ومن حق الملك إذا اعتل، أن لا تطلب خاصته الدخول عليه في ليل ولا نهار، حتى يكون هو الذي يأمر بالإذن لمن حضر، وأن لا يرفع إليه الحاجب أسماءهم مبتدئاً، حتى يأذن له. فإذا أذن له بالدخول، فمن حقه أن لا تدخل عليه الطبقة العالية مع التي دونها، ولا يدخل عليه من هذه الطبقة جماعة، ومن غيرها جماعة. ولكن على الحاجب أن يحضر الطبقات الثلاث كلها أو من حضر منها، ثم يأذن للعليا جملةً. فإذا دخلت، قامت بحيث مراتبها، فلم تسلم عليه، فتحوجه إلى رد السلام، فإذا علمت أنه قد لاحظها، دعت له دعاءً يسيراً موجزاً، ثم خرجت. ودخلت التي تليها، فقامت على مراتبها أقل من قيام الأولى، ودعت دعاءً أقل من دعاء الأولى، ثم دخلت بعدهما الثالثة، فكان حظها أن يراها فقط. وليس من عادة الملوك وقوف هذه الطبقة الثالثة، تتأمل الملك، وتدعو له، وتنظر إليه. وإنما مراتبها أن يراها فقط.
ومن حق الملك أن لا ينصرف أحد من هذه الطبقات إلى رحله إلا في اليوم الذي كان فيه ينصرف في صحة الملك. وبالحرى ينبغي أن يبرح فناءً سيده ومالكه، انتظاراً لإفاقته من علته، وفحصاً عن ساعات مرضه.
جوائز البطانة
ومن الحق على الملك تعهد بطانته وخاصته بجوائزهم وصلاتهم، إن كان ذلك يكون مشاهرةً أو مساناةً.
ومن أخلاق الملك أن يوكل باد كاره صلاتهم، ولا يحوج أحداً منهم إلى رفع رقعةٍ أو إذكار أو تعريضٍ. فإن هذا ليس من أخلاق المتيقظ من الملوك.
وكانت ملوك آل ساسان يفعلون في هذا فعلاً بقي لهم ذكره إلى هذه الغاية، وإلى انقضاء مدة العالم.
فكان الملك منهم يقدر الرجل من خاصته وبطانته تقديراً وسطاً بين الإسراف والاقتصاد في مؤنة كلها، وحوائجه خاصها وعامها، فإذا كان التقدير على الجهة التي وصفنا، عشرة آلاف درهم في الشهر، وكانت للرجل ضيعة، أمر أن يدفع إليه في كل ثلاثين ليلة عشرة آلاف درهم، لأنزاله ونفقاته وحوائجه.
ويقول له الملك: قد علمنا أن الضيعة التي أفدتها هي مما تقدم من صلاتنا لك، وقد تسلفنا شكر تلك النعمة منك، وليس من العدل أن تكون في خدمتنا، وتكون نفقتك من شيء أفدته بشكرٍ قد تقدم، وحرمة قد تأكدت. فليكن ما أثمرت لك ضيعتك ظهرياً لنوائب الزمان، وتخرم الأيام، وانقلاب الدول، وحوادث الموت، ولتكن مؤنك وكلفك على خاص أموالنا.
وكذلك الطبقات على هذا النظام والإحكام، فيمضي على أحدهم عشرون سنة لا يفتح فاه بطلب درهم ولا غيره، منبسطاً لزمانه، مبتهجاً بنعم ملكه، مسروراً بما يكفي عن التذكار وشكوى الحال.
هدايا المهرجان والنيروز
ومن حق الملك هدايا المهرجان والنيروز.
والعلة في ذلك أنهما فصلا السنة.
فالمهرجان دخول الشتاء وفصل البرد، والنيروز إذن بدخول فصل الحر. إلا أن في النيروز أحوالاً ليست في المهرجان؛ فمنها استقبال السنة، وافتتاح الخراج، وتولية العمال، والاستبدال، وضرب الدراهم والدنانير، وتذكية بيوت النيران، وصب الماء، وتقريب القربان، وإشادة البنيان، وما أشبه ذلك.
فهذه فضيلة النيروز على المهرجان.
ومن حق الملك أن يهدي إليه الخاصة والحامة.
والسنة في ذلك عندهم أن يهدي الرجل ما يحب من ملكه، إذا كان في الطبقة العالية. فإن كان يحب المسك، أهدي مسكاً لا غيره. وإن يحب العنبر، أهدى عنبراً. وإن كان صاحب بزة ولبسة، أهدى كسوةً وثياباً، وإن كان الرجل من الشجعاء والفرسان، فالسنة أن يهدي فرساً أو رمحاً أو سيفاً. وإن كان رامياً، فالسنة أن يهدي نشاباً. وإن كان من أصحاب الأموال، فالسنة أن يهدي ذهباً أو فضةً. وإن كان من عمال الملك، وكانت عليه موانيذ للسنة الماضية، جمعها وجعلها في بدرٍ حريرٍ صيني، وشريحات فضة، وخيوط إبريسم، وخواتيم عنبر، ثم وجهها.
وكذلك، إنما كان يفعل من العمال من أراد أن يتزين بفضل نفقاته أو بفضل عمالته أو أداء أمانته.
وكان يهدى الشاعر الشعر، والخطيب الخطبة، والنديم التحفة والطرفة والباكورة من الخضروات.
(1/31)
________________________________________
وعلى خاصة نساء الملك وجواريه أن يهدين إلى الملك ما يؤثرنه ويفضلنه كما قدمنا في الرجال. غير أنه يجب على المرأة من نساء الملك، إن كانت عندها جارية تعلم أن الملك يهواها ويسر بها، أن تهديها إليه بأكمل حالاتها، وأفضل زينتها، وأحسن هيآتها. فإذا فعلت ذلك، فمن حقها على الملك أن يقدمها على نسائه، ويخصها بالمنزلة، ويزيدها في الكرامة، ويعلم أنها قد آثرته على نفسها، وبذلت له مالا تجود النفس به، وخصته بما ليس في وسع النساء، إلا القليل منهن، الجود به.
ومن حق البطانة والخاصة على الملك، في هذه الهدايا، أن تعرض عليه، وتقوم قيمة عدل.
فإذا كانت قيمة الهدية عشرة آلافٍ، أثبتت في ديوان الخاصة. فإن كان صاحبها ممن يرغب في الفضل، ويذهب إلى الربح، ثم نابته نائبة من مصيبةٍ يصاب بها أو بناءٍ يتخذه، أو مأدبةٍ يأدبها، أو عرسٍ يكون من تزويج ابنٍ، أو إهداء ابنةٍ إلى بعلها، نظر إلى ماله في الديوان وقد وكل بذلك رجل يرعى هذا وما أشبهه ويتعهده، فإذا كانت قيمة الهدية عشرة آلافٍ، أضعفت له ليستعين بها على نائبته.
وإن كان الرجل ممن أهدى نشابةً أو درهماً أو تفاحةً أو أترجة، فإن تلك الهدية إنما قدمها لتثبت له في الديوان، ويخبر الملك إن نابته نائبة. فعلى الملك إعانته عليها، إذا كان من أساورته وبطانته أو محدثيه. فإذا رفع للملك أن له في الديوان نشابةً أو درهماً أو أترجةً أو تفاحةً، أمر الملك أن تؤخذ أترجة، فتملأ دنانير منظومة ويوجه بها إليه.
وكان لا يعطي صاحب التفاحة إلا كما يعطي صاحب الأترجة، وأما صاحب النشابة، فكانت تخرج نشابته من الخزانة، وعليها اسمه، فتنصب ويوضع بإزائها من كسوة الملك ومن سائر الكساء. فإذا ارتفعت حتى توازي نصل النشابة، دعي صاحبها، فدفعت إليه تلك الكسوة.
وكان من تقدمت له هدية في النيروز والمهرجان، صغرت أم كبرت، كثرت أم قلت، ثم لم يخرج له من الملك صلة عند نائبه تنوبه أو حقٍ يلزمه، فعليه أن يأتي ديوان الملك ويذكر بنفسه، وأن ر يغفل عن إحياء السنة ولزوم الشريعة. وإن غفل عن أمره بعارضٍ يحدث، فإن ترك ذلك على عمدٍ، فمن سنة الملك أن يحرمه أرزاقه لستة أشهر، وأن يدفعها إلى عدو، إن كان له. إذ أتى شيئاً فيه شين على الملك، وضعة في المملكة.
وكان أردشير بن بابك، وبهرام جور، وأنوشروان يأمرون بإخراج ما في خزانتهم في المهرجان والنيروز من الكسى فتفرق كلها على بطانة الملك وخاصته، ثم على سائر الناس على مراتبهم.
وكانوا يقولون: إن الملك يستغني عن كسوة الصيف في الشتاء، وعن كسوة الشتاء في الصيف، وليس من أخلاق الملوك أن تخبأ كسوتها في خزائنها، فتساوي العامة في فعلها.
فكان يلبس في يوم المهرجان الجديد من الخز والوشي والملحم. ثم تفرق كسوة الصيف على ذكرنا.
فإذا كان يوم النيروز، لبس خفيف الثياب ورقيقها، وأمر بكسوة الشتاء كلها ففرقت.
ولا نعلم أن أحداً بعدهم اقتفى آثارهم إلا عبد الله بن طاهر، فإني سمعت من محمد بن الحسن بن مصعب يذكر أنه كان يفعل ذلك في النيروز والمهرجان، حتى لا يترك في خزائنه ثوباً واحداً إلا كساه. وهذا من أحسن ما حكي لنا من فضائله.
لهو الملوك وشربهم
ومن أخلاق الملوك اللهو.
غير أن أسعدهم من جعل للهوه وقتاً واحداً، وأخذ نفسه بذلك. فإنه إذا فعل ذلك، استطاب اللهو والهزل والمفاكهة. وإذا أدمن ذلك خرج به اللهو من بابه، حتى يجعله جداً لا هزل فيه، وحقاً لا باطل معه، وخلقاً لا يمكنه الانصراف عنه.
وليس هذا صفة الملك السعيد.
ومن أدمن شيئاً من ملاذ الدنيا، لم يجد له من اللذة وجود القرم النهم المشتاق.
وهذا قد نراه عياناً. وذلك أن ألذ الطعام وأطيبه ما كان على جوع شديدٍ، وألذ الجماع وأطيبه إذا اشتد الشبق وطالت العزبة، وألذ النوم وأهنأه ما كان بعقب التعب والسهر.
وعلى هذا جميع ملاذ الدنيا.
فالملوك الماضية إنما جعلت للملاذ وقتاً واحداً من اليوم والليلة، لهذه الفضيلة التي فيها.
فعلى الملك السعيد أن يقسم يومه أقساماً: فأوله لذكر الله تعالى وتعظيمه وتهليله؛ وصدره لرعايا وإصلاح أمرها؛ ووسطه لأكله ومنامه، وطرفه للهوه وشغله. وأن لا يثابر على إدمان الشغل في كل يوم. وإن طالت هذه الأقسام بمواضعها، فلا يجد للهو لذته، ولا للنعيم موضعه الذي هو به.
(1/32)
________________________________________
وكانت الملوك الماضية من الأكاسرة تشرب في كل ثلاثة أيامٍ يوماً، إلا بهرام جور والأردوان الأحمر وسابور؛ فإنهم كانوا يدمنون الشرب في كل يوم.
وكان ملوك العرب، كالنعمان، وملوك الحيرة، وملوك الطوائف، أكثرها يشرب في كل يومٍ وليلةٍ، مرةً.
وكان ملوك الإسلام، من يدمن على شربه، يزيد بن معاوية. وكان لا يمسي إلا سكران، ولا يصبح إلا مخموراً.
وكان عبد الملك بن مروان يسكر في كل شهر مرةً، حتى لا يعقل في السماء هو أو في الماء، ويقول: إنما أقصد في هذا إلى إشراق العقل، وتقوية منة الحفظ، وتصفية موضع الفكر.
غير أنه كان إذا بلغ آخر هذا السكر، أفرغ ما كان في بدنه حتى لا يبقى في أعضائه منه شيء؛ فيصبح خفيف البدن ذكي العقل والذهن، نشيط النفس، قوي المنة.
وكان الوليد بن عبد الملك يشرب يوماً، ويدع يوماً.
وكان سليمان بن عبد الملك يشرب في كل ثلاث ليالٍ، ليلةً.
ولم يشرب عمر بن عبد العزيز منذ أفضت إليه الخلافة إلى أن فارق الدنيا، ولا سمع غناءً.
وكان هشام يسكر في كل جمعة.
وكان يزيد بن الوليد والوليد بن يزيد يدمنان اللهو والشرب. فأما يزيد بن الوليد، فكان دهره بين حالين، بين سكر وخمارٍ؛ ولا يوجد أبداً إلا ومعه إحدى هاتين.
وكان مروان بن محمد يشرب ليلة الثلاثاء، وليلة السبت.
وكان أبو العباس السفاح يشرب عشية الثلاثاء وحدها، دون السبت.
وكان المهدي والهادي يشربان يوماً، ويدعان يوماً.
وكان الرشيد يشرب ظاهراً، إلا أنه كان يقعد هذين اليومين لندمائه.
وكان المأمون في أول أيامه يشرب الثلاثاء والجمعة؛ ثم أدمن الشرب عند خروجه إلى الشام في سنة خمس عشرة ومائتين، إلى أن توفي.
وكان المعتصم لا يشرب يوم الخميس، ولا يوم الجمعة.
وكان الواثق ربما أدمن الشرب، وتابعه. غير أنه لم يكن يشرب في ليلة الجمعة ولا يومها.
لبس الملوك وتطيبهم: وأخلاق الملوك تختلف في اللبسة والطيب. فمن الملوك من كان لا يلبس القميص إلا يوماً واحداً أو ساعةً واحدةً. فإذا نزعه، لم يعد إلى لبسه.
ومنهم من كان يلبس القميص والجبة أياماً، فإذا ذهب رونقه، رمى به فلم يلبسه بعد.
فأما أردشير بن بابك، ويزدجرد، وبهرام، وكسرى أبرويز، وكسرى أنوشروان، وقباذ، فإنهم كانوا يلبسون القميص، ويغسل لهم، ثم يلبسونه ويغسل لهم. فإذا غسل ثلاث عركاتٍ لم يغسل بعدها، وجعل في الخلع التي تخلع على الولد والقرابات والعم وابن العم والأخ وابن الأخ. ولم يكونوا يخلعون ما قد لبسوه إلا على القرابات من أهل بيت المملكة خاصةً، لا يجاوزونهم إلى غيرهم. فأما الخلع التي تقطع وتتخذ للطبقات وسائر الناس، فتيك صنف آخر.
وكان ملوك العرب، منهم من يلبس القميص مراراً، ويغسل له غسلاتٍ: معاوية وعبد الملك وسليمان وعمر بن عبد العزيز وهشام ومروان بن محمدٍ وأبو العباس وأبو جعفر والمأمون.
فأما يزيد بن معاوية، والوليد بن يزيد، ويزيد بن الوليد، والمهدي والهادي والرشيد والمعتصم والواثق، فإنهم كانوا لا يلبسون القميص إلا لبسةً واحدةً، إلا أن يكون الثوب نادراً معجباً غريباً.
فأما الجباب والأردية، فلم تزل الملوك تلبسها السنة أو أكثر أيام السنة، ومنهم من كان يلبس الجبة والمطرف، السنين الكثيرة.
وليس الجباب والأردية، كالقميص والسراويل، لأن القميص والسراويل هما الشعار، وسائر الثياب الدثار. ولذلك كره من كره إعادة لبسها.
وأخلاق الملوك في البطر ومس الطيب وتغلل الغالية تختلف.
فمن الملوك من إذا مس الطيب وتغلل بالغالية، لم يعد إلى مس طيبٍ ما دام عبقها في ثوبه.
ومن الملوك من كان إذا مس الطيب، وتغلل بالغالية، فتضوعت منه وعلقت بثيابه، أمر بصب ماء الورد على رأسه حتى يسيل. فإذا كان من غدٍ، فعل مثل ذلك.
فأما من كان لا يمس طيباً ما دام يجد عبق الطيب في ثيابه: فأردشير بن بابك، وقباذ بن فيروز بن يزدجرد، وكسرى ابرويز، وكسرى أنوشروان؛ ومن ملوك العرب: معاوية وعبد الملك والوليد وسليمان وعمر بن عبد العزيز وهشام ومروان بن محمد؛ ومن خلفاء بني العباس، وأبو جعفر، والمأمون.
وكان المعتصم قلما يمس الطيب. وكان يذهب في ذلك إلى تقوية بدنه وإعانته على شدة البطش والأيد. وأما في أيام حروبه، فكان من دنا منه، وجد رائحة صدأ السلاح والحديد من جسمه.
(1/33)
________________________________________
زيارة الملوك لأخصانهم
ومن أخلاق الملوك الزيارة لمن خص بالتكرمة منهم وآثروه المنزلة ورفع المرتبة.
وزيارة الملك على أربعة أقسام: فمنها الزيارة للمطاعمة والمنادمة، ومنها الزيارة للعيادة، ومنها الزيارة للتعزية في المصيبة، ومنها الزيارة للتعظيم فقط.
وأكبر هذه الأقسام وأرفعها ذكراً الزيارة للتعظيم. لأن هذه الأقسام الثلاثة أكثر ما تقع وتتفق بسؤال المزور الملك، وتلطفه في ذلك.
وربما رفع الملك مرتبة الوزير، وخصه، وقدمه على سائر بطانته، فيكون من حيل الوزير أن يتعالل فيعوده الملك، فيظهر للعامة منزلته عنده وتكرمته إياه وإيثاره له.
وأيضاً، فقل ملك سأله وزيره أو صاحب جيشه أو أحد عظمائه زيارته إلا أجابه إلى ذلك، ولا سيما إذا علم أن غرضه في ذلك الزيارة في المرتبة، والتنويه بالذكر.
فإذا كانت الزيارة من الملك على أحد هذه الأقسام الثلاثة، فهي منزلة كان صاحبها يحاولها فبلغها، وأمنية طلبها فأدركها.
فأما الزيارة للتعظيم، فإنها لا تقع بسؤالٍ، ولا بإرادة المزور، إذ كان ليس من أخلاق وزيرٍ ولا شريفٍ أن يقول للملك: زرني لتعظمني، ولترفع في الناس من ذكري وقدري.
فإذا كان ذلك من الملك ابتداءً، فقد علمنا أن تلك أرفع مراتب الوزراء، وأفضل درجات الأشراف.
وكان أردشير وأنوشروان إذا زار وزيراً من وزرائهما أو عظيماً من عظمائها للتعظيم لا لغيره، أرخت الفرس تلك الزيارة، وخرجت بذلك التاريخ كتبهم إلى الآفاق والأطراف.
وكانت سنة من وزاره الملك للتعظيم أن توغر ضياعه، وتوسم خيله ودوابه، لئلا تسخر، ولا تمتهن. ويأتيه خليفة صاحب الشرطة في كل يوم مع ثلاثمائة راكبٍ ومائة راجلٍ، يكون بابه إلى غروب الشمس. فإن ركب كانت الرجالة مشاةً أمامه والركبان من خلفه. ولا يحبس أحد من حامته وخاصته لجنايةٍ جناها، ولا يحكم على أحدٍ من عبيده بحكمٍ، وإن وجب على أحدٍ من بطانته حد، وجه به إليه ليرى فيه رأيه، ويؤخر عليه وظيفة ما عليه من خراج أرضه حتى يكون هو الحامل له، وتقدم هداياه في النيروز والمهرجان على كل هدية، وتعرض على الملك، ويكون أول من يأذن له الحاجب، ويكون من الملك، إذا ركب عن يمينه، منزوياً، وتكون مرتبته إذا قعد عن يمينه، وإذا خرج من دار المملكة، لم يقعد بعده أحد.
وكانت ملوك آل ساسان لا تزور أحداً لعلةٍ من هذه العلل التي قدمنا ذكرها، فينصرف بخلعه أو طيبٍ أو تحفةٍ أو هديةٍ من جاريةٍ أو غلام. غير أنه كان إذا نزل الملك، وطأ لرجله فرساً رائعاً بسرج مذهبٍ، وأداةٍ تامة، فقدم إليه إذا أراد الانصراف.
فكان الأمر كذلك، حتى ملك بهرام بن يزدجرد. فكان ينادم الاساورة من أبناء أهل الشرف، فيخلع عليه في كل ساعةٍ خلعة مجددة، ويشتهي الزامرة والمغنية والرقاصة، فيأخذها. وكان أول من أطلق يده في ذلك، لغلبة اللهو علي، وإيثاره هواه.
فأما من كان من ملوكهم، فعلى الأمر الذي ذكرنا، والحكاية التي أدينا.
استقبال الملوك للناس في الأعياد
ومن أخلاق الملك القعود للعامة يوماً في النيروز، ولا يحجب عنه أحد في هذين اليومين من صغير ولا كبير، ولا جاهلٍ ولا شريف.
وكان الملك يأمر بالنداء قبل قعوده بأيام، ليتأهب الناس لذلك، فيهيئ الرجل القصة، ويهيئ الآخر الحجة في مظلمته، ويصالح الآخر صاحبه إذا علم أن خصمه يتظلم منه إلى الملك. فيأمر الموبذ أن يوكل رجالاً من ثقات أصحابه، فيقفون بباب العامة، فلا يمنع أحد من الدخول على الملك.
وينادي مناديه: من حبس رجلاً عن رفع مظلمته، فقد عصى الله، وخالف سنة الملك، ومن عصى الله، فقد أذن بحربٍ منه، ومن الملك.
ثم يؤذن للناس، وتؤخذ رقاعهم فينظر فيها. فإن كان فيها شيء يتظلم فيه من الملك، بدي به أولاً، وقدم على مظلمة. ويحضر الملك الموبذ الكبير والدبيربذ ورأس سدنة بيوت النار، ثم يقوم المنادي فينادي: ليعتزل كل من تظلم من الملك. فيمتازون.
(1/34)
________________________________________
ويقوم الملك مع خصومه حتى يجثو بين يدي الموبذ فيقول له: أيها الموبذ، إنه ما من ذنبٍ أعظم عند الله من ذنب الملوك! وإنما خولها الله تعالى رعاياها لتدفع عنها الظلم، وتذب عنه بيضة الملك جور الجائرين، وظلم الظالمين. فإذا كانت هي الظالمة الجائرة، فحق لمن دونها هدم بيوت النيران، وسلب ما في النواويس من الأكفان. ومجلسي هذا منك، وأنا عبد ذليل، يشبه مجلسك من الله غداً، فإن آثرت الله آثرك، وإن آثرت الملك عذبك.
فيقول له الموبذ: إن الله إذا أراد سعادة عباده، اختار لهم خير أهل أرضه. فإذا أراد أن يعرفهم قدره عنده، أجرى على لسانه ما أجرى على لسانك.
ثم ينظر في أمره، وأمر خصمه بالحق والعدل. فإن صح على الملك شيء، أخذه به، وإلا حبس من ادعى عليه باطلاً، ونكل به، ونودي عليه: هذا جزاء من أراد شين الملك، وقدح في المملكة.
فإذا فرغ الملك من مظالمه في نفسه، قام فحمد الله ومجده طويلاً، ثم وضع التاج على رأسه، وجلس على سرير الملك، والتفت إلى قرابته وحامته وخاصته، وقال: إني لم أبدأ بنفسي فأنصف منها إلا لئلا يطمع طامع في حيفي. فمن كان قبله حق، فليخرج إلى خصمه منه، إما بصلحٍ وإما بغيره.
فكان أقرب الناس إلى الملك في الحق كأبعدهم، وأقواهم كأضعفهم.
فلم يزل الناس على هذا في عهد أردشير بن بابك ثم هلم جراً، حتى ملكهم يزدجرد الأثيم، وهو النحس البارتكر. فغير سنن آل ساسان، وعاث في الإرض، وظلم الرعايا، وأظهر الجبرية والفساد، وقال: ليس للرعية أن تنتصب من الراعي، ولا للسوقة أن تتظلم من الملوك، ولا للوضيع أن يساوي الرفيع في حق ولا باطل.
عقوبة الملك الظالم
فذكرت الأعاجم في كتبها وسير ملوكها أنه بينا هو قاعد في الإيوان، والناس على طبقاتهم ومراتبهم، إذ دخل من باب الإيوان فرس مسرج ملجم، لم ير قط شيء أحسن منه منظراً، ولا أكمل أداةً. فأهوى نحو يزدجرد الأثيم. فقامت إليه الاساورة لتدفعه عنه، فجعل لا يدنو منه أحد إلا رمحه فأرداه، وهو في خلال ذلك يقصد إلى الملك، فقام إليه يزدجرد، وقال للأساورة: دعوه، فإنه إلي يقصد.
فدنا منه حتى أخذ بمعرفته، فذل له الفرس، وتطامن حتى ركبه. فلما جال في متنه، خطا به خطىً، ثم رده إلى قرار مجلسه، فنزل عنه، وجعل يمسحه بيده، مقبلاً ومدبراً. حتى إذا وجد الفرس منه ممكناً وغفلةً، رمحه فأصاب حبة قلبه، فقتله. فقالت الفرس: هذا ملك من الملائكة، جعله الله في صورة فرس، فبعثه لقتل يزدجرد، لما ظلم الرعية، وعاث في الأرض.
وكان بهرام جور بن يزدجرد في حجر النعمان بن المنذر، ملك الحيرة، وضعه أبوه عنده ليتأدب بآداب العرب، ويعرف أيامها وأخبارها ولغاتها فبلغه خبر أبيه، وأن الفرس ملكت عليها رجلاً ليس من أبناء ملوكها. فاستنهض النعمان بن المنذر واستنجده، وقال: إن لي عليك حقاً، إذ كنت أحد أولادك. وإن أبي قد مات، وملكت الفرس رجلاً من غير بيت الملك. فإن أنت خذلتني، ذهب ملك آل ساسان. فقال له النعمان: ما أ وآل ساسان، وهم الملوك وأنا رعية؟ ولكني أخرج معك في جيشي لتقوى نيتك، وتصح عزمتك. ثم أنت أولى بقومك، وهم أولى بك. قال: فهذا أريد.
فخرج النعمان مع بهرام حتى صار بالمداين، وبلغ الفرس قدومهما، فخرجوا إلى بهرام، فقالوا: ما تريد؟ فقال: ملك أبي وإرث آل ساسان.
قالوا: إن أباك سامنا العذاب أيام مدته، فانفرد الله بقتله. فلا حاجة لنا في أحدٍ من عقبه.
فقال بهرام: إن جور أبي وظلمه لا يلزمني لائمةً، ولا يكسبني ذماً. وأنتم لم تخبروني، فيجب علي حمد أو ذم.
قالوا: فإنا قد أقمنا رجلاً نرضاه.
فقال: إن هذا فساد في صلب الملكة أن تملكوا من ليس من أهلها. فإذا فعلتم، فامتحنوني وهذا الرجل محنةً توجب المملكة.
قالوا: وما هي؟ قال: تعمدون إلى أسدين ضاريين فتجمعونهما في موضعٍ واحدٍ، وتضعون تاج المملكة بينهما، وتقولون لهذا الذي ملكتموه أمركم يأخذ من بينهما، فإن فعل فهو أحق بالملك وأولى. وإن أبى أن يفعل، وفعلت أنا ذلك، كنت أحق بالملك منه.
قالوا: نعرض عليه هذا.
فقالوا ذلك له، فقال: ما أقدر على هذا، ولكن قولوا له فليفعل. فإن أخذ التاج من بين الأسدين، فهو أحق بالملك وأولى.
فأخذوا التاج، وعمدوا إلى أسدين فأجاعوهما، ثم وضعوا التاج بينهما، وقالوا لبهرام: شأنك!.
(1/35)
________________________________________
فنزل بهرام عن فرسه، وأخذ الطبرزين ومضى نحوهما. ثم بدا له، فجعل الطبرزين في منطقته؛ ودنا من الأسدين، فأهويا نحوه، فأخذ برأس أحدهما فأدناه من رأس الآخر ثم نطحه به حتى قتلهما جميعاً. وشد على التاج، فأخذه من موضعه، فجعله على رأسه.
فملكته الفرس أمرهم، وانصرف النعمان إلى الحيرة، وسار بهرام سيرةً حسنةً، وعدل فيهم، حتى كان أحب إليهم من جميع ملوك آل ساسان.
إلا أن اللهو واللعب كان أغلب أحواله عليه.
استقصاء أحوال الرعية
ومن أخلاق الملك السعيد البحث عن سرائر خاصته وحامته، وإذكاء العيون عليهم خاصةً، وعلى الرعية عامة.
وإنما سمي الملك راعياً، ليفحص عن دقائق أمور الرعية وخفي نياتهم. ومتى غفل الملك عن فحص أسرار رعيته، والبحث عن أخبارها، فليس له من اسم الراعي إلا رسمه، ومن الملك إلا ذكره.
فأما الملك السعيد، فمن أخلاقه البحث عن كل خفي ودفين حتى يعرفه معرفة نفسه عند نفسه، وأن لا يكون شيء أهم ولا أكبر في سياسته ونظام ملكه من الفحص عما قدمنا ذكره.
ولم ير ملك قط كان أعجب في هذا الأمر من أردشير بن بابك. ويقال إنه كان يصبح فيعلم كل شيء بات عليه من كان في قصبه دار مملكته من خيرٍ أو شر، ويمسي فيعلم كل شيءٍ أصبحوا عليه. فكان متى شاء قال لأرفعهم وأوضعهم: كان عندك في هذه الليلة كيت وكيت.
ثم يحدثه بكل ما كان فيه إلى أن أصبح.
فقال إن بعضهم كان يقول إنه كان يأتيه ملك من السماء، فيخبره. وما كان ذلك إلا لتيقظه وكثرة تعهده لأمور رعيته.
ثم كان فيمن نأى من أهل مملكته على مثل هذه الحال.
فيقال إن الأمم كلها، أولها وآخرها، وقديمها وحديثها، لم تخف أحداً من ملوكها، خوفها أردشير بن بابك من ملوك الأعاجم، ومن كان قبلهم، وعمر بن الخطاب من خلفاء الإسلام.
فإن عمر كان علمه بمن نأى عنه من عماله ورعيته كعلمه بمن بات معه في مهادٍ واحدٍ، وعلى وسادٍ واحد. فلم يكن له في قطر من الأقطار، ولا ناحية من النواحي عامل ولا أمير جيشٍ إلا وعليه له عين لا يفارقه ما وجده. فكانت ألفاظ من بالمشرق والمغرب عنده في كل ممسً ومصبح.
وأنت ترى ذلك في كتبه إلى عماله وعمالهم، حتى كان العامل منهم ليتهم أقرب الخلق إليه، وأخصهم به. فساس الرعية سياسة أردشير بن بابك في الفحص عن أسرارها خاصةً.
ثم اقتفى معاوية فعله، وطلب أثره، فانتظم له أمره، وطالت له مدته.
وكذا كان زياد ابن أبيه يحتذي فعل معاوية، كاحتذاء معاوية فعل عمر.
وفيما يحكى عنه أن رجلاً كلمه في حاجةٍ له، فتعرف إليه، وهو يظن أنه، لا يعرفه، فقال: أصلح الله الأمير! أنا فلان بن فلان.
فتبسم زياد وقال: تتعرف إلي، وأنا أعرف منك بأبيك؟ والله إني لأعرفك وأعرف أباك وجدك وأمك وجدتك، وأعرف هذا البرد الذي عليك، وهو لفلان بن فلان.
فبهت الرجل وأرعب حتى أرعد، وكاد يغشى عليه.
وعلى هذا كان عبد الملك بن مروان، والحجاج بن يوسف.
ثم لم يكن بعد هؤلاء أحد في مثل هذه السياسة حتى ملك المنصور. فكان أكثر الأمور عنده معرفة أحوال الناس، حتى عرف الولي من العدو، والمداجي من المسالم. فساس الرعية ولبسها، وهو من معرفتها على مثل وضح النهار.
ثم درست هذه السياسة حتى ملك الرشيد، فكان أشد الملوك بحثاً عن أسرار رعيته، وأكثرهم بها عنايةً، وأحزمهم فيها أمراً.
وعلى نحو هذا كان المأمون أيامه. والدليل على ما قلنا فيه ما شاهدنا من رسالته إلى اسحق بن إبراهيم في الفقهاء وأصحاب الحديث، وهو بالشأم. خبر فيها عن عيب واحدٍ واحدٍ، وعن حالته وأموره التي خفيت، أو أكثرها، عن القريب والبعيد.
ثم ما علمت أن أحداً ممن كان دون السلطان الأعظم في دهرنا هذا كان أشد على الأسرار بحثاً وأكثر لها فحصاً، حتى بلغ من هذا الجنس أقصى حده، وآخر نهايته، وأبعد مداه، وجعله أكثر شغله في ليله ونهاره، إلا اسحق بن إبراهيم.
فحدثني موسى بن صالح بن شيخ، قال: كلمته في امرأةٍ من بعض أهلنا، وسألته النظر لها، فقال: يا أبا محمد! من قصة هذه المرأة ومن حالها ومن فعلها.
قال: فوالله! لم يزل يصفها ويصف أحوالها حتى بهت.
وحدث أبو البرق الشاعر، قال: كان يجري علي أرزاقاً، فدخلت عليه، فقال بعد أن أنشدته: كم عيالك؟ تحتاج في كل شهرٍ من الدقيق إلى كذا ومن الحطب إلى كذا.
(1/36)
________________________________________
فأخبرني بشيءٍ من أمر منزلي مما جهلت بعضه، وعلمه كله.
وحدثني بعض من كان في ناحيتة، قال: رفعت إليه رقعةً أسأله فيها إجراء أرزاقي.
فقال: كم عيالك؟ فزدت في العدد. فقال: كذبت! فبهت، وقلت في نفسي: يا نفس، من أين علم أني كذبت؟ فأقمت سنةً، لا أجتري على كلامه. ثم رفعت إليه رقعةً أخرى في إجراء أرزاقي. فقال: كم عيالك؟ فقلت: أربعة.
فقال: صدقت فوقع في حاشية رقعتي: يجرى على عياله كذا وكذا.
ولولا أن يطول كتابنا في إسحاق وذكره، لحكينا عنه أخباراً كثيرةً، وهي من هذا الجنس، وفيما ذكرناه كفاية.
فعلى الملك أن يميز بين أوليائه وأعدائه بالفحص عن أسرارهم ودقيق أخبارهم، حتى إن أمكنه أن يعرف مبيت أحدهم ومقيله، وما أحدث فيهما، فعل.
فإن الرعية لا تسكن قلوبها جلالة ملكها، ولو عبدته الجن والإنس ودانت له ملوك الأمم كلها، حتى يكون أشد إشرافاً عليها، وأكثر بحثاً عن سرائرها من أم الفريد عن حركته وسكونه.
خصال تطول بها مدة الملك: وأيضاً فإنه يقال في بعض كتب الأوائل في مواعظ الملوك وآدابها: إن الملك تطول مدته إذا كانت فيه أربع خصال: إحداهما: أنه لا يرضى لرعيته إلا ما يرضاه لنفسه، والأخرى: أن لا يسوف عملاً يخاف عاقبته، والأخرى: أن يجعل ولي عهده من ترضاه وتختاره رعاياه، لا من تهواه نفسه، والرابعة: أن يفحص عن أسرار الرعية، فحص المرضع عن منام رضيعها.
وقد تجد مصداق هذا القول ونشهد به. وذلك أنا لم نر مدةً طالت لملك عربي ولا عجمي قط إلا لمن فحص عن الأسرار، وبحث عن خفي الأخبار، حتى يكون في أمر رعيته على مثل وضح النهار.
الملوك أمام الأمور الجليلة
ومن أخلاق الملك، إذا دهمه أمر جليل من فتق ثغر، أو قتل صاحب جيشٍ، أو ظهور عدو يدعو إلى خلاف الملة، أو قوة مناويءٍ، أن يترك الساعات التي فيها لهوه، ويجعلها وسائر الساعات في تدبير مكايدة عدوه، وتجهيز جنوده وجيوشه، وأن يصرف في ذلك شغله وفكره وفراغه على مثل ما فعل من مضى من ملوك الأعاجم وغيرها، للتسويف والتمني وحسن الظن بالأيام نصيباً.
فإن هذا عجز من الملك، ووهن يدخل على الملك.
وكانت ملوك الأعاجم، إذا حزبها مثل هذا، أمرت بالموائد التي كانت توضع في كل يوم أن ترفع وظائفها، واقتصرت على مائدةٍ لطيفةٍ، ورأس الأساورة.
فلا يوضع عليها إلا الخبز والملح، والخل والبقل، فيأخذ منه شيئاً هو ومن معه، ثم يأتيه الخباز بالبرماورد في طبقٍ، فيأكل منه لقمةً؛ ثم يرفع المائدة، ويتشاغل بتدبير حربه، وتجهيز عساكره. ولا تزال هذه حاله حتى يأتيه عن ذلك الفتق ما يرتقه، وعن ذلك العدو ما يحب. فإذا أتاه، أمر أن يتخذ له طعام مثل طعامه الأول، وأمر الخاصة والعامة بالحضور. وقامت الخطباء أولاً بالتهنئة له، والتحميد لله تعالى بالفتح عليه والنصر له. ثم قام الموبذ فتكلم، ثم الوزراء بنحوٍ من كلام الخطباء. ثم مد الناس أيديهم إلى الأطعمة على مراتبهم؛ فإذا فرغوا، بسط للعامة في ظهر الإيوان، وللخاصة في صحنه بحضرة الملك؛ وقعد صاحب الشرطة للعامة، كقعود الملك للخاصة. ثم دعا بالمغنين وأصحاب الملاهي.
وكانوا يقولون: إن حق شكر النعمة أن يرى أثرها.
وكانت الخلفاء والأمراء، إذا دهمهم أمر، فزعوا إلى المنابر، وحرضوا الناس على الطاعة، ولزوم الجماعة.
وفيما يذكر عن معاوية أنه قال: ما ذقت أيام صفين لحماً ولا شحماً ولا حلواً ولا حامضاً؛ ما كان إلا الخبز والجبن وخشن الملح، إلى أن تم لي ما أردته.
ويحكى عن عبد الملك بن مروان أن صاحب إفريقية أهدى إليه جاريةً تامة المحاسن، شهية المتأمل.
قال: فلما أن دخلت على عبد الملك بن مروان، نظر إليها، وفي يده قضيب خيزران. فصعد ببصره إليها وصوبه، ثم رمى بالقضيب، وقال: رديه علي.
فولت. فنظر إليها مقبلةً ومدبرةً، فقال: أنت والله أمنية المتمني.
قالت: فما يمنعك يا أمير المؤمنين، إذ كانت هذه صفتي عندك؟ قال: بيت الأخطل:
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء، ولو باتت بأطهار
وكان هذا في خروج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث. ثم أمر بها أن تصان وتخدم. فلما فتح عليه، كانت أول جاريةٍ دعا بها.
(1/37)
________________________________________
ويحكى عن مروان بن محمد الجعدي أنه أقام ثلاثين شهراً، لم يطأ جاريةً إلى أن قتل. وكان إذا استهدفت إليه الجارية، قال: إليك عني! فوالله لا دنوت من أنثى، ولا حللت لها عقد حبوتي، وخراسان ترجف بنصر، وأبو مجرمٍ قد أخذ منه بالمخنق.
الحرب خدعة
ومن أخلاق الملوك المكايدة في حروبها.
ولذلك كان يقال: ينبغي للملك السعيد أن يجعل المحاربة آخر حيله، فإن النفقة في كل شيء إنما هي من الأموال، والنفقة في الحروب إنما هي من الأنفس. فإن كان للحيل محمود عاقبةٍ، فذلك بسعادة الملك، إذا ربح ماله، وحقن دماء جيوشه. وإن أعيت الحيل والمكايد، كانت المحاربة من وراء ذلك.
فاسعد الملوك من غلب عدوه بالحيلة والمكر والخديعة.
وقد روينا عن نبينا، صلى الله عليه وسلم، ما يحقق هذا، ويؤكده بقوله: الحرب خدعة.
وليس لأحدٍ من الخدع ما لملوك الأعاجم. والأخبار في ذلك عنهم كثيرة. ولكنا نقتصر من ذلك على حديثٍ أو حديثين.
فمن ذلك ما يذكر عن بهرام جور أنه لما ملك بعد أبيه يزدجرد، بلغه أن ناحية من نواحي أطرافه قد أخذت، وغلب عليها العدو. فاستخف بها وأظهر الاستهانة به، حتى قوي أمر ذلك العدو واشتدت شوكته. فكان إذا أخبر بحاله، استخف بأمره، وصغر من شأنه. حتى قيل إنه قد زحف إليك، ووجه جيوشه إلى قرار دارك. فقال: دعوه فليس أمره بشيء.
فلما رأى وزراؤه تهاونه وتراخيه عن أمر عدوه، واستهانته به، اجتمعوا إليه، فقالوا: إن تراخي الملك عن عدوه ليس من سياسة الملك، ولا تدبير المملكة، وقد قرب هذا العدو من قرار دار الملك، وأمره كل يوم في علو.
فقال بهرام: دعوه، فأنا أعلم بضعفه وصغر شأنه منكم.
وأقبل على اللهو واللعب، وترك ما يجب عليه من الصمد لعدوه والقصد له.
فلما دنا عدوه منه، وأشرف عليه، وخاف الوزراء ورؤساء أهل المملكة اجتياحه، اجتمعوا فتآمروا بينهم على توبيخ الملك وتعنيفه وإعلامه ما قد أشرفوا عليه من البوار والهلكة.
وبلغه الخبر، فأمر مائتي جاريةٍ من جواريه، فلبسن الثياب المصبغة المختلفة الألوان، ووضعن على رؤوسهن أكاليل الريحان، وركبن القصب.
وفعل بهرام كما فعلن، فلبس من ثيابهن المصبوغة، وركب قصبةً، وأذن للوزراء فدخلوا عليه. فلما رآهم، صاح بالجواري، فمررن يخطرن، وبهرام خلفهن يغني، وهن يغنين معه، ويصحن ويلعبن.
فلما رأى ذلك وزراؤه، يئسوا منه واجتمعوا على خلعه.
وبلغه الخبر، فدعا جاريةً من خاص جواريه، وقال: لك الويل إن علم أحد من أهل المملكة ما أريد أن أفعل! ثم أمرها أن تحلق رأسه فحلقته. ودعا بمدرعة صوفٍ فتدرعها، وخرج في جوف الليل ومعه قوسه ونشابه.
وتقدم إلى الجارية أن تخفي أمره، وتظهر أنه عليل إلى رجوعه إليها.
ومضى وحده، حتى انتهى إلى طلائع العدو. فكمن في مغارٍ على ظهر الطريق. فجعل لا يمر به طائر في السماء، ولا وحش في البر، إلا وضع سهمه منه حيث أحب.
وجعل يجمع كل ما صاد من ذلك، فجمعه بين يديه حتى صار كالشيء العظيم.
قال: فمر به صاحب طليعة العدو، فنظر إلى أمرٍ بهت له. فأخذه وقال: ويلك! ما أنت، ومن أنت، ومن أين أنت؟ قال: إن أعطيتني الأمان، أخبرتك! قال: فلك الأمان! قال: أنا غلام سائس، وإن مولاي غضب علي - وكان لي محسناً - فأوجعني ضرباً، ونزع ثيابي، وحلق رأسي، وألبسني هذه المدرعة، وأجاعني. وإني طلبت غفلته، فخرجت أطلب شيئاً أصيده فآكله. فما أعجبني كثرة ما صدت، اردت أن أرمي بكل ما معي من هذه السهام، ثم أنصرف.
فأخذه، فحمله إلى الملك، فأخبره بقصته. فقال له الملك: إرم بين يدي! فرمى بين يديه، فكان لا يضع سهمه في طائرٍ ولا غيره إلا أصابه حيث أراد. فبهت الملك، وطال تعجبه. فقال: ويلك! في هذه المملكة من يرمي رمايتك؟ فضحك بهرام، وقال: أيها الملك! أنا أخسهم رمايةً، وأحقرهم قدراً. وعندي جنس آخر من الثقافة.
قال: وما هو؟ قال: ادع لي بإبرٍ.
فدعا له بها. فأخذ إبرةً، فرمى بها على عشرة أذرعٍ، ثم أتبعها بأخرى فشكلها، ثم اتبعها بأخرى فشكلها كذلك، حتى جعلها سلسلةً قد تعلق بعضها ببعض.
فبهت الملك، وملي قلبه رعباً، فقال له: ويلك! ملككم هذا جاهل! أما يعلم أني قد قربت من قرار داره! فضحك بهرام، وقال: إن أعطاني الملك الأمان نصحته. قال: قد أعطيتك الأمان.
(1/38)
________________________________________
قال: إن ملكنا إنما تركك استهانةً بأمرك، وتصغيراً لشأنك، وعلماً بأنك لا تخرج من قبضته. وذلك أني أخس من في دار مملكته، وأخملهم ذكراً. فإذا كنت، وأنا بهذه الحال، أقتل بألفٍ سهمٍ ألف رجلٍ، فما ظنك بالملك، وله مائة ألف عبدٍ في قرار داره، أصغرهم شأناً أكبر مني؟ فقال له الملك: صدقني فيما قلت! ولقد خبرت عن بهرام من تصغيره لشأني، واستخفافه بأمري ما طابق خبرك. وما تركني أبلغ هذا الموضع من ملكه إلا لما ذكرت؟ فأمر عظيم جيشه أن يرتحل من ساعته؛ ونادى في الناس بالرحيل. ثم خرج لا يلوي على شيء، وأطلق بهرام. فانصرف بعد ثالثةٍ، حتى دخل داره ليلاً؛ فلما أصبح، قعد للناس، ودخل عليه الوزراء والعظماء، فقال: ما عندكم من خبر عدونا هذا؟ فأخبروه بانصرافه عنهم. فقال: قد كنت أقول لكم إنه صغير الشأن، ضعيف المنة.
ولم يعلم أحد منهم ما كانت العلة في انصرافه.
مكايد كسرى أبرويز: وكان كسرى أبرويز، بعد بهرام جور، صاحب مكايدٍ وخدع في الحروب، ونكاية في العدو.
وكان قد وجه شهر براز لمحاربة ملك الروم، وكان مقدماً عنده في الرأي والنجدة والبسالة ويمن النقيبة.
فكان شهر براز قد ضيق على ملك الروم قرار داره، وأخذ بمخنقه، حتى هم بمهادنته، ومل محاربته، وطلب الكف عنه. فأبى ذلك عليه شهر براز.
واستعد له ملك الروم بأفضل عدة، وأتم آلة، وأحد شوكة، وتأهب للقائه في البحر.
فجاءه في جمع لا تحصى عدته. قد أعد في البحر كل ما يحتاج إليه من مالٍ وسلاحٍ وكراعٍ وآلةٍ وطعام وغير ذلك، والسفن مشحونة موقرة.
فبينا هو كذلك إذ عصفت ريح في تلك الليالي، فقلعت أوتاد تلك السفن كلها وحملتها إلى جانب شهر براز، فصارت في ملكه.
وأصبح ملك الروم، قد ذهب أكثر ما كان يملك من الأموال والخزائن والعدد والسلاح. فوجه شهر براز بتلك الخزائن والأموال إلى أبرويز. فلما رأى أبرويز ما وجه به شهر براز، كبر في عينه، وعظم في قلبه، وقال: ما نفس أحق بطيب الثناء، ورفيع الدعاء، والشكر على الفعل الظاهر من شهر براز! جادلنا بما لا تسخو به النفوس، ولا تطيب به القلوب! فجمع وزراءه، وأمر بتلك الأموال والخزائن، فوضعت نصب عينيه، ثم قال لوزرائه: هل تعلمون أحداً أعظم خطراً وأمانةً، وأحرى بالشكر من شهر براز؟ فقامت الوزراء، فتكلم كل واحدٍ منهم، بعد أن حمد الله وشكره ومجده، وأثنى على الملك وهنأه، ثم ذكر ما خص الله به الملك من يمن نقيبة شهر براز وعفافه وطهارته ونبله وعظيم عنايته.
حتى إذا فرغوا، أمر بإحصاء تلك الأموال والخزائن. ثم قام أبرويز فدخل إلى نسائه. وكان للملك غلام يقال له رسته، وكان شيء الرأي في شهر براز؛ فقال: أيها الملك! قد ملأ قلبك قليل من كثيرٍ، وصغير من كبير، وتافه من عظيم، خانك فيه شهر براز، وآثر به نفسه. ولئن كان الملك مع رأيه الثاقب، وحزمه الكامل، يظن أن شهر براز أدى الأمانة، لقد بعد ظنه من الحق، وخس نصيبه.
فوقع في نفس أبرويز ما قال رسته، فقال له: ما أظنك إلا صادقاً. فما الرأي عندك؟ قال: تكتب غليه بالقدوم، وتوهمه أن بك حاجةً إلى مناظرته ومشاورته في لم أمرٍ لم تجز الكتابة به، فإنه إذا قدم لم يخلف ما يملك وراءه، إذ كان لا يدري أيرجع إلى ما هناك أم لا؛ فيكون كل ما يقدم به نصب عينيك.
فكتب أبرويز إلى شهر براز يأمره بالقدوم عليه لمناظرته ومشاورته في أمرٍ يدق عن الكتاب والمراسلة.
فلما مضى الرسول، أردفه برسولٍ آخر وكتب إليه: إني كنت كتبت إليك آمرك بالقدوم لناظرك في مهم من أمري. ثم علمت أن مقامك هناك أقدح في عدوك، وأنكى له، وأصلح للملك، وأوفر على المملكة. فأقم، وكن من عدوك، على حذر، ومن غرته على تيقظ. فإنه من ذهب ماله، حمل نفسه على التلف أو الحتف. والسلام! وقال للرسول الثاني: إن قدمت فرأيته قد تأهب للخروج إلي وظهر ذلك في عسكره، فادفع إليه هذا الكتاب.. وكتب: أما بعد، فإني كتبت إليك، وقد استبطأت جواب قدومك وحركتك. وعلمت أن ذلك لأمرٍ تصلحه من أمر نفسك أو مكيدة عدوك. فإذا أتاك كتابي هذا، فخلف أخاك على عملك، وأغذ السير، ولا تعرج على مهم ولا غيره، إن شاء الله.
(1/39)
________________________________________
وإن لم تره استعد للخروج، ولا تأهب له، فادفع إليه الكتاب الأول. فقدم الرسول الثاني، وليس لشهر براز في الخروج وعزم ولا خاطر، ولا هم به. فدفع إليه الكتاب الأول.
فقال شهر براز: أول كل قتلةٍ حيلة.
وكان خليفة شهر براز: بباب الملك قد كتب إليه ما كان من قول رسته للملك، وما كان من جواب الملك له.
ثم نازعت أبرويز نفسه، ودعاه شرهه إلى إعادة الكتاب إلى شهر براز بالقدوم عليه.
فلما قرأ شهر براز كتابه الثالث، قال: كان الأمر قبل اليوم باطناً، فأما اليوم فقد ظهر.
فلما علم أبرويز أن نية شهر براز قد فسدت، وأنه لا يقدم عليه، كتب إلى أخي شهر براز: إني قد وليتك أمر ذلك الجيش، ومحاربة ملك الروم. فإن سلم لك شهر براز ما وليتك، وإلا فحاربه! فلما أتاه كتابه، أظهره، وبعث إلى شهر براز يخبره أن الملك قد ولاه موضعه، وأمره بمحاربته إن أبى أن يسلم إليه ما ولاه.
فقال له شهر براز: أنا أعلم بأبرويز منك. هو صاحب حيلٍ ومكايد، وقد فسدت بيته لي ولك. فإن قتلني اليوم قتلك غداً؛ وإن قتلك اليوم، كان قتلي غداً أقوى.
ثم إن شهر براز صالح ملك الروم، لما خاف أبرويز. وتوثق كل واحدٍ منهما من صاحبه، واجتمعا على محاربة أبرويز. فقال له شهر براز: دعني أتولى محاربته، فإني أبصر بمكايده وعوراته.
فأبى عليه ملك الروم، وقال: بل أقم في دار مملكتي حتى أتولى أنا محاربته بنفسي.
فقال شهر براز: أما إذ أبيت علي، فإني مصور لك صورةً، فاعمل بما فيها، وامتثلها.
ثم صور له كل منزلٍ ينزله بينه وبين أبرويز في طريقه كله، وأي المنازل ينبغي له أن يقيم فيه، وأيها يجعلها طريقاً وسيراً ماضياً، حتى إذا أقامه من طريقه كله على مثل وضح النهار، قال له: فإذا صرت بالنهروان، فأقم دونه، ولا تقطعه غليه، واجعله منزلك، وجهز جيوشك وعساكرك إليه.
فمضى ملك الروم نحوه.
وبلغ أبرويز الخبر، فضاق به ذرعه، وارتج عليه أمره، فكان أكثر جنوده قد تفرقوا لطلب المعاش، لقطعه عنهم ما كان يجب لهم من إقطاعاتهم وأرزاقهم. فبقي في جندٍ كالميت، أكثرهم هزلى أضراء.
وكان ملك الروم يعمل على ما صوره له شهر براز في طريقه كله، حتى إذا أشرف على النهروان، عسكر هناك، واستعد للقاء أبرويز. وقد بلغه قلة جموعه، وتفرق جنوده، وسوء حال من بقي معه. وكان في أربعمائة ألفٍ، قد ضاقت بهم الفجاج والمسالك، فطمع في قتل أبرويز ولم يشك في الظفر به.
فدعا أبرويز رجلاً من النصارى، كان جده قد أنعم على جد النصراني واستنقذه من القتل أيام قتل ماني وكان من أصحابه الذين استجابوا له، فقال له أبرويز: قد علمت ما تقدم من أيادينا عندكم، أهل البيت قديماً وحديثاً.
قال: أجل أيها الملك! وإني لشاكر ذلك لك ولآباءك.
قال: فخذ هذه العصا، وامض بها إلى شهربراز، فأته في قرار ملك الروم، فادفعها إليه من يدك إلى يده.
وعمد إلى عصاً مثقوبةٍ، فأدخل فيها كتاباً صغيراً منه إلى شهر براز: أما بعد، فإني كتبت إليك كتابي هذا واستودعته العصا. فإذا جاءك فحرق دار مملكة الروم، واقتل المقاتلة، واسب الذرية، وانهب الأموال، ولا تتركن عيناً تطرف، ولا أذناً تسمع، ولا قلباً يعي، إلا كان لك فيه حكم. واعلم أني واثب بملك الروم يوم كذا وكذا. فليكن هذا وقتك الذي تعمل فيه ما أمرتك.
قال: وأمر للنصراني بمالٍ، وجهزه، وقال: لا تعرجن على شيءٍ، ولا تقيمن يوماً واحداً. وإياك ثم إياك أن تدفع العصا إلا إلى شهر براز، من يدك إلى يده! ثم ودعه، ومضى النصراني. فلما عبر النهروان، اتفق أن كان عبوره مع وقت ضرب النواقيس. فسمع قرع عشرة آلاف ناقوسٍ أو أكثر. فانهملت عيناه، وقال: بئس الرجل أنا إن أعنت على دين النصرانية، وأطعت أمر هذا الجبار الظالم! فأتى باب ملك الروم، فاستأذن عليه، فأذن لله، فأخبره بقصة أبرويز حرفاً حرفاً، ثم دفع إليه العصا، فأخذها ونظر فيها. ثم استخرج الكتاب منها، فقريء عليه، فنخر وقال: خدعني شهر براز! ولئن وقعت عيني عليه، لأقتلنه! وأمر، فقوضت أبنيته من ساعته؛ ونادى في الناس بالرحيل، وخرج ما يلوي على أحدٍ.
ووجه أبرويز عيناً له يجيئه بخبره؛ فانصرف إليه، فأخبره أن الملك قد مضى ما يلتفت لفتةً، فضحك أبرويز وقال: إن كلمةً واحدةً هزمت أربعمائة ألفٍ لجليل قدرها، ورفيع ذكرها!
(1/40)
________________________________________
وغذ قد انتهينا إلى هذا الموضع من كتابنا هذا، وأخبرنا بأخلاق الملوك في أنفسها وما يجب على رعاياها لها، بقدر وسع طاقتنا، فلنختم كتابنا هذا بذكر من بعثنا على نظمه، وكان مفتاحاً لتأليفه وجمعه.
ولنقل إنا لم نر في صدر هذه الدولة المباركة العباسية، ولا في تاريخها وأيامها إلى هذه الغاية، فتىً اجتمعت له فضائل الملوك وآدابها ومكارمها ومناقبها، فحاز الولاء من هاشمٍ والخصيص من خلفاء بني العباس الطيبين، والتبني من المعتصم بالله، وإخوته الأبرار من أئمة المؤمنين، وورثة خاتم النبيين، عدا الأمير الفتح بن خاقان، مولى أمير المؤمنين.
فلتهنئة هذه النعمة المهداة! وبارك له واهبها، وزاده إليها الدأب عليها حتى يبلغ به ارفع يفاعها، وأسنى ذروتها، وأعلى درجاتها، في طول من العمر، وسلامةٍ من عوادي الزمان وغيره، ونكباته وعثراته، فإنه رحيم كريم!
(1/41)
ومن حق الملك أن لا ينصرف أحد من هذه الطبقات إلى رحله إلا في اليوم الذي كان فيه ينصرف في صحة الملك. وبالحرى ينبغي أن يبرح فناءً سيده ومالكه، انتظاراً لإفاقته من علته، وفحصاً عن ساعات مرضه.
جوائز البطانة
ومن الحق على الملك تعهد بطانته وخاصته بجوائزهم وصلاتهم، إن كان ذلك يكون مشاهرةً أو مساناةً.
ومن أخلاق الملك أن يوكل باد كاره صلاتهم، ولا يحوج أحداً منهم إلى رفع رقعةٍ أو إذكار أو تعريضٍ. فإن هذا ليس من أخلاق المتيقظ من الملوك.
وكانت ملوك آل ساسان يفعلون في هذا فعلاً بقي لهم ذكره إلى هذه الغاية، وإلى انقضاء مدة العالم.
فكان الملك منهم يقدر الرجل من خاصته وبطانته تقديراً وسطاً بين الإسراف والاقتصاد في مؤنة كلها، وحوائجه خاصها وعامها، فإذا كان التقدير على الجهة التي وصفنا، عشرة آلاف درهم في الشهر، وكانت للرجل ضيعة، أمر أن يدفع إليه في كل ثلاثين ليلة عشرة آلاف درهم، لأنزاله ونفقاته وحوائجه.
ويقول له الملك: قد علمنا أن الضيعة التي أفدتها هي مما تقدم من صلاتنا لك، وقد تسلفنا شكر تلك النعمة منك، وليس من العدل أن تكون في خدمتنا، وتكون نفقتك من شيء أفدته بشكرٍ قد تقدم، وحرمة قد تأكدت. فليكن ما أثمرت لك ضيعتك ظهرياً لنوائب الزمان، وتخرم الأيام، وانقلاب الدول، وحوادث الموت، ولتكن مؤنك وكلفك على خاص أموالنا.
وكذلك الطبقات على هذا النظام والإحكام، فيمضي على أحدهم عشرون سنة لا يفتح فاه بطلب درهم ولا غيره، منبسطاً لزمانه، مبتهجاً بنعم ملكه، مسروراً بما يكفي عن التذكار وشكوى الحال.
هدايا المهرجان والنيروز
ومن حق الملك هدايا المهرجان والنيروز.
والعلة في ذلك أنهما فصلا السنة.
فالمهرجان دخول الشتاء وفصل البرد، والنيروز إذن بدخول فصل الحر. إلا أن في النيروز أحوالاً ليست في المهرجان؛ فمنها استقبال السنة، وافتتاح الخراج، وتولية العمال، والاستبدال، وضرب الدراهم والدنانير، وتذكية بيوت النيران، وصب الماء، وتقريب القربان، وإشادة البنيان، وما أشبه ذلك.
فهذه فضيلة النيروز على المهرجان.
ومن حق الملك أن يهدي إليه الخاصة والحامة.
والسنة في ذلك عندهم أن يهدي الرجل ما يحب من ملكه، إذا كان في الطبقة العالية. فإن كان يحب المسك، أهدي مسكاً لا غيره. وإن يحب العنبر، أهدى عنبراً. وإن كان صاحب بزة ولبسة، أهدى كسوةً وثياباً، وإن كان الرجل من الشجعاء والفرسان، فالسنة أن يهدي فرساً أو رمحاً أو سيفاً. وإن كان رامياً، فالسنة أن يهدي نشاباً. وإن كان من أصحاب الأموال، فالسنة أن يهدي ذهباً أو فضةً. وإن كان من عمال الملك، وكانت عليه موانيذ للسنة الماضية، جمعها وجعلها في بدرٍ حريرٍ صيني، وشريحات فضة، وخيوط إبريسم، وخواتيم عنبر، ثم وجهها.
وكذلك، إنما كان يفعل من العمال من أراد أن يتزين بفضل نفقاته أو بفضل عمالته أو أداء أمانته.
وكان يهدى الشاعر الشعر، والخطيب الخطبة، والنديم التحفة والطرفة والباكورة من الخضروات.
(1/31)
________________________________________
وعلى خاصة نساء الملك وجواريه أن يهدين إلى الملك ما يؤثرنه ويفضلنه كما قدمنا في الرجال. غير أنه يجب على المرأة من نساء الملك، إن كانت عندها جارية تعلم أن الملك يهواها ويسر بها، أن تهديها إليه بأكمل حالاتها، وأفضل زينتها، وأحسن هيآتها. فإذا فعلت ذلك، فمن حقها على الملك أن يقدمها على نسائه، ويخصها بالمنزلة، ويزيدها في الكرامة، ويعلم أنها قد آثرته على نفسها، وبذلت له مالا تجود النفس به، وخصته بما ليس في وسع النساء، إلا القليل منهن، الجود به.
ومن حق البطانة والخاصة على الملك، في هذه الهدايا، أن تعرض عليه، وتقوم قيمة عدل.
فإذا كانت قيمة الهدية عشرة آلافٍ، أثبتت في ديوان الخاصة. فإن كان صاحبها ممن يرغب في الفضل، ويذهب إلى الربح، ثم نابته نائبة من مصيبةٍ يصاب بها أو بناءٍ يتخذه، أو مأدبةٍ يأدبها، أو عرسٍ يكون من تزويج ابنٍ، أو إهداء ابنةٍ إلى بعلها، نظر إلى ماله في الديوان وقد وكل بذلك رجل يرعى هذا وما أشبهه ويتعهده، فإذا كانت قيمة الهدية عشرة آلافٍ، أضعفت له ليستعين بها على نائبته.
وإن كان الرجل ممن أهدى نشابةً أو درهماً أو تفاحةً أو أترجة، فإن تلك الهدية إنما قدمها لتثبت له في الديوان، ويخبر الملك إن نابته نائبة. فعلى الملك إعانته عليها، إذا كان من أساورته وبطانته أو محدثيه. فإذا رفع للملك أن له في الديوان نشابةً أو درهماً أو أترجةً أو تفاحةً، أمر الملك أن تؤخذ أترجة، فتملأ دنانير منظومة ويوجه بها إليه.
وكان لا يعطي صاحب التفاحة إلا كما يعطي صاحب الأترجة، وأما صاحب النشابة، فكانت تخرج نشابته من الخزانة، وعليها اسمه، فتنصب ويوضع بإزائها من كسوة الملك ومن سائر الكساء. فإذا ارتفعت حتى توازي نصل النشابة، دعي صاحبها، فدفعت إليه تلك الكسوة.
وكان من تقدمت له هدية في النيروز والمهرجان، صغرت أم كبرت، كثرت أم قلت، ثم لم يخرج له من الملك صلة عند نائبه تنوبه أو حقٍ يلزمه، فعليه أن يأتي ديوان الملك ويذكر بنفسه، وأن ر يغفل عن إحياء السنة ولزوم الشريعة. وإن غفل عن أمره بعارضٍ يحدث، فإن ترك ذلك على عمدٍ، فمن سنة الملك أن يحرمه أرزاقه لستة أشهر، وأن يدفعها إلى عدو، إن كان له. إذ أتى شيئاً فيه شين على الملك، وضعة في المملكة.
وكان أردشير بن بابك، وبهرام جور، وأنوشروان يأمرون بإخراج ما في خزانتهم في المهرجان والنيروز من الكسى فتفرق كلها على بطانة الملك وخاصته، ثم على سائر الناس على مراتبهم.
وكانوا يقولون: إن الملك يستغني عن كسوة الصيف في الشتاء، وعن كسوة الشتاء في الصيف، وليس من أخلاق الملوك أن تخبأ كسوتها في خزائنها، فتساوي العامة في فعلها.
فكان يلبس في يوم المهرجان الجديد من الخز والوشي والملحم. ثم تفرق كسوة الصيف على ذكرنا.
فإذا كان يوم النيروز، لبس خفيف الثياب ورقيقها، وأمر بكسوة الشتاء كلها ففرقت.
ولا نعلم أن أحداً بعدهم اقتفى آثارهم إلا عبد الله بن طاهر، فإني سمعت من محمد بن الحسن بن مصعب يذكر أنه كان يفعل ذلك في النيروز والمهرجان، حتى لا يترك في خزائنه ثوباً واحداً إلا كساه. وهذا من أحسن ما حكي لنا من فضائله.
لهو الملوك وشربهم
ومن أخلاق الملوك اللهو.
غير أن أسعدهم من جعل للهوه وقتاً واحداً، وأخذ نفسه بذلك. فإنه إذا فعل ذلك، استطاب اللهو والهزل والمفاكهة. وإذا أدمن ذلك خرج به اللهو من بابه، حتى يجعله جداً لا هزل فيه، وحقاً لا باطل معه، وخلقاً لا يمكنه الانصراف عنه.
وليس هذا صفة الملك السعيد.
ومن أدمن شيئاً من ملاذ الدنيا، لم يجد له من اللذة وجود القرم النهم المشتاق.
وهذا قد نراه عياناً. وذلك أن ألذ الطعام وأطيبه ما كان على جوع شديدٍ، وألذ الجماع وأطيبه إذا اشتد الشبق وطالت العزبة، وألذ النوم وأهنأه ما كان بعقب التعب والسهر.
وعلى هذا جميع ملاذ الدنيا.
فالملوك الماضية إنما جعلت للملاذ وقتاً واحداً من اليوم والليلة، لهذه الفضيلة التي فيها.
فعلى الملك السعيد أن يقسم يومه أقساماً: فأوله لذكر الله تعالى وتعظيمه وتهليله؛ وصدره لرعايا وإصلاح أمرها؛ ووسطه لأكله ومنامه، وطرفه للهوه وشغله. وأن لا يثابر على إدمان الشغل في كل يوم. وإن طالت هذه الأقسام بمواضعها، فلا يجد للهو لذته، ولا للنعيم موضعه الذي هو به.
(1/32)
________________________________________
وكانت الملوك الماضية من الأكاسرة تشرب في كل ثلاثة أيامٍ يوماً، إلا بهرام جور والأردوان الأحمر وسابور؛ فإنهم كانوا يدمنون الشرب في كل يوم.
وكان ملوك العرب، كالنعمان، وملوك الحيرة، وملوك الطوائف، أكثرها يشرب في كل يومٍ وليلةٍ، مرةً.
وكان ملوك الإسلام، من يدمن على شربه، يزيد بن معاوية. وكان لا يمسي إلا سكران، ولا يصبح إلا مخموراً.
وكان عبد الملك بن مروان يسكر في كل شهر مرةً، حتى لا يعقل في السماء هو أو في الماء، ويقول: إنما أقصد في هذا إلى إشراق العقل، وتقوية منة الحفظ، وتصفية موضع الفكر.
غير أنه كان إذا بلغ آخر هذا السكر، أفرغ ما كان في بدنه حتى لا يبقى في أعضائه منه شيء؛ فيصبح خفيف البدن ذكي العقل والذهن، نشيط النفس، قوي المنة.
وكان الوليد بن عبد الملك يشرب يوماً، ويدع يوماً.
وكان سليمان بن عبد الملك يشرب في كل ثلاث ليالٍ، ليلةً.
ولم يشرب عمر بن عبد العزيز منذ أفضت إليه الخلافة إلى أن فارق الدنيا، ولا سمع غناءً.
وكان هشام يسكر في كل جمعة.
وكان يزيد بن الوليد والوليد بن يزيد يدمنان اللهو والشرب. فأما يزيد بن الوليد، فكان دهره بين حالين، بين سكر وخمارٍ؛ ولا يوجد أبداً إلا ومعه إحدى هاتين.
وكان مروان بن محمد يشرب ليلة الثلاثاء، وليلة السبت.
وكان أبو العباس السفاح يشرب عشية الثلاثاء وحدها، دون السبت.
وكان المهدي والهادي يشربان يوماً، ويدعان يوماً.
وكان الرشيد يشرب ظاهراً، إلا أنه كان يقعد هذين اليومين لندمائه.
وكان المأمون في أول أيامه يشرب الثلاثاء والجمعة؛ ثم أدمن الشرب عند خروجه إلى الشام في سنة خمس عشرة ومائتين، إلى أن توفي.
وكان المعتصم لا يشرب يوم الخميس، ولا يوم الجمعة.
وكان الواثق ربما أدمن الشرب، وتابعه. غير أنه لم يكن يشرب في ليلة الجمعة ولا يومها.
لبس الملوك وتطيبهم: وأخلاق الملوك تختلف في اللبسة والطيب. فمن الملوك من كان لا يلبس القميص إلا يوماً واحداً أو ساعةً واحدةً. فإذا نزعه، لم يعد إلى لبسه.
ومنهم من كان يلبس القميص والجبة أياماً، فإذا ذهب رونقه، رمى به فلم يلبسه بعد.
فأما أردشير بن بابك، ويزدجرد، وبهرام، وكسرى أبرويز، وكسرى أنوشروان، وقباذ، فإنهم كانوا يلبسون القميص، ويغسل لهم، ثم يلبسونه ويغسل لهم. فإذا غسل ثلاث عركاتٍ لم يغسل بعدها، وجعل في الخلع التي تخلع على الولد والقرابات والعم وابن العم والأخ وابن الأخ. ولم يكونوا يخلعون ما قد لبسوه إلا على القرابات من أهل بيت المملكة خاصةً، لا يجاوزونهم إلى غيرهم. فأما الخلع التي تقطع وتتخذ للطبقات وسائر الناس، فتيك صنف آخر.
وكان ملوك العرب، منهم من يلبس القميص مراراً، ويغسل له غسلاتٍ: معاوية وعبد الملك وسليمان وعمر بن عبد العزيز وهشام ومروان بن محمدٍ وأبو العباس وأبو جعفر والمأمون.
فأما يزيد بن معاوية، والوليد بن يزيد، ويزيد بن الوليد، والمهدي والهادي والرشيد والمعتصم والواثق، فإنهم كانوا لا يلبسون القميص إلا لبسةً واحدةً، إلا أن يكون الثوب نادراً معجباً غريباً.
فأما الجباب والأردية، فلم تزل الملوك تلبسها السنة أو أكثر أيام السنة، ومنهم من كان يلبس الجبة والمطرف، السنين الكثيرة.
وليس الجباب والأردية، كالقميص والسراويل، لأن القميص والسراويل هما الشعار، وسائر الثياب الدثار. ولذلك كره من كره إعادة لبسها.
وأخلاق الملوك في البطر ومس الطيب وتغلل الغالية تختلف.
فمن الملوك من إذا مس الطيب وتغلل بالغالية، لم يعد إلى مس طيبٍ ما دام عبقها في ثوبه.
ومن الملوك من كان إذا مس الطيب، وتغلل بالغالية، فتضوعت منه وعلقت بثيابه، أمر بصب ماء الورد على رأسه حتى يسيل. فإذا كان من غدٍ، فعل مثل ذلك.
فأما من كان لا يمس طيباً ما دام يجد عبق الطيب في ثيابه: فأردشير بن بابك، وقباذ بن فيروز بن يزدجرد، وكسرى ابرويز، وكسرى أنوشروان؛ ومن ملوك العرب: معاوية وعبد الملك والوليد وسليمان وعمر بن عبد العزيز وهشام ومروان بن محمد؛ ومن خلفاء بني العباس، وأبو جعفر، والمأمون.
وكان المعتصم قلما يمس الطيب. وكان يذهب في ذلك إلى تقوية بدنه وإعانته على شدة البطش والأيد. وأما في أيام حروبه، فكان من دنا منه، وجد رائحة صدأ السلاح والحديد من جسمه.
(1/33)
________________________________________
زيارة الملوك لأخصانهم
ومن أخلاق الملوك الزيارة لمن خص بالتكرمة منهم وآثروه المنزلة ورفع المرتبة.
وزيارة الملك على أربعة أقسام: فمنها الزيارة للمطاعمة والمنادمة، ومنها الزيارة للعيادة، ومنها الزيارة للتعزية في المصيبة، ومنها الزيارة للتعظيم فقط.
وأكبر هذه الأقسام وأرفعها ذكراً الزيارة للتعظيم. لأن هذه الأقسام الثلاثة أكثر ما تقع وتتفق بسؤال المزور الملك، وتلطفه في ذلك.
وربما رفع الملك مرتبة الوزير، وخصه، وقدمه على سائر بطانته، فيكون من حيل الوزير أن يتعالل فيعوده الملك، فيظهر للعامة منزلته عنده وتكرمته إياه وإيثاره له.
وأيضاً، فقل ملك سأله وزيره أو صاحب جيشه أو أحد عظمائه زيارته إلا أجابه إلى ذلك، ولا سيما إذا علم أن غرضه في ذلك الزيارة في المرتبة، والتنويه بالذكر.
فإذا كانت الزيارة من الملك على أحد هذه الأقسام الثلاثة، فهي منزلة كان صاحبها يحاولها فبلغها، وأمنية طلبها فأدركها.
فأما الزيارة للتعظيم، فإنها لا تقع بسؤالٍ، ولا بإرادة المزور، إذ كان ليس من أخلاق وزيرٍ ولا شريفٍ أن يقول للملك: زرني لتعظمني، ولترفع في الناس من ذكري وقدري.
فإذا كان ذلك من الملك ابتداءً، فقد علمنا أن تلك أرفع مراتب الوزراء، وأفضل درجات الأشراف.
وكان أردشير وأنوشروان إذا زار وزيراً من وزرائهما أو عظيماً من عظمائها للتعظيم لا لغيره، أرخت الفرس تلك الزيارة، وخرجت بذلك التاريخ كتبهم إلى الآفاق والأطراف.
وكانت سنة من وزاره الملك للتعظيم أن توغر ضياعه، وتوسم خيله ودوابه، لئلا تسخر، ولا تمتهن. ويأتيه خليفة صاحب الشرطة في كل يوم مع ثلاثمائة راكبٍ ومائة راجلٍ، يكون بابه إلى غروب الشمس. فإن ركب كانت الرجالة مشاةً أمامه والركبان من خلفه. ولا يحبس أحد من حامته وخاصته لجنايةٍ جناها، ولا يحكم على أحدٍ من عبيده بحكمٍ، وإن وجب على أحدٍ من بطانته حد، وجه به إليه ليرى فيه رأيه، ويؤخر عليه وظيفة ما عليه من خراج أرضه حتى يكون هو الحامل له، وتقدم هداياه في النيروز والمهرجان على كل هدية، وتعرض على الملك، ويكون أول من يأذن له الحاجب، ويكون من الملك، إذا ركب عن يمينه، منزوياً، وتكون مرتبته إذا قعد عن يمينه، وإذا خرج من دار المملكة، لم يقعد بعده أحد.
وكانت ملوك آل ساسان لا تزور أحداً لعلةٍ من هذه العلل التي قدمنا ذكرها، فينصرف بخلعه أو طيبٍ أو تحفةٍ أو هديةٍ من جاريةٍ أو غلام. غير أنه كان إذا نزل الملك، وطأ لرجله فرساً رائعاً بسرج مذهبٍ، وأداةٍ تامة، فقدم إليه إذا أراد الانصراف.
فكان الأمر كذلك، حتى ملك بهرام بن يزدجرد. فكان ينادم الاساورة من أبناء أهل الشرف، فيخلع عليه في كل ساعةٍ خلعة مجددة، ويشتهي الزامرة والمغنية والرقاصة، فيأخذها. وكان أول من أطلق يده في ذلك، لغلبة اللهو علي، وإيثاره هواه.
فأما من كان من ملوكهم، فعلى الأمر الذي ذكرنا، والحكاية التي أدينا.
استقبال الملوك للناس في الأعياد
ومن أخلاق الملك القعود للعامة يوماً في النيروز، ولا يحجب عنه أحد في هذين اليومين من صغير ولا كبير، ولا جاهلٍ ولا شريف.
وكان الملك يأمر بالنداء قبل قعوده بأيام، ليتأهب الناس لذلك، فيهيئ الرجل القصة، ويهيئ الآخر الحجة في مظلمته، ويصالح الآخر صاحبه إذا علم أن خصمه يتظلم منه إلى الملك. فيأمر الموبذ أن يوكل رجالاً من ثقات أصحابه، فيقفون بباب العامة، فلا يمنع أحد من الدخول على الملك.
وينادي مناديه: من حبس رجلاً عن رفع مظلمته، فقد عصى الله، وخالف سنة الملك، ومن عصى الله، فقد أذن بحربٍ منه، ومن الملك.
ثم يؤذن للناس، وتؤخذ رقاعهم فينظر فيها. فإن كان فيها شيء يتظلم فيه من الملك، بدي به أولاً، وقدم على مظلمة. ويحضر الملك الموبذ الكبير والدبيربذ ورأس سدنة بيوت النار، ثم يقوم المنادي فينادي: ليعتزل كل من تظلم من الملك. فيمتازون.
(1/34)
________________________________________
ويقوم الملك مع خصومه حتى يجثو بين يدي الموبذ فيقول له: أيها الموبذ، إنه ما من ذنبٍ أعظم عند الله من ذنب الملوك! وإنما خولها الله تعالى رعاياها لتدفع عنها الظلم، وتذب عنه بيضة الملك جور الجائرين، وظلم الظالمين. فإذا كانت هي الظالمة الجائرة، فحق لمن دونها هدم بيوت النيران، وسلب ما في النواويس من الأكفان. ومجلسي هذا منك، وأنا عبد ذليل، يشبه مجلسك من الله غداً، فإن آثرت الله آثرك، وإن آثرت الملك عذبك.
فيقول له الموبذ: إن الله إذا أراد سعادة عباده، اختار لهم خير أهل أرضه. فإذا أراد أن يعرفهم قدره عنده، أجرى على لسانه ما أجرى على لسانك.
ثم ينظر في أمره، وأمر خصمه بالحق والعدل. فإن صح على الملك شيء، أخذه به، وإلا حبس من ادعى عليه باطلاً، ونكل به، ونودي عليه: هذا جزاء من أراد شين الملك، وقدح في المملكة.
فإذا فرغ الملك من مظالمه في نفسه، قام فحمد الله ومجده طويلاً، ثم وضع التاج على رأسه، وجلس على سرير الملك، والتفت إلى قرابته وحامته وخاصته، وقال: إني لم أبدأ بنفسي فأنصف منها إلا لئلا يطمع طامع في حيفي. فمن كان قبله حق، فليخرج إلى خصمه منه، إما بصلحٍ وإما بغيره.
فكان أقرب الناس إلى الملك في الحق كأبعدهم، وأقواهم كأضعفهم.
فلم يزل الناس على هذا في عهد أردشير بن بابك ثم هلم جراً، حتى ملكهم يزدجرد الأثيم، وهو النحس البارتكر. فغير سنن آل ساسان، وعاث في الإرض، وظلم الرعايا، وأظهر الجبرية والفساد، وقال: ليس للرعية أن تنتصب من الراعي، ولا للسوقة أن تتظلم من الملوك، ولا للوضيع أن يساوي الرفيع في حق ولا باطل.
عقوبة الملك الظالم
فذكرت الأعاجم في كتبها وسير ملوكها أنه بينا هو قاعد في الإيوان، والناس على طبقاتهم ومراتبهم، إذ دخل من باب الإيوان فرس مسرج ملجم، لم ير قط شيء أحسن منه منظراً، ولا أكمل أداةً. فأهوى نحو يزدجرد الأثيم. فقامت إليه الاساورة لتدفعه عنه، فجعل لا يدنو منه أحد إلا رمحه فأرداه، وهو في خلال ذلك يقصد إلى الملك، فقام إليه يزدجرد، وقال للأساورة: دعوه، فإنه إلي يقصد.
فدنا منه حتى أخذ بمعرفته، فذل له الفرس، وتطامن حتى ركبه. فلما جال في متنه، خطا به خطىً، ثم رده إلى قرار مجلسه، فنزل عنه، وجعل يمسحه بيده، مقبلاً ومدبراً. حتى إذا وجد الفرس منه ممكناً وغفلةً، رمحه فأصاب حبة قلبه، فقتله. فقالت الفرس: هذا ملك من الملائكة، جعله الله في صورة فرس، فبعثه لقتل يزدجرد، لما ظلم الرعية، وعاث في الأرض.
وكان بهرام جور بن يزدجرد في حجر النعمان بن المنذر، ملك الحيرة، وضعه أبوه عنده ليتأدب بآداب العرب، ويعرف أيامها وأخبارها ولغاتها فبلغه خبر أبيه، وأن الفرس ملكت عليها رجلاً ليس من أبناء ملوكها. فاستنهض النعمان بن المنذر واستنجده، وقال: إن لي عليك حقاً، إذ كنت أحد أولادك. وإن أبي قد مات، وملكت الفرس رجلاً من غير بيت الملك. فإن أنت خذلتني، ذهب ملك آل ساسان. فقال له النعمان: ما أ وآل ساسان، وهم الملوك وأنا رعية؟ ولكني أخرج معك في جيشي لتقوى نيتك، وتصح عزمتك. ثم أنت أولى بقومك، وهم أولى بك. قال: فهذا أريد.
فخرج النعمان مع بهرام حتى صار بالمداين، وبلغ الفرس قدومهما، فخرجوا إلى بهرام، فقالوا: ما تريد؟ فقال: ملك أبي وإرث آل ساسان.
قالوا: إن أباك سامنا العذاب أيام مدته، فانفرد الله بقتله. فلا حاجة لنا في أحدٍ من عقبه.
فقال بهرام: إن جور أبي وظلمه لا يلزمني لائمةً، ولا يكسبني ذماً. وأنتم لم تخبروني، فيجب علي حمد أو ذم.
قالوا: فإنا قد أقمنا رجلاً نرضاه.
فقال: إن هذا فساد في صلب الملكة أن تملكوا من ليس من أهلها. فإذا فعلتم، فامتحنوني وهذا الرجل محنةً توجب المملكة.
قالوا: وما هي؟ قال: تعمدون إلى أسدين ضاريين فتجمعونهما في موضعٍ واحدٍ، وتضعون تاج المملكة بينهما، وتقولون لهذا الذي ملكتموه أمركم يأخذ من بينهما، فإن فعل فهو أحق بالملك وأولى. وإن أبى أن يفعل، وفعلت أنا ذلك، كنت أحق بالملك منه.
قالوا: نعرض عليه هذا.
فقالوا ذلك له، فقال: ما أقدر على هذا، ولكن قولوا له فليفعل. فإن أخذ التاج من بين الأسدين، فهو أحق بالملك وأولى.
فأخذوا التاج، وعمدوا إلى أسدين فأجاعوهما، ثم وضعوا التاج بينهما، وقالوا لبهرام: شأنك!.
(1/35)
________________________________________
فنزل بهرام عن فرسه، وأخذ الطبرزين ومضى نحوهما. ثم بدا له، فجعل الطبرزين في منطقته؛ ودنا من الأسدين، فأهويا نحوه، فأخذ برأس أحدهما فأدناه من رأس الآخر ثم نطحه به حتى قتلهما جميعاً. وشد على التاج، فأخذه من موضعه، فجعله على رأسه.
فملكته الفرس أمرهم، وانصرف النعمان إلى الحيرة، وسار بهرام سيرةً حسنةً، وعدل فيهم، حتى كان أحب إليهم من جميع ملوك آل ساسان.
إلا أن اللهو واللعب كان أغلب أحواله عليه.
استقصاء أحوال الرعية
ومن أخلاق الملك السعيد البحث عن سرائر خاصته وحامته، وإذكاء العيون عليهم خاصةً، وعلى الرعية عامة.
وإنما سمي الملك راعياً، ليفحص عن دقائق أمور الرعية وخفي نياتهم. ومتى غفل الملك عن فحص أسرار رعيته، والبحث عن أخبارها، فليس له من اسم الراعي إلا رسمه، ومن الملك إلا ذكره.
فأما الملك السعيد، فمن أخلاقه البحث عن كل خفي ودفين حتى يعرفه معرفة نفسه عند نفسه، وأن لا يكون شيء أهم ولا أكبر في سياسته ونظام ملكه من الفحص عما قدمنا ذكره.
ولم ير ملك قط كان أعجب في هذا الأمر من أردشير بن بابك. ويقال إنه كان يصبح فيعلم كل شيء بات عليه من كان في قصبه دار مملكته من خيرٍ أو شر، ويمسي فيعلم كل شيءٍ أصبحوا عليه. فكان متى شاء قال لأرفعهم وأوضعهم: كان عندك في هذه الليلة كيت وكيت.
ثم يحدثه بكل ما كان فيه إلى أن أصبح.
فقال إن بعضهم كان يقول إنه كان يأتيه ملك من السماء، فيخبره. وما كان ذلك إلا لتيقظه وكثرة تعهده لأمور رعيته.
ثم كان فيمن نأى من أهل مملكته على مثل هذه الحال.
فيقال إن الأمم كلها، أولها وآخرها، وقديمها وحديثها، لم تخف أحداً من ملوكها، خوفها أردشير بن بابك من ملوك الأعاجم، ومن كان قبلهم، وعمر بن الخطاب من خلفاء الإسلام.
فإن عمر كان علمه بمن نأى عنه من عماله ورعيته كعلمه بمن بات معه في مهادٍ واحدٍ، وعلى وسادٍ واحد. فلم يكن له في قطر من الأقطار، ولا ناحية من النواحي عامل ولا أمير جيشٍ إلا وعليه له عين لا يفارقه ما وجده. فكانت ألفاظ من بالمشرق والمغرب عنده في كل ممسً ومصبح.
وأنت ترى ذلك في كتبه إلى عماله وعمالهم، حتى كان العامل منهم ليتهم أقرب الخلق إليه، وأخصهم به. فساس الرعية سياسة أردشير بن بابك في الفحص عن أسرارها خاصةً.
ثم اقتفى معاوية فعله، وطلب أثره، فانتظم له أمره، وطالت له مدته.
وكذا كان زياد ابن أبيه يحتذي فعل معاوية، كاحتذاء معاوية فعل عمر.
وفيما يحكى عنه أن رجلاً كلمه في حاجةٍ له، فتعرف إليه، وهو يظن أنه، لا يعرفه، فقال: أصلح الله الأمير! أنا فلان بن فلان.
فتبسم زياد وقال: تتعرف إلي، وأنا أعرف منك بأبيك؟ والله إني لأعرفك وأعرف أباك وجدك وأمك وجدتك، وأعرف هذا البرد الذي عليك، وهو لفلان بن فلان.
فبهت الرجل وأرعب حتى أرعد، وكاد يغشى عليه.
وعلى هذا كان عبد الملك بن مروان، والحجاج بن يوسف.
ثم لم يكن بعد هؤلاء أحد في مثل هذه السياسة حتى ملك المنصور. فكان أكثر الأمور عنده معرفة أحوال الناس، حتى عرف الولي من العدو، والمداجي من المسالم. فساس الرعية ولبسها، وهو من معرفتها على مثل وضح النهار.
ثم درست هذه السياسة حتى ملك الرشيد، فكان أشد الملوك بحثاً عن أسرار رعيته، وأكثرهم بها عنايةً، وأحزمهم فيها أمراً.
وعلى نحو هذا كان المأمون أيامه. والدليل على ما قلنا فيه ما شاهدنا من رسالته إلى اسحق بن إبراهيم في الفقهاء وأصحاب الحديث، وهو بالشأم. خبر فيها عن عيب واحدٍ واحدٍ، وعن حالته وأموره التي خفيت، أو أكثرها، عن القريب والبعيد.
ثم ما علمت أن أحداً ممن كان دون السلطان الأعظم في دهرنا هذا كان أشد على الأسرار بحثاً وأكثر لها فحصاً، حتى بلغ من هذا الجنس أقصى حده، وآخر نهايته، وأبعد مداه، وجعله أكثر شغله في ليله ونهاره، إلا اسحق بن إبراهيم.
فحدثني موسى بن صالح بن شيخ، قال: كلمته في امرأةٍ من بعض أهلنا، وسألته النظر لها، فقال: يا أبا محمد! من قصة هذه المرأة ومن حالها ومن فعلها.
قال: فوالله! لم يزل يصفها ويصف أحوالها حتى بهت.
وحدث أبو البرق الشاعر، قال: كان يجري علي أرزاقاً، فدخلت عليه، فقال بعد أن أنشدته: كم عيالك؟ تحتاج في كل شهرٍ من الدقيق إلى كذا ومن الحطب إلى كذا.
(1/36)
________________________________________
فأخبرني بشيءٍ من أمر منزلي مما جهلت بعضه، وعلمه كله.
وحدثني بعض من كان في ناحيتة، قال: رفعت إليه رقعةً أسأله فيها إجراء أرزاقي.
فقال: كم عيالك؟ فزدت في العدد. فقال: كذبت! فبهت، وقلت في نفسي: يا نفس، من أين علم أني كذبت؟ فأقمت سنةً، لا أجتري على كلامه. ثم رفعت إليه رقعةً أخرى في إجراء أرزاقي. فقال: كم عيالك؟ فقلت: أربعة.
فقال: صدقت فوقع في حاشية رقعتي: يجرى على عياله كذا وكذا.
ولولا أن يطول كتابنا في إسحاق وذكره، لحكينا عنه أخباراً كثيرةً، وهي من هذا الجنس، وفيما ذكرناه كفاية.
فعلى الملك أن يميز بين أوليائه وأعدائه بالفحص عن أسرارهم ودقيق أخبارهم، حتى إن أمكنه أن يعرف مبيت أحدهم ومقيله، وما أحدث فيهما، فعل.
فإن الرعية لا تسكن قلوبها جلالة ملكها، ولو عبدته الجن والإنس ودانت له ملوك الأمم كلها، حتى يكون أشد إشرافاً عليها، وأكثر بحثاً عن سرائرها من أم الفريد عن حركته وسكونه.
خصال تطول بها مدة الملك: وأيضاً فإنه يقال في بعض كتب الأوائل في مواعظ الملوك وآدابها: إن الملك تطول مدته إذا كانت فيه أربع خصال: إحداهما: أنه لا يرضى لرعيته إلا ما يرضاه لنفسه، والأخرى: أن لا يسوف عملاً يخاف عاقبته، والأخرى: أن يجعل ولي عهده من ترضاه وتختاره رعاياه، لا من تهواه نفسه، والرابعة: أن يفحص عن أسرار الرعية، فحص المرضع عن منام رضيعها.
وقد تجد مصداق هذا القول ونشهد به. وذلك أنا لم نر مدةً طالت لملك عربي ولا عجمي قط إلا لمن فحص عن الأسرار، وبحث عن خفي الأخبار، حتى يكون في أمر رعيته على مثل وضح النهار.
الملوك أمام الأمور الجليلة
ومن أخلاق الملك، إذا دهمه أمر جليل من فتق ثغر، أو قتل صاحب جيشٍ، أو ظهور عدو يدعو إلى خلاف الملة، أو قوة مناويءٍ، أن يترك الساعات التي فيها لهوه، ويجعلها وسائر الساعات في تدبير مكايدة عدوه، وتجهيز جنوده وجيوشه، وأن يصرف في ذلك شغله وفكره وفراغه على مثل ما فعل من مضى من ملوك الأعاجم وغيرها، للتسويف والتمني وحسن الظن بالأيام نصيباً.
فإن هذا عجز من الملك، ووهن يدخل على الملك.
وكانت ملوك الأعاجم، إذا حزبها مثل هذا، أمرت بالموائد التي كانت توضع في كل يوم أن ترفع وظائفها، واقتصرت على مائدةٍ لطيفةٍ، ورأس الأساورة.
فلا يوضع عليها إلا الخبز والملح، والخل والبقل، فيأخذ منه شيئاً هو ومن معه، ثم يأتيه الخباز بالبرماورد في طبقٍ، فيأكل منه لقمةً؛ ثم يرفع المائدة، ويتشاغل بتدبير حربه، وتجهيز عساكره. ولا تزال هذه حاله حتى يأتيه عن ذلك الفتق ما يرتقه، وعن ذلك العدو ما يحب. فإذا أتاه، أمر أن يتخذ له طعام مثل طعامه الأول، وأمر الخاصة والعامة بالحضور. وقامت الخطباء أولاً بالتهنئة له، والتحميد لله تعالى بالفتح عليه والنصر له. ثم قام الموبذ فتكلم، ثم الوزراء بنحوٍ من كلام الخطباء. ثم مد الناس أيديهم إلى الأطعمة على مراتبهم؛ فإذا فرغوا، بسط للعامة في ظهر الإيوان، وللخاصة في صحنه بحضرة الملك؛ وقعد صاحب الشرطة للعامة، كقعود الملك للخاصة. ثم دعا بالمغنين وأصحاب الملاهي.
وكانوا يقولون: إن حق شكر النعمة أن يرى أثرها.
وكانت الخلفاء والأمراء، إذا دهمهم أمر، فزعوا إلى المنابر، وحرضوا الناس على الطاعة، ولزوم الجماعة.
وفيما يذكر عن معاوية أنه قال: ما ذقت أيام صفين لحماً ولا شحماً ولا حلواً ولا حامضاً؛ ما كان إلا الخبز والجبن وخشن الملح، إلى أن تم لي ما أردته.
ويحكى عن عبد الملك بن مروان أن صاحب إفريقية أهدى إليه جاريةً تامة المحاسن، شهية المتأمل.
قال: فلما أن دخلت على عبد الملك بن مروان، نظر إليها، وفي يده قضيب خيزران. فصعد ببصره إليها وصوبه، ثم رمى بالقضيب، وقال: رديه علي.
فولت. فنظر إليها مقبلةً ومدبرةً، فقال: أنت والله أمنية المتمني.
قالت: فما يمنعك يا أمير المؤمنين، إذ كانت هذه صفتي عندك؟ قال: بيت الأخطل:
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء، ولو باتت بأطهار
وكان هذا في خروج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث. ثم أمر بها أن تصان وتخدم. فلما فتح عليه، كانت أول جاريةٍ دعا بها.
(1/37)
________________________________________
ويحكى عن مروان بن محمد الجعدي أنه أقام ثلاثين شهراً، لم يطأ جاريةً إلى أن قتل. وكان إذا استهدفت إليه الجارية، قال: إليك عني! فوالله لا دنوت من أنثى، ولا حللت لها عقد حبوتي، وخراسان ترجف بنصر، وأبو مجرمٍ قد أخذ منه بالمخنق.
الحرب خدعة
ومن أخلاق الملوك المكايدة في حروبها.
ولذلك كان يقال: ينبغي للملك السعيد أن يجعل المحاربة آخر حيله، فإن النفقة في كل شيء إنما هي من الأموال، والنفقة في الحروب إنما هي من الأنفس. فإن كان للحيل محمود عاقبةٍ، فذلك بسعادة الملك، إذا ربح ماله، وحقن دماء جيوشه. وإن أعيت الحيل والمكايد، كانت المحاربة من وراء ذلك.
فاسعد الملوك من غلب عدوه بالحيلة والمكر والخديعة.
وقد روينا عن نبينا، صلى الله عليه وسلم، ما يحقق هذا، ويؤكده بقوله: الحرب خدعة.
وليس لأحدٍ من الخدع ما لملوك الأعاجم. والأخبار في ذلك عنهم كثيرة. ولكنا نقتصر من ذلك على حديثٍ أو حديثين.
فمن ذلك ما يذكر عن بهرام جور أنه لما ملك بعد أبيه يزدجرد، بلغه أن ناحية من نواحي أطرافه قد أخذت، وغلب عليها العدو. فاستخف بها وأظهر الاستهانة به، حتى قوي أمر ذلك العدو واشتدت شوكته. فكان إذا أخبر بحاله، استخف بأمره، وصغر من شأنه. حتى قيل إنه قد زحف إليك، ووجه جيوشه إلى قرار دارك. فقال: دعوه فليس أمره بشيء.
فلما رأى وزراؤه تهاونه وتراخيه عن أمر عدوه، واستهانته به، اجتمعوا إليه، فقالوا: إن تراخي الملك عن عدوه ليس من سياسة الملك، ولا تدبير المملكة، وقد قرب هذا العدو من قرار دار الملك، وأمره كل يوم في علو.
فقال بهرام: دعوه، فأنا أعلم بضعفه وصغر شأنه منكم.
وأقبل على اللهو واللعب، وترك ما يجب عليه من الصمد لعدوه والقصد له.
فلما دنا عدوه منه، وأشرف عليه، وخاف الوزراء ورؤساء أهل المملكة اجتياحه، اجتمعوا فتآمروا بينهم على توبيخ الملك وتعنيفه وإعلامه ما قد أشرفوا عليه من البوار والهلكة.
وبلغه الخبر، فأمر مائتي جاريةٍ من جواريه، فلبسن الثياب المصبغة المختلفة الألوان، ووضعن على رؤوسهن أكاليل الريحان، وركبن القصب.
وفعل بهرام كما فعلن، فلبس من ثيابهن المصبوغة، وركب قصبةً، وأذن للوزراء فدخلوا عليه. فلما رآهم، صاح بالجواري، فمررن يخطرن، وبهرام خلفهن يغني، وهن يغنين معه، ويصحن ويلعبن.
فلما رأى ذلك وزراؤه، يئسوا منه واجتمعوا على خلعه.
وبلغه الخبر، فدعا جاريةً من خاص جواريه، وقال: لك الويل إن علم أحد من أهل المملكة ما أريد أن أفعل! ثم أمرها أن تحلق رأسه فحلقته. ودعا بمدرعة صوفٍ فتدرعها، وخرج في جوف الليل ومعه قوسه ونشابه.
وتقدم إلى الجارية أن تخفي أمره، وتظهر أنه عليل إلى رجوعه إليها.
ومضى وحده، حتى انتهى إلى طلائع العدو. فكمن في مغارٍ على ظهر الطريق. فجعل لا يمر به طائر في السماء، ولا وحش في البر، إلا وضع سهمه منه حيث أحب.
وجعل يجمع كل ما صاد من ذلك، فجمعه بين يديه حتى صار كالشيء العظيم.
قال: فمر به صاحب طليعة العدو، فنظر إلى أمرٍ بهت له. فأخذه وقال: ويلك! ما أنت، ومن أنت، ومن أين أنت؟ قال: إن أعطيتني الأمان، أخبرتك! قال: فلك الأمان! قال: أنا غلام سائس، وإن مولاي غضب علي - وكان لي محسناً - فأوجعني ضرباً، ونزع ثيابي، وحلق رأسي، وألبسني هذه المدرعة، وأجاعني. وإني طلبت غفلته، فخرجت أطلب شيئاً أصيده فآكله. فما أعجبني كثرة ما صدت، اردت أن أرمي بكل ما معي من هذه السهام، ثم أنصرف.
فأخذه، فحمله إلى الملك، فأخبره بقصته. فقال له الملك: إرم بين يدي! فرمى بين يديه، فكان لا يضع سهمه في طائرٍ ولا غيره إلا أصابه حيث أراد. فبهت الملك، وطال تعجبه. فقال: ويلك! في هذه المملكة من يرمي رمايتك؟ فضحك بهرام، وقال: أيها الملك! أنا أخسهم رمايةً، وأحقرهم قدراً. وعندي جنس آخر من الثقافة.
قال: وما هو؟ قال: ادع لي بإبرٍ.
فدعا له بها. فأخذ إبرةً، فرمى بها على عشرة أذرعٍ، ثم أتبعها بأخرى فشكلها، ثم اتبعها بأخرى فشكلها كذلك، حتى جعلها سلسلةً قد تعلق بعضها ببعض.
فبهت الملك، وملي قلبه رعباً، فقال له: ويلك! ملككم هذا جاهل! أما يعلم أني قد قربت من قرار داره! فضحك بهرام، وقال: إن أعطاني الملك الأمان نصحته. قال: قد أعطيتك الأمان.
(1/38)
________________________________________
قال: إن ملكنا إنما تركك استهانةً بأمرك، وتصغيراً لشأنك، وعلماً بأنك لا تخرج من قبضته. وذلك أني أخس من في دار مملكته، وأخملهم ذكراً. فإذا كنت، وأنا بهذه الحال، أقتل بألفٍ سهمٍ ألف رجلٍ، فما ظنك بالملك، وله مائة ألف عبدٍ في قرار داره، أصغرهم شأناً أكبر مني؟ فقال له الملك: صدقني فيما قلت! ولقد خبرت عن بهرام من تصغيره لشأني، واستخفافه بأمري ما طابق خبرك. وما تركني أبلغ هذا الموضع من ملكه إلا لما ذكرت؟ فأمر عظيم جيشه أن يرتحل من ساعته؛ ونادى في الناس بالرحيل. ثم خرج لا يلوي على شيء، وأطلق بهرام. فانصرف بعد ثالثةٍ، حتى دخل داره ليلاً؛ فلما أصبح، قعد للناس، ودخل عليه الوزراء والعظماء، فقال: ما عندكم من خبر عدونا هذا؟ فأخبروه بانصرافه عنهم. فقال: قد كنت أقول لكم إنه صغير الشأن، ضعيف المنة.
ولم يعلم أحد منهم ما كانت العلة في انصرافه.
مكايد كسرى أبرويز: وكان كسرى أبرويز، بعد بهرام جور، صاحب مكايدٍ وخدع في الحروب، ونكاية في العدو.
وكان قد وجه شهر براز لمحاربة ملك الروم، وكان مقدماً عنده في الرأي والنجدة والبسالة ويمن النقيبة.
فكان شهر براز قد ضيق على ملك الروم قرار داره، وأخذ بمخنقه، حتى هم بمهادنته، ومل محاربته، وطلب الكف عنه. فأبى ذلك عليه شهر براز.
واستعد له ملك الروم بأفضل عدة، وأتم آلة، وأحد شوكة، وتأهب للقائه في البحر.
فجاءه في جمع لا تحصى عدته. قد أعد في البحر كل ما يحتاج إليه من مالٍ وسلاحٍ وكراعٍ وآلةٍ وطعام وغير ذلك، والسفن مشحونة موقرة.
فبينا هو كذلك إذ عصفت ريح في تلك الليالي، فقلعت أوتاد تلك السفن كلها وحملتها إلى جانب شهر براز، فصارت في ملكه.
وأصبح ملك الروم، قد ذهب أكثر ما كان يملك من الأموال والخزائن والعدد والسلاح. فوجه شهر براز بتلك الخزائن والأموال إلى أبرويز. فلما رأى أبرويز ما وجه به شهر براز، كبر في عينه، وعظم في قلبه، وقال: ما نفس أحق بطيب الثناء، ورفيع الدعاء، والشكر على الفعل الظاهر من شهر براز! جادلنا بما لا تسخو به النفوس، ولا تطيب به القلوب! فجمع وزراءه، وأمر بتلك الأموال والخزائن، فوضعت نصب عينيه، ثم قال لوزرائه: هل تعلمون أحداً أعظم خطراً وأمانةً، وأحرى بالشكر من شهر براز؟ فقامت الوزراء، فتكلم كل واحدٍ منهم، بعد أن حمد الله وشكره ومجده، وأثنى على الملك وهنأه، ثم ذكر ما خص الله به الملك من يمن نقيبة شهر براز وعفافه وطهارته ونبله وعظيم عنايته.
حتى إذا فرغوا، أمر بإحصاء تلك الأموال والخزائن. ثم قام أبرويز فدخل إلى نسائه. وكان للملك غلام يقال له رسته، وكان شيء الرأي في شهر براز؛ فقال: أيها الملك! قد ملأ قلبك قليل من كثيرٍ، وصغير من كبير، وتافه من عظيم، خانك فيه شهر براز، وآثر به نفسه. ولئن كان الملك مع رأيه الثاقب، وحزمه الكامل، يظن أن شهر براز أدى الأمانة، لقد بعد ظنه من الحق، وخس نصيبه.
فوقع في نفس أبرويز ما قال رسته، فقال له: ما أظنك إلا صادقاً. فما الرأي عندك؟ قال: تكتب غليه بالقدوم، وتوهمه أن بك حاجةً إلى مناظرته ومشاورته في لم أمرٍ لم تجز الكتابة به، فإنه إذا قدم لم يخلف ما يملك وراءه، إذ كان لا يدري أيرجع إلى ما هناك أم لا؛ فيكون كل ما يقدم به نصب عينيك.
فكتب أبرويز إلى شهر براز يأمره بالقدوم عليه لمناظرته ومشاورته في أمرٍ يدق عن الكتاب والمراسلة.
فلما مضى الرسول، أردفه برسولٍ آخر وكتب إليه: إني كنت كتبت إليك آمرك بالقدوم لناظرك في مهم من أمري. ثم علمت أن مقامك هناك أقدح في عدوك، وأنكى له، وأصلح للملك، وأوفر على المملكة. فأقم، وكن من عدوك، على حذر، ومن غرته على تيقظ. فإنه من ذهب ماله، حمل نفسه على التلف أو الحتف. والسلام! وقال للرسول الثاني: إن قدمت فرأيته قد تأهب للخروج إلي وظهر ذلك في عسكره، فادفع إليه هذا الكتاب.. وكتب: أما بعد، فإني كتبت إليك، وقد استبطأت جواب قدومك وحركتك. وعلمت أن ذلك لأمرٍ تصلحه من أمر نفسك أو مكيدة عدوك. فإذا أتاك كتابي هذا، فخلف أخاك على عملك، وأغذ السير، ولا تعرج على مهم ولا غيره، إن شاء الله.
(1/39)
________________________________________
وإن لم تره استعد للخروج، ولا تأهب له، فادفع إليه الكتاب الأول. فقدم الرسول الثاني، وليس لشهر براز في الخروج وعزم ولا خاطر، ولا هم به. فدفع إليه الكتاب الأول.
فقال شهر براز: أول كل قتلةٍ حيلة.
وكان خليفة شهر براز: بباب الملك قد كتب إليه ما كان من قول رسته للملك، وما كان من جواب الملك له.
ثم نازعت أبرويز نفسه، ودعاه شرهه إلى إعادة الكتاب إلى شهر براز بالقدوم عليه.
فلما قرأ شهر براز كتابه الثالث، قال: كان الأمر قبل اليوم باطناً، فأما اليوم فقد ظهر.
فلما علم أبرويز أن نية شهر براز قد فسدت، وأنه لا يقدم عليه، كتب إلى أخي شهر براز: إني قد وليتك أمر ذلك الجيش، ومحاربة ملك الروم. فإن سلم لك شهر براز ما وليتك، وإلا فحاربه! فلما أتاه كتابه، أظهره، وبعث إلى شهر براز يخبره أن الملك قد ولاه موضعه، وأمره بمحاربته إن أبى أن يسلم إليه ما ولاه.
فقال له شهر براز: أنا أعلم بأبرويز منك. هو صاحب حيلٍ ومكايد، وقد فسدت بيته لي ولك. فإن قتلني اليوم قتلك غداً؛ وإن قتلك اليوم، كان قتلي غداً أقوى.
ثم إن شهر براز صالح ملك الروم، لما خاف أبرويز. وتوثق كل واحدٍ منهما من صاحبه، واجتمعا على محاربة أبرويز. فقال له شهر براز: دعني أتولى محاربته، فإني أبصر بمكايده وعوراته.
فأبى عليه ملك الروم، وقال: بل أقم في دار مملكتي حتى أتولى أنا محاربته بنفسي.
فقال شهر براز: أما إذ أبيت علي، فإني مصور لك صورةً، فاعمل بما فيها، وامتثلها.
ثم صور له كل منزلٍ ينزله بينه وبين أبرويز في طريقه كله، وأي المنازل ينبغي له أن يقيم فيه، وأيها يجعلها طريقاً وسيراً ماضياً، حتى إذا أقامه من طريقه كله على مثل وضح النهار، قال له: فإذا صرت بالنهروان، فأقم دونه، ولا تقطعه غليه، واجعله منزلك، وجهز جيوشك وعساكرك إليه.
فمضى ملك الروم نحوه.
وبلغ أبرويز الخبر، فضاق به ذرعه، وارتج عليه أمره، فكان أكثر جنوده قد تفرقوا لطلب المعاش، لقطعه عنهم ما كان يجب لهم من إقطاعاتهم وأرزاقهم. فبقي في جندٍ كالميت، أكثرهم هزلى أضراء.
وكان ملك الروم يعمل على ما صوره له شهر براز في طريقه كله، حتى إذا أشرف على النهروان، عسكر هناك، واستعد للقاء أبرويز. وقد بلغه قلة جموعه، وتفرق جنوده، وسوء حال من بقي معه. وكان في أربعمائة ألفٍ، قد ضاقت بهم الفجاج والمسالك، فطمع في قتل أبرويز ولم يشك في الظفر به.
فدعا أبرويز رجلاً من النصارى، كان جده قد أنعم على جد النصراني واستنقذه من القتل أيام قتل ماني وكان من أصحابه الذين استجابوا له، فقال له أبرويز: قد علمت ما تقدم من أيادينا عندكم، أهل البيت قديماً وحديثاً.
قال: أجل أيها الملك! وإني لشاكر ذلك لك ولآباءك.
قال: فخذ هذه العصا، وامض بها إلى شهربراز، فأته في قرار ملك الروم، فادفعها إليه من يدك إلى يده.
وعمد إلى عصاً مثقوبةٍ، فأدخل فيها كتاباً صغيراً منه إلى شهر براز: أما بعد، فإني كتبت إليك كتابي هذا واستودعته العصا. فإذا جاءك فحرق دار مملكة الروم، واقتل المقاتلة، واسب الذرية، وانهب الأموال، ولا تتركن عيناً تطرف، ولا أذناً تسمع، ولا قلباً يعي، إلا كان لك فيه حكم. واعلم أني واثب بملك الروم يوم كذا وكذا. فليكن هذا وقتك الذي تعمل فيه ما أمرتك.
قال: وأمر للنصراني بمالٍ، وجهزه، وقال: لا تعرجن على شيءٍ، ولا تقيمن يوماً واحداً. وإياك ثم إياك أن تدفع العصا إلا إلى شهر براز، من يدك إلى يده! ثم ودعه، ومضى النصراني. فلما عبر النهروان، اتفق أن كان عبوره مع وقت ضرب النواقيس. فسمع قرع عشرة آلاف ناقوسٍ أو أكثر. فانهملت عيناه، وقال: بئس الرجل أنا إن أعنت على دين النصرانية، وأطعت أمر هذا الجبار الظالم! فأتى باب ملك الروم، فاستأذن عليه، فأذن لله، فأخبره بقصة أبرويز حرفاً حرفاً، ثم دفع إليه العصا، فأخذها ونظر فيها. ثم استخرج الكتاب منها، فقريء عليه، فنخر وقال: خدعني شهر براز! ولئن وقعت عيني عليه، لأقتلنه! وأمر، فقوضت أبنيته من ساعته؛ ونادى في الناس بالرحيل، وخرج ما يلوي على أحدٍ.
ووجه أبرويز عيناً له يجيئه بخبره؛ فانصرف إليه، فأخبره أن الملك قد مضى ما يلتفت لفتةً، فضحك أبرويز وقال: إن كلمةً واحدةً هزمت أربعمائة ألفٍ لجليل قدرها، ورفيع ذكرها!
(1/40)
________________________________________
وغذ قد انتهينا إلى هذا الموضع من كتابنا هذا، وأخبرنا بأخلاق الملوك في أنفسها وما يجب على رعاياها لها، بقدر وسع طاقتنا، فلنختم كتابنا هذا بذكر من بعثنا على نظمه، وكان مفتاحاً لتأليفه وجمعه.
ولنقل إنا لم نر في صدر هذه الدولة المباركة العباسية، ولا في تاريخها وأيامها إلى هذه الغاية، فتىً اجتمعت له فضائل الملوك وآدابها ومكارمها ومناقبها، فحاز الولاء من هاشمٍ والخصيص من خلفاء بني العباس الطيبين، والتبني من المعتصم بالله، وإخوته الأبرار من أئمة المؤمنين، وورثة خاتم النبيين، عدا الأمير الفتح بن خاقان، مولى أمير المؤمنين.
فلتهنئة هذه النعمة المهداة! وبارك له واهبها، وزاده إليها الدأب عليها حتى يبلغ به ارفع يفاعها، وأسنى ذروتها، وأعلى درجاتها، في طول من العمر، وسلامةٍ من عوادي الزمان وغيره، ونكباته وعثراته، فإنه رحيم كريم!
(1/41)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق