الأربعاء، 17 مارس 2010

شرح ديوان المتنبي ج5

أراه صغيراً قدرها عظم قدره فما لعظيمٍ قدره عنده قـدر
يقول أرى الممدوح قدر الدنيا صغيرا عظم قدره وليس لشيء عظيم الخطر عنده خطر مقدارٌ لزيادة قدره على كل شيء
متى ما يشر نحو السماء بوجهه تخر له الشعري وينكسف البدر
يعني الشعري العبور لاضاءتها يريد أن وجهه أتم نورا من الشعري والبدر فإذا اشار بوجهه إلى السماء سقطت الشعري حياء منه وانكسف البدر لغلبة ضوء وجهه البدر
ترى القمر الأرضي والملك الذي له الملك بعد الله والمجد والذكر
ترى يجوز أن يكون بدلا من جواب الشرط فيكون جزما ويكتب بغير ياء ويجوز أن يكون استئنافا للمخاطبة يقول ترى أنت أيها الراءي برؤيته القمر الأرضي
كثير سهاد العين من غير علةٍ يؤرقه فيما يشرفه الفكـر
يقول يسهر من غير علةٍ توجب السهر ولكنه يتفكر فيما يزيده شرفا فسهاده لأجل ذلك
له منن تفنى الثـنـاء كـأنـمـا به أقسمت أن لا يؤدي لها شكر
يقول مننه على الناس باحسانه وانعامه تستغرق الثناء وتزيد عليه حتى كأنها اقسمت بحق الممدوح أن لا يبلغ أحدٌ تمام شكرها والقسم به عظيم لا يجري فيه حنث فكانت مننه على ما أقسمت به زائدةً على ثناء المثنين وشكر الشاكرين
أبا أحمد ما الفـخـر إلا لأهـلـه وما لأمرء لم يمس من بحترٍ فخر
يقول الفخر لمن يستحق الفخر ويكون من أهله وليس لغير أهل قبيلتك فخر
هم الناس إلا أنهم مـن مـكـارمٍ يغنى بهم حضر ويجدو بهم سفر
يقول هم الناس في الحقيقة إلا أن الله تعالى خلقهم من طينة المكارم لكثرة ما ركب فيهم من الكرم والحاضرون الذين هم أهل الحضر يغنون بمدائحهم وبما صيغ فيهم من الأشعار والمسافرون حداءهم أيضا بهم وقوله يغنى بهم أي يذكرهم ويمدحهم والحضر جمع الحاضر والسفر القوم المسافرون ولا يقال في أحدهم سافر
بمن أضرب الأمثال أم من أقيسه إليك وأهل الدهر دونك والدهر
ضرب المثل إنما يكون لتشبيه عين بعين أو وصف بوصف وإذا كان هو أجل وأعلا من كل شيء لم يكن ضرب المثل له بشيء في مدحه وهذا معنى قوله أم من اقيسه إليك وإنما وصل القياس بإلى لأن فيه معنى الضم والجمع كأنه قال من اضمه إليك في الجمع بينكما والموازنة وأهل الدهر كلهم دونك وكذلك الدهر الذي يأتي بالخير والشر دونك لأنه يتصرف على مرادك ولأنك تحدث فيه النعمي والبؤسي وقال يمدح أخاه أبا عبدادة عبيد الله ابن يحيى البحتري
ما الشوق مقتنعاً مني بذا الكمد حتى أكون بلا قلبٍ ولا كبدِ
الاقتناع مثل القناعة يقول شوقي إلى الاحبة لا يقنع مني بهذا الحزن الذي أنا فيه حتى يحرق كبدي ويوله عقلي فاصير مجنونا ذاهب العقل
ولا الديار التي كان الحبيب بها تشكو إليّ ولا أشكو إلى أحد
قال ابن جنى يقول لم يبق في فضل للشكوى ولا في الديار أيضا فضل لها لأن الزمان ابلاها قال ابن فورجة ذهب أبو الفتح إلى أن تقدير الكلام ولا الديار تشكو إليّ وقد علم أن الديار كلما كانت اشد دثورا وبلى كانت أشكى لما تلاقي من الوحشة بفراق الأحبة فكيف جعل الدار لا فضل فيها للشكوى وشكواها ليست بحقيقة وإنما هي مجاز وإنما كان على ما ذكر لو أن شكواها حقيقة فكانت تقصر عنها لضعفها وبلاها كما يصح ذلك في العاشق كما قال الملقب بالببغاء، لم يبق لي رمق اشكو هواك به، وإنما تيشكى من به رمق، وأيضا لو كان على ما ادعى لم يكن لعطف هذه الجملة على قوله ما الشوق مقتنعا معنى ولما عطفها عليها دل على إنها منها بسبيلٍ وإنما يعنى لا الشوق يقتنع مني بهذا الكمد ولا الديار تقتنع مني به وتم الكلام عند قوله كان الحبيب بها ثم ابتدأ فقال هذه الديار تشكو إليّ وحشتها بفراق أهلها وأنا لا أشكو إلى أحد أما لجلدي أو لأني كتوم لأسراري فيكون قد نظر إلى قول القائل، فإني مثل ما تجدين وجدي، ولكني أسر وتعلنينا، هذا كلامه ويمكن توجيه المعنى من غير أن يتم الكلام في المصراع الأول على ما قال وهو أن يكون ولا تقنع الديار التي كان الحبيب بها يشكو إليّ أي يطلعني على أمره وأنا لا افشي سري هذا على قول من روى يشكو بالياء ومن روى بالتاء فمعناه الديار الشاكية إليّ بلسان الحال ما دفعت إليه من الوحشة والخلاء فتشكو أريد به الحال لا الاستقبال ولا أشكو إلى أحد لأنه ليس به غيري
ما زال كل هزيم الودق ينحلـهـا والسقم ينحلني حتى حكت جسدي
أراد كل سحاب هزيم الودق وهو الذي لا يستمسك كأنه منهزم عن مائه يقال غيث هزيم ومنهزم وأكثر ما يستعمل الهزيم والمنهزم في صفة السحاب وهو الذي لرعده صوت يقال سمعت هزيمة الرع ولا يستعمل في صفة الودق ومعنى البيت من قول مخلد بن بكار الموصلي، يا منزلاً ضن بالسلام، سقيت صوبا من الغمام، ما ترك المزن منك إلا، ما ترك السقم من عظامي، ومثله قول ابن وهب، لبسا البلى فكأنما وجدا، بعد الأحبة مثل ما أجد، ومثله أيضا للبحتري، حملت معالمهن أعباء البلى، حتى كأن نحولهن نحولي،ومثله لأبي الطيب، أثافٍ بها ما بالفؤاد من الصلا، ورسم كجسمي ناحل متهدم،
وكلما فاض دمعي غاض مصطبري كأن ما سال من جفني من جلـدي
غاض نقص والمصطبر الاصطبار يقول كأن دموعي جارية من جلدي لأني كلما بكيت نقص صبري
وأين من زفراتي من كلفـت بـه وأين منك ابن يحيى صولة الأسد
يقول أين من عشقته من معرفة ما بين من الشوق إليه والحسرة على فراقه وأين تقع منك أيها الممدوح صولة الأسد يعني من صولتك كأنه قال صولتك فوق صولة الأسد فلا تقع صولة الأسد من صولتك إلا دوها أنكر أن يعرف الحبيب حاله وأن تكون صولة الأسد كصولة الممدوح
لما وزنت بك الدنيا فملت بهـا وبالورى قل عندي كثرة العدد
يقول لما رجحت كفتك وقد وضعت الدنيا وأهلها في الكفة الثانية علمت أن الرزانة للمعالي لا للاشخاص أي إذا رجح الواحد على الكثير كان ذلك الكثير قليلا بالاضافة إلى ذلك الواحد الراجح وقد قال البحتري، ولم أر أمثال الرجال تفاوتت، لدى المجد حتى عد ألف بواحد،
ما جار في خلد الأيام لي فرح أبا عبادة حتى درت في خلدي
يقول لم يقع في قلب الأيام أن تسرني حتى وقعت أنت في قلبي أن أقصدك وامدحك والمعنى من أقبلت على الدنيا حتى أملتك وقصدتك وهذا من قول الآخر، إن دهراً يلف شملي بجملٍ، لزمان يهم بالإحسانن
ملك إذا امتلأت مالا خزائنه أذاقها طعم ثكل الأم للولد
جعل الحزائن كالأم والمال كالولج يقول إذا امتلأت خزائنه بالمال فوق بينه وبينها فكأنها أم فقدت ولدها
ماضي الجنان يريه الحزم قبل غدٍ بقلبه ما ترى عيناه بعـد غـد
يقول حزمه في الأمور يريه في يومه حتى يرى بقلبه ما تراه عينه بعد غد والمعنى أنه يفطن إلى الكائنات قبل حدوثها كما قال أوس، ألألمعي الذي يظن بك الظن كأن قد رأى وقد سمعا، وقال الطاءي، ولذاك قيل من الظنون جليةٌ، علم وفي بعض القلوب عيون، وكرره أبو الطيب فقال، ذكي تظنيه طليعة عينه، يرى قلبه في يومه ما يرى غدا، وقال، ويعرف الأمر قبل موقعه، البيت وقال، مستنبط عن علمه ما في غد، ووكل الظن بالإسرار، البيت والمراد بهذا كله صحة الحدس وجودة الظن
ما ذا البهاء ولا ذا النور من بشر ولا السماح الذي فيه سماح يد
يقول أنت أجل من أن تكون بشرا فإن ما نشاهده فيك من الجمال والنور لايكون في البشر وليس سماحك سماح يدٍ لن اليد لا تسمح بما تسمح به بل هو سماح غيث وبحر
أيُّ الأكف تباري الغيث ما اتفقا حتى إذا افترقا عادت ولم يعد
يقول الاكف تبارى الغيث في السماحة ما اتفقا ماطرين حتى إذا افترقا بإقلاع السحاب عادت الكف إلى عادتها ولم يعد الغيث يريد أن الغيث يمطر ثم ينقطع وكفه تجود ولا ينقطع جوجها فهي زائدة على الغيث والمعنى عادت إلى الجود عن قريب ولم يعد الغيث بسرعة عوده لأن المطر قد ينقطع زمانا طويلاً وعطاؤه لا ينقطع إلا اليسير من الزمان
قد كنت أحسب أن المجد من مضر حتى تبحتر فهو الـيوم مـن أدد
يعني مضر بن نزار بن معد أبا العرب وأدد أبو اليمن وهو ابن قحطان يقول كنت أحسب المجد مضرياً حتى تبحتر اليوم أي انتسب إلى بحتر يعني أن الممدوح نقله إلى بحتر فقد تبحتر به وصار بحتريا أدديا
قوم إذا مطرت موتاً سيوفهم حسبتها سحبا جادت على بلد
يريد بالموت الدم لأن سيلانه سبب الموت وإذا مطرت السيوف الدم فقد مطرت الموت شبهها وهي تمطر الدم بالسحب تجود بالمطر
لم أجر غاية فكري منك في صفةٍ إلا وجدت مداها غـاية الأبـد
يقول لم اتفكر في صفة من صفاتك إلا وجدت غايتها لا تنتهي كغاية الأبد وهو الدهر الذي تطول غايته ولا يفنى إلا بعد فناء الدنيا وانقطاعها وقال يمدح مساور بن محمد الرومي
جللاً كما بي فليك التـبـريح أغذاءُ ذا الرشأ الأغن الشيح
الجلل من الاضداد يقع على الكبير والصغير ويريد به ههنا الأمر العظيم والتبريح الشدة والأغن الذي في صوته غنة ويوصف بها الظباء كما قال، وما سعاد غداة البين إذ رحلت، إلا أغن غضيض الطرف مكحول، وقوله فليك التبريح حذف النون لسكونها وسكون التاء الأولى من التبريح وليس حذفها هنا كحذفها من قوله، لم يكن شيء يا آلهي قبلكا، لأنها ضارعت بالمخرج والسكون والغنة حروف المد فحذفت كما يحذفن وهي في فليكن التبريح قويةٌ بالحركة لأن سبيلها أن تحركت فكان ينبغي أن لا يحذفها لكنه لم يعتد بالحركة في النون لما كانت غير لازمة ضرورة ومثله، لم يك الحق سوى أن هاجه، رسمُ دارٍ قد تعفت بالسرر ومن أبيات الكتاب، فلست بآتيه ولا أستطيعه، ولك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل، وإذا جاز حذف النون من ولكن مع أنه حذفت منه نون أخرى كان جائزا حذفها من فليك التبريح وفيه قبح من وجه آخر وهو أنه حذف النون مع الإدغام وهذا لا يعرف لأن من قال في بنى الحارث بلحارث لم يقل في بنى النجار بنجار إلا أن يكون المتنبي حذف النون من قبل ثم جاء بالمدغم بعد ومعنى البيت إذا كان أحد في شدة فليكن كما أنا عليه تعظيما لما هو فيه وتم الكلام ثم استأنف كلاما آخر في المصارع الثاني فقال أغذاء ذا الرشأ الأغن الشيح وهو استفهام معناه الإنكار يريد أن الرشأ الذي يهواه أنسيٌّ لا وحشيٌّ يغذي بالشيخ والمصراعان كالبيتين لذلك أفرد كل واحد بمعنى وهذا قول ابن جنى في انفراد كل واحد من المصراعين بمعنى وقال أصحاب المعاني مثل هذا قد يفعله الشاعر في النسيب خاصة ليدل به على ولهه وشغله عن تقويم خطابه كما قال جران العود، يوم ارتحلت برحلي قبل برذعتي، والعقل متلهٌ والقلب مشغول، ثم انصرفت إلى نصوى لأبعثه، إثر الحدوج الغوادي وهو معقول، يريد أنه لشغل قلبه لم يدر كيف يرحل ولم يدر أنه معقول فكان يبعثه ليقوم وفي كلامه ما هو أدل على ولهه مما ذكر من حاله وهو قوله ارتحلت ثم انصرفت إلى نضوى كيف ارتحله ولم يأته وإن كان أتاه فكيف قال ثم انصرفت إليه وعلى مثل هذا يحمل قول زهير، قف بالديار التي لم يعفها القدم، ثم قال، بلى وغيرها الأرواح والديم، وقال القاضي بين المصارعين اتصال لطيف وهو أنه لما خبر عن عظيم تبريحه بين أن الذي اورثه ذلك هو الرشأ الذي شكله عليه شبه الغزلان في غذائه وزاده ابن فورجة بيانا فقال يريد ما غذاء هذا الرشأ إلا القلب وأبدان العشاق يهزلها ويمرضها ويبرح بها وقد صرح بعض المحدثين بهذا المعنى فقال، يرعى القلوب وترتعي الغلازن بروقةً وشيحه، وكان المتنبي يقول ليكن تبريح الهوى عظيما مثل ما حل بين أتظنون غذاء من فعل بني هذا الفعل الشيح ما غذاؤه إلا قلوب العشاق
لعبت بمشيته الشمول وغادرت صنماً من الأصنام لولا الروح
يقول غيرت الخمر مشيته فتمايل فيها كمشية السكران وزادت في حسنه حتى تركته كأنه صنم لولا أنه ذو روح ويروى وجردت أي جردته من شبه الناس حتى أشبه الصنم
ما بالهُ لا حظته فتضرجت وجناته وفؤادي المجروح
تضرجت أي احمرت خجلا وأصله من انضرج الشيء إذا انشق كأنه قد انشق جلده فظهر الدم يقول فؤادي هو المجروح بنظري إليه فما بال وجناته ترجت بالدم
ورما وما رمتا يداه فصابني سهم يعذب والسهام تريح
يقول رماني بلحظه ولم يرمني بيديه وكان ينبغي أن يقول وما رمت يداه ولكنه على لغة من يقول قاما أخواك فالمعنى أن سهم لحظه يعذب والسهام المعروفة تقتل فتريح
قرب المزار ولا مزار وإنما يغدو الجنان فلتقي ويروح
يقول قرب بيننا المزار ولا مزار على الحقيقة لانا نلتقي بالقلوب لا بالأجسام واراد يغدو قلبي ويروح أي يتذكره فيتصور في قلبي فكأنا قد التقينا كما قال ابن المعتز، إنا على البعاد والتفرق، لنلتقي بالذكر إن لم نلتق، وكما قال روبة، إني وإن لم ترني كأنني، أراك بالغيب وإن لمترني، ومثله لأبي الطيب، لنا ولأهله أبداً قلوبٌ، تلاقي في جسومٍ ما تلاقي،
وفشت سرائرنا إليك وشفنا تعريضنا فبدا لك التصريح
ذكر ابن جنى في هذا البيت اوجها فاسدة ثم قال اقوى هذه الوجوه لما جهدنا التعريض استروحنا إلى التصريح فانهتك الستر ولم يقف على حقيقة المعنى وهو أنه يقول كتماننا هزلنا فصار الهزال صريح المقال يعني أنه استدل بالهزال على ما في القلب من الحب فقام ذلك مقام التصريح لو صرحنا
لما تقطعت الحمول تقطعت نفسي أسى وكأنهن طلوح
الحمول الأحمال على الإبل ويريد بها الإبل التي حملتها يقول لما تفرقت سائرة تقطعت نفسي وجدا ثم شبهها باشجار الطلح والعرب تشبه الإبل وعليها الهوادج والاحمال بالاشجار وقال الخوارزمي الطلح شجر اسفله رقيق واعلاه كالقبة فشبه الحمول بذلك
وجلا الوداع من الحبيب محسنا حسن العزاء وقد جلين قبيح
يقول كشف الوداع محاسن الحبيب عند الفراق من وجهها ويديها ورجليها حتى قبح الصبر عنها كما قال العتبي، والصبر يحمد في المواطن كلها، إلا عليك فإنه مذموم، ومثله لعثمان ابن مالك، أعداء ما وجدي عليك بهينٍ، ولا الصبر إن أعطيته بجميل، وقال الطاءي، وقد كان يدعى لابس الصبر حازما، فاصبح يدعى حازماً يحن يجزع، ومثله لأبي الطيب، أجد الجفاء على سواك مروةً، والصبر إلا في نواك جميلا،
فيد مسلمةٌ وطرفٌ شاخـص وحشاً يذوب ومدمعٌ مسفوح
يعني في حال الوداع اليد تشير بالسلام والطرف شاخص إلى وجه المودع والقلب يذوب حزنا على الفراق والدمع مصبوب وأراد بالمدمع الدمع
يجد الحمام ولو كوجدي لانبرى شجر الأراك مع الحمام ينوح
يقول الحمام يحزن عن فراق إلفه ولو كان وجده كوجدي لساعده الشجر على النوح والبكا رحمة ورقة
وأمق لو خدت الشمال براكبٍ في عرضه لأناخ وهي طليح
يصف بلدا طويلا والمقق الطول والامق الطويل يقول لو اسرعت ريح الشمال في ذلك البلد براكب أي وعليها راكب لأناخ ذلك الراكب والشمال طليح أي معييةٌ وإذا كانت الشمال تعيى فيه فكيف الإنسان وإنما ذكر العرض لأنه أقل من الطول
نازعته قلص الركاب وركبها خوف الهلاك حداهم التسبيح
قال ابن جنى نازعته أي أخذت منه بقطعي إياه وأعطيته ما نال من الركاب وليس المعنى على ما قال لأن القلص هي المتنازع فيها فالبلد يفنيها ويأخذ منها وهو يستبقيها والمعنى إني أحب ابقاءها والبلد يحب افناءها بالمنازعة فيها كما قال الأعشى، نازعتهم قضيب الريحان متئا، أي أخذت منهم وأعطيتهم وهم أخذوا مني وأعطوني والقلص جمع قلوص وهي الفتيى من الإبل يقول ركاب هذه الإبل يحدونها بالتسبيح لله بدل الغناء لخوفهم على أنفسهم يتبركون بالتسبيح ويرجون النجاة
لولا الأمير مساور بن محمـد ما جشمت خطرا ورد نصيح
يقول لولا ما كلفت القلص خطرا لمفازة وما رد الناصح الذي ينهي عن ركوبها لهولها وبعدها
ومتى ونت وأبو المظفر أمها فأتاح لي ولها الحمام متيح
ونت ضعفت وفترت وأمها قصدها والمعنى مقصودها والمعنى إن الموت خير لنا أن تخلفنا عنه
شمنا وما حجب السماء بروقه وحري يجود وما مرته الريح
سمنا بروق الممدوح أي رجون عطاءه ولم تحجب السماء لأنه ليس بغيم في الحقيقة وهو خليق بأن يجود وإن لم تمره الريح يفضله على الحساب لأن السحاب يستر حسن السماء ولا يدرك إلا إذا استدرته الريح
مرجو منفعةٍ مـخـوف أذيةٍ مغبوق كأس محامد مصبوح
المغبوق الذي يسقى بالعشي والمصبوح الذي يسقى بالصباح وحقه أن يقول مغبوق بكأس محامد فحذف الباء وأضاف المغبوق إليه وليس بالوجه والمعنى أنه يحمد في كل وقت فكأنه يسقى كأس المحامد غبوقا وصبوحا
حنق على بدر اللجـين ومـا أتـت بإساءة وعن المسـيىء صـفـوح
لو فرق الكرم المـفـرق مـالـه في الناس لم يكن في الزمان شحيح
يقول لو فرق في النسا كرمه الذي يفرق ماله لصار الناس كلهم كرماء أسخياء وهو من قول منصور الفقيه، أقول إذ سألوني عن سماحته، ولست ممن يطيل القول إن مدحا، لو أن ما فيه من جود تفسمه، أولاد آدم عادوا كلهم سمحا، ومنقول من قول العباس بن الأحنف، لو قسم الله جزأ من محاسنه، في الناس طرأ لتم الحسن في الناس، وقال أبو تمام، لو أقتسمت أخلاقه الغر لم تجد، معيبا ولا خلقاً من الناس عائباً،
ألغت مسامعه الملام وغادرت سمةً على أنف اللئام تلـوح
أي جعلته لغو ساقطا لا يبالي به وروى ابن جنى ألفت أي لكثرة ما سمعت اللوم ألفته وغيره من الناس اطاعوا اللائم فصاروا لئما يرى عليهم أثر اللؤم طاهرا كما ترى السمة على الأنف
هذا الذي خلت القرون وذكره وحديثه في كتبها مشـروح
لم يعرف ابن جنى البيت فلم يفسره وفرسه ابن دوست بخلاف الصواب فقال أن الله تعالى بشر به في كبت الماضين وهذا كذب صريح لن الله لا يبشر بغير نبي أولم يسمع قول أبي الطيب، إلى سيدٍ لو بشر الله أمةً، بغير نبي بشرتنا به الرسل، والمعنى أن الكتب مشحونة بذكر الكرم ونعت الكرام واخلاقهم وهو المعنى بذلك إذ الحقيقة منها له فذكره إذن في الكتب مشروح ويجوز أن يريد أنه المهديُّ الذيذكر في الكتب خروجه ولم يقل مشروحان لن الذكر والحديث واحد
ألبابنا بجماله مبـهـورة وسحابنا بنواله مفضوح
يقول عقولنا مغلوبة بجماله فنحن متحيرون في جمال لم نر مثله وزاد نواله على امطار السحاب حتى فضح نوال السحاب
يغشى الطعان فلا يرد قناتـه مكسورةً ومن الكماة صحيح
أي يأتي الحرب فلا يرد رماحه مكسورةً إلا بعد أن لا يبقى منهم صحيح وهذا كقول الفرزدق، بأيدي رجالٍ لم يشيموا سيوفهم، ولم تكثر القتلى بها حين سلت، أي لم يغمدوها إلا بعد أن كثرت بها القتلى وقوله مكسورة حشو أراد أن يطابق بينها وبين الصحيح لأنه لا فائدة في أن ترد القناة من الحرب مكسورةً ولو ردها صحيحةً لم يلحقه نقص
وعلى التراب من الدماء مجاسـد وعلى السماء من العجاج مسوح
المجاسد جمع المجسد وهو المصبوغ بالجساد وهو الزعفران يقول لكثرة ما يسفك من الدم صبغ الأرض بلونه حتى كان عليها مجاسد واسودت السماء بالغبار فكان عليها مسوحا
يخطو القتيل إلى القتيل أمامه رب الجواد وخلفه المبطوح
يقول قد امتلأت المعركة من القتلى فالفارس على الفرس الجواد يخطو من قتيل إلى قتيل ويخلف وراءه فارسا مبطوحا أي مطروحا على وجهه ويجوز أن يكون رب الجواد الممدوح
فمقيل حب محبه فرح بـه ومقيل غيظ عدوه مقروح
المقيل المستقر ومنه، ضرب يزيل الهام عن مقيله، ومقيل الحب هو القلب وكذلك مقيل الغيظ والمقروح المجروح ويروى بالفاء وهو الذي أصيب فرحه
يخفى العداوة وهي غير خفيةٍ نظر العدو بما أسر يبـوح
عدوه يخفى العداوة خوفا منه وهي لا تخفى لأن نظر العدو إلى من يعاديه يظهر من في قلبه من العداوة كما قال ابن الرومي، يخبرني العينان ما القلب كاتم، ولا جن بالبغضاء والنظر الشزر، وكما قال الآخر، تكاشرني كرها كأنك ناصح، وعينك تبدي أن صدرك لي دوى، وقال الآخر، خليلي للبغضاء عين مبينةٌ، وللحب آيات ترى ومعارف،
يا ابن الذي ما ضم برد كابنه شرفا ولا كالجد ضم ضريح
يقول للممدوح يا ابن الذي لم يشتمل برد على أحد كابنه في الشرف ويريد بالابن الممدوح ولا ضم قبر أحدا في الشرف كجده يعني جد أبيه والمعنى ليس في الأحياء مثلك شرفا ولا في الأموات مثل جد أبيك في الشرف
نفديك من سيلٍ إذا سئل الندى هول إذا اختلطا دم ومسيح
يروى من سبل وهو المطر يقول أنت عند العطاء سيل وعند الحرب هولٌ تهول اعداءك والمسيح العرق قال الشاعر، يا ريها حين بدا مسيحي، وابتل ثوباي من النضيح، وقال اختلطا والوجه اختلط
لو كانت بحراً لم يكن لك ساحل أو كنت غيثا ضاق عنك اللوح
الغيث الساحب فيه مطرواللوح الهواء أي لم يكن يسعك الهواء لو كنت سحابا
وخشيت منك على البلاد وأهلها ما كان أنذر قوم نوح نـوح
وخشيت عطف على قوله ضاق أي لو كنت غيثا خشيت منك الطوفان الذي أنذر به نوح قومه
عجز بحـر فـاقة ووراءه رزق الإله وبابك المفتوح
من العجز أن يقاسي الحرب الفاقة ولا يطلب رزق الله بان يأتي بابك الذي لا يحجب عنه أحد يعني أن الله تعالى قد وسع بك الرزق على الناس فمن لم يأتك طالبا للرزق فذلك لعجزه كما قال أبو تمام، خاب أمرء بخس الحوادث رزقه، وأقام عنك وأنت سعد الأسعد،
إن القريض شج بعطفي عـائذ من أن يكون سواءك الممدوح
القريض جرة البعير يشبه الشعر في ترديد الشاعر أياه منشئا ومنشدا به يقول لاذ الشعر بكنفي من أن أمدح به غيرك وسواءك بمعنى سواك إذا كسرت السين قصرت وإذا فتحت مدت
وذكى رائحة الرياض كلامها تبغي الثناء على الحيا فتفوح
يقول الرائحة الطيبة من الرياض بمنزلة الكلام لها تطلب بذلك إن تثنى على المطر الذي أحياها فتفوح روائحها بالثناء على المطر وهذا من قول ابن الرومي، شكرت نعمة الولي على الوسمي ثم العهاد بعد العهاد، فهي تثنى على السماء ثناء، طيب النشر شائعا في البلاد، من نسيم كأن مسراه في الخيشوم مسرى الأرواح في الأجساد، ثم أخذه السري الموصلي فقال، وكنت كروضةٍ سقيت سحابا، فأثنت بالنسيم على السحاب،
جهد المقل فكيف بابن كريمة توليه خيراً واللسان فصيح
يقول ذلك من الرياض جهد المقل لأنها لا تملك النطق ولا تقدر من شكر السحاب إلا على ما يفوح منها من الروائح الطيبة فكيف ظنك بابن كريمة يعني نفسه تحسن إليه وله لسان فصيح وقدرة على الثناء أي أنه لا يترك شكرك والثناء وقال أيضا يمدح مساور بن الرومي
أمساور أم قرن شمس هذا أم ليث غاب يقدم الأستاذا
قدم يقدم إذا تقدم ومنه قوله تعالى يقدم قومه والوزير عندهم يسمى الأستاذ شبهه فيحسنه بقرن الشمس وفي شجاعته بليث الغاب وكان يتقدم الوزير
شم ما انتضيت فقد تركت ذبابه قطعاً وقد ترك العباد جـذاذا
يقول أغمد سيفك الذي سللته من الغمد فقد فللت حد ظرفه بكثرة استعمالك إياه وقد ترك سيفك الناس قطعا والجذاذ هي القطعة المنكسرة والجذاذ بالكسر جمع الجذيذ وهو المجذوذ المقطوع
هبك ابن يزداذٍ حطمت وصحبـه أترى الورى أصحوا بنى يزداذا
يقول أعمل على أنك هزمت عدوك هذا وأصحابه اتظن الناس كلهم بنى يزداذ فتعاملهم معاملتهم إياهم ثم ذكر ما عاملهم به فقال
غادرت أوجههم بحيث لقيتهم أقفاءهم وكبودهم افـلاذا
يقول هزمتهم حتى ادبروا فولوك اقفاءهم حتى قامت مقام وجوههم في استقبالك ويجوز أن يكون المعنى طمست وجوهه بالضرب حنى صارت كالاقفاء وتركت اكبادهم قطعا صغارا والأفلاذ جمع فالذرهو القطعة من الكبد ومنه قول الأعشى، تكفيه حزة فلذٍ إن ألم بها، البيت
في موقفٍ وقف الحمام عليهم في ضنطه واستحوذ استحواذا
يقول كان هذا الفعل منك في معركةٍ ضيقة وقف الموت عليهم فحبسهم في ضيقها وغلبهم حتى قتلهم جميعا
جمدت نفوسهم فلما جئتها أجريتها وسقيتها الفولاذا
قيل في جمدت نفوسهم أقوال أحدها أنها جمدت خوفا منه والخوف يجدم الدم وعلى هذا يتأول قول الشاعر، فلو أنا على حجرٍ ذبحنا، جرى الديمان بالخبر اليقين، أي أن دمي يسيل لأني شجاع ودمك لا يسيل لأنك جبان والثاني أن دماءهم كانت محقونة فلما جئتها ابحتها بسيوفك فجعل حقنها الجمود إذ كان يذكر بعده الإجراء وقال ابن جنى يعني قست قلوبهم وصبوا وشجعوا فاشتدوا كالشيء الجامد وقوله اجريتها أي أسلت دماءهم على الحديد فصارت بمنزلة الماء الذي يسقاه الفولاذ
لما رأوك رأوا أباك محمـداً في جوشن وأخا أبيك معاذا
يقول لما رأوك رأوا أباك وعمك لأنك تشبههما فلصحة شبهك بهما كأنهم رأوهما
أعجلت ألسنهم بضرب رقابهم عن قولهم لا فـارس إلا ذا
يقول لما رأوك ورأوا شجاعتك أرادوا أن يقولوا لا أحد يصلح للفروسية غير هذا لكنك قتلتهم فلم يقدروا على هذا القول والمعنى لو أمهلهم سيفك لأقروا بأنك فرد الزمان
غر طلعت عليه طلعة عارضٍ مطر المنـايا وابـلا ورذاذا
يعني بالغر ابن يزداذ يقول كان غافلا عنك حتى طلعت عليه كما يطلع السحاب ولما جعله كالسحاب جعل ما فرقه فيهم من المنايا كالمطر وابلا وهو الكبار القطر ورذاذا وهو الصغار
فغدا أسيراً قد بللت ثيابه بدمٍ وبل ببوله الأفخاذا
يريد أنه تلطخ بالدم والبول جميعا
سدت عليه المشرفية طرقه فانصاع لا حلبا ولا بغداذا
انصاع مطاوع صعته فانصاع أي ثنيته فانثنى ومنه قول الشاعر، يصوع عنوقها أحوى زنيمٌ، والمشرفية السيوف المنسوبة إلى مشارف اليمن وهي قرى هناك تعمل بها السيوف يقول انهزم فلم يقصد الشام ولا العراق لأن سيوفك أخذت عليه هذه الطرق
طلب الإمارة في الثغور ونشؤه ما بين كرخايا إلى كـلـواذا
يقول طلب أن يكون أميرا للثغور وإنما نشأ في سواد العراق أي أنه ليس يصلح لما طلب لأنه سوادي
فكأنه حسب الأسنة حلـوةً أو ظنها البراني والآزاذا
البرني والآزاذ نوعان من التمر أي أنه تعود أكل الأرطاب وليس من أهل الطعان والضراب
لم يلق قبلك من إذا اختلف القنـا جعل الطعان من الطعان ملاذا
يقول لم يلق قبلك رجلا إذا اختلفت الرماح عند المطاعنة لم يهرب من الطعان إلا إلى الطعان ولم يلجأ إلا إلى المحاربة لشجاعته وعلمه أنه لا يحامى على حقيقته إلا بالطعان كما قال الحصين، تأخرت أستبقي الحيوة فلم أجد، لنفسي حيوة مثل أن أتقدها
من لا توافقه الحياة وطيبها حتى يوافق عزمه الإنقاذا
أي لا يلتد طعم الحياة إلا إذا أم ى عزمه فأنفذه يعني أن طيب عيشه في انفاذ عزمه
متعودا لبس الدروع يخالـهـا في البرد خزا والهواجر لاذا
متعودا من صفة قوله من وهو نكرة في محل النصب كأنه قال لم يلق قبلك انسانا متعودا لبس الدروع يظنها في برد الشتاء خزا يدفىء من البرد وفي الهواجر وهي جمع هاجرة وهي وقت شدة الحر في نهار الصيف لاذا وهو ثوب رقيق من الكتان يلاذ به من الحر وفي هذا البيت عطف على عاملين مختلفين لأنه عطف الهواجر على البرد واللاذ على الخز وذلك لا يجز إلا على قول الأخفش على أنه قد حكى عنه الرجوع عن هذا قال أبو بكر بن السراج اجماع أنه لا يجوز مر زيد بعمرو وبكر وخالد
أعجب بأخذكه وأعجب منكما أن لا تكون لمثلـه أخـاذا
يقول ما أعجب أخذك إياه في قوته وعدده وأعجب منكما لو لم تأخذه أي ذاك كان أعجب لو لم تأخذه لأنك مظفر منصور على أعدائك لا يفلت لا يفلت منك أحد تقصده وقال يرثي محمد بن اسحاق التنوخي
إني لأعلم واللـبـيب خـبـير أن الحياة وإن حرصت غرور
قوله واللبيب خبير اشارة إلى أنه لبيب لذلك علم أن الحياة وإن حرص عليها الإنسان غرور يغتر بها الإنسان يظن أنه يبقى وتطول حياته كقول البحتري، وليس الأماني بالبقاء وإن مضت، به عادة إلا أحاديث باطل،
ورأيت كلاًّ ما يعلل نفسه بتعلةٍ وإلى الفناء يصير
ما زائدة للتوكيد أي رايت كل أحد يعلل نفسه والتعلة التعليل يقال فلان يعلل نفسه بكذا أي يمني نفسه ذلك ويرجي به الوقت يعني أن كل إنسان يرجى نفسه بشيءٍ من الأشياء ومصيره إلى الفناء
أمجاور الديمـاس رهـن قـرارةٍ فيها الضياء بوجهـه والـنـور
ما كنت أحسب قبل دفنك في الثرى أن الكواكب في التراب تـغـور
الديماس حفرة لا ينفذ إليها ضوء من الدمس وهو الظلام وأراد به القبر والقرارة كل موضع يستقر فيه شيء يريد القبر أيضا وجعل الميت رهن القبر لإقامته هناك إلى يوم البعث كان القبر استرهنه والمنى أن قبره اشرق بنور وجهه
ما كنت آمل قبل نعشـك أن أرى رضوى على أيدي الرجال تسير
رضوى اسم جبل معروف وهذا من قول الآخر، هذا أبو القاسم، في نهشه، قوموا انظروا كيف تزول الجبال،
خرجوا به ولكل باك خـلـفـه صعقات موسى يوم دك الطور
يعني أن الناس كانوا يبكون حول نعسه ويصعقون كما صعق موسى كما أخبر الله تعالى في قوله جعله دكا وخر موسى صعقا والدك الكسر
والشمس في كبد السماء مريضة والأرض واجفة تكاد تمـور
يريد أن ضوء الشمس ضعف بموته فكأنها مريضة واضطربت الأرض فكادت تجيء وتذهب والواجفة الراجفة المضطربة وإنما يذكر هذا تعظيما لموت المرثي
وحفيف أجنحة الملائك حوله وعيون أهل اللاذقية صور
يقال في جمع الملك الملائكة والملائكة جمع على غير قياس قال كثير، لما قد عممت المؤمنين بنائلٍ، أبا خالد صلت عليك الملائك، وصور جمع أصور وهو المائل يقال صاره يصوره إذا اماله وصور إذا صار مائلا ومنه قول الشاعر، الله يعلم أنا في تلفتنا، يوم الوداع إلى أحبابنا صور، يقول احاطت بنعشه ملائكة السماء حتى سمع لأجنحتهم حفيف وعيون أهل بلده مائلة إليه إما لأنهم يحبونه فلا يصرفون عيونهم عنه شوقا وحزنا عليه وإنما لأنهم يسمعون حسن الملائكة فيميلون نحو الحس الذي يسمعون
حتى أتوا جدثاً كأن ضريحه في قلب كل موحد محفور
أي كأنه حفر في قلب كل مسلم لحزنه عليه
بمزودٍ كفن البلى من ملكه مغفٍ واثمد عينه الكافور
يعني لم يزود من ملكه وملكه إلا دفنا يبلى وجعله مغفيا لأن الميت كالنائم لإطباق جفنه يقول كحل بالكافور بدل الاثمد
فيه السماحة والفصاحة والتقى والبأس أجمع والحجي والخير
يقول في ذلك الكفن هذه الأوصاف وهذه الاخلاق التي ذكرها والخير الكرم
كفل الثناء له برد حياتـه لما انطوى فكأنه منشور
يقال أنشر الله الميت ومنه قوله تعالى ثم إذا شاء أنشره ويقال أيضا نشره يقول ثناء الناس عليه وذكرهم أياه بعده كفيل برد حياته لأن من بقي ذكره فكأنه لم يمت وهذا من قول الحادرة، فأثنوا علينا لا أبا لأبيكم، بإحساننا إن الثناء هو الخلد، وقال التيمي أيضا، ردت صنائعه إليه حياته، فكأنه من نشرها منشور، وقال أيضا الطاءين سلفوا يرون الذكر عيشاً ثانياً، ومضوا يعدون الثناء خلودا،
فكأنما عيسى بن مريم ذكـره وكأن عازر شخصه المقبور
أي ذكره أبدا يحييه كما أحيى عيسى عليه السلام عازر بعد ما مات واستزاده بنو عم الميت فقال ارتجالا
غاضت أنامله وهن بحور وخبت مكايده وهن سعير
يقال غاض الماء إذا نقص وغار وخبت سكن لهبها والسعير تسعر النار يقول لما مات غاض بحر جوده الذي كان يفيض على الناس بالعطاء وانطفأت نار كيده وكانت سعيرا على اعدائه
يبكي عليه وما استقـر قـراره في اللحد حتى صافحته الحور
قال ابن جنى كان يقال قراره ويختار النصب ومن رفعه فبفعله ومن نصبه فعلى الظرف يقول ليس من حقه البكاء عليه لأنه لم يستقر في قبره حتى صافحته حور الجنة وإذا كان بهذه الصفة والمنزلة من رحمة الله تعالى لم يبك عليه بل يفرح عليه لوصوله إلى كرامة الله تعالى
صبراً بنى إسحاق عنه تكرمـاً إن العظيم على العظيم صبور
يقول اصبروا عنه واستعملوا الكرم في الصبر عنه فإن الرجل العظيم يصبر على الأمر العظيم وروى ابن جنى عن العظيم أي عن الرجل العظيم
فلكل مفجوعٍ سواكم مشبهٌ ولكل مفقودٍ سواه نظير
يقول ليس في العالم مثلكم ولا مثله وكل منكم عظيم
أيام قائم سيفه فـي كـفـه ال يمنى وباع الموت عنه قصير
أي أذكركم تلك الأيام التي كان يقاتل فيها اعداءه وهو في مهلة من أجله لا تمتد إليه يد الموت
ولطال ما انهملت بماء أحمر في شفرتيه جماجم ونحور
ويروي أنهمرت يقول طالما سالت الجماجم والنحور من الاعداء في حدي سيفه بالدماء
فأعيد إخوته برب محـمـدٍ أن يجزنوا ومحمد مسرور
الوجه أن يكون محمد الأول النبي عليه الصلاة والسلام المرثي يقول لا ينبغي لهم أن يحزنوا علهي لأنه مسرور بما أصاره الله إليه من الكرامة
أو يرغبوا بقصورهم عن حفرةٍ حياه فيها منـكـرٌ ونـكـيرُ
قال ابن جنى وأعيذهم أن يتركوا زيارة قبره ويلزموا قصورهم وقال العروضي ما أبعد ما وقع أراد أن لا يحسبوا أن قصورهم أوفق له من الحفرة التي صارت روضةً من رياض الجنة حتى حياه فيها الملكان وشرح ابن فورجة هذا القول فقال ليس معنى البيت على ما ذكره أبو الفتح لكنه يقول أعيذهم إن يظنوا إن قصورهم كانت خيرا له من قبر حياه فيه الملكان يقال رغبت بك عن هذا الأمر أي رفعتك عنه والمعنى أعيذهم أن يرفعوا قصورهم فيجعلوها في حكمهم خيرا له من قبره أي أن قبره خير له من تلك القصور ومنزله في الآخرة أشرف من منازله التي كانت في الدنيا
نفر إذا غابت غمود سيوفهم عنها فآجال العداة حصور
يقول بنو اسحاق نفر أي رهط وجماعة إذا سلوا سيوفهم فغابت عن اغمادها حضرت آجال اعدائهم لأنهم يقتلونهم في تلك الحال
وإذا لقوا جيشاً تـيقـن أنـه من بطن طير تنوفة محشور
التنوفة الأرض البعيدة يقول إذا حاربوا جيشا من الاعداء تيقن ذلك الجيش أنهم يحشرون من بطون الطير لأنهم يقتلوان فتأكلهم الطير
لم تثن في طلب أعنة خليهم ألا وعمر طريدها مبتور
يقول لم تعطف اعنة خيل هؤلاء القوم في طلب عدو إلا وعمر ذلك العدو الذي طردته خيلهم بأن اتبعته يصير مبتورا مقطوعا
يممت شاسع دارهم عن نيةٍ إن لمحب على البعاد يزور
يقول قصدت دراهم البعيدة للزيارة عن نيةٍ أي قصد من قولهم نويت الأمر ويجوز أن تكون النية بمنعى النوى وهي البعد وذلك لحبي أياهم لأن المحب يزور حبيبه وإن كان على البعد منه كما قال، زر من هويت وإن شطت بك الدار، وحال من دونه حجب وأستار، لايمنعنك بعد من زيارته، إن المحب لمن يهواه زوار،
وقنعت باللقيا وأول نظـرة إن القليل من الحبيب كثير
أخذ هذا من قول الموصلي، إن ما قل منك يكثر عندي، وقليل ممن تحب كثير وسأله بنو عمر الميت إن ينفي الشماتة عنهم فقال ارتجالا
ألآل إبراهيم بعد محمد إلا حنين دائم وزفير
هذا استفهام معناه الإنكار يقول ليس لهم بعده إلا الحنين إليه والزفير على فقده وهو متلاء الجوف من النفس لشدة الكرب والغم
ما شك خابر أمرهم من بعده أن العزاء عليهم محظور
الخابر العالم بالشيء مثل الخبير ويجوز أن يكون أيضا بمعنى المجرب يقال خبرت الأمر اخبره أي جربته والخبر العلم والخبرة التجربة يقول لا يشك من عرف أمرهم وجربه أن الصبر ممنوع محرم عليهم لشدة حزنهم على فقده أي أنهم لا يصبرون عنه
تدمى خدودهم الدموع وتنقضي ساعات ليلهم وهـن دهـور
أي إنهم يبدون عليه دما ويسهرون لفقده حتى يطول عليهم الليل فكأنه دهر لطوله
أبناء عمٍ كل ذنبٍ لامرءٍ إلا السعاية بينهم مغفور
يقول كل من أذنب إليهم ذنبا فإنهم يغفرون له ذلك الذنب إلا ذنب من سعى بينهم بالنميمة والإفساد
طار الوشاة على صفاء ودادهم وكذا الذباب على الطعام يطير
قال ابن جنى معنى طار الوشاة ذهبوا وهلكوا لما لم يجدوا بينهم مدخلا قال العروضي فيما املاه عليّ أنه يظلم نفسه ويغر غيره من فسر شعر المتنبي بهذا النظر ألا يراه يقول وكذا الذباب على الطعام يطير أذهاب هذا أم اجتماع عليه وقال طار الوشاة على ولو اراد ما قال أبو الفتح لقال طار عنه أراد أن الوشاة نموا بينهم وتمالئوا ومشوا بالنميمة وقال أبو عليّ بن فورجة كيف يعني بقوله طار ذهبوا وهلكوا وقد شبه طيرانهم على صفاء الوداد بطيران الذباب على الطعام وإنما يعنى أن الوشاة تعرضوا لما بينهم وجهدوا أن يفسدوا ودهم كما أن الذباب يطير على الطعام ومثله قول الآخر، وجل قدري فاستحلوا مساجلتي، إن الذباب على الماذي وقاعُ، هذا كلامه والمعنى إن اجتماع الوشاة وسعيهم فيما بينهم بالنمائم دليل على ما بينهم من المودة كالذباب لا يجتمع إلا على الطعام وكذلك الوشاة إنما يتعرضون للاحبة المتوادين ولم يعرف ابن دوست هذا البيت البتة وكثيرا من أبيات هذا اللاديوان
ولقد منحت أبا الحسين مودةً جودي بها لعدوه تـبـذير
أي حصل خلقه على ما أراد فكأن القدر يجري بمراده وعلى اختياره وقال أيضا في نفي الشماتة عنهم 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق