تعريف بالماسونية :
الماسونية لغة: معناها البناءون الأحرار.
وقد اختلف المفسرون في تعريف أصل كلمة (حر)، فيُقال إنها نسبة إلى (فري ستون Free Stone)، أي (الحجر السلس).
وقد ورد في مخطوطات العصور الوسطى اللاتينية عبارة (إسكالبتور لابيدوم ليبيروروم Sculptor Lapidum Liberorum)، أي (ناحت الأحجار الحرة)، ولكن بعض التفسيرات تذهب إلى أن كلمة )حر( تجيء لتمييز الـ)فري ميسون(، أي (البناء الماهر)، في مقابل الـ (راف أور رو ميسون( rough or raw mason) (، أي (البنَّاء الخام غير المُدرَّب).
وثمة رأي ثالث يذهب إلى أن الـ (فري ميسون)، عضو في نقابة البنائين، ولذا فهو (حر) أي أن من حقه ممارسة مهنته في البلدية التي يتبعها بعد أن يكون قد تَلقَّى التدريب اللازم. ويذهب رأي رابع إلى أن كلمة )فري(إنما تشير إلى أن البنائين لم يكونوا مُلزَمين بالاستقرار في إقطاعية أو بلدية بعينها والارتباط بها، وإنما كانوا أحراراً في الانتقال من مكان إلى آخر داخل المجتمع الإقطاعي. وإن صَدَق هذا التفسير، فهذا يعني أن البنائين كانوا مثل أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب الذين كانوا يُعَدون عنصراً حراً يمكنه الانتقال من بلد إلى آخر. وقد كان هذا حقاً مقصوراً على الفرسان ورجال الدين .
اصطلاحا : هي منظمة يهودية سرية هدامة، إرهابية غامضة، محكمة التنظيم تهدف إلى ضمان سيطرة اليهود على العالم وتدعو إلى الإلحاد والإباحية والفساد، وتتستر تحت شعارات خداعه مثل (حرية ـ إخاء ـ مساواة ـ إنسانية) وجلُّ أعضائها من الشخصيات المرموقة في العالم، من يوثقهم عهداً بحفظ الأسرار، ويقيمون ما يسمى بالمحافل للتجمع والتخطيط والتكليف بالمهام، تمهيداً لتأسيس جمهورية ديمقراطية عالمية ـ كما يدعون ـ وتتخذ الوصولية والنفعية أساساً لتحقيق أغراضها في تكوين حكومة لا دينية عالمية.
وتُعرَّف أيضا: بأنها مجموعة من التعاليم الأخلاقية والمنظمات الأخوية السرية التي تمارس هذه التعاليم، والتي تضم البنائين الأحرار والبنَّائين المقبولين أو المنتسبين، أي الأعضاء الذين لا يمارسون حرفة البناء.
وتوجد ثلاث عناصر رئيسية تمثل الحد المشترك للماسونيات المختلفة ، وهي :
1. وجود مراتب ثلاث أساسية يُقال لها درجات، وهي:
• التلميذ أو الصبي الملتحق أو المتدرب.
• زميل المهنة أو الصنعة (الرفيق).
• البنّاء الأعظم أو الأستاذ ،)بمعنى أستاذ في الصنعة).
• وقد أضيفت إلى هذه الدرجات الثلاث الأساسية درجة رابعة أخرى أساسية هي «القوس المقدَّس الأعظم»، ثم هناك ما يقرب من ثلاث وثلاثين درجة أخرى في بعض المحافل (كما هو الحال في الطقس الاسكتلندي القديم)، ويصل أحياناً عدد الدرجات إلى بضعة آلاف.
وما دمنا نتحدث عن أشكال التنظيم فيمكن أن نضيف هنا أن من رموز الماسونية: المثلث، والفرجار، والمسطرة، والمقص، والرافعة، والنجمة الخماسية، والأرقام 3 و5 و7 وهي رموز وطقوس تساعد على اكتشاف النور.
والوحدة الأساسية في التنظيمات الماسونية هي المحفل أو الورشة. ويحق لكل سبعة ماسونيين أن يشكلوا محفلاً، والمحفل يمكن أن يضم خمسين عضواً. وتعقد المحافل اجتماعاً دورياً كل خمسة عشر يوماً، يحضره المتدربون والعرفاء والمعلمون. أما ذوو الرتب الأعلى فيجتمعون على حدة، في ورشات (التجويد). ويُفترض في المشاركين في الاجتماع أن يقبلوا لباساً معيَّناً: فهم يضعون في أيديهم قفازات بيضاء، ويزينون صدورهم بشريط عريض، ويربطون على خصورهم مآزر صغيرة، وقد يرتدون ثوباً أسود طويلاً، أو بزة قاتمة اللون، أو (سموكينج)، بحسب تقاليد محفلهم، وهي تقاليد بالغة التعقيد والتنوع.
وتشكل المحافل اتحادات تدين بالولاء والطاعة لأحد المحافل الكبرى.
ففي فرنسا، على سبيل المثال، خمسة محافل أساسية كبرى، وهي: محفل الشرق الكبير، ومحفل فرنسا الكبير، والمحفل الوطني الفرنسي الكبير، والاتحاد الفرنسي للحقوق الإنسانية، ومحفل فرنسا الكبير للنساء. وتعقد المحافل الكبرى جمعيات عمومية يتخللها تقييم العمل الذي تم إنجازه ورسم خطط العمل للمستقبل. وبعد عَرْض هذه الأشكال التنظيمية والطقوس والرموز، يمكننا القول بأن تنوعها يجعلها غير صالحة كأساس تصنيفي للماسونية.
2. الإيمان بالحرية والمساواة والإنسانية.
ولكن كثيراً من المحافل اتخذ مواقف عنصرية، فالمحافل الألمانية والإسكندنافية رفضت السماح لأعضاء الجماعات اليهودية بالانضمام إليها، والمحافل الأمريكية رفضت انضمام الزنوج. كما لم تنجح المحافل الماسونية في تجاوز الحدود القومية الضيقة. فأثناء الحرب العالمية الأولى، على سبيل المثال، استبعدت المحافل البريطانية الأعضاء المنحدرين عن أصل ألماني أو نمساوي أو مجري أو تركي.
3. العنصر الربوبي.
أي الإيمان بالخالق بدون حاجة إلى وحي، لكن محفل الشرق الأعظم في فرنسا رفض هذا الحد الأدنى تماماً عام 1877، وترك لكل عضو أن يحدد بنفسه موقفه من هذه القضية، وتم تأكيد (التقوى الطبيعية) بدلاً من (الإيمان الحق)، أي أن الماسونية الفرنسية تبنت صيغة علمانية كاملة مؤسَّسة على الفكر الهيوماني أو الإنساني العلماني.
ويرجع المؤرخون إلى تأسيس الماسونية إلى هيرودس أكريبا (ت 44م) ملك من ملوك الرومان بمساعدة مستشاريه اليهوديين : ( حيران أبيود: نائب الرئيس، موآب لامي: كاتم سر أول) .
وقال الحاخام لاكويز: "الماسونية يهودية في تاريخها ودرجاتها وتعاليمها وكلمات السر فيها وفي إيضاحاتها.. يهودية من البداية إلى النهاية".
وأما تاريخ ظهورها فقد اختلف فيه لتكتمها الشديد، والراجح أنها ظهرت سنة 43م.
ولقد مرت بمرحلتين لتأسيسها وهما :
1. المرحلة الأولى:
وتبدأ هذه المرحلة منذ تأسيسها سنة 43م ، على الأرجح .
وسميت القوة الخفية وهدفها التنكيل بالنصارى واغتيالهم وتشريدهم ومنع دينهم من الانتشار.
وكانت تسمى في عهد التأسيس (القوة الخفية) ومنذ بضعة قرون تسمت بالماسونية لتتخذ من نقابة البنائين الأحرار لافتة تعمل من خلالها ثم التصق بهم الاسم دون حقيقة.
2. المرحلة الثانية:
فتبدأ سنة 1770م عن طريق آدم وايزهاويت المسيحي الألماني (ت 1830م) الذي ألحد واستقطبته الماسونية ووضع الخطة الحديثة للماسونية بهدف السيطرة على العالم وانتهى المشروع سنة 1776م، ووضع أول محفل في هذه الفترة (المحفل النوراني) نسبة إلى الشيطان الذي يقدسونه.
واستطاعوا خداع ألفي رجل من كبار الساسة والمفكرين وأسسوا بهم المحفل الرئيسي المسمى بمحفل الشرق الأوسط، وفيه تم إخضاع هؤلاء الساسة لخدمة الماسونية، وأعلنوا شعارات براقة تخفي حقيقتهم فخدعوا كثيراً من المسلمين.
ولقد ضمت الكثير من الشخصيات الهامة منها :
• ميرابو، كان أحد مشاهير قادة الثورة الفرنسية.
• مازيني الإيطالي الذي أعاد الأمور إلى نصابها بعد موت وايزهاويت.
• الجنرال الأمريكي (ألبرت مايك) سرح من الجيش فصب حقده على الشعوب من خلال الماسونية، وهو واضع الخطط التدميرية منها موضع التنفيذ.
• ليوم بلوم الفرنسي المكلف بنشر الإباحية أصدر كتاباً بعنوان الزواج لم يعرف أفحش منه.
• كودير لوس اليهودي صاحب كتاب العلاقات الخطرة.
• لاف أريدج وهو الذي أعلن في مؤتمر الماسونية سنة 1865م في مدينة أليتش في جموع من الطلبة الألمان والأسبان والروس والإنجليز والفرنسيين قائلاً: " يجب أن يتغلب الإنسان على الإله وأن يعلن الحرب عليه وأن يخرق السموات ويمزقها كالأوراق".
• ماتسيني جوزيبي 1805ـ 1872م.
ومن شخصياتهم كذلك: جان جاك روسو، فولتير (في فرنسا)، جرجي زيدان (في مصر)، كارل ماركس وأنجلز (في روسيا) والأخيران كانا من ماسونيي الدرجة الحادية والثلاثون ومن منتسبي المحفل الإنجليزي ومن الذين أداروا الماسونية السرية وبتدبيرهما صدر البيان الشيوعي المشهور. انتشار الماسونية في الدولة العثمانية :
نشطت الماسونية داخل الدولة العثمانية مثلما نشطت في دول شتى ، ولقد اختلف في نشأتها داخل الدولة العثمانية ، فيرى بعض الباحثين أن الماسونية الرمزية ظهرت في الدولة العثمانية سنة 1738م في منطقة ( كورفو ) ، تحت رعاية المحفل الأعظم الانجليزي ، في حين يرى البعض الآخر أن الماسونية كانت لها محافلها سنة 1748م ، حيث أمر الباب العالي أن تحاصر الشرطة في (استانبول) محفل ماسوني من اجل طرد أصحابه وتخريب محفلهم ، إلا أن ذويه التجأوا إلى سفير (انجلترا) ، فأوقف عن العمل شرط أن لا تؤازر الدول الأجنبية الجمعيات السرية وعلى الأخص الماسونية .
ولقد ظهر محفل ماسوني آخر سنة 1837م عرف باسم محفل (فيثاغورث) ، ثم تأسست فيما بعد محافل أخرى في العاصمة استانبول ، وأزمير وغيرهما .
وتشير كثير من الأدلة إلى أن الحركة الماسونية التي انبعثت في مصر سنة 1798م علي يد رجال الحملة الفرنسية حيث مهد لها نابليون، ثم أسس خلفه كليبر ومعه مجموعة من ضباط الجيش الفرنسيين الماسونيين محفلاً في القاهرة سمي محفل إيزيسي، وأوجدوا له طريقة خاصة به هي الطريقة الممفيسية أو الطريقة الشرقية القديمة، وقد تمكن هذا المحفل من أن يضم إليه بعض الأعضاء من المصريين وإن كانوا قلة، ثم أنحل هذا المحفل رسمياً في أعقاب اغتيال كليبر سنة 1800م، وظل أعضاؤه يعملون في الخفاء وبسرية.
وقد شهد عصر محمد علي على تأسيس أكثر من محفل ماسوني في مصر فقد أنشأ الماسون الإيطاليون محفلاً بالإسكندرية سنة 1830م، على الطريقة الاسكتلندية وغيرها كثير.
ويمكن الإجمال أن هذه المحافل كانت تشهد اضطرابا في عملها ، حيث تفتح ثم تغلق ، ولم تكن بأي شكل من الأشكال منتظمة العمل ، وقد خضع هذا الأمر لموقف الدولة العام منها ، إضافة إلى تنافس المحافل فيما بينها ، والصعوبات الذاتية التي كانت تواجهها .
ونلاحظ أن نشأة المحافل الماسونية الحقيقية في الدول العثمانية كان في الفترة من 1860 – 1869م وهي الفترة التي كان فيها السلطان (عبد العزيز) سلطانا للدولة ، الأمر الذي يؤكد مدى التوسع الذي حققته هذه المحافل في عهد هذا السلطان .
وعندما تولى السلطان عبد الحميد مقاليد الأمور فقد اتخذ موقفا حاسما من الماسونية حيث أبدى معارضة شديدة لها ، لأنه كان يرى فيها جمعية سرية سياسية وخطيرة في آن واحد .
ولقد نشطت الماسونية في بداية عهد السلطان (عبد الحميد)رغم موقفه الواضح منها ، فلقد كونت لجنة عرفت باسم لجنة (سكاليري – عزيز بك ) ، وضمت اللجنة العديد من خصوم السلطان ، وهدفت إلى تدبير انقلاب ضد السلطان ومن ثم خلعه ، لكن المؤامرة اكتشفت ، وقامت الأجهزة الأمنية بمداهمة مقر اللجنة في منزل (عزيز بك)وألقت القبض على أعضائها الموجودين ، وتمكن (سكاليري) من الفرار .
إلى جانب ما قامت به الماسونية من محاولة اغتيال للسلطان عبد الحميد أكثر من مرة ، حينما وضعت قنبلة كبيرة أثناء تأديته لصلاة الجمعة ، إلا انه لم يصب .
من خلال ما سبق نجد أن الحركة الماسونية استطاعت الانتشار في الدولة العثمانية بسبب ما قدمته بعض الدول الأوروبية من دعم لها ، حيث وجدتها منفذا للوصول إلى أهدافها الاستعمارية ، وقلب نظام الحكم وهدم الخلافة الإسلامية وإنشاء حكومة مركزية لادينية ماسونية ، تسيطر على شتى بقاع المعمورة ، إلى جانب إنشاء وطن قومي يهودي صهيوني غاصب على ارض فلسطين .
وبعد أن القينا نظرة على نشأة الماسونية وتطورها ، وانتشارها في الدولة العثمانية ، ننتقل سريعا إلى علاقة جمعية الاتحاد والترقي بالماسونية .
علاقة جمعية الاتحاد والترقي بالماسونية :
وعند التحدث عن العلاقة بين الماسونية وجمعية الاتحاد والترقي فهي علاقة وطيدة وعميقة ،فمنذ البداية انضم لها الأحرار العثمانيون الذين سموا أنفسهم (بتركيا الفتاة ) أو (جمعية الاتحاد والترقي ) .
وتشير كل الاحتمالات إلى أن المؤسس الحقيقي لجمعية الاتحاد والترقي ، قد تأثر بمنظمة (الكاربوناري) الايطالية ، فيما قام به ، حيث قام (إبراهيم تيمو) بزيارة ايطاليا ، وزار خلالها محفلا ماسونيا ومن خلال هذا المحفل تعرف (تيمو)على (الكاربوناري) في أيار 1888م ، وقرر أن يؤسس جمعيته السرية على نمطها .
ويذكر الماسون الذين أصدروا كتابا في تركيا باسم (الماسونية في تركيا والعالم ) أن المحفل التركي الأعظم المرتبط بالمحفل الايطالي الكبير المسمى بمحفل (مكدونية ريورتا) ، ومحفل (لابوريت لوكس ) لعبت دورا هاما في جمعية الاتحاد والترقي ، وقد حاول السلطان عبد الحميد الحد من نشاط هذه المحافل ، لكنه لم يوفق في مسعاه ، وقد قامت هذه المحافل بدور كبير بتأسيس وتوسيع جمعية الاتحاد والترقي .
ويعترف احد قادة جمعية الاتحاد والترقي بخدمات الماسونية لجمعيته في مقابلة له مع مراسل صحيفة باريسية حيث قال : "حقا أننا وجدنا سندا من الماسونية ، وخاصة الماسونية الايطالية ، فالمحفلان الايطاليان( مكدونية ريزورتا ولابوريت لوكس ) قدما لنا خدمة حقيقية ، ووفرا لنا الملاجئ ، فكنا نجتمع فيها كماسونيين ، لان كثيرا منا كانوا ماسونيين ، غير أننا في الحقيقة كنا نجتمع لتنظيم أنفسنا ، كما أننا اخترنا معظم رفقائنا من هذين المحفلين ، اللذين ساعدا لجنتنا كغربال ، نظرا لما كانا يبديانه من دقة في الاستفسار عن الأفراد ، فكان العمل السري الذي يجري في (سلانيك) قلما يثير الشكوك في القسطنطينية ، كما أن عملاء الشرطة حاولوا عبثا دخوله ، يضاف إلى ذلك أن هذه المحافل التمست من الشرق الأعظم في ايطاليا أن تتدخل السفارة الايطالية عند الحاجة ، وقد وعد الشرق الأعظم بدوره بضمان ذلك " . وبذلك قامت المحافل الماسونية بجمع كلمة الاتحاديين ، وكان كثير من الماسونيين واغلبهم من اليهود الأثرياء يمدونهم بالمال .
وتتوالى اعترافات أعضاء الجمعية بدور الماسونية ، حيث يقول احدهم : "ونحن العثمانيون مدينون للماسونية اكبر دين لأنها هي التي تثبت في نفوس أعضاء جمعية الاتحاد والترقي روح الحرية ، وبها اقتدوا في إنشاء جمعيتهم " .
أما الحديث الذي يدور في هذه المحافل ـ أي الماسونية ـ فقد أورده (أرمسترونج)حيث يقول : " لقد ادخل مصطفى كمال أخا في ( محفل فيداتا ) (Vedata Lodge) ، فوجد نفسه في محيط لم يحبه ، لان المحفل كان جزءا من منظمة فوضوية عالمية ، وكان مليئا برجال لا قومية لهم يتكلمون عن شرور روسية ، حيث كان اليهود مضطهدين ، وعن مباهج (فينا) ، حيث سمح لهم الحصول على المال ، لقد كانوا أناسا مرضى ولصوصا مفعمين بالأسرار والكلام الغامض ".
والى جانب ذلك كانت شهادات المؤرخين حيث يقول (بيرس ) (Pears) : " إن زعماء جمعية الاتحاد والترقي التحقوا بالمحافل الماسونية للإبقاء على مخططهم سرية " ، وأما (اللورد كنروس) (Lord Kinros) فيقول " إن جمعية الاتحاد والترقي قد استفادت من أساليب وفنون الماسون " .
و يقول ستون وطسون: "لقد كان مصطفى ماسونيا كما يؤكد هذا (الدكتور أرنست رامزر).
وقال بينوميشان: "اعتنق مصطفى كمال الماسونية رسميا وانتسب إلى محفل (نيدانا) ".
وفي دائرة المعارف الماسونية: "فمن يماثل أتاتورك من رجاله الماسون" .
ونبرز أهم دليل يثبت علاقة جمعية الاتحاد والترقي بالماسونيين ، وهي وثيقة السفير البريطاني (لاوزر) سنة 1910م .
هذه الوثيقة السرية هي أصلاً رسالة سرية جداً أرسلها السفير البريطاني في قسطنطينية(السير جبرار ولاوزر) بتاريخ 29/5/1910م إلى وزير خارجية بريطانيا (السير ش.هارونج) وتحوي معلومات دقيقة حول العلاقة بين جمعية الإتحاد والترقي بالماسونية.
وهذه الوثيقة السرية كشف عنها النقاب في بريطانيا حديثاً، وقد نشرتها مجلة(المجتمع الكويتية)ابتداء من 25/12/1978م في الأعداد (425،429) نقلا عن مجلة آفاق العراقية ، واهم ما جاء فيها :
• مديرية الأمن العام في الدولة بيد ماسوني من سلانيك.
• في مقدونيا والقسطنطينية ظهر خلال العام الماضي 1909م اثنا عشر محفلاً ماسونياً جديداً .
• أفهم الموظفون وغيرهم -من ذوي المناصب المهمة- أن مناصبهم وموارد رزقهم تتوقف على دخولهم في المحافل الماسونية.
• لكي تشدد الجمعية قبضتها على الجيش أدخل عدد كبير من الضباط -وخاصة من ذوي الرتب الصغيرة- في محفل ماسوني يسمى (ريسنا) بلد نيازي بيك ، ويرأس المحفل أخوه النقيب (عثمان فهمي بك).
• دخل في الماسونية معظم نواب الجمعية في مجلس المبعوثات والأعيان في المحفل الذي يسمى (الدستور) وكان من كبار رؤسائه طلعت.
• نواب المعارضة وخاصة العرب بدأوا ينشئون لهم محافل خاصة بهم مثل (محفل التآخي العثماني) (أصدقاء الحرية) أو ينضمون إلى المحافل القائمة.
• طائفة البكتاشية تفشت بينهم الماسونية.
• في المدة التي بين 1909م-1910م أنشئت المحافل الماسونية التالية: [ الوفاء الشرقي، نهضة بيزنطة، الأصدقاء الحميمون للإتحاد والترقي، الحقيقة، الوطن، النهضة، وفرع من محفل (نهضة مقدونيا)، (الفجر) ] ، ويبدو أن جميع هذه المحافل الماسونية -مثل شبكة المحافل الماسونية في سلانيك ومقدونيا- كان يقودها أو يخطط لها اليهود.
• الأمير المصري سعيد حليم وأخوه الأمير عباس حليم والأمير عزيز حسن ماسونيون.
• يوسف بيك السكاكيني من زعماء الماسون.
• الزعيم الوطني المصري (محمد فريد) ماسوني كبير عين ممثلاً في مصر لمحفل الشرق العثماني الأعظم وأقيمت حفلة التنصيب في محفل ماسوني في (طنطا).
• حاييم ناحوم حاخام الطائفة اليهودية الأكبر الجديد في تركيا كان زميل دراسة لعدد من أعضاء جمعية أعضاء الإتحاد والترقي البارزين.
• طلعت وجاويد يمثلان قمة الماسونية في تركيا، وطبعاً جاويد يهودي.
• ومنذ أن أصبح طلعت وزيراً للداخلية -قبل حوالي سنة- عمل على نشر شبكة الماسونية في جميع مناطق الدولة ، وأخذ يسند إلى الماسونية الوظائف الكبرى في الأقاليم.
• قال (لاوزر) يتبين من هذا أن الحكومة الخفية لتركيا إنما هي محفل الشرق الأعظم الماسوني وعلى رأسه الأستاذ الأعظم (طلعت بيك).
• الماسونية تمد نشاطها من تركيا إلى إيران، وجمعية الإتحاد والترقي الماسونية وراء الإنقلاب الذي وقع في إيران ، ويدور الحديث الآن حول البدء بإنشاء محفل الشرق الماسوني في إيران، و (فرح الله خان) القائم بأعمال السفارة الإيرانية الجديدة في القسطنطينية انضم إلى الماسونية حديثاً.
• جمعية الإتحاد والترقي الماسونية تشجع الثوريين اليهود والأرمن على تفجير القلاقل والاضطرابات والتوازن في روسيا القيصرية.
• أعضاء جمعية الإتحاد والترقي يقلدون الثورة الفرنسية في أساليبها بتوجيه من اليهود.
• اليهود يزينون للأتراك الالتقاء مع الهنغاريين (المجر) بدافع القومية الطورانية، لأن المجريين من أصل طوراني.
• وجميع هذه المعلومات حصلنا عليها من ماسونيين محليين في سرية تامة.
• انتهت وثيقة السفير البريطاني (لاوزر) التي كتبها سنة 1910م .
خامسا علاقة مصطفى كمال بجمعية الاتحاد والترقي:
عندما ابتلعت جمعية الاتحاد والترقي ، الجمعية التي أسسها مصطفى كمال وهي ( الوطن والحرية ) ، وانضمام أصدقاء وأعضاء جمعية مصطفى كمال إليها ، اضطر إلى انضمام إليها .
لكن الاتحاديون لم يعيروا مصطفى كمال أية أهمية ولم تعجبهم تصرفاته ، لذلك فان مصطفى كمال حمل حتى النهاية في نفسه حقدا لا يهدأ نحو الاتحاديين الذين كانوا أكثر جرأة وتضحية منه بما لا يقاس ، وان كانت هذه الجرأة والتضحية في سبيل الباطل .
وكان مصطفى كمال يمثل في عيون الاتحاديين سوى شخص يحترق للشهرة والصعود .
لكن هناك آراء تذكر أن مصطفى كمال عندما أدرك حقيقة جمعية الاتحاد والترقي كونها ماسونية يهودية ، فثارت ثائرته على الجمعية ، واعتبر قادتها وزعمائها ليسوا سوى خونة أو على اقل تقدير ، مغفلين مغرورين همهم الوحيد الوصول إلى الحكم بأي ثمن ، فبدأ يبتعد عن الجمعية ويوجه نقده اللاذع علنا لأهدافها ووسائلها والقائمين عليها ، مما أثار حذر أعضائها منه ونقمتهم عليه ، فانفصل عنها .
إلا أن مؤلف كتاب ( الرجل الصنم ) ، يورد عكس ذلك ، فيقول : " وعندما أعلن الدستور سنة 1908م تحت تأثير سلانيك فان الاتحاديين بالرغم من كونهم لم يستلموا الحكم بعد إلا أنهم سيطروا على معظم الأماكن الحساسة ، ولكون الاتحاديين وخاصة أنور لا يرتاحون إلى مصطفى كمال فإنهم نفوه إلى طرابلس الغرب بحجة القضاء على ثورة هناك ، ولكن ذهابه ورجوعه لم يستغرق سوى شهرين تقريبا ، لأنه أرسل في نهاية سنة 1908م ورجع في أوائل سنة 19099م ودخل مركز الجمعية في سلانيك وقال للمجتمعين هناك : " كما ترون فاني رجعت " .
وعندما تحرك ( جيش الحركة ) من سلانيك إلى استانبول بعد حادثة 31 مارت ـ التي كانت في الحقيقة من ترتيب وعمل الاتحاد والترقي ضد السلطان عبد الحميد الثاني ـ ، وكان مصطفى كمال احد الأركان وليس رئيسا للأركان كما يدعون ، وباعتراف الكاتب المتزلف فانه بقي في الظل .
كما يشترك في مؤتمر الاتحاد والترقي كممثل عن بنغازي ، ويقوم بالهجوم العنيف على الجمعية بين الجنود الذين كانت الجمعية تسعى إلى جذبهم إلى سياستها ، مما يسبب في قلق الجمعية فيقرر الاتحاديون قتله ويكون تنفيذ المهمة إلى ( يعقوب قدري ) المشهور بجرأته وتهوره ، ولكن هذا الشخص القاتل بفطرته لا يقوم بهذه المهمة ـ كما يقول لحبه مصطفى كمال ـ كما أن الآخرين أيضا لا يقدمون على هذه المهمة إما لحبهم له أو خوفهم منه ، ويا له من تلفيق مضحك مثل الاتحاديين الذين كان قتل الإنسان عندهم أهون من قتل الذباب ، ولا يستطيع احد أن يقول : أنهم لم يهتموا أو لم يأخذوا مأخذ الجد .
ويصف ( فالح رفق ) نظرة الاتحاديين إلى مصطفى كمال وهو وصف ينطبق بالضبط على حقيقته فيقول: " كان مصطفى كمال بالنسبة للاتحاديين سكيرا لأنه يشرب وانتهازيا ، لأنه كان دائم النقد بين أصدقائه للأوضاع القائمة ، وساقطا من الناحية الأخلاقية لكونه مغرما باللهو والمجون ، ومع أن له قيمة من الناحية العسكرية إلا انه شره للشهرة لا يشبعه أي شيء " .
الفصل الثالث : المؤامرة
في هذا الفصل سنستعرض أهم المفاصل العسكرية التي مر بها مصطفى كمال ، وتنقله من مدينة لأخرى ، إلى جانب ترقيه ووصوله إلى أعلى المناصب العسكرية في الدولة العثمانية ، إلى جانب مواقفه الخيانية في عدة جبهات قتالية وتآمره على الدولة العثمانية ، وإخضاع مصالحه الشخصية وأهوائه فوق مصلحة الدولة ، إلى جانب الإطاحة بحكم السلطان عبد الحميد الثاني .
عندما بدأت تحركات جمعية الاتحاد والترقي ضد السلطان عبد الحميد ، فاندلعت الثورة ، ومن بدون مقدمات ، على يد مجموعة من الشبان الأتراك ، في ربيع عام 1908م ، فقام (نيازي) ـ وهو احد قادة جماعة الاتحاد والترقي ـ بحشد بعض جنوده وزحف بهم عبر مقدونيا الجنوبية ، وما كان (أنور) يعلم بتمرد (نيازي) حتى اصدر بيانا يعلن فيه الثورة ، وزحف هو الآخر بفيلقه ، وفكر مصطفى كمال بالانضمام إلى الثورة رغم كرهه واحتقاره (لنيازي وأنور ) إلا انه تراجع في اللحظة الأخيرة بعد أن اعتبر القضية مجرد مغامرة ، فأعضاء جمعية الاتحاد والترقي لا يزيدون على الثلاثمائة شخص ما بين عسكريين ومدنيين ، عدا أن القائمين بالثورة لم يبنوا تصرفهم على أي دراسة صحيحة واقعية لإمكانية تجاوب الشعب وسائر قطاعات الجيش معهم ، فبقي منصرفا إلى واجباته العسكرية البحتة ، وكان يرد على كل من يسأله رأيه بهذه الثورة إنها " مجرد مغامرة لن تعيش أكثر من يومين " .
إلا أن الثورة نجحت رغم كل التقديرات المعاكسة ، ولأول مرة اخطأ مصطفى كمال في حساباته وتحسباته للأمور الجدية ، فالجنود الذين أرسلهم عبد الحميد على جناح السرعة من اسطنبول إلى مقدونيا لسحق الثورة ما لبثوا أن انضموا إلى القائمين بها ، إذ أقنعهم الثوار بان الثورة إنما قامت لمصلحتهم ، عندها اصدر عبد الحميد أوامره إلى إحدى الفرق المرابطة في العاصمة ، والتي كانت تعتبر من أفضل فرق الجيش تدريبا وانضماما بالتوجه إلى مقدونيا والقضاء على الجنود الذين قاموا بحركة التمرد ، إلا أن هذه الفرقة رفضت تنفيذ الأوامر ، مما رفع معنويات القرار واكسبهم نصرا لم يكونوا ليتوقعوه أو حتى ليحلموا به ، فقرروا الزحف على العاصمة ، فأدرك عبد الحميد أن الثورة ليست مجرد عمل طائش قام به بعض المغامرين وشعر أن العرش بدأ يهتز من تحته ، فأعلن تشكيل حكومة وعهد إليها بتطبيق الدستور الذي كان ( مدحت باشا ) قد وضعه عام 1876م ، وامتدح الثوار ووصفهم بأنهم أبطال الوطن وحماته البواسل ، ثم أعرب عن استعداده لاستقبالهم والترحيب بهم في قصره في استانبول وتهنئتهم على العمل البطولي الذي قاموا به !.
وكانت هناك عدة أسباب جعلت من جمعية الاتحاد والترقي أن تبقي السلطان عبد الحميد الثاني في تلك الفترة على العرش منها :
1- لم تكن في حوزة الاتحاد والترقي القوة الكافية بعزله في عام 1908م.
2- إتباع عبد الحميد الثاني سياسة المرونة معهم، وذلك بتنفيذ رغباتهم بإعادة الدستور.
3- ولاء العثمانيين لشخص السلطان عبد الحميد، وهذه النقطة واضحة، حيث أن لجنة الاتحاد والترقي لم تكن لها الجرأة الكافية على نشر دعايتها ضد السلطان عبد الحميد الثاني بين الجنود ، لأن هؤلاء كانوا يبجلون السلطان .
أما مصطفى كمال عندما احتلت ليبيا من قبل ايطاليا سنة 1911م ، فانه يذهب إلى ليبيا للاشتراك في محاربة الايطاليين .
وقد اشتهر مصطفى كمال بمقاومة الاحتلال الايطالي لليبيا ، وهناك في ليبيا نجد كل من يشتهي أن يلمع اسمه ، من أنور إلى مصطفى كمال ، وباعتراف مصطفى كمال فان هذه المقاومة كانت عبثا وبدون أمل أو فائدة إلا فائدة واحدة وهي إيهام الشعب بان الواجب الوطني يراعى ويوفى بحقه ، أي خداع الشعب .
الإطاحة بحكم السلطان عبد الحميد الثاني:
إن الصهيونية العالمية لم تقتصر على الانقلاب الدستوري لعام 1908م، بل تعاونت مع جمعية الاتحاد والترقي لتحقيق مكاسب أخرى في فلسطين ، وعليه كان لابد من التخلص من السلطان عبد الحميد الثاني نهائياً ولذلك دبرت أحداث في 31 أبريل 1909م في استانبول وترتب على أثرها، اضطراب كبير قتل فيه بعض عسكر جمعية الاتحاد والترقي؛ عرف الحادث في التاريخ باسم حادث 31 مارت .
واتفقت هذه الرغبة مع رغبة الدول الأوروبية الكبرى خاصة بريطانيا التي رأت في ذلك الخطوة الأولى لتمزيق الإمبراطورية العثمانية، وشعر اليهود والأرمن أنهم اقتربوا كثيرًا من أهدافهم؛ لذلك كانت أحداث 31 مارت ـ هو الشهر الأول من شهور السنة الرومية، ويقابل شهر إبريل، مع فارق بين الشهرين مقداره 18 يوما ـ ويوافق يوم 21 ربيع أول 1327 هـ / 13 إبريل 1909؛ حيث حدث اضطراب كبير في إستانبول قتل فيه بعض جنود الاتحاد والترقي.
وعلى إثر ذلك جاءت قوات موالية للاتحاد والترقي من سلانيك، ونقلت إلى إستانبول، وانضمت إليها بعض العصابات البلغارية والصربية، وادعت هذه القوات أنها جاءت لتنقذ السلطان من عصاة إستانبول، وأراد قادة الجيش الأول الموالي للسلطان عبد الحميد منع هذه القوات من دخول إستانبول والقضاء عليها إلا أن السلطان رفض ذلك، وأخذ القسم من قائد الجيش الأول بعدم استخدام السلاح ضدهم؛ فدخلت هذه القوات إستانبول بقيادة محمود شوكت باشا وأعلنت الأحكام العرفية، وسطوا على قصر السلطان وحاولوا الحصول على فتوى من مفتي الدولة بخلع السلطان لكنه رفض، فحصلوا على فتوى بتهديد السلاح.
وقد حدث هذا الاضطراب الكبير في العاصمة بتخطيط أوروبي يهودي، مع رجال الاتحاد الترقي وتحرك على أثره عسكر الاتحاد والترقي من سلانيك ودخل استانبول، وبهذا تم عزل خليفة المسلمين السلطان عبد الحميد الثاني من كل سلطاته المدنية والدينية. ثم وجهت إليه جمعية الاتحاد والترقي التهم التالية:
• تدبير حادث 31 مارت.
• إحراق المصاحف.
• الإسراف.
• الظلم وسفك الدماء .
مع أن جمعية الاتحاد والترقي العثمانية، تبنت الأفكار الغربية المضادة للإسلام وللفكر الإسلامي؛ لكنها استغلت الدين عند مخاطبتها للناس للتأثير فيهم، وكسب أنصار لهم في معركتهم ضد السلطان عبد الحميد الثاني. وقد نجحوا في ذلك.
إن التهم التي وجهت للسلطان عبد الحميد الثاني لا تثبت أمام البحث العلمي، والحجج، والبراهين الدالة على براءته الكلية مما ينسب إليه، فقد أثبتت الأدلة على عدم علم السلطان عبد الحميد بحادث 31 مارت، كما أنه من المحال إحراق السلطان عبد الحميد للمصاحف، فهو سلطان معروف بتقواه، ولم يعرف عنه تركه للصلاة وإهماله للتعبد، كما أنه معروف بعدم إسرافه ولأنه لا يعرف الإسراف فقد كان المال يتوفر معه دائماً ولذلك فقد أزاح من على كاهل الدولة أعباء كثيرة من ماله الخاص، وعن ظلمه وسفكه للدماء فلم يعرف عن السلطان عبد الحميد هذا، وسفك الدماء لم يكن أبداً ضمن سياسته .
ولم لا يغيب عن بال الانقلابيين الضغط على مفتي الإسلام محمد ضياء الدين بإصدار فتوى الخلع ففي يوم الثلاثاء السابع والعشرين من شهر نيسان عام 1909م اجتمع 240 عضواً من مجلس الأعيان في جلسة مشتركة وقرروا بالاتفاق خلع السلطان عبد الحميد الثاني وكتب مسودة الفتوى الشيخ نائب حمدي أفندي المالي لكن أمين الفتوى نوري أفندي الذي دعي للاجتماع رفض هذه المسودة وهدد بالاستقالة من منصبه إن لم يجر تعديل عليها وأيده في التعديل عدد من أنصاره من النواب فعدل القسم الأخير على أن يقرر مجلس المبعوثان عرض التنازل عن العرش أو خلعه.
وبتكليف من جمعية الاتحاد والترقي تم تكوين لجنة لإبلاغ خليفة المسلمين وسلطان الدولة العثمانية عبد الحميد الثاني بقرار خلعه. وكانت هذه اللجنة تتألف من:
1. إيمانويل قراصو: وهو يهودي أسباني. كان من أوائل المشتركين في حركة تركيا الفتاة وكان مسئولا أمام جمعية الاتحاد والترقي عن إثارة الشغب وتحريضه ضد السلطان عبد الحميد الثاني وتأمين التخابر بين سلانيك واستانبول فيما يتعلق بالاتصالات الحركة. وقراصو هذا محام، عملت جمعية الاتحاد والترقي بنجاح على تعينيه في المجلس النيابي العثماني نائباً عن سلانيك مرة وعن استانبول مرتين. وصفته المصادر الانكليزية بأنه من قادة الاتحاد والترقي. عمل أثناء الحرب مفتشاً للإعاشة ، واستطاع أثناء وجوده في هذا المنصب أن يجمع أموالاً كثيرة لحسابه الخاص، ولعب دوراً هاماً في احتلال إيطاليا لليبيا نظير مبلغ من المال دفعته إليه إيطاليا. واضطر نتيجة لخيانته للدولة أن يهرب إلى إيطاليا ويحصل على حق المواطنة الإيطالية واستقر في تريسنا حيث مات عام 1934م. وكان أثناء وجوده في الدولة العثمانية الأستاذ الأعظم لمحفل مقدونيا ريزولتا الماسوني.
2. آرام : وهو أرمني عضو في مجلس الأعيان العثماني.
3. أسعد طوبطاني: وهو ألباني ، نائب في مجلس المبعوثان عن منطقة دراج.
4. عارف حكمت: وهو فريق بحري وعضو مجلس الأعيان، وهو كرجبي العراق.
تنازل السلطان عبد الحميد الثاني عن العرش لأخيه محمد رشاد في 6 ربيع آخر 1327 هـ / 27 إبريل 1909م)، وانتقل مع 38 شخصًا من حاشيته إلى سلانيك بطريقة مهينة ليقيم في المدينة ذات الطابع اليهودي في قصر يمتلكه يهودي بعدما صودرت كل أملاكه وأمواله، وقضى في قصره بسلانيك سنوات مفجعة تحت رقابة شديدة جدًا، ولم يسمح له حتى بقراءة الصحف.
الوفاة :
وقد تُوفِّي السلطان عبد الحميد الثاني في 28 ربيع آخر 1336 هـ /10 فبراير 1918م عن ستة وسبعين عامًا، واشترك في تشييع جنازته الكثير من المسلمين، ورثاه كثير من الشعراء، بمن فيهم أكبر معارضيه "رضا توفيق" الذي كتب يقول:
عندما يذكر التاريخ اسمك
يكون الحق في جانبك ومعك أيها السلطان العظيم
كنا نحن الذين افترينا دون حياء
على أعظم سياسي العصر
قلنا: إن السلطان ظالم، وإن السلطان مجنون
قلنا لا بد من الثورة على السلطان
وصدقنا كل ما قاله لنا الشيطان .
أهداف حملات التشهير بالسلطان عبد الحميد :
لقد تعرض السلطان عبد الحميد إلى التشهير العنيف والواسع والشديد ، ولذلك لتحقيق أربعة أغراض :
1. الدفاع عن أعضاء جمعية الاتحاد والترقي حين أقدموا على خلع عبد الحميد عام 1909م ، فأرادوا تبرير تصرفهم بأنهم لم يكن أمامهم سوى طريق واحد هو إنهاء حكمه كي تستعيد الدولة مكانتها وتسترد ولاياتها السليبة التي انتزعتها منها الدول الأوروبية على عهده .
2. تغطية فشلهم الذريع في حكم الدولة سواء في شؤونها الداخلية أو الخارجية كي يعتقد الرأي العام في الدولة وفي خارجها أن حكمهم لم يكن أسوا من حكم عبد الحميد الذي لم يكن فيه الفرد يتمتع بحريته أو يأمن على حياته ، وان البلاد في ظل هذا السلطان كانت محرومة من الحياة الدستورية خاضعة تماما للسيطرة الأجنبية .
3. إبراز صورة وضيئة ناصعة البياض لعهد مصطفى كمال ومشايعيه إذا قورن حكمهم بحكم السلاطين العثمانيين بعامة والسلطان عبد الحميد بخاصة إذ كان أقربهم إلى أذهان الجماهير التركية لقرب عهدهم به ، ولأنه كان من أشهر السلاطين ، وكذلك تبرير تصرفاتهم حين الغوا نظام السلطنة العثمانية سنة 1922م ، ثم انشئوا النظام الجمهوري وأعلنوا قيام الجمهورية التركية سنة 1923م ، ثم الغوا الخلافة الإسلامية سنة 1924م .
4. رغبة القائمين على الحركة الصهيونية في تدمير سيرته انتقاما منه لسياسته المعادية لأهدافهم في فلسطين .
وبعد خلع السلطان عبد الحميد أصبح كل شيء بيد الاتحاديين ،وكان السلطان الخليفة معهم مجرد شكل لا غير ، ولم يتعاقب على الخلافة بعد ذلك سوى ثلاثة خلفاء ، ثم اشتركت الدولة في الحرب العالمية الأولى وهزمت وتجزأت .
أما الخلفاء الذين تعاقبوا أيام حكم الاتحاديين فهم :
1. محمد رشاد ( محمد الخامس ) ، وقد تولى الحكم عام 1910م وهو أخو السلطان عبد الحميد الثاني ، وكان عمره ثماني وستين سنة حين تولى الحكم ، وفي ذلك الوقت كان الاتحاديون يختلفون فيما بينهم وتتباين آرائهم وذلك نتيجة لاندلاع الحرب العالمية الأولى واشتراك الدولة فيها .
2. محمد وحيد الدين ، وهو أخو رشاد الذي استسلمت الدولة في عهده وقتذاك ، وقد حاول السلطان وحيد الدين أن ينقذ الدولة بعد هزيمتها وسيطرة الحلفاء على استانبول واحتلال اليونان للأقسام الغربية ووقوع البلاد العربية تحت الاحتلال ، فوضع ثقته في مصطفى كمال الذي كان يتولى قيادة القوات التركية التي تحمي الدردنيل ، فهو الذي أنقذ البلاد من وقوعها تحت الاحتلال البريطاني؟! ، وما لبث أن تم إجبار وحيد الدين على التنازل عن السلطنة والخلافة عام 1341هـ / 1922م ، وقد كان خليفة فقط بعد إلغاء السلطنة .
مواقف خيانية من قبل مصطفى كمال :
في سنة 1912 اندلعت حرب البلقان ، وعندما لا يستطيع البلغار تخطي خط ( جتالجة ) فبدؤوا يتهيئون لتغيير اتجاههم والهجوم على شبه جزيرة ( غاليبون ) ، فيفكر العثمانيون بقطع طريق رجوع البلغاريين الذين مالوا إلى المضيق وذلك بتوجيه بعض القوة العسكرية إلى شواطئ مرمرة وبذلك يجعلون البلغاريين بين نارين حيث يستطيع القضاء عليهم وإفناءهم ، فماذا كان دور مصطفى كمال في هذه الخطة ؟ ، وماذا عمل ؟.
يذكر د.رضا نور في مذكراته ما يلي : " في المرحلة الأخيرة لحرب البلقان كان الجيش موجودا في (تكير داغ ) وحاواليها ، وقد أرسل جيش من قبلنا للدفاع عن شبه جزيرة (غاليبوا ) ، وقد كان هذا الجيش تحت قيادة ( علي فتحي ) و ( مصطفى كمال ) ، وبحسب الخطة التي وضعها أنور فقد كان على الجيش أيضا مهاجمة الجيش البلغاري لدحره ، وقد تم التفاهم على الخطة ، ولكن مصطفى كمال بدأ بالهجوم دون أن ينتظر هجوم أنور باشا فاندحر وهرب ، فاضطروا إلى إرسال جيش أنور باشا إلى شبه جزيرة ( غاليبوا ) خوفا من هجوم البلغار واستيلائهم عليها ، وقد أرسل ( الميرلاي صادق صبري ) للتحقيق ، وما أن وصل إلى هناك حتى التقى مع ( على إحسان باشا ) في الميناء حيث اخبره هذا بان هذه الكارثة حدثت نتيجة خيانة مصطفى كمال ، أما دافع مصطفى كمال لاقتراف هذه الخيانة فهو الحيلولة دون حصول أنور على شرف الانتصار والغلبة ، ثم ذهب صادق صبري للتحقيق مع ضباط فرق الجيش حول هذه الكارثة حيث كانوا متفقين في أن هناك قصدا أو خيانة في الأمر ، وعندما قام صادق صبري باستجواب مصطفى كمال لم يجر هذا جوابا ، وقد عرفت هذا الأمر من صادق صبري نفسه ، وقد نشر جمال الغزي رسالة حول هذه القضية حيث رد عليها فتحي قائلا : " إن أمثال هذه الخيانات تبقى عندنا بدون عقاب ، وهذا شيء مؤلم " .
ثم رقي بعد فترة إلى رتبة قائمقام ، ولكن أخرج بعيداً عن مسرح السياسة والتوجيه لأنه كان مكروهاً من الاتحاديين فيما عدا صلته بجمال باشا الذي يجمعه به كراهيتهما للألمان ، ولما كثر نقده للاتحاديين أبعدوه ملحقاً عسكرياً في صوفيا.
ولما اندلعت الحرب الأولى طلب أتاتورك من أنور أن يوليه قيادة إحدى الجبهات ، وبعد طلبه عدة مرات تولى قيادة القطاع الجنوبي في شبه جزيرة (غاليبولي) ، فأبدى شجاعة فائقة وانتصاراً كبيراً ، وبعد انسحاب الحلفاء من (غاليبولي) رجع مزهواً بالنصر منتفخاً بالغرور إلا أن أنور تجاهله ، فلجأ إلى الدس والمؤامرة على الاتحاديين فألقي القبض عليه وعلى المتآمرين وشنق أنور مجموعة منهم إلا أنه لم يشنق مصطفى وأبعده إلى بلاد القوقاز حيث الجيش السادس ثم إلى ديار بكر حيث الجيش الثاني ، ولم يكن له هناك شأن يذكر لانسحاب الروس إثر الثورة الشيوعية سنة 1917م .
ثم أرسلوه إلى الشام سنة 1917م وكان قد وصل إلى رتبة لواء أي باشا وصار مساعداً لقائد الجيش الثاني.
ثم عين قائداً لجبهة فلسطين ، وفي فلسطين تمت الصفقة مع أللنبي القائد الإنجليزي واتفق الإنجليز مع مصطفى كمال ، على الانسحاب ليدخل أللنبي برداً وسلاماً وليضرب الجيوش التركية الأربعة ضربة قاصمة بعد أن ارتد أللنبي خائباً من أبواب السلط بعد أن هزمه جمال باشا قائد الجيش الرابع
وكانت نتيجة هذه الخيانة تحطيم تركيا إلى الأبد، وأما نتيجة المعركة فكانت كارثة:
كان عدد الأسرى يقرب من مائة ألف جندي عدا القتلى برصاص الدروز والأرمن
الأدلة على خيانة مصطفى كمال واتفاقه مع الإنجليز:
هناك أدلة كثيرة على خيانة مصطفى كمال واتفاقه على الانسحاب من فلسطين وتدمير الإسلام :
1. إن انسحاب مصطفى كان من موقع حصين وهو شرق نابلس الوعرة ، وقد تم الانسحاب في نفس الليلة التي دخل فيها أللنبي وهي ليلة19/9/1917 ، وقم تم الانسحاب من نابلس إلى شرق الأردن فدمشق فحلب فجبال طوروس ، وقد كان الانسحاب فجائياً بسرعة البرق .
2. ولم يكن وضع أللنبي العسكري بحالة تمكنه من هذا النصر الساحق.
يقول لورانس:" لقد قال لي أللنبي في 5 أيار سنة 1917م : إن كلينا مرغم على البقاء حيث هو والدفاع عن هذا البقاء بأي ثمن ، إن مصيرنا كله على كف عفريت ".
يقول الجنرال التركي ـ مؤلف كتاب الرجل الصنم ـ :" وهنا يتفق مصطفى كمال مع القائد الإنجليزي الجنرال أللنبي سراً وبانسحاب فجائي يحرم الجيش التركي من ذراعي الاستناد ، ويؤدي بذلك إلى وقوع الجيش بيد الأعداء" ، ويقول ضابط تركي معاصر : " كان رفقائي في السلاح في جبهة فلسطين يذكرون أن الخيالة الإنجليز قاموا باختراق جبهة الجيش الذي كان تحت إمرة مصطفى كمال ، وأنهم بذلك وصلوا إلى مؤخرة أربعة جيوش حيث تمت الكارثة التي لا يتحملها العقل والخيال " .
وكان قائد الجيش الرابع جمال باشا يرى على الدوام أن مصطفى كمال هو المسئول عن الهزيمة ، ويقول الدكتور علي حسون : " وفي سنة 1337هـ عين مصطفى كمال قائداً لأحد الجيوش في فلسطين حيث قام بإنهاء القتال مع الإنجليز فوراً وبصورة تامة وسمح للعدو بالتقدم شمالاً دون مقاومة ، وسحب قواته شمالاً لما بعد حلب حسب مخطط متفق عليه " .
3. اتصل الإنجليز بمصطفى كمال يوم أن كان قائداً في فلسطين وطلبوا إليه أن يقوم بثورة على السلطنة ، ووعدوه أن يساعدوه على ذلك ، فاتصل مصطفى كمال بقائدين عثمانيين من زملائه كانا يتوليان قيادة جيشين قريبين منه وطلب وفاقهما في الأمر ، فلما سمعا الخبر استعظماه واستنكراه وقالا له:" بما أنك لم تحاول العصيان الذي يوجب الإعدام فإننا سنكتم الأمر وننصحك أن تعتبره منسيا " .
4. بعد اندحار أللنبي أمام جمال باشا في السلط أرسل جمال إلى الأمير فيصل بن الحسين قائد القوات العربية يعرض الصلح بين الأتراك والعرب ، وهذا الصلح لو تم لأصبح من شبه المستحيل على أللنبي أن ينتصر على العرب والترك معاً.
قال لورانس: " وكان جواب فيصل على تلك المذكرة أنه سيأتي الوقت المناسب لعقد تلك المعاهدة وفي إمكانه ضمان ولاء جيش لجمال باشا إذا أخلى الأتراك عمان لحكومة عربية تشكل فيها على الأثر" .
قال لورانس:" وما أن وصلت هذه الأخبار إلى مصطفى كمال الثائر على السلطات التركية فإذا بمصطفى يرجو فيصلا عدم الانصياع لرغبات جمال باشا وطعنه ويعد بالمساندة في حالة نجاحه في إخلاء دمشق لإقامة دولة عربية مستقلة " .
وهنا نتساءل ما الذي أوصل هذه المكالمات السرية إلى مصطفى كمال؟ أليسوا الإنجليز؟ ولماذا يجهد مصطفى كمال في منع عقد الصلح الذي هو في مصلحة تركيا؟
أوليس ووراء الكواليس شيء يوعد به مصطفى كمال من قبل الإنجليز؟ وما معنى في حالة نجاحه؟ أوليس نجاحه فيما اتفق عليه مع الإنجليز؟ وهو إسقاط الدولة العثمانية مقابل الوعد والأماني الشيطانية الإنجليزية؟
إن كلام أللنبي ومصطفى كمال واحد يتفق في الهدف والصيغة، إنه ليس كلام قائد تركي يقاتل الإنجليز، إنه كلام قائد يحمي جبهة بريطانيا من الانهيار، ويحرم العرب الأتراك من النصر وهذا الذي حصل .
5. بعد انتصار أللنبي حضر إلى اسطنبول فطلب من الدولة التركية المهزومة أن تعين مصطفى كمال قائدا للجيش السادس قرب الموصل حيث النفوذ الإنجليزي ومنطقة البترول لحماية مصالح الإنجليز وأمنهم هناك .
6. إن مصطفى كمال بعد الهزيمة الكبرى التي كبدها تركيا ، وبعد رجوعه كان على صلة بالقس المشهور (FRID) فرد الذي كان رئيسا للاستخبارات الإنجليزية في تركيا .
7. كان مصطفى كمال على صلة وثيقة بالسلطان وحيد الدين (محمد السادس) ، وذلك لأنه عين في ربيع سنة 1918م مرافقاً عسكرياً له ، وكان آنذاك ولياً للعهد ، وأظهر مصطفى كمال آنذاك لوحيد الدين كراهيته للإتحاد والترقي ، وأبدى صلاحاً وحرصاً على مصلحة تركيا ، وسرعان ما أصبح الاثنان صديقين حميمين ، وغدا مصطفى جندياً للأمير وأميناً لسره.
وفي أثناء الحرب مات السلطان محمد رشاد (الخامس) وتولى وحيد الدين الخلافة، فقرب مصطفى كمال ورفع من مكانته، وأرسله وحيد الدين ليتولى مكافحة المستعمرين في الأناضول، وأعطاه مبلغا كبيرا من الذهب (عشرين ألف ليرة ذهبية) .
يقول الشيخ مصطفى صبري : " لقد شاعت كلمة سمعتها على لسان أحد الإنجليز أن السلطان أراد أن يكيد الإنجليز بمصطفى كمال، فكاد الإنجليز به السلطان ".
وفي الأناضول اتفق مصطفى كمال على أن يتولى عن غربي الأناضول ، وأما القائد (كاظم قره بكر) فيتولى الدفاع عن شرقي الأناضول.
قال كاظم: " ولكن بعد أن مر 18 يوما على تثبيت هذه الخطة ـ أي في 3 شباط سنة 1920م ـ تلقيت رسالة بالشفرة من سيادة مصطفى كمال يقول فيها:" ليس هناك مجال للمقاومة المسلحة ضد شروط الصلح الفاسدة إلا في القفقاس، أما في الجهات الأخرى فليس في الإمكان عمل أي شيء فإذا ساعدت تركيا البلاشفة في الاستيلاء على قفقاسيا ، ووحدت جهودها معهم فإن الأناضول -من الغرب إلى الشرق- وكذلك العراق وإيران وأبواب الهند تكون قد فتحت على مصراعيها .
فجاء خليل باشا عم (أنور باشا) إلى أهل أذربيجان (قفقاسيا) وقال لهم: "إن تركيا ترغب منكم السماح للجيش الروسي بالعبور لتقديم المساعدة إلى تركيا ، فقال أهل أذربيجان:" وقد خدعنا بهذا القول وأدخل الروس علينا دون أن نبدي أي مقاومة ، مع أننا كنا نملك جيشاً وكنا على استعداد للدفاع ، ولكن لم يدعنا ندافع وهكذا دخلنا مرة أخرى تحت السيطرة الروسية .
وكانت هذه خطة إنجليزية ليظهر مصطفى كمال أنه عدو لبريطانيا ، ولقد جاء (راولنسوون-شقيق اللورد كيرزون) وزير خارجية بريطانيا واجتمع مع كاظم وعرض عليه نفس الخطة ، فذهل كاظم للتوافق العجيب والفجائي بين رغبة مصطفى كمال الذي تظاهر بعداوة الإنجليز وبين رغبة الإنجليز أنفسهم .
لقد خطط -راولنسون- وبصفقة متبادلة مع روسيا لذبح الشعب القفقاسي المسلم وألقوا خطتهم إلى عميلهم مصطفى كمال ، ونفذها كاظم باشا وخليل باشا ووقعت القفقاس المسلمة في قبضة الشيوعيين ليذبح أهلها في مفارم اللحم (البلوبيف) ، وليساموا سوء العذاب إلى يومنا هذا منذ نيف وستين سنة ، وليمسح الإسلام من أرضها نهائياً ويجتث منها اجتثاثاً ، وقد ثبت أن العقيد (راولنسون) قد اجتمع مع مصطفى كمال في بيت في أرضروم اجتماعاً في غاية السرية والأهمية دام حتى الصباح .
8. تصريح دهاقيين السياسة الإنجليزية آنذاك بوجوب إقامة معاهدات صداقة مع مصطفى كمال.
يقول اللورد كيرزون وزير خارجية بريطانيا:" لا يمكن لأي فرد تركي بعد هذا الاحتلال المنحوس (لأزمير) من قبل اليونان إلا أن يتعاطف بعمق مع القضية الوطنية التي عليها الآن مصطفى كمال .
ويقول رئيس الأركان سير هنري ولسون:" ليس أمام الدبلوماسية الإنجليزية إلا أن تعقد الصداقة مع مصطفى كمال".
9. مسرحيات الانتصارات الساحقة في الأناضول وخاصة في سقاريا أفيون ، أزمير التي جعلت من مصطفى كمال خارقة من الخوارق تغنى بمدحها الشعراء حتى قال أحمد شوقي:
الله أكبر كم في الفتح من عجب يا خالد الترك جدد خالد العرب !
ثم يجعله في مصاف صلاح الدين الأيوبي حين يقول:
حذوت حرب الصلاحيين في زمن
فيه القتال بلا شرع ولا أدب
وشبه انتصاره بانتصار بدر فيقول:
يوم كبدر فخيل الحق راقصه
على الصعيد وخيل الله في السحب
تهيئة أيها الغازي وتهنئة
بآية الفتح تبقى آية الحقب
لقد تمت المسرحية بهذا الإخراج الساحر الذي يأخذ بالألباب، لقد شدد الإنجليز في فرض الشروط على الخليفة ليبدو عاجزاً ضعيفاً وتساهلت مع مصطفى كمال ليظهر بطلاً فريداً.
يقول الشيخ مصطفى صبري : لقد أبلغتنا لجنة الحلفاء العليا المقيمة في باريس والمؤلفة من رؤساء وزارات كل من إنجلترا وفرنسا وإيطاليا واليونان في مساء 14 مايو سنة 1919 قرارا يقضي بنزول الجيوش اليونانية في أزمير ومقدونية ، ويحذرنا من المقاومة التي يعتبرونا نقضا للهدنة ، في اليوم الثاني أي في 15 مايو سنة 1919م نزل اليونان في أزمير.

الفصل الرابع : الكارثة
في هذا الفصل والأخير ، نتحدث عن تداعيات إنهاء الخلافة الإسلامية إلى جانب الأعمال التي قام بها مصطفى كمال لإلغاء مظاهر الإسلام في البلاد.
بعد إلغاء السلطنة في 1 تشرين ثاني 1922م ، رحل السلطان محمد وحيد الدين على سفينة انكليزية إلى مالطا واختار المجلس الوطني عبد المجيد الثاني خليفة فقط .
وقام مصطفى كمال بإعلان الدستور الجديد الذي نص على أن تركيا أصبحت جمهورية ، وانتخب مصطفى كمال أول رئيس لها ، وعصمت اينونو أول رئيس وزراء .
أولا إلغاء الخلافة :
وعندما التفت المعارضة التركية لمصطفى كمال حول الخليفة عبد المجيد ، فخشي من الإطاحة به ، وكذلك شعر مصطفى كمال أن هذا الخليفة ، قد يصبح نقطة لتجمع المسلمين ، والتفاف المسلمين جميعا حوله بصفته أعلى رجل دين في الإسلام ، وكان مصطفى كمال لا يريد منافسا ، ويريد قطع الجذور العميقة بالإسلام والماضي ، فاستصدر قرارا من الجمعية الوطنية في 3 آذار 1924م بإلغاء الخلافة وإخراج الخليفة من البلاد ، وصدر بذلك صيغة جديدة للدستور في 20 نيسان ، وفي هذا التاريخ ، تاريخ إلغاء الخلافة يشغر لأول مرة تاريخ الإسلام من منصب خليفة منذ وفاة الرسول (ص) وخلافة أبو بكر .
وعندما طرح مصطفى كمال على الجمعية مشروع قرار بإلغاء الخلافة التي أسماها " هذا الورم من القرون الوسطى " ، وقد أجيز القرار الذي شمل نفي الخليفة في اليوم التالي دون مناقشة، وانطفأت على يد مصطفى كمال شعلة الخلافة التي كان المسلمون طيلة القرون يستمدون من بقائها رمز وحدتهم واستمرار كيانهم .
لقد كان مصطفى كمال ينفذ مخططاً مرسوماً له في المعاهدات التي عقدت مع الدول الغربية، فقد فرضت معاهدة لوزان سنة 1340هـ/1923م على تركيا فقبلت شروط الصلح والمعروفة بشروط كرزون الأربع " وهو رئيس الوفد الانجليزي في مؤتمر لوزان " وهي:
1- قطع كل صلة لتركيا بالإسلام.
2- إلغاء الخلافة الإسلامية إلغاءً تاماً.
3- إخراج الخليفة وأنصار الخلافة والإسلام من البلاد ومصادرة أموال الخليفة.
4- اتخاذ دستور مدني بدلاً من دستور تركيا القديم .
وعم الاستياء الشديد العالم الإسلامي، فشوقي الذي مدحه سابقاً بكى الخلافة فقال:
عادت أغاني العرس رَجْعَ نواح
ونُعيتِ بين معالم الأفراح
كُفِنتِ في ليلِ الزِفاف بثوبه
ودُفنتِ عند تَبَلُج الإصباحِ
ضَجَتْ عليك مآذن ومنابر
وبكيت عليك ممالكُ ونواحِ
الهندُ والهة، ومصر حزينة
تبكي عليك بمدمع سحاحِ
والشام تسأل، والعراق وفارسٌ
أمَحا من الأرض الخلافة ماحِ
ياللرجال لحُرةٍ مؤودة
قُتِلتْ بغير جريرة وَجُناحِ
ثم انبرى شوقي بوجه التقريع والنقد الشديد إلى أتاتورك الذي يريد بجرة قلم وبالحديد والنار أن ينقل الأتراك رغم أنوفهم من آسيا إلى أوروبا ، ومن جذورهم العميقة في الشرق إلى الانتظار على أبواب الغرب:
بَكتِ الصلاة وتلك فِتنةُ عابثٍ
بالشرع عربيدِ القضاء وَقاحِ
أفتى خُزَعبلةٍ وقال ضلالة
وأتى بكفر في البلاد بُواحِ
إن الذين جرى عليهم فِقْهُهُ
خُلقِوا لفِقِهِ كتبية وسِلاحِ
نَقَل الشرائعَ والعقائد والقُرى
والناسَ نَقْلَ كتائب في الساحِ
تركته كالشبح المؤلة أمه
لم تَسْلُ بَعْدُ عبادة الأشباحِ
غرته طاعات الجموع ودولة
وَجَد السواد لها هوى المرتاح
ولم يترك شوقي أن يبين سبب ظهور هؤلاء المتسلطين إلى جهل الشعوب واستسلامها للطغاة المستبدين فقال:
مجدُ الأمور زواله في زَلةٍ
لا ترْج لا سمك بالأمور خلوداً
خلعته دون المسلمين عِصابةُ
لم يجعلوا للمسلمين وجوداً
يقضون ذلك عن سواد غافل
خُلِقَ السواد مضَلَلا ومَسْودا
إلـيّ نظرت إلى الشعوب فلم أجد
كالجهل داءً للشعوب مُبيْدا
وإذا سبي الفردُ المسلط مجلساً
ألفيت أحرار الرجال عبيدا
ثانيا إجراءات مصطفى كمال لمحو آثار الخلافة الإسلامية :
منذ لحظة إعلان الجمهورية التركية عام 1923م برئاسة مصطفى كمال بدأ أتاتورك اتخاذ الترتيبات نحو الاتجاه للغرب ، وقد وصف كمال قانون العلمانية وفصل الدين عن الدولة ، بأنه : " انتصار للكفاح في سبيل المدنية ، وان تصفية الدستور بإخراج المادة القائلة أن الإسلام دين الدولة هو بمثابة لبس التاج في مراسيم انتصار دعاوينا الأساسية " .
وقال أيضا : " إن الدولة التركية دولة علمانية ، وكل راشد حر في اختيار دينه ، إن الأمة التركية دولة تدار بالنظام الجمهوري الذي هو إرادة الشعب " .
أولا إجراءات مصطفى كمال في مجال الدين :
1. فألغيت وزارة الأوقاف سنة 1343هـ/1924م، وعهد بشؤونها إلى وزارة المعارف.
2. وفي عام 1344هـ/1925م أغلقت المساجد وقضت الحكومة في قسوة بالغة على كل تيار ديني وواجهت كل نقد ديني لتدبيرها بالعنف. وفي عام
1350-1351هـ/1931-1932م حددت عدد المساجد ولم تسمح بغير مسجد واحد في كل دائرة من الأرض يبلغ محيطها 500متر وأعلن أن الروح الإسلامية تعوق التقدم.
3. وتمادى مصطفى كمال في تهجمه على المساجد فخفض عدد الواعظين الذين تدفع لهم الدولة أجورهم إلى ثلاثمائة واعظ ، وأمرهم أن يفسحوا في خطبة الجمعة مجالاً واسعاً للتحدث على الشؤون الزراعية والصناعية وسياسة الدولة وكيل المديح له. وأغلق أشهر جامعين في استانبول وحول أولهما وهو مسجد آيا صوفيا إلى متحف، وحول ثانيهما وهو مسجد الفاتح إلى مستودع.
4. أما الشريعة الإسلامية فقد استبدلت وحل محلها قانون مدني أخذته حكومة تركيا عن القانون السويسري عام 1345هـ/1926م. وغيرت التقويم الهجري واستخدمت التقويم الجريغوري الغربي، فأصبح عام 1342هـ ملغياً في كل أنحاء تركيا وحل محله عام 1926م.
5. وفي دستور عام 1347هـ/1928م أغفل النص على أن تركيا دولة إسلامية، وغير نص القسم الذي يقسمه رجال الدولة عند توليهم لمناصبهم، فأصبحوا يقسمون بشرفهم على تأدية الواجب بدلاً من أن يحلفوا بالله كما كان عليه الأمر من قبل.
6. وأهملت الحكومة التعليم الديني كلية في المدارس الخاصة، ثم تم إلغاءه بل أن كلية الشريعة في جامعة استانبول بدأت تقلل من أعداد طلابها التي أغلقت عام 1352هـ/1933م.
7. إغلاق الزوايا والتكايا الموجودة بالدولة سواء كانت وقفا أو ملكا لمشايخها .
8. إلغاء كل الطرق ومشايخها وإلغاء ألقاب الدراويش والمريد والأستاذ والسيد والجلبي والبابا والأمير والنقيب والخليفة والعرافة والسحر والتنجيم وكتابة التعاويذ والأحجية والتمائم .
9 . حظر استعمال عناوين وصفات أزياء تدل على تلك الطرق .
10. إغلاق جميع المزارات وقبور السلاطين والأولياء ومشايخ الطرق .
11. تحويل جميع ما في الزوايا والتكايا من أثاث إلى المتاحف التابعة للدولة .
12. زي العلماء هو عمامة بيضاء وجبة سوداء .
13. عدم إجبار العلماء على ارتداء الزي خارج وظائفهم .
14. يخير العلماء في السلام بين رفع غطاء الرأس أو الإشارة بأيديهم .
15. إلغاء لبس الطربوش وأمر بلبس القبعة تشبهاً بالدول الأوروبية .
16. وأخذ أتاتورك ينفخ في الشعب التركي روح القومية، واستغل ما نادى به بعض المؤرخين من أن لغة السومريين أصحاب الحضارة القديمة في بلاد مابين النهرين كانت ذات صلة باللغة التركية فقال:" بأن الأتراك هم أصحاب أقدم حضارة في العالم ليعوضهم عما أفقدهم إياه من قيم بعد أن حارب كل نشاط إسلامي" .
17. وعملت حكومته على الاهتمام بكل ما هو أوروبي فازدهرت الفنون وأقيمت التماثيل لأتاتورك في ميادين المدن الكبرى كلها، وزاد الاهتمام بالرسم والموسيقى ووفد إلى تركيا عدد كبير من الفنانين اغلبهم من فرنسا والنمسا.
18.وعملت حكومته على إلغاء حجاب المرأة وأمرت بالسفور ، وألغي قوامة الرجل على المرأة وأطلق لها العنان باسم الحرية والمساواة، وشجع الحفلات الراقصة والمسارح المختلطة والرقص.
19. وفي زواجه من لطيفة هانم ابنه أحد أغنياء أزمير الذين كانوا على صلة كبيرة مع اليهود من سكان أزمير، أجرى مراسم الزواج على الطريقة الغربية كي يشجع على نبذ العادات الإسلامية واصطحبها وطاف بها أرجاء البلاد وهي بادية المفاتن تختلط مع الرجال وترتدي أحدث الأزياء المعينة على التبرج الصارخ .
20. عمل على تغيير المناهج الدراسية وأعيد كتابة التاريخ من أجل إبراز الماضي التركي القومي، وجرى تنقية اللغة التركية من الكلمات العربية والفارسية، واستبدلت بكلمات أوروبية أو حثية قديمة.
21. وأعلنت الدولة عزمها في التوجيه نحو أوروبا وانفصلت عن العالم الإسلامي والعربي، وأمعنت حكومتها من استدبار الإسلام حتى حاربت بقسوة أي محاولة ترمي إلى إحياء المبادئ الإسلامية . وألغى عيد الفطر والأضحى .
ثانيا إجراءات مصطفى كمال في مجال اللغة العربية والعلوم الإسلامية :
مع ظهور تيار العلمانية بدأت محاولات التخلص من تأثير الثقافة العربية ، وتطبيقا لهذا اصدر مصطفى كمال عام 1923م قانونا بإلغاء الحروف العربية واستبدالها بالحروف اللاتينية ، كما اصدر قانون توحيد المدارس ، والذي نص على ربط كافة المؤسسات التعليمية المختلفة على ربطها بوزارة المعارف .
كما أوكل لوزارة المعارف أن تنشئ مدارس خاصة لتخريج الأئمة والخطباء .
وعندما بدأ الانقلاب على الحرف العربي ، فكلف مصطفى كمال لجنة من الأساتذة بكتابة الألفاظ التركية بحروف لاتينية ، وطبق الانقلاب الحديدي على نفسه أولا ، ثم أمر المجلس الوطني في يوليو عام 1928م بالانتقال معه إلى اسطنبول ، ودعا إلى قصر (الدونمابهاتشي) الشخصيات المرموقة ، واخذ يشرح لهم بالطباشير على لوح خشبي اسود كبير الحروف المستحدثة الجديدة وطريقة كتابتها .
وانتقل إلى المدن والقرى ومعه لوحه الأسود والطباشير شارحا للناس طريقة الكتابة الجديدة ،وقام باستصدار قرارا من المجلس الوطني الكبير بجعل كتابة اللغة التركية بالحرف اللاتيني إلزامية في أنحاء البلاد كلها اعتبارا من الثالث من نوفمبر عام 1928م ، ثم أمر بترجمة القرآن الكريم إلى اللغة التركية وتلاوة الصلاة باللغة التركية ولما ثارت ثائرة رجال الدين والعلماء ، فكان الرد عليهم : " ألا يفهم الله تركية ؟!.
وكما بدا مصطفى كمال بنفسه في تعلم اللغة التركية الجديدة ، سمى نفسه أتاتورك (أي أبو الأتراك) .
وفي عام 1935م ، جرى تبديل يوم العطلة الأسبوعية من يوم الجمعة ، إلى العمل بنظام عطلة نهاية الأسبوع الغربية .
وكان خطوات مصطفى كمال هذه بعيدة الأثر في مصر وأفغانستان وإيران والهند الإسلامية، وتركستان وفي كل مكان من العالم الإسلامي، إذ أتاحت الفرصة لدعاة التغريب وخدام الثقافة الاستعمارية أن ينفذوا إلى مكان الصدارة وأن يضربوا المثل بتركيا في مجال التقدم والنهضة المزعومة، فقد هللت له صحف مصر (الأهرام، السياسة ،المقطم) ذات الاتجاهات المضادة للإسلام ، والمدعومة من النفوذ الغربي واليهودي والماسوني.
لقد بررت تلك الصحف تصرفات كمال أتاتورك ووافقت عما ابتدعه، ونشرت له أقوال : " ليس لتركيا الجديدة علاقة بالدين". وأنه ـ أي مصطفى كمال ـ : " ألقى القرآن ذات يوم في يده فقال :" أن ارتقاء الشعوب لا يصلح أن ينفذ بقوانين وقواعد سنت في العصور الغابرة ".
لقد كانت حكومة تركيا العلمانية الكمالية ـ هي كما وصفها الأمير شكيب أرسلان ـ ليست حكومة دينية من طراز فرنسا وانكلترا فحسب، بل هي دولة مضادة للدين كالحكومة البلشفية في روسيا سواء بسواء، إذ أنه حتى الدول اللادينية في الغرب بثوراتها المعروفة لم تتدخل في حروف الأناجيل وزي رجال الدين وطقوسهم الخاصة وتلغى الكنائس .
وكان للإعلام اليهودي دور كبير في الترويج لهذه الردة ، مثلما كان له دوره البارز في تشجيع أتاتورك على البطش بأية معارضة إسلامية ، وكانت تزين له أن ما يقوم به من المذابح والوحشية ضد المسلمين ليست سوى معارك بطولية، كما كانت منبراً لكل دعوات التشبه بالغرب الصليبي والمناداة بالحرية الفاجرة للمرأة التركية، والترويج لفنون الانحلال الخلقي معتبرة أن شرب الخمر والمقامرة والزنا ليست إلا مظاهر للتمدن والتحضر.
النهاية :
بعدما وصل مصطفى كما أتاتورك إلى ما وصل إليه من بطش وإجرام لهدم الخلافة الإسلامية ، ومحاربة الدين الإسلامي وكافة مظاهر الإسلام والتدين ، الخاصة والعامة ، نجد انه من الحق أن نورد حقائق غائبة عن الأذهان والتي تتعلق بمحاربة مصطفى كمال ، وتكشف عن شخصيته الحقيقية .
حياته الخاصة :
إن إغراق مصطفى كمال في شهواته هو العنوان البارز لحياته، ويمكن تلخيص حياته في ثلاث كلمات: النساء، الخمر، وجنون العظمة .
1. فقد زنى وهو في سن الرابعة عشر في بنت الجيران.
2. حيثما ذهب وأينما حل تجده بين الحانات والملاهي التي تغص بالعاهرات وتتدفق بالخمور والمشروبات، ففي دمشق هذه حياته وفي سلانيك قلما كنت تراه إلا في الكازينوهات (أوليمبوس بالاس ويونيو كرستال)
3. وفي صوفيا -عاصمة رومانيا- كان ملحقا عسكريا تفرغ للفسق والخمر حتى الصبح، وفي حلب وفي أنقره وفي مدرسة الزراعة في أنقره أسكن العاهرة (خالدة أديب) مع زوجها بجانبه، حيث اللقاءات معها .
4. كانت فلسفته في الحياة على الفرد والأمة أن لا تدع النشوة والفرح أن تفلت من يديها .
5. ولشدة شربه للخمر المسمى بالعرق كانت الأوردة الشعرية ظاهرة على وجنتيه وعلى وجه خاصة، وأصبح أحمر كالطماطم .
6. وبعد أن أصبح رئيساً للجمهورية سكر وعربدة وفسق بالنساء والولدان، وقال زميله رضا نور:" أنه أصيب بمرض السيلان وأمر بإزاحة الستائر عن نوافذ بيته حتى يراه الناس وهو يشرب الخمر" .
7. كان له سماسرة لاختطاف الفتيات وقوادين لإحضار النساء، منهم جواد عباس ووزير خارجيته توفيق رشدي، الذي جعل بيته في أنقرة (ماخورا ) لأتاتورك.
8. ومن عشيقاته (صالحة) التي قدمها زوجها إلى أتاتورك، و (فكرية) والبروفسورة (أفة) التي عشقها أربعة عشر عاما ـ دون انقطاع ـ فسميت العشيقة الدائمة، والبلغارية الجميلة التي قدمها زوجها المحامي لطفي إلى مصطفى كمال نظير الحصول على بعض الامتيازات في (مشروع بارون) وبنت (مفيد بك).
9. وكذلك خليل باشا الذي قدم زوجته لأتاتورك نظير الحصول على امتياز للبترول، فأعطاه أتاتورك (3000) ليره مصاريف جيب .
10.اتخذ مجموعة من العاهرات الفاتنات كخدامات دائمات في القصر وسماهن (بناته بالتبني) .
مرضه وموته:
لقد أصيب بمرض الكبد - بسبب الكحول التي في الخمر- وأصبح الماء يجتمع في بطنه باستمرار، وصار يثور بسرعة عجيبة وضعفت ذاكرته وصار الدم ينزف من أنفه بلا انقطاع وأصيب بالأمراض الجنسية، وصار يحك بين فخذيه باستمرار.
كانت المياه القاتلة في جوف الكبد تتجمع فيسحبونها بالإبر، انتفخ بطنه وتورمت قدماه.
صار يضعف يوما بعد يوم ويستطيل وجهه ويختفي الدم منه ويبيض بياض العاج، ثم صار عاجزاً عن الحركة بمفرده .
وفي أثناء مرض الموت استدعى أتاتورك السفير البريطاني (لورين) ليوصي له برئاسة الجمهورية التركية.
ويحدث الأتراك عن العذاب الذي كان يعاني منه أثناء مرضه العجب العجاب.
(ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر) (السجدة: 12) .
(لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون) (فصلت: 16) .
كان يصيح صياحا يخترق شرفات القصر الذي يقيم فيه (دولمة باغجة) في القسطنطينية.
وأصبح جلدا على عظم، وبقي يذوب ويصغر ويتفتت حتى يتحول إلى فضلة امتص ماؤها.
كان وزنه عندما مات 48 كغم فقط، سقط طاقم أسنانه، فمه يكاد يصل إلى حاجبيه، أوصى أن لا يصلى عليه صلاة الجنازة، وفي يوم الخميس 10نوفمبر سنة 1938م الساعة التاسعة وخمس دقائق رحل أتاتورك من الدنيا ملعوناً في السماء والأرض.
(فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين) (الدخان: 29)
رحل بعد أن دمر تركيا ودمر الإسلام ومزق الأسرة وحطم الأخلاق وداس القيم وانتهك الشعائر وحول المساجد إلى مخازن للحبوب.
(ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله، ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون، ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون) (الأنعام: 93-94) .
يقول عرفان أوركا: " إن أتاتورك قد اقتنع بأن كفاحه يجب أن يوجه إلى الدين وكان يعتقد من صغره أن لا حاجة إلى الله، وكان يقول: إن قوة العقل والإرادة تتغلبان على قوة الإله، وكان في آخر عهده يرفع قبضته ويشير إلى السماء ساخرا مهددا " .
انتهي البحث بحمد الله تعالى
الخاتمة:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد :
في ختام هذا البحث يتبين لنا أن مصطفى كمال هو ابن غير شرعي ، وقد بلورت حياته ومنشأه وتربيته التي عاشها وبيئته ، إلى جانب المجون والذي تمثل في أمه اللعوب .
فقد حقد على الدين والإسلام منذ نعومة أظفاره وقد ترجم هذا الأمر إلى حقيقة علمية تواصلت معه حتى الممات .
لقد وجد مصطفى كمال ضالته المنشودة والتي تعبر عن طيات أفكاره ، فالعسكرية وجدها يستطيع تنفيذ مآربه وطموحاته .
لقد ارتقى مصطفى كمال بالدرجات العسكرية المختلفة عبر الجد والاجتهاد تارة والخداع والتلفيق تارة أخرى .
لقد ارتبطت أهداف مصطفى كمال بجمعية الاتحاد والترقي ، وقد تخللها تقارب وتصالح وتنافر مع الجمعية ، وعلاقة هذه الجمعية وارتباطها بيهود الدونمة وأعضائها المنحدرين أصلا إليها ، وارتباطها بالماسونيين وانضمام معظم أعضائها إليها وتغلغل الصهيونية فيها.
لقد ساهم مصطفى كمال بالمؤامرة وإلغاء السلطنة والخلافة فيما بعد ، والإطاحة بحكم السلطان عبد الحميد ، وعزله ووفاته .
لقد كانت المواقف الخيانية لمصطفى كمال تدل على حبه العميق وشرهه للوصول لسدة الحكم بأي طريق كانت حتى لو صلت إلى الصعود عبر الجماجم والدماء والأشلاء .
لقد كان إلغاء الخلافة هو نقض آخر عري الإسلام ، عبر إسقاطها .
عندما تولى مصطفى كمال الحكم قام بمحاربة الآثار الإسلامية المتبقية وقمعها بقوة وبطش شديد .
لقد كان مصطفى كمال محطم الخلافة العثمانية بامتياز ، ولكن كان هناك عدة محاولات لقيام حكومة إسلامية في تركيا اليوم ، وتمثل آخرها بصعود حزب العدالة والتنمية الإسلامي ، ومحاولاته شيئا فشيئا إلى إعادة الإسلام .
لقد أحيط مصطفى كمال بهالة عظيمة وآن لها أن تنقشع وتدحض الاتهامات المزيفة .
إن واجب الأمة اليوم هو عدم استسلام لما يقوله أهل الكفر وأصحاب التوجهات العلمانية ، والتصدي لهم عبر إظهار الحقيقة كاملة .
إن واجب العلماء والأكاديميين هو النظر بعين فاحصة لتاريخ الدولة العثمانية ، واستنتاج العبر والعظات منها .
إن واجب الإعلام هو إظهار حسنات الخلافة العثمانية ، وتيسير الصورة للناس عن الخلافة العثمانية .
إن مناهجنا التعليم ملأى بالحقائق المزيفة عن الدولة العثمانية ، فيجب إعادة النظر إليها من جديد وتوضيح المبهم منها .
وفي النهاية يجب أن ننظر لتراثنا الإسلامي بنظرة عز وكرامة وافتخار ، وان ننبري للدفاع عنها بشكل علمي بحت .
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .
للمراسلة والاستفسار يرجى مراجعتي عبر الايميل الخاص بي وهو :
Fathi-1984@hotmil.com
المصادر والمراجع:
أولا المراجع :
1. القرآن الكريم .
2. ضابط تركي سابق ، ترجمة عبه عبد الرحمن ، الرجل الصنم ، مؤسسة الرسالة ، ط1 ، 1977م .
3. مصطفى الزين ، ذئب الأناضول ، ط1 ، 1991م .
4. يوسف عمر ، أسباب خلع السلطان عبد الحميد الثاني .
5. أ.د.عبد العزيز الشناوي ، الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها ، ج2 ، مكتبة الانجلو المصرية ، 1980م .
6. د.عبد الوهاب المسيري ، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية .
7. الندوة العالمية للشباب الإسلامي ، الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة ، موقع صيد الفوائد ، www.saaid.net.
8. د.علي سلطان ، تاريخ الدولة العثمانية ، مكتبة طرابلس العلمية العالمية .
9. هدى درويش ، الإسلاميون وتركيا العلمانية،نموذج الإمام سليمان حلمي ، دار الآفاق العربية ، ط1، 1998م .
10.أ.محمد فريد بك، تاريخ الدولة العلية العثمانية، تحقيق د.إحسان حقي ،دار النفائس.
11. لورنس العرب ، توماس ادوارد لورنس ، أعمدة الحكمة السبعة ، ترجمة محمد نجار ، دار الأهلية ، 1998م .
ثانيا المصادر :
1. د. عبد الله عزام ،المنارة المفقودة ، جمع وترتيب أبو تميم النجدي ، مركز شهيد عزام الإعلامي بيشاور-باكستان ، ط1 .
2. رضا هلال ، السيف والهلال ، تركيا من أتاتورك إلى اربكان ، الصراع بين المؤسسة العسكرية والإسلام السياسي ، دار الشروق ، ط1 ، 1999م .
3. علي الصلابي ، الدولة العثمانية ،عوامل النهوض وأسباب السقوط .
4. د.عبد العزيز مصطفى كامل ،العلمانية إمبراطورية النفاق ، من مهد لها الطريق ؟! ، مجلة البيان ، المنتدى الإسلامي .
ثالثا المواقع الالكترونية :
1. عبد الحميد الثاني وجدل لم ينتهِ ، مصطفى عاشور ، www.Islamonline.net.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق