الثلاثاء، 16 مارس 2010

التاج في اخلاق الملوك للجاحظ ج3

فمنها أن يذكر الرجل من أنعم عليه، بحضرة الملك فمن دونه. فإن كان الملك فيه سيء الرأي، فليس من الوفاء أن يعينه على سوء رأيه. فإن خاف سوط الملك وسيفه، فأحس صفاته أن يمسك عن ذكره بخيرٍ أو شرٍ.
ومنها المواساة للصاحب في المال، حتى يقاسمه الدرهم بالدرهم، والنعل بالنعل، والثوب بالثوب.
ومنها الحفظ له في خلفه وعياله، ما كان في الدنيا، حتى يجعلهم أسوةً بعياله في الجدب والخصب.
ومنها الشكر له باللسان والجوارح.
وكانت ملوك الأعاجم كلها، أولها وآخرها، لا تمنع أحداً من خاصتها وعامتها شكر من أنعم عليها أو على أحدٍ منها، وتقريظه وذكر نعمه وإحسانه، وإن كانت الشريعة قد قتلته، والملك قد سخط عليه. بل كانوا يعرفون فضيلة من ظهر ذلك منه، ويأمرون بصلته وتعهده.
ويقال إن قباذ أمر بقتل رجلٍ كان من الطاعنين على المملكة، فقتل. فوقف على رأسه رجل كان من جيرانه، فقال: رحمك الله! إن كنت، ما علمت، لتكرم الجار، وتصبر على أذاه، وتواسي أهل الحاجة، وتقوم بالنائبة! والعجب كيف وجد الشيطان فيك مساغاً حتى حملك على عصيان ملكك، فخرجت من طاعته المفروضة إلى معصيته! وقديماً ما تمكن ممن هو أشد منك قوةً وأثبت عزماً.
فأخذ الرجل صاحب الشرطة فحبسه. وانتهى كلامه إلى قباذ، فوقع قباذ: يحسن إلى هذا الذي شكر حساناً فعل به، وترفع مرتبته، ويزاد في عطائه.
وهكذا فعل سعيد بن عمرو بن جعدة بن هبيرة المخزومي، حين حمل رأس مروان الجعدي إلى أبي العباس السفاح بالكوفة، فقعد له مجلساً وجاؤوا بالرأس.
فقام سعيد بن عمرو بن جعدة، فأكب عليه قياماً طويلاً، ثم قال: هذا رأس أبي عبد الملك، خليفتنا بالأمس، رحمه الله! فوثب أبو العباس، فطعن في حجره.
وانصرف ابن جعدة إلى منزله، وتحدث الناس بكلامه. فلامه بنوه وأهله، وقالوا: عرضتنا ونفسك للبوار.
فقال: اسكتوا. قبحكم الله! ألستم الذين أشاروا علي بالأمس بحران بالتخلف عن مروان، ففعلت في ذلك غير فعل أهل الوفاء والشكر؟ وما ليغسل عني عار تلك الفعلة إلا هذه. فإنما أنا شيخ هامة، فإن نجوت يومي هذا من القتل، مت غداً.
قال: فجعل بنوه يتوقعون رسل أبي العباس أن تطرقه في جوف الليل؛ فأصبحوا، ولم يأته أحد. وغدا الشيخ، فإذا هو بسليم بن مجالد. فلما بصر به، قال: يا ابن جعده! ألا أبشرك بجميل رأي أمير المؤمنين؟ إنه ذكر في هذه الليلة، ما كان منك، فقال: والله ما أخرج ذلك الكلام من الشيخ إلا الوفاء، ولهو أقرب منا قرابةً، وأمس بنا رحماً منه بمروان، إن أحسنا إليه. قال: أجل، والله.
وهكذا فعل قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري بمعاوية بن أبى سفيان، حين دعاه إلى مفارقة علي بن أبى طالب، والدخول في طاعته. فكتب إليه قيس بن سعد: يا وثن بن وثن! تكتب إلي تدعوني إلى مفارقة علي بن أبي طالب، والدخول في طاعتك، وتخوفني بتفرق أصحابه عنه، وإقبال الناس عليك وإجفالهم إليك! فوالله الذي لا إله غيره! لو لم يبق له غيري، ولم يبق لي غيره، وما سالمتك أبداً، وأنت حربه، ولا دخلت في طاعتك وأنت عدوه، ولا اخترت عدو الله على وليه، ولا حزب الشيطان على حزب الله. والسلام! وفي سيرة الاسكندر ذي القرنين أنه لما قصد نحو فارس، تلقاه جماعة من أساورتهم برأس ملكهم، ومن انضم عليهم، وقال: من غدر بملكه، كان بغيره أغدر! وفيما يحكى عن شيرويه أن رجلاً من الرعية وقف له يوماً، وقد رجع من الميدان، فقال: الحمد لله الذي قتل أبرويز على يدك، وملكك ما كنت أحق به منه، وأراح آل ساسان من جبريته وعتوه وبخله ونكده. فإنه كان ممن يأخذ بالحبة، ويقتل بالظن، ويخيف البريء، ويعمل بالهوى.
فقال شيرويه للحاجب: احمله إلي.
فحمل، فقال له: كم كانت أرزاقك في حياة أبرويز كنت في كفاية من العيش.
فكم زيد في أرزاقك اليوم؟ ما زيد في رزقي شيء.
فهل وترك أبرويز، فانتصرت منه بما سمعت من كلامك؟ لا.
قال: فما دعاك إلى الوقوع فيه، ولم يقطع عنك مادة رزقك، ولا وترك في نفسك؟ وما للعامة والوقوع في الملوك، وهم رعية؟ فأمر أن ينزع لسانه من قفاه، وقال: بحق ما يقال: إن الخرس خير من البيان فيما لا يجب.
(1/23)
________________________________________
وحدثني صباح بن خاقان، قال: حدثني أبي أن أبا جعفر المنصور لما أتي برأس إبراهيم بن عبد الله، فوضع بين يديه، جاء بعض أولئك الرويدية، فضرب الرأس بعمودٍ كان في يده. فقال المنصور للمسيب: دق وجهه! فدق المسيب أنفه. ثم قال المنصور له: يا ابن اللخناء! تجيء إلى رأس ابن عمي وقد صار إلى حال لا يدفع ولا ينفع تضر به بعمودك، كأنك رايته وهو يريد نفسي، فدفعته عني. اخرج إلى لعنة الله وأليم عذابه.
ويقال أن أبا جعفر وجه إلى شيخٍ من أهل الشام، وكان من بطانة هشام، فسأله عن تدبير هشام في بعض حروبه الخوارج، فوصف له الشيخ ما دبر، فقال: فعل، رحمه الله، كذا، وضع، رحمه الله، كذا.
فقال المنصور: قم، عليك لعنة الله! تطأ بساطي، وتترحم على عدوي؟ فقام الرجل، فقال وهو مول: إن نعمة عدوك لقلادة في عنقي، لا ينزعها غلا غاسلي. فقال له المنصور: ارجع، يا شيخ! فرجع. فقال له: أشهد أنك نهيض حرةٍ وغراس شريف! عد إلى حديثك! فعاد الشيخ إلى حديثه، حتى إذا فرغ، دعا له بمالٍ ليأخذه، فقال: والله يا أمير المؤمنين، ما بي من حاجةٍ إليه؟ ولقد مات عني من كنت في ذكره آنفاً، فما أحوجني إلى وقوفٍ على باب أحدٍ بعده. ولولا جلالة عز أمير المؤمنين، وإيثار طاعته، ما لبست لأحدٍ بعده نعمةً.
فقال المنصور: مت إذا شئت، فلله أنت! فلو لم يكن لقومك غيرك، لكنت قد أبقيت لهم مجداً مخلداً.
ويقال إن الرجل كان من شيبان.
أدب سماع الملك ومحادثته
ومن حق الملك، إذا حضره سماره أو محدثوه، أن لا يحرك أحد منهم شفتيه مبتدئاً، ولا يقطع حديثه بالاعتراض فيه، وإن كان نادراً شهياً، وأن يكون غرضهم حسن الاستماع، وإشغال الجوارح بحديثه؛ فإذا فرغ من الحديث فنظر إلى بعضهم، فقد أذن له أن يحدثه بنظير ذلك الجنس من الحديث. وليس له أن يأخذ في غير جنس حديثه.
وليس لمن حدث الملك أن يفسد ألفاظه وكلامه، بأن يقول في حديثه: فاسمع مني أو افهم عني أو يا هذا أو ألا ترى. فإن هذا وما أشبهه عي من قائله، وحشو في كلامه، وخروج من بسط اللسان، ودليل على الفدامة والغثاثة.
وليكن كلامه كلاماً سهلاً، وألفاظه عذبةً متصلة، وسقط كلامه قليلاً.
فإذا فرغ من الحديث، فليس له أن يصله بحديث آخر، وإن كان شبيهاً بالحديث الأول، حتى يرى أن الملك قد أقبل عليه بوجهه، وأصغى إلى حديثه.
فإن أعرض لشغل يعرض له، فليس له أن يمر في حديثه، وأن يصل كلامه، فيحتاج الملك إلى الإصغاء إليه، ويحتاج إلى التشاغل بما عرض له، فيجمع عليه أمرين. فإن اتصل شغل الملك، ترك الحديث؛ وإن انقطع فنظر إليه، فقد أذن له في إتمامه وإعادته.
ومن حق الملك أن لا يضحك من حديثه إذا حدث، لأن الضحك بحضرة الملك جرأة عليه؛ ولا يظهر التعجب بفائدة حديثه. وإنما هذا إلى الملك. فإن ضحك الملك من الحديث، وأظهر السرور به، فذاك غرض حديثه، وإليه قصد؛ وإن سكت، فلم يكن في الحديث ما يلهيه ويطر به أو يستفيد منه فائدة، كان قد سلم من العيب، إذ لم يضحك ولم يعجب.
إعادة الحديث:
ومن حق الملك أن لا يعاد عليه الحديث مرتين، وإن طال بينهما الدهر، وغبرت بينهما الأيام؛ إلا أن يذكره الملك؛ فإن ذكره، فهو إذن منه في إعادته.
وكان روح بن زنباعٍ يقول: أقمت مع عبد الملك سبع عشرة سنة من أيامه، ما أعدت عليه حديثاً.
وكان الشعبي يقول: ما حدثت بحديث مرتين لرجلٍ بعينه قط.
وكان أبو العباس يقول: ما رأيت أحداً أغزر علماً من أبي بكر الهذلي، لم يعد علي حديثاً قط.
وكان ابن عياش يقول: حدثت المنصور أكثر من عشرة آلاف حديث. فقال لي ليلةً، وقد حدثته عن يوم ذي قارٍ: قد اضطررت إلى التكرار، يا ابن عياش! قلت: ما هذا منها يا أمير المؤمنين قال: أما تذكر ليلة الرعد والأمطار، وأنت تحدث عن ذي قار، فقلت لك: ما يوم ذي قار بأصعب من هذه الليلة؟ وكان الشرقي بن الفطامي يعيد الحديث مراراً، وذلك أن أكثر أحاديثه مضاحيك، وكانت تعجب المهدي فيستعيده.
وكان ابن وأب، إذا حدث موسى أمير المؤمنين بالحديث، أعاده عليه في القابلة حتى يحفظه.
ويقال إنه لم يسامر الخلفاء أحد كان أنبل من عيسى بن دأب، ولا أتم صنعةً، ولا أحسن ألفاظاً، ولا أفكه مجلساً، ولا أعظم أبهةً وقدراً منه. وكان عيسى بن دأب يتكيء في مجلس أمير المؤمنين.
(1/24)
________________________________________
ولم يكن هذا لأحدٍ. غير أنه يحكى أن روح بن زنباع مرض فكان يدعو له عبد الملك بن مروان بمتكأ.
وعلى المحدث للملك أن لا يجعل في كلامه، وأن يدمج ألفاظه، ولا يشير بيده، ولا يحرك رأسه، ولا يزحف من مجلسه، ولا يراوح بين قعدته، ولا يرفع صوته، ولا يلتفت يميناً ولا شمالاً، ولا يقبل على غير الملك بملاحظته، ولا يكون غرضه أن يسمع حديثه أو يفهم عنه سواه.
أمارات الذهاب من مجلس الملك
ومن حق الملك، إذا تثاءب أو ألقى المروحة أو مد رجليه أو تمطى أو اتكأ أو كان في حالٍ فصار إلى غيرها مما يدل على كسله أو وقت قيامه، أن يقوم كل من حضره.
وكان يستاسف إذا دلك عينيه، قام من حضره.
وكان يزدجرد الأثيم إذا قال: شب بشد، قام سماره.
وكان بهرام جور إذا قال: خرم خفتار، قام سمارة.
وكان قباذ إذا رفع رأسه إلى السماء، قام سمارة.
وكان سابور إذا قال: حسبك يا إنسان، قام سمارة.
وكان أنوشروان إذا قال: قرت أعينكم قام سمارة.
وكان عمر بن الخطاب إذا قال: الصلاة، قام سمارة. وكان ينهى عن السمر بعد صلاة العشاء.
وكان عثمان إذا قال: العزة لله!، قام سمارة.
وكان معاوية إذا قال: ذهب الليل! قام سماره ومن حضره.
وكان عبد الملك إذا ألقى المخصرة، قام من حضره.
وكان الوليد إذا قال: أستودعكم الله، قام من حضره.
وكان الهادي إذا قال: سلام عليكم!، قام من حضره.
وكان الرشيد إذا قال: سبحانك اللهم وبحمدك! قام سماره.
وكان المعتصم إذا نظر إلى صاحب النعل، قام من حضره.
وكان الواثق إذا مس عارضيه، وتثاءب، قام سماره.
وكان المأمون إذا استلقى على فراشه، قام من حضره.
غير أن بعض من ذكرنا كان ربما قام بجنسٍ آخر من الإشارة والكلام، وإنما أضفنا إلى كل واحدٍ منهم أغلب أفعاله كانت عليه.
اغتياب الآخرين أمام الملك
ومن حق الملك أن لا يعاب عنده أحد، صغر أو كبر غير أن من أخلاقها التحريش بين اثنين، والاغراء بينهما.
فمن الملوك من يدبر في هذا تدبيراً يجب في السياسة؛ وذاك أنه يقال: قل إثنان استويا في منزلة عند الملك والجاه والتبع والعز والحظوة عند السلطان فاتفقا، إلا كان ذلك الاتفاق وهنأ على المملكة والملك، كانا، متى شاءا أن ينقصنا ما ابرم الملك ويحلا ما عقد، ويوهيا ما أكثر، قدراً على ذلك للاتفاق والمجامعة. ومتى انفصلا حتى يتباينا أو يتحاربا، كان تباينهما أثبت في نظام الملك، وأوكد في عز المملكة. وكان متى أراد هذا شيئاً، أراد الآخر خلافه. فإذا تباينا في ذات أنفسهما، اجتمعا على نصيحة الملك، شاءا أم أبيا، وآثرها كل واحد منهما على هوى نفسه، وانتظم للملك تدبيره، وتم له أمره.
ومن الملوك من لا يقصد إلى هذا، ولا يكون غرضه الإغراء بين وزرائه وبطانته لهذه العلة، بل ليعرف معايب كل واحدٍ منهما. فإن معرفة ذلك تقطع الوزير عن الانبساط في حوائجه، والتحسب على ملكه.
آداب رسول الملك
ومن الحق على الملك أن يكون رسوله صحيح الفطرة والمزاج، ذا بيانٍ وعبارة، بصيراً بمخارج الكلام وأجوبته، مؤدياً لألفاظ الملك ومعانيها، صدوق اللهجة، لا يميل إلى طمع ولا طبع، حافظاً لما حمل.
وعلى الملك أن يمتحن رسوله محنةً طويلةً، قبل أن يجعله رسولاً. وكانت ملوك الأعاجم، إذا آثرت أن تختار من رعيتها من تجعله رسولاً إلى بعض ملوك الأمم، تمتحنه أولاً، بأن توجهه رسولاً إلى بعض خاصة الملك، ومن في قرار داره في رسائلها.
ثم تقدم عيناً عليه، يحضر رسالته ويكتب كلامه. فإذا رجع الرسول الرسالة، جاء العين بما كتب من ألفاظه وأجوبته. فقابل بها الملك ألفاظ الرسول. فإن اتفقت أو اتفقت معانيها، عرف الملك صحة عقله، وصدق لهجته، ثم جعله الملك رسولاً إلى عدوه، وجعل عليه عيناً يحفظ ألفاظه ويكتبها، ثم يرفعها إلى الملك. فإن اتفق كلام الرسول وكلام عين الملك، وعلم أن رسوله قد صدقه عن عدوه ولم يتزيد عليه للعداوة بينهما، جعله رسوله إلى ملوك الأمم، ووثق به. ثم كان بعد ذلك يقيم خبره مقام الحجة.
وكان أردشير بن بابك يقول: كم من دمٍ قد سفكه الرسول بغير حله! وكم من جيوش قد قتلت، وعساكر قد هزمت، وحرمةٍ قد انتهكت، ومال قد انتهب، وعهدٍ قد نقض بخيانة الرسول وأكاذيبه!
(1/25)
________________________________________
وكان يقول: على الملك، إذا وجه رسولاً إلى ملك آخر، أن يردفه بآخر. وإن وجه رسولين، أتبعهما باثنين، وإن أمكنه أن لا يجمع بين رسولين في طريقٍ ولا ملاقاةٍ ولا يتعارفان فيتواطآ، فعل. ثم عليه، إن أتاه رسوله بكتاب أو رسالة من ملك في خير أو شر، أن لا يحدث في ذلك خيراً أو شراً، حتى يكتب إليه مع رسول ربما حرم بعض ما أمل، فافتعل الكتب، وحرض المرسل على المرسل إليه، فأغراه به، وكذب عليه.
ويقال إن الأسكندر وجه رسولاً إلى بعض ملوك الشرق، فجاءه برسالة شك في حرفٍ منها فقال له الاسكندر: ويلك! إن الملوك لا تخلو من مقوم ومسدد، إذا مالت. وقد جئتني برسالةٍ صحيحة الألفاظ، بينة العبارة؛ غير أن فيها حرفاً ينقضها؛ أفعلى يقين أنت من هذا الحرف أم شاك فيه؟ فقال الرسول: بل على يقين أنه قاله.
فأمر الاسكندر أن تكتب ألفاظه حرفاً حرفاً، ويعاد إلى الملك مع رسولٍ آخر، فيقرأ عليه ويترجم له.
فلما قريء الكتاب على الملك، فمر بذلك الحرف، أنكره فقال للمترجم: ضع يدي على هذا الحرف فوضعها. فأمر أن يقطع ذلك الحرف بسكينة، فقطع من الكتاب. وكتب إلى الإسكندر: إن رأس المملكة صحة فطرة الملك، ورأس الملك صدق لهجة رسوله، إذ كان عن لسانه ينطق، وإلى أذنه يؤدي. وقد قطعت بسكينتي ما لم يكن من كلامي، إذ لم أجد إلى قطع لسان رسولك سبيلاً.
فلما جاء الرسول بهذا إلى الإسكندر، دعا الرسول الأول، فقال: ما حملك على كلمةٍ أردت بها فساد ملكين؟ فأقر الرسول أن ذلك كان لتقصير رآه من الموجه إليه. فقال الاسكندر: فأراك لنفسك لسعيت، لا لنا! فلما فاتك بعض ما أملت، جعلت ذلك ثأراً في الأنفس الخطيرة الرفيعة! فأمر بلسانه، فنزع من قفاه.
احتياط الملك
ومن أخلاق الملك أن يكون لمنامه في ليل ولا نهار موضع يعرف به، ولا حوى يقصد إليه؛ إذ كانت أنفس الملوك هي المطلوب غرتها، والموكل برعاية سنتها، وساعة غفلتها.
ويقال إن ملوك آل ساسان لم يعرف مبيت أحد منهم قط، ولا مقيله.
فأما أردشير بن بابك، وسابور، وبهرام، ويزدجرد، وكسرى أبرويز، وكسرى أنوشروان، فكان يفرش للملك منهم أربعون فراشاً، في أربعين موضعاً، ليس منها فراش إلا ومن رآه من بعيد على الانفراد، لا يشك أنه فراش الملك خاصةً، وأنه نائم فيه. ولعله أن لا يكون على واحد منها، بل لعله ينام على مجلس رقيق، وربما توسد ذراعه، فنام.
ولو لم يجب على ملوكنا حفظ منامهم، وصيانته عن كل عين تطرف، وأذن تسمع، غلا النبي صلى الله عليه وسلم، فعله، وهو من الله بمكانه المخصوص من كلاءته إياه، وحراسة الروح الأمين له، لقد كان يحق عليهم أن يقتدوا به، ويمتثلوا فعله. وقد كان المشركون هموا بقتله، فأخبره جبريل، صلى الله عليهما، عن الله، جل ثناؤه، بذلك، فدعا علي بن أبي طالب عليه السلام، فأنامه على فراشه، ونام هو، صلى الله عليه وسلم، بمكان آخر. فلما جاء المشركون إلى فراشه، فنهض منه علي، انصرفوا عنه.
ففي هذا أكبر الأدلة، وأوضح الحجة على ما ذكرنا، إذ كانت أنفس الملوك هي الأنفس الخطيرة الرفيعة التي توزن بنفوس كل من أظلت الخضراء، وأفلت الغبراء.
وكانت الأعاجم تقول: " لا ينبغي للملك أن يطلع على موضع منامه إلا الوالدان فقط؛ فأما من دونهما ، فالوحشة منه وترك الثقة به أبلغ في باب الحزم وأوكد في سياسة الملك، وأوجب في الشريعة، وأوقع في الهوينا .
معاملة ابن الملك للملك
ومن حق الملك أن يعامله ابنه كما يعامله عبده ، وأن لا يدخل مداخله إلا عن أذنه، وأن يكون الحجاب عليه أغلظ منه على من هو دونه من بطانة الملك وخدمه ، لئلا تحمله الدالة على غير ميزان الحق.
فإنه يقال أن يزدجرد رأى بهرام ابنه بموضعٍ لم يكن له، فقال: مررت بالحاجب؟ قال: نعم. قال: وعلم بدخولك؟ قال: نعم. قال: فاخرج إليه واضربه ثلاثين سوطاً، ونحه عن الستر، ووكل بالحجابة أرادمرد.
ففعل ذلك بهرام، وهو إذ ذاك ابن ثلاث عشرة؛ ولم يعلم الحاجب فيم غضب الملك عليه.
فلما جاء بهرام، بعد ذلك ليدخل، أرادمرد في صدره دفعةً وقذه منها، وقال: إن رأيتك بهذا الموضع ثانيةً، ضربتك ستين سوطاً: ثلاثين منها لجنايتك على الحاجب أمس، وثلاثين لئلا تطمع في الجناية علي.
فبلغ ذلك يزدجرد، فدعا أرادمرد، فخلع عليه وأحسن إليه.
(1/26)
________________________________________
ويقال أن يزيد بن معاوية كان بينه وبين أبيه باب. فكان إذا أراد الدخول عليه قال: يا جارية! انظري هل تحرك أمير المؤمنين.
فجاءت الجارية مرة حتى فتحت الباب، فإذا معاوية قاعد، وفي حجره مصحف، وبين يديه جارية تصفح عليه. فأخبرت يزيد بذلك.
فجاء يزيد، فدخل على معاوية. فقال له: أي بني! إني إنما جعلت بيني وبينك باباً، كما بيني وبين العامة. فهل ترى أحداً يدخل من الباب إلا بإذنٍ؟ قال: لا قال: فكذلك فليكن بابك! فإذا قرع عليك فهو إذنك.
وهكذا ذكر لنا أن موسى الهادي دخل على أمير المؤمنين المهدي، فزبره، وقال: إياك أن تعود إلى مثلها إلا أن يفتح بابك! وذكر لنا أن المأمون لما استعر به الوجع، سأل بعض بنيه الحاجب أن يدخله عليه ليراه، فقال: لا والله! ما إلى ذلك سبيل. ولكن إن شئت أن تراه من حيث لا يراك، فاطلع عليه من ثقبٍ في ذلك الباب.
فجاء حتى اطلع عليه، وتأمله، ثم انصرف.
وذكر لنا أن إيتاخ بصر بالواثق في حياة المعتصم واقفاً في موضعٍ لم يكن له أن يقف فيه، فزبره، وقال: تنح! فوالله لولا أنى لم أتقدم إليك في ذلك، لضربتك مائة عصاً.
وليس لابن الملك من الملك إلا ما لعبده من الاستكانة والخضوع والخشوع، ولا له أن يظهر دالة الأبوة وموضع الوراثة. فإن هذا إنما يجوز في النمط الأوسط من الناس، ثم الذين يلونهم. فأما الملوك، فترقى عن كل شيء يمت به.
وليس لابن الملك أن يسفك دماً، وإن أوجبت الشريعة سفكه، وجاءت الملة به، إلا عن إذن الملك ورأيه، لأنه متى تفرد بذلك، كان هو الحاكم دون الملك. وفي هذا وهن على الملك، وضعف في المملكة.
وكذلك ليس له أن يحكم في الحلال والحرام والفروج والأحكام، وإن كان ولي عهد الملك، والمقلد إرث أبيه، والمحكوم له بالطاعة، إلا عن أمره ورأيه.
وليس له، إذا جمعته والملك دار واحدة، أن يأكل إلا بأكل الملك. ولا أن يشرب إلا بشربه، ولا أن ينام إلا بمنامه.
وكذا يجب عليه، في كل شيء من أموره السارة والضارة أن يكون له تابعاً، ولحركته تالياً.
وليس هذا على من دون ابن الملك من بطانته وسائر رعيته. لأن ابن الملك عضو من أعضائه، وجزء من أجزائه، والملك اصل، والابن فرع، والفرع تابع للأصل، والأصل مستغنٍ عن الفرع.
وليس لابن الملك أن يرضى عمن سخط عليه الملك، وإن كان المسخوط عليه لا ذنب له عنده، لأن من العدل والحق عليه أن يوالي من والى الملك، ويعادي من عاداه. ولا ينظر في هذا إلى خط نفسه، وارادة طبعه، حتى يبلغ من حق الملك ما أن وجد إلى غيلته سبيلاً أن يقتله، وعلى هذا ينبغي أن يكون نظام العامة لملكها.
شهوة الاستبدال لدى الملك: وقد تحدث في أخلاق الملك ملالة لشهوة الاستبدال فقط. فليس لصاحب الملك، إذا أحدث الملك خلقاً، أن يعارضه بمثله، ولا إذا رأى نبوةً وازورارةً، أن يحدث مثله، فإنه متى فعل ذلك فسدت نيته، ومن فسدت نيته عادت طاعته معصيةً، وولايته عداوةً. ومن عادى الملك، فنفسه عادى، وإياها أهان.
ولكن عليه، إذا أحدث الملك الخلق الذي عليه بنية أكثر الملوك، أن يحتال في صرف قلبه إليه. والحيلة في ذلك يسيرة: إنما هو يطلب خلوته، فيلهيه بنادرةٍ مضحكة، أو ضرب مثلٍ نادرٍ، أو خيرٍ كان عنه مغطى، فيكشفه له.
كما فعل بعض سمار ملوك الأعاجم: أظهر الملك له جفوة الملالة فقط، فلما رأى ذلك، تعلم نباح الكلاب، وعواء الذئاب، ونهيق الحمير، وصياح الديوك، وشحيج البغال، وصهيل الخيل.
ثم احتال حتى دخل موضعاً يقرب من مجلس الملك وفراشه يخفي أمره. فنبح نباح الكلاب، فلم يشك الملك أنه كلب وابن كلب. فقال: انظروا ما هذا؟ فعوى عواء الذئاب، فنزل الملك عن سريره.
فنهق نهيق الحمار، ومر الملك هارباً.
وجاء غلمانه يتبعون الصوت، فلما دنوا منه، أحدث معنىً آخر، فأحجموا عنه. ثم اجتمعوا فاقتحموا عليه، فأخرجوه وهو عريان مختبئ.
فلما نظروا إليه، قالوا للملك: هذا مازيار المضحك! فضحك الملك حتى تبسط، وقال: ويلك! ما حملك على هذا؟ قال: إن الله مسخني كلباً وذئباً وحماراً، لما غضب علي الملك.
فأمر أن يخلع عليه، ويرد إلى موضعه.
وهذا لا يفعله إلا أهل الطبقة السفلى. فأما الاشراف، فلهم حيل غير هذه، مما يشبه أقدارهم.
(1/27)
________________________________________
كما فعل روح بن زنباع، وكان أحد دهاة العرب. رأى من عبد الملك بن مروان نبوةً وإعراضاً. فقال للوليد: ألا ترى ما أنا فيه من إعراض أمير المؤمنين عني بوجهه، حتى لقد فغرت السباع أفواهها نحوي، وأهوت بمخالبها إلى وجهي؟ فقال له الوليد: احتل في حديث يضحكه! فقال روح: إذا اطمأن بنا المجلس، فسلني عن عبدالله بن عمر، هل كان يمزح أو يسمع مزاحاً؟ فقال الوليد: أفعل.
وتقدم، فسبقه بالدخول، وتبعه روح. فلما اطمأن بهم المجلس، فقال الوليد لروح: هل كان ابن عمر يسمع المزاح؟ قال: حدثني ابن أبي عتيق أن امرأته عاتكة بنت عبد الرحمن هجته فقالت:
ذهب الإله بما تعيش به ... وقمرت ليلك أيما قمر
أنفقت مالك غير محتشمٍ ... في كل زانيةٍ وفي الخمر!
قال: وكان ابن أبي عتيق صاحب غزل وفكاهة، فأخذ هذين البيتين، وهما في رقعة، فخرج بهما، فإذا هو بعبد الله بن عمر، فقال: يا أبا عبد الرحمن! انظر في هذه الرقعة، وأشر علي برأيك فيها.
فلما قرأها، استرجع عبد الله. فقال: ما ترى فيمن هجاني بهذا؟ قال عبد الله: أرى أن تصفو وتصفح! قال: والله، يا أبا عبد الرحمن، لئن لقيت قائلها لأنيلنه نيلاً جيداً! فأخذ ابن عمر أفكل واربد لونه، وقال: ويلك، أما تستحي أن تعصي الله؟ قال: هو والله ما قلت لك! وافترقا . فلما كان بعد ذلك بأيام، لقيه فأعرض ابن عمر بوجهه .
فقال : بالقبر ومن فيه، إلا ما سمعت كلامي! فتحوب عبد الله، فوقف وأعرض عنه بوجهه. فقال: علمت، يا أبا عبد الرحمن، أني لقيت قائل ذلك الشعر فنلته؟ فصعق ابن عمر، ولبط به. فلما رأى ما حل به، دنا من أذنه فقال: إنها امرأتي.
فقام ابن عمر، فقبل ما بين عينيه.
فضحك عبد الملك حتى فحص برجله، وقال: قاتلك الله، يا روح! ما أطيب حديثك! ومد إليه يديه، فقام روح فأكب عليه، وقبل أطرافه، وقال: يا أمير المؤمنين، ألذ نبٍ فأعتذر، أم لملالةٍ فأرجو عاقبتها؟ قال: لا والله! ما ذاك من شيء نكرهه.
ثم عاد له أحسن حالاً.
ونحو هذا يحكى عن جرير بن الخطفي، حين دخل على عبد الملك، وقد أوفده إليه الحجاج، وقال لجرير: كن في آخر من يدخل.
فلما دخل جرير، قال محمد: يا أمير المؤمنين، هذا جرير بن الخطفي، مادحك وشاعرك.
قال جرير: فقلت: إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في إنشاد مديحه؟ قال: هات بالحجاج! قال: فقلت: بل بك، يا أمير المؤمنين! قال: هات في الحجاج.
فأنشدته قولي في الحجاج:
صبرت النفس يا ابن أبي عقيلٍ ... محافظةً، فكيف ترى الثوابا؟
ولو لم ترض ربك، لم ينزل ... مع النصر الملائكة الغضابا،
إذا سعر الخليفة نار حربٍ ... رأى الحجاج أثقبها شهابا.
فقال: صدقت، هو كذلك! ثم قال للأخطل، وهو خلفي، وأنا لا أراه: قم فهات مديحنا! فقام، فأنشده، فأجاد، وأبلغ. فقال: أنت شاعرنا، وأنت مادحنا؛ قم فاركبه! فألقى النصراني ثوبه، وقال: جب، يا ابن المراغة قال: وساء ذلك من حضر من المضرية، وقالوا: يا أمير المؤمنين، لا يركب الحنيف المسلم، ولا يظهر عليه.
فاستحيا عبد الملك، وقال: دعه! قال: فانصرف أخزى خلق الله حالاً، لما رأيت من إعراض أمير المؤمنين عني، وإقباله على عدوي، حتى إذا كان يوم الرواح للوداع، دخلت لأودعه، فكنت آخر من دخل عليه. فقال له محمد بن الحجاج: يا أمير المؤمنين، هذا جرير، وله مديح في أمير المؤمنين! فقال: لا، هذا شاعر الحجاج.
قلت: وشاعرك، يا أمير المؤمنين! قال: لا.
فلما رأيت سوء رأيه، أنشأت أقول:
أتصحو أم فؤادك غير صاح...
فقال: ذاك فؤادك! ثم أنشدته، حتى بلغت البيت الذي سره، وهو قولي:
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح؟
فاستوى جالساً، وكان متكئاً، فقال: بلى نحن كذلك، أعد. فأعدت، فأسفر لونه، وذهب ما كان في قلبه، ثم التفت إلى محمد بن الحجاج، فقال: ترى أم حزرة ترويها مائة من الإبل؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين! إن كانت من فرائض كلبٍ، فلم تروها فلا أرواها الله! قال: فأمر لي بمائة فريضة. ومددت يدي، وبين يديه صحاف أربعة من فضةٍ قد أهديت إليه، فقلت: المحلب، يا أمير المؤمنين! فأخذت منها واحدة، فقال: خذها، لا بورك لك فيها.
(1/28)
________________________________________
قلت: كل ما أخذت من أمير المؤمنين مبارك لي فيه.
وهكذا فعل بالأمس عبد الملك بن مهلهل الهمداني، وكان سليمان ابن أبي جعفر قد جفاه. فأتاه يوماً في قائم الظهيرة، والهجيرة تقد. فاستأذنن فقال له الحاجب: ليس هذا بوقت إذنٍ على الأمير.
فقال له: أعلمه بمكاني.
فدخل عليه، فأعلمه، فقال له: مره يسلم قائماً ويخفف! فخرج الحاجب، فأذن له، وأمره بالتخفيف. فدخل، فسلم قائماً، ثم أمسيت فبينا أنا في الطريق، إذا بمؤذن قد ثوب بصلاة المغرب على مسجد معلق.
فصعدت، ثم صعدت، ثم صعدت..
قال سليمان: فبلغت السماء، فكان ماذا؟ قال: فتقدم إنسان، إما كريجي وإما سنيدي وإما طمطماني. فأم القوم، فقرأ بكلامٍ لم افهمه، ولغةٍ ما أعرفها، فقال: ويل لكل هره زمأ مالاً وعدده يريد: " ويل لكل همزةٍ لمزة الذي جمع مالاً وعدده " .
قال: وإذا خلفه رجل سكران ما يعقل سكراً، فلما سمع قراءته، ضرب بيديه ورجليه وجعل يقول: إيرعكي دركلي! إيرعكي دركلي في حرم قاريك! فضحك سليمان، ثم تمرغ على فراشه، وقال: ادن مني يا أبا محمد، فأنت أطيب أمة محمد! ثم دعا بخلعة، وقال: إلزم الباب، واغد في كل يومٍ. وعاد إلى أحسن حالاته عنده.
وهذه أخلاق الملوك لمن فهمها. وليس بعجب أن تتلون أخلاقهم، إذ كنا نرى أخلاق القرين المساوي، والشريك والإلف تتلون ولا تستوي، ولعله يجد عن إلفه وقرينه وشكله، مندوحةً. فكيف بمن ملك الشرق والغرب، والأسود والأبيض، والحر والعبد، والشريف والوضيع، والعزيز والذليل.
صلاح الجفوة في التأديب
وعلى أنه ربما كانت جفوة الملك أصلح في تأديب الصاحب من اتصاله بالأنس، وإن كان ذلك لا يقع بموافقة المجفو، لأن فيها فراغ المجفو لنفسه، وتخلصه لأمره، ولما كان لا يمكنه الفراغ له من مهم أمره. وفيها أيضاً أنه إن كان المجفو من أهل السمر، وأصحاب الفكاهات، فبالحرى أن يستفيد بتلك الجفوة علماً طريفاً محدثاً له بالكتب ودراستها أو بالمشاهدة والملاقاة، وربما كان لا يمكنه قبل ذلك، وهو في شغله. ومنها أن جفوة الملك ربما أدبت الصاحب الأدب الكبير.
وذاك أنه كل من أنفس الملك مجلسه، وطال معه قعوده، وبه أنسه تمنى الفراغ، وطلبت منه نفسه التخلص والراحة والخلوة لإرادة نفسه. كما أنه من كثر فراغه وقل أناسه، جفي واطرح، وطلب الشغل والأنس وما أشبه ذلك.
فبهذه الأخلاق ركبت الفطر، وجبلت النفوس.
فإذا جاءه الفراغ الذي كان يطلبه ويتمناه من الجهة التي لم يقدرها، طلبت نفسه الموضع الذي يمله، والشغل الذي كان يهرب منه.
ومنها أنه كان في عز ومنعةٍ، وأمرٍ ونهيٍ، وكان مرغوباً إليه، مرهوباً منه، ثم لما حدثت جفوة الملك، أنكرها ما كان يعرف، وعصاه من كان له مطيعاً، وجفاه من كان به براً.
ومنها أن جفوة الملك تحدث رقة على العامة، ورأفةً بهم، وتحدث للمجفو حسن نيةٍ.
ومنها أن الرضى، إذا كان يعقب الجفوة، وجب على المجفو شكر الله تعالى على ما ألهم الملك فيه، فتصدق وأعطى، وصام وصلى.
فكل شيءٍ من أمر الملك حسن في الرضا والسخط، والأخذ والمنع، والبذل والإعطاء، والسراء والضراء. غير أنه يجب على الحكيم المميز أن يجهد بكل وسع طاقته أن يكون من الملك بالمنزلة بين المنزلتين. فإنها أحرى المنازل بدوام النعمة، واستقامة الحال، وقلة التنافس، ومصارعة أهل الحسد والوشاة.
صفات المقربين من الملك
وليس من أخلاق الملك أن يدني من عظم قدره، واتسع علمه، وطاب مركبه، أو ظهرت أمانته، أو كملت آدابه.
وهذه الصفات هي جنس آخر يحتاج الملك إلى أصحابه ضرورة، لحاجته من القضاة إلى الفقه والأمانة، وحاجته من الطبيب إلى الحذق بالصناعة والركانة، وحاجته من الكاتب تحبير الألفاظ، ومعرفة مخارج الكلام، والإيجاز في الكتب، وما أشبه ذلك.
فأما القرناء والمحدثون وأصحاب الملاهي ومن أشبههم، فكل من دنا منهم من الملك، وعلق به، كائناً من كان، ومن حيث كان.
وكذا وجدنا في كتب الأعاجم وملوكها.
وفيما يذكر عن أنوشروان انه قال: صاحبك من علق بثوبك.
وكذا وجدنا في أمثال كليلة ودمنة أن الملك مثل الكرم الذي لا يتعلق بأكرم الشجر، إنما يتعلق بمن دنا منه.
وقد نجد مصداق ذلك عياناً في كل دهر، وأخبار كل زمان.
سخاء الملك وحياؤه
ومن أخلاق الملك الكرم والسخاء.
(1/29)
________________________________________
فهما قرينا كل ملكٍ كان على وجه الأرض. ولو قال قائل إنهما ركبا في الملوك كتركيب الأعضاء والجوارح، كان له أن يقول؛ إذ كنا لم نشاهد، ولم يبلغنا عمن مضى من الملوك، ملوك العجم ومن كان قبلهم، وملوك الطوائف وغيرهم، القحة والبخل.
فأما السخاء، فلو لم يكن أحد طبائع الملوك، كان يجب أن يكون باكتسابٍ إن كان الملك من أهل التمييز؛ وذلك انه يفيد أكثر مما ينفق. فإذا كانت هذه صفة كل ملك، فما عليه من اتخاذ الصنائع، وعم المنن، والإحسان إلى من نأى عنه أو دنا منه من أو ليائه، والرحمة للفقير والمسكين، والعائدة إلى أهل الحاجة.
وأما الحياء، فهو من أجناس الرحمة.
وحقيق للملك، إذ كان الراعي، أن يرحم رعيته؛ وإذ كان الإمام، أن يرق على المؤتم به، وإذ كان المولى، أن يرحم عبده.
فقد تخطي العامة، وكثير من الخاصة، في الملوك، حتى يسمونهم بغير أسمائهم، ويصفونهم بغير صفاتهم، وينحلونهم البخل والإمساك، إذا رأوا الملك على سننٍ من القصد، وعدلٍ من حد الإنفاق، ويغفلون عما أدب الله تعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم، بقوله عز وجل: " ولا تجعل يدك مغلولةً إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط " .
وبمدحه الصالحين من عباده بالقصد في ذات أيديهم، بعلمهم أن أرضى الأحوال عنده، ما دخل في باب الاقتصاد، بقوله: " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً " .
وقد ذكر بعض من لا يعلم، في كتاب ألفه في البخلاء من الملوك، أن هشام بن عبد الملك بن مروان، ومروان بن محمد، وأبا جعفر المنصور وغيره منهم. ولولا أنا احتجنا إلى الأخبار عن جهل هذا، لم يكن لذكره معنى، ولا للتشاغل بالرد عليه. وكيف يكون المنصور ممن دخل في جملة هذا القول، ولا يعلم أن أحداً من خلفاء الإسلام، ولا ملوك الأمم، وصل بألف ألفٍ لرجلٍ واحدٍ غيره! ولقد فرق على جماعة من أهل بيته عشرة آلاف ألف درهم. ذكر ذلك الهيثم بن عدي والمدايني.
وحدثني بعض أصحابنا عن أبيه عن زيد مولى عيسى بن نهيك، قال: دعاني المنصور، بعد موت مولاي، فقال: يا زيد! قلت: لبيك يا أمير المؤمنين! قال: كم خلف أبو يزيد من المال؟ قلت: ألف دينار أو نحوها.
قال: فأين هي؟ قلت: أنفقتها الحرة في مأتمه.
قال: فاستعظم ذلك، وقال: أنفقت في مأتمه ألف دينار! ما أعجب هذا! ثم قال: كم خلف من البنات؟ قلت: ستاً! فأطرق ملياً، ثم رفع رأسه وقال: أغد إلى باب المهدي.
فغدوت، فقيل لي: معك بغال؟ فقلت: لم أؤمر بإحضار بغلٍ ولا غيره، ولا أدري لم دعيت.
قال: فأعطيت ثمانين ومائة ألف دينار، وأمرت أن أدفع لكل واحدةٍ من بنات عيسى ثلاثين ألف دينار. ففعلت. ثم دعاني المنصور فقال: قبضت ما أمرنا به لبنات أبي يزيد؟ قلت: نعم، يا أمير المؤمنين! قال: أغد علي بأكفائهن، حتى أزوجهن منهم.
قال: فغدوت عليه بثلاثة من ولد العكي وثلاثة من آل نهيكٍ من بني عمهن. فزوج كل واحدة منهن على ثلاثين ألف درهم، وأمر أن يجعل صداقهن من ماله. وأمرني أن أشتري بما أمر لهن ضياعاً يكون معاشهن منها.
فلما سمع هذا الجاهل المائن بمثل هذه المكارم لعربي أو أعجمي! ولو أردنا أن نذكر محاسن المنصور على التفصيل والتقصي، لطال بها الكتاب، وكثرت فيه الأخبار.
وقلما استعملت العامة وكثير من الخاصة التمييز، إيثاراً للتقليد. إذ كان أقل في الشغل، وأدل على الجهل، وأخف في المؤونة. وحسبك من جهل العامة أنها تفضل السمين على النحيف، وإن كان السمين مأفوناً، والنحيف ذا فضائل؛ وتفضل الطويل على القصير، لا للطول ولكن لشيء آخر لا ندري ما هو، وتفضل راكب الدابة على راكب البغل، وراكب البغل على راكب الحمار، اقتصاراً على التقليد إذ كان أسهل في المأتى، وأهون في الاختيار.
اعتلال الملك
(1/30)
________________________________________

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق