السنة الثالثة من ولاية الظاهر لإعزاز دين الله على مصر
وهي سنة أربع عشرة وأربعمائة: فيها دخل مشرف الدولة بن بهاء الدولة إلى بغداد وتلقاه الخليفة في زبزب بأبهة الخلافة ولم يكن القادر لقي أحدًا من الملوك قبله.
وفيها ورد كتاب السلطان يمين الدولة محمود بن سبكتكين على الخليفة القادر أنه أوغل في بلاد الهند.
وعنوان الكتاب: عبد مولانا أمير المؤمنين وصنيعته محمود بن سبكتكين.
وفيها عادت دولة بني أمية إلى الأندلس بعد أن انقطعت سبع سنين.
وفيها توفي الحسن بن الفضل بن سهلان أبو محمد وزير سلطان الدولة وهو الذي بنى سور 2 الحائر بمشهد الحسين بكربلاء وكان من كبار الشيعة كان رافضيًا خبيثًا قبض عليه وصودر وسمل وحبس حتى مات.
وفيها توفي محمد بن أحمد أبو جعفر النسفي الفقيه الحنفي العلامة صاحب التصانيف ومصنف كتاب التعليقة المشهورة وغيره.
كان عالمًا فاضلًا ورعًا زاهدًا مفتنًا في علوم وكانت وفاته في شعبان.
وفيها توفي محمد بن الخضر بن عمر أبو الحسين الحمصي القاضي الفرضي ولي القضاء بدمشق نيابة عن أبي عبد الله محمد بن الحسين النصيبي وكان نزهًا عفيفًا.
مات بدمشق في جمادى الأولى.
وفيها توفي تمام بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن عبد الله بن الجنيد الحافظ أبو القاسم ابن الحافظ أبي الحسين الرازي ثم الدمشقي المحدث.
ولد بدمشق سنة ثلاثين وثلاثمائة وسمع الكثير أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاث أذرع وثماني أصابع.
مبلغ الزيادة أربع عشرة ذراعًا وأربع عشرة إصبعًا.
السنة الرابعة من ولاية الظاهر لإعزاز دين الله على مصر وهي سنة خمس عشرة وأربعمائة: فيها حج من العراقيين أبو الحسن الأقساسي ومعه حسنك صاحب محمود بن سبكتكين فأرسل إليه الظاهر صاحب مصر خلعًا وصلة فقبلها حسنك ثم خاف من القادر فلم يدخل بغداد وكاتب القادر ابن سبكتكين فيما فعل حسنك فأرسل إليه حسنك بالخلع المصرية فأحرقها القادر.
وكان حسنك أمير خراسان من قبل ابن سبكتكين.
وفيها ولي وزارة مصر للظاهر صاحب الترجمة نجيب الدولة علي بن أحمد الجرجرائي بعد موت ست الملك عمة الظاهر.
وفيها منع الرافضة من النوح في يوم عاشوراء ووقع بسبب ذلك فتنة بين الشيعة وأهل السنة قتل فيها خلق كثير ومنع الرافضة من النوح وعيد الغدير وأيد الله أهل السنة ولله الحمد.
وفيها توفي أحمد بن محمد بن عمر بن الحسن أبو الفرج العدل البغدادي الفقيه الحنفي ويعرف بابن المسلمة مولده سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة وسمع الحديث وكان إمامًا عالمًا فاضلًا صدوقًا ثقة كثير المعروف وداره مأوى لأهل العلم.
وفيها توفي سلطان الدولة أبو شجاع بن بهاء الدولة فيروز بن عضد الدولة بويه ابن ركن الدولة الحسن بن بويه بن فناخسرو الديلمي بشيراز.
وكان مدة ملكه اثنتي عشرة سنة وأشهرًا وتولى الملك صبيًا ومات وله ثلاث وعشرون سنة.
وقال صاحب مرآة الزمان: مات عن اثنتين وثلاثين سنة.
انتهى.
قلت: وكان في مدة ملكه وقع له حروب كثيرة مع أخيه مشرف الدولة وخطب له ببغداد ثم اصطلحا حسب ما ذكرناه وخطب لمشرف الدولة على عادته إلى أن توفي سلطان الدولة هذا.
وفيها توفي عبد الله بن عبد الله بن الحسين أبو القاسم الخفاف كان يعرف بابن النقيب البغدادي رأى الشبلي وغيره وسمع الكثير وكان سماعه صحيحًا وكان شديدًا في السنة ولما مات ابن المعلم فقيه الشيعة جلس رضي الله عنه للتهنئة وقال: ما أبالي أي وقت مت بعد أن شاهدت موته.
وأقام عدة سنين يصلي الفجر بوضوء العشاء الآخرة.
قلت: ومما يدل على دينه وحسن اعتقاده بغضه للشيعة عليهم الخزي.
ولو لم يكن من حسناته إلا ذلك لكفاه وفيها توفي محمد بن الحسن الشريف أبو الحسن الأقساسي العلوي.
هو من ولد زيد بن علي بن الحسين رضي الله عنه.
حج بالناس من العراق سنين كثيرة نيابة عن المرتضى وكان فاضلًا شاعرًا فصيحًا وهو أيضًا من كبار الشيعة.
وفيها توفي الأمير أبو طاهر بن دمنة صاحب آمد من ديار بكر.
كان قتل ابن مروان صاحب ميا فارقين وقتل عبد البر شيخ آمد واستولى عليهما من سنة سبع وثمانين وثلاثمائة إلى هذه السنة.
وكان يصانع ممهد الدولة بن مروان وأيضًا يصانع شروة.
فلما قتل شروة ممهد الدولة وولي أخوه أبو منصور طمع هذا في البلاد واستفحل أمره.
وفيها توفي أحمد بن محمد بن أحمد بن القاسم بن إسماعيل الضبي أبو الحسن المحاملي الفقيه الشافعي كان تفقه بأبي حامد الاسفرايني وغيره وكان إمامًا فقيهًا مصنفًا مات في شهر ربيع الأول.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ذراعان وخمس أصابع.
مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعًا سواء.
السنة الخامسة من ولاية الظاهر وهي سنة ست عشرة وأربعمائة: فيها توفي في شهر ربيع الآخر السلطان مشرف الدولة أبو علي الحسن ابن السلطان أبي نصر فيروز بهاء الدولة ابن السلطان عضد الدولة بويه ابن السلطان ركن الدولة الحسن بن بويه الديلمي.
واستقر الأمر بعد موته على تولية جلال الدولة أبي طاهر فخطب له على منابر بغداد وهو بالبصرة وخلع على شرف الملك أبي سعيد بن ماكولا وزيره ولقبه علم الدين سعد الدولة أمين الملة شرف الملك.
قلت: وهذا ثاني لقب سمعناه من اسم مضاف إلى الدين.
وأول ما سمعنا من هذه الألقاب لقب بهاء الدولة بن بويه ركن الدين.
قلنا: لعل ذلك كان تعظيمًا في حقه لكونه سلطانًا فيكون هذا على هذا الحكم هو أول لقب لقب به في الإسلام والله أعلم.
ومن يومئذ ظهرت الألقاب وتغالت فيها الأعاجم حتى إنهم لم يدعوا شيئًا إلا وأضافوا الدين له حتى اشتهر ذلك وشاع وسمي به كل أحد حتى الأسالمة فمنهم من يسمى جلال الدين وسعد الدين وجمال الدين فلا قوة إلا بالله.
وحق المغاربة في حنقهم ممن يلقب بهذه الألقاب.
وأنا بالله أحلف لو ملكت أمري ما لقبت بجمال الدين ولا غيره وأكره من يسميني بذلك ولا أقدر على تغيير الاصطلاح.
وهذا لا يكون إلا من ولي أمر أو حاكم بلدة.
وقد خرجنا عن المقصود فنعود إلى ذكر مشرف الدولة.
ومات مشرف الدولة وله ثلاث وعشرون سنة وثلاثة أشهر وأربعة عشر يومًا.
وكانت مدة ملكه خمس سنين وشهرًا وخمسة وعشرين يومًا.
وكان شجاعًا مقدامًا جوادًا إلا أنه كان يميل إلى الشيعة على عادة آبائه وأجداده ميلًا ليس بذاك وينصر أهل السنة في بعض الأحيان.
وكل ملوك بني بويه كانوا على ذلك غير أنهم كانوا يميلون في الباطن للشيعة.
والله أعلم بحالهم.
وفيها توفي عبد الرحمن بن عمر بن محمد بن سعيد أبو محمد التجيبي المصري البزار المعروف بابن النحاس مسند ديار مصر في وقته.
مولده ليلة النحر سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة ومات في عاشر صفر.
وفيها توفي علي بن محمد أبو الحسن التهامي الشاعر المشهور كان من الشعراء المجيدين وشعره في غاية الحسن.
قدم القاهرة مستخفيًا ومعه كتب كثيرة من حسان بن المفرج البدوي وهو متوجه إلى بني قرة فظفروا به فاعتقل بخزانة البنود في سادس عشرين شهر ربيع الآخر ثم قتل سرًا في سجنه في تاسع جمادى الأولى.
والتهامي بكسر التاء المثناة من فوقها وفتح الهاء وبعد الألف ميم هذه النسبة إلى تهامة وهي تطلق على مكة حرسها الله.
ومن شعر التهامي من جملة قصيدة: قلت لخلي وثغور الربا مبتسمات وثغور الملاح وله بيت بديع من جملة قصيدة: وإذا جفاك الدهر وهو أبو الورى طرا فلا تعتب على أولاده وفيها توفي محمد بن يحيى بن أحمد بن الحذاء أبو عبد الله القرطبي الحافظ المحدث العلامة سمع الكثير وروى الحديث وكتب وصنف ومات في شهر رمضان.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاث أذرع وعشرون إصبعًا.
مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعًا وأربع أصابع.
السنة السادسة من ولاية الظاهر لإعزاز دين الله على مصر وهي سنة سبع عشرة وأربعمائة: فيها عاد جلال الدولة إلى البصرة وقبض على وزيره أبي سعيد عبد الواحد بن أحمد بن جعفر بن ماكولا وعلى أبي علي ابن عمه.
ثم جرت أسباب استوجبت إطلاق ابن عمه واستوزره جلال الدولة ولقبه يمين الدولة وزير الوزراء وخلع عليه.
وفيها توفي أحمد بن محمد بن عبد الله بن العباس بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب أبو الحسن القرشي الأموي قاضي القضاة كان عفيفًا جليلًا قال القاضي أبو العلاء: ما رأينا مثله جلالةً وصيانة وشرفًا.
وفيها توقي محسن بن عبد الله بن محمد أبو القاسم التنوخي اللغوي القاضي الحنفي ولد يوم الأحد الثامن والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة تسع وأربعين وثلاثمائة وقدم دمشق مجتازًا إلى الحج فأدركه أجله في الطريق في ذي القعدة فحمل إلى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم ودفن بالبقيع.
وكان من أوعية العلم وله مصنفات كثيرة وشعر جيد من ذلك وكل أداريه على حسب حاله سوى حاسدي فهي التي لا أنالها وكيف يداري المرء حاسد نعمة إذا كان لا يرضيه إلا زوالها وفيها توفي عبد الله بن أحمد الإمام أبو بكر المروزي القفال شيخ الشافعية بخراسان كان يعمل الأقفال وحذق في عملها حتى صنع قفلًا بآلاته ومفتاحه وزن أربع حبات.
فلما صار ابن ثلاثين سنة اشتغل بالعلم وتفقه حتى برع فيه وفاق أقرانه.
ومات في جمادى الآخرة وله تسعون سنة.
وفيها توفي علي بن أحمد بن عمر بن حفص أبو الحسن بن الحمامي كان إمامًا محدثًا كبير الشأن سمع وحدث ومات في شعبان عن تسع وثمانين سنة.
وفيها توفي في قول الذهبي عمر بن أحمد بن إبراهيم بن عبدويه أبو حازم الهذلي العبدوي أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وأربع عشرة إصبعًا.
مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعًا وسبع أصابع.
السنة السابعة من ولاية الظاهر لإعزاز دين الله على مصر وهي سنة ثماني عشرة وأربعمائة: فيها خطب لجلال الدولة على المنابر ببغداد بعد أن منع الأتراك من ذلك وخطبوا لأبي كاليجار.
وفيها ورد كتاب السلطان محمود بن سبكتكين على الخليفة القادر يخبر بما فتح من البلاد من أرض الهند وكسره الصنم المعروف بسومنات.
وفيها توفي الحسين بن علي بن الحسين أبو القاسم الوزير المغربي ولد بمصر في ذي الحجة سنة سبعين وثلاثمائة وهرب منها لما قتل الحاكم أباه عليًا وعمه محمدًا.
وقيل: إن أباه وزر للعزيز بمصر ثم للحاكم ابنه.
وهرب الحسين هذا للعراق وخدم بني بويه ووقع له بالشرق أمور ووزر لغير واحد من ملوك الشرق.
وكان فاضلًا عاقلًا شاعرًا شهمًا شجاعًا كافيًا في فنه حتى الدهر سهل وصعب والعيش مر وعذب فاكسب بمالك حمدًا فليس للحمد كسب وما يدوم سرور فاختم وطينك رطب وفيها توفي عبد الرحمن بن هشام القرشي الأموي صاحب الأندلس الذي كان لقب نفسه في سنة أربع عشرة وأربعمائة بالمستظهر والمستكفي والمعتمد وعاد ملك بني أمية إلى الأندلس بسببه فلما كان في هذه السنة وثب الجند عليه فقتلوه وانقطعت ولاية بني أمية عن الأندلس إلى سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة.
وكانت ولاة الأندلس من بني أمية أربعة عشر على عدد أسلافهم ومدة سنينهم مائتان وثمانون سنة فأولهم عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم أبو المطرف الملقب بالداخل لكونه دخل المغرب بويع سنة تسع وثلاثين ومائة في أيام أبي جعفر المنصور العباسي.
ثم ولي بعده ابنه هشام في سنة اثنتين وسبعين.
ثم ولي بعده ابنه الحكم بن هشام بن عبد الرحمن في سنة ثمانين ومائة.
ثم ولي بعده ابنه عبد الرحمن بن الحكم في سنة ست وثمانين ومائة.
ثم ولي بعده ابنه محمد في سنة ثمان وثلاثين ومائتين.
ثم ولي بعده ابنه المنذر بن محمد سنة ثلاث وسبعين ومائتين ومات سنة خمس وسبعين ولم يكن له ولد فولي عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل سنة 275 ه.
ثم ولي بعده ابنه عبد الرحمن سنة ثلاثمائة.
ثم ولي بعده الحكم بن عبد الرحمن سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة.
ثم ولي بعده ابنه هشام سنة سبعين وثلاثمائة ومات سنة تسع وتسعين وثلاثمائة بعد أن تغلب عليه محمد بن هشام بن عبد الجبار الملقب بالناصر لدين الله سنة 399 ه ثم غلب عليه المستعين سليمان بن الحكم سنة 400 ه.
ثم غلب محمد بن هشام بن عبد الجبار للمرة الثانية في شوال سنة 00 ه.
ثم هشام بن الحكم للمرة الثانية في ذي الحجة سنة 400 ه.
ثم ولي سليمان المستعين للمرة الثانية من شوال سنة 403 ه إلى المحرم من سنة 407 ه.
ثم تغلب علي بن حمود إلى شهر رمضان سنة 408 ه.
ثم ولي المرتضى عبد الرحمن بن محمد في شهر رمضان سنة 408 ه ثم تغلب القاسم بن محمود في نفس السنة.
ثم يحيى بن علي بن حمود في سنة 412 ه ثم القاسم بن حمود للمرة الثانية في سنة 413 ه.
ثم ولي المستظهر عبد الرحمن بن هشام في شهر رمضان سنة 414 ه.
ثم ولي المستكفي محمد بن عبد الرحمن في ذي القعدة سنة 414 ه.
ثم تغلب يحيى بن علي بن حمود للمرة الثانية في ربيع الأول سنة 416 ه.
ثم ولي المعتد هشام بن عبد الرحمن من ربيع الأول سنة 418 ه إلى سنة 422 ه.
وهو آخرهم.
وفيها توفي الشريف أبو الحسن علي بن طباطبا العلوي.
كان فاضلًا شاعرًا فصيحًا.
مات وفيها توفي إبراهيم بن محمد بن إبراهيم أبو إسحاق الأسفرايني الأصولي المتكلم الفقيه الشافعي إمام أهل خراسان ركن الدين.
وهو أول من لقب من الفقهاء.
كان إمامًا مفتنًا له التصانيف المشهورة وكانت وفاته يوم عاشوراء بنيسابور.
وقد تقدم أن الألقاب ما تداول تسميتها إلا من الأعاجم لحبهم للرياسة والتعظيم كما هي عادتهم.
وفيها توفي معمر بن أحمد بن محمد بن زياد أبو منصور الأصبهاني الزاهد كان من كبار المشايخ وله قدم هائلة في الفقه والصلاح.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وعشرون إصبعًا.
مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعًا وثلاث عشرة إصبعًا.
السنة الثامنة من ولاية الظاهر لإعزاز دين الله على مصر وهي سنة تسع عشرة وأربعمائة: فيها ولى الظاهر أمر دمشق لأمير الجيوش الدزبري وكان شجاعًا شهمًا واسمه أبو منصور أنوشتكين التركي.
وفيها توفي محمد بن عمر بن يوسف أبو عبد الله بن الفخار القرطبي المالكي الحافظ عالم الأندلس في عصره سمع الحديث وحدث وحج وجاور بالمدينة وأفتى بها وكان إمامًا عالمًا زاهدًا ورعًا متقشفًا عارفًا بمذاهب الأئمة وأقوال العلماء يحفظ المدونة حفظًا جيدًا.
وفيها توفي حمزة بن إبراهيم أبو الخطاب كان بلغ من بهاء الدولة بن بويه منزلة عظيمة لم يبلغها غيره كان يعلمه النجوم.
وكان حاكمًا على الدولة والوزراء والقواد يخافونه وما كان يقنع من الوزراء بالقليل.
ولما فتح فخر الملك قلعة سابور حمل إليه مائة ألف دينار فاستقلها وما كان بهاء الدولة يخالفه أبدًا.
وفيها توفي عبد المحسن بن محمد بن أحمد بن غالب بن غلبون أبو محمد الصوري الشاعر المشهور.
كان أبو الفتيان بن حيوس مغرىً بشعره ويفضله على أبي تمام والبحتري والمتنبي فقال أبو العلاء المعري: الأمراء لا يناظرون " يعني أنه ليس في هذا المقام.
وكان أبو الفتيان يقول: إن أغزل ما قيل قول جرير: إن العيون التي في طرفها حور قتلننا ثم لم يحيين قتلانا يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به وهن أضعف خلق الله إنسانا وقال الصوري أغزل منهما وهو قوله: ما الذي قالته عينا - - ك لقلبي فأجابا قلت: وقال غير ابن حيوس: إن أرق ما قيل قول القائل: عيون عن السحر المبين تبين لها عند تحريك القلوب سكون إذا أبصرت قلبًا خليًا من الهوى تقول له كن مغرمًا فيكون ومن شعره أيضًا: صددت فكنت مليح الصدود وأعرضت أفديك من معرض ومن كان في سخطه محسنًا فكيف يكون إذا ما رضي وله أيضًا: تريك نفسك في معاندة الورى رشدًا ولست إذا فعلت براشد شغلتك عن أفعالها أفعالهم هلا اقتصرت على عدو واحد وفيها توفي محمد بن محمد بن إبراهيم بن مخلد الفقيه أبو الحسن البغدادي الحنفي ولد سنة تسع وعشرين وثلاثمائة وسمع الكثير ورواه وكان يتجر وله مال عظيم صادره ملوك بني بويه حتى افتقر ومات فلم يكفن حتى بعث إليه الخليفة كفنًا.
ومات ولم يكن في زمانه أعلى سندًا منه.
وكان صدوقًا صالحًا ثقة فقيهًا فاضلًا عالمًا.
وفيها توفي أبو الفوارس قوام الدولة بن بهاء الدولة فيروز بن عضد الدولة بويه بن ركن الدولة الحسن بن بويه الديلمي.
كان عزم على نقض الصلح بينه وبين أخيه أبي كاليجار فعاجلته منيته فمات في ذي القعدة وحمل تابوته إلى شيراز فدفن في تربة عماد الدولة بن بويه.
وفيها هلك قسطنطين أخو بسيل ملك الروم وبعد موته انتقل الملك إلى بنت له وزوجها وهو ابن خالها يسمى أرمانوس ولم يكن من بيت الملك وجعلت ولاية العهد في أرمانوس المذكور ولبس الخف الأحمر وتسمى قيصرًا.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبع أذرع سواء.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعًا وأربع أصابع.
السنة التاسعة من ولاية الظاهر لإعزاز دين الله على مصر وهي سنة عشرين وأربعمائة: فيها وقع بالعراق برد في الواحدة مائة وخمسون رطلًا كانت كالثور النائم ونزلت في الأرض مقدار ذراع قاله أبو المظفر في مرآة الزمان وفيها فسد الأمر بين قرواش صاحب الموصل وبين أبي نصر بن مروان صاحب ميافارقين.
وسببه أن قرواشًا كان تزوج ببنت أبي نصر المذكور فأقامت عنده مدة ثم هجرها فطلبها أبو نصر فنقلها إليه وهذا أول الشر.
وفيها توفي علي بن عيسى بن الفرج أبو الحسن الربعي صاحب أبي علي الفارسي قرأ الأدب ببغداد على السيرافي وخرج إلى شيراز ودرس بها النحو على الفارسي عشرين سنة ثم عاد إلى بغداد وأقام بها باقي عمره.
خرج يومًا يمشي على جانب الشط فرأى الشريف الرضي والمرتضى في سفينة ومعهما عثمان بن جني النحوي فصاح أبو الحسن: من أعجب أحوال الشريفين أن يكون عثمان جالسًا في صدر السفينة وعلي يمشي على الحافة فضحكا وقالا: باسم الله.
قلت: وهذا مما يدل على أن الرضي والمرتضى كانا يصرحان بالرفض.
وفيها توفي الأستاذ الأمير المختار عز الملك محمد بن أبي القاسم عبيد الله بن أحمد بن إسماعيل بن عبد العزيز المعروف بالمسبحي الكاتب الحراني الأصل المصري المولد والمنشأ صاحب التاريخ المشهور وغيره من المصنفات.
قال ابن خلكان: كانت فيه فضائل ولديه معارف ورزق حظوة في التصانيف واتصل بخدمة الحاكم العبيدي.
قال: وتاريخه ثلاثة عشر ألف ورقة.
انتهى.
قلت: وله عدة تصانيف أخر.
مات في شهر ربيع الآخر.
والمسبحي: بضم الميم وفتح السين المهملة وكسر الباء الموحدة ثانية الحروف وفي آخرها حاء مهملة.
قال السمعاني: هذه النسبة إلى الجد.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وعشرون إصبعًا.
مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعًا سواء.
السنة العاشرة من ولاية الظاهر لإعزاز دين الله على مصر وهي سنة إحدى وعشرين وأربعمائة.
فيها عملت الرافضة النوح في يوم عاشوراء بالكرخ ووقع بينهم وبين أهل السنة وقعة قتل فيها جماعة من الفريقين.
وفيها خطب للأمير أبي سعيد مسعود بن محمود بن سبكتكين بعد موت أبيه بأرمينية والأطراف.
وفيها عاد جلال الدولة إلى بغداد من واسط.
ولم يحج أحد من العراقيين في هذه السنة وحج الناس من مصر وغيرها.
وفيها توفي أحمد بن عبد الله بن أحمد أبو الحسن ويعرف بابن الدان أصله من الجزيرة وسكن دمشق وكان يعظ وكان صاحب مقالات وكرامات وهو معدود من المشايخ.
وفيها توفي أحمد بن محمد بن العاص بن أحمد بن سليمان بن عيسى بن عراج أبو عمر القسطلي الشاعر المشهور.
قال ابن حزم: كان عالمًا بنقد الشعر لو قلت إنه لم يكن بالأندلس أشعر من ابن دراج لم أبعد.
وهو من مدينة قسطلة دراج وقيل هو اسم ناحية.
وكان من كتاب الإنشاء في أيام المنصور بن أبي عامر.
ومن شعره من جملة قصيدة طويلة: أضاء لها فجر النهى فنهاها عن المدنف المضنى بحر هواها وضللها صبح جلا ليله الدجى وقد كان يهديها إلي دجاها وفيها توفي السلطان يمين الدولة أبو القاسم محمود بن سبكتكين ابن الأمير ناصر الدولة أبي منصور صاحب غزنة وغيرها.
كان السلطان محمود هذا يلقب قبل السلطنة بسيف الدولة وكان من عظماء ملوك الدنيا وفتح عدة بلاد من الهند وغيرها واتسعت مملكته حتى بلغت أوقافه عشرة آلاف قرية وامتلأت خزائنه من أصناف الأموال والجواهر وكان دينًا خيرًا متعبدًا فقيهًا على مذهب أبي حنيفة.
وما حكاه ابن خلكان من قصة القفال في صلاة الحنفية بين يدي ابن سبكتكين المذكور ليس لها صحة يعرف ذلك من له أدنى فوق من وجوه عديدة فإن محمودًا المذكور كان قد قرأ في ابتداء أمره وبرع في الفقه والخلاف وصار معدودًا من العلماء وصنف كتابًا في فقه الحنفية قبل سلطنته بمدة سنين وذلك قبل أن يشتهر القفال.
فمن يكون بهذه المثابة لا يحتاج إلى من يعرفه الصلاة على المذاهب الأربعة بل ولا غيرها وأصاغر الفقهاء من طلبة العلم يعرفون الخلاف في مثل هذه المسألة.
وأيضًا حاشا القفال من أن يقع في مثل هذه القبائح من كشف العورة والضراط في الملأ وتحكيم رجل نصراني في قراءة كتب المذهبيين والافتراء على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة وما ثم أمر يحتاج إلى ذلك ولا ألجأت الضرورة إلى أن يفعل بعض ما قيل عنه.
وإنما محمود بن سبكتكين رجل من المسلمين لا يزيد في الحنفية ولا ينقص من الشافعية ولعل بعض الفقراء يكون أفضل منه عند الله تعالى.
وها أنا لم أكن مثل القفال في كثرة علومه بل ولا أصاغر تلامذته لو قيل لي: افعل بين يدي السلطان بعض ما قيل عن القفال لا أرضى بذلك ولا ألتفت إلى السلطان ولا إلى غيره ولا أهزأ بصلاة مسلم كائن من كان.
فهذا كله موضوع على القفال من أهل التحامل والتعصب.
فنعوذ بالله من الاستخفاف بالعلماء والوقوع في حقهم ونسأل الله السلامة في الدين.
وكانت وفاة السلطان محمود في جمادى الأولى من هذه السنة رحمه الله تعالى.
وتولى بعده الملك ابنه مسعود بن محمود الآتي ذكره.
الماء القديم أربع أذرع وثلاث وعشرون إصبعًا.
مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعًا وست أصابع.
السنة الحادية عشرة من ولاية الظاهر لإعزاز دين الله على مصر وهي سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة.
فيها قتل أبو علي الحسن بن علي بن ماكولا بالأهواز قتله غلام له يعرف بعدنان كان يجتمع مع امرأة في داره ففطن بهما فعلما بذلك فخافا منه وساعدهما فراش كان في داره فغموه بشيء وعصروا خصاه حتى مات وأظهروا أنه مات فجأة فأخذ الغلام والفراش وضربا فأقرا بما وقع من أمره فصلبا وحبست المرأة في دار.
وفيها أخذ ملك الروم مدينة الرها.
وفيها ولد بمدينة إسكاف ولد له رأس وبقية بدنه كالحية فنطق ساعة مولده وقال: الناس تحت غضب منذ أربع سنين والواجب أن يخرجوا فيستسقوا ليكشف عنهم البلاء.
فكتب قاضي إسكاف للخليفة بذلك فاجتمع الناس واستسقوا فلم يسقوا.
وفيها توفي الخليفة القادر بالله أمير المؤمنين أبو العباس أحمد ابن الأمير أبي أحمد إسحاق ابن الخليفة جعفر المقتدر ابن الخليفة المعتضد أحمد ابن الأمير أبي أحمد طلحة الموفق ابن الخليفة جعفر المتوكل ابن الخليفة محمد المعتصم ابن الخليفة الرشيد هارون ابن الخليفة المهدي محمد ابن الخليفة أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي العباسي البغدادي.
بويع بالخلافة بعد القبض على الطائع عبد الكريم في حادي عشر شهر رمضان سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة ومولده في سنة ست وثلاثين وثلاثمائة.
وأمه أم ولد تسمى يمنى ماتت في خلافته.
وتوفي ليلة الاثنين حادي عشر ذي الحجة ودفن ليلة الثلاثاء بين المغرب والعشاء.
وكانت خلافته إحدى وأربعين سنة وثلاثة أشهر وهو أطول الخلفاء العباسية مدة لا نعلم خليفة أقام في الخلافة هذه المدة من بني العباس ولا غيرهم إلا المستنصر معدًا العبيدي الآتي ذكره فإنه أقام في خلافة مصر ستين سنة.
وتخلف بعد القادر ابنه أحمد ولقب بالقائم بأمر الله.
وكان القادر رحمه الله أبيض كث اللحية يخضب وكان دينًا خيرًا حسن الاعتقاد أمارًا بالمعروف فاضلًا.
صنف كتبًا كثيرة في فنون من العلم منها كتاب في أصول الدين وكتاب في فضائل الصحابة وعمر بن عبد العزيز وكتاب كفر فيه القائلين بخلق القرآن.
وكان كثير الصيام والصدقات رحمه الله تعالى.
وفيها توفي عبد الوهاب بن علي بن نصر بن أحمد القاضي أبو محمد البغدادي المالكي الفقيه سمع الحديث وروى عنه غير واحد وكان شيخ المالكية في عصره وعالمهم وصنف كتاب التلقين وشرح الرسالة وغير ذلك.
وفيها توفي يحيى بن نجاح أبو الحسين بن القلاس الأموي مولاهم القرطبي.
رحل إلى البلاد وسمع الكثير وحج واستوطن مصر.
وكان عالمًا ورعًا دينًا.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاث أذرع وعشرون إصبعًا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعًا وست أصابع.
السنة الثانية عشرة من ولاية الظاهر لإعزاز دين الله على مصر وهي سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة.
فيها بعث الظاهر صاحب الترجمة بكسوة الكعبة فكسيت.
وفيها لم يحج أحد من العراق ولا من خراسان وحج الناس من مصر.
وفيها رأى رجل من أهل أصبهان في النوم أن شخصًا وقف على منارة أصبهان وقال: سكت نطق نطق سكت.
فانتبه وحكى للناس فما عرف أحد معناه فقال رجل: يا أهل أصبهان سكت الدهر زمانًا عنهم ثم أبكاهم دمًا حين نطق فما كان بعد ذلك إلا قليل ودخل عسكر مسعود بن محمود بن سبكتكين ونهب البلد وقتل عالمًا لا يحصى.
وفيها توفي علي بن أحمد بن الحسن بن محمد بن نعيم أبو الحسن البصري الحافظ الشاعر.
قال محمد بن علي الصوري: لم أر ببغداد أكمل منه.
وجمع بين معرفة الحديث وعلم الكلام والأدب والفقه والشعر.
ومن شعره وأجاد: إذا عطشتك أكف اللئام كفتك القناعة شبعًا وريا فكن رجلًا رجله في الثرى وهمة هامته في الثريا وفيها توفي محمد بن الطيب بن سعيد بن موسى أبو بكر الصباغ البغدادي ولد سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة وسمع الكثير.
قال أبو بكر الخطيب: كتبت عنه وكان صدوقًا ثقة.
وقال رئيس الرؤساء أبو القاسم علي بن الحسن: تزوج محمد بن الطيب زيادة على تسعمائة امرأة.
الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال: وفيها توفي أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله الحربي الحرفي في شوال وله سبع وثمانون سنة وأبو الحسن علي بن أحمد النعيمي المحدث الأديب وأبو الفضل منصور بن منصور بن نصر بن عبد الرحيم ابن بنت السمرقندي الكاغدي في ذي وفيها كان الطاعون ببلاد الهند والعجم وعظم إلى الغاية وكان أكثره بغزنة وخراسان وجرجان والري وأصبهان ونواحي الجبل إلى حلوان وامتد إلى الموصل والجزيرة وبغداد حتى قيل: إنه خرج من أصبهان وحدها أربعون ألف جنازة ثم امتد إلى شيراز.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وعشرون إصبعًا.
مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعًا وأربع أصابع.
السنة الثالثة عشرة من ولاية الظاهر
لإعزاز دين الله على مصر وهي سنة أربع وعشرين وأربعمائة.
فيها عملت الرافضة المأتم ببغداد في يوم عاشوراء على العادة فأقام بذلك العيارون أعني عن الزعران الذين كانوا غلبوا على بغداد وعجزت الحكام عنهم.
وفيها توفي أحمد بن الحسين بن أحمد أبو الحسين المعروف بابن السماك الواعظ البغدادي مولده سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة وكان يعظ بجامع المنصور والمهدي ويتكلم على طريق الصوفية وكان لكلامه رونق غير أنهم تكلموا فيه وكانت وفاته ببغداد في ذي الحجة من السنة.
وفيها ثار أهل الكرخ بالعيارين فهربوا وكبسوا دورهم ونهبوا سلاحهم وطلبوا من السلطان المعاونة.
وسبب ذلك أن العيارين نهبوا تاجرًا فغضب له أهل سوقه فرد العيارون بعض ما أخذوا ثم كبسوا دار ابن العلواء الواعظ وأخذوا ماله ثم فعلوا ذلك بجماعة كثيرة حتى قام عليهم أهل الكرخ ووقع بينهم بسبب ذلك قتال وحروب يطول شرحها.
وفيها توفي أبو بكر بن محمد بن إبراهيم الأردستاني كان إمامًا زاهدًا فاضلًا معدودًا من كبار المشايخ وله كرامات وأحوال.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وعشر أصابع.
مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعًا وإصبعان.
السنة الرابعة عشرة من ولاية الظاهر لإعزاز دين الله على مصر وهي سنة خمس وعشرين وأربعمائة.
فيها هبت بنصيبين ريح سوداء قلعت معظم شجرها وكان بين البساتين قصر عظيم فرمته من أصله.
وفيها زلزلت الرملة زلزلة هدمت ثلث مدينة الرملة ونزل البحر مقدار ثلاثة فراسخ فنزل الناس يصيدون السمك فرجع عليهم فغرق من لم يحسن السباحة.
وفيها توفي أحمد بن محمد بن عبد الرحمن أبو العباس القاضي الأبيوردي ولد سنة سبع وخمسين وثلاثمائة وتولى القضاء بالجانبين ببغداد وسمع الحديث ورواه وكان عالمًا ورعًا مفتنًا يصوم الدهر ويفطر على الخبز والملح وكان فقيرًا ويظهر الثروة ومات في جمادى الأولى ودفن بباب حرب.
وفيها توفي أحمد بن محمد ابن أحمد بن غالب الحافظ أبو بكر الخوارزمي ولد سنة ست وثلاثين وثلاثمائة ورحل إلى البلاد وسمع الكثير وحدث وكان إمامًا في اللغة والفقه والحديث ومات في يوم الأربعاء غرة شهر رجب.
وفيها توفي عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث أبو الفرج التميمي الفقيه الحنبلي الواعظ ولد سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة وسمع الحديث ورواه وكان فقيهًا محدثًا واعظًا وكانت وفاته في شهر ربيع الأول ببغداد ودفن عند قبر الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه.
وفيها توفي محمد بن عبد الله أبو عبد الله بن باكويه الشيرازي أحد مشايخ الصوفية كان أوحد زمانه وله كرامات وإشارات ولقي خلقًا من المشايخ وحكى عنهم وسمع الحديث الكثير الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال: وفيها توفي أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب البرقاني الحافظ في رجب وله تسع وثمانون سنة وأبو علي الحسن بن أبي بكر أحمد بن إبراهيم بن شاذان البزاز في آخر يوم من السنة وولد في ربيع الأول عام تسعة وثلاثين وثلاثمائة وأبو سعيد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن بندار بن شبانة الهمذاني وأبو الحسن عبد الله بن عمر المري الدمشقي وأبو الفضل عمر بن أبي سعد إبراهيم بن عبد الرحمن بن محمد بن يحيى الجوبري في صفر وأبو نصر عبد الوهاب بن إسماعيل الهروي الزاهد وأبو بكر محمد بن علي بن إبراهيم بن مصعب الأصبهاني التاجر.
انتهى كلام الذهبي.
وفيها وقع الطاعون بشيراز فكانت الأبواب تسد على الموتى ثم انتقل إلى واسط وبغداد والبصرة والأهواز وغيرها.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وخمس عشرة إصبعًا.
مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعًا وإحدى وعشرون إصبعًا.
السنة الخامسة عشرة من ولاية الظاهر وهي سنة ست وعشرين وأربعمائة.
فيها استولى العيارون على بغداد وملكوا الجانبيين أعني الحرامية قال: ولم يبق للخليفة ولا لجلال الدولة معهم حكم.
وكان العيارون في دور الأتراك والحواشي يقيمون نهارًا ويخرجون ليلًا والأتراك والحواشي تقوم معهم في الباطن فكانوا يخرجون ليلًا ويعملون العملات وأفسدوا وفعلوا أفعالًا قبيحة وأظهروا الإفطار في شهر رمضان نهارًا وكان ذلك كله بمواطأة الأتراك.
وفيها ورد كتاب مسعود بن محمود بن سبكتكين على الخليفة أنه افتتح جرجان وطبرستان وغزا الهند وافتتح بلادًا كثيرة.
وفيها توفي أحمد بن كليب الشاعر المغربي.
قال أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي في تاريخه كان أحمد هذا يهوى أسلم بن حمد بن سعيد قاضي قضاة الأندلس وكان أسلم من أحسن أهل زمانه فافتتن به وقال فيه الأشعار الرائقة.
ثم سكت الحميدي ولم يذكر ما قاله في أسلم المذكور من الأشعار.
وفيها توفي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن محمد بن شاذان أبو علي البزاز إمام محدث مشهور من أهل بغداد ولد سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة سمع خلقًا كثيرًا وكان صالحًا ثقة صدوقًا.
وفيها توفي الحسن بن عثمان بن أحمد بن الحسين بن سورة أبو عمر الواعظ البغدادي سمع الحديث وتفقه وكان شيخًا له لسان حلو في الوعظ وكان له شعر على طريق القوم فمنه قوله: دخلت على السلطان في دار عزه بفقر ولم أجلب بخيل ولا رجل فقلت انظروا ما بين فقري وملككم بمقدار ما بين الولاية والعزل أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاث أذرع وعشرون إصبعًا.
مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعًا وخمس عشرة إصبعًا.
السنة السادسة عشرة من ولاية الظاهر لإعزاز دين الله على مصر وهي سنة سبع وعشرين وأربعمائة.
وفيها كانت وفاته حسب ما تقدم في ترجمته.
فيها أعني سنة سبع وعشرين أرسل الظاهر قبل موته خمسة آلاف دينار فصلح بها نهر ينتهي إلى الكوفة ويرد إليه ماء الفرات وجاء أهل الكوفة يستأذنون القائم بأمر الله في ذلك فثقل عليه وسأل الفقهاء فقالوا: هذا مال تغلب عليه من فيء المسلمين فصرفه في هذا الوجه فأذن لهم القائم في ذلك.
وفيها لم يحج أحد من العراق وحجوا من الشام ومصر.
وفيها توفي أحمد بن محمد بن إبراهيم أبو إسحاق الثعلبي صاحب التفسير المشهور.
قال الحافظ أبو الفرج بن الجوزي: ليس فيه ما يعاب به إلا ما ضمنه من الأحاديث الواهية التي هي في الضعف متناهية خصوصًا في أوائل السور.
وفيها توفي الحسن بن وهب أبو علي الكاتب المجود كان فاضلًا إمامًا مجودًا وخطه معروف مشهور بالحسن.
وفيها توفي حمزة بن يوسف بن إبراهيم الجرجاني الحافظ هو من ولد هشام بن العاص بن وائل السهمي وكان عالمًا فاضلًا رحل في طلب العلم وسمع الحديث الكثير وقال أنبأنا الحسين بن عمر الضراب أنشدنا شعبان الصيرفي: أشد من فاقة الزمان وقوف حر على هوان فاسترزق الله واستعنه فإنه خير مستعان أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ست أذرع وعشرون إصبعًا.
مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعًا وخمس عشرة إصبعًا.
خلافة المستنصر بالله على مصر هو أبو تميم معد الملقب بالمستنصر بالله بن الظاهر لإعزاز دين الله علي بن الحاكم بأمر الله منصور بن العزيز بالله بن المعز لدين الله معد أول خلفاء الفاطميين بمصر ابن المنصور بالله إسماعيل بن القائم بالله محمد بن المهدي عبيد الله العبيدي الفاطمي المغربي الأصل المصري المولد والمنشأ والدار والوفاة وهو الخامس من خلفاء مصر من بني عبيد والثامن من المهدي عبيد الله.
ولي الخلافة بعد موت أبيه الظاهر لإعزاز دين الله في يوم الأحد منتصف شعبان سنة سبع وعشرين وأربعمائة.
وكان عمره يوم ولي الخلافة سبع سنين وسبعة وعشرين يومًا وختن وهو ابن ست سنين.
قال الذهبي رحمه الله: هو معد أبو تميم الملقب بأمير المؤمنين المستنصر بالله بن الظاهر بن الحاكم بأمر الله - وساق بقية نسبه بنحو ما سقناه إلى أن قال -: بقي في الخلافة ستين سنة وأربعة أشهر وهو الذي خطب له بإمرة المؤمنين على منابر العراق في نوبة الأمير أبي الحارث أرسلان المعروف بالبساسير في سنة إحدى وخمسين وأربعمائة.
ولا أعلم أحدًا في الإسلام لا خليفة ولا سلطانًا طالت مدته مثل المستنصر هذا.
وولي وهو ابن سبع سنين.
ولما كان في سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة قطع الخطبة له من المغرب الأمير المعز بن باديس - وقيل: بل قطعها في سنة خمس وثلاثين - وخطب لبني العباس وخرج عن طاعة بني عبيد الباطنية.
وحدث في أيام المستنصر بمصر الغلاء الذي ما عهد بمثله منذ زمان يوسف عليه السلام ودام سبع سنين حتى أكل الناس بعضهم بعضًا حتى قيل: إنه بيع رغيف واحد بخمسين دينارًا - فإنا لله وإنا إليه راجعون - وحتى إن المستنصر هذا بقي يركب وحده وخواصه ليس لهم دواب يركبونها وإذا مشوا سقطوا من الجوع وآل الأمر إلى أن استعار المستنصر بغلة يركبها من صاحب ديوان الإنشاء.
وآخر شيء نزحت أم المستنصر وبناته إلى بغداد خوفًا من أن يمتن جوعًا.
وكان ذلك في سنة ستين وأربعمائة.
ولم يزل هذا الغلاء حتى تحرك الأمير بدر الجمالي والد الأفضل أمير الجيوش من عكا وركب في البحر وجاء إلى مصر وتولى تدبير الأمور وشرع في إصلاح الأمر.
وتوفي المستنصر في ذي الحجة سنة 487 ه.
وفي دولته كان الرفض والسب فاشيًا مجهرًا والسنة والإسلام غريبًا! فسبحان الحليم الخبير الذي يفعل في ملكه ما يريد.
وقام بعده ابنه المستعلي أحمد أقامه أمير الجيوش الأفضل.
واستقامت الأحوال فخرج أخوه نزار من مصر خفية فسار إلى ناصر الدولة أمير الإسكندرية فأعانه ودعا إليه فتمت بين أمير الجيوش وبينهم حروب وأمور إلى أن ظفر بهم.
انتهى كلام الذهبي في أمر المستنصر.
ونشرع الآن في ذكر المستنصر وأمر الغلاء بأوسع مما ذكره الذهبي من أقوال جماعة من المؤرخين وغيرهم.
قال العلامة أبو المظفر في تاريخه: ولم يل أحد من الخلفاء الأمويين ولا العباسيين ولا المصريين مثل هذه المدة يعني مدة إقامة المستنصر في الخلافة ستين سنة قال: وعاش المستنصر سبعًا وستين سنة وخمسة أشهر في الهزاهز والشدائد والوباء والغلاء والجلاء والفتن.
وكان القحط في أيامه سبع سنين مثل سني يوسف الصديق صلوات الله وسلامه عليه من سنة سبع وخمسين إلى سنة أربع وستين وأربعمائة.
أقامت البلاد سبع سنين يطلع النيل فيها وينزل ولا يوجد من يزرع لموت الناس واختلاف الولاة والرعية فاستولى الخراب على كل البلاد ومات أهلها وانقطعت السبل برًا وبحرًا.
وكان معظم الغلاء سنة اثنتين وستين.
وقال أبو يعلى بن القلانسي: في أيامه يعني المستنصر ثارت الفتن في بني حمدان وأكابر القواد وغلت الأسعار واضطربت الأحوال واختلت الأعمال وحصر في قصره وطمع فيه.
ولم يزل على ذلك حتى استدعى أمير الجيوش بدرًا الجمالي من عكا إلى مصر فاستولى على التدبير وقتل جماعة ممن يطلب الفساد فتمهدت الأمور ولم يبق للمستنصر أمر ولا نهي إلا الركوب في العيدين.
ولم يزل كذلك حتى مات بدر الجمالي وقام بعده ولده الأفضل.
ولما مات المستنصر وقام المستعلي مقامه وتقررت الأمور خرج عبد الله ونزار ابنا المستنصر خفية وقصد نزار الإسكندرية إلى ناصر الدولة واليها وجرت بينه وبين الأفضل حروب بسبب ذلك إلى أن ثبت أمر المستعلي.
انتهى كلام أبي يعلى باختصار.
قلت: وأما ما ذكره الذهبي رحمه الله - من الخطبة للمستنصر على منابر بغداد وبالعراق كله وخلع القائم بأمر الله العباسي من الدعوة فكان من قصته أن السلطان طغرلبك اشتغل بحصار تلك النواحي ونازل الموصل ثم توجه إلى نصيبين لفتح الجزيرة وتمهيدها.
وأرسل الأمير أبو الحارث أرسلان المعروف بالبساسيري إلى إبراهيم ينال أخي السلطان طغرلبك لينجده فأخذ البساسيري يعده ويمنيه ويطمعه في الملك حتى أصغى إليه وخالف أخاه طغرلبك.
وساق إبراهيم ينال في طائفة من العسكر إلى الري.
وبلغ السلطان طغرلبك خبر عصيان إبراهيم فانزعج وسار وراءه وترك بعض عسكره في ديار بكر مع زوجته الخاتون ووزيره عميد الملك الكندري فتفرقت العساكر.
وعادت زوجته الخاتون بالعسكر الذي صحبها إلى بغداد.
وأما زوجها السلطان طغرلبك فإنه التقى هو وأخوه إبراهيم ينال وتقاتلا فظفر عليه أخوه إبراهيم ينال وانهزم السلطان طغرلبك إلى همذان فساق أخوه إبراهيم خلفه وحاصره بها.
فعزمت الخاتون على إنجاد زوجها.
واختبطت بغداد وعظم البلاء بها وقامت الفتنة على ساق.
وتم للأمير أبي الحارث أرسلان البساسيري ما دبره من المكر.
وأرجف الناس ببغداد بمجيء البساسيري.
ونفر الوزير عميد الملك وزير طغرلبك والأمير أنوشروان إلى الجانب الغربي من بغداد وقطعا الجسر.
ونهبت الغز دار خاتون.
وأكل القوي الضعيف.
ووقع ببغداد وأعمالها أمور هائلة شنعة.
ثم دخل الأمير أبو الحارث أرسلان البساسيري بغداد في ثامن ذي القعدة بالرايات المستنصرية وعليها ألقاب المستنصر هذا صاحب مصر فمال إلى البساسيري أهل باب الكرخ وفرحوا به لكونهم رافضة والبساسيري وخلفاء مصر أيضًا رافضة فانضموا إلى البساسيري وتشفوا من أهل السنة وشمخت أنوف المنافقين الرافضة وأعلنوا بالأذان ب حي على خير العمل ببغداد.
واجتمع خلق من أهل السنة على الخليفة القائم بأمر الله العباسي وقاتلوا معه وفشت الحرب بين الفريقين في السفن أربعة أيام.
وخطب يوم الجمعة ثالث عشر ذي القعدة ببغداد للمستنصر هذا صاحب الترجمة بجامع المنصور وأذنوا ب حي على خير العمل.
وعقد الجسر وعبرت عساكر البساسيري إلى الجانب الشرقي فخندق الخليفة القائم بأمر الله على نفسه حول داره وحول نهر المعلى فأحرقت الغوغاء نهر المعلى ونهبت ما فيه وقوي البساسيري وتفلل عن الخليفة القائم أكثر الناس.
فاستجار القائم بقريش بن بدران أمير العرب وكان مع البساسيري فأجاره ومن معه وأخرجه إلى مخيمه.
وقبض البساسيري على وزير القائم بأمر الله رئيس الرؤساء أبي القاسم بن المسلمة وقيده وشهره على جمل وعليه طرطور وعباءة وجعل في رقبته قلائد كالمسخرة وطيف به بالشوارع وخلفه من يصفعه ثم سلخ له ثور وألبس جلده وخيط عليه وجعلت قرون الثور في رأسه ثم علق على خشبة وعمل في فيه كلوبان فلم يزل يضطرب حتى مات رحمه الله.
ونصب للقائم الخليفة خيمة صغيرة بالجانب الشرقي في المعسكر ونهبت العامة دار الخلافة فأخذوا منها ما لا يحصى ولا يوصف كثرة.
فلما كان يوم الجمعة رابع ذي الحجة لم تصل الجمعة بجامع الخليفة وخطب بسائر الجوامع للمستنصر المذكور وقطعت الخطبة العباسية بالعراق.
وهذا شيء لم يفرح به أحد من آباء المستنصر.
ثم حمل القائم بأمر الله إلى حديثة عانة فجلس بها وسلم إلى صاحبها مهارش.
وذلك أن البساسيري وقريشًا اختلفا في أمر القائم بأمر الله ثم وقع اتفاقهما بعد أمور على أن يكون عند مهارش إلى أن يتفقا على ما يتفقان عليه في أمره.
ثم جمع أبو الحارث أرسلان البساسيري القضاة والأشراف ببغداد وأخذ عليهم البيعة للمستنصر العبيدي صاحب الترجمة فبايعوا قهرًا على رغم الأنف.
وقال الشيخ عز الدين بن الأثير في تاريخه: إن إبراهيم ينال كان أخوه السلطان طغرلبك قد ولاه الموصل عام أول وإنه في سنة خمسين فارق الموصل ورحل نحو بلاد الجبل فنسب السلطان رحيله إلى العصيان فبعث وراءه رسولا معه الفرجية التي خلعها عليه الخليفة.
ولما فارق الموصل قصدها البساسيري وقريش بن بدران وحاصراها وأخذا البلد ليومه وبقيت القلعة فحاصراها أربعة أشهر حتى أكل أهلها دوابهم ثم سلموها بالأمان فهدمها البساسيري وعفى أثرها.
وسار طغرلبك بجريدة في ألفين إلى الموصل فوجد البساسيري وقريشًا فارقاها فساق وراءهم ففارقه أخوه وطلب همذان فوصلها في رمضان.
قال: وقد قيل إن المصريين كاتبوه وإن البساسيري استماله وأطمعه في السلطنة فسار طغرلبك في أثره يعني أثر أخيه إبراهيم ينال.
قال: وأما البساسيري فوصل إلى بغداد في ثامن ذي القعدة ومعه أربعمائة فارس على غاية الضر والفقر فنزل بمشرعة الروايا ونزل قريش في مائتي فارس عند مشرعة باب البصرة ومالت العامة للبساسيري: أما الشيعة فللمذهب وأما أهل السنة فلما فعل بهم الأتراك.
وكان رئيس الرؤساء لقلة معرفته بالحرب ولما عنده من ضعف البساسيري يرى المبادرة إلى الحرب فاتفق أنه في بعض الأيام التي تحاربوا فيها حضر القاضي الهمذاني عند رئيس الرؤساء ثم استأذن في الحرب وضمن له قتل البساسيري فأذن له من غير أن يعلم عميد العراق وكان رأي عميد العراق المطاولة رجاء أن ينجدهم طغرلبك فخرج الهمذاني بالهاشميين والخدم والعوام إلى الحلبة وأبعدوا والبساسيري يستجرهم.
فلما أبعدوا حمل عليهم فانهزموا وقتل جماعة وهلك آخرون في الزحمة بباب الأزج.
وكان رئيس الرؤساء واقفًا دون الباب فدخل داره وهرب كل من في الحريم ولطم عميد العراق على وجهه كيف استبد رئيس الرؤساء بالأمر ولا معرفة له بالحرب.
فاستدعى الخليفة عميد العراق وأمره بالقتال على سور الحريم فلم يرعهم إلا الزعقات وقد نهب الحريم ودخلوا من باب النوبي فركب الخليفة لابسًا للسواد وعلى كتفه البردة وعلى رأسه اللواء وبيده السيف وحوله زمرة من العباسيين والخدم بالسيوف المسللة فرأى النهب إلى باب الفردوس من داره فرجع إلى ورائه نحو عميد العراق فوجده قد استأمن إلى قريش فعاد وصعد إلى المنظرة.
وصاح رئيس الرؤساء: علم الدين يعني قريشًا أمير المؤمنين يستدنيك فدنا منه فقال: قد أنالك الله منزلة لم ينلها أمثالك وأمير المؤمنين يستذم منك على نفسه وأصحابه بذمام الله وذمام رسوله وذمام العربية فقال: قد أذم الله تعالى له قال: ولي ولمن معه قال نعم وخلع قلنسوته وأعطاها الخليفة وأعطى رئيس الرؤساء بحضرته ذمامًا.
فنزل إليه الخليفة ورئيس الرؤساء وسارا معه.
فأرسل إليه البساسيري يقول: أتخالف ما استقر بيننا - وكانا قد تحالفا ألا ينفرد أحدهما عن الآخر بشيء ويكون العراق بينهما نصفين - فقال قريش: ما عدلت عما استقر بيننا عدوك ابن المسلمة يعني رئيس الرؤساء فخذه وأنا آخذ الخليفة فرضي البساسيري بذلك.
فبعث رئيس الرؤساء إليه مع منصور بن مزيد فحين رآه البساسيري قال: مرحبًا بمدمر الدولة ومهلك الأمم ومخرب البلاد ومبيد العباد.
فقال له: أيها الأجل العفو عند المقدرة.
فقال: قد قدرت فما عفوت وأنت تاجر صاحب طيلسان ولم تبق على الحريم والأموال والأطفال فكيف أعفو عنك وأنا صاحب سيف وقد أخذت أموالي وعاقبت أصحابي ودرست دوري وسببتني وأبعدتني!.
واجتمع العوام على ابن المسلمة يعني رئيس الرؤساء وسبوه ولعنوه وهموا به.
فأخذه البساسيري بيده وسيره إلى جانبه خوفًا عليه من العامة.
وحصل في يد البساسيري جميع من كان يطلبه مثل ابن المردرسي وأبي عبد الله الدامغاني قاضي القضاة وهبة الله بن المأمون وأبي علي بن السيرواني وأبي عبد الله بن عبد الملك وكان من التجار الكبار وبينه وبين البساسيري عداوة وكان قد سكن في دار الخلافة خوفًا منه على ماله ونعمته.
وظفر بالسيدة خاتون بنت الأمير داود زوجة الخليفة فأحسن معاملتها ولم يتعرض لها.
وأما قريش فحصل في يده الخليفة وعميد العراق وأبو منصور بن يوسف وولده فحمل الخليفة إلى معسكره راكبًا وعلى كتفه البردة وبيده سيف مسلول وعلى رأسه اللواء.
ولحق الخليفة ذرب عظيم قام منه في اليوم مرارًا وامتنع من الطعام والشراب فسأله قريش وألح عليه حتى أكل وشرب وحمله في هودج وسار به إلى حديثة عانة فنزل بها.
وسار حاشية الخليفة على حامية إلى السلطان طغرلبك مستنفرين له.
ولما وصل الخليفة إلى الأنبار شكا البرد فبعث يطلب من متوليها ما يلبس فأرسل إليه جبة ولحافًا.
وركب البساسيري يوم الأضحى وعلى رأسه الألوية المصرية وعبر إلى المصلى بالجانب الشرقي وأحسن إلى الناس وأجرى الجرايات على الفقهاء ولم يتعصب لمذهب وأفرد لوالدة الخليفة دارًا وراتبًا وكانت قد قاربت التسعين سنة.
ثم في آخر ذي الحجة أخرج رئيس الرؤساء مقيدًا وعلى رأسه طرطور وفي رقبته مخنقة جلود وهو يقرأ: " قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء.
.
.
" الآية.
فبصق أهل الكرخ في وجهه لأنه كان متعصبًا لأهل السنة رحمه الله ثم صلب على صورة ما ذكرناه أولا.
وأما عميد العراق فقتله البساسيري أيضًا وكان شجاعًا شهمًا وهو الذي بنى رباط شيخ الشيوخ.
ثم بعث البساسيري البشائر إلى مصر وكان وزير المستنصر هناك أبا الفرج ابن أخي أبي القاسم المغربي وكان أبو الفرج ممن هرب من البساسيري فذم للمستنصر فعله وخوفه من سوء عاقبته فتركت أجوبته مدة ثم عادت على البساسيري بغير الذي أمله فسار البساسيري إلى البصرة وواسط وخطب بهما أيضًا للمستنصر.
وأما طغرلبك فإنه انتصر في الآخر على أخيه إبراهيم ينال وقتله وكر راجعًا إلى العراق ليس له هم إلا إعادة الخليفة إلى رتبته.
وفي الجملة أن الذي حصل للمستنصر في هذه الواقعة من الخطبة باسمه في العراق وبغداد لم يحصل ذلك لأحد من آبائه وأجداده.
ولولا تخوف المستنصر من البساسيري أو تحريضه على ما هو بصدده لكانت دعوته تتم بالعراق زمانًا طويلا فإنه كان أولا أمد البساسيري بجمل مستكثرة.
فلو دام المستنصر على ذلك لكان البساسيري يفتتح له عدة بلاد.
قال الحسن بن محمد العلوي: " إن الذي وصل إلى البساسيري من المستنصر من مال خمسمائة ألف دينار ومن الثياب ما قيمته مثل ذلك وخمسمائة فرس وعشرة آلاف قوس ومن السيوف ألوف ومن الرماح والنشاب شيء كثير.
يعني قبل هذه الواقعة ولهذا قلنا: لو دام المستنصر على عطائه للبساسيري لكان افتتح له عدة بلاد.
قلت: ولله الحمد على ما فعله المستنصر من التقصير في حق البساسيري وإلا لكانت السنة تذهب بالعراق وتملكها الرافضة بأجمعها كما كان وقع بمصر ولما خطب البساسيري في بغداد باسم المستنصر معد هذا غنته مغنية بقولها: الرمل - مجزوء يا بني العباس صدوا ملك الأمر معد ملككم كان معارًا والعواري تسترد فطرب المستنصر لذلك ووهبها أرضًا بمصر رزقة لها جائزة لإنشادها هذا الشعر وتلك الأرض الآن تعرف بأرض الطبالة بالقرب من بركة الرطلي لكونها غنته بهذه الأبيات وهي تطبل بدف كان في يدها فعرفت بأرض الطبالة وحكرت الأرض المذكورة وبنيت.
وكان ما وقع للمستنصر هذا تمام سعده.
ومن حينئذ أخذ أمره في إدبار من وقوع الغلاء والوباء بالديار المصرية.
وقاسى الناس شدائد واختل أمر مصر - على ما سنذكره إن شاء الله تعالى في وقته من هذه الترجمة - من استيلاء ناصر الدولة بن حمدان على ممالك الديار المصرية وزاد ابن حمدان في عطاء الجند حتى نفدت الخزائن وقلت الارتفاعات.
واتفق ابن حمدان مع الشريف أبي طاهر حيدرة بن الحسن الحسيني وكان قد نفاه بدر الجمالي من دمشق وكان محببًا للناس وتلقبه العامة بأمير المؤمنين وكان لما نفاه بدر الجمالي من دمشق دخل إلى مصر شاكيًا إلى ابن حمدان من بدر الجمالي - فاتفق ابن حمدان والشريف وحازم وحميد ابنا جراح وهما من أمراء عرب الشام وكان لهما في حبس المستنصر نيف وعشرون سنة فأخرجهما ابن حمدان واتفقوا على الفتك ببدر الجمالي فأعطاهم ابن حمدان أربعين ألف دينار ينفقونها في هذا الوجه.
وتحدث ابن حمدان بأن يرتب الشريف إذا عاد مكان المستنصر في الخلافة لنسبه الصحيح.
وانقسم عسكر مصر قسمين: قسمًا مع ابن حمدان وقسمًا عليه وزادت مطالبة ابن حمدان بالأموال حتى استوعبها وأخرج جميع ما في القصر من ثياب وأثاث وباعها بالثمن البخس وحالف الأتراك سرًا على المستنصر.
وعلم المستنصر بما فعله مضافا لما سمع عنه من أمر الشريف فقلق وأرسل لابن حمدان ويقول بأنك قدمت علينا زائرًا وجئتنا ضيفًا فقابلناك بالإحسان وأكرمناك فقابلتنا بما لا نستحقه منك ونحن عليك صابرون وعنك مغضون.
وقد انتهت بك الحال إلى محالفة العسكر علينا والسعي في إتلافنا وما ذاك مما يهمك ونحب أن تنصرف عنا موفورًا في نفسك ومالك وإلا قابلناك على قبيح أفعالك.
فأغلظ ابن حمدان في الجواب واستهزأ بالرسول.
فبعث المستنصر إلى إلدكز الملقب بأسد الدولة وكان شيخ الأتراك والمقدم عليهم وكان من المخالفين على ابن حمدان فاستحضره واستحلفه وتوثق منه ومن جماعة ممن جرى مجراه وجمع الأتراك الذين معه والمغاربة وكتامة إلى باب القصر.
وعرف ابن حمدان بذلك فبرز بخيمة إلى بركة الحبش وأخرج المستنصر خيمته الحمراء وتسمى خيمة الدم فضربها بين القصرين من القاهرة.
واجتمع الناس على المستنصر وركب وسار إلى حرب ابن حمدان.
والتقوا بمكان يعرف بالباب الجديد فورد أكثر من كان مع ابن حمدان بالأمان إلى المستنصر.
وكان في جملة من ورد الأمير أبو علي ابن الملك أبي طاهر بن بويه ثم قتل المذكور بعد ذلك بمدة.
ووقع القتال فانكسر ابن حمدان وهرب بنفسه إلى الإسكندرية ونهبت دوره وأمواله ودور أصحابه.
ومضى ابن حمدان إلى حي من العرب وتزوج منهم وقوي بهم فصار يشن الغارات على أعمال مصر ويبعث إليه المستنصر في كل وقت جيشًا فيهزمه ابن حمدان.
ولا زال على ذلك حتى جمع ابن حمدان جمعًا كبيرًا ونزل الصالحية فخرج إليه من كان يهواه من المشارقة وامتدت عسكره نحو عشرة فراسخ وحاصر مصر فضعف المستنصر عن مقاومته وانحصر بالقاهرة.
وطال الحصار وغلت الأسعار حتى بلغت الراوية الماء ثلاثة عشر قيراطًا وكل ثلاثة عشر رطلا من الخبز دينارًا وعدمت الأقوات فضج العوام فخاف المستنصر أن يسلموه إليه فراسله وصالحه.
واقترح عليه ابن حمدان إبعاد إلدكز ومن يعاديه من المشارقة وأن ينفرد ابن حمدان بالبلاد وتدبير الأمور والعساكر فرضي المستنصر بذلك كله ورفع الحصار عن مصر وعادت الأمور إلى ما كانت عليه.
فهرب غالب من كان مع المستنصر إلى الشام ووفدوا على صاحبها بدر الجمالي.
وكان بدر الجمالي يكره ابن حمدان والشريف المذكور.
ثم ظفر الجمالي بالشريف المذكور وقتله خنقًا.
على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
وصار المستنصر في قصره كالمحجور عليه ولا حكم له.
هذا والغلاء بمصر يتزايد حتى إنه جلا من مصر خلق كثير لما حصل بها من الغلاء الزائد عن الحد والجوع الذي لم يعهد مثله في الدنيا فإنه مات أكثر أهل مصر وأكل بعضهم بعضًا.
وظهروا على بعض الطباخين أنه ذبح عدة من الصبيان والنساء وأكل لحومهم وباعها بعد أن طبخها.
وأكلت الدواب بأسرها فلم يبق لصاحب مصر - أعني المستنصر - سوى ثلاثة أفراس بعد أن كانت عشرة آلاف ما بين فرس وجمل ودابة.
وبيع الكلب بخمسة دنانير والسنور بثلاثة دنانير.
ونزل الوزير أبو المكارم وزير المستنصر على باب القصر عن بغلته وليس معه إلا غلام واحد فجاء ثلاثة وأخذوا البغلة منه ولم يقدر الغلام على منعهم لضعفه من الجوع فذبحوها وأكلوها فأخذوا وصلبوا فأصبح الناس فلم يروا إلا عظامهم أكل الناس في تلك الليلة لحومهم.
ودخل رجل الحمام فقال له الحمامي: من تريد أن يخدمك سعد الدولة أو عز الدولة أو فخر الدولة.
فقال له الرجل: أتهزأ بي! فقال: لا والله انظر إليهم فنظر فإذا أعيان الدولة ورؤساؤها صاروا يخدمون الناس في الحمام لكونهم باعوا جميع موجودهم في الغلاء واحتاجوا إلى الخدمة.
وأعظم من هذا أن المستنصر الخليفة صاحب الترجمة باع جميع موجوده وجميع ما كان في قصره حتى أخرج ثيابًا كانت في القصر من زمن الطائع الخليفة العباسي لما نهب بهاء الدولة دار الخليفة في إحدى وثمانين وثلاثمائة وأشياء أخر أخذت في نوبة البساسيري وكانت هذه الثياب التي لخلفاء بني العباس عند خلفاء مصر يحتفظون بها لبغضهم لبني العباس فكانت هذه الثياب عندهم بمصر بسبب المعيرة لبني العباس.
فلما ضاق الأمر على المستنصر أخرجها وباعها بأبخس ثمن لشدق الحاجة.
وأخرج المستنصر أيضًا طستًا وإبريقًا بلورًا يسع الإبريق رطلين ماء والطست أربعة أرطال وأظنه بالبغدادي فبيعا باثني عشر درهما فلوسًا ثم باع المستنصر من هذا البلور ثمانين ألف قطعة.
وأما ما باع من الجواهر واليواقيت والخسرواني فشيء لا يحصى.
وأحصي من الثياب التي أبيعت في هذا الغلاء من قصر الخليفة ثمانون ألف ثوب وعشرون ألف درع وعشرون ألف سيف محلى وباع المستنصر حتى ثياب جواريه وتخوت المهود وكان الجند يأخذون ذلك بأقل ثمن.
وباع رجل دارًا بالقاهرة كان اشتراها قبل ذلك بتسعمائة دينار بعشرين رطل دقيق.
وبيعت البيضة بدينار والإردب القمح بمائة دينار في الأول ثم عدم وجود القمح أصلا.
وكان السودان يقفون في الأزقة يخطفون النساء بالكلاليب ويشرحون لحومهن ويأكلونها.
واجتازت امرأة بزقاق القناديل بمصر وكانت سمينة فعفقها السودان بالكلاليب وقطعوا من عجزها قطعة وقعدوا يأكلونها وغفلوا عنها فخرجت من الدار واستغاثت فجاء الوالي وكبس الدار فأخرج منها ألوفًا من القتلى وقتل السودان.
واحتاج المستنصر في هذا الغلاء حتى إنه أرسل فأخذ قناديل الفضة والستور من مشهد إبراهيم الخليل عليه السلام.
وخرجت امرأة من القاهرة في هذا الغلاء ومعها مد جوهر فقالت: من يأخذ هذا ويعطيني عوضه دقيقًا أو قمحًا فلم يلتفت إليها أحد فألقته في الطريق وقالت: هذا ما ينفعني وقت حاجتي فلا حاجة لي به بعد اليوم فلم يلتفت إليه أحد وهو مبدد في الطريق فهذا أعجب من الأول.
وقيل: إن سبب ما حصل لمصر من الخلل في أول الأمر الفتنة التي كانت بمصر في أيام المستنصر هذا بين الأتراك والعبيد وهو أن المستنصر كان من عادته في كل سنة أن يركب على النجب مع النساء والحشم إلى جب عميرة وهو موضع نزهة فيخرج إليه بهيئة أنه خارج إلى الحج على سبيل الهزء والمجانة ومعه الخمر في الروايا عوضًا عن الماء ويسقيه الناس كما يفعل بالماء في طريق مكة.
فلما كان في جمادى الآخرة خرج على عادته المذكورة فاتفق أن بعض الأتراك جرد سيفًا في سكرته على بعض عبيد الشراء فاجتمع عليه طائفة من العبيد فقتلوه فاجتمع الأتراك بالمستنصر هذا وقالوا له: إن كان هذا عن رضاك فالسمع والطاعة وإن كان عن غير رضاك فلا ترضى بذلك فأنكر المستنصر ذلك فاجتمع جماعة من الأتراك وقتلوا جماعة من العبيد بعد أن حصل بينهم وبين العبيد قتال شديد على كوم شريك وانهزم العبيد من الأتراك.
وكانت أم المستنصر تعين العبيد بالأموال والسلاح فظفر بعض الأيام أحد الأتراك بذلك فجمع طائفة الأتراك ودخلوا على المستنصر وقاموا عليه وأغلظوا له في القول فحلف لهم أنه لم يكن عنده خبر.
وصار السيف قائمًا بينهم.
ثم دخل المستنصر على والدته وأنكر عليها.
ودامت الفتنة بين الأتراك والعبيد إلى أن سعى وزير الجماعة أبو الفرج بن المغربي - وأبو الفرج هذا هو أول من ولي كتابة الإنشاء بمصر - ولا زال الوزير أبو الفرج هذا يسعى بينهم حتى اصطلحوا صلحًا يسيرًا فاجتمع العبيد وخرجوا إلى شبرى دمنهور.
فكانت هذه الواقعة أول الاختلاف بديار مصر فإنه قتل من الأتراك والعبيد خلائق كثيرة وفسدت الأمور فطمع كل أحد.
وكان سبب كثرة السودان ميل أم المستنصر إليهم فإنها كانت جارية سوداء لأبي سعد التستري اليهودي.
فلما ولي المستنصر الخلافة ومات الوزير صفي الدين الجرجرائي في سنة ست وثلاثين حكمت والدة المستنصر على الدولة واستوزرت سيدها أبا سعد المذكور ووزر لابنها المستنصر الفلاحي فلم يمش له مع أبي سعد حال فاستمال الأتراك وزاد في واجباتهم حتى قتلوا أبا سعد المذكورة فغضبت لذلك أم المستنصر وقتلت أبا منصور الفلاحي وشرعت في شراء العبيد السود وجعلتهم طائفة واستكثرت منهم.
فلما وقع بينهم وبين الأتراك قامت في نصرهم.
وقال الشيخ شمس الدين بن قزأوغلي في المرآة: وكل هذه الأشياء كان ابن حمدان سببها ووافق ذلك انقطاع النيل وضاقت يد أبي هاشم محمد أمير مكة بانقطاع ما كان يأتيه من مصر فأخذ قناديل الكعبة وستورها وصفائح الباب والميزاب وصادر أهل مكة فهربوا.
وكذا فعل أمير المدينة مهنأ وقطعا الخطبة للمستنصر وخطبا لبني العباس الخليفة القائم بأمر الله وبعثا إلى السلطان ألب أرسلان السلجوقي حاكم بغداد بذلك وأنهما أذنا بمكة والمدينة الأذان المعتاد وتركا الأذان ب حي على خير العمل فأرسل ألب أرسلان إلى صاحب مكة أبي هاشم المذكور بثلاثين ألف دينار وإلى صاحب المدينة بعشرين ألف دينار.
وبلغ الخبر بذلك المستنصر فلم يلتفت إليه لشغله بنفسه ورعيته من عظم الغلاء.
وقد كاد الخراب أن يستولي على سائر الإقليم.
ودخل ابن الفضل على القائم بأمر الله العباسي ببغداد وأنشده في معنى الغلاء الذي شمل مصر قصيدة منها: الطويل.
وقد علم المصري أن جنوده سنو يوسف منها وطاعون عمواس أحاطت به حتى استراب بنفسه وأوجس منها خيفة أي إيجاس قلت: وهذا شأن أرباب المناصب إذا عزل أحدهم بآخر أراد هلاكه ولو هلك العالم معه.
وهذا البلاء من تلك الأيام إلى يومنا هذا.
ثم في
سنة ست وستين سار بدر الجمالي أمير الجيوش من عكا إلى مصر
ومعه عبد الله بن المستنصر باستدعاء المستنصر بعد قتل ابن حمدان بمدة.
واسم ابن حمدان الحسن بن الحسين بن حمدان أبو محمد التغلبي الأمير ناصر الدولة ذو المجدين.
سبب قتل ابن حمدان المذكور وسببه أنه كان ابن حمدان اتفق مع إلدكز التركي وكان إلدكز تزوج بابنته فاتفقا اتفاقا كليًا وتحالفا وأمن أحدهما للآخر.
ووصل ناصر الدولة إلى مصر - أعني بعد توجهه إلى الإسكندرية حسب ما ذكرناه - على طمأنينة مرتبًا للمواكب والعساكر فركب إلدكز يوم الجمعة مستهل شهر رمضان في خمسين فارسًا وكان له غلام يقال له: أبو منصور كمشتكين ويلقب حسام الدولة وكان يثق به فقال له إلدكز: أريد أن أطلعك على أمر لم أر له أهلا غيرك قال: وما هو قال: قد علمت ما فعل ابن حمدان بالمسلمين من سفك الدماء والغلاء والجلاء وقد عزمت على قتله فهل فيك موافقة ومشاركة وأريح الإسلام منه فقال نعم ولكن أخاف أن يفلت فتتبرأ مني قال لا.
وقصدوا ابن حمدان قبل أن يلحقه أصحابه واستأذنوا عليه فأذن لهم فدخلوا والفراشون ينفضون البسط ليقعد عليها ابن حمدان وهو يتمشى في صحن الدار ومشى إلدكز معه ثم تأخر عنه وضربه بيافروت كان معه وهو سكين مغربي في خاصرته وضربه كمشتكين فقطع رجليه فصاح: فعلتموها! فحزوا رأسه.
وكان محمود بن ذبيان أمير بني سنبس في خزانة الشراب فدخلوا عليه وقتلوه.
ثم خرجوا إلى دار كان فيها فخر العرب ابن حمدان وقد شرب دواء وعنده الأمير شاور فقتلوهما.
وخرجوا إلى خيمة الأمير تاج المعالي بن حمدان أخي ناصر الدولة وكان على عزم المسير إلى الصعيد فهرب إلى خراب مقابل خيمته فكمن فيه فرآه بعض العبيد فأعطاه معضدة فيها مائة دينار وقال له: اكتم علي فأخذها العبد وجاء إلى إلدكز ونم عليه فدخل وقتله.
وانهزم ابن أخي ابن المدبر في زي المكدين فأخذ وكان قد تزوج بإحدى بنات نزار ابن المستنصر الخليفة فقطع ذكره وجعل في فمه ثم قتل.
وقطع ابن حمدان قطعًا وأنفذ كل قطعة إلى بلد.
وجاءوا إلى القصر إلى الخليفة المستنصر هذا ومعهم الرؤوس وأرسلوا إلى الخليفة وقالوا: قد قتلنا عدوك وعدونا من أخرب البلاد وقتل العباد ونريد من المستنصر الأموال.
فقال المستنصر: أما المال فما ترك ابن حمدان عندي مالا.
وأما ابن حمدان فما كان عدوي وإنما كانت الشحنة بينك وبينه يا إلدكز فهلكت الدنيا بينكما وإني ما اخترت ما فعلت من قتله ولا رضيته وستعلم غب الغدر ونقض العهد.
ووقع بينهما كلام كثير.
وآل الأمر إلى بيع المستنصر قطع مرجان وعروضًا وحمل إلى إلدكز ورفقته مالا من أثمان ذلك وغيره.
ثم علم المستنصر أن أمره يؤول مع إلدكز إلى شر حال فلذلك أرسل أحضر بدرًا الجمالي المقدم ذكره.
ولما حضر بدر الجمالي إلى مصر وجد إلدكز تغلب عليها.
وكان إلدكز قد وصل إلى دمياط وبها ابن المدبر وكان قد هرب منه فقتله وصلبه وعاد إلى مصر واتفق مع بدر الجمالي وتحالفا وتعاهدا.
فلم يكن إلا مدة يسيرة وقبض بدر الجمالي على إلدكز وأهانه وعذبه وطالبه بالمال فلم يظهر سوى اثني عشر ألف دينار وكان له من الأموال والجواهر شيء كثير إلا أنه لم يقر به فقتله بدر الجمالي وقيل: هرب إلى الشام.
وأخذ بدر الجمالي في إصلاح أمور الديار المصرية: انتزع الشرقية من أيدي عرب لواتة وقتل منهم مقتلة عظيمة وأسر أمراءهم وأخذ منهم أموالا جمة وعمر الريف فرخصت الأسعار ورجعت إلى عادتها القديمة.
ثم أخذ الإسكندرية وسلمها إلى القاضي ابن المحيرق.
وأصلح أموال الصعيد واستدعى أكابرهم إليه فجاءه منهم الكثير.
وصلح الحال لهلاك الأضداد ورفعت الفتن وانفرد أمير الجيوش بدر الجمالي بالأمر إلى أن مات في خلافة المستنصر.
وتولى بعده ابنه الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش بدر الجمالي المذكور.
ويأتي ذكر ذلك وغيره مما ذكرنا من الغلاء والفناء والحروب في الحوادث المتعلقة بالمستنصر من سنين خلافته على سبيل الاختصار كما هو عادة هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
ودام المستنصر في الخلافة وهو كالمحجوز عليه مع بدر الجمالي ثم من بعده مع ولده الأفضل شاهنشاه إلى أن توفي بالقاهرة في يوم عيد الفطر وهو يوم الخميس سنة سبع وثمانين وأربعمائة.
وبايع الناس ابنه أحمد من بعده ولقب بالمستعلي بالله.
وقام الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي بتدبير ملكه.
وقد تقدم مدة إقامة المستنصر في الخلافة وكم عاش من السنين في أول ترجمته فيطلب هناك.
ومما رثي به المستنصر قول حظي الدولة أبي المناقب عبد الباقي بن علي التنوخي الشاعر: الطويل.
وليس ردى المستنصر اليوم كالردى ولا أمره أمر يقاس به أمر لقد هاب ملك الموت إتيانه ضحى ففاجأه ليلا ولم يطلع الفجر فأجرى عليه حين مات دموعنا سماء فقال الناس لا بل هو القطر وقد بكت الخنساء صخرًا وإنه ليبكيه من فرط المصاب به الصخر وقلدها المستعلي الظهر حسب ما عليه قديمًا نص والده الطهر وهي سنة ثمان وعشرين وأربعمائة.
فيها في المحرم خلع الخليفة القائم بأمر الله على الأفضل أبي تمام محمد بن محمد بن علي الزينبي الحنفي العلوي وفوض إليه نقابة الهاشميين والصلاة وأمره باستخلاف أبي منصور محمد على ذلك وأحضر الخليفة القضاة والأعيان وقال لهم: قد عولنا على محمد بن محمد بن علي الزينبي في نقابة أهله من العباسيين رعاية لحقوق سالفة.
فقبل أبو تمام الأرض وخلع عليه السواد والطيلسان ونقب عميد الرؤساء.
وفيها لم يحج أحد من العراق.
وحج الناس من مصر وغيرها.
وفيها توفي أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر بن حمدان الإمام العلامة أبو الحسين الحنفي الفقيه البغدادي المشهور بالقدوري.
قال أبو بكر الخطيب: لم يحدث إلا شيئًا يسيرًا كتبت عنه وكان صدوقًا انتهت إليه بالعراق رياسة أصحاب أبي حنيفة وعظم عندهم قدره وارتفع جاهه وكان حسن العبارة في النظر جريء اللسان مديمًا للتلاوة.
قلت: والفضل ما شهدت به الأعداء ولولا أن شأن هذا الرجل كان قد تجاوز الحد في العلم والزهد ما سلم من لسان الخطيب بل مدحه مع عظم تعصبه على الساعة الحنفية وغيرهم فإن عادته ثلم أعراض العلماء والزهاد بالأقوال الواهية والروايات المنقطعة حتى أشحن تاريخه من هذه القبائح.
وصاحب الترجمة هو مصنف مختصر القدوري في فقه الحنفية وشرح مختصر الكرخي في عدة مجلدات وأملى التجريد في الخلافيات أملاه في سنة خمس وأربعمائة وأبان فيه عن حفظه لما عند الدار قطني من أحاديث الأحكام وعللها وصنف كتاب التقريب الأول في الفقه في خلاف أبي حنيفة وأصحابه في مجلد والتقريب الثاني في عدة مجلدات.
وكانت وفاته في منتصف رجب من السنة.
ومولده سنة اثنتين وستين وثلاثمائة.
وقد روينا جزأه المشهور عن الشيخ رضوان بن محمد العقبي عن أبي الطاهر بن الكويك عن محمد بن البلوي أنا عبد الله بن عبد الواحد بن علاق أنا فاطمة بنت سعد الخير الأنصارية أنا أبو بكر بن أبي طاهر أنا العلامة أبو الحسين القدوري رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا الرئيس أبو علي صاحب الفلسفة والتصانيف الكثيرة.
كان إمام عصره في الحكمة وعلوم الأوائل بل كان إمامًا في سائر العلوم.
وتصانيفه كثيرة في فنون العلوم حتى قيل عنه: إنه ليس في الإسلام من هو في رتبته.
قال أبو عبد الله الذهبي: كان ابن سينا آية في الذكاء وهو رأس الفلاسفة الإسلاميين الذين مشوا خلف العقول وخالفوا الرسول - قلت: لم يكن ابن سينا بهذه المثابة بل كان حنفي المذهب تفقه على الإمام أبي بكر بن أبي عبد الله الزاهد الحنفي - وتاب في مرض موته وتصدق بما كان معه وأعتق مماليكه ورد المظالم على من عرفه وجعل يختم في كل ثلاثة أيام ختمة إلى أن توفي يوم الجمعة في شهر رمضان.
قلت: ومن يمشي خلف العقول ويخالف الرسول لا يقلد الأحكام الشرعية ولا يتقرب بتلاوة القرآن العظيم.
وفيها توفي محمد بن أحمد بن أبي موسى أبو علي الهاشمي البغدادي شيخ الحنابلة وعالمهم وصاحب التصانيف الكثيرة.
مات في شهر ربيع الآخر.
وفيها توفي مهيار بن مرزويه الديلمي أبو الحسن الكاتب الشاعر المشهور كان مجوسيًا فأسلم على يد الشريف الرضي وهو أستاذه في الأدب والنظم والتشيع.
اشتغل حتى مهر في الأدب والكتابة والتشيع حتى صار من كبار الشعراء الروافض.
قال أبو القاسم بن برهان النحوي: كان مجوسيًا فأسلم في سنة أربع وتسعين وثلاثمائة فقلت له: يا أبا الحسن انتقلت بإسلامك من زاوية في جهنم قال: وكيف قلت: لأنك كنت مجوسيًا ثم صرت تتعرض لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمجوسي والرافضي في النار.
انتهى.
قلت: وأما شعر مهيار ففي غاية الجودة.
فمن ذلك قوله: البسيط.
أستنجد الصبر فيكم وهو مغلوب ** وأسأل النوم عنكم وهو مسلوب
وأبتغي عندكم قلبًا سمحت به ** وكيف يرجع شيء وهو مـوهوب
أظلت علينا منك يومًا غمامة ** أضاء لها برق وأبطا رشاشهـــا
فلا غيمها يجلى فييأس طامع ** ولا غيثها يأتي فيروى عطاشـها
وفيها توفي الحسن بن عبد الله بن حمدان ناصر الدولة أبو المطالح التغلبي ويعرف بذي القرنين ووجيه الدولة.
ولي إمرة دمشق للحاكم بأمر الله ثم عزل عنها بلؤلؤ ثم أعيد إليها سنة خمس عشرة وأربعمائة من قبل الظاهر بن الحاكم ومات بها وقيل بمصر.
وكان شاعرًا أديبًا شجاعًا فصيحًا.
ومن شعره: الرمل.
موعدي بالبين ظنا أنني بالبين أشقى ما أرى بين مماتي وفراقي لك فرقا لا تهددني ببين لست منه أتوقى إنما يشقى ببين منك من بعدك يبقى أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع وثماني عشرة إصبعًا.
مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعًا وتسع أصابع.
فيها توفي عبد الرحمن بن عبد الله بن علي أبو علي العدل ويعرف بابن أبي العجائز ولد سنة أربعين وثلاثمائة بدمشق وبها مات في المحرم وكان ثقة سمع الحديث ورواه روى عنه غير واحد قال: وحدثنا محمد بن سليمان الربعي عن محمد بن تمام الحراني عن محمد بن قدامة قال: أتينا سفيان بن عيينة فحجبنا فجاء خادم لهارون الرشيد يقال له حسين في طلبه فأخرجه فقدنا إليه فقلنا: أما أهل الدنيا فيصلون إليك وأما نحن فلا نصل! فنظر إلينا وقال: لا أفلح صاحب عيال ثم أنشد: البسيط.
اعمل بعلمي ولا تنظر إلى عملي ينفعك علمي ولا يضررك تقصيري ثم قال: بم تشبهون قوله عليه الصلاة والسلام إخبارًا عن ربه تعالى: " ما أشغل عبدي ذكري عن مسألتي إلا أعطيته أفضل ما أعطي السائلين " فقلنا: قل يرحمك الله فقال قول القائل: الكامل - مجزوء.
وفتى خلا من ماله ومن المروءة غير خال أعطاك قبل سؤاله وكفاك مكروه السؤال وفيها توفي أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد الله العلوي الطلمنكي الحافظ كان إمامًا حافظًا محدثًا.
مات في ذي الحجة وله تسعون سنة.
وفيها توفي الحسن بن علي بن الصقر الإمام الكاتب المقرئ صاحب زيد بن أبي بلال الكوفي كان فاضلًا قرأ القراءات بالروايات وبرع في فنون.
وفيها توفي أبو الوليد يونس بن عبد الله بن محمد بن مغيث المقرئ القرطبي الفقيه المعروف بابن الصفار قاضي الجماعة كان من أوعية العلم كان فقيهًا محدثًا عالمًا زاهدًا.
مات في شهر رجب.
أمر النيل
في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وخمس أصابع.
مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعًا وعشرون إصبعًا.
السنة الثالثة من خلافة المستنصر وهي سنة ثلاثين وأربعمائة.
فيها سأل جلال الدولة الخليفة القائم بأمر الله أن يلقب ابنه لقبًا فلقبه الملك العزيز وكان مقيمًا بواسط.
قلت: وهذا أول لقب سمعناه من ألقاب ملوك الأتراك وغيرهم من ملوك زماننا.
وفيها استولى بنو سلجوق على خراسان والجبال وهرب منهم السلطان مسعود بن محمود بن سبكتكين إلى غزنة واقتسموا البلاد.
وهذا أول ظهور بني سلجوق الآتي ذكرهم في عدة أماكن.
وأصلهم أتراك من ما وراء النهر فزوج سلجوق ابنته من رجل يعرف بعلي تكين فأفسدوا على محمود بن سبكتكين البلاد بالنهب والغارات فقصدهم محمود بن سبكتكين فقبض على سلجوق المذكور وهرب علي تكين وطغرلبك واسمه محمد بن ميكائيل بن سلجوق وبقي طغرلبك في أربعة آلاف خركاه إلى أن توفي محمود بن سبكتكين واشتغل ابنه مسعود بن محمود بن سبكتكين باللهو.
فصار أمر طغرلبك ينمو إلى مسعودًا وهزمه واستولى على خراسان وولى أخاه داود مرو وسرخس وبلخ وولى ابن عمه الحسن بن موسى هراة وبوشنج وسجستان.
وولى أخاه لأمه إبراهيم ينال دهستان.
وعظم أمر طغرلبك إلى أن كان من أمره ما سنذكره في عدة أماكن إن شاء الله تعالى.
وفيها توفي أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الحافظ أبو نعيم الأصبهاني الصوفي والأحول سبط الزاهد محمد بن يوسف البناء كان أحد الأعلام جمع بين علو الرواية وكثرة الدراية ورحل إليه من الأقطار وألحق الصغار بالكبار وولد سنة ست وثلاثين وثلاثمائة بأصبهان.
واستجاز له أبوه طائفة من شيوخ العصر حتى تفرد في آخر عمره في الدنيا عنهم.
وفيها توفي عبد الملك بن محمد بن عبد الله الشيخ أبو القاسم البغدادي الواعظ.
كان مسند العراق في زمانه سمع الحديث وروى الكثير.
قال أبو بكر الخطيب: كتبنا عنه وكان ثقة ثبتًا صالحًا ولد سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة.
وفيها توفي موسى بن عيس بن أبي حاج الفاسي المقرئ الإمام أبو عمران الفاسي الدار الغفجومي النسب - وغفجوم: قبيلة من زناتة - البربري الفقيه المالكي نزيل القيروان وإليه انتهت رياسة العلم بها.
تفقه على أبي الحسن القابسي وهو أجل أصحابه ودخل الأندلس فتفقه على أبي محمد الأصيلي وسمع وحدث وحج غير مرة وكان من كبار العلماء.
وفيها توفي الفضل بن منصور أبو الرضا البغدادي المعروف بابن الظريف كان شاعرًا أديبًا.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وست أصابع مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعًا وعشرون إصبعًا.
السنة الرابعة من خلافة المستنصر وهي سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة.
فيها توفي محمد بن علي بن أحمد بن يعقوب بن مروان القاضي أبو العلاء الواسطي أصله من فم الصلح ونشأ بمدينة واسط.
وكان فقيهًا فاضلًا محدثًا سمع الحديث وولي القضاء.
ومات ببغداد في جمادى الآخرة من السنة.
وفيها توفي محمد بن الفضل بن نظيف أبو عبد الله المصري الفراء مسند الديار المصرية في زمانه سمع الكثير وتفرد بأشياء وروى عنه خلائق كثيرة.
ومات في شهر ربيع الآخر وله تسعون سنة.
وفيها شغب الأتراك وخرجوا بالخيم إلى شاطئ دجلة وشكوا من تأخر النفقة ووقوع الاستيلاء على إقطاعاتهم فعرف السلطان هذا فكاتب دبيس ابن علي بن مزيد وأبا الفتح بن ورام وأبا الفوارس بن سعد ثم كتب إلى الأتراك يلومهم.
وحاصل الأمر أن الناس ماجوا وانزعجوا ووقع النهب وغلت الأسعار وزاد الخوف حتى إن الخطيب صلى صلاة الجمعة بجامع براثا وليس وراءه إلا ثلاثة أنفس ونودي في الجمعة المقبلة: من أراد الصلاة بجامع براثا فكل ثلاثة أنفس بدرهم خفارة.
وفيها توفي القاضي أبو العلاء صاعد بن محمد بن أحمد الفقيه الاستوائي الحنفي قاضي نيسابور وفقيهها وعالمها كان إمامًا فقيهًا عالمًا عفيفًا ورعًا كثير العلم كان المعول على فتواه بنيسابور في زمانه.
ومات في هذه السنة.
قاله الذهبي رحمه الله.
الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال: وفيها توفي القاضي أبو العلاء صاعد بن محمد بن أحمد الفقيه الاستوائي الحنفي قاضي نيسابور وفقيهها والقاضي أبو العلاء محمد بن علي الواسطي المقرئ وأبو الحسن محمد بن عوف المزني في شهر ربيع الآخر وأبو عبد الله محمد بن الفضل بن نظيف المصري الفراء في شهر ربيع الآخر وله تسعون سنة وأبو المعمر مسدد بن علي الأملوكي خطيب حمص.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وعشر أصابع.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعًا وعشر أصابع.
السنة الخامسة من خلافة المستنصر وهي سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة.
فيها اتفق جلال الدولة مع قرواش وتحالفا وسكنت الفتنة بينهما.
وفيها توفي القاضي أبو العلاء صاعد المقدم ذكره في السنة الماضية في قول صاحب مرآة الزمان.
وفيها توفي أبو بكر محمد بن عمر بن بكير بن النجار كان إمامًا عالمًا محدثًا.
مات في هذه السنة.
وفيها توفي عبد الباقي بن محمد الحافظ أبو القاسم الطحان كان إمامًا فاضلًا فقيهًا محدثًا.
مات ببغداد في جمادى الأولى من هذه السنة.
الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال: وفيها توفي الحافظ أبو العباس جعفر بن محمد بن المعتز المستغفري وأبو القاسم عبد الباقي بن محمد الطحان ببغداد في جمادى الأولى وأبو بكر محمد بن عمر بن بكير النجار.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وعشر أصابع مثل الخالية.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعًا وعشرون إصبعًا.
السنة السادسة من خلافة المستنصر وهي سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة.
فيها توفي محمد بن جعفر ابن الحسين المعروف بالجهرمي أبو الحسين البغدادي المقرئ كان فاضلًا قارئًا أديبًا شاعرًا محدثًا.
ومن شعره: الكامل يا ويح قلبي من تقلبه أبدًا يحن إلى معذبه قالوا كتمت هواه عن جلد لو كان لي جلد لبحت به وفيها توفي السلطان مسعود ابن السلطان محمود بن سبكتكين أبو سعيد صاحب خراسان وغزنة وغيرهما.
كان ملكًا عادلًا حسن السيرة في الرعية سلك طريق أبيه في الغزو وفتح البلاد إلا أنه كان عنده محبة في اللهو والطرب.
وكان ولي الملك بعد موت أبيه السلطان محمود في ذي الحجة سنة إحدى وعشرين وأربعمائة فكانت مدة حكمه على بلاد الهند وغيرها اثنتي عشرة سنة إلا أشهرًا.
فيها توفى الأمير أنوشتكين الدزبري قسيم الدولة نائب الشام للمستنصر صاحب الترجمة كان خصيصًا عند المستنصر يندبه إلى المهمات وكان شجاعًا مقدامًا عظيم الهيبة حسن السياسة طرد العرب من الشام وأباد المفسدين ومهد أمور الشام حتى أمنت السبل في أيامه.
وقد قدمنا من ذكره نبذة في ترجمة المستنصر في هذا المحل.
ولما مات ولي دمشق بعده الأمير ناصر الدولة الحسن بن الحسين ابن عبد الله بن حمدان.
وفيها توفي الأمير أبو جعفر علاء الدولة بن كاكويه صاحب أصبهان.
ولي بعده منصور وأقام الدعوة والسكة للملك أبي كاليجار في جميع بلاد أبيه.
وفيها توفي سعيد بن العباس الحافظ أبو عثمان القرشي الهروي كان إمامًا فاضلًا محدثًا فقيهًا.
مات في المحرم من هذه السنة.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وعشرون إصبعًا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعًا وسبع عشرة إصبعًا.
وهي سنة أربع وثلاثين وأربعمائة.
فيها ورد الخبر من تبريز أن زلزلة عظيمة وقعت بها هدمت قلعتها وسورها وكثيرًا من دورها ومساكنها ونجا أميرها بنفسه.
واحصي من مات تحت الهدم فكانوا خمسين ألفًا ولبس الناس بها السواد وجلسوا على المسوح لعظم هذه المصيبة.
ثم زلزلت تدمر أيضًا وبعلبك فمات تحت الهدم معظم أهل تدمر.
وفيها توفي حمزة بن الحسن بن العباس الشريف العلوي أبو يعلى فخر الدولة.
ولي قضاء دمشق عن الظاهر العبيدي وهو الذي أجرى الفوارة بجيرون وبني قيساريه الأشراف وتعرف بالفخرية.
قال الشريف أبو الغنائم عبد الله بن الحسين: أنشدني لقس بن ساعدة في النجوم: الكامل.
علم النجوم على العقول وبال وطلاب شيء لا ينال ضلال ماذا طلابك علم شيء اغلقت من دونه الأبواب والأقفال افهم فما أحد بغامض فطنة يدري متى الأرزاق والآجال إلا الذي من فوق سبع عرشه فلوجهه الإكرام والإفضال وفيها توفي عبيد الله بن هشام بن سوار أبو الحسين من أهل داريا بدمشق كان إمامًا فاضلًا وفيها توفي عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن غفير أبو ذر الأنصاري الهروي المالكي الحافظ كان يعرف في بلده بابن السماك سمع الحديث ورحل إلى البلاد وكان إمامًا عالمًا فاضلًا سخيًا صوفيًا.
قال القاضي عياض: ولأبي ذر كتاب كبير مخرج على الصحيحين و كتاب السنة والصفات.
رحمه الله تعالى.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وسبع عشرة إصبعًا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعًا وست عشرة إصبعًا.
السنة الثامنة من الخلافة المستنصر وهي سنة خمس وثلاثين وأربعمائة.
فيها لم يحج أحد من العراق.
وحج الناس من مصر وغيرها.
وفيها توفي الحسين بن عثمان بن أحمد بن سهل بن أحمد بن عبد العزيز أبي دلف أبو سعد العجلي كان إمامًا محدثًا سافر إلى خراسان ثم عاد إلى بغداد وحدث بها ثم انتقل إلى مكة فتوفي بها في شوال.
وفيها توفي عبيد الله بن أحمد بن عثمان بن الفرج بن الأزهر أبو القاسم الصيرفي المحدث كان صالحًا ثقة مكثرًا في الحديث.
وفيها توفي السلطان أبو طاهر جلال الدولة بن بهاء الدولة فيروز بن عضد الدولة بويه بن ركن الدولة الحسن بن بويه.
ولد سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة.
وكان ملكًا محببًا للرعية حسن السيرة وكان يحب الصالحين.
ولقي في سلطنته من الأتراك شدائد.
ومات ليلة الجمعة خامس شعبان وغسله أبو القاسم بن شاهين الواعظ وأبو محمد عبد القادر بن السماك ودفن بداره في دار المملكة في بيت كان دفن فيه عضد الدولة وبهاء الدولة قبل نقلهما إلى الكوفة ثم نقل بعد سنة إلى مقابر قريش.
وكان عمره لما مات إحدى وخمسين سنة وشهرًا ومدة ولايته على بغداد ست عشرة سنة وأحد عشر شهرًا.
ولما مات كان ابنه الملقب بالملك العزيز بواسط فكتب إليه الخليفة القائم بأمر الله يعزيه فيه.
قلت: وجلال الدولة هذا أحسن بني بويه حالًا إن لم يكن رافضيًا على قاعدتهم النجسة.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع واثنتان وعشرون إصبعًا.
مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعًا وست أصابع.
وهي سنة ست وثلاثين وأربعمائة.
فيها دخل أبو كاليجار بغداد ولم يخرج الخليفة القائم بأمر الله إلى لقائه فنزل في دار المملكة وأخرج منها عيال جلال الدولة وضرب الدبادب على بابه في أوقات الصلوات الخمس فروسل بالاقتصار على ثلاثة أوقات كما كانت العادة فلم يلتفت إلى رسول الخليفة واستمرت الدبادب في خمسة أوقات.
وفيها توفي الحسين بن علي بن محمد بن جعفر أبو عبد الله الصيمري العلامة.
ولد سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة وكان أحد الفقهاء الحنفية الأعلام كان جيد النظر حسن العبارة وافر العقل صدوقًا ثقة انتهت إليه رياسة الحنفية ببغداد وولي القضاء بالمدائن وغيرها وكان في ولايته نزهًا عفيفًا دينًا ورعًا.
مات ليلة الأحد حادي عشرين شوال ودفن في داره بدرب الزرادين.
وفيها توفي عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن أبو محمد الأصبهاني ويعرف بابن اللبان كان صائمًا قائمًا صدوقًا ثقة أحد أوعية العلم وله التصانيف الحسان.
وفيها توفي علي بن الحسن بن إبراهيم أبو الحسن الصوفي الوكيل كان دينًا خيرًا سكن مصر وبها كانت وفاته في شعبان.
وفيها توفي محمد بن أحمد بن بكير أبو بكر التنوخي الخياط الدمشقي كان يؤم بمسجد أبي وفيها توفي محمد بن علي بن الطيب أبو الحسين البصري المتكلم سكن بغداد ودرس بها على مذهب المعتزلة وله تصانيف كثيرة: منها المعتمد في أصول الفقه لم يصنف في فنه مثله.
وفيها توفي محسن بن محمد بن العباس الشريف الحسيني كان نقيب الطالبيين بدمشق وولي القضاء بها بعد أخيه لأمه فخر الدولة نيابة عن أبي محمد القاسم بن النعمان قاضي قضاة خليفة مصر.
ومات بدمشق في المحرم.
وفيها توفي علي بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه الشريف أبو طالب العلوي الموسوي المعروف بالشريف المرتضى نقيب الطالبيين ببغداد وهو أخو الشريف الرضي.
قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: وكل منهما رافضي وكان المرتضى أيضًا رأسًا في الاعتزال كثير الإطلاع والجدل.
ثم ذكر كلامًا عن ابن حزم في هذا المعنى أنزه الشريف عن ذكره مراعاة لسلفه الطاهر لا لاعتقاده القبيح في الصحابة.
وكان الشريف المرتضى عالمًا فاضلًا أديبًا شاعرًا.
ومن شعره من جملة قصيدة قوله: الخفيف ضن عني بالنزر إذ أنا يقظا - - ن وأعطى كثيره في المنام والتقينا كما اشتهينا ولا عي - - ب سوى أن ذاك في الأحلام وكانت وفاة الشريف في يوم الأحد الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول.
وفيها توفي محمد بن عبد الله بن أحمد أبو الوليد المرسي يعرف بابن منقذ حدث عن سهل بن إبراهيم وغيره وكان عالمًا فاضلًا ورعًا محدثًا صدوقا ثقة.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثماني أذرع وسبع عشرة إصبعًا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعًا وعشرون إصبعًا.
السنة العاشرة من خلافة المستنصر معد على هصر وهي سنة سبع وثلاثين وأربعمائة.
فيها مات بواسط نصراني يقال له ابن سهل وأخرجت جنازته نهارًا فثارت العامة بالنصارى وجردوا الميت وأحرقوه ومضوا إلى الدير فنهبوه.
وكان الملك العزيز بن جلال الدولة بن بويه بواسط وعمه الملك أبو كاليجار ببغداد ولم يكن له تلك الهيبة وكانوا قد أحسوا بانقراض دولة بني بويه بظهور طغرلبك السلجوقي صاحب خراسان فلم ينتطح في ذلك شاتان.
وفيها جهز المستنصر صاحب الترجمة جيشًا من مصر إلى حلب فحصروا ابن مرداس فيها واستظهروا عليه فاستنجد بالروم فلم ينجحوه.
وقد تقدم ذكر هذه الواقعة في ترجمة وفيها لم يحج أحد من العراق.
وحج الناس من مصر وغيرها.
وفيها توفي الحسن بن محمد بن أحمد أبو محمد الدمشقي المعروف بابن السكن كان عابدًا زاهدًا.
صام الدهر وله اثنتا عشرة سنة من العمر وعاش سبعًا وثمانين سنة.
وكان لا يشرب الماء في الصيف وأقام سنة وخمسة أشهر لا يشربه.
فقال له طبيب: معدتك تشبه الآبار في الصيف باردة وفي الشتاء حارة.
وفيها توفي محمد بن محمد بن علي ابن الحسن بن علي بن إبراهيم بن علي بن عبد الله بن الحسين الأصغر أبو الحسن العلوي الحسيني البغدادي النسابة شيخ الأشراف.
كان فريدًا في علم الأنساب وله تصانيف كثيرة وله شعر.
وفيها توفي مكي بن أبي طالب حموش بن محمد بن مختار الإمام أبو محمد القيسي القيرواني ثم القرطبي المقرئ شيخ الأندلس في زمانه حج وسمع بمكة وغيرها.
وكان إمامًا عالمًا محدثًا ورعًا صنف الكثير في علوم القرآن.
ومولده بالقيروان سنة خمس وخمسين وثلاثمائة.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبع أذرع وسبع أصابع.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعًا وعشرون إصبعًا.
وهي سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة.
فيها أغارت الترك على ما وراء النهر واستولوا على بخارى وسمرقند وخوارزم فقطع طغرلبك جيحون.
وبعث أخاه إبراهيم إلى العراق فاستولى على حلوان ثم عاد إلى الري.
والتقى طغرلبك فهزمهم وعاد إلى خراسان.
وفيها زلزلت أخلاط وديار بكر زلازل هدمت القلاع والحصون وقتلص خلقًا كثيرًا.
وفيها لم يحج أحد من العراق.
وحج الناس من مصر والشام.
وفيها توفي عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن حيويه الجويني الشافعي والد أبي المعالي الجويني.
وجوين بضم الجيم: بلدة من أعمال نيسابور.
وأصلهم من العرب من بني سنبس.
سمع الحديث وتفقه بمرو على القفال وصنف التصانيف الكثيرة.
ومات بنيسابور.
وفيها توفي محمد بن يحيى بن محمد أبو بكر.
كان أصله من قرية بالعراق يقال لها الزيدية.
كان عالمًا بالقرآن والفرائض وسمع الحديث.
ومات في شهر رمضان.
قال أبو بكر الخطيب: كتبت عنه وكان ثقة.
وفيها توفي الحسن بن محمد بن إبراهيم أبو علي البغدادي المالكي المقرئ العالم المشهور مصنف الروضة.
كان عالمًا بالقراءات وغيرها مفتنًا.
مات في هذه السنة.
الماء القديم ست أذرع وعشر أصابع.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعًا وتسع عشرة إصبعًا.
وهي سنة أربع عشرة وأربعمائة: فيها دخل مشرف الدولة بن بهاء الدولة إلى بغداد وتلقاه الخليفة في زبزب بأبهة الخلافة ولم يكن القادر لقي أحدًا من الملوك قبله.
وفيها ورد كتاب السلطان يمين الدولة محمود بن سبكتكين على الخليفة القادر أنه أوغل في بلاد الهند.
وعنوان الكتاب: عبد مولانا أمير المؤمنين وصنيعته محمود بن سبكتكين.
وفيها عادت دولة بني أمية إلى الأندلس بعد أن انقطعت سبع سنين.
وفيها توفي الحسن بن الفضل بن سهلان أبو محمد وزير سلطان الدولة وهو الذي بنى سور 2 الحائر بمشهد الحسين بكربلاء وكان من كبار الشيعة كان رافضيًا خبيثًا قبض عليه وصودر وسمل وحبس حتى مات.
وفيها توفي محمد بن أحمد أبو جعفر النسفي الفقيه الحنفي العلامة صاحب التصانيف ومصنف كتاب التعليقة المشهورة وغيره.
كان عالمًا فاضلًا ورعًا زاهدًا مفتنًا في علوم وكانت وفاته في شعبان.
وفيها توفي محمد بن الخضر بن عمر أبو الحسين الحمصي القاضي الفرضي ولي القضاء بدمشق نيابة عن أبي عبد الله محمد بن الحسين النصيبي وكان نزهًا عفيفًا.
مات بدمشق في جمادى الأولى.
وفيها توفي تمام بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن عبد الله بن الجنيد الحافظ أبو القاسم ابن الحافظ أبي الحسين الرازي ثم الدمشقي المحدث.
ولد بدمشق سنة ثلاثين وثلاثمائة وسمع الكثير أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاث أذرع وثماني أصابع.
مبلغ الزيادة أربع عشرة ذراعًا وأربع عشرة إصبعًا.
السنة الرابعة من ولاية الظاهر لإعزاز دين الله على مصر وهي سنة خمس عشرة وأربعمائة: فيها حج من العراقيين أبو الحسن الأقساسي ومعه حسنك صاحب محمود بن سبكتكين فأرسل إليه الظاهر صاحب مصر خلعًا وصلة فقبلها حسنك ثم خاف من القادر فلم يدخل بغداد وكاتب القادر ابن سبكتكين فيما فعل حسنك فأرسل إليه حسنك بالخلع المصرية فأحرقها القادر.
وكان حسنك أمير خراسان من قبل ابن سبكتكين.
وفيها ولي وزارة مصر للظاهر صاحب الترجمة نجيب الدولة علي بن أحمد الجرجرائي بعد موت ست الملك عمة الظاهر.
وفيها منع الرافضة من النوح في يوم عاشوراء ووقع بسبب ذلك فتنة بين الشيعة وأهل السنة قتل فيها خلق كثير ومنع الرافضة من النوح وعيد الغدير وأيد الله أهل السنة ولله الحمد.
وفيها توفي أحمد بن محمد بن عمر بن الحسن أبو الفرج العدل البغدادي الفقيه الحنفي ويعرف بابن المسلمة مولده سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة وسمع الحديث وكان إمامًا عالمًا فاضلًا صدوقًا ثقة كثير المعروف وداره مأوى لأهل العلم.
وفيها توفي سلطان الدولة أبو شجاع بن بهاء الدولة فيروز بن عضد الدولة بويه ابن ركن الدولة الحسن بن بويه بن فناخسرو الديلمي بشيراز.
وكان مدة ملكه اثنتي عشرة سنة وأشهرًا وتولى الملك صبيًا ومات وله ثلاث وعشرون سنة.
وقال صاحب مرآة الزمان: مات عن اثنتين وثلاثين سنة.
انتهى.
قلت: وكان في مدة ملكه وقع له حروب كثيرة مع أخيه مشرف الدولة وخطب له ببغداد ثم اصطلحا حسب ما ذكرناه وخطب لمشرف الدولة على عادته إلى أن توفي سلطان الدولة هذا.
وفيها توفي عبد الله بن عبد الله بن الحسين أبو القاسم الخفاف كان يعرف بابن النقيب البغدادي رأى الشبلي وغيره وسمع الكثير وكان سماعه صحيحًا وكان شديدًا في السنة ولما مات ابن المعلم فقيه الشيعة جلس رضي الله عنه للتهنئة وقال: ما أبالي أي وقت مت بعد أن شاهدت موته.
وأقام عدة سنين يصلي الفجر بوضوء العشاء الآخرة.
قلت: ومما يدل على دينه وحسن اعتقاده بغضه للشيعة عليهم الخزي.
ولو لم يكن من حسناته إلا ذلك لكفاه وفيها توفي محمد بن الحسن الشريف أبو الحسن الأقساسي العلوي.
هو من ولد زيد بن علي بن الحسين رضي الله عنه.
حج بالناس من العراق سنين كثيرة نيابة عن المرتضى وكان فاضلًا شاعرًا فصيحًا وهو أيضًا من كبار الشيعة.
وفيها توفي الأمير أبو طاهر بن دمنة صاحب آمد من ديار بكر.
كان قتل ابن مروان صاحب ميا فارقين وقتل عبد البر شيخ آمد واستولى عليهما من سنة سبع وثمانين وثلاثمائة إلى هذه السنة.
وكان يصانع ممهد الدولة بن مروان وأيضًا يصانع شروة.
فلما قتل شروة ممهد الدولة وولي أخوه أبو منصور طمع هذا في البلاد واستفحل أمره.
وفيها توفي أحمد بن محمد بن أحمد بن القاسم بن إسماعيل الضبي أبو الحسن المحاملي الفقيه الشافعي كان تفقه بأبي حامد الاسفرايني وغيره وكان إمامًا فقيهًا مصنفًا مات في شهر ربيع الأول.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ذراعان وخمس أصابع.
مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعًا سواء.
السنة الخامسة من ولاية الظاهر وهي سنة ست عشرة وأربعمائة: فيها توفي في شهر ربيع الآخر السلطان مشرف الدولة أبو علي الحسن ابن السلطان أبي نصر فيروز بهاء الدولة ابن السلطان عضد الدولة بويه ابن السلطان ركن الدولة الحسن بن بويه الديلمي.
واستقر الأمر بعد موته على تولية جلال الدولة أبي طاهر فخطب له على منابر بغداد وهو بالبصرة وخلع على شرف الملك أبي سعيد بن ماكولا وزيره ولقبه علم الدين سعد الدولة أمين الملة شرف الملك.
قلت: وهذا ثاني لقب سمعناه من اسم مضاف إلى الدين.
وأول ما سمعنا من هذه الألقاب لقب بهاء الدولة بن بويه ركن الدين.
قلنا: لعل ذلك كان تعظيمًا في حقه لكونه سلطانًا فيكون هذا على هذا الحكم هو أول لقب لقب به في الإسلام والله أعلم.
ومن يومئذ ظهرت الألقاب وتغالت فيها الأعاجم حتى إنهم لم يدعوا شيئًا إلا وأضافوا الدين له حتى اشتهر ذلك وشاع وسمي به كل أحد حتى الأسالمة فمنهم من يسمى جلال الدين وسعد الدين وجمال الدين فلا قوة إلا بالله.
وحق المغاربة في حنقهم ممن يلقب بهذه الألقاب.
وأنا بالله أحلف لو ملكت أمري ما لقبت بجمال الدين ولا غيره وأكره من يسميني بذلك ولا أقدر على تغيير الاصطلاح.
وهذا لا يكون إلا من ولي أمر أو حاكم بلدة.
وقد خرجنا عن المقصود فنعود إلى ذكر مشرف الدولة.
ومات مشرف الدولة وله ثلاث وعشرون سنة وثلاثة أشهر وأربعة عشر يومًا.
وكانت مدة ملكه خمس سنين وشهرًا وخمسة وعشرين يومًا.
وكان شجاعًا مقدامًا جوادًا إلا أنه كان يميل إلى الشيعة على عادة آبائه وأجداده ميلًا ليس بذاك وينصر أهل السنة في بعض الأحيان.
وكل ملوك بني بويه كانوا على ذلك غير أنهم كانوا يميلون في الباطن للشيعة.
والله أعلم بحالهم.
وفيها توفي عبد الرحمن بن عمر بن محمد بن سعيد أبو محمد التجيبي المصري البزار المعروف بابن النحاس مسند ديار مصر في وقته.
مولده ليلة النحر سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة ومات في عاشر صفر.
وفيها توفي علي بن محمد أبو الحسن التهامي الشاعر المشهور كان من الشعراء المجيدين وشعره في غاية الحسن.
قدم القاهرة مستخفيًا ومعه كتب كثيرة من حسان بن المفرج البدوي وهو متوجه إلى بني قرة فظفروا به فاعتقل بخزانة البنود في سادس عشرين شهر ربيع الآخر ثم قتل سرًا في سجنه في تاسع جمادى الأولى.
والتهامي بكسر التاء المثناة من فوقها وفتح الهاء وبعد الألف ميم هذه النسبة إلى تهامة وهي تطلق على مكة حرسها الله.
ومن شعر التهامي من جملة قصيدة: قلت لخلي وثغور الربا مبتسمات وثغور الملاح وله بيت بديع من جملة قصيدة: وإذا جفاك الدهر وهو أبو الورى طرا فلا تعتب على أولاده وفيها توفي محمد بن يحيى بن أحمد بن الحذاء أبو عبد الله القرطبي الحافظ المحدث العلامة سمع الكثير وروى الحديث وكتب وصنف ومات في شهر رمضان.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاث أذرع وعشرون إصبعًا.
مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعًا وأربع أصابع.
السنة السادسة من ولاية الظاهر لإعزاز دين الله على مصر وهي سنة سبع عشرة وأربعمائة: فيها عاد جلال الدولة إلى البصرة وقبض على وزيره أبي سعيد عبد الواحد بن أحمد بن جعفر بن ماكولا وعلى أبي علي ابن عمه.
ثم جرت أسباب استوجبت إطلاق ابن عمه واستوزره جلال الدولة ولقبه يمين الدولة وزير الوزراء وخلع عليه.
وفيها توفي أحمد بن محمد بن عبد الله بن العباس بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب أبو الحسن القرشي الأموي قاضي القضاة كان عفيفًا جليلًا قال القاضي أبو العلاء: ما رأينا مثله جلالةً وصيانة وشرفًا.
وفيها توقي محسن بن عبد الله بن محمد أبو القاسم التنوخي اللغوي القاضي الحنفي ولد يوم الأحد الثامن والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة تسع وأربعين وثلاثمائة وقدم دمشق مجتازًا إلى الحج فأدركه أجله في الطريق في ذي القعدة فحمل إلى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم ودفن بالبقيع.
وكان من أوعية العلم وله مصنفات كثيرة وشعر جيد من ذلك وكل أداريه على حسب حاله سوى حاسدي فهي التي لا أنالها وكيف يداري المرء حاسد نعمة إذا كان لا يرضيه إلا زوالها وفيها توفي عبد الله بن أحمد الإمام أبو بكر المروزي القفال شيخ الشافعية بخراسان كان يعمل الأقفال وحذق في عملها حتى صنع قفلًا بآلاته ومفتاحه وزن أربع حبات.
فلما صار ابن ثلاثين سنة اشتغل بالعلم وتفقه حتى برع فيه وفاق أقرانه.
ومات في جمادى الآخرة وله تسعون سنة.
وفيها توفي علي بن أحمد بن عمر بن حفص أبو الحسن بن الحمامي كان إمامًا محدثًا كبير الشأن سمع وحدث ومات في شعبان عن تسع وثمانين سنة.
وفيها توفي في قول الذهبي عمر بن أحمد بن إبراهيم بن عبدويه أبو حازم الهذلي العبدوي أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وأربع عشرة إصبعًا.
مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعًا وسبع أصابع.
السنة السابعة من ولاية الظاهر لإعزاز دين الله على مصر وهي سنة ثماني عشرة وأربعمائة: فيها خطب لجلال الدولة على المنابر ببغداد بعد أن منع الأتراك من ذلك وخطبوا لأبي كاليجار.
وفيها ورد كتاب السلطان محمود بن سبكتكين على الخليفة القادر يخبر بما فتح من البلاد من أرض الهند وكسره الصنم المعروف بسومنات.
وفيها توفي الحسين بن علي بن الحسين أبو القاسم الوزير المغربي ولد بمصر في ذي الحجة سنة سبعين وثلاثمائة وهرب منها لما قتل الحاكم أباه عليًا وعمه محمدًا.
وقيل: إن أباه وزر للعزيز بمصر ثم للحاكم ابنه.
وهرب الحسين هذا للعراق وخدم بني بويه ووقع له بالشرق أمور ووزر لغير واحد من ملوك الشرق.
وكان فاضلًا عاقلًا شاعرًا شهمًا شجاعًا كافيًا في فنه حتى الدهر سهل وصعب والعيش مر وعذب فاكسب بمالك حمدًا فليس للحمد كسب وما يدوم سرور فاختم وطينك رطب وفيها توفي عبد الرحمن بن هشام القرشي الأموي صاحب الأندلس الذي كان لقب نفسه في سنة أربع عشرة وأربعمائة بالمستظهر والمستكفي والمعتمد وعاد ملك بني أمية إلى الأندلس بسببه فلما كان في هذه السنة وثب الجند عليه فقتلوه وانقطعت ولاية بني أمية عن الأندلس إلى سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة.
وكانت ولاة الأندلس من بني أمية أربعة عشر على عدد أسلافهم ومدة سنينهم مائتان وثمانون سنة فأولهم عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم أبو المطرف الملقب بالداخل لكونه دخل المغرب بويع سنة تسع وثلاثين ومائة في أيام أبي جعفر المنصور العباسي.
ثم ولي بعده ابنه هشام في سنة اثنتين وسبعين.
ثم ولي بعده ابنه الحكم بن هشام بن عبد الرحمن في سنة ثمانين ومائة.
ثم ولي بعده ابنه عبد الرحمن بن الحكم في سنة ست وثمانين ومائة.
ثم ولي بعده ابنه محمد في سنة ثمان وثلاثين ومائتين.
ثم ولي بعده ابنه المنذر بن محمد سنة ثلاث وسبعين ومائتين ومات سنة خمس وسبعين ولم يكن له ولد فولي عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل سنة 275 ه.
ثم ولي بعده ابنه عبد الرحمن سنة ثلاثمائة.
ثم ولي بعده الحكم بن عبد الرحمن سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة.
ثم ولي بعده ابنه هشام سنة سبعين وثلاثمائة ومات سنة تسع وتسعين وثلاثمائة بعد أن تغلب عليه محمد بن هشام بن عبد الجبار الملقب بالناصر لدين الله سنة 399 ه ثم غلب عليه المستعين سليمان بن الحكم سنة 400 ه.
ثم غلب محمد بن هشام بن عبد الجبار للمرة الثانية في شوال سنة 00 ه.
ثم هشام بن الحكم للمرة الثانية في ذي الحجة سنة 400 ه.
ثم ولي سليمان المستعين للمرة الثانية من شوال سنة 403 ه إلى المحرم من سنة 407 ه.
ثم تغلب علي بن حمود إلى شهر رمضان سنة 408 ه.
ثم ولي المرتضى عبد الرحمن بن محمد في شهر رمضان سنة 408 ه ثم تغلب القاسم بن محمود في نفس السنة.
ثم يحيى بن علي بن حمود في سنة 412 ه ثم القاسم بن حمود للمرة الثانية في سنة 413 ه.
ثم ولي المستظهر عبد الرحمن بن هشام في شهر رمضان سنة 414 ه.
ثم ولي المستكفي محمد بن عبد الرحمن في ذي القعدة سنة 414 ه.
ثم تغلب يحيى بن علي بن حمود للمرة الثانية في ربيع الأول سنة 416 ه.
ثم ولي المعتد هشام بن عبد الرحمن من ربيع الأول سنة 418 ه إلى سنة 422 ه.
وهو آخرهم.
وفيها توفي الشريف أبو الحسن علي بن طباطبا العلوي.
كان فاضلًا شاعرًا فصيحًا.
مات وفيها توفي إبراهيم بن محمد بن إبراهيم أبو إسحاق الأسفرايني الأصولي المتكلم الفقيه الشافعي إمام أهل خراسان ركن الدين.
وهو أول من لقب من الفقهاء.
كان إمامًا مفتنًا له التصانيف المشهورة وكانت وفاته يوم عاشوراء بنيسابور.
وقد تقدم أن الألقاب ما تداول تسميتها إلا من الأعاجم لحبهم للرياسة والتعظيم كما هي عادتهم.
وفيها توفي معمر بن أحمد بن محمد بن زياد أبو منصور الأصبهاني الزاهد كان من كبار المشايخ وله قدم هائلة في الفقه والصلاح.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وعشرون إصبعًا.
مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعًا وثلاث عشرة إصبعًا.
السنة الثامنة من ولاية الظاهر لإعزاز دين الله على مصر وهي سنة تسع عشرة وأربعمائة: فيها ولى الظاهر أمر دمشق لأمير الجيوش الدزبري وكان شجاعًا شهمًا واسمه أبو منصور أنوشتكين التركي.
وفيها توفي محمد بن عمر بن يوسف أبو عبد الله بن الفخار القرطبي المالكي الحافظ عالم الأندلس في عصره سمع الحديث وحدث وحج وجاور بالمدينة وأفتى بها وكان إمامًا عالمًا زاهدًا ورعًا متقشفًا عارفًا بمذاهب الأئمة وأقوال العلماء يحفظ المدونة حفظًا جيدًا.
وفيها توفي حمزة بن إبراهيم أبو الخطاب كان بلغ من بهاء الدولة بن بويه منزلة عظيمة لم يبلغها غيره كان يعلمه النجوم.
وكان حاكمًا على الدولة والوزراء والقواد يخافونه وما كان يقنع من الوزراء بالقليل.
ولما فتح فخر الملك قلعة سابور حمل إليه مائة ألف دينار فاستقلها وما كان بهاء الدولة يخالفه أبدًا.
وفيها توفي عبد المحسن بن محمد بن أحمد بن غالب بن غلبون أبو محمد الصوري الشاعر المشهور.
كان أبو الفتيان بن حيوس مغرىً بشعره ويفضله على أبي تمام والبحتري والمتنبي فقال أبو العلاء المعري: الأمراء لا يناظرون " يعني أنه ليس في هذا المقام.
وكان أبو الفتيان يقول: إن أغزل ما قيل قول جرير: إن العيون التي في طرفها حور قتلننا ثم لم يحيين قتلانا يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به وهن أضعف خلق الله إنسانا وقال الصوري أغزل منهما وهو قوله: ما الذي قالته عينا - - ك لقلبي فأجابا قلت: وقال غير ابن حيوس: إن أرق ما قيل قول القائل: عيون عن السحر المبين تبين لها عند تحريك القلوب سكون إذا أبصرت قلبًا خليًا من الهوى تقول له كن مغرمًا فيكون ومن شعره أيضًا: صددت فكنت مليح الصدود وأعرضت أفديك من معرض ومن كان في سخطه محسنًا فكيف يكون إذا ما رضي وله أيضًا: تريك نفسك في معاندة الورى رشدًا ولست إذا فعلت براشد شغلتك عن أفعالها أفعالهم هلا اقتصرت على عدو واحد وفيها توفي محمد بن محمد بن إبراهيم بن مخلد الفقيه أبو الحسن البغدادي الحنفي ولد سنة تسع وعشرين وثلاثمائة وسمع الكثير ورواه وكان يتجر وله مال عظيم صادره ملوك بني بويه حتى افتقر ومات فلم يكفن حتى بعث إليه الخليفة كفنًا.
ومات ولم يكن في زمانه أعلى سندًا منه.
وكان صدوقًا صالحًا ثقة فقيهًا فاضلًا عالمًا.
وفيها توفي أبو الفوارس قوام الدولة بن بهاء الدولة فيروز بن عضد الدولة بويه بن ركن الدولة الحسن بن بويه الديلمي.
كان عزم على نقض الصلح بينه وبين أخيه أبي كاليجار فعاجلته منيته فمات في ذي القعدة وحمل تابوته إلى شيراز فدفن في تربة عماد الدولة بن بويه.
وفيها هلك قسطنطين أخو بسيل ملك الروم وبعد موته انتقل الملك إلى بنت له وزوجها وهو ابن خالها يسمى أرمانوس ولم يكن من بيت الملك وجعلت ولاية العهد في أرمانوس المذكور ولبس الخف الأحمر وتسمى قيصرًا.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبع أذرع سواء.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعًا وأربع أصابع.
السنة التاسعة من ولاية الظاهر لإعزاز دين الله على مصر وهي سنة عشرين وأربعمائة: فيها وقع بالعراق برد في الواحدة مائة وخمسون رطلًا كانت كالثور النائم ونزلت في الأرض مقدار ذراع قاله أبو المظفر في مرآة الزمان وفيها فسد الأمر بين قرواش صاحب الموصل وبين أبي نصر بن مروان صاحب ميافارقين.
وسببه أن قرواشًا كان تزوج ببنت أبي نصر المذكور فأقامت عنده مدة ثم هجرها فطلبها أبو نصر فنقلها إليه وهذا أول الشر.
وفيها توفي علي بن عيسى بن الفرج أبو الحسن الربعي صاحب أبي علي الفارسي قرأ الأدب ببغداد على السيرافي وخرج إلى شيراز ودرس بها النحو على الفارسي عشرين سنة ثم عاد إلى بغداد وأقام بها باقي عمره.
خرج يومًا يمشي على جانب الشط فرأى الشريف الرضي والمرتضى في سفينة ومعهما عثمان بن جني النحوي فصاح أبو الحسن: من أعجب أحوال الشريفين أن يكون عثمان جالسًا في صدر السفينة وعلي يمشي على الحافة فضحكا وقالا: باسم الله.
قلت: وهذا مما يدل على أن الرضي والمرتضى كانا يصرحان بالرفض.
وفيها توفي الأستاذ الأمير المختار عز الملك محمد بن أبي القاسم عبيد الله بن أحمد بن إسماعيل بن عبد العزيز المعروف بالمسبحي الكاتب الحراني الأصل المصري المولد والمنشأ صاحب التاريخ المشهور وغيره من المصنفات.
قال ابن خلكان: كانت فيه فضائل ولديه معارف ورزق حظوة في التصانيف واتصل بخدمة الحاكم العبيدي.
قال: وتاريخه ثلاثة عشر ألف ورقة.
انتهى.
قلت: وله عدة تصانيف أخر.
مات في شهر ربيع الآخر.
والمسبحي: بضم الميم وفتح السين المهملة وكسر الباء الموحدة ثانية الحروف وفي آخرها حاء مهملة.
قال السمعاني: هذه النسبة إلى الجد.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وعشرون إصبعًا.
مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعًا سواء.
السنة العاشرة من ولاية الظاهر لإعزاز دين الله على مصر وهي سنة إحدى وعشرين وأربعمائة.
فيها عملت الرافضة النوح في يوم عاشوراء بالكرخ ووقع بينهم وبين أهل السنة وقعة قتل فيها جماعة من الفريقين.
وفيها خطب للأمير أبي سعيد مسعود بن محمود بن سبكتكين بعد موت أبيه بأرمينية والأطراف.
وفيها عاد جلال الدولة إلى بغداد من واسط.
ولم يحج أحد من العراقيين في هذه السنة وحج الناس من مصر وغيرها.
وفيها توفي أحمد بن عبد الله بن أحمد أبو الحسن ويعرف بابن الدان أصله من الجزيرة وسكن دمشق وكان يعظ وكان صاحب مقالات وكرامات وهو معدود من المشايخ.
وفيها توفي أحمد بن محمد بن العاص بن أحمد بن سليمان بن عيسى بن عراج أبو عمر القسطلي الشاعر المشهور.
قال ابن حزم: كان عالمًا بنقد الشعر لو قلت إنه لم يكن بالأندلس أشعر من ابن دراج لم أبعد.
وهو من مدينة قسطلة دراج وقيل هو اسم ناحية.
وكان من كتاب الإنشاء في أيام المنصور بن أبي عامر.
ومن شعره من جملة قصيدة طويلة: أضاء لها فجر النهى فنهاها عن المدنف المضنى بحر هواها وضللها صبح جلا ليله الدجى وقد كان يهديها إلي دجاها وفيها توفي السلطان يمين الدولة أبو القاسم محمود بن سبكتكين ابن الأمير ناصر الدولة أبي منصور صاحب غزنة وغيرها.
كان السلطان محمود هذا يلقب قبل السلطنة بسيف الدولة وكان من عظماء ملوك الدنيا وفتح عدة بلاد من الهند وغيرها واتسعت مملكته حتى بلغت أوقافه عشرة آلاف قرية وامتلأت خزائنه من أصناف الأموال والجواهر وكان دينًا خيرًا متعبدًا فقيهًا على مذهب أبي حنيفة.
وما حكاه ابن خلكان من قصة القفال في صلاة الحنفية بين يدي ابن سبكتكين المذكور ليس لها صحة يعرف ذلك من له أدنى فوق من وجوه عديدة فإن محمودًا المذكور كان قد قرأ في ابتداء أمره وبرع في الفقه والخلاف وصار معدودًا من العلماء وصنف كتابًا في فقه الحنفية قبل سلطنته بمدة سنين وذلك قبل أن يشتهر القفال.
فمن يكون بهذه المثابة لا يحتاج إلى من يعرفه الصلاة على المذاهب الأربعة بل ولا غيرها وأصاغر الفقهاء من طلبة العلم يعرفون الخلاف في مثل هذه المسألة.
وأيضًا حاشا القفال من أن يقع في مثل هذه القبائح من كشف العورة والضراط في الملأ وتحكيم رجل نصراني في قراءة كتب المذهبيين والافتراء على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة وما ثم أمر يحتاج إلى ذلك ولا ألجأت الضرورة إلى أن يفعل بعض ما قيل عنه.
وإنما محمود بن سبكتكين رجل من المسلمين لا يزيد في الحنفية ولا ينقص من الشافعية ولعل بعض الفقراء يكون أفضل منه عند الله تعالى.
وها أنا لم أكن مثل القفال في كثرة علومه بل ولا أصاغر تلامذته لو قيل لي: افعل بين يدي السلطان بعض ما قيل عن القفال لا أرضى بذلك ولا ألتفت إلى السلطان ولا إلى غيره ولا أهزأ بصلاة مسلم كائن من كان.
فهذا كله موضوع على القفال من أهل التحامل والتعصب.
فنعوذ بالله من الاستخفاف بالعلماء والوقوع في حقهم ونسأل الله السلامة في الدين.
وكانت وفاة السلطان محمود في جمادى الأولى من هذه السنة رحمه الله تعالى.
وتولى بعده الملك ابنه مسعود بن محمود الآتي ذكره.
الماء القديم أربع أذرع وثلاث وعشرون إصبعًا.
مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعًا وست أصابع.
السنة الحادية عشرة من ولاية الظاهر لإعزاز دين الله على مصر وهي سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة.
فيها قتل أبو علي الحسن بن علي بن ماكولا بالأهواز قتله غلام له يعرف بعدنان كان يجتمع مع امرأة في داره ففطن بهما فعلما بذلك فخافا منه وساعدهما فراش كان في داره فغموه بشيء وعصروا خصاه حتى مات وأظهروا أنه مات فجأة فأخذ الغلام والفراش وضربا فأقرا بما وقع من أمره فصلبا وحبست المرأة في دار.
وفيها أخذ ملك الروم مدينة الرها.
وفيها ولد بمدينة إسكاف ولد له رأس وبقية بدنه كالحية فنطق ساعة مولده وقال: الناس تحت غضب منذ أربع سنين والواجب أن يخرجوا فيستسقوا ليكشف عنهم البلاء.
فكتب قاضي إسكاف للخليفة بذلك فاجتمع الناس واستسقوا فلم يسقوا.
وفيها توفي الخليفة القادر بالله أمير المؤمنين أبو العباس أحمد ابن الأمير أبي أحمد إسحاق ابن الخليفة جعفر المقتدر ابن الخليفة المعتضد أحمد ابن الأمير أبي أحمد طلحة الموفق ابن الخليفة جعفر المتوكل ابن الخليفة محمد المعتصم ابن الخليفة الرشيد هارون ابن الخليفة المهدي محمد ابن الخليفة أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي العباسي البغدادي.
بويع بالخلافة بعد القبض على الطائع عبد الكريم في حادي عشر شهر رمضان سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة ومولده في سنة ست وثلاثين وثلاثمائة.
وأمه أم ولد تسمى يمنى ماتت في خلافته.
وتوفي ليلة الاثنين حادي عشر ذي الحجة ودفن ليلة الثلاثاء بين المغرب والعشاء.
وكانت خلافته إحدى وأربعين سنة وثلاثة أشهر وهو أطول الخلفاء العباسية مدة لا نعلم خليفة أقام في الخلافة هذه المدة من بني العباس ولا غيرهم إلا المستنصر معدًا العبيدي الآتي ذكره فإنه أقام في خلافة مصر ستين سنة.
وتخلف بعد القادر ابنه أحمد ولقب بالقائم بأمر الله.
وكان القادر رحمه الله أبيض كث اللحية يخضب وكان دينًا خيرًا حسن الاعتقاد أمارًا بالمعروف فاضلًا.
صنف كتبًا كثيرة في فنون من العلم منها كتاب في أصول الدين وكتاب في فضائل الصحابة وعمر بن عبد العزيز وكتاب كفر فيه القائلين بخلق القرآن.
وكان كثير الصيام والصدقات رحمه الله تعالى.
وفيها توفي عبد الوهاب بن علي بن نصر بن أحمد القاضي أبو محمد البغدادي المالكي الفقيه سمع الحديث وروى عنه غير واحد وكان شيخ المالكية في عصره وعالمهم وصنف كتاب التلقين وشرح الرسالة وغير ذلك.
وفيها توفي يحيى بن نجاح أبو الحسين بن القلاس الأموي مولاهم القرطبي.
رحل إلى البلاد وسمع الكثير وحج واستوطن مصر.
وكان عالمًا ورعًا دينًا.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاث أذرع وعشرون إصبعًا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعًا وست أصابع.
السنة الثانية عشرة من ولاية الظاهر لإعزاز دين الله على مصر وهي سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة.
فيها بعث الظاهر صاحب الترجمة بكسوة الكعبة فكسيت.
وفيها لم يحج أحد من العراق ولا من خراسان وحج الناس من مصر.
وفيها رأى رجل من أهل أصبهان في النوم أن شخصًا وقف على منارة أصبهان وقال: سكت نطق نطق سكت.
فانتبه وحكى للناس فما عرف أحد معناه فقال رجل: يا أهل أصبهان سكت الدهر زمانًا عنهم ثم أبكاهم دمًا حين نطق فما كان بعد ذلك إلا قليل ودخل عسكر مسعود بن محمود بن سبكتكين ونهب البلد وقتل عالمًا لا يحصى.
وفيها توفي علي بن أحمد بن الحسن بن محمد بن نعيم أبو الحسن البصري الحافظ الشاعر.
قال محمد بن علي الصوري: لم أر ببغداد أكمل منه.
وجمع بين معرفة الحديث وعلم الكلام والأدب والفقه والشعر.
ومن شعره وأجاد: إذا عطشتك أكف اللئام كفتك القناعة شبعًا وريا فكن رجلًا رجله في الثرى وهمة هامته في الثريا وفيها توفي محمد بن الطيب بن سعيد بن موسى أبو بكر الصباغ البغدادي ولد سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة وسمع الكثير.
قال أبو بكر الخطيب: كتبت عنه وكان صدوقًا ثقة.
وقال رئيس الرؤساء أبو القاسم علي بن الحسن: تزوج محمد بن الطيب زيادة على تسعمائة امرأة.
الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال: وفيها توفي أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله الحربي الحرفي في شوال وله سبع وثمانون سنة وأبو الحسن علي بن أحمد النعيمي المحدث الأديب وأبو الفضل منصور بن منصور بن نصر بن عبد الرحيم ابن بنت السمرقندي الكاغدي في ذي وفيها كان الطاعون ببلاد الهند والعجم وعظم إلى الغاية وكان أكثره بغزنة وخراسان وجرجان والري وأصبهان ونواحي الجبل إلى حلوان وامتد إلى الموصل والجزيرة وبغداد حتى قيل: إنه خرج من أصبهان وحدها أربعون ألف جنازة ثم امتد إلى شيراز.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وعشرون إصبعًا.
مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعًا وأربع أصابع.
السنة الثالثة عشرة من ولاية الظاهر
لإعزاز دين الله على مصر وهي سنة أربع وعشرين وأربعمائة.
فيها عملت الرافضة المأتم ببغداد في يوم عاشوراء على العادة فأقام بذلك العيارون أعني عن الزعران الذين كانوا غلبوا على بغداد وعجزت الحكام عنهم.
وفيها توفي أحمد بن الحسين بن أحمد أبو الحسين المعروف بابن السماك الواعظ البغدادي مولده سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة وكان يعظ بجامع المنصور والمهدي ويتكلم على طريق الصوفية وكان لكلامه رونق غير أنهم تكلموا فيه وكانت وفاته ببغداد في ذي الحجة من السنة.
وفيها ثار أهل الكرخ بالعيارين فهربوا وكبسوا دورهم ونهبوا سلاحهم وطلبوا من السلطان المعاونة.
وسبب ذلك أن العيارين نهبوا تاجرًا فغضب له أهل سوقه فرد العيارون بعض ما أخذوا ثم كبسوا دار ابن العلواء الواعظ وأخذوا ماله ثم فعلوا ذلك بجماعة كثيرة حتى قام عليهم أهل الكرخ ووقع بينهم بسبب ذلك قتال وحروب يطول شرحها.
وفيها توفي أبو بكر بن محمد بن إبراهيم الأردستاني كان إمامًا زاهدًا فاضلًا معدودًا من كبار المشايخ وله كرامات وأحوال.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وعشر أصابع.
مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعًا وإصبعان.
السنة الرابعة عشرة من ولاية الظاهر لإعزاز دين الله على مصر وهي سنة خمس وعشرين وأربعمائة.
فيها هبت بنصيبين ريح سوداء قلعت معظم شجرها وكان بين البساتين قصر عظيم فرمته من أصله.
وفيها زلزلت الرملة زلزلة هدمت ثلث مدينة الرملة ونزل البحر مقدار ثلاثة فراسخ فنزل الناس يصيدون السمك فرجع عليهم فغرق من لم يحسن السباحة.
وفيها توفي أحمد بن محمد بن عبد الرحمن أبو العباس القاضي الأبيوردي ولد سنة سبع وخمسين وثلاثمائة وتولى القضاء بالجانبين ببغداد وسمع الحديث ورواه وكان عالمًا ورعًا مفتنًا يصوم الدهر ويفطر على الخبز والملح وكان فقيرًا ويظهر الثروة ومات في جمادى الأولى ودفن بباب حرب.
وفيها توفي أحمد بن محمد ابن أحمد بن غالب الحافظ أبو بكر الخوارزمي ولد سنة ست وثلاثين وثلاثمائة ورحل إلى البلاد وسمع الكثير وحدث وكان إمامًا في اللغة والفقه والحديث ومات في يوم الأربعاء غرة شهر رجب.
وفيها توفي عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث أبو الفرج التميمي الفقيه الحنبلي الواعظ ولد سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة وسمع الحديث ورواه وكان فقيهًا محدثًا واعظًا وكانت وفاته في شهر ربيع الأول ببغداد ودفن عند قبر الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه.
وفيها توفي محمد بن عبد الله أبو عبد الله بن باكويه الشيرازي أحد مشايخ الصوفية كان أوحد زمانه وله كرامات وإشارات ولقي خلقًا من المشايخ وحكى عنهم وسمع الحديث الكثير الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال: وفيها توفي أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب البرقاني الحافظ في رجب وله تسع وثمانون سنة وأبو علي الحسن بن أبي بكر أحمد بن إبراهيم بن شاذان البزاز في آخر يوم من السنة وولد في ربيع الأول عام تسعة وثلاثين وثلاثمائة وأبو سعيد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن بندار بن شبانة الهمذاني وأبو الحسن عبد الله بن عمر المري الدمشقي وأبو الفضل عمر بن أبي سعد إبراهيم بن عبد الرحمن بن محمد بن يحيى الجوبري في صفر وأبو نصر عبد الوهاب بن إسماعيل الهروي الزاهد وأبو بكر محمد بن علي بن إبراهيم بن مصعب الأصبهاني التاجر.
انتهى كلام الذهبي.
وفيها وقع الطاعون بشيراز فكانت الأبواب تسد على الموتى ثم انتقل إلى واسط وبغداد والبصرة والأهواز وغيرها.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وخمس عشرة إصبعًا.
مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعًا وإحدى وعشرون إصبعًا.
السنة الخامسة عشرة من ولاية الظاهر وهي سنة ست وعشرين وأربعمائة.
فيها استولى العيارون على بغداد وملكوا الجانبيين أعني الحرامية قال: ولم يبق للخليفة ولا لجلال الدولة معهم حكم.
وكان العيارون في دور الأتراك والحواشي يقيمون نهارًا ويخرجون ليلًا والأتراك والحواشي تقوم معهم في الباطن فكانوا يخرجون ليلًا ويعملون العملات وأفسدوا وفعلوا أفعالًا قبيحة وأظهروا الإفطار في شهر رمضان نهارًا وكان ذلك كله بمواطأة الأتراك.
وفيها ورد كتاب مسعود بن محمود بن سبكتكين على الخليفة أنه افتتح جرجان وطبرستان وغزا الهند وافتتح بلادًا كثيرة.
وفيها توفي أحمد بن كليب الشاعر المغربي.
قال أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي في تاريخه كان أحمد هذا يهوى أسلم بن حمد بن سعيد قاضي قضاة الأندلس وكان أسلم من أحسن أهل زمانه فافتتن به وقال فيه الأشعار الرائقة.
ثم سكت الحميدي ولم يذكر ما قاله في أسلم المذكور من الأشعار.
وفيها توفي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن محمد بن شاذان أبو علي البزاز إمام محدث مشهور من أهل بغداد ولد سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة سمع خلقًا كثيرًا وكان صالحًا ثقة صدوقًا.
وفيها توفي الحسن بن عثمان بن أحمد بن الحسين بن سورة أبو عمر الواعظ البغدادي سمع الحديث وتفقه وكان شيخًا له لسان حلو في الوعظ وكان له شعر على طريق القوم فمنه قوله: دخلت على السلطان في دار عزه بفقر ولم أجلب بخيل ولا رجل فقلت انظروا ما بين فقري وملككم بمقدار ما بين الولاية والعزل أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاث أذرع وعشرون إصبعًا.
مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعًا وخمس عشرة إصبعًا.
السنة السادسة عشرة من ولاية الظاهر لإعزاز دين الله على مصر وهي سنة سبع وعشرين وأربعمائة.
وفيها كانت وفاته حسب ما تقدم في ترجمته.
فيها أعني سنة سبع وعشرين أرسل الظاهر قبل موته خمسة آلاف دينار فصلح بها نهر ينتهي إلى الكوفة ويرد إليه ماء الفرات وجاء أهل الكوفة يستأذنون القائم بأمر الله في ذلك فثقل عليه وسأل الفقهاء فقالوا: هذا مال تغلب عليه من فيء المسلمين فصرفه في هذا الوجه فأذن لهم القائم في ذلك.
وفيها لم يحج أحد من العراق وحجوا من الشام ومصر.
وفيها توفي أحمد بن محمد بن إبراهيم أبو إسحاق الثعلبي صاحب التفسير المشهور.
قال الحافظ أبو الفرج بن الجوزي: ليس فيه ما يعاب به إلا ما ضمنه من الأحاديث الواهية التي هي في الضعف متناهية خصوصًا في أوائل السور.
وفيها توفي الحسن بن وهب أبو علي الكاتب المجود كان فاضلًا إمامًا مجودًا وخطه معروف مشهور بالحسن.
وفيها توفي حمزة بن يوسف بن إبراهيم الجرجاني الحافظ هو من ولد هشام بن العاص بن وائل السهمي وكان عالمًا فاضلًا رحل في طلب العلم وسمع الحديث الكثير وقال أنبأنا الحسين بن عمر الضراب أنشدنا شعبان الصيرفي: أشد من فاقة الزمان وقوف حر على هوان فاسترزق الله واستعنه فإنه خير مستعان أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ست أذرع وعشرون إصبعًا.
مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعًا وخمس عشرة إصبعًا.
خلافة المستنصر بالله على مصر هو أبو تميم معد الملقب بالمستنصر بالله بن الظاهر لإعزاز دين الله علي بن الحاكم بأمر الله منصور بن العزيز بالله بن المعز لدين الله معد أول خلفاء الفاطميين بمصر ابن المنصور بالله إسماعيل بن القائم بالله محمد بن المهدي عبيد الله العبيدي الفاطمي المغربي الأصل المصري المولد والمنشأ والدار والوفاة وهو الخامس من خلفاء مصر من بني عبيد والثامن من المهدي عبيد الله.
ولي الخلافة بعد موت أبيه الظاهر لإعزاز دين الله في يوم الأحد منتصف شعبان سنة سبع وعشرين وأربعمائة.
وكان عمره يوم ولي الخلافة سبع سنين وسبعة وعشرين يومًا وختن وهو ابن ست سنين.
قال الذهبي رحمه الله: هو معد أبو تميم الملقب بأمير المؤمنين المستنصر بالله بن الظاهر بن الحاكم بأمر الله - وساق بقية نسبه بنحو ما سقناه إلى أن قال -: بقي في الخلافة ستين سنة وأربعة أشهر وهو الذي خطب له بإمرة المؤمنين على منابر العراق في نوبة الأمير أبي الحارث أرسلان المعروف بالبساسير في سنة إحدى وخمسين وأربعمائة.
ولا أعلم أحدًا في الإسلام لا خليفة ولا سلطانًا طالت مدته مثل المستنصر هذا.
وولي وهو ابن سبع سنين.
ولما كان في سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة قطع الخطبة له من المغرب الأمير المعز بن باديس - وقيل: بل قطعها في سنة خمس وثلاثين - وخطب لبني العباس وخرج عن طاعة بني عبيد الباطنية.
وحدث في أيام المستنصر بمصر الغلاء الذي ما عهد بمثله منذ زمان يوسف عليه السلام ودام سبع سنين حتى أكل الناس بعضهم بعضًا حتى قيل: إنه بيع رغيف واحد بخمسين دينارًا - فإنا لله وإنا إليه راجعون - وحتى إن المستنصر هذا بقي يركب وحده وخواصه ليس لهم دواب يركبونها وإذا مشوا سقطوا من الجوع وآل الأمر إلى أن استعار المستنصر بغلة يركبها من صاحب ديوان الإنشاء.
وآخر شيء نزحت أم المستنصر وبناته إلى بغداد خوفًا من أن يمتن جوعًا.
وكان ذلك في سنة ستين وأربعمائة.
ولم يزل هذا الغلاء حتى تحرك الأمير بدر الجمالي والد الأفضل أمير الجيوش من عكا وركب في البحر وجاء إلى مصر وتولى تدبير الأمور وشرع في إصلاح الأمر.
وتوفي المستنصر في ذي الحجة سنة 487 ه.
وفي دولته كان الرفض والسب فاشيًا مجهرًا والسنة والإسلام غريبًا! فسبحان الحليم الخبير الذي يفعل في ملكه ما يريد.
وقام بعده ابنه المستعلي أحمد أقامه أمير الجيوش الأفضل.
واستقامت الأحوال فخرج أخوه نزار من مصر خفية فسار إلى ناصر الدولة أمير الإسكندرية فأعانه ودعا إليه فتمت بين أمير الجيوش وبينهم حروب وأمور إلى أن ظفر بهم.
انتهى كلام الذهبي في أمر المستنصر.
ونشرع الآن في ذكر المستنصر وأمر الغلاء بأوسع مما ذكره الذهبي من أقوال جماعة من المؤرخين وغيرهم.
قال العلامة أبو المظفر في تاريخه: ولم يل أحد من الخلفاء الأمويين ولا العباسيين ولا المصريين مثل هذه المدة يعني مدة إقامة المستنصر في الخلافة ستين سنة قال: وعاش المستنصر سبعًا وستين سنة وخمسة أشهر في الهزاهز والشدائد والوباء والغلاء والجلاء والفتن.
وكان القحط في أيامه سبع سنين مثل سني يوسف الصديق صلوات الله وسلامه عليه من سنة سبع وخمسين إلى سنة أربع وستين وأربعمائة.
أقامت البلاد سبع سنين يطلع النيل فيها وينزل ولا يوجد من يزرع لموت الناس واختلاف الولاة والرعية فاستولى الخراب على كل البلاد ومات أهلها وانقطعت السبل برًا وبحرًا.
وكان معظم الغلاء سنة اثنتين وستين.
وقال أبو يعلى بن القلانسي: في أيامه يعني المستنصر ثارت الفتن في بني حمدان وأكابر القواد وغلت الأسعار واضطربت الأحوال واختلت الأعمال وحصر في قصره وطمع فيه.
ولم يزل على ذلك حتى استدعى أمير الجيوش بدرًا الجمالي من عكا إلى مصر فاستولى على التدبير وقتل جماعة ممن يطلب الفساد فتمهدت الأمور ولم يبق للمستنصر أمر ولا نهي إلا الركوب في العيدين.
ولم يزل كذلك حتى مات بدر الجمالي وقام بعده ولده الأفضل.
ولما مات المستنصر وقام المستعلي مقامه وتقررت الأمور خرج عبد الله ونزار ابنا المستنصر خفية وقصد نزار الإسكندرية إلى ناصر الدولة واليها وجرت بينه وبين الأفضل حروب بسبب ذلك إلى أن ثبت أمر المستعلي.
انتهى كلام أبي يعلى باختصار.
قلت: وأما ما ذكره الذهبي رحمه الله - من الخطبة للمستنصر على منابر بغداد وبالعراق كله وخلع القائم بأمر الله العباسي من الدعوة فكان من قصته أن السلطان طغرلبك اشتغل بحصار تلك النواحي ونازل الموصل ثم توجه إلى نصيبين لفتح الجزيرة وتمهيدها.
وأرسل الأمير أبو الحارث أرسلان المعروف بالبساسيري إلى إبراهيم ينال أخي السلطان طغرلبك لينجده فأخذ البساسيري يعده ويمنيه ويطمعه في الملك حتى أصغى إليه وخالف أخاه طغرلبك.
وساق إبراهيم ينال في طائفة من العسكر إلى الري.
وبلغ السلطان طغرلبك خبر عصيان إبراهيم فانزعج وسار وراءه وترك بعض عسكره في ديار بكر مع زوجته الخاتون ووزيره عميد الملك الكندري فتفرقت العساكر.
وعادت زوجته الخاتون بالعسكر الذي صحبها إلى بغداد.
وأما زوجها السلطان طغرلبك فإنه التقى هو وأخوه إبراهيم ينال وتقاتلا فظفر عليه أخوه إبراهيم ينال وانهزم السلطان طغرلبك إلى همذان فساق أخوه إبراهيم خلفه وحاصره بها.
فعزمت الخاتون على إنجاد زوجها.
واختبطت بغداد وعظم البلاء بها وقامت الفتنة على ساق.
وتم للأمير أبي الحارث أرسلان البساسيري ما دبره من المكر.
وأرجف الناس ببغداد بمجيء البساسيري.
ونفر الوزير عميد الملك وزير طغرلبك والأمير أنوشروان إلى الجانب الغربي من بغداد وقطعا الجسر.
ونهبت الغز دار خاتون.
وأكل القوي الضعيف.
ووقع ببغداد وأعمالها أمور هائلة شنعة.
ثم دخل الأمير أبو الحارث أرسلان البساسيري بغداد في ثامن ذي القعدة بالرايات المستنصرية وعليها ألقاب المستنصر هذا صاحب مصر فمال إلى البساسيري أهل باب الكرخ وفرحوا به لكونهم رافضة والبساسيري وخلفاء مصر أيضًا رافضة فانضموا إلى البساسيري وتشفوا من أهل السنة وشمخت أنوف المنافقين الرافضة وأعلنوا بالأذان ب حي على خير العمل ببغداد.
واجتمع خلق من أهل السنة على الخليفة القائم بأمر الله العباسي وقاتلوا معه وفشت الحرب بين الفريقين في السفن أربعة أيام.
وخطب يوم الجمعة ثالث عشر ذي القعدة ببغداد للمستنصر هذا صاحب الترجمة بجامع المنصور وأذنوا ب حي على خير العمل.
وعقد الجسر وعبرت عساكر البساسيري إلى الجانب الشرقي فخندق الخليفة القائم بأمر الله على نفسه حول داره وحول نهر المعلى فأحرقت الغوغاء نهر المعلى ونهبت ما فيه وقوي البساسيري وتفلل عن الخليفة القائم أكثر الناس.
فاستجار القائم بقريش بن بدران أمير العرب وكان مع البساسيري فأجاره ومن معه وأخرجه إلى مخيمه.
وقبض البساسيري على وزير القائم بأمر الله رئيس الرؤساء أبي القاسم بن المسلمة وقيده وشهره على جمل وعليه طرطور وعباءة وجعل في رقبته قلائد كالمسخرة وطيف به بالشوارع وخلفه من يصفعه ثم سلخ له ثور وألبس جلده وخيط عليه وجعلت قرون الثور في رأسه ثم علق على خشبة وعمل في فيه كلوبان فلم يزل يضطرب حتى مات رحمه الله.
ونصب للقائم الخليفة خيمة صغيرة بالجانب الشرقي في المعسكر ونهبت العامة دار الخلافة فأخذوا منها ما لا يحصى ولا يوصف كثرة.
فلما كان يوم الجمعة رابع ذي الحجة لم تصل الجمعة بجامع الخليفة وخطب بسائر الجوامع للمستنصر المذكور وقطعت الخطبة العباسية بالعراق.
وهذا شيء لم يفرح به أحد من آباء المستنصر.
ثم حمل القائم بأمر الله إلى حديثة عانة فجلس بها وسلم إلى صاحبها مهارش.
وذلك أن البساسيري وقريشًا اختلفا في أمر القائم بأمر الله ثم وقع اتفاقهما بعد أمور على أن يكون عند مهارش إلى أن يتفقا على ما يتفقان عليه في أمره.
ثم جمع أبو الحارث أرسلان البساسيري القضاة والأشراف ببغداد وأخذ عليهم البيعة للمستنصر العبيدي صاحب الترجمة فبايعوا قهرًا على رغم الأنف.
وقال الشيخ عز الدين بن الأثير في تاريخه: إن إبراهيم ينال كان أخوه السلطان طغرلبك قد ولاه الموصل عام أول وإنه في سنة خمسين فارق الموصل ورحل نحو بلاد الجبل فنسب السلطان رحيله إلى العصيان فبعث وراءه رسولا معه الفرجية التي خلعها عليه الخليفة.
ولما فارق الموصل قصدها البساسيري وقريش بن بدران وحاصراها وأخذا البلد ليومه وبقيت القلعة فحاصراها أربعة أشهر حتى أكل أهلها دوابهم ثم سلموها بالأمان فهدمها البساسيري وعفى أثرها.
وسار طغرلبك بجريدة في ألفين إلى الموصل فوجد البساسيري وقريشًا فارقاها فساق وراءهم ففارقه أخوه وطلب همذان فوصلها في رمضان.
قال: وقد قيل إن المصريين كاتبوه وإن البساسيري استماله وأطمعه في السلطنة فسار طغرلبك في أثره يعني أثر أخيه إبراهيم ينال.
قال: وأما البساسيري فوصل إلى بغداد في ثامن ذي القعدة ومعه أربعمائة فارس على غاية الضر والفقر فنزل بمشرعة الروايا ونزل قريش في مائتي فارس عند مشرعة باب البصرة ومالت العامة للبساسيري: أما الشيعة فللمذهب وأما أهل السنة فلما فعل بهم الأتراك.
وكان رئيس الرؤساء لقلة معرفته بالحرب ولما عنده من ضعف البساسيري يرى المبادرة إلى الحرب فاتفق أنه في بعض الأيام التي تحاربوا فيها حضر القاضي الهمذاني عند رئيس الرؤساء ثم استأذن في الحرب وضمن له قتل البساسيري فأذن له من غير أن يعلم عميد العراق وكان رأي عميد العراق المطاولة رجاء أن ينجدهم طغرلبك فخرج الهمذاني بالهاشميين والخدم والعوام إلى الحلبة وأبعدوا والبساسيري يستجرهم.
فلما أبعدوا حمل عليهم فانهزموا وقتل جماعة وهلك آخرون في الزحمة بباب الأزج.
وكان رئيس الرؤساء واقفًا دون الباب فدخل داره وهرب كل من في الحريم ولطم عميد العراق على وجهه كيف استبد رئيس الرؤساء بالأمر ولا معرفة له بالحرب.
فاستدعى الخليفة عميد العراق وأمره بالقتال على سور الحريم فلم يرعهم إلا الزعقات وقد نهب الحريم ودخلوا من باب النوبي فركب الخليفة لابسًا للسواد وعلى كتفه البردة وعلى رأسه اللواء وبيده السيف وحوله زمرة من العباسيين والخدم بالسيوف المسللة فرأى النهب إلى باب الفردوس من داره فرجع إلى ورائه نحو عميد العراق فوجده قد استأمن إلى قريش فعاد وصعد إلى المنظرة.
وصاح رئيس الرؤساء: علم الدين يعني قريشًا أمير المؤمنين يستدنيك فدنا منه فقال: قد أنالك الله منزلة لم ينلها أمثالك وأمير المؤمنين يستذم منك على نفسه وأصحابه بذمام الله وذمام رسوله وذمام العربية فقال: قد أذم الله تعالى له قال: ولي ولمن معه قال نعم وخلع قلنسوته وأعطاها الخليفة وأعطى رئيس الرؤساء بحضرته ذمامًا.
فنزل إليه الخليفة ورئيس الرؤساء وسارا معه.
فأرسل إليه البساسيري يقول: أتخالف ما استقر بيننا - وكانا قد تحالفا ألا ينفرد أحدهما عن الآخر بشيء ويكون العراق بينهما نصفين - فقال قريش: ما عدلت عما استقر بيننا عدوك ابن المسلمة يعني رئيس الرؤساء فخذه وأنا آخذ الخليفة فرضي البساسيري بذلك.
فبعث رئيس الرؤساء إليه مع منصور بن مزيد فحين رآه البساسيري قال: مرحبًا بمدمر الدولة ومهلك الأمم ومخرب البلاد ومبيد العباد.
فقال له: أيها الأجل العفو عند المقدرة.
فقال: قد قدرت فما عفوت وأنت تاجر صاحب طيلسان ولم تبق على الحريم والأموال والأطفال فكيف أعفو عنك وأنا صاحب سيف وقد أخذت أموالي وعاقبت أصحابي ودرست دوري وسببتني وأبعدتني!.
واجتمع العوام على ابن المسلمة يعني رئيس الرؤساء وسبوه ولعنوه وهموا به.
فأخذه البساسيري بيده وسيره إلى جانبه خوفًا عليه من العامة.
وحصل في يد البساسيري جميع من كان يطلبه مثل ابن المردرسي وأبي عبد الله الدامغاني قاضي القضاة وهبة الله بن المأمون وأبي علي بن السيرواني وأبي عبد الله بن عبد الملك وكان من التجار الكبار وبينه وبين البساسيري عداوة وكان قد سكن في دار الخلافة خوفًا منه على ماله ونعمته.
وظفر بالسيدة خاتون بنت الأمير داود زوجة الخليفة فأحسن معاملتها ولم يتعرض لها.
وأما قريش فحصل في يده الخليفة وعميد العراق وأبو منصور بن يوسف وولده فحمل الخليفة إلى معسكره راكبًا وعلى كتفه البردة وبيده سيف مسلول وعلى رأسه اللواء.
ولحق الخليفة ذرب عظيم قام منه في اليوم مرارًا وامتنع من الطعام والشراب فسأله قريش وألح عليه حتى أكل وشرب وحمله في هودج وسار به إلى حديثة عانة فنزل بها.
وسار حاشية الخليفة على حامية إلى السلطان طغرلبك مستنفرين له.
ولما وصل الخليفة إلى الأنبار شكا البرد فبعث يطلب من متوليها ما يلبس فأرسل إليه جبة ولحافًا.
وركب البساسيري يوم الأضحى وعلى رأسه الألوية المصرية وعبر إلى المصلى بالجانب الشرقي وأحسن إلى الناس وأجرى الجرايات على الفقهاء ولم يتعصب لمذهب وأفرد لوالدة الخليفة دارًا وراتبًا وكانت قد قاربت التسعين سنة.
ثم في آخر ذي الحجة أخرج رئيس الرؤساء مقيدًا وعلى رأسه طرطور وفي رقبته مخنقة جلود وهو يقرأ: " قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء.
.
.
" الآية.
فبصق أهل الكرخ في وجهه لأنه كان متعصبًا لأهل السنة رحمه الله ثم صلب على صورة ما ذكرناه أولا.
وأما عميد العراق فقتله البساسيري أيضًا وكان شجاعًا شهمًا وهو الذي بنى رباط شيخ الشيوخ.
ثم بعث البساسيري البشائر إلى مصر وكان وزير المستنصر هناك أبا الفرج ابن أخي أبي القاسم المغربي وكان أبو الفرج ممن هرب من البساسيري فذم للمستنصر فعله وخوفه من سوء عاقبته فتركت أجوبته مدة ثم عادت على البساسيري بغير الذي أمله فسار البساسيري إلى البصرة وواسط وخطب بهما أيضًا للمستنصر.
وأما طغرلبك فإنه انتصر في الآخر على أخيه إبراهيم ينال وقتله وكر راجعًا إلى العراق ليس له هم إلا إعادة الخليفة إلى رتبته.
وفي الجملة أن الذي حصل للمستنصر في هذه الواقعة من الخطبة باسمه في العراق وبغداد لم يحصل ذلك لأحد من آبائه وأجداده.
ولولا تخوف المستنصر من البساسيري أو تحريضه على ما هو بصدده لكانت دعوته تتم بالعراق زمانًا طويلا فإنه كان أولا أمد البساسيري بجمل مستكثرة.
فلو دام المستنصر على ذلك لكان البساسيري يفتتح له عدة بلاد.
قال الحسن بن محمد العلوي: " إن الذي وصل إلى البساسيري من المستنصر من مال خمسمائة ألف دينار ومن الثياب ما قيمته مثل ذلك وخمسمائة فرس وعشرة آلاف قوس ومن السيوف ألوف ومن الرماح والنشاب شيء كثير.
يعني قبل هذه الواقعة ولهذا قلنا: لو دام المستنصر على عطائه للبساسيري لكان افتتح له عدة بلاد.
قلت: ولله الحمد على ما فعله المستنصر من التقصير في حق البساسيري وإلا لكانت السنة تذهب بالعراق وتملكها الرافضة بأجمعها كما كان وقع بمصر ولما خطب البساسيري في بغداد باسم المستنصر معد هذا غنته مغنية بقولها: الرمل - مجزوء يا بني العباس صدوا ملك الأمر معد ملككم كان معارًا والعواري تسترد فطرب المستنصر لذلك ووهبها أرضًا بمصر رزقة لها جائزة لإنشادها هذا الشعر وتلك الأرض الآن تعرف بأرض الطبالة بالقرب من بركة الرطلي لكونها غنته بهذه الأبيات وهي تطبل بدف كان في يدها فعرفت بأرض الطبالة وحكرت الأرض المذكورة وبنيت.
وكان ما وقع للمستنصر هذا تمام سعده.
ومن حينئذ أخذ أمره في إدبار من وقوع الغلاء والوباء بالديار المصرية.
وقاسى الناس شدائد واختل أمر مصر - على ما سنذكره إن شاء الله تعالى في وقته من هذه الترجمة - من استيلاء ناصر الدولة بن حمدان على ممالك الديار المصرية وزاد ابن حمدان في عطاء الجند حتى نفدت الخزائن وقلت الارتفاعات.
واتفق ابن حمدان مع الشريف أبي طاهر حيدرة بن الحسن الحسيني وكان قد نفاه بدر الجمالي من دمشق وكان محببًا للناس وتلقبه العامة بأمير المؤمنين وكان لما نفاه بدر الجمالي من دمشق دخل إلى مصر شاكيًا إلى ابن حمدان من بدر الجمالي - فاتفق ابن حمدان والشريف وحازم وحميد ابنا جراح وهما من أمراء عرب الشام وكان لهما في حبس المستنصر نيف وعشرون سنة فأخرجهما ابن حمدان واتفقوا على الفتك ببدر الجمالي فأعطاهم ابن حمدان أربعين ألف دينار ينفقونها في هذا الوجه.
وتحدث ابن حمدان بأن يرتب الشريف إذا عاد مكان المستنصر في الخلافة لنسبه الصحيح.
وانقسم عسكر مصر قسمين: قسمًا مع ابن حمدان وقسمًا عليه وزادت مطالبة ابن حمدان بالأموال حتى استوعبها وأخرج جميع ما في القصر من ثياب وأثاث وباعها بالثمن البخس وحالف الأتراك سرًا على المستنصر.
وعلم المستنصر بما فعله مضافا لما سمع عنه من أمر الشريف فقلق وأرسل لابن حمدان ويقول بأنك قدمت علينا زائرًا وجئتنا ضيفًا فقابلناك بالإحسان وأكرمناك فقابلتنا بما لا نستحقه منك ونحن عليك صابرون وعنك مغضون.
وقد انتهت بك الحال إلى محالفة العسكر علينا والسعي في إتلافنا وما ذاك مما يهمك ونحب أن تنصرف عنا موفورًا في نفسك ومالك وإلا قابلناك على قبيح أفعالك.
فأغلظ ابن حمدان في الجواب واستهزأ بالرسول.
فبعث المستنصر إلى إلدكز الملقب بأسد الدولة وكان شيخ الأتراك والمقدم عليهم وكان من المخالفين على ابن حمدان فاستحضره واستحلفه وتوثق منه ومن جماعة ممن جرى مجراه وجمع الأتراك الذين معه والمغاربة وكتامة إلى باب القصر.
وعرف ابن حمدان بذلك فبرز بخيمة إلى بركة الحبش وأخرج المستنصر خيمته الحمراء وتسمى خيمة الدم فضربها بين القصرين من القاهرة.
واجتمع الناس على المستنصر وركب وسار إلى حرب ابن حمدان.
والتقوا بمكان يعرف بالباب الجديد فورد أكثر من كان مع ابن حمدان بالأمان إلى المستنصر.
وكان في جملة من ورد الأمير أبو علي ابن الملك أبي طاهر بن بويه ثم قتل المذكور بعد ذلك بمدة.
ووقع القتال فانكسر ابن حمدان وهرب بنفسه إلى الإسكندرية ونهبت دوره وأمواله ودور أصحابه.
ومضى ابن حمدان إلى حي من العرب وتزوج منهم وقوي بهم فصار يشن الغارات على أعمال مصر ويبعث إليه المستنصر في كل وقت جيشًا فيهزمه ابن حمدان.
ولا زال على ذلك حتى جمع ابن حمدان جمعًا كبيرًا ونزل الصالحية فخرج إليه من كان يهواه من المشارقة وامتدت عسكره نحو عشرة فراسخ وحاصر مصر فضعف المستنصر عن مقاومته وانحصر بالقاهرة.
وطال الحصار وغلت الأسعار حتى بلغت الراوية الماء ثلاثة عشر قيراطًا وكل ثلاثة عشر رطلا من الخبز دينارًا وعدمت الأقوات فضج العوام فخاف المستنصر أن يسلموه إليه فراسله وصالحه.
واقترح عليه ابن حمدان إبعاد إلدكز ومن يعاديه من المشارقة وأن ينفرد ابن حمدان بالبلاد وتدبير الأمور والعساكر فرضي المستنصر بذلك كله ورفع الحصار عن مصر وعادت الأمور إلى ما كانت عليه.
فهرب غالب من كان مع المستنصر إلى الشام ووفدوا على صاحبها بدر الجمالي.
وكان بدر الجمالي يكره ابن حمدان والشريف المذكور.
ثم ظفر الجمالي بالشريف المذكور وقتله خنقًا.
على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
وصار المستنصر في قصره كالمحجور عليه ولا حكم له.
هذا والغلاء بمصر يتزايد حتى إنه جلا من مصر خلق كثير لما حصل بها من الغلاء الزائد عن الحد والجوع الذي لم يعهد مثله في الدنيا فإنه مات أكثر أهل مصر وأكل بعضهم بعضًا.
وظهروا على بعض الطباخين أنه ذبح عدة من الصبيان والنساء وأكل لحومهم وباعها بعد أن طبخها.
وأكلت الدواب بأسرها فلم يبق لصاحب مصر - أعني المستنصر - سوى ثلاثة أفراس بعد أن كانت عشرة آلاف ما بين فرس وجمل ودابة.
وبيع الكلب بخمسة دنانير والسنور بثلاثة دنانير.
ونزل الوزير أبو المكارم وزير المستنصر على باب القصر عن بغلته وليس معه إلا غلام واحد فجاء ثلاثة وأخذوا البغلة منه ولم يقدر الغلام على منعهم لضعفه من الجوع فذبحوها وأكلوها فأخذوا وصلبوا فأصبح الناس فلم يروا إلا عظامهم أكل الناس في تلك الليلة لحومهم.
ودخل رجل الحمام فقال له الحمامي: من تريد أن يخدمك سعد الدولة أو عز الدولة أو فخر الدولة.
فقال له الرجل: أتهزأ بي! فقال: لا والله انظر إليهم فنظر فإذا أعيان الدولة ورؤساؤها صاروا يخدمون الناس في الحمام لكونهم باعوا جميع موجودهم في الغلاء واحتاجوا إلى الخدمة.
وأعظم من هذا أن المستنصر الخليفة صاحب الترجمة باع جميع موجوده وجميع ما كان في قصره حتى أخرج ثيابًا كانت في القصر من زمن الطائع الخليفة العباسي لما نهب بهاء الدولة دار الخليفة في إحدى وثمانين وثلاثمائة وأشياء أخر أخذت في نوبة البساسيري وكانت هذه الثياب التي لخلفاء بني العباس عند خلفاء مصر يحتفظون بها لبغضهم لبني العباس فكانت هذه الثياب عندهم بمصر بسبب المعيرة لبني العباس.
فلما ضاق الأمر على المستنصر أخرجها وباعها بأبخس ثمن لشدق الحاجة.
وأخرج المستنصر أيضًا طستًا وإبريقًا بلورًا يسع الإبريق رطلين ماء والطست أربعة أرطال وأظنه بالبغدادي فبيعا باثني عشر درهما فلوسًا ثم باع المستنصر من هذا البلور ثمانين ألف قطعة.
وأما ما باع من الجواهر واليواقيت والخسرواني فشيء لا يحصى.
وأحصي من الثياب التي أبيعت في هذا الغلاء من قصر الخليفة ثمانون ألف ثوب وعشرون ألف درع وعشرون ألف سيف محلى وباع المستنصر حتى ثياب جواريه وتخوت المهود وكان الجند يأخذون ذلك بأقل ثمن.
وباع رجل دارًا بالقاهرة كان اشتراها قبل ذلك بتسعمائة دينار بعشرين رطل دقيق.
وبيعت البيضة بدينار والإردب القمح بمائة دينار في الأول ثم عدم وجود القمح أصلا.
وكان السودان يقفون في الأزقة يخطفون النساء بالكلاليب ويشرحون لحومهن ويأكلونها.
واجتازت امرأة بزقاق القناديل بمصر وكانت سمينة فعفقها السودان بالكلاليب وقطعوا من عجزها قطعة وقعدوا يأكلونها وغفلوا عنها فخرجت من الدار واستغاثت فجاء الوالي وكبس الدار فأخرج منها ألوفًا من القتلى وقتل السودان.
واحتاج المستنصر في هذا الغلاء حتى إنه أرسل فأخذ قناديل الفضة والستور من مشهد إبراهيم الخليل عليه السلام.
وخرجت امرأة من القاهرة في هذا الغلاء ومعها مد جوهر فقالت: من يأخذ هذا ويعطيني عوضه دقيقًا أو قمحًا فلم يلتفت إليها أحد فألقته في الطريق وقالت: هذا ما ينفعني وقت حاجتي فلا حاجة لي به بعد اليوم فلم يلتفت إليه أحد وهو مبدد في الطريق فهذا أعجب من الأول.
وقيل: إن سبب ما حصل لمصر من الخلل في أول الأمر الفتنة التي كانت بمصر في أيام المستنصر هذا بين الأتراك والعبيد وهو أن المستنصر كان من عادته في كل سنة أن يركب على النجب مع النساء والحشم إلى جب عميرة وهو موضع نزهة فيخرج إليه بهيئة أنه خارج إلى الحج على سبيل الهزء والمجانة ومعه الخمر في الروايا عوضًا عن الماء ويسقيه الناس كما يفعل بالماء في طريق مكة.
فلما كان في جمادى الآخرة خرج على عادته المذكورة فاتفق أن بعض الأتراك جرد سيفًا في سكرته على بعض عبيد الشراء فاجتمع عليه طائفة من العبيد فقتلوه فاجتمع الأتراك بالمستنصر هذا وقالوا له: إن كان هذا عن رضاك فالسمع والطاعة وإن كان عن غير رضاك فلا ترضى بذلك فأنكر المستنصر ذلك فاجتمع جماعة من الأتراك وقتلوا جماعة من العبيد بعد أن حصل بينهم وبين العبيد قتال شديد على كوم شريك وانهزم العبيد من الأتراك.
وكانت أم المستنصر تعين العبيد بالأموال والسلاح فظفر بعض الأيام أحد الأتراك بذلك فجمع طائفة الأتراك ودخلوا على المستنصر وقاموا عليه وأغلظوا له في القول فحلف لهم أنه لم يكن عنده خبر.
وصار السيف قائمًا بينهم.
ثم دخل المستنصر على والدته وأنكر عليها.
ودامت الفتنة بين الأتراك والعبيد إلى أن سعى وزير الجماعة أبو الفرج بن المغربي - وأبو الفرج هذا هو أول من ولي كتابة الإنشاء بمصر - ولا زال الوزير أبو الفرج هذا يسعى بينهم حتى اصطلحوا صلحًا يسيرًا فاجتمع العبيد وخرجوا إلى شبرى دمنهور.
فكانت هذه الواقعة أول الاختلاف بديار مصر فإنه قتل من الأتراك والعبيد خلائق كثيرة وفسدت الأمور فطمع كل أحد.
وكان سبب كثرة السودان ميل أم المستنصر إليهم فإنها كانت جارية سوداء لأبي سعد التستري اليهودي.
فلما ولي المستنصر الخلافة ومات الوزير صفي الدين الجرجرائي في سنة ست وثلاثين حكمت والدة المستنصر على الدولة واستوزرت سيدها أبا سعد المذكور ووزر لابنها المستنصر الفلاحي فلم يمش له مع أبي سعد حال فاستمال الأتراك وزاد في واجباتهم حتى قتلوا أبا سعد المذكورة فغضبت لذلك أم المستنصر وقتلت أبا منصور الفلاحي وشرعت في شراء العبيد السود وجعلتهم طائفة واستكثرت منهم.
فلما وقع بينهم وبين الأتراك قامت في نصرهم.
وقال الشيخ شمس الدين بن قزأوغلي في المرآة: وكل هذه الأشياء كان ابن حمدان سببها ووافق ذلك انقطاع النيل وضاقت يد أبي هاشم محمد أمير مكة بانقطاع ما كان يأتيه من مصر فأخذ قناديل الكعبة وستورها وصفائح الباب والميزاب وصادر أهل مكة فهربوا.
وكذا فعل أمير المدينة مهنأ وقطعا الخطبة للمستنصر وخطبا لبني العباس الخليفة القائم بأمر الله وبعثا إلى السلطان ألب أرسلان السلجوقي حاكم بغداد بذلك وأنهما أذنا بمكة والمدينة الأذان المعتاد وتركا الأذان ب حي على خير العمل فأرسل ألب أرسلان إلى صاحب مكة أبي هاشم المذكور بثلاثين ألف دينار وإلى صاحب المدينة بعشرين ألف دينار.
وبلغ الخبر بذلك المستنصر فلم يلتفت إليه لشغله بنفسه ورعيته من عظم الغلاء.
وقد كاد الخراب أن يستولي على سائر الإقليم.
ودخل ابن الفضل على القائم بأمر الله العباسي ببغداد وأنشده في معنى الغلاء الذي شمل مصر قصيدة منها: الطويل.
وقد علم المصري أن جنوده سنو يوسف منها وطاعون عمواس أحاطت به حتى استراب بنفسه وأوجس منها خيفة أي إيجاس قلت: وهذا شأن أرباب المناصب إذا عزل أحدهم بآخر أراد هلاكه ولو هلك العالم معه.
وهذا البلاء من تلك الأيام إلى يومنا هذا.
ثم في
سنة ست وستين سار بدر الجمالي أمير الجيوش من عكا إلى مصر
ومعه عبد الله بن المستنصر باستدعاء المستنصر بعد قتل ابن حمدان بمدة.
واسم ابن حمدان الحسن بن الحسين بن حمدان أبو محمد التغلبي الأمير ناصر الدولة ذو المجدين.
سبب قتل ابن حمدان المذكور وسببه أنه كان ابن حمدان اتفق مع إلدكز التركي وكان إلدكز تزوج بابنته فاتفقا اتفاقا كليًا وتحالفا وأمن أحدهما للآخر.
ووصل ناصر الدولة إلى مصر - أعني بعد توجهه إلى الإسكندرية حسب ما ذكرناه - على طمأنينة مرتبًا للمواكب والعساكر فركب إلدكز يوم الجمعة مستهل شهر رمضان في خمسين فارسًا وكان له غلام يقال له: أبو منصور كمشتكين ويلقب حسام الدولة وكان يثق به فقال له إلدكز: أريد أن أطلعك على أمر لم أر له أهلا غيرك قال: وما هو قال: قد علمت ما فعل ابن حمدان بالمسلمين من سفك الدماء والغلاء والجلاء وقد عزمت على قتله فهل فيك موافقة ومشاركة وأريح الإسلام منه فقال نعم ولكن أخاف أن يفلت فتتبرأ مني قال لا.
وقصدوا ابن حمدان قبل أن يلحقه أصحابه واستأذنوا عليه فأذن لهم فدخلوا والفراشون ينفضون البسط ليقعد عليها ابن حمدان وهو يتمشى في صحن الدار ومشى إلدكز معه ثم تأخر عنه وضربه بيافروت كان معه وهو سكين مغربي في خاصرته وضربه كمشتكين فقطع رجليه فصاح: فعلتموها! فحزوا رأسه.
وكان محمود بن ذبيان أمير بني سنبس في خزانة الشراب فدخلوا عليه وقتلوه.
ثم خرجوا إلى دار كان فيها فخر العرب ابن حمدان وقد شرب دواء وعنده الأمير شاور فقتلوهما.
وخرجوا إلى خيمة الأمير تاج المعالي بن حمدان أخي ناصر الدولة وكان على عزم المسير إلى الصعيد فهرب إلى خراب مقابل خيمته فكمن فيه فرآه بعض العبيد فأعطاه معضدة فيها مائة دينار وقال له: اكتم علي فأخذها العبد وجاء إلى إلدكز ونم عليه فدخل وقتله.
وانهزم ابن أخي ابن المدبر في زي المكدين فأخذ وكان قد تزوج بإحدى بنات نزار ابن المستنصر الخليفة فقطع ذكره وجعل في فمه ثم قتل.
وقطع ابن حمدان قطعًا وأنفذ كل قطعة إلى بلد.
وجاءوا إلى القصر إلى الخليفة المستنصر هذا ومعهم الرؤوس وأرسلوا إلى الخليفة وقالوا: قد قتلنا عدوك وعدونا من أخرب البلاد وقتل العباد ونريد من المستنصر الأموال.
فقال المستنصر: أما المال فما ترك ابن حمدان عندي مالا.
وأما ابن حمدان فما كان عدوي وإنما كانت الشحنة بينك وبينه يا إلدكز فهلكت الدنيا بينكما وإني ما اخترت ما فعلت من قتله ولا رضيته وستعلم غب الغدر ونقض العهد.
ووقع بينهما كلام كثير.
وآل الأمر إلى بيع المستنصر قطع مرجان وعروضًا وحمل إلى إلدكز ورفقته مالا من أثمان ذلك وغيره.
ثم علم المستنصر أن أمره يؤول مع إلدكز إلى شر حال فلذلك أرسل أحضر بدرًا الجمالي المقدم ذكره.
ولما حضر بدر الجمالي إلى مصر وجد إلدكز تغلب عليها.
وكان إلدكز قد وصل إلى دمياط وبها ابن المدبر وكان قد هرب منه فقتله وصلبه وعاد إلى مصر واتفق مع بدر الجمالي وتحالفا وتعاهدا.
فلم يكن إلا مدة يسيرة وقبض بدر الجمالي على إلدكز وأهانه وعذبه وطالبه بالمال فلم يظهر سوى اثني عشر ألف دينار وكان له من الأموال والجواهر شيء كثير إلا أنه لم يقر به فقتله بدر الجمالي وقيل: هرب إلى الشام.
وأخذ بدر الجمالي في إصلاح أمور الديار المصرية: انتزع الشرقية من أيدي عرب لواتة وقتل منهم مقتلة عظيمة وأسر أمراءهم وأخذ منهم أموالا جمة وعمر الريف فرخصت الأسعار ورجعت إلى عادتها القديمة.
ثم أخذ الإسكندرية وسلمها إلى القاضي ابن المحيرق.
وأصلح أموال الصعيد واستدعى أكابرهم إليه فجاءه منهم الكثير.
وصلح الحال لهلاك الأضداد ورفعت الفتن وانفرد أمير الجيوش بدر الجمالي بالأمر إلى أن مات في خلافة المستنصر.
وتولى بعده ابنه الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش بدر الجمالي المذكور.
ويأتي ذكر ذلك وغيره مما ذكرنا من الغلاء والفناء والحروب في الحوادث المتعلقة بالمستنصر من سنين خلافته على سبيل الاختصار كما هو عادة هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
ودام المستنصر في الخلافة وهو كالمحجوز عليه مع بدر الجمالي ثم من بعده مع ولده الأفضل شاهنشاه إلى أن توفي بالقاهرة في يوم عيد الفطر وهو يوم الخميس سنة سبع وثمانين وأربعمائة.
وبايع الناس ابنه أحمد من بعده ولقب بالمستعلي بالله.
وقام الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي بتدبير ملكه.
وقد تقدم مدة إقامة المستنصر في الخلافة وكم عاش من السنين في أول ترجمته فيطلب هناك.
ومما رثي به المستنصر قول حظي الدولة أبي المناقب عبد الباقي بن علي التنوخي الشاعر: الطويل.
وليس ردى المستنصر اليوم كالردى ولا أمره أمر يقاس به أمر لقد هاب ملك الموت إتيانه ضحى ففاجأه ليلا ولم يطلع الفجر فأجرى عليه حين مات دموعنا سماء فقال الناس لا بل هو القطر وقد بكت الخنساء صخرًا وإنه ليبكيه من فرط المصاب به الصخر وقلدها المستعلي الظهر حسب ما عليه قديمًا نص والده الطهر وهي سنة ثمان وعشرين وأربعمائة.
فيها في المحرم خلع الخليفة القائم بأمر الله على الأفضل أبي تمام محمد بن محمد بن علي الزينبي الحنفي العلوي وفوض إليه نقابة الهاشميين والصلاة وأمره باستخلاف أبي منصور محمد على ذلك وأحضر الخليفة القضاة والأعيان وقال لهم: قد عولنا على محمد بن محمد بن علي الزينبي في نقابة أهله من العباسيين رعاية لحقوق سالفة.
فقبل أبو تمام الأرض وخلع عليه السواد والطيلسان ونقب عميد الرؤساء.
وفيها لم يحج أحد من العراق.
وحج الناس من مصر وغيرها.
وفيها توفي أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر بن حمدان الإمام العلامة أبو الحسين الحنفي الفقيه البغدادي المشهور بالقدوري.
قال أبو بكر الخطيب: لم يحدث إلا شيئًا يسيرًا كتبت عنه وكان صدوقًا انتهت إليه بالعراق رياسة أصحاب أبي حنيفة وعظم عندهم قدره وارتفع جاهه وكان حسن العبارة في النظر جريء اللسان مديمًا للتلاوة.
قلت: والفضل ما شهدت به الأعداء ولولا أن شأن هذا الرجل كان قد تجاوز الحد في العلم والزهد ما سلم من لسان الخطيب بل مدحه مع عظم تعصبه على الساعة الحنفية وغيرهم فإن عادته ثلم أعراض العلماء والزهاد بالأقوال الواهية والروايات المنقطعة حتى أشحن تاريخه من هذه القبائح.
وصاحب الترجمة هو مصنف مختصر القدوري في فقه الحنفية وشرح مختصر الكرخي في عدة مجلدات وأملى التجريد في الخلافيات أملاه في سنة خمس وأربعمائة وأبان فيه عن حفظه لما عند الدار قطني من أحاديث الأحكام وعللها وصنف كتاب التقريب الأول في الفقه في خلاف أبي حنيفة وأصحابه في مجلد والتقريب الثاني في عدة مجلدات.
وكانت وفاته في منتصف رجب من السنة.
ومولده سنة اثنتين وستين وثلاثمائة.
وقد روينا جزأه المشهور عن الشيخ رضوان بن محمد العقبي عن أبي الطاهر بن الكويك عن محمد بن البلوي أنا عبد الله بن عبد الواحد بن علاق أنا فاطمة بنت سعد الخير الأنصارية أنا أبو بكر بن أبي طاهر أنا العلامة أبو الحسين القدوري رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا الرئيس أبو علي صاحب الفلسفة والتصانيف الكثيرة.
كان إمام عصره في الحكمة وعلوم الأوائل بل كان إمامًا في سائر العلوم.
وتصانيفه كثيرة في فنون العلوم حتى قيل عنه: إنه ليس في الإسلام من هو في رتبته.
قال أبو عبد الله الذهبي: كان ابن سينا آية في الذكاء وهو رأس الفلاسفة الإسلاميين الذين مشوا خلف العقول وخالفوا الرسول - قلت: لم يكن ابن سينا بهذه المثابة بل كان حنفي المذهب تفقه على الإمام أبي بكر بن أبي عبد الله الزاهد الحنفي - وتاب في مرض موته وتصدق بما كان معه وأعتق مماليكه ورد المظالم على من عرفه وجعل يختم في كل ثلاثة أيام ختمة إلى أن توفي يوم الجمعة في شهر رمضان.
قلت: ومن يمشي خلف العقول ويخالف الرسول لا يقلد الأحكام الشرعية ولا يتقرب بتلاوة القرآن العظيم.
وفيها توفي محمد بن أحمد بن أبي موسى أبو علي الهاشمي البغدادي شيخ الحنابلة وعالمهم وصاحب التصانيف الكثيرة.
مات في شهر ربيع الآخر.
وفيها توفي مهيار بن مرزويه الديلمي أبو الحسن الكاتب الشاعر المشهور كان مجوسيًا فأسلم على يد الشريف الرضي وهو أستاذه في الأدب والنظم والتشيع.
اشتغل حتى مهر في الأدب والكتابة والتشيع حتى صار من كبار الشعراء الروافض.
قال أبو القاسم بن برهان النحوي: كان مجوسيًا فأسلم في سنة أربع وتسعين وثلاثمائة فقلت له: يا أبا الحسن انتقلت بإسلامك من زاوية في جهنم قال: وكيف قلت: لأنك كنت مجوسيًا ثم صرت تتعرض لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمجوسي والرافضي في النار.
انتهى.
قلت: وأما شعر مهيار ففي غاية الجودة.
فمن ذلك قوله: البسيط.
أستنجد الصبر فيكم وهو مغلوب ** وأسأل النوم عنكم وهو مسلوب
وأبتغي عندكم قلبًا سمحت به ** وكيف يرجع شيء وهو مـوهوب
أظلت علينا منك يومًا غمامة ** أضاء لها برق وأبطا رشاشهـــا
فلا غيمها يجلى فييأس طامع ** ولا غيثها يأتي فيروى عطاشـها
وفيها توفي الحسن بن عبد الله بن حمدان ناصر الدولة أبو المطالح التغلبي ويعرف بذي القرنين ووجيه الدولة.
ولي إمرة دمشق للحاكم بأمر الله ثم عزل عنها بلؤلؤ ثم أعيد إليها سنة خمس عشرة وأربعمائة من قبل الظاهر بن الحاكم ومات بها وقيل بمصر.
وكان شاعرًا أديبًا شجاعًا فصيحًا.
ومن شعره: الرمل.
موعدي بالبين ظنا أنني بالبين أشقى ما أرى بين مماتي وفراقي لك فرقا لا تهددني ببين لست منه أتوقى إنما يشقى ببين منك من بعدك يبقى أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع وثماني عشرة إصبعًا.
مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعًا وتسع أصابع.
فيها توفي عبد الرحمن بن عبد الله بن علي أبو علي العدل ويعرف بابن أبي العجائز ولد سنة أربعين وثلاثمائة بدمشق وبها مات في المحرم وكان ثقة سمع الحديث ورواه روى عنه غير واحد قال: وحدثنا محمد بن سليمان الربعي عن محمد بن تمام الحراني عن محمد بن قدامة قال: أتينا سفيان بن عيينة فحجبنا فجاء خادم لهارون الرشيد يقال له حسين في طلبه فأخرجه فقدنا إليه فقلنا: أما أهل الدنيا فيصلون إليك وأما نحن فلا نصل! فنظر إلينا وقال: لا أفلح صاحب عيال ثم أنشد: البسيط.
اعمل بعلمي ولا تنظر إلى عملي ينفعك علمي ولا يضررك تقصيري ثم قال: بم تشبهون قوله عليه الصلاة والسلام إخبارًا عن ربه تعالى: " ما أشغل عبدي ذكري عن مسألتي إلا أعطيته أفضل ما أعطي السائلين " فقلنا: قل يرحمك الله فقال قول القائل: الكامل - مجزوء.
وفتى خلا من ماله ومن المروءة غير خال أعطاك قبل سؤاله وكفاك مكروه السؤال وفيها توفي أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد الله العلوي الطلمنكي الحافظ كان إمامًا حافظًا محدثًا.
مات في ذي الحجة وله تسعون سنة.
وفيها توفي الحسن بن علي بن الصقر الإمام الكاتب المقرئ صاحب زيد بن أبي بلال الكوفي كان فاضلًا قرأ القراءات بالروايات وبرع في فنون.
وفيها توفي أبو الوليد يونس بن عبد الله بن محمد بن مغيث المقرئ القرطبي الفقيه المعروف بابن الصفار قاضي الجماعة كان من أوعية العلم كان فقيهًا محدثًا عالمًا زاهدًا.
مات في شهر رجب.
أمر النيل
في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وخمس أصابع.
مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعًا وعشرون إصبعًا.
السنة الثالثة من خلافة المستنصر وهي سنة ثلاثين وأربعمائة.
فيها سأل جلال الدولة الخليفة القائم بأمر الله أن يلقب ابنه لقبًا فلقبه الملك العزيز وكان مقيمًا بواسط.
قلت: وهذا أول لقب سمعناه من ألقاب ملوك الأتراك وغيرهم من ملوك زماننا.
وفيها استولى بنو سلجوق على خراسان والجبال وهرب منهم السلطان مسعود بن محمود بن سبكتكين إلى غزنة واقتسموا البلاد.
وهذا أول ظهور بني سلجوق الآتي ذكرهم في عدة أماكن.
وأصلهم أتراك من ما وراء النهر فزوج سلجوق ابنته من رجل يعرف بعلي تكين فأفسدوا على محمود بن سبكتكين البلاد بالنهب والغارات فقصدهم محمود بن سبكتكين فقبض على سلجوق المذكور وهرب علي تكين وطغرلبك واسمه محمد بن ميكائيل بن سلجوق وبقي طغرلبك في أربعة آلاف خركاه إلى أن توفي محمود بن سبكتكين واشتغل ابنه مسعود بن محمود بن سبكتكين باللهو.
فصار أمر طغرلبك ينمو إلى مسعودًا وهزمه واستولى على خراسان وولى أخاه داود مرو وسرخس وبلخ وولى ابن عمه الحسن بن موسى هراة وبوشنج وسجستان.
وولى أخاه لأمه إبراهيم ينال دهستان.
وعظم أمر طغرلبك إلى أن كان من أمره ما سنذكره في عدة أماكن إن شاء الله تعالى.
وفيها توفي أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الحافظ أبو نعيم الأصبهاني الصوفي والأحول سبط الزاهد محمد بن يوسف البناء كان أحد الأعلام جمع بين علو الرواية وكثرة الدراية ورحل إليه من الأقطار وألحق الصغار بالكبار وولد سنة ست وثلاثين وثلاثمائة بأصبهان.
واستجاز له أبوه طائفة من شيوخ العصر حتى تفرد في آخر عمره في الدنيا عنهم.
وفيها توفي عبد الملك بن محمد بن عبد الله الشيخ أبو القاسم البغدادي الواعظ.
كان مسند العراق في زمانه سمع الحديث وروى الكثير.
قال أبو بكر الخطيب: كتبنا عنه وكان ثقة ثبتًا صالحًا ولد سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة.
وفيها توفي موسى بن عيس بن أبي حاج الفاسي المقرئ الإمام أبو عمران الفاسي الدار الغفجومي النسب - وغفجوم: قبيلة من زناتة - البربري الفقيه المالكي نزيل القيروان وإليه انتهت رياسة العلم بها.
تفقه على أبي الحسن القابسي وهو أجل أصحابه ودخل الأندلس فتفقه على أبي محمد الأصيلي وسمع وحدث وحج غير مرة وكان من كبار العلماء.
وفيها توفي الفضل بن منصور أبو الرضا البغدادي المعروف بابن الظريف كان شاعرًا أديبًا.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وست أصابع مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعًا وعشرون إصبعًا.
السنة الرابعة من خلافة المستنصر وهي سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة.
فيها توفي محمد بن علي بن أحمد بن يعقوب بن مروان القاضي أبو العلاء الواسطي أصله من فم الصلح ونشأ بمدينة واسط.
وكان فقيهًا فاضلًا محدثًا سمع الحديث وولي القضاء.
ومات ببغداد في جمادى الآخرة من السنة.
وفيها توفي محمد بن الفضل بن نظيف أبو عبد الله المصري الفراء مسند الديار المصرية في زمانه سمع الكثير وتفرد بأشياء وروى عنه خلائق كثيرة.
ومات في شهر ربيع الآخر وله تسعون سنة.
وفيها شغب الأتراك وخرجوا بالخيم إلى شاطئ دجلة وشكوا من تأخر النفقة ووقوع الاستيلاء على إقطاعاتهم فعرف السلطان هذا فكاتب دبيس ابن علي بن مزيد وأبا الفتح بن ورام وأبا الفوارس بن سعد ثم كتب إلى الأتراك يلومهم.
وحاصل الأمر أن الناس ماجوا وانزعجوا ووقع النهب وغلت الأسعار وزاد الخوف حتى إن الخطيب صلى صلاة الجمعة بجامع براثا وليس وراءه إلا ثلاثة أنفس ونودي في الجمعة المقبلة: من أراد الصلاة بجامع براثا فكل ثلاثة أنفس بدرهم خفارة.
وفيها توفي القاضي أبو العلاء صاعد بن محمد بن أحمد الفقيه الاستوائي الحنفي قاضي نيسابور وفقيهها وعالمها كان إمامًا فقيهًا عالمًا عفيفًا ورعًا كثير العلم كان المعول على فتواه بنيسابور في زمانه.
ومات في هذه السنة.
قاله الذهبي رحمه الله.
الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال: وفيها توفي القاضي أبو العلاء صاعد بن محمد بن أحمد الفقيه الاستوائي الحنفي قاضي نيسابور وفقيهها والقاضي أبو العلاء محمد بن علي الواسطي المقرئ وأبو الحسن محمد بن عوف المزني في شهر ربيع الآخر وأبو عبد الله محمد بن الفضل بن نظيف المصري الفراء في شهر ربيع الآخر وله تسعون سنة وأبو المعمر مسدد بن علي الأملوكي خطيب حمص.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وعشر أصابع.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعًا وعشر أصابع.
السنة الخامسة من خلافة المستنصر وهي سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة.
فيها اتفق جلال الدولة مع قرواش وتحالفا وسكنت الفتنة بينهما.
وفيها توفي القاضي أبو العلاء صاعد المقدم ذكره في السنة الماضية في قول صاحب مرآة الزمان.
وفيها توفي أبو بكر محمد بن عمر بن بكير بن النجار كان إمامًا عالمًا محدثًا.
مات في هذه السنة.
وفيها توفي عبد الباقي بن محمد الحافظ أبو القاسم الطحان كان إمامًا فاضلًا فقيهًا محدثًا.
مات ببغداد في جمادى الأولى من هذه السنة.
الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال: وفيها توفي الحافظ أبو العباس جعفر بن محمد بن المعتز المستغفري وأبو القاسم عبد الباقي بن محمد الطحان ببغداد في جمادى الأولى وأبو بكر محمد بن عمر بن بكير النجار.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وعشر أصابع مثل الخالية.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعًا وعشرون إصبعًا.
السنة السادسة من خلافة المستنصر وهي سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة.
فيها توفي محمد بن جعفر ابن الحسين المعروف بالجهرمي أبو الحسين البغدادي المقرئ كان فاضلًا قارئًا أديبًا شاعرًا محدثًا.
ومن شعره: الكامل يا ويح قلبي من تقلبه أبدًا يحن إلى معذبه قالوا كتمت هواه عن جلد لو كان لي جلد لبحت به وفيها توفي السلطان مسعود ابن السلطان محمود بن سبكتكين أبو سعيد صاحب خراسان وغزنة وغيرهما.
كان ملكًا عادلًا حسن السيرة في الرعية سلك طريق أبيه في الغزو وفتح البلاد إلا أنه كان عنده محبة في اللهو والطرب.
وكان ولي الملك بعد موت أبيه السلطان محمود في ذي الحجة سنة إحدى وعشرين وأربعمائة فكانت مدة حكمه على بلاد الهند وغيرها اثنتي عشرة سنة إلا أشهرًا.
فيها توفى الأمير أنوشتكين الدزبري قسيم الدولة نائب الشام للمستنصر صاحب الترجمة كان خصيصًا عند المستنصر يندبه إلى المهمات وكان شجاعًا مقدامًا عظيم الهيبة حسن السياسة طرد العرب من الشام وأباد المفسدين ومهد أمور الشام حتى أمنت السبل في أيامه.
وقد قدمنا من ذكره نبذة في ترجمة المستنصر في هذا المحل.
ولما مات ولي دمشق بعده الأمير ناصر الدولة الحسن بن الحسين ابن عبد الله بن حمدان.
وفيها توفي الأمير أبو جعفر علاء الدولة بن كاكويه صاحب أصبهان.
ولي بعده منصور وأقام الدعوة والسكة للملك أبي كاليجار في جميع بلاد أبيه.
وفيها توفي سعيد بن العباس الحافظ أبو عثمان القرشي الهروي كان إمامًا فاضلًا محدثًا فقيهًا.
مات في المحرم من هذه السنة.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وعشرون إصبعًا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعًا وسبع عشرة إصبعًا.
وهي سنة أربع وثلاثين وأربعمائة.
فيها ورد الخبر من تبريز أن زلزلة عظيمة وقعت بها هدمت قلعتها وسورها وكثيرًا من دورها ومساكنها ونجا أميرها بنفسه.
واحصي من مات تحت الهدم فكانوا خمسين ألفًا ولبس الناس بها السواد وجلسوا على المسوح لعظم هذه المصيبة.
ثم زلزلت تدمر أيضًا وبعلبك فمات تحت الهدم معظم أهل تدمر.
وفيها توفي حمزة بن الحسن بن العباس الشريف العلوي أبو يعلى فخر الدولة.
ولي قضاء دمشق عن الظاهر العبيدي وهو الذي أجرى الفوارة بجيرون وبني قيساريه الأشراف وتعرف بالفخرية.
قال الشريف أبو الغنائم عبد الله بن الحسين: أنشدني لقس بن ساعدة في النجوم: الكامل.
علم النجوم على العقول وبال وطلاب شيء لا ينال ضلال ماذا طلابك علم شيء اغلقت من دونه الأبواب والأقفال افهم فما أحد بغامض فطنة يدري متى الأرزاق والآجال إلا الذي من فوق سبع عرشه فلوجهه الإكرام والإفضال وفيها توفي عبيد الله بن هشام بن سوار أبو الحسين من أهل داريا بدمشق كان إمامًا فاضلًا وفيها توفي عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن غفير أبو ذر الأنصاري الهروي المالكي الحافظ كان يعرف في بلده بابن السماك سمع الحديث ورحل إلى البلاد وكان إمامًا عالمًا فاضلًا سخيًا صوفيًا.
قال القاضي عياض: ولأبي ذر كتاب كبير مخرج على الصحيحين و كتاب السنة والصفات.
رحمه الله تعالى.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وسبع عشرة إصبعًا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعًا وست عشرة إصبعًا.
السنة الثامنة من الخلافة المستنصر وهي سنة خمس وثلاثين وأربعمائة.
فيها لم يحج أحد من العراق.
وحج الناس من مصر وغيرها.
وفيها توفي الحسين بن عثمان بن أحمد بن سهل بن أحمد بن عبد العزيز أبي دلف أبو سعد العجلي كان إمامًا محدثًا سافر إلى خراسان ثم عاد إلى بغداد وحدث بها ثم انتقل إلى مكة فتوفي بها في شوال.
وفيها توفي عبيد الله بن أحمد بن عثمان بن الفرج بن الأزهر أبو القاسم الصيرفي المحدث كان صالحًا ثقة مكثرًا في الحديث.
وفيها توفي السلطان أبو طاهر جلال الدولة بن بهاء الدولة فيروز بن عضد الدولة بويه بن ركن الدولة الحسن بن بويه.
ولد سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة.
وكان ملكًا محببًا للرعية حسن السيرة وكان يحب الصالحين.
ولقي في سلطنته من الأتراك شدائد.
ومات ليلة الجمعة خامس شعبان وغسله أبو القاسم بن شاهين الواعظ وأبو محمد عبد القادر بن السماك ودفن بداره في دار المملكة في بيت كان دفن فيه عضد الدولة وبهاء الدولة قبل نقلهما إلى الكوفة ثم نقل بعد سنة إلى مقابر قريش.
وكان عمره لما مات إحدى وخمسين سنة وشهرًا ومدة ولايته على بغداد ست عشرة سنة وأحد عشر شهرًا.
ولما مات كان ابنه الملقب بالملك العزيز بواسط فكتب إليه الخليفة القائم بأمر الله يعزيه فيه.
قلت: وجلال الدولة هذا أحسن بني بويه حالًا إن لم يكن رافضيًا على قاعدتهم النجسة.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع واثنتان وعشرون إصبعًا.
مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعًا وست أصابع.
وهي سنة ست وثلاثين وأربعمائة.
فيها دخل أبو كاليجار بغداد ولم يخرج الخليفة القائم بأمر الله إلى لقائه فنزل في دار المملكة وأخرج منها عيال جلال الدولة وضرب الدبادب على بابه في أوقات الصلوات الخمس فروسل بالاقتصار على ثلاثة أوقات كما كانت العادة فلم يلتفت إلى رسول الخليفة واستمرت الدبادب في خمسة أوقات.
وفيها توفي الحسين بن علي بن محمد بن جعفر أبو عبد الله الصيمري العلامة.
ولد سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة وكان أحد الفقهاء الحنفية الأعلام كان جيد النظر حسن العبارة وافر العقل صدوقًا ثقة انتهت إليه رياسة الحنفية ببغداد وولي القضاء بالمدائن وغيرها وكان في ولايته نزهًا عفيفًا دينًا ورعًا.
مات ليلة الأحد حادي عشرين شوال ودفن في داره بدرب الزرادين.
وفيها توفي عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن أبو محمد الأصبهاني ويعرف بابن اللبان كان صائمًا قائمًا صدوقًا ثقة أحد أوعية العلم وله التصانيف الحسان.
وفيها توفي علي بن الحسن بن إبراهيم أبو الحسن الصوفي الوكيل كان دينًا خيرًا سكن مصر وبها كانت وفاته في شعبان.
وفيها توفي محمد بن أحمد بن بكير أبو بكر التنوخي الخياط الدمشقي كان يؤم بمسجد أبي وفيها توفي محمد بن علي بن الطيب أبو الحسين البصري المتكلم سكن بغداد ودرس بها على مذهب المعتزلة وله تصانيف كثيرة: منها المعتمد في أصول الفقه لم يصنف في فنه مثله.
وفيها توفي محسن بن محمد بن العباس الشريف الحسيني كان نقيب الطالبيين بدمشق وولي القضاء بها بعد أخيه لأمه فخر الدولة نيابة عن أبي محمد القاسم بن النعمان قاضي قضاة خليفة مصر.
ومات بدمشق في المحرم.
وفيها توفي علي بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه الشريف أبو طالب العلوي الموسوي المعروف بالشريف المرتضى نقيب الطالبيين ببغداد وهو أخو الشريف الرضي.
قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: وكل منهما رافضي وكان المرتضى أيضًا رأسًا في الاعتزال كثير الإطلاع والجدل.
ثم ذكر كلامًا عن ابن حزم في هذا المعنى أنزه الشريف عن ذكره مراعاة لسلفه الطاهر لا لاعتقاده القبيح في الصحابة.
وكان الشريف المرتضى عالمًا فاضلًا أديبًا شاعرًا.
ومن شعره من جملة قصيدة قوله: الخفيف ضن عني بالنزر إذ أنا يقظا - - ن وأعطى كثيره في المنام والتقينا كما اشتهينا ولا عي - - ب سوى أن ذاك في الأحلام وكانت وفاة الشريف في يوم الأحد الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول.
وفيها توفي محمد بن عبد الله بن أحمد أبو الوليد المرسي يعرف بابن منقذ حدث عن سهل بن إبراهيم وغيره وكان عالمًا فاضلًا ورعًا محدثًا صدوقا ثقة.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثماني أذرع وسبع عشرة إصبعًا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعًا وعشرون إصبعًا.
السنة العاشرة من خلافة المستنصر معد على هصر وهي سنة سبع وثلاثين وأربعمائة.
فيها مات بواسط نصراني يقال له ابن سهل وأخرجت جنازته نهارًا فثارت العامة بالنصارى وجردوا الميت وأحرقوه ومضوا إلى الدير فنهبوه.
وكان الملك العزيز بن جلال الدولة بن بويه بواسط وعمه الملك أبو كاليجار ببغداد ولم يكن له تلك الهيبة وكانوا قد أحسوا بانقراض دولة بني بويه بظهور طغرلبك السلجوقي صاحب خراسان فلم ينتطح في ذلك شاتان.
وفيها جهز المستنصر صاحب الترجمة جيشًا من مصر إلى حلب فحصروا ابن مرداس فيها واستظهروا عليه فاستنجد بالروم فلم ينجحوه.
وقد تقدم ذكر هذه الواقعة في ترجمة وفيها لم يحج أحد من العراق.
وحج الناس من مصر وغيرها.
وفيها توفي الحسن بن محمد بن أحمد أبو محمد الدمشقي المعروف بابن السكن كان عابدًا زاهدًا.
صام الدهر وله اثنتا عشرة سنة من العمر وعاش سبعًا وثمانين سنة.
وكان لا يشرب الماء في الصيف وأقام سنة وخمسة أشهر لا يشربه.
فقال له طبيب: معدتك تشبه الآبار في الصيف باردة وفي الشتاء حارة.
وفيها توفي محمد بن محمد بن علي ابن الحسن بن علي بن إبراهيم بن علي بن عبد الله بن الحسين الأصغر أبو الحسن العلوي الحسيني البغدادي النسابة شيخ الأشراف.
كان فريدًا في علم الأنساب وله تصانيف كثيرة وله شعر.
وفيها توفي مكي بن أبي طالب حموش بن محمد بن مختار الإمام أبو محمد القيسي القيرواني ثم القرطبي المقرئ شيخ الأندلس في زمانه حج وسمع بمكة وغيرها.
وكان إمامًا عالمًا محدثًا ورعًا صنف الكثير في علوم القرآن.
ومولده بالقيروان سنة خمس وخمسين وثلاثمائة.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبع أذرع وسبع أصابع.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعًا وعشرون إصبعًا.
وهي سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة.
فيها أغارت الترك على ما وراء النهر واستولوا على بخارى وسمرقند وخوارزم فقطع طغرلبك جيحون.
وبعث أخاه إبراهيم إلى العراق فاستولى على حلوان ثم عاد إلى الري.
والتقى طغرلبك فهزمهم وعاد إلى خراسان.
وفيها زلزلت أخلاط وديار بكر زلازل هدمت القلاع والحصون وقتلص خلقًا كثيرًا.
وفيها لم يحج أحد من العراق.
وحج الناس من مصر والشام.
وفيها توفي عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن حيويه الجويني الشافعي والد أبي المعالي الجويني.
وجوين بضم الجيم: بلدة من أعمال نيسابور.
وأصلهم من العرب من بني سنبس.
سمع الحديث وتفقه بمرو على القفال وصنف التصانيف الكثيرة.
ومات بنيسابور.
وفيها توفي محمد بن يحيى بن محمد أبو بكر.
كان أصله من قرية بالعراق يقال لها الزيدية.
كان عالمًا بالقرآن والفرائض وسمع الحديث.
ومات في شهر رمضان.
قال أبو بكر الخطيب: كتبت عنه وكان ثقة.
وفيها توفي الحسن بن محمد بن إبراهيم أبو علي البغدادي المالكي المقرئ العالم المشهور مصنف الروضة.
كان عالمًا بالقراءات وغيرها مفتنًا.
مات في هذه السنة.
الماء القديم ست أذرع وعشر أصابع.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعًا وتسع عشرة إصبعًا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق