على صحته يوماً بعد يوم، وقد يكون حظ المنطقة العربية من هذه الحروب كبيراً، لذا فقد تعالت الأصوات التى تنادى بضرورة أن تسعى الحكومات والهيئات السياسية والاجتماعية والتعليمية بنشر الثقافة المائية لدي أفراد المجتمع، سواء كانوا تلاميذ أو معلمين أو آباء، لتعميق الفهم بنتائج الممارسات الفردية على مستقبل الموارد المائية، والتخلص من سلوكيات اللامبالاة نحو الموقف الراهن لأزمة المياه، حيث يُساعد الوعى بقضايا المياه وترشيد استهلاكها من جانب الحكومات والأفراد فى تحقيق التكيف البيئى والسياسى والاقتصادى مع ما تطرحه الأوضاع الحالية والمستقبلية للموارد المائية من بدائل وحلول لمشكلاتها (Bjorklund &Ehlin &Falkenmark,2000, pp97-99) .
أما بالنسبة لمصر فهى ليست بأحسن حال من شقيقاتها العرب، فالموارد المائية المتاحة لها محدودة وقليلة مقارنة بتعداد سكانها ومعدل نموه المستقبلى، وقد أكدت التقارير أن مصر وصلت إلى خط الفقر المائي (1000 متر مكعب للفرد سنوياً) منذ عام 1993م، والذى يتزايد سنوياً تبعاً للزيادة السكانية وخطط التنمية فى مجالاتها المختلفة، حيث أوضح الخبراء فى مجال المياه أنه من المتوقع أن تصل مصر إلى مستوى الندرة فى المياه بحلول عام 2025م، إذ سينخفض نصيب الفرد إلى أقل من الربع مقارنة بالوضع الحالي (محمد أرناؤط، 1999،ص 145).
ومما يؤكد على ذلك الدراسة التى أجراها (حسين القلاوى، 1996) والتى أثبتت أن حصة مصر من مياه النيل والتى تبلغ (55.5مليار متر مكعب سنوياً) آخذة فى التناقص بسبب التغييرات المناخية التى تنتاب العالم، والممارسات الخاطئة فى أعمال الرى والزراعة، والزيادة السكانية المضطردة التى تلتهم فائض الموارد المائية، والسلوكيات السلبية للأفراد والهيئات فى استخدام مياه النيل.
ولمواجهة هذه المشكلات المائية المتوقع حدوثها فى الوطن العربى، عُقدت العديد من الندوات والمؤتمرات العلمية لمناقشة قضايا المياه ووضع حلول لها مثل:
- ندوة الدراسات البيئية لنهر النيل التى نظمتها الجمعية المصرية للعلوم البيئية بالقاهرة فى الفترة من (25 - 27 أبريل 1978)، وأوصت هذه الندوة بضرورة تنمية الوعي بالاحتياج الحيوي لاستخدام إدارة علمية سليمة فيما يتعلق بترشيد استهلاك مياه النيل لدي المجتمعات العلمية وصانعى القرار (محمد سليم وبشير محمود وإبراهيم شلبى، 1997، ص 124).
- المؤتمر القومي للبحث العلمى والمياه الذي عقد فى القاهرة فى الفترة من (الرابع إلي الخامس من سبتمبر1990)، والذي نظمته أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا ووزارتى الزراعة والموارد المائية، وقد أوصى المؤتمر بأهمية التوسع في المقررات الدراسية المعنية بالمياه فى مختلف المراحل التعليمية، وتكثيف الإعلام التربوى من أجل تحقيق التوعية البيئية والتنور المائي (أكاديمية البحث العمى والتكنولوجيا، 1997، ص 367).
- مؤتمرات الخليج العربى للمياه بدول مجلس التعاون الخليجى، والتى بادرت بها جمعية علوم وتقنية المياه بدولة البحرين، ومن هذه المؤتمرات المؤتمر الأول عام (1992) تحت عنوان "الماء والتنمية فى الخليج"، والذي أوصى بضرورة ترشيد استهلاك المياه والحفاظ عليها من الهدر والتلوث، والعمل على تطوير ونشر برامج التوعية المائية لكافة قطاعات المجتمع، وتحديد أهداف سلوكية ضمن المقررات المدرسية لتنمية القيم المرتبطة بالحفاظ على المياه وعدم الإسراف فى استعمالها (جمعية علوم وتقنية المياه، 2002 ).
- المؤتمر الدولى الثانى عن "الأمن المائي العربى" الذي عُقد فى القاهرة وبادر به مركز الدراسات العربى الأوربى فى منتصف فبراير(2000)، وقد أوصى المؤتمر بضرورة وضع قضايا المياه على قمة اهتمامات الحكومات والشعوب العربية، وتدريب الأفراد على ترشيد استهلاك المياه وتنمية الوعي والتنور المائي العربى (مغاوري شلبى، 2000، ص 5).
- تقرير البنك الدولي الصادر تحت عنوان "من الندرة إلى الأمان"، والذى حدد فيه إستراتيجية مواجهة أزمة المياه فى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وقد لخص هذا التقرير علاج أسباب نقص المياه العذبة فى النقاط التالية (محمود أبو زيد، 1998، ص 147):
- تحقيق التكامل بين إدارات مصادر المياه، وتنمية التعاون على المستويين الدولى والإقليمى.
- رفع كفاءة استخدام المياه والبحث عن مصادر جديدة.
- حشد الجهود لإحداث تغيير فى السلوك على جميع المستويات من خلال حملات التنوير والتوعية المائية لتغيير النمط السلوكي المهدر والملوث للمياه، وتضمين مواد تربوية ترتبط بقضايا المياه في المناهج الدراسية.
ومن خلال العرض السابق يمكن القول أن مشكلة نقص وتلوث المياه ذات أبعاد متعددة وأسباب متشابكة، ومن بين هذه الأسباب: السلوكيات السلبية نحو الموارد المائية، تلك السلوكيات التى إن دلت فإنما تدل على الجهل البيئى وقلة الوعى بمخاطر تلوث واستنزاف الموارد المائية. لذا ينبغي إجراء الترتيبات اللازمة من خلال مؤسسات المجتمع المختلفة - ومنها المؤسسات التعليمية ومناهجها الدراسية خصوصاً منهج الدراسات الاجتماعية - للوقاية من الأخطار الطبيعية المهددة للمياه، وتوعية الأفراد بأوضاع الموارد المائية الحالية والمستقبلية، وإكسابهم سلوكيات المحافظة على المياه، كي تصبح قضية المحافظة على المياه وحمايتها من الأخطار التى تهددها؛ جزءاً من فكر وعمل المواطن، وبالتالى إحداث تنور مائى لدي الأفراد، وهذا هو الأساس الأول لتدعيم الأمن المائي العربى.ودراسة "نادية حسن وصلاح السيد" (2001) التى أرجعت انخفاض مستوى الوعي المائي لدي تلاميذ المراحل الدراسية المختلفة إلي قلة اهتمام المناهج الدراسية بالقضايا والمشكلات المائية سواء المحلية أو الإقليمية أو العالمية، وأوصت بضرورة تضمين المناهج الدراسية موضوعات تتناول القضايا والمشكلات المائية، وطرق حماية الموارد المائية، وذلك لأن الموارد المائية تُمثل الحاضر والمستقبل كما تُعد من أهم مقومات الأمن القومى.
ويمكن أن يتحقق ذلك من خلال منهج الدراسات الاجتماعية، لأنها تهدف إلى تنمية وعى التلاميذ وتنويرهم بأهمية موارد البيئة وكيفية حمايتها، واستثمارها وترشيد استهلاكها، والمشكلات الاقتصادية التى تنجم عن سوء استغلال الفرد لها، فهى مواد تتصل اتصالاً وثيقاً بالحياة وما فيها من ظواهر مختلفة. (أحمد اللقاني وفارعة حسن، 1999، ص 103).
وقد أكدت بعض البحوث والدراسات السابقة على ضرورة أن تسعى المناهج الدراسية عامة ومناهج الدراسات الاجتماعية خاصة نحو تعميق الإحساس بقضايا المياه ومشكلاتها لدي تلاميذ المراحل الدراسية المختلفة، لما لهذه المناهج من أهمية بالغة فى تعليم التلاميذ كيفية التعامل مع موارد المياه بشكل يضمن بقائها، وتدريبهم على ترشيد استهلاكها، وعدم الإسراف فى استخدامها. ومن بين هذه الدراسات والبحوث على المستوى العربى: دراسة "محمد بسيونى وآخرون" (1999) والتى أوصت بضرورة تطوير المناهج الدراسية بما يتمشى مع المشكلات البيئية؛ على أن يركز هذا التطوير على اكتساب التلاميذ للمفاهيم البيئية والاتجاهات المرغوب فيها نحو البيئة ومواردها والقيم التى يمكن ترجمتها إلى سلوكيات مقبولة.
(*) يشير هذا إلى نظام التوثيق المتبع فى البحث، و ذلك كما يلي: (اسم المؤلف، تاريخ النشر، رقم الصفحة).ودراسة "حمد السالمى ومحمد المخلافى" (2003) التى أشارت إلى أن هناك انخفاضاً ملحوظاً فى مستوى الوعي البيئي لدي تلاميذ المرحلة الإعدادية، وقد أوصت الدراسة بضرورة تنمية الوعى البيئى بكافة أبعاده ومجالاته، كما أوصت الدراسة بضرورة تضمين المناهج الدراسية أنشطة صفية ووحدات تعليمية تركز فى موضوعاتها على القضايا والمشكلات البيئية بصفة عامة والمشكلات المائية بصفة خاصة.
أما على المستوى الأجنبى فدراسة "مورتارى" (Mortari, 2004) التى ترى ضرورة أن تقوم المدرسة من خلال مناهجها الدراسية المرتبطة بالبيئة بدور بارز فى تعديل التراكيب الثقافية التى أخلت بالتوازن البيئى، وذلك من خلال غرس القيم الأخلاقية وغيرها من الجوانب الوجدانية التى تحث التلاميذ ليس فقط على حماية أنفسهم، بل أيضاً حماية البيئة والحفاظ على مواردها.
ودراسة "مادالا" (Madalla, 2004 ) التى أكدت على أهمية التوعية بالمشكلات البيئية فى دول الشرق الأوسط من خلال المناهج الدراسية، خصوصاً مشكلات تلوث واستنزاف الموارد المائية، باعتبارها مشكلات تمس الحاضر والمستقبل العربى، نظراً للتوقعات المستقبلية بنضوب مصادر المياه العذبة وتغير نوعيتها فى هذه المنطقة على وجه التحديد.
لذا، يجب أن تسعى المناهج الدراسية إلى تنوير التلاميذ وتوعيتهم فى مخت
الجمعة، 26 مارس 2010
بحث : فاعلية برنامج مقترح قائم علي المدخل القصصي في تدريس الدراسات الاجتماعية
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق