الاثنين، 22 مارس 2010

اليهود و اليهودية :الثنائية الصلبة والسـيولة الشـاملة وما بعد الحداثة



الباب السابع: الثنائية الصلبة والسـيولة الشـاملة وما بعد الحداثة


الواحدية الذاتية والموضوعية والثنائية الصلبة: نمط حلولى مادى عام
العلمانية الشاملة (وحدة الوجود المادية) هي منظومة حلولية كمونية تتبع نفس نمط النماذج الحلولية الكمونية الواحدية المادية. وتصاعد معدلات العلمنة والتحديث هي في جوهرها تصاعد معدلات الحلولية الكمونية، ومن ثم نجد أن متتالية الحلولية الأساسية (واحدية ذاتية ـ واحدية موضوعية ـ ثنائية صلبة تمحى لتهيمن الواحدية الموضوعية المادية ـ الانتقال من الصلابة للسيولة) تتبدى حلقاتها داخل الفكر والمجتمع العلماني. وتبدأ المتتالية بإعلان أن العالم (الإنسان والطبيعة) يحوي داخله ما يكفي لتفسيره وأن هناك كلاً ثابتاً متجاوزاً ذا غرض وغاية، ولكنه رغم أن هذا الكل يتسم بالتجاوز إلا أنه يوجد داخل عالمنا المادي (الحياة الدنيا) في الزمان والمكان. هذا يعني أنه يوجد نقطتا انطلاق للمنظومة التحديثية: الذات والموضوع، أو الإنسان والطبيعة.

1 ـ الواحدية الذاتية: وتنقسم إلى عدة مراحل:

أ ) الواحدية الإنسانية (الهيومانية(:

نقطة الانطلاق الأولى لمشروع التحديث والعلمنة الغربي هي الإيمان بضرورة أن يواجه الإنسان الكون دون وسائط، حراً تماماً من قيود الحضارة والتاريخ والأخلاق، يرفض أية غيبيات أو ثوابت أو مطلقات متجاوزة لعالمه المادي ولحدود عقله. فالإله إما غير موجود، وإن وُجد فهو لا يتدخل في شئون هذه الدنيا، ويتركها للإنسان يسيرها حسب ما يراه. وهو إنسان متمركز تماماً حول ذاته التي لا حدود لها ولا قيود عليها، يرفض كل القيم القَبْلية والتعميمات والتجريد، يعيش حسب قوانينه الخاصة الفريدة النابعة من ذاته. فهو مرجعية ذاته ومقياس كل شيء لا يمكن محاسبته بأية معايير خاصة. والعقل بوسعه من خلال التعامل مع الواقع الطبيعي والتاريخي، ودون أية حاجة إلى وحي إلهي، أن يصل إلى تفسير كلي شامل لهذا العالم وأن يولِّد المنظومات المعرفية والأخلاقية والجمالية اللازمة لأن يسيِّر حياته. وهذا يعود إلى وجود تماثل كامل بين قوانين العقل وقوانين الطبيعة. وعقل الإنسان الرشيد يولِّد لغة رشيدة، يمكنه من خلالها التواصل والحوار ومراكمة المعرفة، ويمكنه أن يدرس التاريخ (ثمرة احتكاك الإنسان بالطبيعة) فيزداد الإنسان وعياً وإدراكاً لما حوله ويزداد تقدُّمه.

كل هذا يعني وجود حقيقة كلية (قصة عظمى) وأن الإنسان هو الذي يدركها ويعيها، فهو إذن الكل الثابت المتجاوز. لكل هذا يعلن الإنسان أنه سيِّد الكون والمخلوقات بلا منازع، ومركز العالم بلا منافس، يتجاوز كل شيء ولا يتجاوزه شيء، لديه نزعة بروميثية فاوستية لأن يبتلع الكون بأسره ويهزمه ويُسخِّره، فهو إنسان إمبريالي كامل، الطبيعة بالنسبة له مجرد مادة استعمالية يهزمها ويُسخِّرها ويحوسلها. انطلاقاً من هذا الافتراض، يحاول هذا الإنسان أن يؤكد جوهره الإنساني (المستقل عن الطبيعة، السابق عليها)، وأن يتجاوز الطبيعة/المادة، بل طبيعته المادية نفسها، بقوة إرادته، وأن يفرض ذاته الإنسانية عليها، باسم إنسانيتنا المشتركة، أي باسم الإنسانية جمعاء (تأليه الإنسان وإنكار الطبيعة والإله). وقد وُلد من رحم هذه الرؤية المشروع التحديثي في مراحله البطولية الأولى، والفكر الإنساني الهيوماني وفكر حركة الاستنارة.

ب) الواحدية الإمبريالية والعرْقية:

يتحدث الإنسان الذي يؤكد جوهره الإنساني باسم كل البشر. ولكن في غياب أية مرجعية متجاوزة لذاته الفردية، ينغلق الإنسان على هذه الذات، فيصبح تدريجياً إنساناً فرداً لا يفكر إلا في مصلحته ولذته، ولا يشير إلى الذات الإنسانية وإنما إلى الذات الفردية. حينئذ تصبح الذات الفردية، لا "الإنسانية جمعاء"، هي موضع الحلول، فيؤله الإنسان الفرد نفسه في مواجهة الطبيعة وفي مواجهة الآخرين ويصبح إنساناً إمبريالياً. وحينما يستمد هذا الإنسان الإمبريالي معياريته من ذاته الإمبريالية التي تستبعد الآخرين يصبح إنساناً عنصرياً يحاول أن يستعبد الآخرين ويوظفهم، بل يوظف الطبيعة نفسها لحسابه. وهنا تظهر الثنائية الصلبة، ثنائية الأنا والآخر (تأليه الإنسان الغربي وإنكار الآخرين(.

2 ـ الواحدية الموضوعية المادية:

نقطة الانطلاق الثانية لمشروع التحديث والعلمنة الغربية هي الطبيعة/المادة، التي تصبح هي الأخرى مرجعية ذاتها، وموضع الحلول والكمون، ومركز الكون (اللوجوس)، قوانينها تتجاوز كل شيء ولا يتجاوزها شيء، وهي قوانين لا هدف لها ولا غاية، ولا تمنح الإنسان أية أهمية خاصة، وهو ما يعني أسبقية الطبيعة/المادة على كل شيء، وضمن ذلك الإنسان، كما يعني أن الكل الثابت المتجاوز هو في واقع الأمر الطبيعة/المادة (تأليه الطبيعة وإنكار الإله والإنسان). ومن رحم هذه الرؤية ظهرت الاستنارة المظلمة، التي ترى أن المشروع التحديثي (في إطار العلمانية الشاملة) هو في جوهره مشروع تفكيكي لا يؤدي إلى تأكيد مركزية الإنسان وإنما إلى رده إلى ما هو دونه (الطبيعة/المادة)، وإلغائه تماماً كمقولة مستقلة مركزية في النظام الطبيعي. فإذا كان الإنسان الحديث إنساناً عقلانياً مادياً حقاً كما يزعم، فعليه أن يتبنَّى رؤية علمية مادية موضوعية تجاه ذاته الإنسانية. ولكن المعرفة العلمية المادية معرفة موضوعية تنبع من نموذج الطبيعة/المادة، ولذا فهي ترفض الغائيات الإنسانية والخلقية. والحقيقة العلمية المادية منفصلة تماماً عن القيمة، والعقل (المادي) الذي يقوم بعملية مراكمة المعلومات وتطبيقها أداة تفكيكية لا تحترم الخصوصيات والأسرار ولا تهتم إلا بالتشابه والتجانس والنفع. وهذه المعرفة العلمية المادية (رغم تَجاوُّزها للإنسان وعدم اكتراثها به) ستُطبَّق على الإنسان لترشيده وترشيد حياته ثم لتفكيك العالم وتفكيك الذات الإنسانية.

وتنشـأ في إطار هذه المنظومة التحديثية العلمانية الشاملة، ذات نقطتي البدء، ثنائية صلبة وحالة استقطاب شـديد بين نموذجين: النموذج المتمركز حول الذات الإنسانية (المتألهة المطلقة المغلقة) التي تصبح مرجعية ذاتها ومرجعية الكون، والنموذج المتمركز حول الطبيعة/المادة (المتألهة المطلقة المغلقة) التي تصبح بدورها مرجعية ذاتها ومرجعية الكون.
ولإلقاء مزيد من الضوء على عملية الصراع بين النموذجين في مرحلة الثنائية الصلبة (التمركز حول الذات والتمركز حول الموضوع)، سنورد بعض معالم كل نموذج وتجلياته، وسنرمز للتمركز حول الذات بالحرف (أ) والتمركز حول الموضوع بالحرف (ب):

1ـ أ) التمركز حول الذات ووهم انتصار الذات على الموضوع والواحدية الذاتية، الإنسانية الهيومانية والإمبريالية (تأله الإنسان وإنكار الكون).

ب) ذوبان الذات في الطبيعة تدريجياً واختفاؤها وانتصار الموضوع وهيمنة الواحدية الموضوعية المادية (تأليه الكون وتكيف الإنسان مع الطبيعة وإذعانه لها، وإنكار الإنسان).

2ـ أ) مركز الكون كامن في الإنسان، والإنسان مرجعية ذاته.

ب) مركز الكون كامن في الطبيعة، والطبيعة مرجعية كل شيء، وضمن ذلك الإنسان، ولذا يفقد الإنسان مركزيته.
3ـ أ) الإنسان مقياس كل شيء، والإرادة هي إرادة القوة.

ب) القوانين الواحدية المادية تسري على الإنسان سريانها على الطبيعة.

4ـ أ) الطبيعة مادة يُسخِّرها الإنسان لاستعماله (فهي مجرد وسيلة بالنسبة للإنسان).

ب) الإنسان جزء من الطبيعة، ولذا فهو يُسخَّر في خدمة الموضوع، ويتحوَّل الإنسان (الغاية) إلى مجرد موضوع.

5ـ أ) الذاتية الكاملة والاهتمام فقط بالعالم الجواني وبخبايا ذات الإنسان وأبعاده المركبة والمظلمة.

ب) الموضوعية المصمتة والاهتمام فقط بالعالم البراني وبسطح الأشياء وبالسلوك.

6ـ أ) الخصوصية المفرطة ورفض كل التجريدات والتعميمات والإصرار على الشواهد المادية المحسوسة.

ب) العمومية المفرطة وتقبُّل المجردات والكليات اللاإنسانية والإذعان لها.

كما يأخذ الصراع بين النموذجين الأشكال التالية:

7ـ أ) الصدفة وعدم التحكم واختفاء المعيارية.

ب) الضبط الكامل للواقع والتحكم فيه والمعيارية الصارمة.

8ـ أ) الإبهام وعدم التحدد وعدم الفهم والشك الكامل.

ب) الوضوح الكامل والتحدد الموضوعي، والفهم الكامل لعالم الأشياء، واليقينية الكاملة.

9ـ أ) التعددية المفرطة وزيادة المعطيات الحسية.

ب) التنميط وظهور حضارة قطع الغيار.

ولكن رغم الصراع بين الطرفين يظل هناك مركز واحد، إما الإنسان أو الطبيعة/المادة، هو مصدر الوحدة والتماسك، هو الكل الثابت المتجاوز (الإنساني والطبيعي/المادي) الذي يتسم بجميع سمات الكل في النظم الميتافيزيقية.

الواحدية الذاتية والموضوعية والثنائية الصلبة فى الحضارة الغربية (عصر التحديث والحداثة)
نمط الواحدية الذاتية والموضوعية والثنائية الصلبة هو النمط السائد في الحضارة الغربية الحديثة منذ عصر النهضة حتى منتصف الخمسينيات تقريباً (حين تبدأ المرحلة السائلة الشاملة). ويتبدى النمط في المفاهيم الفكرية السائدة والتطور التاريخي والواقع الاجتماعي والحضاري اليومي. ولنا أن نلاحظ أن الطبيعة/المادة تتحول إلى المطلق العلماني والتنويعات المختلفة عليه (الحتمية التاريخية ـ حركة التاريخ ـ إرادة الشعب ـ الفولك ـ إرادة القوة ـ عبء الرجل الأبيض ـ الدولة المطلقة ـ السوق/المصنع ـ قوانين العرض والطلب). أما الإنسان فبدلاً من أن يصبح الإنسان الطبيعي/المادي فإنه يصبح الإنسان الاقتصادي أو الإنسان الجسماني أو الإنسان الاشتراكي أو الإنسان القومي. ورغم تغيُّر الأسماء فالمسميات واحدة والنمط واحد: فالإنسان (القومي أو الاشتراكي) يحاول أن يؤكد ذاته بشكل مطلق وينتهي به الأمر أن يُستوعَب في إحدى المطلقلات العلمانية بشكل كامل. وفي هذا المدخل سنحاول أن ندرس تبديات النمط على هذه المستويات الفكرية والتاريخية والاجتماعية وسنرمز للتمركز حول الذات الإنسانية بالحرف (أ) والتمركز حول الموضوع المادي بالحرف (ب(.

1 ـ النزعة الإنسانية والنزعة الطبيعية المعادية للإنسان:

أ ) بدأ تاريخ الفلسفة الغربية الحديثة بالفلسفة الإنسانية الهيومانية التي تتمركز حول الإنسان وتضعه بشكل كامل فوق الطبيعة، باعتبار أن له عقلاً قادراً على توليد معياريته وقيمه وغائيته من داخله يعيش في حالة حرية كاملة وإرادة واعية. فالإنسان، أو الإنسانية جمعاء، هي موضع الحلول ومركز الكون. ثم تحوَّلت هذه الهيومانية تدريجياً إلى فلسفة إنسانية غربية متكبرة متعجرفة تحوسل الطبيعة وتحلم بالتحكم الكامل في الكون. ثم أصبح الإنسان الغربي هو وحده هذا المركز (فالإنسانية جمعاء، مفهوم ميتافيزيقي، ماهيةً وجوهراً، متجاوز لعالم الطبيعة/المادة، والزمان والمكان). ومن ثم، بدلاً من توظيف الطبيعة وتسخيرها للإنسانية جمعاء بدأ الإنسان الغربي في حوسلة بقية البشر والطبيعة باسم حقوقه المطلقة وباسم تفوقه الحضاري. فتحولت الهيومانية إلى إمبريالية كاملة لا تعترف إلا بالقوة والتفوق العرْقي باعتبارها المعايير الوحيدة. وهكذا تدهورت الهيومانية الغربية إلى إمبريالية وعرْقية وعداء صريح للآخر وللإنسان ككل.

ب) كانت الفلسفة الغربية منذ البداية تحوي نموذجاً متمركزاً حول الطبيعة/المادة والإنسان الطبيعي (ماكيافللي ـ هوبز ـ المادية الميكانيكية ـ العدمية ـ التجريبية) ولكنه كان هامشياً. وبالتدريج، تراجع النموذج المتمركز حول الإنسان وتزايد التمركز حول الموضوع وانتهى الأمر بظهور نزعة واحدية مادية معادية للإنسان تطالبه بأن ينفض عن نفسه وهم الكون المتمركز حول الإنسان والوهم الهيوماني القائل بحرية الإنسان وبمقدرته على توليد معياريته وغائياته من داخل ذاته، وتُبيِّن له أن الطريق الوحيد أمامه هو أن يُذعن للقوانين المادية الحتمية المنفصلة عن القيم والغائيات الإنسانية (وهو ما يعني النفي الكامل للحرية) وأن يستمد منها معياريته. ثم سادت النماذج الكمية التكنوقراطية.

2 ـ المفهوم الكالفني للإله:

أ ) الإله يُعبِّر عن نفسه في شواهد مادية محسوسة تزيد يقين المؤمن بخلاصه واصطفائه، وهو إله يذوب في الأفراد ويتجسد من خلالهم (انتصار الذات(.

ب) الإله لا يُسبَر له غور، فهو يختار من يشاء ومتى يشاء دون سبب واضح، ولا يكترث بالأفراد، فهو إله متمركز حول ذاته غير الإنسانية (انتصار الموضوع على الذات(.

3 ـ الإنسان البروتستانتي:

أ ) هو فرد مختار يغزو العالم باسـم الإله (فهو تَجسُّد للإله)، واثق من نفسـه ومن مقدرته على الغزو (تمركز حول الذات(.

ب) ولكنه فرد يعيش في حالة عدم أمن وفي خوف كامل مما حوله، فهو غير متأكد من رضاء الإله عنه ومن الخلاص، وهو دائم البحث عن شواهد في العالم المادي تقوم دليلاً على هذا الرضا وهذا الاختيار. والثروة من أهم علامات الاختيار، ولذا فهو يلهث دائماً وراءها لا يكف عن مراكمتها (تمركز حول الموضوع(.

4 ـ ثنائية العقل الإمبريالي النيتشوي والعقل الأداتي البرجماتي (النفعية الداروينية(:

أ ) يستطيع العقل المادي أن ينظر إلى نفسه باعتباره تجسيداً لقوانين الطبيعة/المادة، وللمعيارية المشتقة منها والتي تتجاوز القيم والغائيات الأخلاقية والإنسانية. ولذا يتخلى هذا العقل تماماً عن مفهوم الإنسانية العامة أو المشتركة أو الإنسانية جمعاء باعتباره مفهوماً غائياً أخلاقياً ميتافيزيقياً يمثل شكلاً من أشكال الثبات داخل حركة المادة وصيرورتها، وشكلاً من أشكال التجاوز لقوانين الطبيعة/المادة. ويعلن هذا العقل أنه فوق الجميع وأنه مرجعية ذاته، ويصبح من حق العقل الإمبريالي المطلق أن يفعل ما يشاء للدفاع عن مصالحه وتحقيقها، ومن ذلك توظيف الآخرين وحوسلتهم. هذا العقل الإمبريالي هو عقل السوبرمن من أعضاء النخبة، ممن هم فوق الإنسان. ولكن العقل الإمبريالي الذي يُوظِّف يفترض وجود المادة التي تُوظَّف، ومن هنا يظهر العقل الثاني.

ب) العقل المادي يمكنه أن ينظر إلى نفسه باعتبار أن وظيفته الأساسية هي التكيف مع المعيارية الطبيعية/المادية والإذعان لقوانين الطبيعة/المادة، وحينئذ يصبح العقل المادي عقلاً أداتياً، أي عقل السبمن من أعضاء الجماهير، ممن هم دون الإنسان الذين يؤدون ما يوكل لهم من أعمال ويُوظَّفون في خدمة السوبرمن دون تساؤل عن المضمون الأخلاقي والإنساني للأوامر التي أتتهم من عل. وهؤلاء السبمن لهم أسماء برجماتية مختلفة: الإنسان البرجماتي ـ الإنسان الوظيفي ـ الإنسان الاقتصادي ـ الإنسان ذو البُعد الواحد ـ الإنسان المُرشَّد أو المُدجَّن ـ الإنسان المُتشيِّئ، وهو إنسان يمكن توظيفه وحوسلته بسهولة ويسر، فهكذا يدرك ذاته وهكذا يرى نفسه.

5 ـ السوبرمان super-man )بالألمانية: أوبرمنش Ubermensch) (ما فوق الإنسان) والسبمان sub-man )بالألمانية: أونترمنش Untermensch) (ما دون الإنسان( :

أ ) يُلاحَظ ظهور شخصيات بطولية خارقة ذات إرادة مستقلة مثل الزعامات الكاريزمية العلمانية التاريخية (المخلِّص العلماني: هتلر ـ روبسبيير ـ ستالين ـ فورد ـ روكفلر). وتظهر شخصيات مماثلة في الأدب والسينما (فاوستوس ـ ماكبث ـ بروميثيوس ـ باتمان ـ سوبرمان ـ طرزان). وقد ظهر في عصر النهضة دون كيشوت الذي يتمركز تماماً حول ذاته ولا يرى إلا طواحين الهواء غير الموجودة وعالم الفروسية والمثاليات الذي انقضى.

ب) يُلاحَظ ظهور شخصيات نمطية ليس لها ملامح مستقلة تتبع ما يصدر لها من أوامر ولا تتمتع بأية مقدرة على التجاوز، وأيخمان هو مثل تاريخي جيد لذلك. وكذلك الإنسان العادي في الأدب الواقعي، والشخصيات التي تحاصرها ظروفها الاجتماعية أو الوراثية، ومادونا إنسان طبيعي تماماً لا تعاني من أي تركيب. كما ظهرت شخصيات دون الإنسان (دراكيولا ـ فرانكنشتاين ـ كنج كونج... إلخ). وكما ظهر دون كيشوت في عصر النهضة، ظهر معه سانخوبانزا الذي لا يرى إلا حماره، والطريق عند قدميه، ومصلحته المادية.

6 ـ حلم اليوتوبيا التكنولوجية (ونهاية التاريخ(:

أ) يحلم الإنسان بعالم منظم تماماً خاضع للقوانين التي سيكتشفها الإنسان ويتحكم فيها من خلال التكنولوجيا المتقدمة والتطور العلمي المذهل، فيصبح سيد الكون، ويُنهي الصراعات الطبقية والانحرافات الذاتية عن مسار التاريخ، وينتهي التاريخ كما نعرفه ويبدأ تأريخ جديد منظم عقلاني مفهوم تتحد فيه الذات بالموضوع والتاريخ بالطبيعة والفكرة المطلقة بالمادة (على حد قول هيجل(.

ب) يتحقق الحلم فيجد الإنسان نفسه يعيش في عالم تحكمه قواعد وإجراءات بيروقراطية صارمة. وحين تتحد الذات بالموضوع وتُمحَى كل الفوارق بينهما تصبح الذات موضوعاً وتدعم القوانين الموضوعية، أي أن القواعد والإجراءات البيروقراطية الصارمة، تتجاوز الإنسان وتتحكم فيها ولا يتحكم فيها وتسيطر عليه ولا يسيطر عليها، فاليوتوبيا التكنولوجية البيروقراطية آلة ضخمة تسيطر على الجميع ولا يسيِّرها أحد.

7 ـ الاشتراكية الإنسانية والاشتراكية العلمية:

أ ) بدأ الفكر الاشتراكي بالحديث عن ضرورة الدفاع عن الإنسان الذي يتزايد اغترابه عن جوهره الإنساني في المجتمع الرأسمالي الذي يطحن الإنسان الفرد ويُحيِّده ويُشيِّئه ويُنمِّطه ويؤدي إلى اختفائه من خلال آليات السوق والعرض والطلب، ومن خلال وسائل الإعلام وهيمنة الدولة على الفرد.

ب) وفي الوقت نفسه تُوجَد داخل الفكر الاشتراكي منذ البداية اتجاهات علمية مادية (مرجعية كامنة) تتصارع مع المرجعية الإنسانية المتجاوزة. فبدأ تهميش النزعة الإنسانية تدريجياً وتعاظمت النزعة العلمية المادية وانتهى الفكر الاشتراكي بالحديث عن أسبقية الطبقة على الشعب وأسبقية الحزب على الجميع وضرورة التخطيط العلمي الشامل الصارم وإعادة صياغة الواقع على هدي قوانينه المادية الجدلية التي لا تكترث كثيراً بالإنسان الفرد. وتصل هذه النزعة العلمية إلى قمتها في ممارسات ستالين وفكر ألتوسير.

8 ـ حركة التمركز حول الأنثى:

أ ) تبدأ الحركة بتمركز الأنثى الكامل حول ذاتها فترفض عالم الرجال تماماً وتطالب بتعديل التاريخ البشري واللغة الإنسانية، وتؤكد أن الأنثى هي الأصل وهكذا.

ب) ينحل هذا التمركز ويذوب وتظهر الدعوة إلى الجنس الواحدي unisex، ولذا بدلاً من المرأة المتمركزة حول نفسها تتمركز حول شيء مجرد لا وجود له.


9 ـ النسبية الأخلاقية والمعرفية:

أ ) النسبية الأخلاقية والمعرفية تعني أن الإنسان يحكم على الأمور بالطريقة التي ترضيه هو وبما تمليه عليه مصالحه وتحقق أقصى حرية لنفسه ويدرك العالم من خلال مقولاته الإدراكية الخاصة (تمركز حول الذات).

ب) ولكن هذا يعني أن الآخرين لهم نفس الحريات ويتحركون هم أيضاً خارج أية حدود، ويعني سقوط أية مرجعيات أخلاقية متجاوزة، وهو ما يعني سيادة إرادة القوة وانتشار حالة من الفوضى تنفي الحرية تماماً (التمركز حول الموضوع). كما أن الإنسان الذي يعلم أنه يدرك العالم من خلال مقولاته الإدراكية الذاتية يدرك أنه ليس له فعالية خارج ذاته، ومن ثم يفقد الثقة في نفسه ويهتز ويفقد قدرته على اتخاذ القرار.

10 ـ القومية الإثنية العضوية:

أ ) القومية العضوية هي قومية تمنح أصحابها حقوقاً مقدَّسة مطلقة لا يمكن أن يتساءل أحد بشأنها، وهي فريدة في خصائصها لا يمكن أن يضاهيها أحد (تمركز حول الذات).

ب) أعضاء القومية العضوية يصبحون جزءاً عضوياً لا يتجزأ من الذات القومية التي تُعبِّر عنهم ولا يملكون من أمرهم شيئاً. وأعضاء القوميات الأخرى يصبحون بلا حقوق (تمركز حول الموضوع).

ونموذج التمركز حول الذات وحول الموضوع لا يتبدى في الأفكار والرؤى الأساسية الغربية الحديثة وحسب بل يتبدى أيضاً على مستوى الواقع التاريخي والاجتماعي.


11 ـ الإنسان في السوق الرأسمالية بين الحرية الكاملة والحتمية الشاملة:

أ ) الإنسان داخل إطار اقتصادي، فرد حر تماماً يذهب إلى السوق ليبيع ويشتري في حرية كاملة، ولا يمكن لأحد أن يتدخل في حريته (من الناحية النماذجية المثالية)، ولا حتى الدولة أو المجتمع. وهو، كرأسمالي، حر تماماً في استثمار أمواله أو عدم استثمارها، والعامل حر تماماً في بيع عمله أو عدم بيعه.

ب) الإنسان يختفي تماماً ويتشيأ ويُحيَّد إذ تسيطر على السوق اليد الخفية (الحديدية) وآليات العرض والطلب، كما يسيطر على المصنع خط التجميع وإيقاع آلي غير إنساني. والرأسمالي نفسه خاضع تماماً لحتميات السوق لا يمكنه أن يمارس إرادته الحرة. وكذا العامل، فهو أيضاً حر من الناحية النظرية، في أن يبيع عمله أو يمتنع عن ذلك، ولكنه فعلياً لا يملك إلا أن يبيعه حسب قوانين العرض والطلب.

12 ـ الإنسان في الدولة الاشتراكية بين الحرية الكاملة والحتمية الشاملة:

أ) الإنسان في الدولة الاشتراكية هو إنسان يود أن يلغي الطبقات ويحقق المساواة الكاملة ثم يلغي الدولة نفسها ليعيش حراً تماماً من كل قيود وظلم واستغلال.

ب) ما حدث هو أن الدولة في النظم الاشتراكية تغولت ودعمت وجود الطبقات وفرضت على الإنسان قدراً من القيود لم ير مثله الإنسان من قبل أو بعد.

13 ـ ثنائية الحياة الخاصة والحياة العامة:

أ ) بدأت الحياة الحديثة في الغرب بإعلان ظهور الإنسان الفرد الذي لا يذعن في حياته الخاصة لأية قوانين، ولا ينضوي داخل إطار أية مؤسسات ويُحقق في رقعة الحياة الخاصة خصوصيته وتَفرُّده وإبداعه. وعلى المستوى الاجتماعي، أُعلن أن الإنسان قادر على ممارسة إبداعه وإعمال عقله وهو ما يمكِّنه من الوصول إلى منظومات معرفية يمكنه من خلالها ترشيد بيئته ومجتمعه وذاته وتعظيم لذته ومنفعته والتحكم في كل شيء.

ب) أخذت عمليات الترشيد في التوسع التدريجي حتى اقتحمت حياة الإنسان الخاصة واستعمرتها (على حد قول هابرماس)، وتم إخضاعها للقوانين الرشيدة العامة وكذلك تنميطها، فظهر الإنسان ذو البُعد الواحد المتشيئ الذي لا يعرف أية خصوصية؛ إنسان بلا باطن، خاضع تماماً لعمليات الحوسلة والتغير. ومن ثم، أدَّت عمليات الترشيد إلى هيمنة الشمولية وتَغوُّل الدولة والمؤسسات البيروقراطية اللاشخصية على الإنسان، وتنميط حياته اليومية، وإعلان نهاية التاريخ والإنسان.

14 ـ التقاليد (الموضة(:

أ ) تُعبِّر مسايرة التقاليد (الموضة) عن رغبة الإنسان العلماني (الطبيعي) في التجديد المستمر والتنوع والتعبير عن ذاته وإرادته. وهذا تعبير عن التمركز حول الذات.

ب) ولكن هذه التقاليع (الموضة) ليست ثمرة الإبداع الشخصي للإنسان، بل تقوم بها مؤسسات ليست ملتزمة سوى بقيمة واحدة هي الربح، ولذا فهي تخلق جواً إعلامياً يجعل من المستحيل على المرأة أن ترفض التقاليع (الموضة). ويتم تغيير التقاليع (الموضة) سنوياً بهدف تعظيم الربح دون أية اعتبارات أخلاقية أو دينية أو إنسانية. ولكن على الجميع أن يعمل ويكد ليحقق الدخل المطلوب لمواكبة التقاليع (الموضة). بل يمكن أن يكون اتّباع التقاليع (الموضة) تعبيراً عن محاكاة ببغائية لأزياء ممثلة مشهورة أو لاعب كرة، ولذا نجد أن التمركز حول الذات قد أدَّى إلى فقدانها وإلى التمركز حول الموضوع.

15 ـ الجنس العرضي:

أ ) من يمارس الجنس العرضي إنسان (طبيعي/مادي) لا يكترث بالقيم الاجتماعية أو الأخلاقية أو الإنسانية ولا حتى بالآخر الذي يصبح موضع شهوته العابرة (تمركز حول الذات).

ب) ولكن الإنسان، بممارسته الجنس العرضي، يُسقط كل القيم الجوانية التي تُعبِّر عن خصوصيته وتركيبيته وتفرُّده (أي إنسانيته) ويتحرك في عالم السطح وحسب ويتشيأ ويُشيِّئ الآخر (تمركز حول الموضوع).

وما يهمنا في هذه الثنائية أنها، سواء في تمركزها حول الذات أو في تمركزها حول الموضوع، لا علاقة لها بالإنسان الإنسان، أي الإنسان ككائن اجتماعي حر متعيِّن. فالإنسان المتمركز حول ذاته، شأنه شأن الإنسان المتمركز حول الموضوع، ليس إنساناً مركباً متجاوزاً.

والنمط الذي بيَّناه (استبعاد الذات الإنسانية المركبة، متعددة الأبعاد، المتجاوزة للطبيعة/المادة من خلال التمركز حول الذات الطبيعية، ذلك التمركز الذي يؤدي إلى ذوبانها في الموضوع وخضوعها للمرجعية المادية النهائية فيسري عليها ما يسري على الأشياء من قوانين فتتمركز حول الموضوع) هو النمط الكامن وراء معظم عمليات العلمنة في مرحلة الثنائية الصلبة، ويفسر كثيراً من أشكالها.

تقويض الذات الإنسانية وهيمنة الواحدية الموضوعية المادية
لا تدوم حالة الثنائية الصلبة (الواحدية الذاتية مقابل الواحدية الموضوعية) إذ يتم محوها لصالح الواحدية الموضوعية إذ يكتشف الإنسان العلماني الحديث أنه اكتسب مركزية في الكون من خلال تبنِّيه نموذج الحلولية الكمونية، إلا أن هذه الرؤية نفسها تؤكد أن كل شيء كامن في هذا العالم في حركة المادة وقوانينها. ولذا فالمبدأ المادي الواحد المحرك للكون يساوي بين الإنسان وكل الكائنات الأخرى ويسوي بينهم، فلا فارق بين الإنسان والشجرة، أو بينه وبين الحشرة. وانطلاقاً من نفس الحلولية يكتشف الإنسان أنه ليس له أصل إلهي متجاوز لهذا العالم. فأصله طبيعي/مادي لا يفصله فاصل عن الطبيعة/المادة، فمهما حقق من تجاوز لها فإنه (في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير)، شأنه شأن كل الكائنات الأخرى، يعيش داخل الطبيعة/المادة، داخل الزمان والمكان، وحتى رغباته النابعة من صميم ذاته، هي رغبات طبيعية/مادية حتمية، لا يستطع أن يتحكم فيها. فما يتحكم فيه هو خصائصه الوراثية ودوافعه البيولوجية وظروفه الموضوعية، أي أن الإنسان حينما يتمركز حول ذاته إنما يتمركز حول ذات طبيعية/مادية.

وفي محاولته تحقيق هذه الذات يتزايد اقترابه وذوبانه في الطبيعة/المادة التي لا تكترث به ولا تمنحه أية مكانة خاصة، وعليه أن يذعن لها ويتكيف معها، أي أن تحقيق الذات يعني تفكيك الذات. ومن ثم تهيمن الواحدية المادية ويخضع الإنسان تماماً للمعايير والمنظومات الطبيعية/المادية، الكمية الهندسية، التي لا تكترث بفرديته أو خصوصيته أو غاياته.
وقد قام مفكرو الاستنارة المظلمة بتوجيه الضربات المتتالية لمقولة الإنسان فأكد هوبز أن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان وأن الواقع إن هو إلا حلبة صراع يخوضه الجميع ضد الجميع. وتبعه كثير من الفلاسفة الماديين مثل إسبينوزا والفلاسفة الماديين في فرنسا الذين يفككون الذات الإنسانية تماماً. وانضم لهم بنتام الذي ذهب إلى أن سلوكنا الأخلاقي يمكن تفسيره مادياً في إطار المنفعة واللذة ثم داروين الذي ذهب إلى أن عالم الإنسان عالم حركة وصراع وأن الإنسان لا أصل إلهي له، فهو سليل القرود، ثم ماركس الذي اكتشف أن المجتمع حلبة صراع خاضع لحتميات مادية اقتصادية، وفرويد الذي أكد لنا أن ما يحركنا هو أساساً لا وعينا وأن لا وعينا تحكمه قوى مظلمة مثل الجنس، وذهب أيضاً إلى أننا لا ندرك الحقيقة فما ندركه هو ما يتراءى لنا أنه الحقيقة. ويونج الذي قال إن لا وعينا هو لا وعي جمعي، ثم جاء البنيويون الذين أعلنوا أن البنية تتحدث من خلال الإنسان وأن الإنسان لا يتحدث من خلال البنية، وانتهى الأمر بأن أعلن فوكوه موت الإنسان. وهكذا تم ضرب الإنسان وتفكيكه أنطولوجيا (فالإنسان إن هو إلا مجموعة من الدوافع المادية والاقتصادية والجنسية لا يختلف في سلوكه عن سلوك أي حيوان أعجم) وإبستمولوجيا (فإدراك الإنسان للواقع ليس عقلانياً وإنما تحكمه مصالحه الاقتصادية وأهواؤه النفسية).

وإذا كان هذا هو منطق منظومة الحداثة الحلولية العلمانية الشاملة، فإن تطور الواقع وتشكُّله ساهم هو الآخر في تقويض الذات الإنسانية. إذ نجد أن مجالات الواقع أخذت تنفصل تدريجياً عن الإنسان من خلال تصاعد معدلات الحلولية والعلمنة. وقد لاحظنا أنه داخل منظومة الحلولية المادية أصبحت الطبيعة/المادة مرجعية ذاتها، غير مكترثة بالإنسان لا تمنحه أية مركزية، ويمكننا أن نلاحظ أن الشيء نفسه ينطبق على مجالات حياة الإنسان المختلفة، إذ يصبح كل مجال مرجعية ذاته فيفلت من قبضة الإنسان ولا يكترث به ولا يمكنه التحكم فيه.

وقد بدأت المتتالية بانفصال المجال الاقتصادي عن المنظومات القيمية والغائيات الدينية ثم الإنسانية، إذ تحرَّر المجال الاقتصادي من هذه المنظومات والغائيات ومن أية معيارية مستمدة منها، بحيث أصبح الاقتصاد هو نفسه موضع الحلول والكمون يحوي داخله معياريته وغائيته وكل ما يكفي لتفسيره. ويتم الحكم على عالم الاقتصاد، في هذه الحالة، بمعيار مدى تحقيقه للأهداف الاقتصادية (متجاوزاً الجانب الديني والأخلاقي والإنساني تماماً)، ويُشير عالَم الاقتصاد إلى ذاته ويحكم على الإنسان ذاته حين يتحرك داخل عالم الاقتصاد بمعايير اقتصادية. وبذلك يتحوَّل الإنسان من كونه غاية ومرجعية تتحرك داخل حيزها الإنساني ليصبح مجرد آلة أو وسيلة حين يتحرك داخل الحيز الاقتصادي. ثم تنفصل مجالات الحياة العامة الواحدة تلو الأخرى فينفصل المجال السياسي عن المنظومات القيمية والغائيات الإنسانية، لتصبح الدولة نهاية في حد ذاتها، أي أنها تصبح موضع الحلول، ويُحكَم على المجال السياسي بمعايير سياسية، كما يُحكَم على الإنسان ذاته بمعايير سياسية حين يتحرك داخل الحيز السياسي. ثم تنفصل الفلسفة ويصبح العقل المنفصل عن القيم والغائيات المسبقة هو موضع الحلول ومعيارية ذاته. وتتالى المجالات وتتساقط إلى أن يصبح العلم مركز الكمون وموضع الحلول المستقل عن القيم والغائيات الإنسانية، ويُحكَم على مدى نجاح العلم أو فشله بمقدار ما يحققه من أهداف علمية محضة، مثل مراكمة المعلومات وإجراء التجارب "الناجحة" (بمقاييس علمية، بطبيعة الحال)، ويصبح العلم مرجعية ذاته وتنفصل الحقائق تماماً عن القيمة. وتتغلغل عمليات العلمنة الشاملة وتتصاعد معدلات الحلول وتنتقل من الحياة العامة إلى الحياة الخاصة، فتتم علمنة الوجدان والأحلام (الثورة الرومانسية ـ الأدب مرجعية ذاته ـ الذات مرجعية ذاتها) وتتم علمنة الرغبات (البحث عن اللذة والإشباع الفوري) وأخيراً علمنة الجسد والجنس، فيتحرر الجنس من سائر المعايير والغائيات ليصبح موضع الحلول ومعيارية ذاته، ويُحكَم على مقدار نجاحه أو فشله بمقدار ما يحققه من أهداف جنسية محضة مثل اللذة، خارج أي نطاق اجتماعي أو أخلاقي. وهكذا تتفتت الحياة الإنسانية وتتحول جوانبها المختلفة إلى مجالات غير متجانسة غير مترابطة ويختفي الحيز الإنساني ويصبح العالم بالفعل مادة نسبية محايدة خاضعة لحركة المادة وحسب وتسيطر الواحدية الموضوعية المادية التي تستبعد الحيز الإنساني إذ يصبح العالم الموضوعي هو اللوجوس.

وهكذا يختفي الإنسان الإنسان، الإنسان المركب الفرد الحر الواعي المسئول أخلاقياً، القادر على تجاوز ذاته الطبيعية/المادية وعلى تجاوز الطبيعة/المادة (والمطلقات العلمانية) وعلى اتخاذ قرارات تعبِّر عن ذاته الإنسانية المركبة ويختفي الإنسان كمقولة مستقلة عن الطبيعة/المادة (والمطلقات العلمانية المادية المختلفة) وتختفي فكرة الإنسانية المشتركة المنفصلة عن الطبيعة/المادة ويتم استيعاب الإنساني في الطبيعي ويظهر ما يُسمَّى «الإنسان الطبيعي/المادي» (أو الإنسان الاقتصادي أو الإنسان الجسماني) وهو إنسان ليس فيه من الإنسان سوى الاسم، إنسان جوهره طبيعي/مادي، إنسان ذو بُعد واحد، باطنه مثل ظاهره، يمكن تشييئه وتسليعه وحوسلته بسهولة ويسر.

إن التحديث (في إطار العلمانية الشاملة) يَصدُر عن تأكيد زمنية ومكانية ومادية كل شيء، وإخضاع كل شيء، وضمن ذلك الإنسان، لعمليات الترشيد العقلاني المادي في إطار معايير عقلانية صارمة. وعملية التحديث متتالية تحققت تدريجياً. وتَحقُّقها التدريجي هذا يعني التصاعد التدريجي والمستمر للواحدية المادية إلى أن تسيطر تماماً. ولذا، فإن ثمة تراجعاً مستمراً عن الفلسفة الإنسانية (الهيومانية) وعن ثنائية الإنسان والطبيعة وعن الإيمان بالثبات والتجاوز، وهو في واقع الأمر تَصاعُد مطرد للواحدية المادية ومحو لكل الثنائيات والخصوصيات والهويات والثبات وتفكيك لمقولة الإنسان كمقولة لها حدودها المستقلة المتماسكة ليسقط الإنسان تماماً في قبضة الصيرورة وزمانية ومكانية منظومة الحداثة العلمانية الشاملة. ولعل ما يُسمَّى التلاقي (بين النظم الرأسمالية والاشتراكية)، وهيمنة النماذج البيروقراطية والكمية، وإزاحة الإنسان عن المركز، والتَسلُّع، والتحييد، والتَشيُّؤ، والاغتراب، ونزع القداسة عن العالم، وإنكار الجوهر الإنساني، والهجوم على الإنسانية المشتركة، والنظام العالمي الجديد... إلخ هو تعبير عن نفس الظاهرة وليس مجرد انحرافات عن مسار التحديث وعن جوهره.

وقد عبَّر رورتي عن هذا بأن وصف التحديث بأنه مشروع نزع الألوهية عن العالم (بالإنجليزية: دي ديفينايزيشن بروجكت dedivinization project) وهو يعني ألا يُؤلِّه الإنسان شيئاً وألا يَعبُد شيئاً ولا حتى ذاته، وألا يجد في الكون أي شيء مقدَّس أو رباني أو حتى نصف رباني. ومن ثم، لا تُوجَد مقدَّسات أو محرَّمات من أي نوع، فلا حاجة لتجاوز المُعطَى المادي (الزماني المكاني). فالإنسان يوجد في عالمه المادي لا يتجاوزه، فالعالم مكتف بذاته، موضع الحلول والكمون وهو مُستقَر كل القوانين التي يحتاج لمعرفتها. ثم يبيِّن لنا رورتي النتائج المنطقية لهذا الموقف بقوله "إن الحضارة العلمانية الحديثة لن تكتفي باستبعاد فكرة القداسة أو بإعادة تفسيرها بشكل جذري، وإنما ستهاجم الذات الإنسانية نفسها كمصدر الحقيقة". فهي ستهاجم فكرة "تكريس الذات للحق (الحقيقة)" أو "تحقيق الحاجات العميقة للذات"، كما ستبيِّن أن مصدر المعنى ليس كلاًّ متجاوزاً وإنما هو الإنسان، والإنسان كائن حادث زمني متناه، أي أنه ليس مصدراً جيداً للحقيقة.

ويبيِّن لنا رورتي بعض النتائج المنطقية الأخرى للتحديث في الإطار المادي والعلماني الصلب، فالتحديث هو إيمان عقلاني مادي بالتقدم وإيمان بالمستقبل الذي سيتحقق فيه التقدم، الذي أصبح المعيار الواحد والوحيد. ولكن التقدم نفسه هو مجرد حركة وحركة مستمرة لا متناهية، ولأنها حركة في عالم المادة فلا يمكن أن تكون لها أية غائية، وهو ما يعني سقوط الثبات.

وانطلاقاً من أرضيتنا الحديثة العقلانية المادية، فإن العقل سيقوم بعملية نقدية صارمة لمسلماتنا العقلية وموروثاتنا الثقافية ولن نقبل من التاريخ إلا ما يتفق مع نماذجنا العقلية والمادية، والرؤية التحديثية المادية تُعرِّف «الزمان» و«المكان» و«الآن وهنا» كمقولات مجردة، كصيرورة لا معنى لها، كعلامة على ماديتنا، ولكنها لا تقبل التاريخ أو الذات ولا تعرفهما لأنهما يحتويان مخزوناً لقيم تُغاير ما في واقعنا المادي وما في نماذجنا العقلانية المادية وتتحداها.

 وعلى هذا، فإن التحديث (بالنسبة لرورتي وآخرين) هو نسيان نشط للتاريخ والذات، أي أنه تجريد للإنسان من ذاكرته التاريخية بعد أن جُرد من مكانته الأنطولوجية. وهكذا، تم ضرب الذات الإنسانية وتفكيكها تماماً، ولم يبق من الإنسان شيء، لا مقدرته على الإدراك المبدع للواقع ولا الذاكرة التاريخية. ولا غرو أن المشروع التحديثي قد َحوَّل الإنسان من غاية إلى وسيلة. وهناك كثير من آليات التحديث، مثل الدولة المركزية أو السوق القومية أو الترشيد، تستقل عن الأهداف الإنسانية منها (إشباع حاجات الإنسان وتحقيق الكفاية والأمن له... إلخ) لتصبح غايات وتهيمن على الإنسان ويصبح عليه أن يُذعن لها.

ورغم تصفية الإنسان وتقويضه، فإن الطبيعة (مع هذا) تظل مركز الكون تزوده بمعيارية ويصبح الإنسان مذعناً لها، يصبح هناك كون طبيعي صلب وقوانين طبيعية صلبة. أي أن مرحلة الصلابة مرحلة متمركزة حول اللوجوس الكل الثابت المتجاوز، الإنساني (في البداية) أو الطبيعي/المادي (في النهاية)، فهو عالم لوجو سنتريك logo-centric.

السيولة الشاملة (عصر ما بعد الحداثة)
امتدت المرحلة الثنائية والواحدية والواحدية الصلبة منذ عصر النهضة في الغرب حتى منتصف الخمسينيات. ورغم أن رؤية السيولة الكاملة كانت كامنة في الرؤية الغربية للعالم إلا أنها ظلت هامشية وبدأت تتحرك نحو المركز في نهاية القرن التاسع عشر واستقرت فيه في العقود الأخيرة من القرن العشرين (في عصر ما بعد الحداثة).

ومع نهاية القرن التاسـع عشـر بدأت تظهر عناصر جديدة جعلت من المستحيل الاستمرار في حالة الصلابة القديمة:

1 ـ بدأ الإنسان الغربي يدرك استحالة تنفيذ مشروعه التحديثي وأن ما تحقَّق منه قد بدأ يؤدي إلى اختفاء الإنسان. ورغم إدراك الإنسـان الغربي لهذا الوضـع فإنه كان لا يعـرف بديلاً له، كما أنه لا يزال يحـمل ذكرى عصر المادية البطولي، ولذا استمر فيه واستمر في الإبداع وفي التمرد على وضعه. وقد سمينا هذا عصر الحداثة المأساوي/الملهاوي/العبثي.

2 ـ لاحظنا تفكيك مقولة الذات الإنسانية المستقلة. ولكن الأمر لم يتوقف عند هذه النقطة، بل تستمر عملية التفكيك وتصل إلى مستويات أكثر عمقاً وجذرية، إذ يتم ضرب فكرة الواقع الموضوعي نفسه أيضاً. فالواقع (الطبيعة/المادة)، من المنظور التحديثي، في حالة حركة دائمة وتَغيُّر دائم، والتغيُّر هو الصفة الثابتة الواحدة لعالمنا، سجن الزمان والمكان. ومن ثم سقطت الطبيعة نفسها في قبضة الصيرورة.

وقد "أثبت" داروين أن الطبيعة في حالة صراع دائم يحكمها منطق القوة. و"أثبت" علم النفس أن إدراكنا لها ليس موضوعياً، ومن ثم فهي ليست مصدر موضوعية للمعرفة. ثم جاءت ثورة العلوم الطبيعية (نظرية عدم التحدد ـ النظرية النسبية.. إلخ) التي أكدت استحالة رصد الواقع الموضوعي واستحالة تجاوزه.

لكل هذا، تبدأ الطبيعة/المادة نفسها في الاختفاء كمعيارية ومرجعية وككل ثابت متجاوز، ويصبح كل شيء مرجعية ذاته، وهذا ما يؤدي إلى تشظي الكون وتحوُّله إلى ذرات (بالإنجليزية: أتومايزيشن atomization، أو أتوميستيك فراجمنتيشن atomistic fragmentation) ويظهر عالم لا مركز له، أو متعدد المراكز، يتسم بعدم وجود حقيقة أو بتعدد الحقائق، وبعدم وجود مطلق أو بتعدد المطلقات، عالم ما بعد الحداثة والقصص الصغرى والنظام العالي الجديد، عالم ليس فيه ذات متماسكة ولا موضوع متكامل. ويصبح العالم مفككاً لا مركز له (بالإنجليزية: نان لوجو سنتريك non logo-centric)، وتصبح الصيرورة مركز الحلول والكمون، ويصبح النسبي هو المطلق الوحيد، ويصبح التغيُّر هو نقطة الثبات الوحيدة.

ويتحول العالم إلى كيان شامل واحد تتساوى تماماً فيه الأطراف بالمركز، عالم لا يوجد فيه قمة أو قاع، أو يمين أو يسار (أو ذكر أو أنثى)، وإنما يأخذ شكلاً مسطحاً تقف فيه جميع الكائنات الإنسانية والطبيعية على نفس السطح وتُصفى فيه كل الثنائيات الصلبة والفضفاضة، وتنفصل الدوال عن المدلولات فتتراقص بلا جذور ولا مرجعية ولا أسس، وتصبح كلمة «إنسان» دالاً بلا مدلول، أو دالاً متعدد المدلولات، وهي مرحلة السيولة الشاملة (أو الواحدية السائلة)، وبدلاً من الصراع بين الذات والموضوع، تذوب الذات في الموضوع والموضوع في الذات (خير/شر ـ حقيقة/زيف ـ مطلق/نسبي ـ عدل/ظلم ـ إنساني/طبيعي ـ خالق/مخلوق). وهذا هو الانتقال من الثنائية الصلبة والواحدية الموضوعية الصلبة إلى الواحدية السائلة التي لا تعرف حدوداً ولا قيود. وهو أيضاً الانتقال من عالم التحديث والحداثة (والإمبريالية) إلى عصر ما بعد الحداثة (والنظام العالمي الجديد). ولذا كان السؤال الذي طُرح في مرحلة الثنائية الصلبة (والتحديث والحداثة) هو: أيهما مركز الكون: الإنسان أم الطبيعة؟ أما في هذه المرحلة مرحلة السيولة الشاملة فتطرح تساؤلات أكثر جوهرية تتصل بالكل الثابت المتجاوز: هل يمكن الإيمان بوجود كلٍّ ثابت متجاوز له معنى داخل الإطار المادي؟ وكيف يكون هناك كلٌّ، والعالم المادي مكون من جزئيات وتفاصيل وظواهر متناثرة؟ وكيف يكون هناك ثبات داخل الإطار المادي، والمادة المتحركة؟ وهل يمكن تحقيق التجاوز، والمادة لا تعرف التجاوز؟ هل يمكن أن يكون هناك معنى للكون، والمادة حركة بلا قصد أو معنى؟ هل يمكن الاحتفاظ بثنائية الإنسان/الطبيعة في عالم واحدي مادي، والمادة لا تعرف إلا قانوناً واحداً؟ هل يستطيع شيء أن يفلت من قبضة الصيرورة في إطار فلسفة مادية؟ هذه هي الأسئلة الأنطولوجية المعرفية التي طرحها الإنسان الغربي على نفسه.

وبعد تفكيك الذات والموضوع كانت الإجابة أنه لا يوجد أي أساس لظهور الكل المادي المتجاوز (الإنساني أو الطبيعي) أو لأي شكل من أشكال الثبات، فالإنسان غير قادر على السيطرة على الطبيعة وإنما عليه الإذعان لها وهو غير قادر على إدراكها تماماً، والطبيعة نفسها متحركة فلا يمكن رصدها ولا الإمساك بها، ومن ثم لا توجد ثوابت أو كليات أو مطلقات معرفية أو أخلاقية.

وفيلسوف عصر السيولة هو نيتشه، الذي ظهر من الناحية الزمنية في أواخر القرن التاسع عشر (مع بدايات ظهور الحداثة) إلا أنه في واقع الأمر فيلسوف نهاية الحداثة، أي ما بعد الحداثة. فقد أدرك بثاقب نظره أن الحقيقة الكلية المادية التي بشَّر بها دعاة الاستنارة (المضيئة) والتحديث والعقلانية المادية مرتبطة حتماً بالتجاوز والميتافيزيقا لا يمكنها أن تنفصل عنهما. وهذا يعني في واقع الأمر أن من داخل نظام يدَّعى المادية يُولَد مرة أخرى الرباني والمقدَّس والمدلول المتجاوز («ظلال الإله» حسب تعبير نيتشه). ولكن هذا أمر غير معقول داخل إطار مادي، ففي داخل هذا الإطار لا مناص من قبول أطروحات الاستنارة المظلمة التي لا تعرف ظلال الإله، فهذا هو مصير الإنسان الموجود في الزمان والمكان وبعد موت الإله، ولا داعي للتمحك في ظلاله. والأمل التحديثي في عصر المادية البطولي هو هذا التمحك، وهو أمل جبان غير قادر على قبول وضع الإنسان في عالم الصيرورة المادية، وهذه المنظومات المعرفية والأخلاقية العقلانية هي مؤامرة الضعفاء على الأقوياء من أبناء الطبيعة. لكل هذا رحب نيتشه بالعدمية زائراً دائماً في وسطنا في عصرنا الحديث المادي، وأعلن فلسفة القوة الشجاعة التي لا تعرف الضحك والبكاء ولا تكترث بالضعفاء حيث لا ذات ولا موضوع، ولا داخل ولا خارج، ولا ظاهر ولا باطن، ولا دال ولا مدلول، ولا مُقدَّس ولا مُدنًَّس، ولا حلال ولا حرام، ولا حقائق ولا حق ولا حقيقة، وإنما صراع بين قوى مظلمة ظالمة يُحسَم بطريقة مادية طبيعية. وفي إطار فلسفة القوة، لا تُوجَد لغة تواصلية إذ أن إرادة القوة هي التي تربط السبب بالنتيجة والدال بالمدلول وتصبح هي مبدأ التماسك أو السيولة في العالم ومصدر المعنى أو اللامعنى. وهذه هي فلسفة الواحدية المادية الكمونية والعلمانية الشاملة التي تؤكد تناهي الإنسان داخل الزمان والمكان وتؤدي إلى اختفاء المرجعية الإنسانية بل المرجعية الموضوعية نفسها (أي كل المرجعيات وأية مركزية وأي كل مادي متجاوز)، فالمادة حركة والحركة لا تعرف التمييز بين مركز وهامش وبين معنى ولا معنى وبين القيمة والعدم. وكان نيتشه يدرك تماماً أن دعوته لإزالة ظلال الإله هذه، والتخلص من الكل المادي المتجاوز (إنسانياً كان أم طبيعياً/مادياً) ومن كل من الذات والموضوع، وتشكل أساس الأنطولوجيا الغربية، لم تكن من بنات أفكاره وإنما كانت كامنة في الجذور الفلسفية للمشروع التحديثي العقلاني المادي.

وقد قامت محاولات كثيرة للإجابة على تحديه. فظهرت فلسفات مثل البرجماتية وفلسفات الحياة (برجسون)، ثم ظهرت أخيراً الفلسفة الفينومينولوجية كنوع من محاولة الوصول إلى تعريف للحقيقة يتجاوز ثنائية الذات والموضوع، والتجاوز والكمون، والثبات والحركة، والغائية والعدمية عن طريق فكرة الوعي والقصد حيث لا توجد الذات إلا من خلال الموضوع ولا يوجد الموضوع إلا من خلال الذات، بمعنى أننا قد يمكننا أن نصل إلى الحقيقة الكلية دون حاجة إلى تَجاوُز أو ثبات أو غائيات أو ثنائيات، وبذا يمكن تقويض أساس الأنطولوجيا الغربية (ثنائية الذات والموضوع، ووجود الكل والجزء، ووجود حقيقة موضوعية وذات متماسكة ومعنى وهدف) دون السقوط في العدمية أو الميتافيزيقا، أي أننا يمكننا أن نصل إلى الحقيقة الكلية والمعنى الكلي بدون ميتافيزيقا.


وكانت هذه هي آخر المحاولات شبه العقلانية المادية، إذ ظهرت ما بعد الحداثة وهي فلسفة لاعقلانية مادية لا تعرف البطولة ولا تعرف المأساة ولا الملهاة ولا التمرد العبثي؛ فلسفة تدرك حتمية التفكيك الكامل، والسيولة الشاملة، إذ يتم التوصل إلى أن كل شيء نسبي مادي، وأن الفلسفة الإنسانية وهم، وأن الاستنارة المضيئة حلم وعبث، وأن الواقع في حالة سيولة حركة (مثل المادة الأولى)، وأن ليس ثمة ذات إنسانية متماسكة ثابتة ولا موضوع طبيعي/مادي ثابت متماسك (فهذه كلها مجرد تقاليد لغوية وعادات فكرية وصور مجازية) وحتى إن وُجدت الذات ووُجد الموضوع فلن يتفاعلا، إذ لا تُوجَد لغة للتواصل أو التفاعل. كل هذا يعني اختفاء فكرة الكل تماماً، والأجدر للإنسان أن يتكيف بطريقة برجماتية مع حالة السيولة، فهي فلسـفة خضوع وتَكيُّف وتطبيـع لحـالة اللامعيارية (ولذا يُطلَق عليهـا أحياناً «البرجماتية الجديدة»). هذا هو عصر ما بعد الأيديولوجيا وما بعد الإنسانية وما بعد الميتافيزيقا وما بعد الحقيقة وما بعد التاريخ ـ عصر تكتسح فيه الكوزموبوليتانية جميع الحضارات وتدمر خصوصياتها، كما تدمر المطلقات والثوابت كافة.


ما بعد الحداثة
مصطلح «ما بعد الحداثة» مصطلح نفي سلبي، وهو ترجمة لمصطلح «بوست مودرنيزم» («post-modernism» أو «post-modernism». وقد تُستخدَم كلمة «بوست مودرنيتي post modernity» للدلالة على الشيء نفسه. وأحياناً يُطلَق على مصطلح «ما بعد الحداثة» تعبير «ما بعد البنيوية» (بالإنجليزية: بوست ستراكتشراليزم post-structuralism) باعتبار أن فلسفات ما بعد الحداثة قد ظهرت بعد ظهور وسقوط (الفلسفة) البنيوية. ويكاد مصطلح «ما بعد الحداثة» يترادف مع مصطلح «التفكيكية». وللتمييز بينهما، يمكن القول بأن «ما بعد الحداثة» هي الرؤية الفلسفية العامة، أما «التفكيكية» فهي بالمعنى العام أحد ملامح وأهداف هذه الفلسفة. فهي تقوم بتفكيك الإنسان، كما أنها منهج لقراءة النصوص يستند إلى هذه الفلسفة. ويجب ملاحظة أن اصطلاح «ما بعد الحداثة» يكتسب أبعاداً مختلفة بانتقاله من مجال إلى مجال آخر، فمعنى «ما بعد الحداثة» في عالم الهندسة المعمارية يختلف، من بعض الوجوه، عن معناه في مجال النقد الأدبي أو العلوم الاجتماعية.

وقد بيَّنا أن المشروع التحديثي العقلاني المادي كان يحوي عناصر تفكيكية معادية للإنسان داخله وأن المتتالية التحديثية بدأت تتحقق تدريجياً فمرت من عصر التحديث إلى عصر الحداثة إلى ما بعد الحداثة، وهي النقطة التي تصل عندها المتتالية التفكيكية إلى نهايتها. ويمكن تشبيه ما بعد الحداثة بالفلسفة السوفسطائية (بروتاجوراس [480 ـ 410 ق.م] وجورجياس [ ؟ ـ 375 ق.م] وغيرهما)، وهي فلسـفة مادية عـدمية تماماً نادت في بـداية الأمر، بأن الإنسان مقياس كل شيء، شأنها في هذا شأن المنظومة التحديثية في عصرها البطولي، ولكنها تدريجياً بدأت تزيح الإنسان عن المركز، وتحل محله الطبيعة/المادة، ثم انتهى الأمر بالسوفسطائيين أن أنكروا أية حقيقة كلية نهائية متجاوزة لحواسنا، فلا يوجد ما يُسمَّى «روح العالم» أو «العقل الكلي» خلف الظواهر المتغيرة التي ندركها من خلال حواسنا. ومن ثم أصبح كل إنسان حبيس حواسه (قصته الصغرى) والحواس تختلف باختلاف الأشخاص. ولذا أصبحت المعرفة المستقلة عن الحواس مستحيلة. ولذا يمكن إنكار الوجود ذاته: لا شيء موجود، وإن وُجد شيء فلا يمكن أن يُعرَف، وإذا أمكن أن يُعرف فلا يمكن إيصاله للغير. وإذا لم يكن هناك معرفة مشتركة فلا تُوجَد بالتالي قوانين أخلاقية خارجية يخضع لها الناس جميعاً. ولا يوجد قانون عام مُؤسَّس على العدالة إذ ليست هناك عدالة عامة بالمعنى الذي يفهمه الناس، فالقوانين من اختراع الأقوياء ليخضعوا بها الضعفاء، ولذا يحق للإنسان القوي أن يَخرُج على القانون إن استطاع ذلك. والدافع الأساسي لسلوك الإنسان هو الأنانية، وإذا أصبح الإنسان خيِّراً فهذا ليس بسبب خير أو شر مفطور فيه وإنما بسبب عملية التنشئة الاجتماعية والفكرية. والمجتمع في حالة صراع دائم يسود فيها منطق البقاء للأصلح، أي أن السوفسطائيين نجحوا في دفع كل المقدمات المادية إلى نتائجها المنطقية العدمية. ويمكن القول بأن الانتقال من الحداثة إلى ما بعد الحداثة هو انتقال من مرحلة مادية صلبة ورثت كثيراً من مقولات الأفلاطونية والمسيحية بعد علمنتها إلى مرحلة مادية سائلة تشبه مقولاتها مقولات الفلسفة السوفسطائية.

ويمكن تلخيص المقولات الأساسية لرؤية دعاة ما بعد الحداثة فيما يلي:

1 ـ الأنطولوجيا:

يرى دعاة ما بعد الحداثة (دريدا مثلاً) أن الأنطولوجيا الغربية بدأت مع أفلاطون وظلت أفلاطونية حتى النخاع. وجوهر المنظومة الأفلاطونية هو الإيمان بوجود عالم المُثُل (عالم الحق المطلق والمُثُل الثابتة، وهو عالم كلي متجاوز لعالمنا له هدف وغاية) من جهة، ومن جهة أخرى عالم المادة والتغير الذي يحجب عالم المُثُل، أي أن ثمة ثنائية أساسية في المنظومة الأفلاطونية تُعبِّر عن نفسها في ثنائية الدال (المحسوس) والمدلول (المتجاوز) وانفصال الواحد عن الآخر. ورغم أن عالم المادة يحجب عالم المُثُل فإن المنظومة الأفلاطونية تذهب إلى أن بإمكاننا التوصل إلى معرفة إنسانية من خلال الحواس والعقل ويمكننا توصيلها من خلال اللغة. ولكن كل ما نصل إليه من معنى هو ظلال لهذا العالم الكلي الثابت المتجاوز (يُطلق عليه أنصار ما بعد الحداثة «الحضور» أو «المدلول المتجاوز»، وهو معادل «الإله» في الديانات التوحيدية)، أي أن المعنى الذي نصل إليه يستند إلى ميتافيزيقا التجاوز، فثمة علاقة وثيقة حتمية بين ما يُسمَّى «الحقيقة» وبين ما يُسمَّى «الميتافيزيقا». ويُلاحَظ أن الحواس والعقل واللغة، كلها، مجرد آليات للوصول إلى الهدف النهائي، أي المعنى الكلي الثابت المتجاوز ذي الغرض، وهو الحقيقة، ولذا فهذه الآليات تُعتبَر ثانوية بالنسبة للأصل وتأتي بعده في الدرجة والمنزلة.

والمشروع التحديثي الغربي (في إطار العلمانية الشاملة) يقف على الطرف النقيض من هذه الرؤية الأفلاطونية الثنائية، فهو مشروع يهدف إلى إلغاء الثنائيات كافة وإلى فرض الواحدية المادية على العالم بحيث لا تُوجَد كليات من أي نوع، مادية أو روحية، ولا يوجد مبدأ واحد نهائي يمنح العالم التماسك والوحدة. والمشروع ما بعد الحداثي بهذا المعنى هو التحق النهاذي لمشروع الحداثة في محاولته القضاء على خرافة الميتافيزيقا وعلى أوهام الفلسفة الإنسانية الهيومانية بشكل كامل عن طريق القضاء على خرافة الحقيقة الكلية، فمثل هذه الحقيقة الكلية تستدعي عالماً متماسكاً متجاوزاً لعالمنا المادي المتبعثر. وإذا كان المشروع التحديثي يستند إلى ثنائية الذات المتماسكة التي تتفاعل مع موضوع متماسك داخل إطار الكل الثابت الذي يشير حتماً إلى الأصل المتجاوز (المدلول المتجاوز)، أي إلى الإله أو على الأقل إلى ظلاله، فإن "مشروع" ما بعد الحداثة (إن كان من الممكن تسميته كذلك) يحاول أن يزيل هذه الظلال فيعكس الآية وينكر الأصل المتجاوز أو أي أصل من أي نوع. فالكل المادي المتجاوز الذي له معنى لا يبقى منه سوى ماديته، والحقيقة كامنة في الحقائق، والكل كامن في الأجزاء المادية التي لا يربطها رابط، وكل حقيقة وجزء منغلق على ذاته، لكلٍّ مركزه، والعالم في حالة حركة دائمة وتَغيُّر دائم ولكنه ليـس بالضرورة تطـوراً ذا معنى وقصـد. وهذا هو جوهر ميتافيزيقا ما بعد الحداثة، فهي تفترض أن العالم مادة في حالة حركة دائمة: لا أصل لها ولا قصد. وتتسم كل مفاهيم ما بعد الحداثة (انظر: «الاخترجلاف» ـ «الهوة» ـ «الدال والمدلول») بهذه السمات الجـوهرية، ورغم أنهـم يصفـونها بأنها حـالة لا حضور ولا غياب، فإن جوهرها سلبي له صفات محددة، فميتافيزيقا ما بعد الحداثة ميتافيزيقا سلب تستند إلى حضور جوهر سلبي (انظر: «الهوة»).

وكل هذا يعني غياب أي مركز أو مرجعية أو معيارية ومن ثم أية ثنائية. ولذا، فإن أنصار ما بعد الحداثة يعتبرون مجرد استخدام كلمات مثل «يقين» أو «دوافع» أو «حق» أو «ذات» سقوطاً في الميتافيزيقا، وذلك باعتبار أن مثل هذه الكلمات تتضمن إشارة إلى حقائق.

وبطبيعة الحال، لا تعترف ما بعد الحداثة بثنائية الذات والموضوع (التي ظهرت بحدة مع ظهور العقلانية المادية)، وهي تحل إشكالية الثنائية الصلبة عن طريق السيولة الشاملة. فالذات لا تعرف مراكز مادية أو روحية، ولذا فهي لا يمكن أن تحدد هويتها ولا أن تتمتع بأي تماسك، وخصوصاً أنها تم تفكيكها وردها إلى المادة وإخضاعها للحركة التي من حولها. والموضوع ذاته ينطبق عليه نفس الوضع، فهو في حالة حركة، وكل شيء فيه عرضي إذ لا يوجد شيء ضروري. وهذا يعني، في واقع الأمر، أن الذات مساوية للموضوع ومنفصلة عنه تماماً، أي أن كل الأمور متساوية تماماً ومنفصلة تماماً ومختلفة تماماً. ولكن إذا كانت الذات جزءاً من واقعها المتحرك المتغير فهي حرة تماماً، إرادة كاملة ولكنها إرادة لا علاقة لها بالموضوع. وعلى كلٍ، فمن المستحيل للذات أن تصل إلى الموضوع، فالموضوع مساو لها ومنفصل عنها، ولذا فإن الحرية التي تمارسها الذات هي حرية لا تتجاوز حدودها وليست في نطاق موضوع آخر، ولا تدخل أبداً عالم التحقق الموضوعي، فهي محصورة بحدودها. وغياب المرجعية هذا يعني أن الحالة الإنسانية متعددة بشكل متطرف ونهائي، وأن البشر مُقسَّمون إلى وحدات متعددة لا يربطها رابط (إنسانية مشتركة). وكل هذا يعني سقوط الأسس التي يستند إليها الذات والموضوع واتصالهما، فتسقط الثنائية وتسود الواحدية. ولذا، لا يمكن الحديث في واقع الأمر عن ذات أو عن موضوع أو عن أية معـيارية من أي نوع، أو عـن أية مرجـعية، مادية كانت أم روحـية، إنسـانية كانت أم موضوعية، إذ تسود التعددية المفرطة التي هي في واقع الأمر تعبير عن غياب أي مركز أو أساس وعن طبيعة بشرية مشتركة. إن ظلال الإله قد اختفت تماماً، وأدركت الذات أن الاستنارة المظلمة قد خيمت على العالم فتكيفت مع حالة اللامعيارية باعتبارها حالة كلية نهائية. وإذا كان الحقيقي هو العقلاني (المادي) في عصر التحديث وهو المادي المتغير في عصر الحداثة، ففي عصر ما بعد الحداثة لا يوجد أي أساس للتمييز بين الحقيقي والزائف، وبالتالي فلا حقيقي ولا زائف.

وفي عصر التحديث، كان من الممكن ترتيب الواقع ترتيباً هرمياً من خلال المعيارية التي يستمدها الإنسان من ذاته ومن الطبيعة، أما في عصر ما بعد الحداثة فلا يوجد أي نظام أفقي أو رأسي. فلا تظهر معيارية وإنما تظهر القوة (النيتشـوية) والتكيـف (البرجماتي)، وتظهر الذاتية المطلقة المنغلقة على ذاتها، وتظهر التسـوية الكاملة بين الكائنات، أي تَساوي كل الكائنات من جميع الوجوه (النساء ـ اليهود ـ الغجر ـ القرود ـ الشواذ جنسياً)، فهو عالم غير هرمي إما أن يتحكم فيه الإنسان تماماً أو يخضع له تماماً.

ولذا، فإن عالم ما بعد الحداثة ليس نظاماً حركياً منفتحاً له مركز وغاية وتراتبه الهرمي مثل عالم التحديث، ولا هو بعالم مغلق يحاول الانفتاح مثل عالم الحداثة وأن يفرض ترتيباً هرمياً له معنى، وإنما هو نظام لا مركز له مُكوَّن من أنظمة صغيرة مغلقة، يدور كل منها حول مركزه وحول نفسه ويأخذ شكل صور متجاورة لكلٍّ معناها المستقل لا يربطها رابط ولا تُوجَد أية صلة بينها ولا توجد علاقة سببية واضحة، فكل إنسان يدرك الصورة القريبة منه. هذا يعني أن ليس ثمة طبيعة مادية موضوعية ولا طبيعة بشرية (ذاتية) ولا تُوجَد مبادئ متجاوزة، فهو عالم ذري متشظ ولكن ذراته سائلة متلاصقة، ولذا فهو عالم هلامي سائل دون أن تكون فيه ثغرات أو مسام وإن كان فيه هوة.

وعالم ما بعد الحداثة هو عصر البعديات (وسقوط كل القَبْليات بسقوط الكل المتجاوز)، فهو عصر ما بعد التاريخ وما بعد الإنسانية وما بعد السببية وما بعد المحاكاة وما بعد الميتافيزيقا وما بعد التفسير وما بعد التجاوز. ولعلنا لو أحللنا البادئة «أنتي anti» بمعنى «ضد» أو ربما عبارة «إند أوف end of» بمعنى «نهاية»، محل بادئة «بوست post» بمعنى «ما بعد» لاتضح المعنى ولأدركنا أن «ما بعد الحداثة» تعني في واقع الأمر «نهاية التاريخ» و«نهاية الإنسانية» و«نهاية السببية» و«نهاية المحاكاة» و«نهاية الميتافيزيقا» و«نهاية التفسير» (ويُعدُّ كتاب سوزان سونتاج ضد التفسير الصادر عام 1965 أول مانيفستو لما بعد الحداثة). وما بعد الحداثة، بهذا المعنى، تعني العداء للحداثة وفشل الحداثة ونهاية الحداثة وإفلاس الحداثة. فإذا كان جوهر المشروع الحضاري الغربي هو التحديث، فهل ما بعد الحداثة تعني نهاية الحداثة ونهاية الغرب؟ وهل يفسر هذا أن أيديولوجيا ما بعد الحداثة، التي تقف ضد العقل والمنطق والإنسان والمعنى وضد رؤية الأشياء في علاقتها الجدلية مع الإنسان وضد الكل وحدوده، تقف ضد كل ما هو عظيم وله قيمة في الحضارة الغربية الحديثة؟ وعلى هذا فإن السؤال يطرح نفسه وبحدة على هذا النحو: لم ظهرت هذه الفلسفة ولم اكتسحت الجميع في طريقها؟

وقد كانت تناقضات المشروع التحديثي تأخذ طابعاً معرفياً (إبستمولوجي): هل يمكن معرفة الواقع؟ هذا ما اتضح بشكل واضح في الحداثة، ولكنها في عصر ما بعد الحداثة ذات طابع أنطولوجي راديكالي: هل توجد حقيقة أساساً؟ هل يوجد عالم موضوعي؟ ما هو مكان الإنسان في الكون؟ ما هي الذات وما هو الموضوع؟

2 ـ المعرفة:

ينقسم العالم إلى وحدات طبيعية وإنسانية، متساوية ومستقلة ومختلفة ومنفصلة ومنغلقة، بسبب عدم وجود مركز ومرجعية كلية مشتركة، وتصبح كل وحدة ذات سيادة مطلقة ومرجعية ذاتها. وهذا يعني غياب أية مرجعية نهائية إنسانية أو موضوعية، ولذا فالعالم يتسم بالتعددية والتفتت والانقطاع والفوضى والمساواة والتساوي وحكم الصدفة وغياب السببية وظهور الاحتمالية والنسبية الكاملة والتَغيُّر الكامل والمستمر، ومن ثم يصبح من العسير الوصول إلى العالم، وإن وصل العقل إليه فلا يمكنه الإمساك به. ولذا تصبح المعرفة الكلية الإنسانية الشاملة مستحيلة فليس لها أساس إنساني أو طبيعي أو إلهي، ولا يمكن التمييز بين الحقيقي والزائف. ويرفض كل أنصار ما بعد الحداثة فكرة الحقيقة الكلية، فهي مخلفات عصر الاستنارة الذي افترض وجود نظام وقواعد ومنطق. والسؤال عن الحقيقة سؤال ميتافيزيقي، فالسؤال عن الحقيقة (أو ما الحق؟) لا يختلف تماماً عن: ما الإله؟ ولا يوجد شيء في واقع الأمر يُسمَّى «الحقيقة في ذاتها» (على حد قول دريدا) وإنما يوجد دائماً فائض من الحقيقة. "وحتى لو كان الأمر يخصني، عني، فإن الحقيقة دائماً تعددية. إن ما يوجد هو حقائق منفصلة وليس حقيقة كلية وهي شبكة من الألعاب اللغوية". وينكر فوكوه (الذي يؤمن بميتافيزيقا الصراع) وجود الحقيقة، فالحق ـ في تصوُّره ـ هو نتيجة القوة، يفرضه أصحاب المصلحة في فرضه، ولذا لا يمكن فصل الحقيقة عن القوة. بل إن ادعاء الحقيقة شكل من أشكال الإرهاب والشمولية. وبدلاً من الحقيقة الكلية والنظريات العظمى، يطالب أنصار ما بعد الحداثة بالقصص الصغرى، والمعارف البرجماتية غير المترابطة التي تدور داخل حدود سياقها. والوصول إلى الحقيقة يتم من خلال المحادثة والتفاوض البرجماتي (أي الاتصال بين قصتي الصغرى وقصتك الصغرى) لا الحوار في إطار قصة عظمى لها شرعية عند كل أو معظم البشر. داخل هذا الإطار، تصبح العلوم الإنسانية بغير جدوى ولا تؤدي إلى تحضُّر الإنسان ولا إلى مساعدته في تحقيق إنسانيته (وما جوهر هذه الإنسانية أصلاً؟ وما هو الجوهر أساساً؟). لكل ما تقدَّم، لا يمكن القول بأن العقل يستطيع محاكاة الواقع، فهو ليس مرآة له، ويستحيل من ثم إصدار الأحكام والتفسير والتخطيط والتحكم ومراكمة المعلومات والاستفادة منها، بل يعني هذا استحالة الإبداع الحقيقي.

وهنا يظهر نوعان من ما بعد الحداثة يحلان محل المشروع الاستناري القديم، حين كان هدف الفلسفة هو محاولة التوصل إلى الحقيقة الكبرى الكامنة في حركة الطبيعة وقوانينها وتجريدها والوصول إلى نماذج مادية تفسيرية تتسم بالشمول الكامل. يرى أنصار ما بعد الحداثة أن المعرفة قابعة في القصص الصغرى المرتبطة بظروفها والمحددة بزمنيتها، الأمر الذي يترك عنصراً فعالاً واحداً وقيمة حاكمة كبرى ومقولة تحليلية كبرى هي إما اللغة أو القوة:

أ ) ما بعد الحداثة النصوصية أو اللغوية: وهي ترى أن اللغة ليست أداة لمعرفة الحقيقة وإنما هي أداة إنتاجها، فثمة أسبقية للغة على الواقع، ولذا فإن النموذج المهيمن هنا هو النموذج اللغوي. وترى ما بعد الحداثة النصية أن اللغة مكونة من صور مجازية لا تكشف الواقع وإنما تحجبه، فهي تشبه الزجاج المُعشَّق الذي تحاول أن ترى ما وراءه فتنشغل بألوانه وتنسى المدلول. واللغة مكونة من لعب الدوال المنفصلة عن المدلولات. ولذا، كما يقول دريدا، يسـتحيل معـرفة الواقع خارج نطاق الخطاب المستخدم ويستحيل التعبير عنه. والنص، أدبياً كان أم فلسفياً، مُعبَّأ بالصور المجازية التي تحجب الرؤية. ومن ثم، فإن النصوص الفلسفية، بل العلمية، إن هي إلا نصوص بلاغية مجازية مكتفية بذاتها ولا تشير إلى أي شيء خارجها (فلا يُوجَد شيء خارج النص). والنص شيء منفتح تماماً مرتبط بالنصوص الأخرى، ولكنه منعزل تماماً عن أي واقع موضوعي خارجه.

ب) ما بعد الحداثة الصراعية: النموذج هنا ليس اللغة وإنما إرادة القوة والحرب والمعارك، فالخطاب لا يُوجَد في ذاته على الإطلاق وإنما يُردُّ بأسره إلى الواقع. وإذا كانت ما بعد الحداثة اللغوية تقول "لا يُوجَد شيء خارج النص" فإن ما بعد الحداثة الصراعية تقول "لا يُوجَد شيء خارج القوة ولا يُوجَد أحد خارج نطاق القوة، فالمعرفة لا تُفهَم إلا في إطار علاقات القوة وتوزيعها، ومن يتحكم فيها يتحكم في كل شيء". والقوة في هذا السياق تحل محل اللغة (ومحل العلوم الطبيعية) فهي لا تهيمن على الواقع وحسب وإنما تعيد إنتاجه، وهي لا تكبـح جماح الناس وإنما تعيد صياغتهم. واللغة نفسها ليست أداة للتواصل ولا حتى أداة للقمع بل هي القمع نفسه. والقوة ليست مركزاً ثابتاً وإنما هي مجموعة من العلاقات تتخلل النظام الاجتماعي بأسره بأشكال مختلفة. ولذا، لا يمكن إعطاء أسبقية أو أولوية سببية للعنصر الاقتصادي. والانعتاق لا يكمن في العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للدخل وإنما يكمن في التعبير عن الرغبة (التي تحاول النظم الاجتماعية أن تقمعها)، ولكن الرغبة نفسها أصبحن نهباً للتغلغل وسيطرت عليها صناعة اللذة والأحلام. ولذا، يصبح الشذوذ الجنسي أكثر أشكال الرغبة انعتاقاً، بل تصبح الرغبات السادية/المازوكية الشاذة قمة الانعتاق (وقد صرح فوكوه، وكان شاذاً جنسياً يمارس السادية/المازوكية، ويتردد دائماً على عاصمة الشذوذ الجنسي في العالم [سان فرانسيسكو]، بأن لحظة الانعتاق الوحيدة التي كان يشعر بها، هي لحظة ممارسته الجنس الشاذ على الطريقة السادية المازوكية، فهو بذلك يزيل آثار الميتافيزيقا تماماً وظلال الإله، إذ لا يبقى في العالم سوى جسده وجهازه العصبي وخلاياه وصيرورته الكاملة).

إن اللغة أو القوة هما الحقيقة (اللوجوس) وهما بديل مقولة المادة في الفلسفات المادية في عالم لا قوانين له ولا يتبع مُخطَطاً ولا يحركه شيء سوى دينامية كامنة فيه نابعة منه وغير مفهومة.

ولكن كيف تأتَّى لفلاسفة ما بعد الحداثة أن يدركوا غياب المرجعية والمعيارية وهيمنة القوة وسيطرة الصيرورة دون الاستناد إلى مرجعية ما ومعيارية ما ومعرفة بعالم عادل فيه كليات ثابتة؟ وكيف يكتبون وهم يعرفون أنهم لن يصلوا إلى شيء؟ لم لا يحجمون عن الكتابة والتفكير وكتابة المجلدات الفلسفية المعقدة؟ أليس من الأجدى لهم أن يبقوا في عالم الصيرورة الأكيدة الحسية ويحتسوا أفخر الخمور ويضاجعوا أجمل النساء والغلمان كما فعل الرومان في أواخر أيام الإمبراطورية، وكما يفعل الوثنيون العدميون عندما يشعرون بالعدمية تُطبق عليهم؟ ففي الخمر والنساء صيرورة ويقين الغياب والعدم. لا يُوجَد رد على هذا داخل النظام ما بعد الحداثي وإن كان دريدا قد حاول مرة الإجابة بقوله بأنه يعترف بأنه يقف داخل النظام الميتافيزيقي ويدرك هذا، أما الآخرون فيقفون في نظمهم الميتافيزيقية ولا يدركون هذه الحقيقة. وهذا هراء إذ تظل المشكلة قائمة: لم الكتابة المضنية إذن، وسهر الليالي، بدلاً من الصيرورة السهلة والانزلاق المستمر؟ من أجل مَنْ كل هذا العناء وكل هذه المعاناة؟

3 ـ الترشيد:

لا يمكن، بطبيعة الحال، الحديث عن الترشيد في إطار ما بعد الحداثة، فهي ثورة ضد الترشيد وضد البحث عن الانعتاق من خلال المعرفة العلمية ومن خلال التكنولوجيا والنظريات العظمى. وتَصدُر ما بعد الحداثة عن الإيمان بأن ثمة قوى لغوية (ما بعد الحداثة اللغوية) أو تاريخية (ما بعد الحداثة الصراعية) غير واعية ولا يمكن التحكم فيها. وقد اكتشف الإنسان أن المشروع التحديثي والعقلانية المادية قد أنتجا روبسيير وستالين اللذين يقتلان بالطرق التقليدية باسم روح العالم والتاريخ، أما المشروع الحداثي واللاعقلانية المادية فقد أنتجا هتلر الذي يقتل بمنتهى الرشد من خلال أفران الغاز باسم الجايست، وأخيراً يظهر ريجان وبوش وكلينتون الذين يقتلون الجسد بالقنابل الذكية ويقتلون الروح من خلال التغليف الجيد والسلع باسم الإجراءات والحركة المستمرة.

ويُلاحَظ تزايد هيمنة المؤسسات البيروقراطية الحكومية وغير الحكومية، كما يُلاحَظ تصاعد معدلات التنميط والترشيد الذي يتزايد بشكل مخيف حتى تُصبح له حركيته المستقلة ويتزايد التجريد ويخضع كل شيء للتفاوض والتبادل بحيث يمكن تحويل أي شيء إلى شيء آخر. كما تتزايد السلع والمعلومات والمعارف. ولكن السلع لا تأتي بالسعادة بل تهيمن على الإنسان، فاستهلاكها يصبح الغاية النهائية من وجوده، فهو متمركز حولها وهو ما يؤدي إلى تَسلُّعه وإلى استقلالها المتزايد عن إرادته. والمعلومات لا تأتي للإنسان بالحكمة ولا تنير الواقع ولا تكشف المعنى بل تحجبه، فالأخبار تصبح قصصاً والوهم يصبح واقعاً ويتم "إخراج" كل شيء كما تُخرَج الأفلام، حتى الانتخابات أصبحت تشبه الأفلام، وحتي حياتنا الخاصة بدأنا في "إخراجها"، ويتداخل الأصل والصورة. ومع هذا، تستمر ثورة المعلومات والسلع بلا توقف. كل هذا يُولِّد إحساساً لدى الإنسان بأنه قد تحكَّم في كل شيء، والدليل على هذا وفرة المعلومات والسلع و"إخراجه" لكل شيء. ولكنه يحس أيضاً بعدم التحكم في المعلومات والسلع، فالعالم يُدار من الخارج تماماً، وهناك من يقرر ما يُنشَـر وما لا يُنشَر ويقرر معنى المعلومات، ويتزايد الإحسـاس بأن العلم والتكنولوجيا لا يمكن التحكم فيهما، بل هي التي تتحكم في الإنسان. والتقدم العلمي أتى بالخيرات المادية ولكنه أدَّى إلى ثقوب الأوزون وتراكم أسلحة الدمار التي تكفي لتدمير العالم عدة مرات.

وتظهر الهندسة الوراثية والاستنساخ والهندسة الاجتماعية والبيولوجيا الاجتماعية والمفاهيم السلوكية والحتمية التي تتضاءل معها مقدرات الإنسان. وبدلاً من التطور، يظهر مفهوم التطوير ويتم حوسلة الإنسان تماماً. ومع ظهور الكمبيوتر، تتغير رؤية الإنسان تماماً للكون ويصبح العالم وحدات رياضية تُدرَك هندسياً. وهكذا يدرك الإنسان أنه يعيش في حرية كاملة بلا قواعد ولا قصـص مع أنه في واقع الأمر يعيـش في قفـص حديدي. وهو عالم لا قانون له، عالم الحـرية الكاملـة، ولكن الحرية الكاملـة هي نفسها الصدفة الكاملـة. وبدلاً من التمرد على ما يحدث، يتقبل الإنسان نتائج الترشيد من الداخل والخارج ويقبل أن يُكتسَح بكل سرور وأن يتشيأ ويذعن للتحكم التكنوقراطي. وبدلاً من حلم التحكم، تظهر الرغبة في اللعب.

4 ـ المعنى (والوحدة والتماسك) والتجاوز:

وجود المعنى هو وجود عنصر أفلت من قبضة الصيرورة، ولكن ما بعد الحداثة هو عالم صيرورة كاملة، كل الأمور فيه متغيِّرة، ولذا لا يمكن أن يوجد فيه هدف أو غاية. وقد حلت ما بعد الحداثة مشكلة غياب الهدف والغاية والمعنى بقبول التبعثر باعتباره أمراً نهائياً طبيعياً وتعبيراً عن التعددية والنسبية والانفتاح، وقبلت التَغيُّر الكامل والدائم. ولا تتحقق الوحدة أو التماسك فبدلاً من المركز تظهر عدة مراكز، وبدلاً من اليد الخفية الواحدة تظهر أيد خفية عديدة. كما تظهر الذات الحرة تماماً، ولكنها حرة داخل سياقها الخاص وعالمها الخاص وحدودها الضيقة، فهي حرية كاملة داخل حدود كاملة خاصة. أما العالم الخارجي، فهو عالم تحكمه الحتميات الصارمة والصدفة الكاملة، عالم لا مركز له ولا يُوجَد فيه نظام أفقي أو رأسي.

لكل هذا، فإن الإرادة المطلقـة داخل السـياق الفردي الخاص تصبح إرادة عاجزة داخل السياق الإنساني العام. ولهذا، يظهر اللعب بديلاً عن التحكم، والانزلاق والرقص بديلاً عن التخطيط، تماماً كما تحل القصة الصغرى محل الوعـي الإنسـاني الشـامل. في هـذا الإطار، لا يمكن التـمرد أو الثورة أو التجاوز. وفي واقع الأمر، يتصور البعض أن ما بعد الحداثة، بإصرارها على أن كل شيء خاضع للصيرورة وأن الواقع تعددي، هي أيديولوجيا ثورية تعددية. لكن ما لا يدركه هؤلاء هو أن ما بعد الحداثة دعوة للتسوية لا للمساواة، وأن تعدديتها إنكار للمعيارية ولأية نظم من أي نوع، وأنها قد تأخذ شكلاً بروميثياً في رفض فكرة الإله المتجاوز ولفكرة القداسة مع أن مضمونها معاد للإنسان بإنكارها له ولمركزيته ولفكر الطبيعة البشرية، ورجعيٌّ مغرق في الرجعية بسبب إنكارها أية معيارية يمكن أن يتم التغيير باسمها. فهي أيديولوجيا القبول البرجماتي للوضع القائم والإذعان والخنوع له والتكيف معه، أي اللعب مع الواقع بدلاً من تغييره، وبدلاً من الحديث عن معنى اللعب، يصبح الحديث عن لعب المعنى. والحل البرجماتي يتضمن إعادة تسمية الظواهر السلبية. وإذا هزمت السلع الإنسان، فإن الحل هو أن يذعن لها الإنسان ويعتبرها أعمالاً فنية ومصدر لذة حقيقية، بل تصبح الوفرة السلعية هدفاً نهائياً للمجتمع والإنسان. وإذا كان التحديث يفكك الإنسان، والحداثة ترصد موت الإنسان، فإن ما بعد الحداثة تتكيف مع موت الإنسان وتقبله باعتباره أمراً طبيعياً متوقعاً.


5 ـ المنظومة الأخلاقية:

لأن الواقع لا اتجاه له، ولأن الكون لا ثبات فيه، ولأن الحقائق منفصلة عن القيمة، ولأن كل الأمور متساوية، بسبب كل هذا، لا يمكن قيام أية معيارية، ولا يمكن تأسيس نظم أخلاقية عامة، وإنما يمكن تأسيس اتفاقات محدودة الشرعية لا تتحدد في ضوء منظومة أخلاقية كلية وإنما في ضوء الوظيفة والنتيجة. كل ما يمكن التوصل إليه هو أخلاقيات برجماتية تأخذ شكل فلسفة القوة والهيمنة (للأقوياء) وفلسفة الإذعان والتكيف (للضعفاء)، إذ لا تُوجَد معايير متجاوزة للإنسان ولا تُوجَد وسيلة لتعريف الظلم والعدل.

 والحديث عن قمع الإنسان لبعض رغباته وإرجاء تحقيق البعض الآخر مستحيل، فمثل هذا لا يمكن أن يتم إلا باسم كل متجاوز وفي إطار قصة عظمى. ومن هنا تصبح الرغبة والتعبير عنها معياراً أخلاقياً أساسياً. فما يُعبِّر عن الرغبة هو خير، وهذا ما يعني الانفتاح الكامل والسيولة، أما الإرجاء فهو مرتبط بالقوة والقمع وتصبح المنظومة الأخلاقية منظومة جمالية، إذ لا يوجد واقع ولا حقيقة وإنما تُوجَد أشكال من التناسق يصل إليها الإنسان بنفسه. والتجربة الإنسانية خطاب خيالي وحقيقة إمبريقية في آن واحد (على حد قول بول دي مان)، ومن المستحيل أن نقرر أيهما الواقع. وهذا التردد يجعل من الممكن غفران أي ذنب، مهما بلغ فحشه.


6 ـ التاريخ والتقدم:

يختفي المركز والأطروحات الكلية والسببية، ومن ثم يستحيل الوصول إلى معرفة كلية، وتختفي الذات ويتراجع الموضـوع. وذاكرة الإنسـان، مسـتودع تجربته وتجارب السابقين والملكة التي يقوم من خلالها بمراكمة المعنى والإنجازات، تهتز هي الأخرى. فالحقائق تتغير، والإعلام يعطيه حقائق/قصصاً متعددة مفرطة في تعدديتها، والقواعد تتغير، فيختفي الإحساس بالتاريخ والاستمرار كما تختفي النماذج الخطية التطورية ويختفي أي نموذج تفسيري. ويظهر ما سماه أحدهم «ذاكرة الكلمات المتقاطعة»، أي معلومات متناثرة لا يربطها رابط. وينشأ الإحساس بأننا في الحاضر الأزلي، تَغيُّر مستمر بلا ماض ولا مستقبل. ويتحول التاريخ من تاريخ إلى مجرد زمان، لحظات جامدة، زمن مُسطَّح لا عمق له ملتف حول نفسه لا قسمات له ولا معنى. ويتزامن الحاضر والماضي والمستقبل تتساوى تماماً مثل تَساوي الذات والموضوع والإنسان والأشياء، ولكنها في الوقت نفسه متزامنة دون استمرار، فثمة انقطاع كامل. وإن بقي تاريخ، فهو يصبح كالأنتيكة، أشياء مبعثرة، وقائع منفصلة غير قابلة للتفسير تُشبه الصور المتجاورة التي تفصلها مساحات شاسعة، ولذا فإن الستينيات ليست حلقة في سلسلة تؤدي إلى التسعينيات وإنما هي حقبة تاريخية تنتمي إلى تاريخ قديم. وهذا يعني اختفاء القصة العظمى الإنسانية الشاملة لتظهر القصص الصغرى التي لا يتجاوز مغزاها حدودها والتي تؤكد التعددية والنسبية واختفاء مفهوم الإنسانية الشامل. كل هذا يعني اختفاء فكرة التقدم، وإن كان يواكبه إحساس بأن وتيرة التقدم قد تسارعت بشكل يفوق تَحكُّم الإنسان.

ونحن نذهب إلى أن ما بعد الحداثة هي أيديولوجية النظام العالمي الجديد، فبعد حرب فيتنام وتَصاعُد معدلات الاستهلاكية في العالم الغربي (وغير ذلك من الأسباب) اكتشف العالم الغربي والنظام العالمي القديم أن المواجهة المباشرة مع العالم الثالث وقوى المقاومة والجهاد أصبحت شبه مستحيلة، ولذا لابد من اللجوء للإغواء بدلاً من المواجهة فجدة النظام العالمي تكمن في الآليات وليس في الأهداف. ومن الصعب إغواء الشعوب المتماسكة ذات الرؤية القومية أو الدينية الواضحة، ولذا لابد من تسييل العالم والهجوم على الحدود المتعينة، حدود الذات (الوعي القومي ـ الذاكرة القومية ـ الرؤى القومية) وحدود الموضوع (السوق القومية ـ الدولة القومية ـ والمصالح القومية المشتركة). والنسبية الكاملة والقصص الصغرى وتَناثُر المعنى والنص المفتوح وما شابه ذلك من مصطلحات ومفاهيم هي خير آلية لتحقيق هذا.


التفكيكيــــــة
«التفكيكية» ترجمة شائعة مباشرة ومعجمية لعبارة «دي كونستراكشن deconstruction»، ولكنها لا تنقل مضمون الكلمة الأجنبية التي قد يكون من الأفضل ترجمتها بكلمة «التقويضية» (سعد البازعي وميجان الرديلي) أو «الانزلاقية». ولكن كلمة «تفكيكـية» هي الأكثر شيـوعاً ومن هنا استخدامنا لها. وقد تحدَّث كارل مانهايم عن «ديستراكشن destruction»، وهو هدم كل الأيديولوجيات التي تُخادع ذاتها بالضرورة وتتصور أنها تفلت من التاريخانية النسبية ومن قبضة الصيرورة. كما استخدم هايدجر نفس الكلمة بنفس المعنى تقريباً، ففي كتابه كانط ومشكلة الميتافيزيقا، تَحدَّث عن الحاجة إلى إعادة النظر في تاريخ الأنطولوجيا الغربية بطريقة تهدف إلى كشف موضوع دراستها وتطوُّرها وهو ما يتطلب فك تقاليد الأنطولوجيا الجامدة المتكلسة من خلال عملية «هدم». وقد استخدم دريدا كلمة «هـدم» أو «تقـويض» (ديستراكشن) في بداية الأمـر ولكنه عدل عنه واسـتخدم بدلاً منها كلمة «تفكيك». ومع هذا، تظهر النزعة التقويضية بشكل صريح في حديثه عن إجهاد اللغة الذي سيؤدي إلى موت الكلام وحضارة الكتاب. وقد عرَّف هو نفسه التفكيكية بأنها "تهاجم الصرح الداخلي، سواء الشكلي أو المعنوي، للوحدات الأساسية للتفكير الفلسفي، بل تهاجم ظروف الممارسة الخارجية، أي الأشكال التاريخية للنسق التربوي لهذا الصرح والبنيات الاجتماعية الاقتصادية والسياسية لتلك المؤسسة التربوية". وحيـث إنه لا يذكر بديلاً لهذه المؤسـسات كافة، فإن ما يهـدف إليـه هو تقويض وهدم حتى لو سماه «التفكيك».

وكلمة «تفكيك» تأتي في بعض الأدبيات مرادفة لمصطلح «ما بعد الحداثة»، ولكننا نذهب إلى أن التفكيكية إحدى أوجه ما بعد الحداثة، ففكر ما بعـد الحداثة فكر تقويضيّ معاد للعقلانية وللكليـات، سواء أكانت دينية أم مادية، فهو فكر يحاول أن يهرب تماماً من الميتافيزيقا ومن الحقيقة والمركزية والثبات ويحاول أن يظل غارقاً في الصيرورة. وتَصدُر ما بعد الحداثة عن الإيمان بأن أي نظام فلسفي أو ديني يستند إلى نقطة بدء ثابتة متجاوزة (أساس)، وفي حالة التصور الديني فإن نقطة البدء هي الإله الخالق المفارق للمادة. ولكن الأمر لا يختلف كثيراً في حالة النظم المادية (الصلبة)، فنقطة البدء هي مفهوم الكل المادي الثابت المتجاوز (الذي نشير إليه بأنه الطبيعة/المادة). هناك، إذن، لوجوس أساسي (الإله أو المادة) والعالم كله متمركز حول اللوجوس، ولا يمكن أن يُوجَد نظام دون مركز/لوجوس. وعادةً ما يَنتُج عن نقطة البدء ثنائية هي ثنائية الخالق والمخلوق (في النظم الدينية) أو ثنائية الكل والمركز والثبات مقابل الجزء والهامش والصيرورة. ويرى أنصار ما بعد الحداثة أن الثنائيات المتعارضة تظل في تعارضها ولعبها وحركتها إلى ما لا نهاية حيث تُوجَد نقطة أصل وأسـاس ثابتة. وهي تترجم نفسـها إلى تراتب هرمي. وداخل كل ثنائية، يحكم أحد أطراف الثنائية الطرف الآخر.

وترى ما بعد الحداثة أن هذا الإيمان بالأصل الثابت المتجاوز (الإله أو الكل المادي المتجاوز) الذي يعلو على لعب الدوال وصيرورة المادة يتناقض تماماً مع الواقع المادي الذي يعيش فيه الإنسان وصيرورته الدائمة، فالمادية الحقة ضد الثبات وتؤمن بأن العالم بلا أصل.

كما يرى أنصار ما بعد الحداثة أن اللغة ليست أداة جيدة للتواصل، فثمة انفصال بين الدال والمدلول يؤدي إلى لعب الدوال المستقل عن إرادة المتكلم. فالإنسان لا يتحكم في اللغة بل إن اللغة هي التي تتحكم فيه. فاللغة تشبه المرأة اللعوب التي توهم المتحدث/الذكر، الذي يريد أن يُطوِّعها بأنها تطيع أمره، ولكنها في واقع الأمر تفعل عكس ما يريد تماماً.

لكل هذا يرى أنصار ما بعد الحداثة أن ثمة تناقضاًَ لا يمكن حسمه داخل كل نص يدعي لنفسه الثبات، هو التناقض بين ظاهره الثابت المتجاوز للصيرورة، وباطنه الواقع في قبضة الصيرورة وأن كل نص يحتوي على أفكار متسقة بشكل ظاهري، متعارضة بشكل فعلي. ولكن علاقة النص بالواقع لا تختلف عن علاقة الدال بالمدلول، أي أنها عـلاقة واهـية جداً لأن النص في واقـع الأمر يسـتند إلى ذاته ويُشير إلى ذاته ولا يُشير إلى أي شيء خارجه. وقد جعل أنصار ما بعد الحداثة همهم تفكيك كثير من الأفكار الأصولية (الدينية والمادية) وتوضيح استحالتها وتناقض الأساس الكامن داخلها، بحيث يظهر أن اللوجوس الذي يستند إليه نص أو ظاهرة إنما هو مجرد عنصر واحد من بين عناصر شتى، وأن الثنائيات الكامنة داخل نص ما ثنائيات متعارضة بشكل لا يمكن حسمه من خلال العودة إلى نقطة الأصل الثابتة، ومن ثم تسود حالة من الانزلاقية واللعب ويتهدم أي تراتب هرمي أو أي تنسيق للواقع.

في هذا الإطار يمكن القول بأن الرؤية الفلسفية هي «ما بعد الحداثة»، أما «التفكيكية» فهي منهجها في تفكيك النصوص وإظهار التناقض الأساسي الكامن فيها، وقد قيل إن الجراماتولوجي هو «علم الكتابة»، وذلك باعتبار أن الكتابة كتابة أصلية أو أولية، أما التفكيكية فهي الشكل الذي تأخذه حينما تتوجه إلى نصوص بعينها.

والتفكيكية تحاول تفكيك/تقويض النص بأن تبحث داخله عما لم يقله بشكل صريح واضح (وهو ما يُشار إليه بعبارة «المسكوت عنه») وهي تعارض منطق النص الواضح المُعلَن وادعاءاته الظاهرة، بالمنطق الكامن في النص، كما أنها تبحث عن النقطة التي يتجاوز فيها النص القوانين والمعايير التي وضعها لنفسه، فهي عملية تعرية للنص وكشف أو هتك لكل أسراره وتقطيع لأوصاله وصولاً إلى أساسه الذي يستند إليه، فيتضح تناقض هذا الأساس وضعفه ونسبيته وصيرورته فتسقط عنه قداسته وزعمه بأنه كلٌ ثابتٌ متجاوزٌ.

ويصل النـص إلى طريق مسـدود إذ تظهر الهوة الموجودة داخلـه (العنصر الذي يهرب من قبضة كل النظم المعرفية). عندئذ، يظهر عدم تماسك النص وانعدام اتساقه الداخلي فيتعثر المعنى الظاهر ويتناثر، بعد أن كان متماسكاً وله مركزه الواضح، وتنزلق الدلالة من عالم تَرابُط الدال والمدلول إلى عالم من اللا تحدد ولا يرتبط فيه الدال بالمدلول.

وتتم عملية التفكيك على مرحلتين: يقوم الناقد بالتعمق في النص حتى يصل إلى الافتراضات الكامنة في النص ومنظوماته القيمية والهرمية وافتراضاته الأصولية وأساسه الميتافيزيقي الكامن (التمركز حول اللوجوس). أما المرحلة الثانية، فهي حين يبدأ الناقد في اكتشاف عنصر ممالئ في النص (تفصيلات هامشية ـ مصطلحات غير هامة متكررة ـ إشارات عابرة)، فيأخذها الناقد التفكيكي، ويظل يُعمِّق فيها ويُحِّملها بالمعاني حتى يبيِّن احتواء الكل الثابت المتجاوز على تفاصيل تُقوِّض من كليته وثباته وتجاوزه، وحتى يبيِّن مدى اشتراك الثنائيات في السمات رغم اختلافها، فهما ليسا متعارضين بما فيه الكفاية حتى يتداخل القطبان.

إن النقد التفكيكي لا يفكِّك النص ويعيد تركيبه ليبيِّن المعنى الكامن في النص (كما هو الحال مع النقد التقليدي) وإنما يحاول أن يكشف التوترات والتناقضات داخل النص وتعددية المعنى والانفتاح الكامل، بحيث يفقد النص حدوده الثابتة ويصبح جزءاً من الصيرورة ولعب الدوال، ومن ثم تختفي الثنائيات والأصول الثابتة والحقيقة والميتافيزيقا.
وقد أشار كثير من الدارسين إلى أن النقد التفكيكي يتسم بما يلي:

1 ـ النقد التفكيكي نقد ممل لأنه يقول الشيء نفسه عن النصوص كافة ونتيجته معروفة مسبقاً.

2 ـ لم يأت التفكيك بأي عنصر جديد، فكل العناصر موجودة في النقد التقليدي ولكنها مبالغ فيها ويتم تناولها بشكل لا تسمح به حدود النص.

3 ـ النقد التفكيكي نقد واحدي، فكل العناصر سيتم تفكيكها، وإن بقي عنصر سيأتي ناقد آخر ليكمل عملية التفكيك إلى أن ينتهي التفكيك بواحدية سائلة محضة.

4 ـ النقد التفكيكي نقد ثوري فيما يتعلق بتحليل خطاب الآخر، ولكنه رجعي في كل شيء آخر، فهو لا يمكن أن يطرح بدائل.

قبضة الصيرورة
«الصيرورة » من فعل «صار» وهي انتقال الشيء من حالة إلى أخرى وهي مرادفة للحركة والتغير. والصيرورة نقيض الثبات والسكون. أما «قبضة الصيرورة» فهي صورة من نحتنا ومن خلالها نبيِّن أن الإشكالية الأساسية في الفلسفة الغربية منذ عصر النهضة مع هيمنة الفلسفات العلمانية الشاملة (المادية) هي محاولة البحث عن مركز ثابت في عالم مادي كل ما فيه في حالة تَغيُّر وحركة، عالم لا ثبات فيه إلا للحركة ولا مطلق فيه إلا النسبي، وهي محاولة فاشلة فكل شيء يسقط، في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، في قبضة الصيرورة، وهو ما يؤدي إلى غياب المركز وسقوط المرجعية وسيادة النسبية والعدمية.

وفلسفة ما بعد الحداثة هي الفلسفة التي تحاول أن تدفع بكل شيء إلى قبضة الصيرورة، ويتم ذلك من خلال نزع القداسة عن كل الظواهر وردها إلى عناصر مادية، خاضعة لقانون الحركة. وعلى المستوى اللغوي يتم فصل الدال عن المدلول وتبدأ لعبة الدوال وتسقط اللغة نفسها في قبضة الصيرورة.


انفصال الدال عن المدلول
«الدال» هو الجانب المحسوس ( بالإنجليزية: سنسبل sensible) من الكلمة، فهو الصورة الصوتية أو مساويها المرئي. أما «المدلول» فهو الجانب المعقول (المُدرَك بالعقل) من المعنى (بالإنجليزية: إنتليجيبل intelligible). وكان بوسعنا أن نقول ببساطة إن «الدال» هو «الاسم» و«المدلول» هو «المسمى»، وأن «الدال» هو «الكلمة التي تشير إلى شيء» و«المدلول» هو «الشيء الذي يُشار إليه». ولكن حيث إن كلمة «دال» لا تشير إلى الكلمات وحسب وإنما تشير إلى النظم الإشارية (علامات المرور ـ الرموز... إلخ)، فإننا نُؤثر استخدامها لأنها أكثر شمولاً. والدال مرتبط دائماً بالمدلول، ولكنه منفصل عنه، فالدال جزء من النظام الإشاري اللاشخصي أما المدلول فهو جزء من نظام المعنى.

ومن القضايا الأساسية التي تُثار في فلسفة اللغة في الغرب قضية علاقة الدال بالمدلول، وهي قضية معرفية، تشير إلى علاقة العقل بالواقع (والإنسان بالطبيعة/المادة)، فإن كانت علاقة الدال بالمدلول مباشرة وبسيطة فهذا يعني أن علاقة العقل بالواقع مباشرة وبسيطة، وأن عقل الإنسان سلبي يعكس الواقع دون تحوير أو تعديل أو إبداع، فالنموذج هنا تراكمي. والعكس صحيح. فإن كانت علاقة الدال بالمدلول غير مباشرة ومركبة، فهذا يعني أن علاقة العقل بالواقع (الحسي/المادي أي الطبيعة/المادة) علاقة مركبة وتعني استقلال العقل عن الواقع (الطبيعة/المادة(.

ويمكن أن تأخذ علاقة الدال بالمدلول شكلين أساسيين:

1 ـ انفصال الدال عن المدلول واتصالهما، وهو ما يعني أن ثمة مسافة بين الواحد والآخر ولكنها ليست هوة (أبوريا) إذ تُوجَد نقطة مرجعية نهائية يتصل من خلالها الدال بالمدلول، وهي المدلول المتجاوز، وهو ليس جزءاً من اللغة فوجوده يسبق وجودها. وهذا يفترض استقلال الفكر عن اللغة واستقلال اللغة عن الواقع، ولكنه يعني أيضاً أن اللغة أداة صالحة للتواصل، فهي تشير إلى الواقع (وهذا يعني أن العقل قادر على معرفة الواقع والتعامل معه) رغم وجود مسافة بينهما.

وثنائية الدال والمدلول تشير إلى ثنائيات أخرى مثل: لغة/فكر ـ شكل/مضمون ـ خارج النص/داخل النص ـ وسيلة/غاية ـ منطوق/مكتوب. وهذه الثنائيات متكاملة في النظم العقلانية. وثمة أولوية وأسبقية للطرف الثاني على الطرف الأول، فالمدلول يسبق الدال، تماماً كما أن المضمون والفكر هما الغاية وكما أن الشكل واللغة هما الوسيلة.

ويحاول دعاة ما بعد الحداثة أن يُبيِّنوا انفصال الدال عن المدلول لتقويض هذه الثنائية التكاملية الأولية، الضرورية لتطوير نظم فلسفية وأخلاقية. فهذه الثنائية، في تصوُّرهم، هي صدى للحضور وللوجوس. وكما يقول دريدا "إن الوجه المعقول للإشارة (المدلول) يتجه دائماً نحو وجه الإله (المدلول المُتجاوز)"، فإن ربطنا الدال (وجه الإشارة المحسوس) بالمدلول، فإن اللغة تصبح بذلك متمركزة حول اللوجوس (متوجهة نحو أصل الإنسان الرباني)، ولذا تأخذ الإستراتيجية ما بعد الحداثية شكل محاولة إلغاء المسافة بين الدال والمدلول وهذا يأخذ شكلين:

2 ـ الالتحام أو الانفصال الكامل للدال عن المدلول:

أ ) التحام الدال بالمدلول، وهذا يعني أن الدال يصبح مدلولاً كما هو الحال في حالة الأيقونات واللغة الجبرية والتفسيرات الحرفية واللغة المحايدة والصيحات الجنسية واللغة الذاتية المغرقة في الذاتية (وهذا يعني أن العقل لا يَدخُل في علاقة مع الواقع، فهو جزء لا يتجزأ من الواقع عليه أن يذعن له أو أن يهيمن تماماً على الواقع ويمكنه تجاهله(.

ب) الانفصال الكامل للدال عن المدلول، وفي هذه الحالة تصبح اللغة نظاماً دلالياً مستقلاً تماماً عن الواقع، أو على علاقة به واهية للغاية. ومن أهم أسباب انفصال الدال عن المدلول تَغيُّر المدلولات بشكل سريع وتَداخُل الحدود حتى تصل إلى تعددية مفرطة في عالم المدلولات تجعل الدال لا قيمة له (وهذا يعني أن العقل لا يمكنه أن يتعامل مع الواقع، فالواقع لا يمكن الوصول إليه، ولذا فعلى العقل ألا يكترث بالواقع وأن يذعن للعب الدوال ويتكيف معه ويذعن له(.

إن الفصل الكامل للدال عن المدلول أو التحامهما هو تحطيم للغة وتحطيم للثنائية التكاملية وإطلاق للصيرورة بحيث لا يتوجه المدلول نحو المركز المتجاوز ويسقط كل شيء في قبضة لعب الدوال والصيرورة، وبذا تطمس حدود الكلمات ويهتز معناها وينسى الإنسان أصله الإلهي.

التحديث والحداثة وما بعد الحداثة والمنظومات الحلولية الكمونية المادية
يذهب معظم الدارسين إلى أن المشروع التحديثي (العقلاني المادي) هو مشروع غربي بالدرجة الأولى، ومن ثم يرون أن من يريد التحديث عليه استيراد النماذج الغربية. كما أن هناك من يذهب إلى القول بأن المشروع التحديثي العقلاني المادي إذا كان غربياً، فنحن إذن "بروحانياتنا وإسلامنا" محصنون (والحمد لله) ضده. والنموذج التفسيري الكامن في كلتا الرؤيتين هو نموذج تراكمي وليس توليدياً، يرى أن المعرفة كلها مكتسبة من الخارج (وأن المعرفة الحديثة مكتسبة من الغرب) وينكر أن بعض جوانب المعرفة الأساسية (حديثة أم قديمة) تُولَد من داخل عقل الإنسان نفسه.

ونحن نفضل استخدام نموذج توليدي في تحليل الظواهر الإنسانية لأنه أكثر تفسيرية وتركيبية، دون أن نرفض بطبيعة الحال النماذج التحليلية التراكمية. فمن غير الممكن إنكار أن النموذج التحديثي العقلاني المادي له جذور غربية واضحة، وأنه وصل إلى أول تَحقُّق تاريخي له في الحضارة الغربية من خلال ظروف (سياسية واقتصادية وحضارية) وبخاصة أنه انتقل من العالم الغربي إلى بقية العالم بل اكتسحه اكتساحاً (لأسباب خاصة بالحضارة الغربية من بينها نجاحه المادي في المجتمع الغربي الذي يستند إلى نجاحه في تجربته الإمبريالية) ولكن تفسير جاذبية النموذج التحديثي على أساس تراكمي لا يكفي لتفسير ظاهرة الاكتساح هذه. ونحن نرى أن أحد أهم أسباب نجاحه على المستوى العالمي هو أن جذوره كامنة في النفس البشرية ذاتها.

وقد تحدثنا عن أن الإنسان يتنازعه اتجاهان: النزعة الجنينية والنزعة الربانية. أما النزعة الجنينية فهي الرغبة في الهروب من عبء الهوية والتركيبية والتعددية والخصوصية والمسئولية والإنسانية المشتركة والقيم الإنسانية والأخلاقية العالمية والحدود (بمعنى العقوبة وبمعنى التعريف وبمعنى الحدود النفسية) والزمان والمكان والمقدرة على التجاوز حتى يعود الإنسان إلى عالم الطفولة الأولى والإنسان الطبيعي، بل إلى ما قبل الطفولة الأولى داخل رحم الأم؛ عالم سائل بسيط لا تُوجَد فيه أية حاجة للتجاوز، إذ لا أبعاد له ولا تُوجَد فيه كليات أو مطلقات أو ثوابت؛ عالم يهبط الإنسان فيه ويستقر في قاعه، لا يُوجَد فيه حيز إنساني أو زمان أو ثغرات أو جدل أو حدود أو صراع أو فارق زمني بين المثير والاستجابة؛ عالم بلا ذاكرة لا قيمة فيه ولا قداسة ولا دَنَس ولا عدل ولا ظلم ولا حق ولا حقيقة؛ عالم من الصيرورة الدائمة التي تشكل الثبات الوحيد؛ عالم من الأيقونات المكتفية بذاتها والتي لا تشير إلى إله، فهي تَجسُّد بلا لوجوس؛ عالم خال من الثنائيات قبل أن يُمنَح آدم المقدرة على تسمية الأشياء، حين كان إنساناً طبيعياً ذا بُعد واحد، جزءاً من الطبيعة يُعرَّف في ضوء وظائفه البيولوجية، قطعة من الطين (مادة أولية) لم ينفخ الإله بعد فيها من روحه، ولذا فهو لم يكن يعي بعد أصله الإلهي والمسافة بين الخالق والمخلوقات وبين الدال والمدلول والمحرمات والمباحات والحقيقة والزيف والحق والباطل والعدل والظلم، عالم يشبه ذلك العالم الذي يحلم به دريدا: عالم براءة الصيرورة ـ عالم الإشارات بلا حقيقة وبلا أصل. وكما يقول رورتي، فإنه "عالم مادي تماماً، خال من القداسة، لا يَعبُد الإنسان فيه شيئاً ولا حتى نفسه "، أي أنه عالم خال من الكليات الميتافيزيقية والمادية، ومن النزعات الدينية والإنسانية (يمكن العودة لوصف لاكان للمتخيل ولوصف بياجيه لمراحل تَطوُّر الطفل لإدراك معالم المرحلة الجنينية).

وقد عبَّرت هذه النزعة الجنينية والرغبة في السيولة عن نفسها دائماً من خلال المنظومات الحلولية الكمونية الواحدية سواء أكانت روحية (وحدة الوجود الروحية) أم مادية (وحدة الوجود المادية) في إنكارها الشرس للكليات المفارقة لعالم الصيرورة وفي دمجها بين الإله والطبيعة والإنسان بحيث يصبح العالم جوهراً واحداً لا اختلاف فيه ولا تمايز. ومن بين المنظومات الروحية، يمكن أن نذكر الغنوصية والقبَّالاه اليهودية وغلاة المتصوفة وكثير من الهرطقات الدينية والحركات الشعبوية الشيوعية، ذات الطابع المشيحاني الآدمي (أي نسبة إلى آدم). ومن بين المنظومات المادية، يمكن أن نشير إلى كل الفلسفات المادية خاصةً الفلسفات المادية العدمية مثل السفسطائيين الذين لا يجدون في العالم سوى حركة. ولا تتمرد كل هذه الفلسفات الواحدية على فكرة الإله المفارق وحسب وإنما ترفض كل الكليات والتجاوز والحدود، وضمن ذلك الحدود التي تحدد الإنسان كإنسان وتفصله عن الكائنات الطبيعية، ولذا فهي تذيب الإنسان كمقولة مستقلة وككائن متجاوز للطبيعة/المادة. وقد كانت الجماعات الوظيفية تحمل دائماً فكراً حلولياً كمونياً واحدياً، روحياً مادياً في آن واحد (روحياً بالنسبة للجماعة الوظيفية، مادياً بالنسبة للأغلبية)، والإنسان الوظيفي إنسان ذو بُعد واحد، إنسان اقتصادي غير قادر على التجاوز، يُفهَم في ضوء وظيفته المادية وحسب.

وقد عادت النزعة الحلولية الكمونية الواحدية وأكدت نفسها وبحدة في عصر النهضة في الغرب، فالمشروع التحديثي الغربي العلماني الشامل هو مشروع يدور في إطار المرجعية الواحدية المادية الكامنة في إطار الإنسان الطبيعي الذي يعيش في الطبيعة وعلى الطبيعة، إنسان ذو بُعد واحد. ولكن المشروع التحديثي كان يدور في مراحله الأولى في إطار كل مادي متجاوز، ولذلك فقد أنتج فلسفات عقلانية مادية تؤله الكون ـ تارة تُغلِّب الذات على الموضوع وتعلن أسبقية الإنسان على الطبيعة (تأليه الإنسان)، وتارة أخرى تُغلِّب الموضوع على الذات وتُعلي شأن الطبيعة على حساب الإنسان (تأليه الطبيعة) ـ إلا أنها في تأرجحها هذا ظلت فلسفة عقلانية، تدور حول مركز وتتسم بالصلابة تشبه ما يسميه فيبر «الديانة العالمية»، وهي ديانة يرى أنها تستند إلى رؤية كوزومولوجية عالمية شاملة، تتفرع عنها نظم معرفية وأخلاقية شاملة، وتجيب على كل أو معظم الأسئلة الكلية والنهائية التي تواجه الإنسان بطريقة معقولة تتسم بالاتساق، ولذا فهي تُدخل على قلوب المؤمنين بها الطمأنينة والأمن وقدراً عالياً من التفاؤل. وتفي بالاحتياجات النفسية للإنسان في فهم العالم وفي التوازن مع ذاته ومع عالمه، وتحل له مشكلة المعنى. ويمكن القول بأن المنظومة التحديثية المادية في مرحلة التحديث والصلابة حاولت أن تجيب على الأسئلة الكلية والنهائية والتقليدية وأن تزود الإنسان بمنظومات معرفية وقيمية، ونجحت في هذا بأن أخذت المنظومات المعرفية والأخلاقية المسيحية والإجابات المسيحية على الأسئلة النهائية وقامت بعلمنتها بأشكال مختلفة، فحلّ محل الإله مطلقات علمانية مختلفة مثل «العقل الكلي» أو «روح التطور» أو «المجتمع» أو «الطبقة العاملة». وحلّ محل «تَجسُّد الإله في العالم» مسميات أخرى مثل «تَحقُّق العقل الكلي في التاريخ» أو «حتمية التقدم» أو «مسار التاريخ». وحلّ محل «الآخرة والبعث ويوم الحساب» مفاهيم مثل «حكم التاريخ» و«نهاية التاريخ» و«اليوتوبيا التكنوقراطية» و«الفردوس الأرضي». وتغيرت المطلقات العلمانية وتغيرت تجسداتها ولكن ظل هناك دائماً مطلق ما (المدلول المتجاوز في المصطلح ما بعد الحداثي) يمكن من خلاله إدراك الكليات والمطلقات والثوابت، ويمكن استناداً إليه ترتيب الواقع ترتيباً هرمياً وتحديد ما هو حلال وما هو حرام وما هو كلي وما هو جزئي وهكذا، ويمكن من خلاله ترويض الإنسان الطبيعي ووضعه داخل حدود حضارية، بحيث يمكنه تَجاوُز ذاته الطبيعية المادية.

ولكن معدلات الترشيد المادي والعلمنة المادية والحلولية الكمونية المادية أخذت في التزايد، فزادت معدلات النسبية إلى أن سيطرت تماماً وسقط الكل المادي المتجاوز (إنسانياً كان أم طبيعياً/مادياً) ووقع كل شيء في قبضة الصيرورة. وبدأت الحضارة الغربية تُنتج فلسفات معادية للعقل تنكر الكون والكليات والمطلقات والحدود وتنكر وجود الذات والموضوع وتنكر وجود أي مركز، وتعلن استحالة قيام نظم معرفية وأخلاقية عالمية. هذه الفلسفات المادية اللاعقلانية هي نفسها فلسفات جنينية لا تقف ضد الديانات العالمية التقليدية وحسب وإنما ضد العقلانية المادية الصلبة نفسها، ولا تقف ضد الميتافيزيقا الإيمانية وحسب وإنما ضد الميتافيزيقا المادية أيضاً، أي ضد أية ميتافيزيقا. والحضارة المعاصرة هي نتاج هذه النسـبية الكاملة وهذه السـيولة الفلسفية الشاملة، نتاج هذا النزوع الجنيني نحو إنكار الحدود والهوية والكليات. وهذه السيولة نمط سائد في سائر الأنساق الحلولية الكمونية المادية في كل الحضارات. وعادةً ما تُظهر هذه المنظومات قدراً من التماسك في العصر البطولي ولكنها تنحل دائماً إلى مادة محضة غير متشكلة لا مركز لها ولا قوام، ولا تسمح بقيام أية كليات. وقد نبهنا إلى ذلك السوفسطائيون في بداية تاريخ الفلسفة الغربية، وكما نبهنا نيتشه في نهاية القرن الماضي، كما يبين لنا أنصار ما بعد الحداثة هذه الأيام.

ومما لا شك فيه أن الحضارة الغربية قد وصلت إلى معدلات عالية من السيولة إلا أننا لا يمكن أن نراها متجذرة في هذه الحضارة وحسب، ولا يمكن أن نراها مقصورة عليها، ولا يمكن أن نَعتبر الحضارة الغربية مصدرها الوحيد، بل هي تعبير عن نزوع بشري عميق وعن نمط يسم كل المنظومات الحلولية المادية الواحدية. فالحضارة الغربية الحديثة هي تعبير عن نمط متكرر ونزوع إنساني كوني، وهو النزوع الجنيني، ويجب أن ندركها في إطارها هذا ولا نراها مقصورة على الزمان والمكان الغربيين.

ورغم جدة الأطروحة التي نقدمها والتي تدور في إطار نموذج توليدي، فإن ماكس فيبر كان يتحسس طريقه نحوها. ومما له دلالته أنه كان يكتب في نهاية القرن التاسع عشر مع بداية تَحوُّل الحضارة الغربية من المرحلة البطولية المادية ومرحلة التحديث ومع بداية دخولها مرحلة السيولة والبرجماتية. وقد لاحظ فيبر وجود عناصر مشتركة بين الحضارة الغربية الحديثة والحضارات الوثنية البدائية ذات النزعة الجنينية الواضحة التي ترى الإنسان باعتباره جزءاً لا يتجزأ من الطبيعة. والمنظومات الوثنية البدانية لم تظهَر فيها منظومات أخلاقية، إذ تظل مثل هذه المنظومات ملتصقة تماماً بعالم المادة والجسد وتدور في إطار النسبية المعرفية والأخلاقية، أي أن فيبر يربط بين الحضارة الغربية الحديثة وبين نموذج أكثر عالمية وشمولاً وإنسانية، وهو النموذج الوثني البدائي (الجنيني)، أي أنه لا يراها حضارة ذات جذور غربية ولكن حضارة ذات جذور إنسانية كونية. ولنحاول أن نعرض لأطروحة فيبر مع تطويرها بعض الشيء (مثل ربطنا الديانات الوثنية بالنزعة الجنينية) لتصبح أكثر اتساعاً وشمولاً وخصوبة. ولكن تطويرنا وتعديلنا للأطروحة لا يُخل على الإطلاق بأساسياتها.

يرى فيبر أن ثمة تشابهاً عميقاً بين الإنسان البدائي والإنسان الحديث، ويمكن أن نُعدِّل كلمة «بدائي» لتصبح «الوثني» الذي يؤمن بديانة حلولية كمونية وثنية (وبالفعل، نلاحظ أن فيبر يتحدث أحياناً عن «الإنسان البدائي» وأحياناً أخرى عن «اليوناني القديم»، واليوناني القديم أبعد ما يكون عن البدائية. ولذا فلنستبدل كلمة «وثني» بكلمة «بدائي» لنحاول فهم أطروحة فيبر). كما يجب أن ندرك أن كلمة «إنسان حديث» تعني في واقع الأمر الإنسان الذي يدور في إطار الواحدية المادية (أي العلمانية الشاملة).

يرى فيبر أن أهم نقط التشابه بين الإنسان الوثني القديم والإنسان الحديث هو أن كليهما يفتقر إلى إطار مرجعي معرفي وأخلاقي متكامل متماسك يكتسب تكامله وتماسكه من خلال عقيدة دينية أو ميتافيزيقية، أي أن كليهما لا يؤمن بـ «ديانة عالمية». فكل من الإنسان الوثني والإنسان الحديث يعيش في عالم يفتقر إلى المركز ويتسم بتعدد العقائد والنظم المعرفية والأخلاقية (أي لا تُوجَد «قصة عظمى» وإنما هي «قصص صغرى»، إن أردنا استخدام المصطلح ما بعد الحداثي). ولذا، فإن الإنسان الوثني البدائي يعيش في عالم مخيف يتهدده من كل جانب، فهو لا يؤمن بعالم آخر ويعيش في هذه الدنيا محاطاً بآلهة وشياطين متصارعة لصيقة بعالمه المادي المباشر غير مفارقة له إلا بمسافة صغيرة. وعقيدته الدينية (قصته الصغرى) لا تجيب على أي أسئلة كلية، فهي لا تُقدِّم رؤية كونية شاملة (قصة عظمى). ولذا، فهي قادرة على أن تُهدئ من روعه قليلاً وبشكل مؤقت شريطة أن يذهب إلى الساحر ليُزوِّده بالتعويذة اللازمة لهذه المناسبة، وبعد أن يُقدِّم القرابين لإلهه الخاص أو لإله الجماعة أو لإله المكان (دون الآلهة الأخرى) في مذبح معيَّن، وبعد أن يقوم بالشعائر المطلوبة بكل دقة، دون وجود منطق كلي واضح وراء كل هذا. وعلاقة الوثني بالآلهة وبالساحر علاقة مادية تعاقدية مباشرة، محددة بنظام المناسبة المباشرة: اتقاء شر إله المكان، أو طلب مساعدة في مهمة معينة، دون وجود منظومة كونية عالمية شاملة.

ويبيِّن فيبر أن العلم الحديث همَّش الشرعية الدينية إن لم يكن قد ألغاها تماماً. ولكن العلم لا يجيب على الأسئلة الكلية والنهائية (فهو يتعامل مع الجزئيات التي تشبه آلهة المكان والجماعة ولا يتناول الكليات). وإجابات العلم على القلق الميتافيزيقي هو مثل تقديم القرابين لآلهة محلية للحصول على طمأنينة مؤقتة، تأخذ في بعض الأحيان شكل مسكنات أو طبيب نفسي. كما أن العلم بسبب افتقاده الرؤية الكلية يسمح بظهور عقائد مختلفة متصارعة، ليس لأيٍّ منها مركزية، تشبه آلهة وشياطين الإنسان الوثني البدائي القديم. (ألا يُفسِّر هذا ظهور العبادات الجديدة البدائية وانتشار التنجيم والسحر وعبادة الشيطان في العالم الغربي المتقدم حيث يسود العلم والتكنولوجيا؟).

بل إن مشكلة المعنى بالنسبة للإنسان الحديث تزداد حدة، إذ عليه أن يتعامل مع أكثر من عالمين (هذا العالم والعالم الآخر). فالوجود الإنساني في المجتمع الحديث قد تم تقسيمه إلى عوالم ومجالات مختلفة منفصلة يسميها فيبر «نظم الحياة» (بالإنجليزية: لايف أوردرز life orders)، فهناك النظم أو المجالات العامة مثل المجال الاقتصادي والمجال السياسي، وهناك المجالات الخاصة مثل المجال الجماعي والمجال الجنسي والمجال الفكري. ولكل نظام إجابته الخاصة على الأسئلة الكلية دون وجود إطار كلي ينتظمها جميعاً، ومثل هذا التشظي لا يمكنه أن يزود الإنسان بإجابة على الأسئلة النهائية، ولذا يظل عالم المعنى فارغاً ويظل كذلك عالم الأخلاق فارغاً، فمع غياب المعنى ونسبية المعرفية تسيطر النسبية الأخلاقية والنفعية المادية التي لا تختلف كثيراً عن أخلاقيات الوثني البدائي النسبية النفعية. ونحن نضيف إلى هذا أن كثيراً من المجالات التي يشـير إليها فيبر قد أســقطت تماماً الأسئلة الكلية والنهائية ولم تثرها أساساً، أي أنها حلت مشكلة المعنى عن طريق إلغائها واكتفت بالترشيد الإجرائي وأخلاقيات الصـيرورة، أي الالتزام بقواعـد اللعـب وبالإجـراءات دون أي بحث عن معنى كلي أو نهائي.

وتؤدي هذه النسبية المعرفية والأخلاقية في حالة الإنسان الوثني البدائي والإنسان الحديث إلى غياب إطار متكامل للوفاء باحتياجاتهما النفسية، ولذا، يعود كل منهما إلى مصادره الشخصية. وإذا كان البدائي يعود للقبيلة والآلهة المحلية ويفقد ذاته فيهما، فإن الإنسان الحديث قد فقد إيمانه بالكل المادي ولم يبق أمامه سوى المؤسسات الرشيدة التي تُرشِّد حياته وتُنمِّطها وتضع له سيناريوهات عديدة بديلة، ولكنها جميعاً تنويعات رياضية فارغة من المعنى. وحينما يتمرد الإنسان على حياته، تظهر الحركات الشمولية والقوميات العضوية التي تزود حياته بالمعنى بأن تُحوِّله إلى إنسان ذي بُعد واحد لا يسأل أية أسئلة نهائية أو كلية ولا يشعر بأي قلق ميتافيزيقي ولا يلتزم بأية منظومات أخلاقية متجاوزة لذاته القومية الضيقة وتذيب الذات المركبة المتعينة في كل أكبر ملون هو الشعب القومي العضوي وأرض الوطن والأجداد المختارة (التي تشبه آلهة المكان المحلية)، أو الدولة والفوهرر في النازية، والوطن والدوتشي في الفاشية، وديكتاتورية البروليتاريا والزعيم الفرد في الشيوعية، والشعب اليهـودي المخـتار وأرض الميعاد في الصهيونية. ولعل ظهور العبادات الجديدة والنزعات البيئية المتطرفة وعبادة جايا، أي الأرض، هو تعبير عن هذه الرغبة الوثنية البدائية/ الحديثة/الجنينية في العودة إلى كل أكبر تُفقَد فيه الذات وتهبط في القاع وتستقر فيه.

ولعل ظهور الجسد والجنس (والصور المجازية الأساسية في النظم الحلولية الكمونية) كصور مجازية أساسية تعبير آخر عن النزعة الجنينية (الوثنية الحديثة) ومحاولة حل مشكلة المعنى بإلغائها، فحينما يصبح الجسد والجنس هما المعنى، فقد عدنا مرة أخرى لإله المكان وإله اللحظة وإلى القرابين المباشرة النفعية دون منطق واضح ودون معنى كلي.

تَجاوَز فيبر حدود المكان والزمان ولاحظ التشابه العميق بين رؤية الكون التي تسود في الحضارة الغربية الحديثة والحضارات الوثنية البدائية (في كثير من الأمكنة)، ولاحظ السيولة الفلسفية التي تسم هذه الرؤى وعجزها عن النهوض إلى عالم الكليات بكل ما يحمل من مسئولية. ولعل أطروحة فيبر لم تنل ما تستحقه من تقدير ودراسة لأنه ذكرها بشكل عرضي في كتاباته. ولكن الأهم من هذا هو سقوط فيبر في التعميم المخل. فقد أدرك بثاقب نظره أننا على عتبات السيولة والنسبية وما بعد الحداثة. ولكنه، بدلاً من أن يرى السيولة باعتبارها إمكانية كانت كامنة وبدأت في التحقق في المرحلة المقبلة، عمَّم بناءً على إدراكه وأسقط هذا التعميم بشكل مطلق على الحضارة الغربية الحديثة بأسرها. ومن الواضح أن التعميم لا يَصدُق إلا على المراحل الأخيرة من الحضارة الغربية الحديثة حيث يسقط كل شيء في قبضة الصيرورة.

ولعله، بإخفاقه هذا، لم ينجح في تفسير عظمة هذه الحضارة الحديثة في مراحلها الأولى (في عصرها البطولي) وطموحها نحو النظرية العامة وتفسير الكون بأسره، بل الهيمنة الإمبريالية العالمية عليه، كما لم ينجح في تفسير كيف أن ما تُصدِّره لنا الآن هذه الحضارة الغربية الحديثة يقف على طرف النقيض من كل ما تعلمناه منها من قبل. فهي حضارة لم تَعُد تبحث عن الحقيقة الكلية والقصة العظمى، وإنما أصبحت قانعة راضية بالنسبية. وهي حضارة كانت تُنتج أشكالاً فنية متماسكة ذات معنى فانغمست في التجريب وأدمنت البدايات الجديدة بشكل دائم وغاصت في التشظي الفلسفي والفني. وبعد أن كانت تؤمن بالمحاكاة والمقدرة على التواصل، أصبحت تنكر هذا الآن، وأخيراً فإن هذه الحضارة العقلانية المادية أصبحت حضارة لاعقلانية مادية. ونموذجنا التفسيري قادر على الإحاطة بهذا التناقض، فقد كانت رغم أن السيولة الفلسفية كامنة في المشروع التحديثي في ماديته وتفكيكيته، إلا أنها كانت في حالة كمون وحسب، ولم تبدأ في التحقق إلا مع نهايات القرن التاسع عشر ثم اكتسحت أوربا مع منتصف القرن العشرين، وها هي ذي تكتسح العالم بأسره على هيئة فكر ما بعد الحداثة والنظام العالمي الجديد.

ولكن منتجات الحضارة الغربية الحديثة في مرحلة السيولة (المتجذرة في النزعة الجنينية عند الإنسان) ليست معادية للحضارة الشرقية أو الإسلامية وحسب، وإنما هي معادية لكل الحضارات وضمنها الحضارة الغربية نفسها (تماماً كما أنها ليست معادية للميتافيزيقا الدينية وحسب ولكنها معادية لكل أنواع الميتافيزيقا وضمن ذلك الميتافيزيقا المادية). ولذا فإن منتجات هذه الحضارة لا تُقوِّض خصوصيتنا وهويتنا وتماسكنا وحدنا وحسب، وإنما تُقوِّض خصوصية وهوية وتَماسُك المجتمعات الغربية نفسها. فالهامبورجر طعام طبيعي مادي أقرب إلى قطعة الغيار لا علاقة له بالأطعمة الغربية (من مطبخ فرنسي إلى مطبخ إيطالي إلى مطبخ إسباني أو حتى مطبخ أمريكي سواء أكان جنوبياً أم شمالياً إلى مطبخ الكريول في لويزيانا)، وهو يحل محلها جميعاً بالتدريج، وهو طعام وظيفي محض لا طعم له ولا لون ولا رائحة، بروتين حيواني، يمكن أن تحل محله حبوب البروتين حينما يتم اختراعها في عصر اليوتوبيا التكنولوجية التكنوقراطية. وقل الشيء نفسه عن موسيقى الديسكو، فليست لها علاقة كبيرة بموتسارت أو بيتهوفن أو باخ أو تليمان أو موسيقى الباروك، ومع هذا فهي تُقوِّضها كلها وتحل محلها. والشيء نفسه ينطبق على الطرز المعمارية، فما يُسمَّى «الطراز الدولي» هو طراز وظيفي وعبارة عن حوائط تشكل حيزاً محايداً يمكن لأي إنسان وظيفي أن يمارس فيه وظائفه البيولوجية الأساسية، دون خصوصية أو هوية أو آلام أو أحلام خاصة.

إن النزعة الواحدية المادية بدأت تكتسح الجميع، لتسقط كل الحدود بحيث يتحول العالم إلى كيان ذي بُعد واحد يتحرك فيه البشر في إطار حتميات مادية، تعفيهم من مسئولية الاختيار، وحيث الأمل هو أن تقوم الهندسة الوراثية الداروينية بتحسين النسل وأخلاقيات الإنسان من خلال تغيير الجينات والتحكم فيها ومن خلال عمليات الاستنساخ النظيفة المعقمة، وحيث يوجد عالم من شاشات التليفزيون والكومبيوتر تعفي الإنسان من مسئولية الحركة بين الآخرين، فيجلس في منزله ليبيع ويشتري ويعمل ويتسلى ويستمنى دون أن يرى بشراً، تماماً مثل الجنين في رحم أمه أو الطفل في علاقته بثديها. والقضية الآن هي: كيف يمكن أن نسـتمر في هذا العالم الحديث دون أن نسـقط في العالم الجنيني ودون أن ننسـى نزعات التجاوز الربانية داخلنا؟ وكيف يمكن أن نؤسس حضارة إنسانية حديثة لا تؤدي بالضرورة إلى تقويض الإنسان؟



الباب الثامن: العلمانية الشاملة والإمبريالية


الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية
ثمة رأي يذهب إلى أن التشـكيل الإمبريالي الغربي يشكل انحرافاً عن الحضارة الغربية الحديثة وعن رؤيتها للكون، وأن تَبنِّي الحضارة الغربية للحل الإمبريالي (أي تصدير مشاكلها للخارج والهيمنة على شعوب الأرض وعلى مصادرها الطبيعية) هو حالة من غياب الاتسـاق مع الذات في حضارة ليبرالية إنسـانية مستنيرة ارتضت الديموقراطية فلسفة للحكم، وارتضـت التنافس الحر نسقاً اقتصادياً، كما تبنت العقلانية والإنسانية فلسفة للكون.

وقد دأبت العلوم الإنسانية الغربية على تَناوُل بعض الظواهر باعتبارها ظواهر مستقلة مع أنها، في واقع الأمر، مترابطة بل تكاد تكون واحدة. فيتم مثلاً الفصل بين الاشتراكية والرأسمالية مع أن كلتيهما مبنية على فكرة ترشيد الاقتصاد وتصفيته من أية مضامين أخلاقية، إنسانية كانت أم دينية، فكل منهما اقتصاد يدور في إطار المرجعية المادية الكامنة (الطبيعة/المادة) وحول السوق/المصنع.

وقد تم الفصل بين الظواهر المترابطة لأسباب عديدة (أشرنا إليها في الباب المعنون «إشكالية تعريف العلمانية» وفي الباب المعنون «نحو نموذج تفسيري شامل ومركب للعلمانية») ويمكن أن نضيف لها هنا أن الخطاب التحليلي الغربي قد استبعد إلى حدٍّ كبير البُعد المعرفي فلم يركز على الأسئلة والمرجعية النهائية وركز على البُعد الاقتصادي وحسب. ولذا، فقد تم تصنيف البشر إلى مستغلين ومستغَلين، وتم تصنيف النظم الاقتصادية على أساس علاقات الإنتاج (أي أن المرجعية الحاكمة والنهائية هي القيمة الاقتصادية)، وأصبحت القضية هي: من الذي يحصل على نصيب أكبر من فائض القيمة، الأثرياء أم الفقراء؟ الشمال أم الجنوب؟ واستناداً إلى هذا المعيار الاقتصادي اليتيم، تمت التفرقة بين الرأسمالية والاشتراكية وتم الربط بين الإمبريالية والرأسمالية من حيث إن النظم الاشتراكية تقوم بتوزيع ثمرة العملية الإنتاجية بالعدل وتعيد استثمار ما تراكم من فوائض من خلال جهاز الدولة لصالح الجميع (وهي مقولات ثَبت كذبها فيما بعد) ولا تقوم بنهب الشعوب الأخرى (نظرياً على الأقل). فالإطار التحليلي ونقطة الانطلاق هي العنصر الاقتصادي وحسب، فهو المصدر وإليه المآل.

ولكن العنصر الاقتصادي يستند إلى مرجعية مادية كامنة إذ يتم النظر للإنسان باعتباره مجرد عنصر مادي خاضع للحركيات الاقتصادية، أي أن الإطار التحليلي الاقتصادي ليس اقتصادياً وحسب، وإنما هو بالضرورة مادي أيضاً وواحدي وكمي، ولذا فهو إما يتجاهل الأسئلة النهائية تماماً أو يعطي إجابات مادية عليها. ولعلنا لو غيَّرنا المقولات التحليلية نفسها لاختلف الأمر كثيراً فعندئذ سنسأل الأسئلة المعرفية الكلية النهائية عن الإنسان: هل هو كائن مستقل عن الطبيعة، يتكون من مادة وشيء آخر (أي يدور في إطار مرجعية مادية ومرجعية متجاوزة) أم أنه مجرد مادة وحسب (يدور في إطار مرجعية كامنة مادية وحسب)؟ هل الإنسان كائن مركب قادر على تَجاوُز واقعه الطبيعي وتَجاوز ذاته الطبيعية، أم أنه كائن طبيعي مادي بسيط، أحادي البُعد، يُذعن تماماً للطبيعة/المادة ويتكيف معها؟ هل النظام الاقتصادي الذي ندرسه يحقق الإنسانية المركبة للإنسان أم يمحوها؟ إن فعلنا ذلك، فإن طريقة تصنيفنا للواقع ستختلف كثيراً إذ سنكتشف أن الاختلاف على المستوى الاقتصادي في طريقة توزيع الثروة في المجتمع الاشتراكي عنه في المجتمع الرأسمالي، لا تؤدي على المستوى المعرفي النهائي إلى اختلافات جوهرية، فكثير من الظواهر التي تهز كيان الإنسان كإنسان (تزايد ترشيد المجتمع وتنميطه ـ تزايد تطبيق المعايير الكمية ـ تَزايُد تَحكُّم البيروقراطيات ـ تزايد هيمنة الأجهزة الإعلامية ـ أزمة المعنى ـ أزمة القيمة ـ الاغتراب ـ التَسلُّع ـ أزمة الأسـرة) تُوجَد في كلٍّ من المجـتمعات الرأسمالية والاشتراكية رغم اختلاف طريقة توزيع الثروة . وليس من قبيل الصدفة أن نجد أن الأدب الحداثي في الدول الاشتراكية والرأسمالية يتناول نفس المشاكل والقضايا والموضوعات، الأمر الذي يشير إلى أن الاختلاف بين الرأسمالية والاشتراكية قد لا يكون جوهرياً من منظور الأثر المُتعيِّن لهذه النظم على الإنسان كإنسان. ولذا، قد يكون من الأجدى التركيز على البُعد النهائي الإنساني وعلى المرجعية النهائية للمجتمع.

ونحن نذهب إلى أن العلمانية (وحدة الوجود المادية والمرجعية المادية الكامنة) هي الإطار المعرفي النهائي للحضارة الغربية الحديثة. ولكننا نذهب أيضاً إلى أن الرؤية العلمانية هي في واقع الأمر رؤية حلولية كمونية مادية لا تفصل الدين عن الدولة وحسب وإنما تعزل القيم المطلقة (المعرفية والأخلاقية والإنسانية والدينية) عن الدنيا، بحيث يصبح مركز الكون كامناً فيه ويُردُّ الواقع بأسره (الإنسان والطبيعة) إلى مستوى واحد، ويصبح كله مجرد مادة محضة نافعة نسبية لا قداسة لها تُوظَّف وتُسخَّر. والهدف من وجود الإنسان في الأرض هو زيادة معرفة قوانين الحركة والطبيعة البشرية والهيمنة عليها من خلال التقدم المستمر الذي لا ينتهي، ومن خلال تَراكُم المعرفة وسد كل الثغرات وقمع الآخر إلى أن يخضع كل شيء (الإنسان والطبيعة) لحكم العقل وقانون الأرقام (وهو قانون يستمد مشروعيته من المعارف العلمية المادية)، بحيث تَحوَّل الواقع بأسره (طبيعة وبشراً) إلى جزء متكامل عضوي تنتظمه شبكة المصالح الاقتصادية والعلاقات المادية، فيخضع الواقع للواحدية المادية ويصبح أشبه ما يكون بالسوق والمصنع. وقد تم ترشيد كل شيء على هدي المعايير العلمية الواحدية المادية والنماذج التي تستند إلى مفهوم الطبيعة/المادة بحيث أصبح كل شيء فيه محسوباً ومضبوطاً بعد استبعاد كل الاعتبارات غير المادية، مثل الغيبيات والمطلقات والخصوصيات، ذلك لأن ما بداخله غيب أو أسرار، وكل ما هو فردي فريد لا يمكن قياسه أو التحكم فيه أو غزوه أو توظيفه أو حوسلته. وقد تم تهميش الإله أو إلغاؤه باسم الإنسان وصالح الجنس البشري. وبعد إلغاء أية مرجعية متجاوزة، تظهر المرجعية الكامنة فيصبح مركز الكون كامناً فيه، ويصبح الإنسان مركز الكون (دون أي استخلاف من الإله) وتظهر الحركة الإنسانية (الهيومانية). ولكن في إطار المرجعية الكامنة يُختَزل الإنسان ويُردُّ في كليته إلى الطبيعة/المادة، ويصبح إنساناً طبيعياً (مادياً) غير قادر على تجاوز ذاته الطبيعية المادية ولا يتجاوز الطبيعة/المادة بحيث يسري عليه ما يسري على الظواهر الطبيعية من قوانين وحتميات، وهذا ما يعني أن الإنسان يفقد إنسانيته المركبة وتُنزَع عنه القداسة تماماً. والإنسان الطبيعي إنسان لا حدود ولا قيود عليه، يقف وراء الخير والشر، متمركز حول منفعته ولذته، لا راد لقضائه أو لرغبته في البقاء. وهو لا يلتزم بأية قيم معرفية أو أخلاقية أو أبعاد نهائية، فهو يتبع القانون الطبيعي ولا يلتزم بسواه بل لا يمكنه تجاوزه. لكل هذا أصبح الإنسان كائناً غير قادر إلا على التمركز حول مصلحته ومنفعته ولذته المادية وبقائه المادي، فمفهوم «الإنسانية جمعاء» مفهوم أخلاقي مطلق ميتافيزيقي متجاوز لقوانين المادة، وليس هناك ما يُلزم الإنسان الطبيعي (مرجعية ذاته المتمركز حولها) بأن يؤمن بمثل هذه المطلقات وهذه المُثُل العليا غير المادية، فماذا في قوانين الطبيعة وقوانين الحركة وقوانين الضرورة يُلزمه بأن يتجاوز مصلحته الخاصة الضيقة وألا يُحوِّل الآخر إلى مادة تُوظَّف لصالحه؟


لكل هذا فإنه بدلاً من مركزية الإنسان في الكون تظهر مركزية الإنسان الأبيض في الكون، وبدلاً من الدفاع عن مصالح الجنس البشري بأسره يتم الدفاع عن مصالح الجنس الأبيض، وبدلاً من ثنائية الإنسان والطبيعة وأسبقية الأول على الثاني تظهر ثنائية الإنسان الأبيض من جهة، مقابل الطبيعة/المادة وبقية البشر الآخرين من جهة. ويصبح هم هذا الإنسان الأبيض هو غزو الطبيعة المادية والبشرية وحوسلتها وتوظيفها لحسابه واستغلالها بكل ما أوتي من إرادة وقوة، وهكذا تحوَّلت الإنسانية الهيومانية الغربية إلى إمبريالية.

وهكذا، فقد حوَّلت هذه الرؤية الإنسان الغربي إلى مُستغل يلتهم الكون، وحولت الطبيعة وبقية الشعوب إلى مجرد مادة استعمالية تُوظَّف وتُسخَّر. وقد قام الإنسان الغربي بالفعل بذلك وحقق لنفسه مستويات معيشية مادية ورخاء مادياً لم ير مثله البشر من قبل (وربما لا يرون من بعد). وعادةً ما يقف التحليل الاقتصادي عند هذه النقطة وينظر للعالم من منظور معدلات الاستغلال الاقتصادي ويُقسَّم البشر إلى مستغلين ومستغَلين بالمعنى الاقتصادي وحسب. ولكن التحليل المعرفي يستمر متجاوزاً هذا المستوى. وكما أسلفنا، تم تعريف هذا الإنسان الغربي نفسه في إطار مادي واحدي، والرؤية المادية لا تفرق بين أحد ولا تعطي لأحد مكانة أو منزلة خاصة، فالإنسان الغربي هو أيضاً مادة استعمالية، وهو أيضاً لابد أن يدخل الدائرة والآلة الشيطانية الواحدية المادية التي تحـوِّله إلى مادة إنتاجـية اسـتهلاكية، ولذا تم اسـتغلاله بطـريقة شرسة قد لا تكون اقتصادية ولكنها شاملة، وإذا كانت معدلات استهلاك الإنسان الغربي أعلى من المعدلات التي يتمتع بها الإنسان الشرقي فإن هذا لا يشكل فارقاً جوهرياً، فالجميع خاضع لعملية الترشيد والحوسلة والتنميط التي تمحو ما هو إنساني، فقد تم ترشيده هو الآخر من الداخل والخارج في بنيته الاجتماعية والإنسانية حتى تم التحكم فيه تماماً وأصبح مُحاصَراً تماماً بأجهزة إعلام تدمر البنية الاجتماعية، وبصناعات تدمر البيئة الطبيعيـة، وبصناعات عسـكرية تُنفَق عليها الملايين من الدولارات وتهدِّد بتدمير العالم، وبمشـروعات فضـاء لا يعرف أحد جدواها، وبإيقاع حياة آلي سريع رتيب يقضي على كل ما هو نبيل في حياة الإنسان، وبمؤسسات عامة تضبط حياته وحياة أسـرته (أو ما تبقَّى من الأسـرة) وبصـناعات اللذة التي تصوغ أحلامه وتُصعِّد توقعاته وتقتحم حياته الخاصة تماماً. فهو مُستوعَب تماماً في آليات الحياة الحديثة إذ يزداد ترشيده وإعادة صياغته وغزوه وتسخيره يوماً بعد يوم بهدف زيادة هيمنة الواحدية المادية عليه، تلك الهيمنة التي تعني زيادة التحكم في ساعات عمله ولهوه، وفي احتياجاته وأحلامه، وفي علاقته بنفسه وأسرته، وفي البيئة الطبيعية التي يعيش في كنفها حتى يصبح إنساناً رشيداً، منتجاً ومستهلكاً، جزءاً لا يتجزأ من عالم الأشياء والسلع والطبيعة/المادة (التمركز حول الموضوع). ولو استخدمنا هذا المعيار لوجدنا أن الإنسان في العالم الغربي قد طُحن هو الآخر تماماً وتم تسليعه، إذ أن النظام الذي يكفل له الحياة المادية الهانئة من ناحية اقتصادية هو أيضاً النظام الآلي الذي يتحكم فيه وفي حياته والذي أخرج الأشياء من عالم الإنسان إلى عالم الأشياء، ثم أخرج الإنسان نفسه من عالم الإنسان ووضعه في عالم الأشياء. بل على مستوى من المستويات، يمكن القول بأن الإنسان الغربي الذي تم ضبط حياته وترشيدها تماماً (من خلال آليات الدولة الحديثة المتقدمة) هو في حالة أسوأ من الإنسان الشرقي الذي لا يزال يتمتع بقسط من الحرية والخصوصية بسبب طبيعة المجتمعات التقليدية أو الانتقالية الفضفاضة. ولعل الإنسان النازي الذي تَحوَّل تماماً إلى آلة مَثل جيد على ذلك، ولعل الإنسان الأمريكي الذي لا يملك من أمره شيئاً، والذي تُرتَّب له حياته من الداخل والخارج، هو أيضاً مَثل آخر على ما نقول.

وقد ظهرت هذه الرؤية الإمبريالية قبل أن تصبح الإمبريالية حقيقة تاريخية. ونشأت لدى الإنسان الغربي الرغبة في ضبط حياته وترشيد مجتمعه وذاته والتهام العالم قبل ميلاد رجل أوربا النهم. كانت جيوش أوربا الغازية تسير في عقل الإنسان الغربي وأحلامه قبل أن تطأ أقدام جنودها الثقيلة غابات أفريقيا الخضراء وجبال آسيا الشامخة وقبل أن يُباد الملايين من الأطفال والنساء والرجال من الشعوب الأصلية التي كانت تشغل الحيز الحيوي الذي كان يود أن يستولي عليه هذا الرجل النهم.

وبسـبب هـذا الترادف أو التَوحُّد أو الترابط أو الـتلازم بين الرؤية المعرفية العـلمانية والرؤية المعــرفية الإمبريالية، فإننا نشير إليهما باعتبارهما «الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية». ولعل الاختلاف بين العلمانية والإمبريالية هو اختلاف في مجال التطبيق وليس في الرؤية نفسها، فالرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية تُعبِّر عن نفسها من خلال عمليتين تاريخيتين متزامنتين متعاقبتين متشابهتين، وهما عمليتان متكاملتان لا يمكن أن نراهما كسبب ونتيجة (إلا لفترة مبدئية وجيزة) فالأسباب نتائج والنتائج أسباب. هاتان الظاهرتان هما الدولة (القومية) المطلقة والتشكيل الاستعماري الإمبريالي الغربي. فقد تبدت الرؤية المعرفية الإمبريالية على هيئة الدولة المطلقة في الداخـل الأوربي وعلى هيئة التشـكيل الاسـتعماري الغربي في الخارج العالمي. ورغم اختلاف المجال والآليات، ظلت الأهداف النهائية واحدة: ترشيد البشر وتسخيرهم وفرض الواحدية المادية على العالم وتحويله إلى مادة متجانسة متحوسلة.

ويمكن أن نرسم الصورة على النحو التالي:

هدف الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية:

فرض الواحدية المادية وحوسلة الطبيعة والإنسان في كلٍّ من الداخل الأوربي وفي الخارج العالمي

آلية التنفيذ ومجالها:

مؤسسات الدولة المطلقة في الداخل الأوربي وجيوش الدولة المطلقة في الخارج العالمي

فثمة اتفاق في الرؤية وفي الأهداف النهائية، واختلاف في آليات التنفيذ ومجاله، أي أن الظاهرتين هما ظاهرة واحدة على المستوى المعرفي:

1 ـ على مستوى العلمنة في الداخل (من خلال الدولة القومية المطلقة): قامت الحكومات العلمانية المطلقة في الغرب بترشيد البنية المادية والاجتماعية للمجتمعات الغربية من أجل تعظيم توظيف الموارد البشرية والمادية. فتم ترشيد البنية الطبيعية (المادية) والعنصر الإنساني، وهي عملية تتضمن ترشيد السوق الداخلي واستخدام الموارد الطبيعية التي تقع داخل حدودها، كما تتضمن تحويل الإنسان إلى طاقة مادية تُوظَّف وإزالة كل الجيوب الوسيطة (الترشيد من الخارج). وقد اسـتبطن الإنسـان الغـربي هذه الرؤية (الترشــيد من الداخل) فارتفعت كفاءته في الأداء، أي أن الداخل الغربي تم غزوه وحوسلته تماماً.

2 ـ على مستوى العلمنة في الخارج (من خلال الإمبريالية العالمية): بعد ترشيد الإنسان الغربي من الداخل والخارج، ومع تَزايُد الترشيد في عمليات النهب والقرصنة في الخارج وتَزايُد التراكم الإمبريالي واتساع نطاق السوق حتى تَجاوَز حدود الدولة القومية المطلقة، بدأت مرحلة إمبريالية الخارج، فقامت الحكومات القومية العلمانية (المطلقة) بتكثيف طاقتها المادية والبشرية وتسخيرها في تجييش الجيوش، ثم قامت بإرسالها إلى كل أرجاء العالم لإخضاعه والهيمنة عليه وترشيده (من الخارج) وتوظيف موارده البشرية والمادية لصالح الحكومات والشعوب الغربية (وفيما بعد، لصالح قطاعات من النخب السياسية والثقافية في العالم الثالث، باعتبار أنها شريكة للإمبريالية والعلمانية)، وذلك حتى تمت لها السيطرة على العالم بأسره وإحكام قبضتها عليه. وقد تصاعدت معدلات الهيمنة على أسواق العالم وشعوبه وأُخضع العالم بأسره لقوانين الواحدية المادية، أي تم ترشيده في إطار المرجعية المادية الواحدية حتى يتم تنميط المؤسسات والبشر ويُستوعَب الجميع في سوق عالمية وشبكة اتصالات ضخمة. وقد بدأت بالفعل قطاعات كبيرة من الناس في العالم بأسره (وخصوصاً بعض أعضاء النخب السياسية والاقتصادية والثقافية) يستبطنون الرؤية العلمانية الإمبريالية (الترشيد من الداخل) وتزايد استبطانهم لها على مر الأيام. وكما حاولت الدولة القومية القضاء على الجيوب الإثنية والدينية في الداخل، وعلى كل المطلقات الإنسانية والأخلاقية (غير المادية) وعلى كل الخصوصيات، تحاول الإمبريالية القيام بهذا الدور على مستوى العالم.

وهذه العملية ليست عملية تعاقبية بمعنى أن تؤدي (أ) إلى (ب)، أو أن (أ) تحدث ثم تحدث بعدها (ب)، فالأمر أكثر تركيباً من ذلك. فعمليات الهيمنة في الخارج زادت من نجاح الدولة المطلقة أمام مواطنيها (وهم مستفيدون من عملية التراكم الرأسمالي الإمبريالي)، فزادت الدولة من هيمنتها على هم، أي أن نجاح الهيمنة في الخارج مرتبط بتَزايُد الهيمنة في الداخل، لأن تَزايُد هيمنتها في الداخل يعني أيضاً تَزايُد مقدرتها على تجنيد جماهيرها للزج بها في الحروب الاستعمارية وتمويل هذه الحروب.

ولعله من المفيد، من منظور هذه الموسوعة، أن نشير إلى الاستعمار الاستيطاني باعتباره جزءاً لا يتجزأ من التشكيل الاستعماري الغربي مع أن له خصوصيته المستقلة. لقد بدأ الإنسان الغربي ينزح عن قارته الأوربية في عصر نهضته وفي بداية مشروعه التحديثي العلماني، فاستعمر الأمريكتين حيث أسَّس مجتمعات استيطانية ضمت فيما بعد جنوب أفريقيا، فأستراليا ونيوزيلندا والجيب الاستيطاني في الجزائر، وأخيراً فلسطين. وقد قامت هذه المجتمعات الاستيطانية على أساس المنفعة واللذة بالدرجة الأولى، فالعناصر البشرية التي كوَّنت هذه المجتمعات كانت أكثر العناصر نشـاطاً وحركية في المجتمعات التقليدية، وأشدها طموحاً وقلقاً وبحثاً عن الحراك الاجتماعي وعن المنفعة واللذة، وأقلها تَجذُّراً ورضاً وقناعة، وأكثرها استعداداً لأن تنبذ تاريخها وهويتها. وليس للمجتمعات الاستيطانية تراث حضاري أو قومي مستقل وممتد، كما أنها لا تتمتع بأية خصوصية أو شخصية تاريخية. والمؤسسات الدينية في مثل هذه المجتمعات هزيلة لأنها دون تاريخ أو جذور، ولأنها مُستورَدة على يد المستوطنين وبالتالي خاضعة لهم ولنزواتهم ولرؤيتهم للواقع. ولهذا، ظهر في هذه المجتمعات الاستيطانية إنسان بلا تاريخ ولا قيم ولا تراث ولا هوية، فهو يقترب إلى حدٍّ كبير من الإنسان الطبيعي/المادي ذي البُعد الواحد الذي يدور تماماً في إطار المرجعية المادية. ولذا، فقد كان من الممكن إدارة هذه المجتمعات على أسـس اقتصـادية رشيدة إلى أقـصى حد، لا تعـوقها عــوائق تاريخية دينية أو تراثية أو أي شكل من أشكال المطلقات. ومن هنا، فقد جاءت هذه المجتمعات مجتمعات علمانية نماذجية.

ويتبدَّى هذا بكل جلاء في الاستعمار الاستيطاني البروتستانتي (الأنجلو ساكسوني) حيث تمت إبادة السكان الأصليين إذ كان من المحال تحويلهم إلى مادة استعمالية عامة بسبب تراثهم الحضاري، واستُجلب العبيد إلى المزارع في الجنوب الأمريكي وإلى جزر الهند الشرقية، وحُطِّمت شخصيتهم الحضارية وعُزلوا عن كل المؤسسات الدينية وضمن ذلك المسيحية (في بادئ الأمر) حيث كانوا يُعامَلون بشكل محايد ويُنظَر إليهم من منظور الوظيفة وحسب دون أي اعتبار للجوانب الروحية أو الأخلاقية، أما الاستعمار الاستيطاني الكاثوليكي فلم يكن بهذا الرشاد. فقد بذلت الكنيسة جهداً غير عادي في مقاومة المستوطنين، ناظرة إلى السكان الأصليين باعتبارهم مادةً إنسانية ذات روح وقداسة وبالتالي لابد من هدايتهم. ولهذا نجد أن معدلات العلمنة في المجتمعات الاستيطانية ذات الأصول البروتستانتية، مثل أمريكا الشمالية، أعلى بمراحل كثيرة منها في المجتمعات الاستيطانية ذات الأصول الكاثوليكية مثل أمريكا اللاتينية. وأكثر المجتمعات علمنة على وجه الأرض هو المجتمع الأمريكي الذي أباد السكان الأصليين تماماً ومحا آثارهم الحضارية ورفض تقاليد الحضارة الأوربية الثقافية والدينية وشيَّد مؤسسات رشيدة تماماً، والأمركة هي العلمنة الشاملة الحقيقية.

ونحن نقترح اسـترجاع الإمبريالية كمقولة تحليلية باعتبارهـا جزءاً لا يتجزأ من الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية، ومن ثم لا يمكن استبعادها من دراسة أية ظاهرة في الحضارة الغربية الحديثة. ولنأخذ الديموقراطية على سبيل المثال. يُلاحَظ أن الدول الغربية الديموقراطية، وفي طليعتها إنجلترا وفرنسا، هي بلاد لها مشروعها الاستعماري الضخم حيث التهمت معظم أنحاء العالم وقمعت السكان الأصليين وسلبتهم حريتهم وحطمت مؤسساتهم الاجتماعية والثقافية. وقُل نفس الشيء عن هولندا وبلجيكا، وبدرجة أقل عن إيطاليا. وبعد أن استعمر الإنسان الغربي الولايات المتحدة وأقام فيها نظاماً سياسياً مستقراً، قام بعملية إبادة للسكان الأصليين، ثم دخلت الولايات المتحدة في تجربتها الاستعمارية فاحتلت بورتوريكو وهاواي والفلبين، ووضعت أمريكا اللاتينية تحت مظلتها بمقتضى مبدأ مونرو. وقد ترسخت الديموقراطيات الغربية عن طريق الإمبريالية إذ نجحت في تسريع التراكم الرأسمالي (الإمبريالي) من خلال نهب المستعمرات، الأمر الذي ساهم في تأسيس بنيتها التحتية المادية الضخمة المستقرة وتحقيق الرفاه الاجتماعي للمواطنين عن طريق تجريد بقية شعوب العالم من مصادرها الطبيعية والبشرية. وقد نجحت الحكومات الغربية في تصدير مشاكلها الاجتماعية حيث قامت بإرسال المجرمين والعناصر غير المستقرة اجتماعياً والفائض السكاني إلى الشرق، بل قامت بالتخلص من الجماعات والأقليات غير المرغوب فيها (مثل اليهود) عن طريق نقلهم إما إلى الشرق (في فلسطين) أو إلى الغرب (في أفران الغاز)، كما حلت مشكلة سوء توزيع الثروة من خلال نهب المستعمرات. ويكفي أن نعرف أن ما نهبته إنجلترا من الهند يزيد كثيراً عما أنتجته خلال الثورة الصناعية عامة، أي أن نجاح المجتمع الإنجليزي ومشروعه التحديثي لا يمكن رؤيته بمعزل عن التراكم الاستعماري، فالسلام الاجتماعي الداخلي الذي حققه المجتمع الإنجليزي قد تحقق من خلال تصدير مشاكل إنجلترا إلى خارجها ومن خلال تحقيق التراكم الرأسمالي (الإمبريالي) بما نهبه من الآخرين.

وهنا يمكن أن نثير قضية المجتمع المدني، فمن المُلاحَظ أن البلاد التي ظهر فيها المجتمع المدني هي أساساً البلاد صاحبة المشروع الاستعماري. ولم تنجح ألمانيا في تأسيس مجتمع مدني ربما بسبب إجهاض تجربتها الاستعمارية على يد الدول الاستعمارية الأخرى. ويلاحَظ أن معظم بلاد شرق أوربا واتحاد دول الكومنولث المستقلة (الاتحاد السوفيتي سابقاً) دول لا يوجد فيها مجتمع مدني ولا مشروع استعماري (أو لم يظهر إلا متأخراً فلم تتم عملية النهب في روسيا القيصرية بشكل منهجي كفء، وهو ما جعل المشروع الاستعماري مكلفاً بالنسبة لهم. ثم قامت الثورة الاشتراكية وأخذ الاستعمار الروسي شكلاً مختلفاً تماماً).

ولننظر إلى ظاهرتين تبدوان كما لو كانتا بعيدتين كل البعد وهما قيام الاستعمار الاستيطاني في أمريكا الشمالية في القرن السابع عشر بإبادة السكان الأصليين وقيام الدولة النازية بإبادة يهود أوربا في القرن العشرين. لو طبقنا نفس المنظور المعرفي الذي يُبيِّن أن الرؤية العلمانية الإمبريالية هي الرؤية الكامنة وراء معظم الظواهر الغربية، فإننا سنرى الوحدة الكامنة وراء تلك الظاهرتين. وكما أسلفنا، فإن جوهر الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية هو تحويل البشر والعالم إلى مادة نافعة. وانطلاقاً من هذه الرؤية، قام التشكيل الاستعماري الاستيطاني في الغرب بنقل ملايين البشر باعتبارهم مادة محضة تُوظَّف وتُسخَّر وتُنقَل وتُغزَى. فتم نقل الملايين من البشر من أوربا إلى أمريكا لتوطينهم هناك، لزيادة نفعهم وتعظيم إنتاجيتهم، ولتسهيل عملية توظيفهم ولحل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية لأوربا. ولنفس السبب، تم استجلاب مادة بشرية يمكن تحويلها إلى طاقة عضلية رخيصة. وماذا لو حدث أن ظهرت عوائق تقف في طريق عملية زيادة المنفعة وتعظيم الإنتاج؟ ماذا لو كانت العـوائق مادة بشـرية أخرى؟ الإجابة سهلة ومباشرة: مثل هذه المادة البشرية ستكون غير نافعة ولذا لابد من إزالتها. وهذا ما حدث للهنود الحمر في الولايات المتحدة، حيث كان الإنسان الأبيض يبيد الهنود في أمريكا ويقوم في نفس الوقت باصطياد السود في أفريقيا ونقلهم إلى الأرض التي أبيد سكانها. ولا يمكن فهم هذا إلا في إطار التوظيف وتعظيم الإنتاج والتعريفات البيولوجية العِرقية الصارمة. فالسود يمكن استخدامهم بسبب عدم تماسكهم الحضاري وبسبب قوتهم العضلية ولأنهم بلا حقوق، أما الهنود فكانوا يُشكِّلون كتلة حضارية متماسكة ذات حقوق تاريخية (كما أن نظام المناعة الخاص بهم كان ضعيفاً جداً أمام الميكروبات التي حملها الإنسان الأبيض، ومن ثم كان من العسير استيعابهم في النظام الجديد).

والإبادة النازية لبعض القطاعات البشرية في أوربا ليست سوى تطبيق متبلور لتلك الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية، ولكن في الغرب نفسه بدلاً من آسيا أو أفريقيا أو الأمريكتين.

ولا تزال الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية هي المسيطرة على الإنسان الغربي ذاته حتى في علاقته مع نفسه ومع أعضاء المجتمع الغربي، ذلك لأن كل شيء يخضع للواحدية المادية. فهو حينما يبني بيتاً، يُخضعه تماماً لعملية الترشيد الواحدية حيث يبنيه بهدف الاتجار فيه وتحقيق الربح ثم يتركه بعد بضع سنين وكأن المنزل والسلعة لا فرق بينهما. وهو حين يدخل علاقة مع أنثى، لا يبحث عادةً عن الطمأنينة وإنما يحاول تعظيم اللذة، وتتحول العلاقة العاطفية إلى علاقة غزو (وهو ما عبرنا عنه بأن الحضارة الغربية حضارة يتراجع فيها الخطاب الجـواني للمحـبين، خطـاب التآلف والتراحم، ليحـل محله الخطاب الإمبريالي البراني، خطاب الغزو والتناحر). وهو إنسان بسيط ذو بُعد واحد دائم التنقل والترحال لتحقيق الربح وتحسين المعيشة، فهو مادة اسـتعمالية جيدة مرنة مطـاطة، شيء بين الأشــياء. وحينما يصل هذا الإنسان الغربي إلى سن يصبح فيه غير منتج، فإنه يقبل أن يُنقَل طواعية إلى بيت المسنين غير المنتجين لينتظر (كمادة بشرية مرنة) الموت في بيوت مكيفة الهواء بعيداً عن المجتمع المُنتج وبعيداً عن الحياة. بل إن ما يُسمَّى «حضارة الفوارغ» (ديسبوزابل disposable) هي حضارة إمبريالية توظيفية تستهلك كل شيء وتوظف كل شيء وتبدد كل شيء (الطاقة ـ المواد الخام ـ الأغاني ـ جسد الأنثى ـ طبقة الأوزون). كما أن الاتجاه التدريجي نحو فرض النموذج الآلي على سائر أشكال الحياة في الغرب، وهو مصدر شكوى كل المفكرين الغربيين، إن هو إلا تعبير عن إبستمولوجيا الغزو والتحكم والترشيد العلماني الإمبريالي وتَزايُد رقعتها في مجالات الحياة.

ولا تزال حضارة الترشيد العلمانية الإمبريالية هذه تُخضع الإنسان الغربي ذاته لأسوأ أنواع الإمبريالية التي يمكن أن نسميها «الإمبريالية النفسية»، وهي أن تَحوِّل الذات البشرية نفسها إلى سوق تتسع حدوده بشكل دائم وتحل محل الأسواق الخارجية البرانية التي تم غزوها جميعاً (وهكذا يتحول الجواني إلى براني دائماً)، ويتم ذلك عن طريق ثورة التطلعات والتوقعات التي لا تنتهي، وعن طريق صناعة الأحلام: من إعلانات (يلعب الجنس دوراً أساسياً فيها) إلى روايات (تصوغ للإنسان أحلامه وتطلعاته) إلى أفلام (تحدد رؤاه وقواعد سلوكه) وهي نشاطات يسيطر عليها ما نسميه «قطاع صناعات اللذة» في المجتمعات الحديثة التي تنظر للإنسان باعتباره مجموعة من الدوافع والحاجات الجسدية المحضة التي يمكن سدها. ومن ثم، فإن بوسع هذه الصناعات أن تَعد الإنسان دائماً بالفردوس الأرضي الذي سيريحه تماماً من عبء التاريخ وسيعود به إلى الحالة الجنينية. بل إن بناء المدن الغربية يُجسِّد هذه الرؤية الإمبريالية الرشيدة من طرقات تهدف إلى تعظيم السرعة لحركة يومية تُبَدد فيها الطاقة الإنسانية والطبيعية ويُلوَث فيها الجو ويدور فيها كل شيء حول السوق والسلع. ورغم أن عِلم الاجتماع الغربي لم يكتشف العلاقة بين العلمانية كنظرية والإمبريالية كتطبيق يأخذ شكلين مختلفين (ترشيد في الداخل الأوربي وغزو في الخارج العالمي)، فإن ثمة محاولات متعثرة للتعبير عن ذلك. فماركس على سبيل المثال يتحدث عن أن الشعب الذي يستعبد شعباً آخر لا يمكن أن يكون هو نفسه حراً، ويتحدث فيبر عن أن عملية الترشيد ستؤدي إلى القفص الحديدي ويتحدث زيميل عن السجن الحديدي، أما هابرماس فقد ذكر أن ما يحدث في المجتمع الغربي الحديث هـو «استعمار عالم الحياة». والحـديث عن غـياب العقل النقدي وفشل الاستنارة، أو أن الاستنارة أدَّت إلى الإبادة، هو محاولة للتعبير عن وجود هذه العلاقة بين العلمانية والإمبريالية دون الإفصاح عنها.

ومع هذا، يمكن القول بأن الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية هي رؤية مرتبطة بعصر التحديث والحداثة والثنائية الصلبة والمرجعية الكامنة حيث جعل الإنسان الغربي من نفسه الأنا المقدَّسة ومركز الكمون والكون الذي يحق له إبادة الآخرين واستغلال العالم. ومع الستينيات، ومع فقدان الإنسان الغربي مقدراته العسكرية وظهور مراكز أخرى في العالم واختفاء المركزية الغربية، بدأت الرؤية العلمانية الإمبريالية تأخذ شكلاً جديداً في عصر ما بعد الحداثة والسيولة الشاملة وهي إنكار المركز تماماً وإعلان انتهاء التاريخ وانتهاء الإنسان واختفاء أية مرجعية، ومن ثم ظهر فكر ما بعد الحداثة والنظام العالمي الجديد.

النظام العالمى الجديد
«النظام العالمي الجديد» مصطلح استخدمه الرئيس الأمريكي جورج بوش في خطاب وجهه إلى الأمة الأمريكية بمناسبة إرسال القوات الأمريكية إلى الخليج (بعد أسبوع واحد من نشوب الأزمة في أغسطس1990). وفي معرض حديثه عن هذا القرار، تحدث عن فكرة «عصر جديد»، و«حقبة للحرية»، و«زمن للسلام لكل الشعوب». وبعد ذلك بأقل من شهر (في 11 سبتمبر 1990)، أشار إلى إقامة «نظام عالمي جديد» يكون "متحرراً من الإرهاب، فعالاً في البحث عن العدل، وأكثر أمناً في طلب السلام؛ عصر تستطيع فيه كل أمم العالم، غرباً وشرقاً وشمالاً وجنوباً، أن تنعم بالرخاء وتعيش في تناغم".

وكلمة «نظام» هى ترجمة لكلمة «أوردر order» الإنجليزية المشتقة من الكلمة اللاتينية «أوردو ordo» بمعنى «خط مستقيم ونظام». والكلمة مبهمة للغاية، فهي تعني مثلاً «الترتيب المنظم والمتواتر»، و«هرم السلطة والقوة الذي يتم بمقتضاه تطبيق وفرض أحكام بعينها»، و«الالتزام بالقانون»، و«الدرجة أو الطبقة أو المرتبة»، و«الطلب»، و«ضرب أو نوع أو طراز». ولكن الكلمة أيضاً مرادفة لكلمة «مثود method» و«سيستيم system» (كما في عبارة «ذي أوردر أوف نيتشر the order of nature» أو «ذي أوردر أوف ثنجز the order of things» بمعنى «نظام الطبيعة» (أو «سنن الطبيعة» في المصطلح الإسلامي)، فالكلمة تشير من ثم إلى مجموعة من القوانين والمفاهيم (والسنن) التي تتسم بقدر معقول من الثبات عبر مرحلة زمنية طويلة نسبياً، يتحرك الواقع بمقتضاها ولا يمكن فهمها بدونه، فهي مصدر هوية النظام (جوهره) وتعبير عنها في آن واحد. ولذا، فإن جوهر النظام العالمي هو مجموعة القوانين والقيم الكامنة التي تفسر حركة هذا النظام وسلوك القائمين عليه وأولوياتهم واختياراتهم وتوقعاتهم.

يقول دعاة النظام العالمي الجديد إن ما يدعو إليه النظام هو شكل من أشكال تبسيط العلاقات وتجاوز العُقد التاريخية والنفسية والنظر للعالم باعتباره وحدة متجانسة واحدة. والنظام العالمي الجديد، حسب رؤيتهم، هو نظام رشيد يضم العالم بأسره، فلم يَعُد هناك انفصال أو انقطاع بين المصلحة الوطنية والمصالح الدولية وبين الداخل والخارج. وهو يحاول أن يضمن الاستقرار والعدل للجميع (بما فى ذلك المجتمعات الصغيرة)، ويضمن حقوق الإنسان للأفراد، وهو سينجز ذلك من خلال مؤسسات دولية (رشيدة) مثل هيئة الأمم المتحدة ومنظماتها الدولية والبنك الدولي وقوات الطوارئ الدولية. وبإمكان كل الدول أن تستفيد من الخبرة الدولية في إدارة شئون الداخل وتكييفه مع النظام العالمي الجديد. وسيتم كل هذا فى إطار ما يُقال له «الشرعية الدولية» التي تستند إلى هذه الرؤية، وإلى المقدرة على تحويلها إلى إجراءات، تماماً كما حدث فى حرب الخليج حينما تم صد العدوان العراقى على الكويت. والنظام العالمي الجديد لا يخلو من التناقضات، ولكنها تناقضات (حسب رأيهم) يمكن حسمها دون حاجة إلى الصراعات العسكرية إذ أن ثمة إجراءات رشيدة يمكن من خلالها حل كل التناقضات. وهو نظام يدعو إلى تطبيق المُثُل الديموقراطية حيث يخضع كل شيء لما يُسمَّى «أخلاقيات الإجراءات»، أي الاتفاق على قوانين اللعبة وإجراءاتها دون الانشغال بالماهية أو بالأهداف. وعلى كل يرى دعاة النظام العالمي الجديد أن اللواء قد انعقد أخيراً لأخلاقيات الديموقراطية الليبرالية، بتأكيدها على دور المؤسسات وحقوق الإنسان وسيادة القانون داخل الدول وفي النظام العالمي ككل.

والعالم من منظور دعاة النظام العالمي الجديد في حالة حركة دائمة (وكما قال أحد دعاة النظام "الإنسان لا ينزل النهر نفسه مرتين"، وقد نسب هذا القول لأفلاطون المسكين صاحب الفكر المثالي لا لهيراقليطس صاحب الفكر المادي) ثم استطرد قائلاً: "المرحلة الحالية في النظام العالمي لا تتشكل من منظور أيديولوجي مسبق لأنها تمثل تطوراً لم يتوقعه علماء السياسة الدولية، حتى أن القواعد الثابتة في التسابق الدولي ـ مثل الاستحواذ على عنصر التفوق أو المحافظة على ميزان القوى ـ قد تغيَّر مضمونها ومحتواها". و"المسرح الدولي يتغيَّر في أولويات اهتمامه وفي القيم التي يطرحها وفي أسلوب التعامل الدولي وفي دور القواعد السياسية ووسائل الاتصال في اتخاذ القرارات". و"بالنسبة إلى الولايات المتحدة، تزامن ذلك مع انتخابها لإدارة جديدة وقيادة جديدة تعبِّر عن الوعي الذي تبلور جماهيرياً و[تحاول] بلورة ردود على التساؤلات الجديدة التي طرحت واقعياً وفعلياً في مشاكل مستجدة على المسرح العالمي"، أي أن الولايات المتحدة الأمريكية قد تغيَّرت وتغيَّرت رؤيتها. وهكذا تغيَّر النظام الإمبريالي القديم، المبني على توازن القوى والرعب الذي يصدر عن المنظومة الداروينية، أصبح دون مقدمات نظاماً عادلاً يدعو إلى الديموقراطية (رغم أنه كان يدك القرى في فيتنام منذ عدة سنوات، ولا يزال ينظر للجرافات الإسرائيلية بإعجاب شديد).
ثم يتوجه كاتبنا إلى العرب معلقاً على هذا العالم المتحرك الخالي من المثاليات بقوله: "وعلى العرب أن يعلموا أنهم لا يعيشون أبداً في العصر نفسه، ولا يخضعون دوماً للثوابت نفسها. ولا يمكن أن يظلوا دون خلق الله جميعاً ينكرون ما يجري ويدور في عالمنا، متجاهلين التاريخ والجغرافيا وما يحدث فيهما من تغيير"، وهكذا أصبح النظام العالمي الجديد من سنن الحياة أو جزءاً من النظام الطبيعي.

ويرى دعاة هذا النظام أن بوسعه أن يحقق قدراً معقولاً من النجاح بسبب وسائل الإعلام الغربية (العالمية على حد قولهم) التى حوَّلت العالم (كما يظنون) إلى قرية صغيرة. فتدفُّق المعلومات يجعل المعلومات متاحة للجميع، الأمر الذي يحقق قدراً كبيراً من الانفتاح فى العالم وقدراً كبيراًمن ديموقراطية القرار. وقد أدَّى انهيار المنظومة الاشتراكية والتلاقي (كونفيرجنس convergence) بين المجتمعات الغربية الصناعية، واختفاء الخلاف الأيديولوجي الأساسي فى العالم الغربي، إلى تقوية الإحساس بأن ثمة نظاماً عالمياً جديداً وإلى أنه لم تعد هناك خلافات أيديولوجية تستعصي على الحل.

ويرى المدافعون عن هذا النظام أن الخطر الذى يتهدد الأمن لا يأتي من الخارج وإنما من الداخل، من قوى تقف ضد الديموقراطية وضد تأسيس المجتمع على أسس اقتصادية وعلى أسس التكيف مع النظام العالمي. هذه القوى هى التى تجر الداخل القومي إلى صراع مع الخارج الدولي بدعوى الدفاع عن الكرامة أو الاستقلالية أو الشخصية القومية أو الرغبة فى التنمية المستقلة. وهى تكلف الداخل ثمناً فادحاً. ومن المنطقي أن يتصوَّر المبشرون بهذا النظام أن القيادة فيه لابد أن تكون للقوة الاقتصادية العظمى، أى للمجتمع الصناعى الغربي وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية. وبالتالي، فإن الدول كلها يجب أن تنضوي تحت هذه القيادة. وثمة افتراض كامن بأن المجتمع الأمريكي (الذى يفترض أن الدافع الأساسي فى سلوك البشر هو الدافع الاقتصادي) لابد أن يصبح القدوة والمثل الأعلى.

هذا الكلام البسيط الجميل لابد أن تكون وراءه رؤية معرفية كاملة، فهذه هي طبيعة الخطاب الإنساني. وهنا قد يتعلل دعاة النظام العالمي الجديد بأنهم «عصريون نسبيون» لا يميلون إلى إطلاق التعميمات، ولا يؤمنون بأىة قيم ثابة أو مطلقات، ولا يتوجهون إلى الأسئلة المعرفية الكلية ولا يعترفون بوجود كليات، فكيف يمكن أن تُحدَّد أبعاده المعرفية النهائية إذن؟. وقد يقولون: "إننا دخلنا عصر ما بعد الأيديولوجيا وما بعد الحداثة وما بعد التاريخ بل ما بعد الإنسان؛ عصر الما بعديات السائلة التى تحل محل الماقبليات الجامدة المطلقة، فثمة سيولة فكرية في الفكر الحديث تتناقض بطبيعتها مع فكرة النسق الفكري المتكامل والقيم الكلية".

وهذا إلى حدٍّ كبير صحيح، فثمة سيولة لا يمكن إنكارها. ومع هذا، تظل عبارة «النظام العالمي الجديد» دالاً يشير إلى مدلول. إذ أننا، رغم سيولته، نراه من الخارج ونسمع صوته ونرصد حركته (التى تترك أثرها علينا وعلى عالمنا) ونرى أن ثمة منظومة معرفية قيمية متكاملة كامنة وراء هذا النظام الشامل السائل، شأنه فى هذا شأن أي نظام آخر، منظومة تتجاوز ادعاءاته وديباجاته واعتذارياته. بل قد تكون حالة السيولة هذه وادعاء أن الدال ليس له علاقة قوية بأية مدلولات أو كليات هي أيديولوجيا هذا النظام، أي من الممكن أن يكون إنكار كل القيم هو قيمته الكبرى والنهائية، وتأكيد النسبية المعرفية والأخلاقية هي قيمته المعرفية والأخلاقية الكبرى والنهائية، وتأكيد أن العالم في حركة دائمة هو قانونه الثابت.

وفي محاولة معرفة هوية هذا النظام لابد أن نقرر ابتداءً أن هذا النظام (شأنه شأن أي نظام إنساني) لم يولد من العدم اللاتاريخي وإنما داخل التشكيل الحضاري والسياسي الغربي، ويحمل معالم هذا التشكيل، وهو نظام يدور في إطار العلمانية الشاملة (والحلولية الكمونية المادية) في إطار مرحلتيها الصلبة والسائلة.

وقد لاحظنا أن الواحدية الإنسانية،في غياب المرجعيات المتجاوزة، تنحدر لتصبح واحدية إمبريالية عنصرية إذ يصبح أحد الشعوب هو الأنا المقدَّسة (السوبرمان) التي ترى بقية البشر (السبمان) والطبيعة/المادة باعتبارهما مادة محضة يمكن هزيمتها وتوظيفها وحوسلتها. وقد أعلن الإنسان الغربي في عصر نهضته أنه هو الأنا المقدَّسة وأن العالم قد انقسم ببساطة إلى الأنا والآخر، والقوي والضعيف، الغازي والمغزو، المسلح والأعزل، الغرب وبقية العالم (بالإنجليزية: ذا وست آند ذا رست the west and the rest).

في هذا الإطار المعرفي وُلد ما يُسمَّى «النظام العالمي»، فالعالم لم يعرف نظماً دولية أو عالمية إلا بعد الثورة الصناعية وظهور التشـكيل الإمبريالي الغربي بشـقيه الاستعماري الاستيطاني والاستعماري العسكري. فقبل ذلك التاريخ، كان من الممكن أن تنشأ إمبراطورية فى الصين وأخرى في الهند ثم تختفي دون أن تترك أثراً يذكر على سكان أوربا، على سبيل المثال، إلا بشكل غير مباشر وغير محسوس لمن يقع عليه التأثير. وكانت أجزاء من الكرة الأرضية، مثل الأمريكتين وأستراليا ونيوزلندا، غير معروفة للعالم القديم. ولذا، كانت تظهر في الأمريكتين إمبراطوريات على درجة كبيرة من التركيب ولكنها مع هذا لا علاقة لها ببقية العالم. وكان يمكن أن يحدث اشتباك بين حضارتين أو أكثر (حروب الغرب مع الشرق الإسلامي المعروفة بحروب الفرنجة ـ الاجتياح التتري للعالم الغربي ولشرق أوربا)، ولكنه كان يظل اشتباكاً ثنائياً أو تلاقياً غير عالمي. أما فى عصر النهضة الغربية، فقد بدأ الإنسان الغربي يتسلل تدريجياً إلى أرجاء المعمورة ويستولي عليها، وبدأ يؤسس جيوباً استيطانية في بعض الأماكن. وقد استمرت هذه العملية إلى أن تحوَّل العالم بأسره إلى ساحة لنشاطه، خاضعة لهيمنته، تتبع قوانينـه. ولذا، يمكن القول بقدرٍ كبير من اليقين أن النظام العالمي الجديد يضرب بجذوره فى التشكيل الإمبريالى الغربي، وأن معالمه بدأت تتحدَّد مع منتصف القرن التاسع عشر حينما بدأ هذا التشكيل يعى ذاته كحركة مسرحها العالم بأسره، وحينما أدرك ضرورة أن يقسم العالم وأن يتحوَّل إلى مادة استعمالية: مصدر للموارد الطبيعية ـ مصدر للطاقة العضلية الرخيصة ـ سوق تباع فيه السلع ـ حيز يمكن أن تُصدَّر له المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسكانية الخاصة بأوربا. هذا يعني أن النظام الإمبريالي نظام عالمي (بمعنى أن مسرحه العالم) ولكنه نظام مغلق تم إغلاقه حتى يتسنَّى لصاحب النظام ومؤسسه أن يعظِّم من اسـتغلاله للعـالم باعتباره مادة واحدة. وتظهر العـالمية المنغلقة لهذا النظام فى المواجهة التي تمت مع محمد علي، أول من حاول تحديه حين حاول أن يدخل مصر والعالم العربي إلى العصر الحديث حسب شروطه، مع الاحتفاظ بمنظومة معرفية وقيمية مستقلة. بل حاول أن يبعث العافية فى أوصال رجل أوربا المريض أو الرجل العثماني المسلم الذى كانت أوربا تراقب مرضه باهتمام شديد حتى يمكنها تقطيع أوصاله واقتسامه ضمن ما اقتسمت فى العالم. وبالفعل، ضُـرب محمد علي وبشراسة من قبل أعدائه وأصدقائه الغربيين وتم تقطيع أوصال الدولة العثمانية (وهى عملية لا تزال مستمرة فى البوسنة والهرسك وكوسوفو)، وتم اقتسام العالم مع الحرب العالمية الأولى، وتحقق النظام المغلق وأصبح واقعاً عالمياً فى عصرنا الحديث.

ومنذ أن قام هذا النظام العالمي باقتسام العالم، بدأ يصول ويجول، وبدلاً من أن ينشر الاستنارة والعدل، انغمس فى عمليات إبادة منهجية رشيدة لم يعرفها تاريخ البشر من قبل (إبادة سكان الأمريكتين)، وفي عمليات ترانسفير (نقل السود من أفريقيا إلى الأمريكتين، ونقل العناصر البشرية غير المرغوب فيها مثل المجرمين واليهود والفائـض البشـري والثوريين والفاسدين اجتماعياً إلى جيوب استيطانية). وقد خاض هذا النظام العالمي في الصين، حرب الأفيون الأولى ثم حرب الأفيون الثانية حتى يحقق أرباحاً اقتصادية ضخمة. وقام بنهب ثروات الشعوب بشكل منظَّم لم يعرف له التاريخ مثيلاً. ومع ظهور حركات التحرر الوطني فى المستعمرات، ابتداءً من الأربعينيات، قام النظام الإمبريالي العالمي بضربها بعنف شديد، ثم حاول فى الخمسينيات الالتفاف حولها بأن منح المستعمرات استقلالاً اسمياً وأسس نظماً سياسية عميلة مستعدة لأن تعطيه امتيازات يفوق عائدها ما كان يحصل عليه من الاستعمار العسكري المباشر. إن تاريخ النظام العالمي هو تاريخ النظام الصناعي العسكري الإمبريالي الغربي الذي حول العالم إلى مصدر للطاقة الطبيعية والبشرية الرخيصة وإلى سوق لبضائعه، ورغم تغير الأشكال (الاستعمار الاستيطاني الإحلالي ـ الاستعمار الاستيطاني المبني على التفرقة اللونية - الكولونيالية ـ الإمبريالية ـ الاستعمار الجديد) فإنه نظام عالمي واحد يحاول أن يفرض بالقوة حالة التفاوت بين الشعوب والأمم.

قام هذا النظام الإمبريالي العالمي بغرس كل أنواع الاستعمار فى عالمنا العربي (الاستعمار العسكري فى مصر والسودان وليبيا والمغرب وتونس والصومال والعراق وجيبوتي وسوريا ولبنان وإريتريا ـ الاستعمار الاستيطاني فى الجزائر ـ الاستعمار الاستيطاني الإحلالي فى فلسطين)، وقام بنهب هذه المنطقة إما مباشرة إبان فترة الاستعمار العسكري المباشر أو من خلال التحكم فى أسعار المواد الخام (وخصوصاً البترول) وعن طريق بيع أسلحة ببلايين الدولارات لنظم يضمن هو بقاءها فى الحكم ويعلم جيداً أنها غير قادرة على استخدام هذا السلاح، كما أثبتت الخبرة التاريخية (التي يريدنا أن ننساها).

وتتضح هوية هذا النظام العالمي الإمبريالي المغلق فى ظهور الفلسفات العنصرية والداروينية والنيتشوية التي تقسـم العـالم وبحدة إلى الأنا والآخـر، وتجعل الذات القومية هي المعيار الوحيد للحكم، وتجعل الغرب هو المركز، وتجعل الإنسـان الأبيـض هو صاحب المشـروع الحضاري الوحيد الجدير بالاحترام والبقاء، ومن هنا عبء الرجل الأبيض الشهير، فهو وحده القادر على اختيار الطريق الصحيح، أما الآخر فهو عاجز ضال. وفي هذا الإطار، ظهرت الفاشية والنازية ثم الصهيونية ـ وهي دعوة لحل مشاكل أوربا (المسألة اليهودية) عن طريق تصديرها للشرق. فحينما كان هرتزل يتحدث عن إنشاء دولة يهودية يضمنها "القانون الدولى العام" فإنه كان يعني "القانون الغربي الاستعماري" الذى يتحكم فى العالم ويقسمه حسب رؤيته ومشيئته. ثم صدر وعد بلفور في هذا الإطار، إذ أعطت بريطانيا الحق لنفسها في أن تمنح أرض فلسطين للفائض البشري اليهودي فى الغرب وأن تنقـل من فلسـطين سكانها الأصـليين (تمت الإشارة إليهم باعتبارهم العناصر «غير اليهودية»، أي «غير الغربية»، ومن ثم فهم يقعون خارج نطاق الحقوق والمسئوليات). ثم قام النظام العالمي من خلال عصبة الأمم بوضع فلسطين تحت الانتداب لضمان تنفيذ هذا المشروع الاستيطاني الإحلالي، ثم قام النظام العالمي مرة أخرى من خلال هيئة الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين ومنح الوجود الصهيوني شرعية مسـتمدة من شرعيته الدوليـة هذه. ثم اسـتمر النظام العالمي، متمثلاً فى شقيه الرأسمالي والاشتراكي، بالاعتراف بالدولة الصهيونية ودعمها إما بشرياً (عن طريق نقل المادة البشرية من شرق أوربا) أو مالياً وعسكرياً (عن طريق الدعم المالي والعسكري من غرب أوربا والولايات المتحدة) وهو دعم ظل يتزايد فى حجمه ونوعه يوماً بعد يوم حتى وصل إلى التحالف الإستراتيجي المعلن بين إسرائيل والولايات المتحدة، مؤكداً بذلك أن الغرب صاحب النظام العالمي هو المهيمن على العالم، وأن العالم هو المسرح، وأن الجنس البشري هو المادة التى وظَّفها لصالحه.

هذه رؤية ثنائية حادة تنكر تاريخ الآخر وإنسانيته ولا تقبله إلا كمادة استعمالية. وقد تكررت ممارسات النظام الإمبريالي الدولي القـديم بأشـكال تتراوح بين درجات مختلفة من الحدة والتبلور في أنحاء آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.

ولكن النظام الإمبريالي، شأنه شأن أي نظام حلولي كموني مادي، ينتقل من الصلابة إلى السيولة. وفي هذا الإطار لا يمكن أن تظهر أنا مقدَّسة أو غير مقدَّسة، فكل شيء نسبي لا يعرف الثنائية أو التجاوز.

وقد تبدت المرحلة السائلة في تحولات النظام العالمي القديم إذ حدثت تطورات تاريخية عميقة لا تشكل لحظة إفاقة أخلاقية تاريخية (وكيف يمكن أن نتوقع هذا من حضارة مؤسسة على أساس القانون الطبيعي والفلسفة النيتشوية والداروينية؟) وإنما تشكل لحظة إدراك ذكية من جانب الغرب لموازين القوى.

 ونحن نلخص أسباب ظهور النظام العالمي الجديد فيما يلي:

1 ـ أدرك الغرب عمق أزمته العسكرية والثقافية والاقتصادية، وأحـس بالتفكك الداخلي وبعجزه عن فرض سياساته بالقوة.

2 ـ أدرك الغرب استحالة المواجهة العسكرية والثقافية والاقتصادية مع دول العالم الثالث التي أصبحت جماهيرها أكثر صحواً ونُخَبها أكثر حركية وصقلاً وفهماً لقواعد اللعبة الدولية.

3 ـ أدرك الغرب أنه على الرغم من هذه الصحوة، فإن ثمة عوامل تفكك بدأت تظهر في دول العالم الثالث، حيث ظهرت نخب محلية مستوعبة تماماً في المنظومة القيمية والمعرفية والاستهلاكية الغربية يمكنه أن يتعاون معها ويجندها، وهي نُخَب يمكن أن تحقق له من خلال السلام والاستسلام ما فشل في تحقيقه من خلال الغزو العسكري.

لكل هذا قرَّر الغرب أن يلجأ للالتفاف بدلاً من المواجهة، وبذا يستطيع حل إشكالية عجزه عن المواجهة ويتخلى عن مركزيته الواضحة وهيمنته المعلنة ليحل محلها هيمنة بنيوية تغطيها ديباجات العدل والسلام والديموقراطية التي ينقلها البعض بببغائية مذهلة.

ويمكن أن نتعامل بشيء من التفصيل مع التغيرات العالمية التي تشكل إطاراً لظهور النظام العالمي الجديد:

1 ـ على المستوى العسكري:

أ) أدَّت مرحلة الحرب الباردة بين الدولتين العظمـيين إلى إرهـاق متبادل لهـما نتيجة الدخول في سباق للتسلح لا نهاية له، وخصوصاً أن تطوير تكنولوجيا السلاح أصبحت مسألة مكلفة للطرفين بشكل لا يطيقه أيٌّ منهما. وعلى الرغم من "انتصار" الولايات المتحدة، فإن النزيف قد أثَّر فيها. وقد أصبحت الحروب الحديثة أمراً مكلفاً للغاية يتطلب تمويلاً ضخماً يصعب على أي دولة (بما في ذلك الولايات المتحدة) أن تقوم به، وخصوصاً أن ثمة أزمة اقتصادية عالمية تجعل من الصعب على الشعوب الغربية القبول بتخصيص اعتمادات عسكرية كبيرة في وقت تقوم به كثير من الدول الغربية بتصفية مؤسسات الرفاه الاجتماعي.

ب) تراجعت القدرات العسكرية للاستعمار الغربي بسبب تصاعد معدلات العلمنة والتوجه الحاد للإنسان الغربي نحو المنفعة الشخصية واللذة المباشرة التي لا يمكن إرضاؤها إلا بالإشباع الفوري، وقد أدَّى هذا إلى انخفاض الروح النضالية لدى الإنسان الغربي وإلى ارتفاع تكاليف الحملات العسكرية. وقد صرح المتحدثون باسم المؤسسة العسكرية الأمريكية بأن إمكـانياتها قد أجهـدت تماماً أثناء العـمليتين المتزامنتين لإنزال الجنود الأمريكيين في كلٍّ من جرانادا ولبنان، رغم صغر حجم العمليتين، بسبب تضخم قطاع الخدمات في القوات المسلحة (تماماً كما يحدث في المجتمعات الاستهلاكية الحديثة)، إذ يتطلب إنزال جندي أمريكي واحد خدمات عدة جنود يصل عددهم أحياناً إلى عشرة، وهو ما يعني أن إنزال عشرة آلاف جندي يشغل ما بين 50 و100 ألف جندي آخر (وقد كانت حرب الخليج خليطاً من المأساة والملهاة في هذا المضمار بسبب معدل الرفاهية العالي).

جـ) تراجعت الهيمنة العسكرية الغربية بسبب ظهور دول لها قوة عسكرية ضاربة وقوة نووية غير خاضعة للهيمنة الغربية مثل كوريا الشمالية والصين (وربما باكستان).

د) أدرك الغرب في الوقت نفسه عبث المواجهة العسكرية مع القوى المجاهدة غير الرسمية، وخصوصاً بعد تجربته المريرة في فيتنام (وتجربة الانتفاضة المستمرة وتجربة أفغانستان الناجحة).

هـ) ظهور أسـلحة دمار رخيصة مثل الصـواريخ ذات الرؤوس الميكروبية (قنبلة الفقراء النووية على حد قول أحد المعلقين). بل أثبتت حرب أفغانستان مقدرة الجماعات الفدائية على الحصول على أسلحة ذات مقدرة تدميرية عالية لا يحتاج استخدامها إلى متخصصين ولا دورات تدريبية.


2 ـ على المستوى الثقافي:

أ) تراجعت المركزية الغربية على المستوى الثقافي بسبب ظهور كتلة العالم الثالث، وظهور حركات بعث قومي فيها بسبب تزايد الوعي بالذات الثقافية، وبسبب أزمة الغرب الذي لم يعد نموذجاً جذاباً ناجحاً كما كان في الستينيات. ومما ساعد على ذلك ظهور أقليات ثقافية إثنية داخل العالم الغربي ذاته لا تقبل الهيمنة الثقافية الغربية أو مركزيته الثقافية.

ب) وقد حدث هذا في وقت تمر فيه الحضارة الغربية بمرحلة أزمة عميقة، فلم يعد الغرب واثقاً تماماً من نفسه كما كان الأمر من قبل، وذلك مع تفشي النسبية الثقافية وظهور مراكز اقتصادية عسكرية وثقافية أخرى في العالم، ومع تفاقم الأزمة الاجتماعية في الداخل (الجريمة ـ تفكك الأسرة ـ الأيدز ـ المخدرات ـ الإباحية). ولذا، لم يَعُد قادة العالم الغربي قادرين على الحديث عن تفوق الجنس الأبيض (كما كان عهدهم في الماضي القريب).

جـ) مع هذا، لاحظ الغرب أن ثورة المعلومات والنظام الإعلامي الجديد، بأفلامه وكتبه ومرئياته ومراكز بحوثه، يتيحان مقدرة هائلة على الاختراق تساعد على نقل المنظومة القيمية الغربية إلى كل أرجاء العالم بعد أن كانت محصورة إلى حدٍّ كبير في الغرب.

د) أدرك الغرب أنه ظهر في العالم الثالث نخب محلية تنتمي اسماً إلى شعوبها ولكنها تنتمي فعلاً من ناحية الرؤية والتطلعات والأحلام وأسلوب الحياة إلى العالم الغربي. ومن المُلاحَظ أن تصاعد الوعي القومي صاحبه أيضاً تصاعد في معدلات العلمنة والترشيد والأمركة في كل أنحاء العالم، وتم اختراق كثير من أعضاء النخب الثقافية، كما تم الاستيلاء على أبنائهم وبدأ الحلم الأمريكي يتسرب إلى قطاع لا بأس به من الجماهير. وهذا ما يشير إليه البعض بظاهرة الكوكلة (نسبة إلى الكوكاكولا) أو الكوكاكولانية بدلاً من الكولونيالية ـ والكوكاكولانية هي اختراق المنظومة القيمية الغربية لأحلام الناس وعقولهم من خلال برامج التليفزيون (على سبيل المثال) دون اللجوء إلى القوات العسكرية. وقد ساهمت ثورة المعلومات في هذه العملية.

3 ـ على المستوى الاقتصادي:

أ) تواجه الولايات المتحدة (قائدة العالم الغربي) مشاكل المديونية وعجز الميزان التجاري. فالدين الأمريكي يزيد على 3 تريليون دولار، وانخفضت حصة الناتج القومي الإجمالي الأمريكي من الناتج العالمي إلى الثلث. ويتنبأ بعض الاقتصاديين بأن الولايات المتحدة، التي أضعفها عقدان من الركود، ستصبح بحلول عام 2000 ثالث قوة اقتصادية بعد أوربا واليابان اللتين سوف تتفوقان على أمريكا من حيث الناتج القومي الإجمالي وحجم الاستثمارات في الخارج وحجم الصادرات.

ب) حدث هذا في وقت بدأت تظهر فيه مراكز اقتصادية غير غربية تطور نفسها خارج شبكة الهيمنة الغربية مثل اليابان والصين وماليزيا وغيرها.

جـ) لاحظ الغرب أن كثيراً من دول العالم الثالث أصبحت واعية بمصالحها الاقتصادية وبآليات السوق المحلية وكيفية السيطرة عليها وبآليات إدارة الحكومة والاستثمار في الداخل والخارج، وأصبح لدى كثير من حكومات العالم الثالث خبرات محلية ومستوردة تجعل عملية النهب الاستعماري القديمة (التي بدأت باستبدال المرايات بالأراضي) صعبة بل مستحيلة.

د) أدَّى تطور الاقتصاد الغربي وتمدد السوق الغربية إلى ظهور ما يشبه الاقتصاد الدولي (وهو اقتصاد غربي ساحته كل الدول) وظهرت الشركات عابرة القارات التي تحمل رأس المال الغربي في كل مكان وأي مكان، بحيث يتبعها أعداد هائلة من الموظفين والمستفيدين، وهي تحمل معها أنماط الاستهلاك الغربية والسوق باعتبارها كياناً آلياً يتطلب تنميط الآخر.

هـ) لاحظ الإنسان الغربي أن ثمة قضايا جديدة لا يمكن مواجهتها إلا في إطار عالمي، وهو ما يتطلب التعامل مع حكومات العالم الثالث. فثمن التقدم لم يعد مجرد تلويث نهر أو إصابة مجموعة من الناس بداء الكبد (مثلاً)، حيث بدأنا نسـمع الآن عن ظواهـر ذات طـابع كوني مثل ثقوب الأوزون وسخونة الغلاف الجوي. وفي عصر الإمبريالية الغربية، كان الإنسان الغربي يُصدِّر للشرق فواتير التقدم وينساها، أما الآن فإن ثقوب الأوزون لا تعرف الفرق بين الشرق والغرب وتذكره بالدمار الذي يحيط بالجنس البشري.

و)_ وإذا أخذنا انتشار المخدرات باعتباره إحدى النتائج السلبية للتقدم، فإن هذا يعني أنها هي الأخرى تساهم في عملية تدويل العالم. وفي القرن الماضي، كان الاستعمار الإنجليزي يدخل حرب الأفيون الأولى والثانية ليفرض على سكان الصين تناول الأفيون بقوة السلاح ويحقق الربح لنفسه. ومع هذا، كان المجتمع الإنجليزي يستمر في الحفاظ على أخلاقياته الفكتورية المحافظة. وحتى في الستينيات، كانت الشرطة الأمريكية لا تمانع كثيراً في وجود المخدرات في حي هارلم الأسود في نيويورك، وكان هذا يُعَد شكلاً من أشكال الضبط الاجتماعي. أما الآن، فإن كارتل إسكوبار في كولومبيا، وكذلك المثلث الذهبي، تمتد أياديهم لتصل إلى أولاد الطبقة المتوسطة البيضاء في نيويورك ولندن وضواحيهما! والمخدرات التي تزرع في منطقة الإشعاع النووي في تشرنوبيل (ولذا فهي تنمو بسرعة سرطانية) تجد طريقها إلى كل أرجاء المعمورة!

إن ما حدث ليس اختفاء العالم ذي القطبين والتلاقي الأيديولوجي بين القوى العظمى المتصارعة (روسيا ـ اليابان ـ العالم الغربي) وإنما هو أيضاً تراجع المركزية الغربية وظهور مراكز عديدة تتفاوت قوةً وضعفاً وإدراك الغرب لذلك، وإدراكه أيضاً لمواطن الضعف في القوى المقاومة له. كل هذا أدَّى إلى أن يتبنَّى الغرب إستراتيجية جديدة: الاستعمار العالمي الجديد الذي يلجأ للإغواء بدلاً من القمع. فالآلية الأساسية للقسر، أي سحق إرادة الشعوب، أصبحت مكلفة للغاية إن لم تكن مستحيلة تماماً.

وآليات الإغواء عديدة من بينها إيهام الآخر، أي أعضاء النخب المحلية الحاكمة التي تم تغريبها، بأنه شريك مع الاستعمار الغربي في عمليات الاستثمار، بل شريك (صغير) في عمليات نهب الشعوب ويستفيد منها. ويواكب هذا عملية إفساد ورشوة لأعضاء هذه النخب. بل إن الشعب نفسه يتم إغواؤه إما عن طريق وسائل الإعلام "العالمية" وبيع أحلام الاستهلاك الوردية الفردوسية، أو عن طريق النخب المحلية. وتُصعَّد في الوقت نفسه عمليات فتح الحدود وتفكيك الدولة القومية (باعتبارها إطاراً لتجميع القوى الشعبية المختلفة ضد الإمبريالية أو ضد الهيمنة الغربية) وذلك عن طريق المنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية وإثارة الأقليات وإثارة مشاكل الحدود... إلخ، وتفكيك الأسرة باعتبارها الملجأ الأساسي والأخير للإنسان والحيز الذي يحقق المجتمع داخله استمرارية الهوية والمنظومة القيمية (وتتكفل جماعات التمركز حول الأنثى «فيمينزم Feminism» وجماعات الدفاع عن الإباحية باعتبارها شكلاً من أشكال "الإبداع"، بهذا الجانب من عملية التفكيك).

ويذهب أحد الكُتَّاب العرب إلى تحديد ملامح العالم في إطار النظام العالمي الجديد على النحو التالي:

1 ـ سيعتمد هذا النظام في أساسه على قيام تكتلات إقليمية متنافسة ولكن غير متصارعة تحاول أن تفرض على العالم وضعاً يتفق ومصالحها.

2 ـ سيستمر التباين في مستويات الحياة بين الدول الغنية المسـيطرة من جـهة والدول الفـقيرة المستغَلة من جهة أخرى. ويلاحَظ الآن أن نحو 20% من سكان هذا العالم يسيطرون وينعمون بنحو 80% من مصادر الثروة فيه.

3 ـ النمط الاقتصادي السائد يقوم في أساسه على السوق العالمية، وهو ما يجعل تراكم الثروات منسلخاً عن العمل والإنتاج مرتبطاً بالمضاربات المالية التي تتحكم فيها الشركات الكبرى بحماية دولية.

4 ـ ستُصدِّر الصناعات الملوثة للبيئة للدول الفقيرة وتظل تحت السيطرة الغربية، مع اهتمام دول الغرب بإدارة الجانب الزراعي في بلادها.

5 ـ ستحاول أمريكا والغرب، ومن خلال المؤسسات الدولية، فرض وضع اقتصادي سياسي من خلال الهيمنة العسكرية وإنشاء الشرعية الدولية والتستر بها لغرض الهيمنة على الآخرين بالقوة وتبرير التدخل في الشئون الداخلية للأمم الأخرى.

تناولنا، حتى الآن، رؤية النظام العالمي للتاريخ وتاريخه وأسباب تحوُّله وآلياته الجديدة، وهي رؤية تضمر عدم اكتراث بالإنسان. ويمكننا الآن أن نركز على هذا الجانب، أي رؤية النظام العالمي الجديد للإنسان. فالنظام العالمي الجديد، كما أسلفنا، هو امتداد للنظام العالمي القديم، ومن ثم فهو تعبير جديد عن الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية التي تذهب إلى أن العالم مادة والإنسان أيضاً مادة لا يختلف عن بقية العالم، وهذه المادة مادة استعمالية بالدرجة الأولى، فالإنسان حيوان اقتصادي تماماً وما يحركه هو الدوافع الاقتصادية، وهي أيضاً المحرك الأكبر للمجتمعات البشرية. ولذا، فإن المصالح الاقتصادية (الحديثة، العلمانية الشاملة، التي لا تتجاوز عالم المادة ولا تصل أبداً إلى عالم التطلعات والأشواق والإنسان المركب التاريخي) هي المحرك الأول والأخير والمرجعية النهائية. والتحالفات السياسية في الوقت الحاضر لا تستند إلى الأيديولوجيا وإنما إلى المصالح الاقتصادية، والصراع لا يتم بشأن المبادئ وإنما يتم بشأن المصالح. وثمة تلاق بين الأمن القومي والمصلحة الاقتصادية، وبالتالي يمكن حصر الخلافات بين الدول وتحديدها والتعامل معها بشكل رشيد، فالمصالح (على عكس المبادئ) يمكن حسابها، ويمكن إخضاعها لعمليات رياضية دقيقة. ونفس الشيء يُقال عن الخلافات داخل المجتمع الواحد، فمن الممكن حسمها من خلال العملية الديموقراطية.

وقد كانت المنظومة القيمية الغربية تسري على كل البشر، فالجميع مادة استعمالية. ومع هذا، فإن هناك ثنائية الأنا والآخر الصلبة. وفي داخل هذه المنظومة التي تدور في إطار المرجعية الواحدية المادية، يمكن القول بأن الإنسان الغربي مادة مستعملة (بكسر الميم) أكثر منها مادة استعمالية، أما سكان آسيا وأفريقيا فهم العكس؛ مادة استعمالية أولاً وأخيراً. ولذا، عبَّرت هذه الرؤية عن نفسها في النظام الدولي القديم على هيئة خطاب عنصري يؤكد على التفاوت بين الأجناس كما يؤكد رسالة الرجل الأبيض. ولكن، نظراً للأسباب التي أدرجناها فيما سبق، بدأت منظومة التفاوت في التراجع وظهر بدلاً منها منظومة واحدية مادية سائلة تساوي بين الناس وتسوي بينهم، وأصبح كل البشر مادة متساوية (معرفياً على الأقل) وظهرت الاستهلاكية العالمية بديلاً عن الرأسمالية الرشيدة والاشتراكية العلمية.

وانطلاقاً من ثنائية الأنا والآخر العنصرية الصلبة، كان النظام الإمبريالى القديم يحاول أن يوقف عمليات التحديث فى أى مكان فى العالم حتى يصبح العالم الغربي متقدماً، منتجاً ومستهلكاً، ويصبح العالم الثالث متخلفاً بدائىاً مصدِّراً للمواد الخام والعمالة الرخيصة ومستهلكاً ضعيفاً لبعض بضائع أوربا. أما النظام الإمبريالي الجديد في عصر السيولة (في عصر الاستهلاكية العالمية)، فيرى أنه من الضروري ترشيد العالم بأسره وتحويله كله إلى حالة المصنع والسوبر ماركت، ولذا لابد أن تتقدَّم شعوب الأرض بالقدر الكافي لتصبح شبه منتجة شبه مستهلكة. فالبدوي فى صحراء نجد والهندي الأحمر فى براري أمريكا والقروي فى الصـعيد يشكِّلون عائقاً يقـف أمام النظام الإمبريالي الجـديد (الاسـتهلاكية العالمية)، فهم ليسوا فى حاجة إلى الهامبورجر أو السيارة أو الفيديو، ومن ثم لا يمكن تجويعهم أو حرمانهم أو الضغط عليهم، وبالتالي فهم يشكلون ثغرة فى نظام يشبه الآلة لا يتحمل ثغرات، ويجب أن تكون أجزاؤه جزءاً من الكل الآلي. فمثل هؤلاء الفقراء مستقلون قادرون على الحفاظ على أبنيتهم الثقافية وقيمهم المطلقة وعلى اتزانهم مع الذات ومع الطبيعة، وهذا أمر يهدد النظام العالمي. ولذا، لابد أن "يتقدم" الجميع، حتى يدخل الجميع النظام العالمي، ويتم هذا من خلال بيع الأحلام الوردية عن الرخاء الاقتصادي وتعظيم اللذة (أو الوعد باللذة) والتصعيد المستمر للرغبات الاستهلاكية والجنسية. وهو تصعيد يتم من خلال البث التليفزيوني ووسائل إعلام الداخل والخارج. ولكن يجب أن يتم التقدم، تحت مظلة البنك الدولي وصندوق النقـد، داخـل إطار النظام العالمي الجديد الذى تحكمه بنية التفاوت والمنظومة القيمية الاستهلاكية. ومن ثم يجب ألا يُسمَح بإدخال التنمية المستقلة، لأنها تحدث ثغرة فى النظام الدولي أيضاً، فقد توقف توسع الشركات متعددة الجنسيات، وقد تعوق التنمية تحت مظلة البنك الدولي. وأما التنمية فى إطار النظام العالمي الجديد، فإنها ستضمن أن تكون شعوب العالم الثالث نصف منتجة ونصف مستهلكة حتى يستمر اعتمادها المذل على الغرب. ولا شك في أن عمليات تصعيد التوقعات الاستهلاكية، وعملية التسخين (الاستهلاكية الجنسية) التي تتعرض لها شعوب العالم الثالث، ستجعل من المستحيل تحقيق أي تراكم رأسمالي وستبدد الطاقة الثورية أولاً بأول وتختفي الرغبة في السمو وفي الجهاد.

وقد وجدت الاستهلاكية العالمية التي ستحوِّل العالم إلى سوق كبيرة لا يسودها إلا قوانين العرض والطلب، وتعظيم المنفعة (المادية) واللذة (الحسية)، والتي ستؤدي إلى سيادة حالة المصنع في العالم بأسره، أن من صالحها أن تفتح الحدود، وأن تختفي القيم والمرجعيات تماماً حتى يفقد الجميع أى خصوصية ويصبح بالإمكان تحويلهم إلى آلة إنتاجية استهلاكية وقطع غيار فى الوقت نفسه.

في هذا الإطار تُطرَح سنغافورة باعتبارها المثل الأعلى الذي يُحتذى في السيولة والتراخي، وسنغافورة بلد معقم من التاريخ والذاكرة، فهي شـوارع أسفلتية عرضـية وأبراج أسـمنتية أفقية تشـكل مجموعة هائلة من المصانع والمتاجر والملاهي. ولنتخيل بلداً مثل مصر يحاول أن يصبح مثل سنغافورة.

وهكذا تغيَّر النظام الإمبريالي القديم، المبني على توازن القوى والرعب الذي يَصدُر عن المنظومة الداروينية، وأصبح دون مقدمات نظاماً عادلاً يدعو إلى الديموقراطية ولكنه يدعو لأشياء أخرى كذلك مثل السوق الشرق أوسطية التي تنكر تاريخ المنطقة تماماً، ويتحدث عن الشعوب العربية وعن المنطقة. كل هذا يجعلنا ندرك تماماً أن دعوة النظام العالمي الاستهلاكي الجديد للديموقراطية لا تهدف إلى تمكين الجماهير من التحكم في مصيرها، وإنما هي أداته في فتح الحدود وإضعاف الدول القومية المركزية الصغيرة حتى يتسنى له ترشيد البشر وإزالة أية عوائق إنسانية أو أخلاقية، وحتى تصبح كل الأمور متساوية ونسبية ويسود تساو معرفي كامل هو في واقع الأمر عملية تسوية، وتُمحَى كل الثنائيات، فالأجساد مادة والعقول آليات والعالم عقارات والأوطان فنادق، وأما ما ينفع الإنسان الطبيعي فهو الانخراط الرحمي (نسبة إلى الرحم) فى المنظومة الآلية بحيث يصبح الجميع سواسية مثل أسنان المشط الأمريكي البلاستيك فيتخففون من عبء الهوية والضمير والاختيارات الأخلاقية المركبة.

لكن رغم كل هذا الحديث العــذب عن الديموقراطية والمسـاواة والسيولة يكتسب الغرب صلابة خاصة من ثقته من أنه الممثل الحقيقي لحالة الطبيعـة، وأن طريقـه (الغربي ـ الحديث ـ العلماني ـ الطبيعي/المادي) هو الطريق الصحيح، بل الوحيد، أي أنه بعد أن يؤكد غياب المرجعيات بشكل علني ويقوم بتسييل العالم، يتحرك في إطار مرجعيته الخفية الصلبة التي تمنحه مركزية في العالم. ولذا، فهو يقوم بفتح حدود الآخرين وتدعيم حدوده هو ويقوم بفك مدافع الآخرين (كما فعل مع محمد علي) وينصب مدافعه هو، فالمدفع هو مركز العالم الذي لا مركز له، هو الصلابة في عالم السيولة، وهو الركيزة في عالم لا ركائز له؛ مدفع يحمله إنسان أوربا الطبيعي والاقتصادي (المادي)، إنسان هوبز وداروين ونيتشه. هو مدفع ضخم صلب لا ريب فيه، ولكنه مع هذا يظل مختبئاً وراء آليات الإغواء وخطاب السيولة والنسبية والتعددية.


الترانسفير: رؤية معرفية
«ترانسفير transfer» كلمة إنجليزية تعني حرفياً «النقل»، وتُستخدَم عادةً للإشارة إلى طرد عنصر سكاني من محل إقامته وإعادة توطينه في مكان آخر. وهي تُستخدَم في الخطاب السياسي العربي للإشارة إلى محاولة الصهاينة طرد العرب ونَقْلهم (ترانسفير) من فلسطين، إلى أي مكان خارجها، ونقل (ترانسفير) اليهود إليها. ولكننا نذهـب إلى أن الترانسـفير يُعبِّر عن شـيء جوهري وبنيوي في الحضارة الغربية الحديثة يتجاوز المستوى السياسي. إنها حضارة يهيمن عليها النموذج العلماني الشامل تدور في إطار المرجعية المادية (وإنكار التجاوز ونزع القداسة) ولذا، فإن ملامح هذه الحضارة كافة تتبدَّى في مفهوم الترانسفير، سواء من ناحية الرؤية أو من ناحية الممارسة. فهذه الحضارة ترى العالم مادة استعمالية لا قداسة لها يمكن تحريكها وتوظيفها، وذلك لعدم وجود قيمة مطلقة لأي شيء، فالطبيعة قد وُجدت ليهزمها الإنسان ويسخرها، والإنسان نفسه لابد أن يخضع للمرجعية المادية، ولذا فهو الآخر كيان مادي حركي لا يختلف عن الكيانات الأخرى، ويمكن نقله وتوظيفه وهزيمته وتسخيره باعتباره مادة استعمالية نافعة. ولذا، فإن الترانسفير نفسه ليس مجرد فعل سياسي أو رغبة أيديولوجية وإنما هو مؤشر على نموذج حركي مادي يصيب الإنسان في الصميم ويعيد تعريفه تعريفاً يودي به تماماً. ويمكن أن نعيد النظر في تاريخ الحضارة الغربية الحديثة باعتبارها حضارة الترانسفير. أي أننا، هنا، سنقوم بعملية تفكيك وتركيب لكثير من ظواهر هذه الحضارة، ومن خلال هذه العملية نوضح إجابة النموذج العلماني على الأسئلة الكلية ونُوضِّح المرجعية النهائية المادية لهذه الحضارة:

1 ـ بدأت هذه الحضارة بترانسفير أوَّلي هو حركة الاكتشافات حيث انتقل الإنسان الغربي من عالم العصور الوسطى في الغرب إلى أماكن أخرى في العالم، وفي هذا علمنة كاملة للمكان والحيز حيث يصبح المكان مجرد حيِّز يُستخدَم ويُوظَّف. كما واكب هذا ما نسميه بالثورة التجريدية، وهي ثورة جعلت الإنسان قادراً على التعامل مع الأشياء من منظور مجرد عام حيث يهتم الإنسان بالقيمة التبادلية للأشياء لا بالقيمة المُتعيِّنة لها. ومن أهم مظاهر الثورة التجريدية ظهور قطع الغيار التي يتحتم أن تكون متشابهة تماماً وقياسية حتى يمكن إحلال (ترانسفير) قطعة غيار محل الجزء التالف في أي زمان ومكان. ولعل من المهم أن نشير إلى أن حركة الاكتشافات (الترانسفير من مكان إلى آخر)، والثورة التجريدية (الترانسفير من الخاص إلى العام)، وقطع الغيار (الترانسفير من قطعة إلى أخرى)، كلها مرتبطة بشكل أو آخر بالتطور العسكري لأوربا. فقطع الغيار، على سبيل المثال، تم تطويرها في أتون الحرب حيث كان من الضروري أن يقوم الجندي بتغيير التالف من بندقيته بسرعة حتى يمكنه استئناف القتال.

2 ـ بعد هذا الترانسفير الوجداني أو الفكري أو الإبستمولوجي (المعرفي) الأوَّلي، بدأت عملية الترانسفير الحقيقية. وقد تبدت عقلية الترانسفير في الحل الإمبريالي لمشاكل أوربا، أي تصدير هذه المشاكل من أوربا إلى الشرق ومن بينها المشاكل الاجتماعية. وكانت أولى هذه العمليات هي نقل الساخطين سياسياً ودينياً (البيوريتان) إلى أمريكا، والمجرمين والفاشلين في تحقيق الحراك الاجتماعي في أوطانهم إلى أمريكا وأستراليا. وتبعتها عمليات ترانسفير أخرى:

ـ نَقْل سكان أفريقيا إلى الأمريكتين لتحويلهم إلى مادة استعمالية رخيصة.

ـ نَقْل الهنود الحمر من مواطن سكناهم إلى مواقع أخرى أو إلى العالم الآخر (وعمليتا النَقْل مرتبطتان تماماً، إذ كان نَقْلهم إلى العالم الآخر يتم أحياناً عن طريق نَقْلهم من موقع إلى آخر).

ـ نَقْل جيوش أوربا إلى كل أنحاء العالم، وذلك للهيمنة عليها وتحويلها إلى مادة بشرية وطبيعية تُوظَّف لصالح الغرب.

ـ نَقْل الفائض البشري من أوربا إلى جيوب استيطانية غربية في كل أنحاء العالم، لتكون ركائز للجيوش الغربية والحضارة الغربية (فيما يُعَد أكبر حركة هجرة في التاريخ).

ـ نَقْل كثير من أعضاء الأقليات إلى بلاد أخرى (الصينيين إلى ماليزيا ـ الهنود إلى عدة أماكن ـ اليهود إلى الأرجنتين) كشكل من أشكال الاستعمار الاستيطاني، إذ أن هذه الأقليات تشكل جيوباً استيطانية داخل البلاد التي تستقر فيها.

ـ نَقْل كثير من العناصر المقاتلة من آسيا وأفريقيا وتحويلهم إلى جنود مرتزقة في الجيوش الغربية الاستعمارية، مثل الهنود (وخصوصاً السيخ) في الجيوش البريطانية. وفي الحرب العالمية الأولى، تم تهجير 132 ألفاً من مختلف أقطار المغرب لسد الفراغ الناجم عن تجنيد الفرنسيين، بالإضافة إلى تجنيد بعضهم مباشرةً للقتال (وهذه هي أول "هجرة" لسكان المغرب العربي، وقد استمرت بعد ذلك تلقائياً).

ـ في هذا الإطار المعرفي الترانسفيري، تمت عملية الاستيطان الصهيونية التي هي في جوهرها تصدير لإحدى مشاكل أوربا الاجتماعية (المسألة اليهودية) إلى الشرق، فيهود أوربا هم مجرد مادة (فائض بشري لا نفع له داخل أوربا يمكن توظيفه في خدمتها في فلسطين)، والعرب أيضاً مادة (كتلة بشرية تقف ضد هذه المصالح الغربية)، وفلسطين كذلك مادة فهي ليست وطناً وإنما هي جزء لا يتجزأ من الطبيعة/ المادة يُطلَق عليه كلمة «الأرض». فتم نقل العرب من فلسطين ونقل اليهود إليها، وتمت إعادة صياغة كل شيء بما يتلاءم مع مصالح الإنسان الغربي.

3 ـ تَبدَّت عقلية الترانسفير في تصدير المشاكل الاقتصادية لأوربا، فكان يتم تصدير البضائع الفائضة والبضائع الكاسدة والبضائع الرديئة (مثلما تم تصدير المجرمين واليهود والساقطين سياسياً) إلى الشرق. وقد استمر النمط، فأخذ أشكالاً مختلفة لعل أهمها في الوقت الحاضر الشركات المتعددة الجنسيات التي تُشيِّد الصناعات التي تُسبِّب نسبة عالية من التلوث في العالم الثالث. كما أن الغرب يقوم بدفن العوادم الصناعية الملوثة في العالم الثالث (أي أنه يقوم بعملية ترانسفير لها).

4 ـ من الأشكال المهمة للترانسفير ما تم في عصر الإصلاح الديني وهو ترانسفير معرفي/لغوي، إذ قام المصلحون الدينيون البروتستانت بنقل المفاهيم الدينية من المستوى المجازي الذي يفترض وجود مسافة أو ثغرة بين الدال والمدلول (فالدال كلمة محددة، أما المدلول فإنه يضم المعلوم والمجهول، والمحدود واللامحدود، والمقدَّس والمدنَّس) إلى المستوى الحرفي المادي. ومن ثم تحوَّلت " صهيون " إلى رقعة جغرافية اسمها فلسطين، وتحول التطلع الديني لها (حب صهيون) إلى حركة نحو استيطانها، وتحولت " أورشليم " السماوية (مدينة الإله) إلى القدس الأرضية (عاصمة فلسطين) التي يجب الاستيلاء عليها. وهذا الترانسفير اللفظي هو المقدمة للترانسفير الفعلي (الحركة الصهيونية ـ الأصولية البروتستانتية المتطرفة).


5 ـ تَبلور الترانسفير، كنمط إدراكي، مع هيمنة عقيدة التقدم على الإنسان الغربي. فالتقدم هو حركة دائمة، انتقال من مكان إلى آخر ومن حالة إلى أخرى، وأصبح الهدف من الحياة هو التقدم/الترانسفير الدائم. ويُلاحَظ أن لفظ التقدم هو دال بلا مدلول تقريباً، إذ إن الإنسان الغربي لم يُعرِّف على وجه الدقة الهدف النهائي من التقدم وكل ما هناك أهداف مرحلية لا متناهية. وعلى هذا، فإن الترانسفير، مثل التقدم، كلمة تشير إلى حركة بلا مضمون.

6 ـ يُلاحَظ أن فكرة الترانسفير قد تَجذَّرت تماماً في الوجدان الغربي الحديث بحيث لا يستطيع الإنسان الغربي رؤية الطبيعة البشرية نفسها إلا في إطار الترانسفير. ولعل قمة العقلية الترانسفيرية تظهر في تعريف البروفسور ماكس لرنر (وآخرين) للإنسان الحديث بأنه إنسان قادر على تغيير منظومته القيمية بعد إشعار قصير، أي أن الإنسان كائن حركي يمكنه أن ينجز الترانسفير من منظومة قيمية إلى أخرى بسرعة، ولا يمارس أي ولاء عميق لأي شيء، ولا يشعر بأي ألم أو وخز ضمير إن غيَّر ولاءاته وهويته وشخصيته وأهواءه (ومن المعروف أن المغنية مادونا، قمة ما بعد الحداثة، تقوم بتغيير شخصيتها مرة كل ثلاث سنوات). وفي هذه الموسوعة، نعرِّف التحديث بأنه رفض كل العلاقات الكونية والثابتة (مثل علاقات القرابة) والقضاء عليها، ورفض المطلقات والثوابت كافة، وإخضاع كل العلاقات للتفاوض وكل القيم للتداول (الترانسفير)، الأمر الذي يحقق للإنسـان الحديث حركية عالية وكفـاءة منقطعة النظير في أداء أية مهمة توكل إليه.

7 ـ بل يمكن القول بأن الترانسفير قد انتقل كذلك إلى المنظومة المعرفية فيما يُسمَّى «النسبية المعرفية»، حيث يرفض الإنسان أي يقين معرفي ويرضى بالجزئيات، فينقل إيمانه من حقيقة إلى أخرى. وهنا، فإن ما يشكل المعرفة بالنسبة له ليس الحقيقة الكلية وإنما حقائق جزئية متغيرة متلاحقة.

8 ـ ويُعبِّر الترانسـفير عن نفسه في المنظومة الجمالية، إذ تظهر أزياء كل سنة بحيث لا تكون لها علاقة بأزيـاء الماضي، ولذا فإن الإنسان يتعيَّن علىه تغيير ملابسه باستمرار، وتظهر كل أسبوع أغنية جديدة يسمعها الإنسان الغربي (والآن الشرقي) ثم ينساها. ويظهر موديل سيارة جديدة كل عام، فيغير الإنسان (في المجتمعات التي يُقال لها متقدمة) سيارته مرة كل ثلاثة أعوام. ولعل انتشار الجراحات التجميلية هو تعبير عن نفس الظاهرة، حيث يُغيِّر الإنسان وجهه ويختار وجهاً جديداً (يُعرَض له أحياناً مسبقاً على شاشة الكمبيوتر) ويقوم بتعديله مع أحد الخبراء ثم يتم تنفيذه. ويمكن رؤية قطاع كامل من الطب (عدسات لاصقة ملونة ـ نهود صناعية... إلخ) كتعبير عن الظـاهرة نفسـها. والإيمان الأعمى بالتجريب في الفن هو أيضاً نوع من أنواع الترانسفير، حيث لا يقنع الفنان بشكل فني واحد مستقر وإنما يجب أن يبحث عن شكل جديد.

9 ـ أصبح الشكل الحضاري الأساسي هو الترانسفير، فحضارة الفوارغ والنفايات (بالإنجليزية: ديسبوسابل disposable) والتآكل المُخطَط (بالإنجليزية: بلاند أوبسولسنس planned obsolescence) هي في جوهرها حضارة ترانسفير. يشرب الإنسان زجاجة عصير أو مياه غازية ويلقي الزجاجة الفارغة، ويأكل الساندويتش ويلقي بكمية هائلة من الأوراق التي تغلفه. ويشتري سيارة لتصبح بالية بعد سنتين أو ثلاث فيضطر لشراء سيارة جديدة، وهو يفعل ذلك حتى تزداد حركيته وتزداد مقدرته على الانتقال (الترانسفير) من مكان إلى آخر بكفاءة بالغة. وهي أيضاً حضارة التغليف (بالإنجليزية: باكيجنج packaging)، حضارة الظـاهر اللامـع دون باطن، ولكنه ظـاهر لامـع يتم تلميعه بدرجات مختلفـة.

10ـ انتقل الترانسفير إلى رؤية الذات، فالإنسان الغربي داخل إطار المرجعية المادية قادر على رؤية ذاته باعتبارها مادة استعمالية لا قداسة لها يمكن توظيفها دون أي احتجاج من جانبه. فهو، مثلاً، يشتري المنزل (الذي يشكل نقطة الثبات في حياة كثير من البشر والمأوى الدائم لهم) ويراه استثماراً، وقد أصبح المنزل هو أهم استثمار بالنسبة للأمريكيين، والاستثمار الوحيد لغالبيتهم. وبدلاً من أن يعيش في منزله ويستقر فيه ويعيد صياغته بشكل يتفق مع احتياجاته وهويته فإنه يبيعه ليحقق ربحاً بعد فترة وجيزة (في الولايات المتحدة مثلاً يغير كل مواطن منزله مرة كل خمسة أعوام). لهذا السبب أصبح معمار المنازل محايداً (أربعة جدران محايدة وسقف أكثر حياداً)، وفقد أية خصوصية، وذلك حتى يمكن لصاحبه أن يتركه وينتقل منه (ترانسفير) ويبيعه لشخص آخر بسهولة ويسر ويحقق ربحاً عالياً (أليست هذه هي حضارة الفوارغ؟).

11 ـ ولا يعود تغيير المنزل إلى الرؤية الاستثمارية وحسب بل إلى أن الكثيرين يغيرون محل عملهم حتى يحققوا ما يطمحون إليه من حراك اجتماعي. وتُعَد الحركة الدائمة أحد مظاهر التحديث، ولعل الحركة اليومية للملايين من مكان إلى مكان، وحركة ملايين السياح من بلد لآخر، تعبير آخر عن هذا. وفي أحيان كثيرة، يكون مجرد المل والرغبة في التغيير هو مصدر الأوتو ترانسفير أو الترانسفير الذاتي. ويمكن القول بأن السائح شخصية علمانية نماذجية، فهو إنسان حركي لا يؤمن بالثوابت أو المطلقات، يجمع في شخصيته ثنائية الإنسان الاقتصادي (الذي يراكم المال) والإنسان الجسماني (الذي يندفع لإنفاقه بشراهة). وهو حينما ينتقل إلى بلد (ترانسفير)، فإن كل همه هو الاستهلاك وتحقيق المتعة لنفسه (اللذة) دون أية اعتبارات إنسانية. أما المجتمع الذي يستقبله، فلا ينظر إليه إلا باعتباره مصدر مال (المنفعة)، أي أنه ينزع القداسة عن المجتمع المضيف ويقوم المجتمع المضيف بنزع القداسة عنه.

12 ـ يُطبَّق الترانسفير على الذات حينما يتحرك المسنون في المجتمعات الغربية في إطار المرجعية المادية ويقبلون أن يُنقَلوا إلى بيوت المسنين، أو إلى مدن تشكل جيتوات خاصة بهم، حين يبلغون السن القانونية ويستنفدون عمرهم الإنتاجي الافتراضي، يمكثون فيها حتى تحين ساعتهم. وهم يفعلون ذلك عن طيب خاطر ويسعون إليه ويسعدون به مادامت المنازل التي سيُودَعون فيها مكيفة الهواء وتحتوي على وسائل الراحة المادية كافة.

13 ـ وبحسب رأينا، فإن الترانسفير الذي يُطبَّق على العجائز في الغرب يَصدُر تقريباً عن المقولات الترانسفيرية نفسها التي تَصدُر عنها الإبادة النازية لليهود والعجزة والغجر والسلاف وغيرهم. فالنازية كانت تنظر للبشر في إطار المرجعية المادية وفي ضوء مدى «نفعهم» فمن كان نافعاً منتجاً أصبح من حقه البقاء وغير قابل للترحيل، أما غير النافعين فهؤلاء «أفواه تستهلك ولا تنتج» ومن ثم فلا فائدة ترجى من إطعامها (بالإنجليزية: يوسليس إيترز useless eaters)، وكان يتم تدريب بعضهم ليصبح نافعاً مُنتجاً. أما هؤلاء الذين لا أمل في تحويلهم لمنتجين، فكانوا يُصنَّفون باعتبارهم يهوداً قابلين للترحيل (بالإنجليزية: ترانفسيرابل tranferable) ويمكن التخلص منهم (بالإنجليزية: ديسبوزابل disposable). وقد سُوِّيت حالة هؤلاء عن طريق الترحيل إلى معسكرات السخرة والإبادة (حيث يتم القضاء عليهم عن طريق العمل المُجهد المتواصل أو عن طريق التسخين السريع في أفران الغاز) وهذا لا يختلف كثيراً عن ترحيل العجائز إلى بيوت المسنين عند انتهاء عمرهم الافتراضي الإنتاجي، حيث يُترَكون في أمان ليموتوا عن طريق التبريد البطيء المريح.


14 ـ ويمكن اعتبار الجنس العَرَضي (أي أن يعاشر الذكر الأنثى دون وجود علاقة عاطفية تتسم بقدر من الثبات بينهما) شكلاً من أشكال التنقل (الترانسفير) من أنثى إلى أخرى، وذلك لأن الأنثى مادة استعمالية لا قداسة لها تُوظَّف لتحقيق اللذة. ولكن يجب أن نسارع ونقول (حتى لا نُتَهم بالتقليل من شأن المرأة) أن الذكر الذي يدخل في مثل هذه العلاقة هو الآخر مادة استعمالية تُوظِّفها الأنثى لتحقيق اللذة لنفسها، فثمة مساواة كاملة تؤدي إلى التسوية الكاملة وإلى سيادة المرجعية المادية الصارمة على الجميع.

15 ـ يتحدثون في الغرب الآن عن «التفضيل أو الميل الجنسي» (بالإنجليزية: سكشوال بريفيرنس sexual preference) بدلاً من الطبيعة الجنسـية الثابتة للإنسـان، بمعنى أن الإنسـان يختار الممارسـات أو الهوية الجنسية التي يميل لها. فإذا كان المرء ذكراً، فيمكنه أن يمارس الجنس مع ذكر مثله، فهو جنسمثلي أو شاذ جنسياً (بالإنجليزية: هوموسكشوال homosexual) مثل فوكوه الفيلسوف الفرنسي. وإذا كان المرء أنثى، فهي تمارسه مع أنثى مثلها، فهي مساحقة (بالإنجليزية: لزبيان lesbian) مثل كثير من زعيمات حركة التمركز حول الأنثى. وهناك من يفضل الآن ممارسة الجنس مع الحيوانات (بالإنجليزية: زوفيليا zoophilia)، ويُقال إن فيلسوف النفعية جريمي بنتام كان يحب ملاعبة القرود بطريقة جنسية، كما أن هناك من يفضل ممارسة الجنس مع الأطفال (بالإنجليزية: بيدوفيليا pedophilia) كما يُقال عن مايكل جاكسون. ويمكن إضافة أذواق غير معروفة في البلاد المتخلفة، مثل «ترانسفستايت transvestite» وهو الميال إلى ارتداء أزياء الجنس الآخر والتشبه بسلوكه، و«أندروجيناس androgynous» وهو الخنثى الذي لا يمكن تصنيفه ذكراً أو أنثى (ويؤكد مايكل جاكسون هذا المظهر في هويته). وهناك «ترانس سكشوال transsexual» وهو شكل طريف جداً بدأ يظهر مؤخراً في الغرب، فهو مثلاً رجل يصر على أن يكون امرأة، بل يحاول أن تُجرَى له عملية جراحية ليصبح من الجنس الآخر (والعكس بالعكس). وكل من شاهد فيلم "صمت الحملان" رأى عيِّنة من ذلك، فالمجرم الذي اختطف الفتاة يحاول أن يخيط لنفسه بدلة من جلدها (وجلد غيرها من الإناث) حتى يصبح له ثديان مثل الإناث تماماً (ويُلاحَظ ظهور السابقة «ترانس» في بعض الكلمات). ونضيف إلى هذه القائمة الترانسفيرية «أسكشوال asexual» وهو المحايد جنسياً تماماً. وهناك أخيراً (حتى لا ننسى الأصل) «هيتروسكشوال heterosexuel» وهم البشر التقليديون العاديون الذين يختارون أن يشتهوا أعضاء من الجنس الآخر (وإذا أردنا أن نتوخى الدقة تماماً ، فإن علينا أن نُسقط كلمة «الأصل» لأن المساواة تحت رايات ما بعد الحداثة تصل إلى درجة إنكار الأصل والمركز تماماً).

16 - وإذا كان الترانسفير قد انطبق على أمور لا يزال بعضنا يظنها جوهرية وطبيعية وفطرية مثل الجنس، فإنه ينطـبق من باب أولى على التنظـيم الاجـتماعي. ويُلاحَظ أن الأسـرة قد اختلفت أشكالها (تماماً مثل الميول الجنسية)، ففي الماضي كان هناك الأسرة الممتدة التي تضم ثلاثة أجيال ثم انكمشت إلى الأسرة النووية التي تضم رجلاً وزوجته وطفليهما (ويستحسن أن يكون الطفلان ذكراً وأنثى حتى يتمكن المجتمع من إعادة إنتاج نفسه). أما الآن، فقد أصبحوا (في الولايات المتحدة) يسمون الأسرة النووية «الأسرة الأساسية» (بالإنجليزية: كور فاميليcore family ) ويشيرون إلى أنماط أخرى من الأسر. ويُلاحَظ أن هذه الأسرة الأساسية أصبحت أقلية إذ توجد أنواع أخرى، مثل: أب مع أطفاله ـ أم بمفردها مع أطفالها ـ أب وعشيقته مع أطفاله/أو أطفالها أو أطفالهما ـ أم وعشيقها مع أطفالها/أو أطفاله أو أطفالهما ـ أم وصديقتها مع أطفالها أو أطفالهما ـ أب وصديقه مع أطفاله أو أطفالهما. وقد قرأنا منذ عدة شهور عن أسرة من نوع الكور فاميلي الثابت الراسخ، إلا أن تعديلاً طفيفاً دخل عليه إذ انضم للأسرة عشيق الأب ووافقت الأم على ذلك (فمن الواضح أنها تتمتع بعقلية ترانسفيرية منفتحة) وأصبح تركيب الأسرة على النحو التالي: أم وأب وصديقه وأطفالهم (أي سقط المثنى وسقطت الثنائية والمركزية والمرجعية).

17 ـ ويصل الترانسفير إلى قمته ويتم تكريسه تماماً عندما يختفي مفهوم الطبيعة البشرية في العلوم الإنسانية الغربية (كيف يمكن أن يقوم مثل هذا المفهوم في مثل هذا المجتمع؟) ويصبح من الرجعية بمكان الاهتمام بأية مطلقات أو ثوابت إنسانية أو مرجعية. فالإنسان هو مجموعة من العلاقات المادية المتغيرة التي يمكن تعريفها إجرائياً وحسب.

18 ـ كما يصل الترانسفير إلى قمته، على مستوى الممارسة، فيما يُسمَّى بتنميط المجتمع (بالإنجليزية: ستاندردايزيشن standardization)، وهو أن يتم تنميط السلع في المجتمع وإخضاعها للنموذج الميكانيكي. وبعد أن يتم تنميط الحياة المادية (البرانية)، يبدأ تنميط الحياة النفسية (الجوانية). ويظهر هذا فيما نسميه «صناعة اللذة» التي تقوم بتنميط أحلام الإنسان ورغباته وتطلعاته وشهواته من خلال الأفلام والإعلانات والمجلات الإباحية وغير الإباحية. وعملية التنميط تعبير منطقي عن عمليات الترشيد في إطار المرجعية المادية. ومع تنميط حياة الإنسان البرانية والجوانية، نكون قد وصلنا إلى الترانسفير الكامل للإنسان، ليصبح كزجاجة الكوكاكولا أو قطعة الغيار، فيمكن نقله من مكان إلى آخر، ويمكن التخلص منه دون أي إحساس بالمأساة أو الملهاة، وهذه هي اليوتوبيا التكنولوجية الكاملة أو الفردوس الأرضي أو نهاية التاريخ.

19 ـ والنظام العالمي الجديد هو تعبير عن تَصوُّر العالم الغربي أن إبستمولوجيا الترانسفير والمرجعية المادية قد هيمنت تماماً على العالم بأسره، وأنها قد غزت البلاد والشعوب والعقول كافة (أو على الأقل عقول النخب الحاكمة) وأن الجميع على استعداد لأن يغير قيمه بعد إشعار قصير، وعلى استعداد لاستبعاد القيم الأخلاقية مثل الكرامة والتمسك بأرض الأجداد والدفاع عن المطلقات. فمثل هذه القيم تجعل نقل الأنماط الاستهلاكية، وانتقال رأس المال (في شكل الشركات متعددة الجنسيات)، وتنفيذ توصيات البنك الدولي، أمراً صعباً. ويتوهم الغرب أننا قد وصلنا لهذه المرحلة التي تُستبعد فيها القيم الثابتة بسهولة ليتبنى المرء أية قيم أخرى. وقد جاء شمعون بيريس، حينما كان يشغل منصب وزير خارجية إسرائيل، إلى القاهرة وجلس مع بعض المثقفين المصريين وأخبرهم بأن المسألة كلها تجارة في تجارة، فالجميع يدورفي إطار المرجعية المادية. فالديموقراطية تجارة، والأوطان بوتيكات وفنادق، والإنسان وحدة اقتصادية يمكن نقلها (ترانسفير). وكما قال أحد المثقفين المصريين "كل الدول تود أن تكون سنغافورة"، وهي بلد لا تشتهر بهويتها أو قيمها أو إسهاماتها الحضارية، وإنما بالسوبرماركتات والمقدرة المذهلة على البيع والشراء، أي أنه بلد يدور تماماً في إطار المرجعية المادية.

20 ـ يمكن أن نتوجه لقضية علاقة الدال بالمدلول لندرك مدى تغلغل مفهوم الترانسفير في أكثر الأشياء ثباتاً، أي اللغة الإنسانية. فمنذ عصر النهضة في الغرب، كان ثمة إيمان عميق بأن كل شيء خاضع للتغير، ولا يوجد ثابت سوى قانون الحركة. ولابد من الإيمان المطلق والثابت بضرورة التغيير (فهذه هي حضارة التقدم). ويُعبِّر هذا عن نفسه في فلسفة مثل الداروينية والنيتشوية حيث يصبح العالم كياناً متطوراً متغيراً ولا يوجد فيه ثبات إلا للقوة، فمن خلال القوة يستطيع الإنسان أن يفرض المعنى الذي يريده. وقد بيَّن هوبز أن الدولة هي المعرِّف الأكبر (بالإنجليزية: جريت ديفاينر great definer)، فمن خلال سـطوتها يمكنها أن تمنـح الدلالة للكلمات، فكأن الدال لا عـلاقة له بالمدلول إلا من خـلال القوة. وهناك الجـانب الآخر من نفس القضـية وهو البرجـماتية (نيتشوية الضعفاء)، وهي فلسفة تدعو للتكيف الدائم مع الأمر الواقع. كما أن هذه المرونة الترانسفيرية تعني تَقبُّل تعريف الأقوياء للكلمات، بل إعادة تسميتها حتى تكتسب شرعية جديدة، ومن ثم تصبح «فلسطين» «إسرائيل» وتصبح «الضفة الغربية» «يهودا والسامرة». وينطبق نفس الشيء على كثير من الظواهر التي يتكيف معها المهزومون ممن لا حول لهم ولاقوة. فالأطفال غير الشرعيين كانوا يُسمَون بهذا الاسـم. ولكنهم، من خلال التكيف، أصبحوا يـسمون «أطفال أم غير متزوجة» (بالإنجليزية: أنويد مذر unwed mother)، ثم أصبح يُطلَق عليهـم «أبناء أسـرة ربها إما أب أو أم» (بالإنجليزية: سنجل بيرنت فاميلي single parent family)، ثم اكتسبوا أخيراً اسماً حتمياً لطيفا هو «أطفال طبيعيون» (بالإنجليزية: ناتشورال بيبيز natural babies)، وهو أمر يعني أن الحادث تم قيده ضد مجهول أو أنه ثمرة الطبيعة/المادة. وأخيراً أصبحوا يسمون «لاف بيبيز love babies» وهي عبارة إنجليزية مبهمة. فكلمة «love» الإنجليزية تعني «حب» كما تعني «جنس» (كما في عبارة «تو ميك لاف to make love» الإنجليزية، والتي يترجمها بعض البلهاء بعبارة «يتعاطى الحب» مع أنها تعني في واقع الأمر أموراً لا علاقة لها بالحب أو الكره)، ومن ثم فهم «أبناء الحب/الجنس». ومهما كان المعنى المقصود، فإن العبارة الجديدة تُخفي الأصول وتجعل ظاهرة الأطفال غير الشرعيين ظاهرة طبيعية تماماً، أي أن الانتقال (الترانسفير) تم من الحرام والحلال إلى الحياد، تماماً مثلما أصبحت البغيّ «عاملة جنس» (بالإنجليزية: سكس وركر sex worker). وأثناء هذه العملية، تنحل علاقة الدال بالمدلول تماماً.

21 ـ ومادمنا نتحدث عن الترانسفير المعرفي الإبستمولوجي، فيمكن أن نُعرِّف الترانسفير بأنه أولاً هيمنة المرجعية المادية (في عصر الثنائية الصلبة) ثم اختفاء المرجعية والمركز، أية مرجعية وأي مركز، بحيث لا يكون هناك هامش أو مركز، ولا قمة ولا قاع، ولا داخل ولا خارج، ولا فارق بين إنسان وحيوان، ولا علاقة ضرورية بين دال ومدلول (يتحدث أنصار ما بعد الحداثة عن رقص الدوال). وهذا وصف دقيق لعالم ما بعد الحداثة حيث لا يمكن لكائن أن يشغل مكاناً متميِّزاً، وحيث كل الأمور متساوية وكل الظواهر نسبية، وحيث الأصل والصورة هما شيء واحد، وحيث يمكن أن يحل شيء محل شيء آخر وتحل كلمة محل كلمة أخرى. وبهذا المعنى، يمكن القول بأن ما بعد الحداثة هي أيديولوجيا النظام العالمي الجديد حيث ينزلق الجميع من السوق إلى المصنع، ومن المصنع إلى السوق، تماماً كما بشَّر بذلك وزير خارجية إسرائيل.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق