السبت، 13 مارس 2010

شرح ديوان المتنبي ج2



جمعتْ بين جِسمِ أحمدَ والسـق مِ وبين الجفونِ والتـسـهـيد
هذه مهجتي لديك لـحـينـي فانقصى من عذابها أو فريدي
سلم لها الأمر وقال لها بيدك روحي وإنما ذلك لهلاكي فإن شئت فانقصي من عذابها بالوصل وأن سئت زيديها عذابا بالهجر والمهجة دم القلب ويوضع موضع الروح لأن النفس لا ترقى دونها.
أهلُ ما بي من الضني بطلٌ صي دَ بتصفـيفِ طـرةٍ وبـجـيد
أهل ابتداءٌ وبطل خبره والبطل الشجاع الذي يبطل عنده دماء الأقران والطرة شعر الجبهة وتصفيفها تسويتها من الصف وهذا البيت علة لِما ذكره في البيت الذي قبله يقول افعلي بي ما شئت فإن أهل لذلك ومستحقّ له لأن الرجل الشجاع إذا صادته المرأة بتصفيف شعرها وحسن عنقها فهو أهل لما حلَّ به من ذلك ويحتمل أنه إنما قال هذا المتشفي من نفسه بهذا الكلام والعذل لها على العشق يقول أنا أهل لِما بي من الضني لأني بطل صيد بِما ذكر وقال ابن جنى أي أنا أهل ذلك وحقيق بذلك لحسن ما رأيت وأنا بطلٌ صيد بتصفيف طرة وبجيد هذا كلامه وهو على بعده محتمل.
كلُّ شيءٍ من الدمآءِ حرامٌ شربهُ ما خلا دمَ العنقودِ
يريد بدم العنقود الخمر لأنها تخلّب منه كما يسيل الدم من المقتول وليس الأمر على ما قال فإن شرب الخمر لا يحل إلا أن يريد بدم العنقود العصير أو ما لا يسكر من المطبوخ.
فاسقنيها فدىً لعينيك نفسـي من غزالٍ وطارفي وتليدي
أنت الكناية لأنه أراد بالدم الخمر والطارف والمطرفِ والطريف والمستطرف كله ما استحدث من الأموال والتليد والتالد والتلاد والمتلد ما كان دقيما عند صاحبه وقوله من غزال تخصيصٌ له بالفداء من جملة الغزلان ومثله افديك من رجل.
شيبُ رأسي وذلتي ونحـولـي ودموعي على هواك شهودي
أي يومٍ سررتنـي بـوِصـالٍ لم ترعني ثـلاثةً بـصـدودِ
الصحيح رواية من روى هواك بفتح الكاف لأن الخطاب للمذكر في قوله فاسقنيها يريد في أي يوم نصبه على الظرف يقول لم تصلني يوما إلا واعرضت عني ثلاثةَ أيامٍ
ما مقامي بدارِ نخـلة إلا كمقامِ المسيحِ بين اليهودِ
نخلة قورية لبني كلب على ثلاثة أميال عن بعلبك من أرض الشام والمقام بمعنى الاقامة يقول ليست اقامتي ببلدهم إلا كإقامة عيسى عليه السلام بين اليهود أي أن أهل هذه القرية أعداءٌ لي كما كانت اليهود أعداءً لعيسى وبهذا البيت لقب بالمتنبي لتشبيه نفسه بعيسى عليه السلام في هذا البيت وبصالح فيما بعده.
مفرشي صهوةُ الحسانِ ولـك نَّ قميصي مسرودةٌ من حديدِ
المفرش موضع الفراش والصهوة مقعد الفارس من ظهر الفرس والحصان الفرس الفحل والمسرودة المنسوجة من الحديد وهي الدرع يقول أنا شجاع مكاني ظهر الفرس وملبوسي الدرع وقال ابن جنى أي أنا أبدا بهذه القرية على هذه الحالة تيقظا وتأهبا
لأمةٌ فاضةٌ أضاة دلاصٌ أحكمتْ نسجها يدا داؤدِ
لأمةٌ ملتئمة الصنعة فاضة سابقة يقال درع فاضة وفيوض ومفاضة وهي التي تفيض على بدن لابسها فتعمهُ والاضاة التي تشبه بالغدير لبياضها وصفائها والدلاص البراقة.
أين فضلي إذا قنعت من الده رِ بعيشٍ معجل التنـكـيدِ
يقول إذا قنعت بعيش قليل قد عجل لي نكده وأخر عني خيره فإين فضلي أي مكان فضلي قد خفى فليس يرى
ضاق صدري وطال في طلبِ الرِز قِ قيامي وقل عـنـه قـعـودي
يقول ضقت صدرا لكثرة ما قمت في طلب الرزق وسعيت وتعبت فيه
ابداً أقطع البلادَ ونـجـمـي في نحوسٍ وهمتي في سعودِ
يقول اسافر أبداً في طلب الرزق وحظي منحوس وهمتي عالية كما قال الطاءي، همةٌ تنطحُ النجومَ وجدٌّ، الفٌ للحضيضِ فهو حضيضُ، وكما قال بعضهم، ولي همةٌ فوق نجمِ السما، ولكن حالي تحت الثرى، فلو ساعدت همتي حالتي، لكمتَ ترَى غير ما قد ترى،
ولعلي مؤمولٌ بعض ما أب لغُ باللطفِ من عزيزٍ حميدِ
يقول لعلي راحٍ بعض ما ابلغه بلطف الله تعالى العزيز الحميد أي الذي أرجوه لعله بعض ما ابلغه بلطف الله تعالى وفيه وجه آخر وهو أن المرجو ما هو محبوبٌ وما كان مكروها لا يكون مرجوا بل يكون محذورا فهو يقول لعلي راجس بعض ما ابلغه وادركه من فضل الله تعالى أي ليس جميع ما ابلغه مكروها بل بعضه مرجو محبوبٌ وقيل أن هذا على القلب تقديره لعلي بالغ بلطف الله تعالى بعض ما اؤمله
بسريٍ لباسُهُ خشـنُ الـقـط نِ ومرويُّ مروَ لِبسُ القرودِ
السريّ الماجد الشريف يقال سرو يسرو سروا فهو سريّ يقول ابلغه بسريّ يلبس ما ينسج من القطن الخشن ومرويّ مرواي أن الثوب المرويّ الذي نُسج بها لباس اللئام والعرب تتمدح بخشونة الملبس والمطعم وتعيب الترفه والنعمة ويروي لسري باللام اراد به نفسه وهذه الرواية إنما تصح إذا كان البيت الذي قبله على القلب يقول لعلي بالغ بعض ما اؤمله لسري يتقشف في لبسه واللبس مصدرُ لبست الثوب واللبس بكسر اللام ما يلبس.
عش عزيزاً أو مت وأنت كريمٌ بين طعنِ القنا وخفقِ البنُـدِ
البنود جمع البند وهو العلم الكبير يقول إما أن تعيش عزيزاً ممتنعا من الاعداء أو تموت في الحرب موت الكرام لأن القتل في الحرب يدل على شجاعة الرجل وكرم خلقه وهو خيرٌ من العيش في الذل.
فرؤوس الرماحِ أذهبُ للغي ظِ وأشفى لغلِ صدرِ الحقودِ
أراد برؤوس الرماح الأسنة وقوله اذهب للغيظ كان حقه أن يقول اشد اذهابا ولا يبني افعل من الافعال إلا في ضرورة الشعر ولو قال اذهب بالغيظ لم يكن ضرورةً يقول ذهاب الغيظ برؤس الرماح أكبر من ذعابه بالسلم واشفى لغلّ الحقود على اعدائه ومن روى الحسود إراد الكثير الحسد الذي لا يذعب حسده إلا بأن يطعن المحسود فيقتله والحقود احسن في المعنى.
لا كما قد حييت غير حميدٍ وإذا متَّ متَّ غيرَ فَقيدِ
يقال حيى يحيى ويقال أيضا حيّ بالادغام في الماضي ولا يقال في المستقبل بالادغام وذلك أن حيى عين الفعل منه ياء مكسورة ولامه أيضا ياءٌ والياء أخت الكسرة فكأنه اجتمع ثلاث كسرات فحذفت كسرة العين وأدغمت في اللام ولم يعرض لي المستقبل شيءٌ من هذا وإنما يخاطب نفسه فيقول عش عزيزا أو مت في الحرب حميداً ولا تكن كما قد عشت إلى هذا الوقت غير محمود فيما بين الناس وإذا متّ على فراشك في هذا الوقت متّ غير مفقود لأن الناس يجدون ملك كثيرا فيستغنون عنك ولا يبالون بموتك فلا يذكرونك بعد موتك.
فأطلب العزَّ في لظى وذر الذلَّ ولو كان في جنانِ الخـلـودِ
لظى من أسماء جهنم يقول اطلب العزّ وإن كان في جهنّم ودع الذلّ وإن كان في الجنّة وهذا مثلٌ ومبالغةٌ في طلب العزّ والتجافي من الذل وإلا فلا عزَّ في جهنم ولا ذلَّ في الجنة.
يقتلُ العاجزُ الجبانُ وقـد يع جزُ عن قطعِ بخنقِ المولودِ
البخنق خرقة تقنع بها الامرأة رأسها يقول العاجز الجبان قد يقتل يعني أن العجز والجبن ليسا من أسباب البقاء فلا تعجز ولا تجبن حبذا للبقاء
ويوقى الفتى المخش وقد خ وضَ في ماءِ لبة الصنديدِ
يقال وقاه الله السوءَ ووقاه فهو موقَّى والمخشّ الدخّال في الأمور والحروب وخوض أكثر الخوض واللبة أعلى الصدر عند الحلق وماءها الدم والصنديد الشجاع الشديد يقول قد يسلم من يدخل الحروب في أشد الأحوال واكثرها خوفا وهذا حثٌّ على الأقدام
لا بقومي شرفتُ بل شرفوا بي وبنفسي فخرت لا بجـدودي
هذا كقوله، نفس عصامٍ سودت عصاما، وعلمته الله والإقداما، وصيرته ملكاً هماما، حتى عدا وجاوز الأقواما، ونحوه قول عامر بن الطفيل، فما سودتني عامرٌ عن وراثةٍ، أبى الله أن أسمو بأمٍ ولا أبٍ، ولكنني أحمى حِماها وأتقى، أذاها وأرمى من رماها بمقنبِ، قالت الرواةُ لو اقتصر على هذا البيت كان الم الناس نسبا لكنه قال
وبهم فخرُ كلِّ من نطق الضـا دَ وعوذُ الجاني وغوتُ الطريدِ
الضاد للعرب خاصةً يقول فخر العرب كلهم وبهم عوذ الجاني يعني أن من جنى جناية وخاف على نفسه عاذ بقويم ليأمن على نفسه وبهم غوث الطريد وهو الذي نفى وطرد أي أنه يستغيث بهم ويلجأ إليه فيعز بمنعتهم
إن أكن معجباً فعجبُ عجيبٍ لم يجد فوق نفسهِ من مزيدِ
المعجب الذي يعجب بنفسه والعجيب الذي يعجب غيره وهو بمنعى المعجب أيضا كالبديع بمعنى المبدع يقول أن أعجبت بنفسي فإن عجبي عجبُ معجبٍ لا يرى فوق نفسه مزيداً في الشرف أي ليس عجبي بمكر
أنا تربُ الندى وربُّ القوافي وسمامُ العِدَى وغيظُ الحسودِ
يقول أنا أخو الجود ولدنا معا وأنا صاحب القوافي ومنشئها لأني لم أسبق إلى مثلها وإنا قتل اعدائي كما يقتل السم وأنا سبب غيظ الحساد لأنهم يتمنون مكاني فلا يدركونه فيغتاظون
أنا في أمةٍ تداركهـا الـل هُ غريبٌ تصالحٍ في ثمودِ
تداركها الله دعاءٌ لها أي ادركها الله ونجاهم من لومهم ويجوز أن يكون دعاءً عليهم أي أدركهم الله بالاهلاك لأنجو منهم قال ابن جنى انه بهذا البيت سمي المتنبي.
وقال في صباه ارتجالا وقد أهدى إليه عبيد الله بين خُراسان هدية فيها سمك من سكر ولوز في عسل.
قد شغل الناس كثرةُ الأمـلِ وأنت بالمكرماتِ في شغلِ
يقول الناس مشغولون بكثرة آمالهم بك واطماعهم فيما يأخذون من اموالك وأنت مشغول بتحقيق آمالهم وبتصديق اطماعهم فذلك شغل بالمكرمات
تمثلوا حاتما ولو عـقـلـوا لكنت في الجود غاية المثلِ
أراد تمثلوا بحاتم أي في الجود فحذف الباء ضرورةً وذلك أن المثل في الجود يضرب بحاتم فيقال أجود من حاتم وأسخى من حاتم ولو نظروا بعين العقل لضربوا المثل بك لأنك الغاية في الجود
أهلاً وسهلاً بما بعثت به إيها أبا قاسمٍ وبالرسلِ
يقال للشيء يسر لقاؤه أهلا بك وسهلاً ومرحباً وذلك كالتحية والرسل عطف على قوله بما بعثت به أي هلاً بالهدية وبالذين ارسلتهم وقوله أيها أي كفَّ ودع فقد اكثرت من الهدية
هديةٌ ما رأيتُ مهـديهـا ألا رأيت العباد في رجلِ
هدية خبر ابتداءٍ محذوفٍ كأنه قال هديتك هديةٌ ما رأيت صاحبها الذي أهداها يعني الممدوح إلا رأيت الناس واللوم وهذا المعنى من قول أبي نواس، وليس لله بمستنكرٍ، أن يجمع العالم في واحدِ، وله أيضاً، متى تحطي إليه الرحال سالمةً، تستجمعي الخلق في تمثالِ إنسانِ، وقد كرر أبو الطيب هذا المعنى فقال، أم الخلقُ في حيّ شخصٍ أعيدا، وقال، ومنزلك الدنيا وأنت الخلائقُ،
أقل ما في أقلهـا سـمـكٌ يسبحُ في بركةٍ من العسلِ
يقول أقل شيء في هذه الهدية سمك بهذه الصفة ويريد بالبركة الإناء الذي كان فيه العسل يعني أن هذه الهدية كانت عظيمة أقلها ما ذكره
كيف أكافي على أجلِ يدٍ من لا يرى أنها يدٌ قبلي
يقول الذي لا يعتقد في أجل نعمةٍ له عندي أنها نعمة استحقارا لها وتصغيرا كيف اكافيه والمكافاة ان يقابل الشيء بمثله وأصلها الهمزة وكتب إليه أيضا على جوانب الجام بالزعفران
أقصر فلست بزائدي ودا بلغَ المدى وتجاوز الحدا
يقال أقصر عن الشيء إذا كف عنه وهو قادر عليه وقصر عنه إذا عجز عنه وقصر فيه إذا لم يبالغ يقول كف عن البر وأمسك عنه فانك لا تزيدني بذلك ودا لن ودي إياك قد بلغ الغاية وتجاوز الحدَّ وصار بحيث لا مزيد علهي وهذا من قول ذي الرمة، وما زال يعلوا حبُّ ميةَ عندنا، ويزداد حتى لم نجد ما يزيدها
أرسلتها مملوءةً كرماً فرددتُها مملوءَةً حمدا
يقول أرسلت الآنية مملوءة بكرمك الذي انعمت على فصرفتها اليك مملوءة بالحمد والشكر
جاءتك تطفح وهي فارغةٌ مثنى بن وتظنها فـردا
يقال طفح الاناء إذا متلأ واراد جاءتك طافحةً فصرف الحال إلى لفظ الاستقبال يقول هي فارغة لا شيء فيها وهي مملوءةٌ بالثناءِ وذلك أنه كتب الأبيات على جوانبها وهي مثنى بالحمد أي إثنان وأنت تظنها فردا ليس معها شيءٌ
تأبى خلائقك التي شرفت ألا تحن وتذكر العهـدا
الخليقة ما خلق عليها الإنسان كالطبيعة وهي ما طُبع علهيا يقول اخلاقك الشريفة تأبى عليك إن لا تحن إلى اوليائك وتذكر عهدهم
لو كنتَ عصراً منبتاً زهراً كُنتَ الربيع وكانتِ الوردا
العصر الدهر والزهر واحد الازهار وهو ما ينبته الربيع من الانوار يقول لو كنت زمانا ينبت الزهر كنت زمان الربيع وكانت اخلاقك الورد أي كنت أفضل وقت وكانت أخلاقك أفضل نور وقال في اللجون ارتجالا وقد اصابهم مطر وريح
بقـيةُ قـومٍ آذنـوا بـبـوارِ وأنضاء أسفارٍ كشربِ عُقارِ
الانضاء جمع نضو وهو المهزول الذاهب اللحم من الناس والإبل والشرب جمع شارب والعقار الخمر يقول نحن بقية قومٍ اعلم بعضهم بعضا بالهلاك أي علموا أنهم هالكون ونحن مهازيل اسفار لا حراك بنا من الجهد والتعب كأننا سكارى لا يقدرون على الحركة، يقول تحكمت فينا الرياح بهذا المكان حتى سقت علينا من الحصى والتراب والغبار ما سترتنا به.
نزلنا على حكمِ الرياحِ بمسجدٍ علينا لها ثوبا حصاً وغبـارِ
خليلي ما هذا مناخنا لمثلـنـا شدا عليها وأرحلا بنهـار
يقول ليس هذا المكان منزلا لنا فشدا رحالكما على الإبل وارحلا قبل هجوم الليل وفي قوله فشدا عليها نوعان من الضرورة حذف المفعول والكناية عن غير مذكور
ولا تنكرا عصفَ الرياحِ فإنهـا قرى كلِ ضيفٍ باتَ عندَ سوارِ
يقول لا تنكرا شدة هبوب الرياح فإنها طعامُ من بات ضيفا عند سوار وهو اسم رجل هجا بهذا البيت لأن هبوب الرياح اشتد عليهم لما نزلوا بالمسجد الذي عند داره ولم يقرهم بطعام ويروى قومٍ عند سواري قالوا اراد سواري المسجد يعني الأساطين وهذا لا حقيقة له لان هبوب الرياح لا يختص بالأساطين وقال أيضا في صباه يمدح أبا المنتصر شجاع بن محمد بن أوس بن معن بن الرِضّا الأزدي
أرقٌ على أرقٍ ومثلي يأرقُ وجوى يزيدُ وعبرةٌ تترقرقُ
يقول لي سهادٌ بعد سهادس وعلى أثر سهاد ومثلي ممن كان عاشقا يسهد لامتناع النوم عليه وحزن يزيد كلَّ يومٍ عليه ودمع يسيل ويقال رقرقت الماء فترقرق مثل أسلته فسال
جهدُ الصبابة أن تكون كما أرى عينٌ مسهدةٌ وقلبٌ يخـفـقُ
الجهد المشقة والجهد الطاقة والصبابة رقة الشوق يقول غاية الشوق أن تكون كما أرى ثمّ فسره بباقي البيت
ما لاحَ بَرقٌ أو ترنمَ طائرٌ إلا انثنيتُ ولي فؤادٌ شيقُ
الشيق يجوز أن يكون بمعنى فاعل من شاق يشوق كالجيد والهين ومعناه أن قلبي يشوقني إلى أحبتي ووزنه فيعل وهو كثيرٌ مثل الصيب والسيد وبابه ويجوز أن يكون على وزن فعيل بمعنى مفعول ولمعان البرق يهيج العاشق ويحرك شوقه إلى أحبته لأنه يتذكر به ارتحالهم للنجعة وفراقهم ولأن البرق ربما لمع من الجانب الذي هم به وكذلك ترنم الطائر وذكرهما بهذا المعنى كثيرٌ في اشعارهم
جربتُ من نارِ الهوى ما تنطفي نارُ الغضا وتكلُّ عما تحـرقُ
يقول جربت من نار الهوى نارا تكل نار الغضا عما تحرقه تلك النار وتنطفىء عنه ولا تحرقه يريد أن نار الهوى أشدّ إحراقاً من نار الغضا وهو شجرٌ معروفٌ يستوقد به فتكون ناره أبقى ومن روى يحرق بالياء فاللفظ ما
وعذلتُ أهلَ العشقِ حتّى ذُقْـتُـهُ فعجبتُ كيف يموتُ من لا يعشقُ
يذهب هوم في هذا البيت إلى أنه من المقلوب على تقدير كيف لا يموت من يعشق يعني أن العشق يوجب الموت لشدته وإنما يتعجب ممن يعشق ثم لا يموت وإنما يحمل على القلب ما لا يظهر المعنى دونه وهذا ظاهر المعنى من غير قلبٍ وهو أنه يعظم أمر العشق ويجعله غاية في الشدة يقول كيف يكون موت من غير عشق أي من لم يعشق يجب أن لا يموت لأنه لم يقاس ما يوجب الموت وإنما يوجبه العشق وقال بعض من فسر هذا البيت لما كان المتقرر في النفوس أن الموت في اعلا مراتب الشدة قال لما ذقت العشق وعرفت شدته عجبت كيف يكون هذا الأمر المتفق على شدته غير العشق
وعذرتهم وعرفتُ ذنبي أنني عيرتهم فلقيتُ فيه ما لقوا
يقول لما ذقت مرارة العشق وما فيه من ضروب البلاء عذرت العشاق في وقوعهم في العشق وفي جزعهم وعرفت أني أذنبت بتعييرهم بالعشق فابتليت بما ابتلوا به ولقيت في العشق من الشدائد ما لقوا
أبنى أبينا نحن أهل منـازلٍ أبداً غرابُ البينِ فينا ينعقُ
ويروى فيها يريد يا أخوتنا ويجوز أن يكون هذا نداءً لجميع الناس لأن الناس كلهم بنوا آدم ويجوز أن يريد قوما مخصوصا إما رهطه وقبيلته يقول نحن نازلون في منازلٍ يتفرق عنها أهلها بالموت وإنما ذكر عراب البين لن العرب تتشاءم بصياح الغراب يقولون إذا صاح الغراب في دارٍ تفرق أهلها وهو كثيرٌ في اشعارهم وقال ابن جنى يريد بغراب البين داعي الموت وهذا خلفٌ فاسدٌ ليس على مذهب العرب وداعي الموت لا يسمع له صياح والأمر في غراب البين اشهر من أن يفسر بما فسره به وقد انتقل أبو الطيب من النسيب إلى الوعظ وذكر الموت ومثل هذا يستحسن في المراثي لا في المدائح
نبكي على الدنيا وما من معشرٍ جمعتهمُ الدنيا فلم يتفـرقـوا
يقول نبكي على فراق الدنيا ولا بد لنا منه لأنه لم يجتمع قوم في الدنيا إلا تفرقوا لأن عادة الدنيا الجمع والتفريق
أين الأكاسرة الجبابـرةُ الأولـى كنزوا الكنوزَ فما بقينَ ولا بقوا
الاكاسرة جمع كسرى على غير قياس وهو لقب لملوك العجم والجبابرة جمع جبار والأولى بمعنى الذين ولا واحد لها من لفظها يقول تحقيقا لفقدهم أي هم الذين جمعوا الأموال لم يبقوا هم ولا أموالهم
من كلِّ من ضاقَ الفضاءُ بجيشهِ حتى ثوى فحواهُ لحدٌ ضـيقُ
من في أول البيت للتفسير يقول اولائك الذين ذكرناهم من كل ملك كثرت جنوده حتى ضاق بهم الفضاء وثوى أقام في قبره فجمعه لحد ضيق يعني انضم عليه اللحد بعد أن كان الفضاء يضيق عنه
خرسٌ إذا نودوا كأن لم يعلموا أن الكلام لهم حلالٌ مطلقُ
يريد أنهم موتى لايجيبون من ناداهم كأنهم يظنون أن الكلام محرم عليهم لا يحل لهم أن يتكلموا ولو قال خرس إذا نودوا لعجزهم عن الكلام وعدم القدرة على النطق كان أولى وأحسن مما قال لأن الميت لا يوصف بما ذكره
فالموت آتٍ والنفوسُ نفائسٌ والمستغر بما لديهِ الأحمقُ
يقول الموت يأتي على الناس فيهلكهم وإن كانت نفوسهم نفيسة عزيزة والنفيس الشيء الذي ينفس به أي يبخل به والمستغر المغرور يعني أن الكيس لا يغتر بما جمعه من الدنيا لعلمه أنه لا يبقى ولا يدفع عنه شيئاً ومن لم يعلم هذا فهو أحمق وروى عليّ بن حمزة والمستعزّ أي الذي يطلب العز بماله فهو الأحمق
والمرءُ يأملُ والحياةُ شهـيةٌ والشيبُ أوقرُ والشبيبةُ أنزقُ
يقول المرء يرجو الحياة لطيب الحياة عنده والشهية المشتهاة الطيبة من شهى يشهى وشها يشهو إذا اشتهى الشيء فهي فعيلة بمعنى مفعولة والشيب أكثر وقارا والشبيبة وهي اسمٌ بمعنى الشباب انزقُ أخفّ وأطيش ويريد صاحب الشيب أوقر وصاحب الشبيبة انزق والإشارة في هذا إلى أن الإنسان يكره الشيب وهو خير له لأنه يفيده الحلم والوقار ويحبّ الشباب وهو شرّ له لأنّه يحمله على الطيش والخفّة
ولقد بكيتُ على الشبابِ ولمتي مسودةٌ ولماءِ وجهي رونـقُ
حذراً عليه قبلَ يومِ فـراقـهِ حتى لكدتُ بماءِ جفني أشرقُ
أي لكثرة دموعي كاد يشرق بها جفني أي يضيق عنها يقال شرق بالماء كما يقال غصَّ بالطعام وإذا شرق جفنه فقد شرق هو ولذلك قال اشرق ويجوز أن يغلبه البُكاء فلا يبلعه ريقه ويكون التقدير بسبب ماء جفني اشرق بريقي
أما بنو أوسِ بن معنِ بن الرضا فأعز من تحدى إليه الأينـقُ
أما لا تستعمل مفردةً لأن ما بعدها يكون تفصيلا فيقال أما كذا فكذا وأما كذا فكذا كقوله تعالى أما السفينة فكانت لمساكين ثم قال وأما الغلامُ وأما الجدارُ وقد استعمله مفردا وهو قليل وروى الأستاذ أبو بكر الرضا بضم الراء قال وهو اسم صنمٍ واراد ابن عبد الرضا كما قالوا ابن منافٍ في ابن عبد منافٍ وروى غيره بكسر الراء وهو المعروف في اسماء الرجال والأينق جمع على غير قياسٍ وقياسه الانوق غلا أنهم ابدلوا الواو ياءً وقدموها على النون يقول هؤلاء أعز من يقصدهم الناس
كبرتُ حولَ ديارهمُ لـمـا بـدت منها الشموس وليس فيها المشرقُ
جعلهم كالشموس في علو ذكرهم واشتهارهم أو في حسن وجوههم والمعنى كبرت الله تعالى تعجبا من قدرته حين اطلع شموسا لا من المشرق وكأن منازل الممدوحين في جانب المغرب
وعجبتُ من أرضٍ سحابُ أكفهم من فوقها وصخورها لا تورقُ
أي إذا كانوا يسقونها بندى أيديهم فلم لا تورق صخورها لفضل ندى أيديهم على ندى السحاب أي كان من حقها أن تلين حتى تنبت الورق وهذا منقول من قول البحتري، أشرقن حتى كاد يقتبسُ الدجى، ورطبن حتى كاد يجري الجندلُ، ثم هو من قول أبي الشمقمق وكان مع طاهر بن الحسين في سميرية فقال عجبت لحراقة ابن الحسين كيف تعوم ولا تغرق فقال وما أربك يا ابن اللخناء إلى أن تغرق فقال، وحبرانِ من تحتها واحدٌ، وآخرُ من فوقها مطبقُ، وأعجبُ من ذاك عيدانها، وقد مسها كيف لاتورقُ
وتفوحُ من طيبِ الثناءِ روائحٌ لهم بكلِّ مكانةٍ تستنـشـقُ
يقال مكان ومكانة كما يقال منزل ومنزلة ودار ودارة وقال الله تعالى أعلموا على مكانتكم والثناءُ يوصف بطيب الرائحة لأن طيب اخبار الثناء في الآذان مسموعةً كطيب الروائح في الأنوف مشمومةً وتستنشق تطلب رائحتها بالأنوف والمعنى أن أخبار الثناء عليهم تسمع بكل مكان لكثرة المثنين عليهم
مسكيةُ النفحاتِ إلا أنهـا وحشيةٌ بسواهمُ لا تعبقُ
يقول روائح ما يسمع من الثناءِ عليهم مسكيةٌ لها طيبُ المسك إلا أنها نافرةٌ لا تعلق بغيرهم ولا تفوح إلا منهم والمعنى لا يثني على غيرهم كما يثني عليهم
أمريد مثل محمدٍ في عصرنا لا تبلنا بطلابِ ما لا يلحقُ
يقول يا من يريد أن يوجد له نظيرٌ لا تمتحنا بطلاب ما لا يدرك والبيت من قول البحتريّ، ولئِن طلبتُ نظيرهُ إني إذا، لمكلفٌ طلب المحال ركابي، ثم أكد بقوله
لم يخلقِ الرحمن مثل محمدٍ أحداً وظني أنه لا يخلـقُ
أي إذا كان الله تعالى لم يخلق له مثلا كان طلب مثله محالا
يا ذا الذي يهبُ الكثير وعنده أني عليه بأخذهِ أتصـدقُ
أي يعتقد أني إذا أخذت هبته فقد تصدقت بها عليه ووهبتها له فهو متقلد المنة بذلك ويوجب لي الشكر والتصدق اعطاء الصدقة وقال الله تعالى وتصدق علينا
أمطر على ساحبَ جودك ثرةً وأنظر إليّ برحمةٍ لا أغرقُ
الثرة الغزيرة الكثيرة الماء من الثرارة وقال عنترة، جادت عليه كلُّ عينٍ ثرةٍ، فتركن كل قرارةٍ كالدرهمِ، يقول اجعل سحاب جودك ماطراً على مطرا غزيرا ثم ارحمني بان تحفظني من الغرق كيلا أغرق في كثرة مطرك
كذب ابنُ فاعلةٍ يقولُ بجهلـهِ مات الكرام وأنت حيٌّ ترزقُ
كنى بالفاعلة عن الزانية يقول كذب من قال أن الكرام قد ماتوا ما دمتَ في الأحياء مرزوق ويروى ترزق بفتح التاء أي ترزق الناس تعطيهم أرزاقهم والأول اجود لأنه يقال حيٌّ يرزق وذلك أنه ما دام حيّا كان مرزوقا لن الرزق ينقطع بالموت وقال أيضا في صباه يمدح عليّ ابن أحمد الخراسانيّ
حشاشةُ نفسٍ ودعت يوم ودعوا فلم أدر أي الظاعنينِ أشـيعُ
يقول لي بقية نفس ودعتني يوم ودعني الاحباب فذهبت في آثارهم فلم ادر أي المرتحلين اشيع منهما يعني الحشاشة والحبيب المودع في جملة من ودعوه وروى الظاعنين على لفظ الجمع للنفس والاحباب الذين ذكرهم في قوله ودعوا
أشاروا بتسليمٍ فجدنا بأنـفـسٍ تسيلُ من الآماقِ والسمُ أدمعُ
يقول اشاروا إلينا بالسلام علينا فجدنا عليهم بأرواح سالت من الآماق واسمها دموع أي أنها كانت ارواحنا سالت من عيوننا في صورة الدموع تفسير هذا قوله، خليليَّ لا دمعاً بكيتُ وإنما، هو الروح من عيني تسيلُ بمخرجِ، والمؤق طرف العين الذي يلي الأنف وجمعه أمأاق وهو مهموز العين ويقلب فيقدم الهمز فيقال آماق مثل بئر وآبار وأصل السم بكسر العين ويقال سُم أيضا ومثل هذا لأبي الطيب، أرواحنا انهملتْ وعشنا بعدها، من بعدِ ما قطرت على الأقدامِ
حشايَ على جمرٍ ذكيٍ من الـهـوى وعينايَ في روضٍ من الحسنِ ترتعُ
الحسا ما في داخل الجوف ويريد به القلب ههنا يقول قلبي على جمرٍ شديدِ التوقد من الهوى لأجل توديعهم وفراقهم وعيناي ترتع من وجه الحبيب في روض من الحسن والبيت من قول أبي تمام، أفي الحقِّ أن يضحي بقلبيَ مأتمٌ، من الشوقِ والبلوى وعينايَ في عُرسِ، وإنما لم يقل ترتعان لأن حكم العينين حكم حاسّة واحدة فلا تكاد تنفرد أحداهما برؤية دون الأخرى فاكتفى بضمير الواحد كما قال الآخرُ بها العينان تنهل
ولو حملتْ صمُّ الجبالِ الذي بنا غداةَ افترقنا أوشكتْ تتصدعُ
هذا من قول البحتري، فلو أنَّ الجبالَ فقدنَ ألفاً، لأوشك جامدٌ منها يذوبُ،
بما جنبي التي خاض طيفها إلى الدياجي والخليون هجٌ
الدياجي جمع ديجوج وكان القياس دياجيج ولكنهم خففوا الكلمة بحذف الجيم الاخيرة كما قالوا مكوكٌ ومكاكي والخليُّ الذي يخلو قلبه من الهوى والهم يقول أفدى بقلبي المرأة التي أتاني خيالُها في ظلام الليل فقطع الظلمة إليّ والذين خلوا من الحبّ كانوا نياما وهذا كالمتضادّ لأنه أيضا كان نائما حتى رأى خيالها لكنّه يجوز أن يكون نومه نعسةً رأى خيالها في تلك النسعة وغيرُه ممّن خلا نام جميع ليلته
أتت زائراً ما خامرَ الطيبُ ثوبها وكالمسكِ من أردانها يتضوعُ
زائراً نعت لمحذوفٍ تقديره أتت خيالا زائراً ما خالط الطيب ثوبها لأنها لم تتعطر وكالمسك أي كرائحة المسك ينفح من ثيابها لأنها طيبة الرائحة طبعا وهذا من كلام امرء القيس، ألم ترياني كلَّما جئتُ طارقا، وجدتُ بها طيباً وإنْ لم تطيبِ.
فما جلستْ حتى أنثنتْ توسِعُ الخطا كفاطِمَةٍ عن درها قبلَ ترضِـعُ
فشردَ إعظامي لها ما أتَى بـهـا من النومِ والتاعَ الفؤادُ المفـتـجُ
يقول لمّا رأيت خيالها استعظمت رؤيتها فنفى ذلك نومي الذي أتى بها واحترق قلبي لفقد رؤيتها والتأنيث في لها وبها للحبيبة ويقال اعظمته واستعظمته واكبرته واستكبرته والتاع احترق واللوعة الحرقة
فيا ليلةً ما كان أطولَ بتُّـهـا وسمُّ الأفاعي عذبُ ما أتجرعُ
أراد ما كان اطولها فحذف المضمر لاقامة الوزن وذلك يجوز في الشعر يقول كان اطول تلك الليلة التي فارقني فيها خيالها فتجرعت من مرارة فراقها ما كان السمّ بالاضافة إليه عذبا
تذلل لها واخضع على القربِ والنوى فما عاشقٌ من لا يذلُّ ويخـضـعُ
يقول أرض بما تحكم منقاداً مطيعا لها والخضوع في القرب الطاعة والانقياد وفي البعد الرضا والتسليم لفعلها وذلك علامة المحب كما قال الحكمي، يا كثير النوحِ في الدمنِ، لا عيها بل على السكنِ، سنةُ العشاقِ واحدةٌ، فإذا أحببتَ فاستكنِ، وكقول الآخر، كن إذا أحببت عبداً، للذي تهوى مطيعا، لن تنال الوصل حتى، تلزمَ النفسَ الخضوعا، وقريب من هذا قول العباس بن الأحنف، تحمل عظيم الذنب ممن تحبه، وإن كنتَ مظلوماً فقل أنا ظالمُ، فإنك إن لم تحملِ الذنبَ في الهوى، يفارقك من تهوى وأنفك راغمِ،
ولا ثوبَ مجدٍ غير ثوبِ ابن أحمدٍ على أحدٍ إلاّ بـلـؤمٍ مـرقـع
روى ابن جنى يرقع يقول لم يخلص المجد لغيره إنما خلص له ومجد غيره مشوبٌ باللؤم مجده خالص من الذمّ والغيب ومن روى ولا ثوبُ بالرفع فلانه عطف على قوله فما عاشق
وإن الذي حابى جديلة طـيىءٍ به الله يعطى من يشاءُ ويمنعُ
جديلة رهط الممدوح من طيىءِ والنسبة إليهم جدلي وجميع من فسر شعره قالوا حابى بمعنى حبا من الحباء وهي العطية يقول الذي اعطى بني جديلة هذا الممدوح فجعله منهم هو الله تعالى يعطي من يشاء ويمنع من يشاءُ وابن جنى يجعل يعطي من يشاءُ من صفة الممدوح وحابى لا يكون بمعنى حبا ولا يقال حاباه بكذا إذا اعطاه ومعنى البيت الذي حابى بني جديلة أي غالبهم وباهاهم في العطاء يعني الممدوح به الله يعطي من يشاءُ ويمنع لأنه ملكُ قد فوض الله تعالى إليه أمر الخلق في النفع والضر فقوله به الله خبر أن
بذي كرمٍ ما مرَّ يومٌ وشمـسُـهُ على رأسِ أوفى ذمةٍ منه تطلعُ
بذي كرم بدل من قوله به يقول لم يمر يومٌ وشمسُ ذلك اليوم تطلع على رأس أوفى بالذمم من هذا الممدوح يشير إلى أنه أكثر الناس وفاءً وأكثرهم عهدا
فأرحامُ شعرٍ يتصلنَ لدنـه وارحامُ مالٍ لا تنى تتقطعُ
قال ابن جنى قولن لدنّه فيه قبح وبشاعة لأن النون إنما تشدد إذا كانت بعدها نونٌ نحو لدنّي ولدُنّا وإذا لم يكن بعدها نون فهي خفيفة كقوله تعالى من لدنهُ وكقوله تعالى من لدنْ حكيمٍ خبيرٍ وأقربُ ما ينصرف إليه هذا إن يقال أنه شبه بعض الضمير ببعضٍ ضرورةً وإن لم يكن في الهاء ما في النون من وجوب الإدغام كما قالوا يعدُ فحذفوا الواور لوقوعها بين ياء وكسرة ثم قالوا أعدُ ونَعِدُ وتعدُ فحذفوا الفاء ايضا وإن لم يكن ما يوجبه قال ويجوزأنيكون ثقلَ النون كما قالوا في القطن القُطنَّ وفي الجبن الجبُنَّ ثمّ روى يتصلن بجوده واتصال ارحام الشعر يحتمل وجين احدهما أنه يقبل الشعر ويثيبُ عليه فيحصل بينه وبين الشعر صلةٌ كصلة الرحم والوجه الآخر إنه يمدح باشعار كثيرة تجتمع عنده فيتصل بعضها ببعض كاتصال الأرحام وكذلك تقطع أرحام الأموال فيه وجهان أحدهما انقطاعها منه بتفريق المال فيصير كأنه قد قطعَ ارحامها والآخر أنها لا تجتمع عنده كما قال "وكلَّما لَقِيَ الدينارُ صاحبهُ" البيت وقولهلا تنى معناه لا تزال من النوى وهو الضعف فوضعه موضع لا تزال لانها إذا لم تفتر عن التقطع يكون بمعنى لا تزال تتقطع
فتًى ألفُ جزءٍ رأيُهُ في زمانِهِ أقل جزٍى بعضه الرأيُ أجمعُ
ترتيب الكلام فتى رأيه في زمانه ألف جزءٍ أقل جزىّ من هذه الأجزاءِ الألف بعضه أي بعض أقل جزى من رأيه من رأيه الرأيُ الذي في أيدي الناس كله فألف جزء مرفوعٌ لأنه خبر مبتداءِ قدم عليه وهو قوله رأيه وأقل مرفوعٌ بالابتداء وبعضه مبتدأٌ ثانٍ وهو مضاف إلى ضمير المبتدأ الأول والرأي خبرٌ عن المبتدأ الثاني وأجمع توكيدٌ للرأي وهذا كما يقال زيد أبوه قائمٌ
غمامٌ علينا ممطرٌ ليس يقشـع ولا البرق فيه خلباً حين يلمعُ
الممطر مثل الماطر يقال مطرت السحابة وامطرت وليس يقشع أي ليس يتفرق ولا يذهب يقال اقشعت السحابة وانقشعت وتقشّعت إذا تفرّقت والبرق الخلّب المخلف
إذا عَرَضتْ حاجٌ إليه فنفسهُ إلى نفسهِ فيها شفيعٌ مشفعُ
الحاج جمع حاجة ويقال أيضا في جمعها حاجات وحوجق والمشفع الذي تقضي الحاجة بشفاعته يقال إذا سئل حاجةً شفعت نفسه إلى نفسه في قضائها وحسبك أن يكون المسؤول شفيعا لى نفسه ومثله قول الخريمي، شفعتْ مكارمُهُ لهم فكفتهم، جهد السؤال ولطفَ قولِ المادحِ ومثله لأبي تمام، طوى شيماً كانت تروح وتغتدي، وسائل من أعيت عليه وسائله،
خبت نارُ حربٍ لم تهجها بنانـهُ وأسمر عريانٌ من القشر أصلعُ
خبت النار إذا سكن لهيبها ومن الأسمر إلى آخر البيت من صفة القلم وجعله اصلع للينه وملاسته كالرأس الأصلع يقول كلّ نار حربٍ أوقدت بغير قلمه وأنامله فإنه منطفئة لا تطول مدّتها يعني أن الحرب التي اوقدها هو لا تنطفىء لقوة عزمه وشدّة نفسه
نحيفُ الشوى يعدو على أمِّ رأسهِ ويحفى ويقوى عدوهُ حين يقطعُ
يقول هذا القلم دقيق الاطراف يريد دقة خلقته يعدو على وسط رأسه ويحفى أي يكلّ عن المشي فيقوى عدوه إذا قطع وقطّ
يمجُّ ظلاما في نهارٍ لسـانُـهُ ويفهمُ عمن قال ما ليس يسمعُ
يريد بالظلام وبالنهار القرطاس وبلسانه طرفه المحدد يقول يفهم المكتوب إليه ما لم يسمعه منه وإن شئت يفهم القلم عن الكاتب ما ليس يسمعه الكاتب وهذا من قول الطائيّ، أخذُّ اللفظ ينطقُ عن سواهُ، فيفهمُ وهوَ ليس بذي سماعِ،
ذبابْ حُسامٍ منه أنجى ضـريبةً وأعصى لمولاه وذا منه أطوعُ
ذباب السيف طرفه المحدد والضريبة اسم للمضروب كالرمية اسم للمرمى يفضل القلم على السيف يقول المضروب بالسيف قد ينجو لأنه ينبو عنه ويعصى صاحبه الضاربَ به لأنه قد لا يقطع ومضروب القلم هو المكتوب بقتله لا ينجو والقلم اطوع من السيف لأنه لا ينبو عن مراد الكاتب
بكفِّ جوادٍ لو حكـتـهـا سـحـابةٌ لما فاتها في الشرق والغرب موضعُ
يقول هذا القلم الموصوف يجري بكفّ جواد لو كانت السحابة مثل كفّه في عموم النفع لعمت المشرق والمغرب بالمطر
فصيحٌ متى ينطق تجد كل لفظةٍ أصول البراعاتِ التي تتفرَّعُ
يعني أن كل لفظة من ألفاظه أصل من أصول البراعات وهي الكمال في الفصاحة والناس يبنون كلامهم عليها ويرجعون في استعمال الفصاحة إليها
وليس كبحرِ الماءِ يشتـقُّ قـعـرهُ إلى حيث يفنى الماءُ حوتٌ وضفدعُ
يقول ليس بحر جوده كبحر الماءِ الذي فيه يغوص الحوت والضفدع حتى ينتهيا إلى قعره
أبحرٌ يضر المعتفين وطعمهُ زعاقٌ كبحرٍ لا يضرُّ وينفعُ
المعتفون السائلون يقال فلان عفاه واعتفاه إذا أتاه سائلا والزعاق المر يريد أن يفضل الممدوح على البحر والاستفهام في أول البيت معناه الإنكار يقول ليس بحر يضر من ورده بالغرق وهو مر الطعم لا يمكن شربه كبحر ينفع الواردين بالعطاء ولا يضرهم ولو قال ينفع ولا يضرّ كان احسن حتى لا يتوهم نفى النفع والضرر جميعا لكنه قدم لا يضر لاثبات القافية قال ابن جنيّ وهذا فيه قبح لن المشهور عندهم أن ينسب الممدوح إلى المنفعة لاوليائه والمضرة لأعدائه كما قال، ولكن فتى الفتيانِ من راحَ وأغتدى، لضرِ عدوٍّ أو لنفع صديقِ، وقال الآخر، إذا أنت لم تنفع فضر فإنّما، يرجى الفتى كيما يضر وينفعا، قال ابن فورجة أبو الطيب قال أبحر يضر المعتفين فخصص في المصراع الأول فعلم من لفظه أنه أراد كبحر لا يضر المعتفين لأنه خصص في ابتداء الكلام ولا يكون آخر الكلام خارجا عن أوله وهذا على ما قال
يتيهُ الدقيقُ الفكرِ في بعد غوره ويغرق في تياره وهو مصقع
التيار الموج والمصقع الفصيح البليغ لأنه يأخذ في كل صقع من القول والدقيق الفكر الفهم الفطن الذي يدق فكره وخاطره إذا تفكر وهذا هو الرواية الصحيحة بالألف واللام في الدقيق مع الاضافة إلى الفكر وهو جائز في اسماء الفاعلين كالطويل الذيل والحسن الوجه ومن روى دقيق الفكر جعل الدقة نعتا للفكر اراد يتيه الدقيق من الافكار والأول اجود ليكون نعتا للرجل كأنه قال يتيه الرجل الدقيق الفكر ألا تراه يقول وهو مصقع وهذا نعتٌ للرجل لا للفكر
ألا أيها القيلُ المقيمُ بمـنـبـجٍ وهمتُهُ فوق السماكين توضع
يريد السماك الرامح والسماك الأعزل والايضاع السير السريع اوضعت الناقة إذا اسرعت
أليس عجيباً أن وصفك معجز وأن طنوني في معاليك تظلع
يقال طلعت النقاة تظلع إذا مشت مشية العرجاء من يدها أو رجلها يقول أليس من العجب أني مع جودة خاطري وبلاغة كلامي اعجز عن وصفك ولا يبلغ ظني معاليك فلا ادركها لكثرتها
وأنك في ثوبٍ وصدرك فيكـمـا على أنه من ساحةِ الأرضِ أوسعُ
صدرك بالرفع استئناف يقول أو ليس من العجب انك في ثوب قد اشتمل عليك وصدرك فيك وفي الثوب مع أنه أوسع من وجه الأرض
وقلبك في الدنيا ولو دخلت بـنـا وبالجنِ فيه ما درت كيف ترجع
يقول أو ليس من العجب أن قلبك قد احاطت به الدنيا وهو من السعة بحيث لو دخلت الدنيا بمن فيها من الجن والإنس في قلبك لضلت وما اهتدت للرجوع
ألا كل سمحٍ غيرك اليوم باطلٌ وكل مديح في سواك مضيع
نصب غيرك كنصب، وما لي إلا أحمد شيعة، وما لي إلا مذهب الحق مذهب، وما في الدار غير زيد أحد لأنه قد تقدم على المستثنى منه والسمح الذي يسمح بماله يقول كل جواد سواك باطل أي بالإضافة إليك وكل مدح مدح به غيرك فهو مضيع لأنه ليس في أهله وفيمن يستحقه.
وقال في صباه على لسان بعض التنوخيين وقد سأله ذلك
قضاعة تعلم أني الفـتـى ال ذي ادخرت لصروف الزمان
يقول قبيلتي تعلم أني فتاها الذي يحتاجون إليه فيدخرونه لدفع ما ينزل بهم من الحوادث
ومجدي يدل بني خنـدف على أن كل كريم يماني
يقول شرفي دليل على أن كل كريم يمني أي من قبائل اليمن لأني منهم
أنا أبن اللقاء أنا ابن الـسـخـاء أنا ابن الضراب أنا ابن الطعان
العرب تقول لكل من لزم شيأ انه ابنه حتى قالوا لطير الماء ابن الماء واللقاء ملاقاة الأقران في الحرب يقول أنا صاحب هذه الأشياء لا أفارقها
أنا ابن الفيافي أنا ابن القوافـي أنا ابن السروج أنا ابن الرعان
وكان ينشده أيضا بطرح الياء من الفيافي والقوافي اكتفاء بالكسرة كقوله تعالى جابوا الصخر بالواد والرعان جمع الرعن وهو الشاخص من الجبل يقول أنا صاحب الجبال لكثرة سلوكي طرقها
طويل النجاد طويل العماد طويل القناة طويل السنان
النجاد حمالة السيف وطولها دليل على طول قامته والعماد عماد الخيمة الذي تقوم به وذلك مما يمدح به لأنه يدل على كثرة حاشيته وزواره وطول القناة يدل على قوة حاملها لأنه لا يقدر على استعمال القناة الطويلة إلا القوي
حديد الحفاظ حديد اللحاظ حديد الحسام حديد الجنان
الحفاظ المحافظة على ما يجب حفظه ومعنى حديد اللحاظ أنه يرى مقاتل عدوه في الحرب يقول هذه الأشياء منى حديدة وأنا حديد هذه الأشياء
يسابق سيقي منايا العباد إليهم كأنهما في رهان
يقول سيفي يبادر آجال الناس ليسبقها فيقتلهم قبل انقضاء آجالهم وهذا من قول عنترة، وأنا المنية في المواقف كلها، والطعن منى سابق الآجال. ومثله قول الطاعي، يكاد حين يلاقي القرن من حنق، قبل الحمام على حوبائه يرد،
يرى حده غامضات القلوب إذا كنت في هبوة لا أراني
غامضات القلوب يريد القلوب الغامضة في الأبدان وإنما خصها دون سائر الأعضاء الغامضة لأنها مقاتل بلا شك يقول يرى حد سيفي قلوب الأعداء فيردها إذا كنت في غبار لا أرى نفسي ولا يجوز أراني بمعنى ارى نفسي وإنما يجوز ذلك في أفعال معدودة نحو ظننتني وخلتني وبابهما ومعنى البيت من قول زيد الخيل، وأسمر مرفوعٍ يرى ما رأيته، بصير إذا صوبتهُ بالمقاتلِ، أي هيأته نحو العدو وقد قال أبو تمام، من كل أرزق نظارٍ بلا نظرٍ، إلى المقاتل ما في متنه أودُ،
سأجعله حكماً في النفـوس ولو ناب عنه لساني كفاني
الحكم بمعنى الحاكم يقول سأقتل من اعداءي ما شئت ولساني كسيفي في الحدة فلو ناب عنه كفاني السيف لأن أبلغ من التأثير في أعداءي بلساني ما يبلغه السيف ويجوز أن يكون المعنى ولو ناب اللسان عن السيف بأن يطيعوا أمري لم استعمل فيهم السيف وقال أيضا في صباه
قفا تريا ودقي فهاتا المخائل ولا تخشيا خلفاً لما أنا قائل
الودق المطر وهاتا بمعنى هذه والمخائل جمع المخيلة وهو السحابة الخليقة بالمطر والخلف اسم من الاخلاف يقول لصاحبيه اصبرا تريا من أمري شأنا عظيما فقد ظهرت مخائله وما يشهد لي بتحقيق ما كنت أعدكما من نفسي من قتل الأعداء وبلوغ الآمال وذكر أنه لا يخلف وعده.
رماني خساسُ الناسِ من صائبِ أستهِ وآخر قطنٌ من يديهِ الـجـنـادلُ
الصائب بمعنى المصيب يقال صابه يصوبه واصابه يصيبه وصاب السهم الهدف واصابه يقول عابني الأراذل والاخساء ثم بين تفصيلهم فقال من صائب استه أي ممن يصيب استه ما يرميني به أي يلحقه ما يعيبني به وينقلب عليه وآخر يؤثر في ما يرميني به ولا يرميني به ولا يعلق بي ما يقوله في كأنه يرميني بقطعة قطن لعدم التأثير وقوله من صائب استه كقولهم جاءني القوم من فارسٍ وراحلٍ يعني أنهم من هذين الجنسين
ومن جاهلٍ بي وهو يجهل جهله ويجهل علمي أنه بي جاهـلُ
يقول ومن رجل آخر لا يعرفني ولا يعرف أنه جاهل بي فهاتان جهالتان ويجهل أني أعلم أنه جاهل بي
ويجهل أني مالكً الأرض معسـرٌ وأني على ظهر السماكين راجلٌ
يقول ولا يعلم هذا الجاهل أني في الحال التي املك فيها الأرض كلها معسرٌ عند نفسي ومقتضى همتي وأني إذا علوت السماء وركبت السماكين كنت راجلا لاقتضاء همتي ما فوق ذلك ألا تراه يقول
تحقر عندي همتي كل مـطـلـبٍ ويقصر في عيني المدى المتطاولُ
يقول همتي تريني كل شيءٍ اطلبه حقيرا والغاية البعيدة قصيرةً في عيني
وما زلت طوداً لا تزول مناكبي إلى أن بدت للضيم في زلازلُ
مناكب الجبل أعاليه يقول لم أزل في الثبات والوقار طوداً لا يحركه شيء إلى أن ظُلمت فلم اصبر على الظلم بل تجردت لدفع الظلم عن نفسي وهو قوله
فقلقلتُ بالهم الذي قلقلَ الحشا قلاقلَ عيسٍ كلهنَّ قلاقـلُ
القلقلة التحريك ويريد بالحشا ما في داخل الجوف والقلاقل الأولى جمع قلقلٍ وهي الناقة الخفيفة ويقال أيضا رجل قلقل وفرس قلقل إذا كانا سريعي الحركة والقلاقل الثانية جمع قلقلةٍ وهي الحركة يقول حركت بسبب الهم الذي حركة قلبي نوقا خفافا في السير يعني سافرت ولم اعرج بالمقام الذي يلحقني في الضيم ويجوز أن يكون القلاقل الثانية ايضا بمعنى الأولى فإذا كان كذلك عادت الكناية من كلهن على العيس لا على القلاقل يقول خفاف إبلٍ كلهن خفاف يعني انهن خفاف الخفاف وسراع السراع كما يقال افضل الفضلاء وعاب الصاحب اسماعيل ابن عباد أبا الطيب بهذا البيت فقال ما له قلقل الله احشاء وهذه القافات باردة ولا يلزمه في هذا عيبٌ فقد جرت عادة الشعراء بمثل هذا سمعت الشيخ أبا منصور الثعالبي رحمه الله يقول قال لي أبو نصر بن المرزبان ثلاثة من رؤساء الشعراء شلشل أحدهم وسلسلَ الثاني وقلقلَ الثالث أما الذي شلشل فالأعشى وهو من رؤساء شعراء الجاهلية قال، وقد غدرت إلى الحانوتِ يتبعني، شاوٍ مشلٌّ شلولٌ شولُ، وأما الذي سلسل فمسلم بن الوليد وهو من رؤساء المحدثين وهو الذي قال، سلَّت وسلت ثم سلَّ سليلُها، فأتى سليلُ سليلها مسلولا، وأما الذي قلقل فهو المتنبي وهو من رؤساء العصريين وهو الذي يقول فقلقلت بالهم الذي قلقل الحشا البيت فبلبلْ أنت أيضا فقلت له أخشى أن أكون رابع الشعراء أعني قول من قال، الشعراء فاعلن أربعة، فشاعرٌ يجري ولا يجري معهْ، وشاعرٌ ينشدُ وسطَ المعمعةْ، وشاعرٌ من حقه أن تسمعه، وشاعرٌ من حقه أن تصفعه، فقال بل لا تكون رابع الشعراء قال ثم قلت بعد حينٍ من الدهر، وإذا البلابل أفصحت بلغاتها، فأنفِ البلابلَ باحتساءِ بلابل، وفي هذا ما يبطل انكار ابن عباد علي أبي الطيب
إذا الليل وارانا أرتنا خـفـافـهـا بقدحِ الحصى ما لا ترينا المشاعلُ
المواراة الستر والمشاعل جمع مشعلة وهي النار الموقدة والمشعلة بكسر الميم الآلةُ التي تحمل فيها النار يقول إذا سترنا الليل بظلامه أسرعت هذه الإبل حتى تصطك الحجارة بعضها ببعض وتنقد النار منها فنرى بها ما لا نراه بضوء المشاعل
كأني من الوجناءِ في ظهرِ موجةٍ رمتْ بي بحاراً ما لهنَّ سواحلُ
الوجناء الناقة الغليظة الوجنات وقيل هي من الوجين وهو ما غلظ من الأرض جعل الناقة من شدة عدوها كالموج وجعل المفازة كالبحر في سعتها يقول كأني منها إذا ركبتها في هذه المفازة في ظهر موج يرميني في بحرٍ لا ساحلَ له
يخيل لي أن البلاد مسامعي وأني فيها ما تقول العواذلُ
يخيل لي أي يشبه واراد بالبلاد المفاوز يقول لا أستقر في البلاد كما لا يستقر في مسامعي كلام العذال وهذا منقول من قول من قال، كأني قذىً في عين كل بلاد، وقد قال البحتري، تقاذفُ بي بلادٌ عن بلادٍ، كأني بينها عيرٌ شرودُ،
ومن يبغ ما أبغي من المجد والعلا تساوي المحائي عنده والمقاتـلُ
العلا جمع العليا تأنيث الأعلى كالكبر في جمع الكبرى والمحائي جمع المحيا بمعنى الحياة يقول من يطلب ما أطلب من الشرف والرتب العالية استوى عنده الحياة والقتل لأنه علم أن الأمور العالية فيها المخاوف والهلاك فيكون قد وطن نفسه على الهلاك فهو يصبر عليه ولا يبالي به وقوله تساوى إن كان مضيا يثبت بالياء وإن كان بمعنى تتساوى فلا ياءَ لنه في محل الجزم جوابا للشرط
ألا ليست الحاجات إلا نفوسكم وليس لنا إلا السيوف وسائل
يقول لملوك عصره لا نطلب إلا أرواحكم ولا نتوسل إلا بسيوفنا
فما وردت روح امرءٍ روحه لـه ولا صدرت عن باخلٍ وهو باخلُ
أي إذا وردت السيوف روح امرءٍ املك لها عنه وإذا صدرت عنه صار وإن كان بخيلا غير بخيلٍ لأن السيف ينال منه ما يطلب منه أو يفتدي روحه بماله
غثاثة عيشي أن تغثَّ كرامتي وليس بغثٍ أن تغثَّ المآكلُ
يقال غثّ الشيء يغثّ غثاثة وغثّ يغثّ أيضا يقول هزال عيشي في هزال كرامتي لا في هزال مطاعمي وقال أيضا في صباه
ضيفٌ ألم براسي غير محتشـمِ والسيفُ أحسنُ فعلاً منه باللمم
عنى بالضيف الشيب كما قال الآخر، أهلاً وسهلاً بضيفٍ نزلْ، واستودعُ الله الفاً رحلْ، يريد الشيب والشباب والمحتشم المنقبض المستحيي يريد أن الشيب ظهر في رأسه شائعا دفعةً من غير أن يظهر في تراخٍ ومهلةٍ هذا معنى قوله غير محتشم ثم فضل فعل السيف بالشعر على فعل الشيب لأن الشيب بيضه وذلك اقبح الوان الشعر ولذلك سن تغيره بالحمرة والسيف يكسوه حمرةً إذا قطع اللحم على أن ظاهر قوله أحسن فعلا منه باللمم يوجب أن الشعر المقطوع بالسيف أحسن من الشعر الأبيض بالشيب لأن السيف إذا صادف الشعر قطعه وإنما يكسوه حمرةً إذا قطع اللحم وقال البحتري، وددتُ بياضَ السيف يومَ لقيتني، مكانَ بياضِ الشيب حل بمفرقي، فجعل نزول السيف برأسه أحب إليه من نزول الشيب برأسه
إبعدْ بعدتَ بياضاً لا بياض لـه لأنت أسودُ في عيني من الظلمِ
يقال بعد يبعد بعداً إذا ذل وهلك وعنى بالبياض الأول بياض الشيب وبالثاني الخصال الحميدة يقول يا بياضاً ليس له بياضٌ يريد معنى قول أبي تمام، له منظرٌ في العين أبيضُ ناصعُ، ولكنه في القلب أسودُ أسفعُ، وقد قال أبو الطيب في بياض الثلج ما يشبه هذا وهو قوله، فكأنها ببياضها سوداءُ، يقول بياض الشيب ليس ببياضٍ فيه نورٌ وسرور وهو اشدّ سواداً من الظلم لما يورى به من قطع الأجل وقطع الأمل وجميع من فسر هذا الشعر قالوا في قوله لأنت اسود في عيني من الظلم أن هذا من الشاذّ الذي أجازه الكوفيون من نحو قوله أبيضُ من أختِ بني إباض وسمعت العروضي يقول اسود هاهنا واحد السود والظلم الليالي الثلاث في أواخر الشهر التي يقال لها ثلاث ظلم يقول لبياض شيبه أنت عندي واحدةٌ من تلك الليالي الظلم على أن أبا الفتح قد قال ما يقارب هذا فقال وقد يمكن أن يكون لأنت اسود في عيني كلاما تاما ثم ابتدأ بصفة فقال من الظلم كما تقول هو كريمٌ من أحرارٍ وهذا يقارب ما ذكره العروضيّ غير أنه لم يجعل الظلم الليالي
بحبِّ قاتلتي والشيبِ تغـذيتـي هواي طفلاً وشيبي بالغ الحلمِ
عني بقاتلته حبيبته يعني أن حبها يقتله والباء في بحب من صلة التغذية يقول تغذيتي بهذين بالحب والشيب ثم فسر ذلك بالنصف الأخير من البيت يقول هويت وأنا طفل وشبت حين احتلمت لشدة ما قاسيت من الهوى فصار غذاءً لي وهواي ابتداءٌ وطفلا حالٌ سدّ مسدّ الخبر كما يقال انطلاقك ضاحكا وإقبالك مسرورا وعلى هذا التقدير أيضا وشيبي بالغ الحلم والمصراع الثاني تفصيل ما إجمله في الأول لأنه بين وقت العشق ووقت الشيب
فما أمر بـرسـمٍ لا أسـائلـه ولا بذات خمارٍ لا تريقُ دمي
ارسم أثر الدار مما كان ملاصقا بالأرض والطلل ما كان شاخصا يقول كل رسم يذكرني. رسم دارها فأسأله تسليا وكل ذات خار تذكرنيها فتريق دمي
تنفست عن وفاءِ غيرِ منصدعٍ يومَ الرحيل وشعبٍ غير ملتئمِ
يقول تنفست عند الوداع تحسرا على فراقي عن وفاءٍ يعني في قلبها من وفاء صحيح غير منشق وفراق غير مجتمع والمعنى وحزن فراقٍ فحذف المضاف أي أنها كانت منطويةً على وفاء صحيحٍ وهم فراقٍ لا يلتئم ولا يجتمع وكان تنفسها عن هذين ويريد بالشعب الفراق من قولهم شعبته إذا فرقته ويجوز أن يريد بالشعب القبيلة ويكون المعنى عن فراق شعبٍ غير مجتمع لارتحالهم وتفرقهم في كل وجه وهي كانت تشاهد ذلك والمعنى أنا افترقنا بالاجساد لا بالفؤاد لأنها كانت معي على الوفاء
قبلتها ودموعي مزج أدمعها وقبلتني على خوفٍ فما لفم
أي بكينا جميعا حتى امتزجت دموعي بدموعها في حال التقبيل والمزج مصدر سمي به الفاعل يقول دموعي مازجة دموعها أي ممتزجة بها ونصب فما لأنه وضعه موضع اسم الحال كما تقول كلمته فاه إلى فيّ أي مشافها
فذقتُ ماءَ حيوةٍ من مقبـلـهـا لو صاب ترباً لأحيا سالفَ الأممِ
جعل ريقها ماء الحياة على معنى أن العاشق إذا ذاقه حيي به ومعنى لو صاب تربا لو نزل على تراب من قولهم صاب المطر يصوب صوبا ويجوز أن يكون بمعنى اصاب وقد ذكرناه يقول لو وقع على الأرض لأحيى الموتى من الأمم المتقدمة وأول هذا المعنى للأعشى بقوله، لو أسندت ميتاً إلى نحرها، عاش ولم ينقل إلى قابر، فنقل أبو الطيب الأحياء إلى ريقها
ترنو إليَّ بعين الظبي مجشـهةً وتمسح الطل فوق الورد بالنعمِ
جعل عينها عين الظبي لسوادها ومجهشة متهيئة للبكاء ويريد بالطل دموعها وبالورد خدها وبالعنم اطرافها بنانها محمرة بالخضب والعنم شجرٌ له ثمر أحمر يشبه العناب قال الازهري قد رأيته في عدة مواضع ومعنى البيت من قول أبي نواس وهو ما قرأته على أبي الحسن محمد بن الفضل فقلت أخبركم عن عبد المؤمن بن خلف قال اخبرنا محمد بن زكرياء الغلابي قال سمعت الصلت بن مسعود الجحدري يقول كنت على الصفا وإلى جانبي سفيان بن عيينة فقال لي يا شابُّ من أين أنت فقلت أنا من ناحية العراق فقال ما فعل شاعركم ما فعل ظريفكم قلت من تعني قال الحسن بن هانىء قلت وما الذي استظرفت من شعره قال قوله، يا قمراً أبصرتُ في مأتمٍ، يندب شجواً بين أتراب، يبكي فيلقي الدرَّ من نرجسٍ، ويلطم الوردة بعنابِ، قال فتعجبت من سفيان بن عيينه وانشاده شعر أبي نواس ومثله لابن الرومي، كأن تلك الدموع قطر ندًى، يقطرُ من نرجسٍ على وردِ،
وريد حكمك فينا غير منصفةٍ بالناس كلهم أفديك من حكمِ
رويد اسم من أسماء الفعل بمنزلة بمنزلة صه ومهْ وإيهٍ يقال رويدَ رويدا أي دعه وأمهله وغير منصفة نصب على الحال والعامل فيه المصدر وغير منصفة بمعنى ظالمة يقول دعي أو أقلي حكمك علينا وأنت ظالمة لنا ثم قال أفديك بالناس كلهم من حاكم يعني أنت حبيبة إلى أن حكمت بالجور
أبديت مثلَ الذي أبديتُ من جزعٍ ولم تجنى الذي أجننتُ من ألم
يقال أجننت الشيء أي سترته وكتمته يقول وافقتني في ظاهر الجزع للفراق ولم تضمري ما اضمرته من وجعه كما قال الناشىء، لفظي ولفظك بالشكوى قد ائتلفا، يا ليت شعري فقلبنا لم اختلفا
إذا لبزك ثوبَ الحسنِ أصـغـره وصرتِ مثلي في ثوبين من سقم
قال الزجاج تأويل إذا أن كان الأمر كما جرى أو كما ذكرت يقول القائل زيد يصير إليك فتقول إذا اكرمه تأويله أن كان المر على ما تصف وقع اكرامه وتأويله ههنا أنه ذكر أنها لم تجن الألم كأنه قال لو اجننت من الألم ما اجننته إذا لبزك أي لسلبك ثوبَ الحسن أقل جزءٍ من اجزاء الألم أي أذهب حسنك وظهر عليك من أثره ما يذهب نضارة حسنك ويكسوك ثوب السقم وإنما ذكر لفظ التثنية لأن العادة في اللباس ثوبان ازارٌ ورداءٌ للعرب ويسمونها الحلة وللعجم قميص وسراويل فكأنه قال وكساك حلة السقم كما كساني
ليس التعللُ بالآمال من أربـى ولا القناعةُ بالإقلال من شيمي
التعلل ترجية الوقت بالشيء اليسير بعد الشيء يقال فلان يتعلل بكذا أي يمضي به وقته ودهره والإقلال الفقر والحاجة. أقل إذا صار إلى حالة قلة الوجد للشيء وهو ضد الإكثار يقول ليس من عادتي ان أتزجى بالآمال وأدافع الوقت بشيءٍ أرجوه لعله لا يكون ولا أن أقنع باليسير يعني أنه يطلب الكثير ويسافر في طلب المال كما قال أبو الأسود، وما طلبُ المعيشة بالتمني، ولكن ألق دلوك في الدلاءِ،
ولا أظنُ بناتِ الدهرِ تتركنـي حتى تسدَّ عليها طرقها هممي
بنات الدهر حوادثه ونوائبه التي تتولد منه وتحدث فيه يقول لا تدعني النوائب حتى ادفعها عن نفسي بسدّ طريقها إلى وهو أن يتقوى بالمال والانصار
لمِ الليالي التي أخنت على جدتي برقةِ الحالِ واعذرني ولا تلمِ
يقول لمن لامه في الفقر لا تلمني ولم الدهر الذي اهلك مالي وسلبني الغني يقال اخنى عليه الدهر إذا اتلفه والجدة الغنى
أرى أناسا ومحصولي على غنـمٍ وذكر جودٍ ومحصولي على كلمِ
المحصول بمعنى الحصول وقد يكون المفعول مصدرا كالمعقول والميسور وقوله وذكر جود معناه واسمع ذكر جود وهو من باب، علفتها تبنا وماءً بارداً، يقول أرى قوما على صورة الناس غير أنهم عند التحصيل كالنعم لا عقل لهم كما قال السيد الحميري، قد ضيع الله ما جمعتُ من أدبٍ، بين الحميرِ وبين الشاءِ والبقرِ،
وربَّ مالٍ فقيرا من مـروتـهِ لم يثرِ منها كما أثرى من العدم
يقول وأرى رب مال وليست له مروة ولم يستكثر منها كما استكثر من المال حتى اثرى بعد الفقر أي لم يكثر المروة عند كثرة المال وقوله اثرى من العدم هو كما يقال استغنى من الفقر والمروة اصلها الهمز يقال امرءٌ بين المروءة ثم تخفف الهمزة فتلتقي وأوان فتدغم الأولى في الثانية وهذا منقول من قول الطاءي، لا يحسبُ الإقلال عدماً بل يرى، أن المقلَّ من المروةِ معدمُ،
سيصحب النصل مني مثل مضربهِ وينجلي خبري عن صمةِ الصممِ
الصمة الشجاع يقول السيف يصحب مني رجلاً كحده في المضاء ويتبين للناس أني اشجع الشجعان يعني إذا قصد الحرب مضى مضاء السيف وعمل عمل الاشجع والانجلاء الانكشاف
لقد تصبرت حتى لات مصطبرٍ فالآن أقحم حتى لات مقتحـمِ
التاء في لات زائدة ومن الحروف ما يزاد فيه هاء التأنيث نحو ثم وثمت ورب وربت والجر به قليل شاذ وقال ابن جنىّ من العرب من يجر بلات وانشد، طلبوا صلحنا ولات أوانٍ، فأجبنا أن ليس حين بقاءِ، والمصطبر بمعنى الإصطبار وكذلك المقتحم بمعنى الاقتحام وهو الدخول في الشيء ويجوز أن يكونا بمعنى الوقت وبمعنى المكان يقول تكلفت الصبر حتى لم يبق اصطبار فالآن أي أورد نفسي المهالك واوقعها في الحرب حتى ادرك مرادي فلا يبقى اقتحام
لأتركنَّ وجوه الخـيل سـاهـمةً والحربُ أقومُ من ساقٍ على قدمِ
ساهمة متغيرة لما يلحقها من شدائد الحرب يقال سهم وسهم وجهه يسهم ويسهم إذا تغير سهوما يقول لأكلفن الخيل من الحرب ما تسهم له ألوانها ولأتركن الحرب قائمةً كانتصاب الساق على القدم
والطعن يحرقها والزجرُ يقلقها حتى كأن بها ضرباً من اللمم
أي يعمل فيها الطعن عمل النار حتى كأنه يحرقها ويروي يخرقها والزجر الصياح بها عند اقتحامها في الحرب أو في الماء كأنه بذلك الصياح يزجها عن التأخر ويقلقها يحركها واللمم شبه الجنون يريد أنها تضطرب لما يلحقها من ألم الطعن وخوف الزجر فكأنها مجنونة إلا لا تستقر ولا تثبت
قد كلمتها العوالي فهـي كـالـحةٌ كأنها الصابُ معصوبٌ على اللجم
التكليم تفعيل من الكلم الذي هو الجرح يقول هي عابسةٌ لما اصابها من جراح الرماح وكان الصاب وهو نبت مر يقال له الصبر قد شد على لجمها فهي تجد مرارته ويروى معصور من العصر
بكل منصلتٍ ما زال منتظري حتى أدلتُ له من دولةِ الخدمِ
يقول لأنكرن الحرب قائمةً بكل رجلٍ ماضٍ في الأمر انتظر خروجي على السلطان حتى أعطيته الدولة من الخدم الذين لا يستحقون الإمارة وعني بها الأنراك الذين تملكوا بالعراق ويقال ادلت له من فلان إذا أعنته عليه حتى جعلت له الدولة
شيخٍ يرى الصلوات الخمس نافلةً ويستحلُّ دم الحجاجِ في الحرمِ
شيخ بدل من منصلت يريد أنه يستعين بمثل هذا ممن لا يعتقد الدين حتى يزيل دولة الخدم
وكلما نطحت تحت العجاج به أسد الكتائب رامته ولم يرمِ
رامته زالت عنه ولم يزل هو عنها واراد رامت عنه فحذف حرف الجر وأوصل الفعل والأصل استعماله بحرف الجر كما قال الأعشى، أبنا فلا رمتَ من عندنا، فإنا بخيرٍ إذا لم ترمْ، والمعنى أن الأبطال تنهزم عنه ولا تنهزم هو والنطح إنما هو للكباش ولا يستعمل في الأسود ولو قال كلما صدمت أو رميت كان اليق ولكنه أراد بالنطح القتال
تنسى البلاد بروق البحو بارقتي وتكتفي بالدمِ البحاري عن الديمِ
يقول إذا أبرقت سيفي لأعداءي في الحرب فإن ضوءه يزيد على ضوء بروق السحاب حتى ينسى الناس البروق ويكثر مع ذلك سيلان الدم حتى تستغني البلاد عن الديم وهي الأمطار بما اصابه من الدماء
ردي حياض الردى يا نفسُ واتركي حياض خوفِ الردى للشآء والنعمِ
وكان ينشده أيضا حوباءُ أي يا حوباءُ وهي النفس يقول ردى المهالك والحروب واتركي خوف ورود الهلاك للانعام من الإبل والغنم أي إنها هي التي لا تقاتل عن نفسها ولا تحامي عنها عن الذل ويذكر النعم والمراد به الإبل خاصةً
إن لم أذركِ على الأرماح سائلةً فلا دعيتُ ابن أم المجد والكرمِ
يقول لنفسه أن لم اذكر سائلة الدم على الأرماح يعني أن لم احضر الحرب حتى يسيل الدم مني على الأرماح فلا ديعت أخا المجد والكرم
أيملك الملك والأسيافُ ظامـئةٌ والطير جائعةٌ لحمٌ على وضمِ
الوضم كل شيء يوضع عليه اللحم ويضرب اللحم على الوضم مثلا للضعيف الذي لا امتناع عنده ويقال للمرأة لحم على وضم ومنه قول السنبسي، أحاذر الفقر يوما أن يلم بها، فيهتك الستر عن لحمٍ على وضم، وذلك أن الحيوان فيه نوع امتناع فإذا ذبح ووضع لحمه على الوضم كان عرضةً لكل أحد حتى الطيور والذباب وقوله أيملك الملك استفهامٌ معناه الإنكار يقول لا يملك الملك ضعيفٌ لا يمنع ولا يدفع عن نفسه والإسياف عطاش إلى دمه والطير لم تشبع من لحمه يعنى أنه يقتل ويلقى للطيور ولا يملك
من لو رآني ماءً ماتَ من ظمأٍ ولو مثلتُ له في النومِ لم ينمِ
من بدلٌ من قوله لحم على وضم يقول الذي لو كانت ماءً وكان عطشان لم يقدر أن يشرب مني لخوفه حتى يموت عطشا ولو رآني في النوم ماثلا له لهجر النوم خوفا من أن يراني في النوم
ميعاد كل رقيق الـشـفـرتـين غـداً ومن عصى من ملوك العرب والغجمِ
أراد كل سيف رقيق الشفرتين وهو الذي رققت شرفتاه بكثرة الصقل يعني أنه يحاربهم ويقود غليهم الجيش ومن عصى يريد ومن عصاني
فإن أجابوا فما قصدي بها لهمُ وإن تولوا فما أرضى لها بهمِ
يقول إن اطاعوني وأجابوا إلى ما أدعوهم إليه فليست بسيوفي ولا اقتلهم بها وإن أدبروا عني فلا اقتصر على مثلهم بل اتعداهم إلى غيرهم قال أيضا في صباه وقد عذله أبو سعيد المخيمري في تركه لقاءَ الملوك
أبا سعيدٍ جنب العتـابـا فربَّ رآءٍ خطأً صوابا
يقول بعد عني عتابك ولا تعاتبني لأنك ترى الخطأ من زيارة الملوك صوابا ويجوز رائي خطأٍ بالإضافة وراء خطأً كما تقول زيد ضاربُ عمروٍ وضاربٌ عمرا إذا كان فيما يستقبل الرؤية ههنا بمعنى الظن والعلم فيجوز أن يتعدّى إلى مفعولين
فإنهم قد أكثروا الحجابا واستوقفوا لردنا البوابا
يقول الملوك نصبوا الحجاب الذين يحجبون عنهم الناس واستكثروا منهم وسألوا البواب وهو الذي يقف على الباب أن يقف على أبوابهم لصرف الناس عنهم
وإن حد الصارم القرضابا والذابلات السمر والعرابا
ترفع فيما بيننا الحجابـا
القرضاب السيف القاطع والذابلات الرماح اللينة والعراب الخيل العربية يريد أنه يتوصل إلى الملوك بالسلاح والخروج عليهم وقال أيضا في صباه ارتجالاً على لسان رجلٍ سأله ذلك
شوقي إليك نفى لذيذ هجوعي فارقتني وأقامَ بين ضلوعي
يعني شوقي إليك منعني طيب النوم فارقتني أنت وأقام الشوق في قلبي
أوما وجدتم في الصراةِ ملـوحةً مما أرقرقُ في الفراتِ دموعي
الصراة نهر يتشعب من الفرات فيصير إلى الموصل ثم إلى الشام وكان حبيبه من جانب الصرة يقول أوما وجدتم طعم ملوحة من دموعي في مائكم لبكاءي في الفرات ويقال رقرق الماء والدمع إذا صبه
ما زلتُ أحذر من وداعك جاهداً حتى اغتدى أسفي على التوديع
يقول لم أزل أحذر من وداعك خوف الفراق وأنا اشتاق الآن إلى التوديع واتأسف عليه لأني لقيتكعند الوداع فاتمنى ذلك لألقاك قال ابن جنى كنت أكره الوداع فلما تطاول البين أسفت على التوديع لما يصحبه من النظر والشكوى والبث
رحل العزاء برحلتي فكأنما أتبعته الإنفاس للتـشـييع
يقول ارتجل الصبر عني بارتحالي عنكم فكان أنفاسي تبعت العزاء مشيعةً له فهي صاعدة متصلة دائمة وقال في صباه أيضا ارتجالا
أي محلٍّ أرتقى أي عظيمٍ أتقي
يقول لم يبق له محل ولا درجة في العلو إلا وقد بلغها وأي استفهامٌ معناه الانكار أي وليس يخاف عظيما يتقيه
وكل ما قد خلق الل هُ وما لم يخـلـق
محتقرٌ في همـتـي كشعرةٍ في مفرقي
قوله وما لم يخلق ليس معناه ما لا يجوز أن يكون مخلوقا كذات البارىء عز وجل وصفاته لأنه لو أراد هذا للزمه الكفر بهذا القول وإنما أراد وما لم يخلقه مما سيخلقه وقال أيضا في صباه
إذا لم تجد ما يبتر الفـقـر قـاعـدا فقم واطلب الشيء الذي يبتر العمرا
البتر القطع وما يبتر الفقر هو المال يقول إذا لم تجد غنى يقطع عنك الفقر فقم وأطلب ما يقطع العمر وهو الحرب أي لتصيب مالا أو تقتل فتستغني عن المال
وقال مجيبا لإنسان قال له سلمت عليك فلم ترد الجواب
أنا عاتبٌ لتعتبـك متعجبٌ لتعجبك
يقول أنا واجد عليك لتكلفك الموجدة على من غير ذنب واتعجب من تعجبك مني حين لم أرد عليك الجواب
إذ كنت حين لقـيتـنـي متوجعا لـتـغـيبـك
فشغلتُ عن ردِ السـلا مِ وكان شغلي عنك بك
يقول كنت في تلك الحالة التي لقيتني فيها اتوجع لغيبتك عني واشتغالي بالتوجع لفراقك شغلني عن رد الجواب عليك وكان اشتغالي في الظاهر اشتغالا عنك وفي الباطن اشتغالا بك وقال أيضاً في صباه
أنصر بجودك ألفاظاً تـركـت بـهـا في الشرق والغرب من عاداك مكبوتا
يقول انصر بعطائك اشعاري التي مدحتك بها فكأني كبت بها أعداءك في الشرق والغرب يعني أنها غاظتهم ومعنى نصره إياها أن يصدقها فيما وصفه به من الجود ويعطي المتنبي حتى يزيده منها
فقد نظرتك حتى حان مرتحلي وذا الوداع فكن أهلاً لما شيتا
ويروي وقد بالواو ونظرتك معناه انتظرتك والمرتحل الارتحال يقول انتظرت عطاءك حتى حان الارتحال وهذا وقت وداعي إياك فاختر أن تكون أهلا للجود والمدح إن شئت أو للحرمان والذم إن شئت وهذا كقول أحمد بن أبي فننٍ، حان الرحيل فقد أوليتنا حسناً، والآن أحوج ما كنا إلى زادِ
حاشا الرقيب فخانته ضمـائره وغيض الدمع فأنهلت بوادره
وقال أيضا في صباه ولم ينشدها أحدا
حاشا الرقيب فخانته ضمـائره وغيض الدمع فانهلت بوادره
حاشاه تجنبه وتوقاه وغيض الدمع حبسه ونقصه وانهلت انصبت وبوادره سوابقه ومسرعاته يقول تباعد عن الرقيب مخافة أن يطلع على هواه فظهر عليه ما يكتمه لأنه لم يقدر على كتمانه فوقف الرقيب على سره والضمائر جمع الضمير وهو ما يضمره الإنسان في قلبه ومعنى خانته ظهرت للرقيب بغير قصده وأرادته وقد أكد هذا فيما بعده وهو قوله
وكاتم الحب يوم البين منتـهـك وصاحب الدمع لاتخفى سرائره
يقول الذي يكتم حبه كيلا يطلع عليه يبدو سره يوم الفراق لأنه يجزع ويبكي فيستدل بجزعه وبكائه على حبه والمصراع الثاني كالتفسير للأول
لولا ظباء عديٍّ ما شقيت بهم ولا بربربهم لولا جـاذره
كنى بالظباء عن النساء وعدي قبيلة والربرب قيطع من البقر والجاذر جمع جوذر وهو ولد البقرة الوحشية والعرب تكنى بهذه الأشياء عن النسوان الحسان يقول لولا نساء هذه القبيلة اللاتي هن كالظباء في عيونهن واعناقهن لم اشق بهم أي أحتاج إلى مجاملتهم واحتمال الذل لأجل نسائهم الحسان ولا شقيت أيضا بالربرب لولا الصغار يعني لولا الشواب المليحات لم اشق بالكبار في مضايقتهن
من كل أحور في أنيابه شنبٌ خمر يخامرها مسك تخامره
ويروى مخامرها يريد من كل ظبي احور وهو شديد سواد العين والشنب صفاء الأسنان ورقة مائها وسئل ذو الرمة عن الشنب فأخذ حبة رمان فقال ذا هو الشنب أشار إلى صفائها ورقة مائها وقال ابن جنى خمرٌ بدل من شنب كأنه قال في أنيابه خمرٌ قد خالطت المسك والمسك قد خالطها وهذا قول جميع من فسر هذا الديوان قالوا الشنب الذي في أنياب هذا الأحور خمرٌ يخالطها مسك تخالط هذه الخمر ذلك المسك ويبعد إبدال الخمر من الشنب لأنه ليس في معنى الخمر والقول فيه أن خمر في معنى الابتداء ومخامرها ابتداء ثان ومسك خبره وهما في محل الرفع بالخبر عن خمر والهاء في تخامره ضمير الشنب يعني أن خمراً قد خامرها المسك تخامر ذلك الشنب وعلى رواية من روى يخامرها مسك هذه الجملة صفة للنكرة التي هي خمر وخبره قوله تخامره
نعج محاجره دعج نواظره حمر غفائره سود غدائره
نعج جمع انعج والنعج البياض والدعج السواد والغفائر جمع غفارة وهي خرقة تكون على رأس المرأة يوقى بها الخمار من الدهن وقد يكون اسما للمقنعة التي يغطي بها الرأس والمحجر جمع المحجر وهو ما حول العين جعلها بيضا لبياض الوانهن وإن جعلنا الغفائر المقانع فإنما جعلها حمرا لأنهن شواب كما قال، حمر الحلي والمطايا والجلابيب، وإن جعلناها الخرق فهي حمر لكثرة استعمالهن الطيب من المسك والزعفران والغدائر الذوائب واحدتها غديرة 




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق