الأحد، 29 نوفمبر 2009

Albrecht Altdorfer




















الشباب و الإدمان - جعفر حسين

آفة المخدرات و تعاطيها من المشاكل الأساسية التي تواجه الشباب العربي في العصر الحالي، و وفقا لآخر إحصائية لمنظمة الصحة العالمية فقد بلغ عدد المدمنين على المخدرات في الوطن العربي حوالي 10مليون مدمن، و يتوقع زيادة الأعداد نتيجة لانخفاض أسعار المخدرات و زيادة معدلات البطالة
و الاحباط لدى الشباب.
و في هذه القراءة العلمية التأليفية حول الشباب و الإدمان سنركز فيها على تقديم تعريف للمخدرات، ثم سنحاول، تقديم أسباب هذا الإدمان و أضراره، و بعد ذلك سنتطرق إلى الظاهرة في تونس، و أخيرا تقديم بعض المقترحات للحد منها.
تعرف المخدرات على أنها، كل مادة طبيعية، أو مستحضرة في المعامل من شأنها إذا استخدمت في غير الأغراض الطبية والصناعية الموجهة إن تؤدى إلى حالة التعود والإدمان المكررة ويضر بالصحة الجسمية والنفسية والاجتماعية للفرد والجماعة.
و في تعريف آخر هي كل مادة يترتب على تناولها إنهاك في الجسم والتأثير على العقل حين تكاد تذهب به وتكون عادة الإدمان التي تحرمه القوانين الوضعية، وأشهر أنواعها الحشيش، والأفيون، والمورفين، والهيروين، والكوكايين، والقات... وغيرها.
أما فيما يتعلق بالأسباب فإننا في البداية سنعتمد التفسير الاجتماعي للإدمان والتعاطي باعتبارها مشكلة اجتماعية، إذ تنطلق جهود المجتمعات عبر وسائط التنشئة الاجتماعية (الأسرة، المدرسة، وسائل الإعلام...الخ) نحو السيطرة على التغيرات، والتحولات الاجتماعية لتوجيهها نحو الأفضل بصورة تقلل الفاقد الاجتماعي، وترفع من درجة العائد التنموي، وتتفق معظم الدراسات الاجتماعية حول التعاطي والإدمان أن الوقاية خير من العلاج، والوقاية الواعية القائمة على تخطيط فعال متكامل تتضامن فيه الهيئات والمؤسسات المعنية في المجتمع، تأتى المرتبة الأولى مكافحة التعاطي والإدمان والذي يشكل أخطر الأمراض الاجتماعية المعاصرة.

ويرجع اهتمام العلماء بالبحث في العوامل الاجتماعي إلى حقيقة أثبتتها العلوم الإنسانية الحديثة كعلم الاجتماع، الخدمة الاجتماعية، علم النفس مؤداها أن سلوك الفرد هو إلى حد كبير، نتاج للظروف الاجتماعية والاقتصادية التي يولد وينشأ فيها، فليس هناك كائن إنساني واحد ينشأ بمعزل عن المجتمع الذى هو فيه، أو يستطيع أن يهرب من تأثيرات هذا المجتمع في تكوينه ونموه الشخصي، وفي أفكاره وقدراته العقلية واتجاهاته وخصائصه الانفعالية فالشخصية الإنسانية هي بصفة أساسية، نتاج لتاريخها الاجتماعي.
والسلوك الإنحرافي يعتبر فعلاً اجتماعياً حسب رأي (دوركايم)، و الذي يرى أن الظاهرة الاجتماعية من أي نوع يجب أن تفسر بظاهر اجتماعية أخرى ولا يمكن تفسيرها بالرجوع إلى ظواهر نفسية أو أية ظواهر أخرى غير اجتماعية.
أما "روبرت مرتون" فيرى في متعاطي المخدرات وإدمانها استجابة انسحابيه من جانب المتعاطي، الذي يجد أن سبل النجاح مغلقة أمامه، كما أنه لا يستطيع ارتكاب أفعال إجرامية تحقق أهدافه لعجزه عن ذلك.
كما يرى "قبريال تارد" أن السلوك الإجرامي " التعاطي، الإدمان وغيره) ينتقل من الأعلى إلى الأسفل، حيث يقول أن الجريمة عي حقيقة اجتماعية تنشأ وتتكون وتتطور وفق قوانين أساسية يخضع لها جميع أفراد المجتمع، وهذا هو قانون التقليد، ومثال "تارد" في ذلك "ظاهرة تناول الكحول".
أما "سذرلاند" فيرى أن السلوك الإجرامي سلوك مكتسب ، وليس موروثاً وعن طريق التفاعل مع أشخاص آخرين خلال عملية الاتصال، "وسذرلاند" في نظريته "الأخلاط التفاضلي" أن كل شخص ينطبع بالطابع الثقافي المحيط به ويشتبه به، ما لم تكن هناك ثقافات أخرى تتصارع مع الثقافة المحيطة به، وتوجهه إلى طرق مختلفة كذلك أثبتت كثيراً من الدراسات والأبحاث الاجتماعية تأثير العوامل الأسرية (أسرة مفككة، أسرة منحرفة، انشغال الأسرة بالكسب، أو بالنجاح، ضعف الوازع الخلقي عند الوالدين، كثرة المشاكل العائلية........وغيرها)، في السلوك الإنحرافي، كما يؤثر سوء استخدام وقت الفراغ وعدم توظيفه التوظيف الأمثل في السلوك الإنحرافي.
أما الأسباب الأخرى، فتتمثل أولا في الضغوط النفسية يصفها البعض منهم بالكبيرة نتيجة الفشل و الإحباط في عمل ما ولكي يحاول نسيان مرارة ذلك الإحباط أو الفشل فانه يلجأ الى المخدرات كمتعاط ثم ما يلبث أن يصبح مدمناً عليها ويرجع البعض الأخر أسباب التعاطي الى شعور الشخص بنقص نتيجة مرض يعيقه أو عاهة جسمانية أو تشوهات خلقية أو شعور الشخص بنوع من التأنيب للضمير على عمل أقدم عليه وتسبب بأذى لشخص آخر ظل هاجس الشعور بالذنب يطارده ولكي يتخلص منه لجأ الى المخدرات كما كشفت كثير من جلسات المعالجة النفسية للمتعاطي عن أن هناك أسبابا تتعلق بالغنى والفقر، فقد
يرزح البعض عند عقدة عدم امتلاكه وغيره يمتلك أو غيره يتمتع وتطغى عليه سعادة ورفاهية العيش وهو يعاني من الفقر يندفع للتخلص من هذه الآلام نحو تعاطي المخدرات وقد يدفعه التعاطي الى الاتجار بالمخدرات بها لغرض الوصول الى تحقيق اعلي المكاسب ومضاهاة الأغنياء، كما يعاني كثير من المتعاطين من عدم الرضا الحياتي وبشكل كبير بسبب البيئة التي يسكن فيها، حيث أن للبيئة التي يسكنها المتعاطي دورا كبيرا في ذلك إذ إنها توفر فرص الانحراف وخاصة إذا كانت موجودة وخارج اهتمامات المجتمع والحكومة كل هذه و أسباب أخرى نفسية تدفع بالأفراد الى تعاطي المخدرات والانغماس في أجوائها.
و من العوامل المهمة في هذا الجانب أن المدمنين يفقدون اهتمامهم بالحياة و يكونون غير مبالين سواء عاشوا أو ماتوا لذا فإن الحياة عندهم رخيصة و أرخص بكثير من ثمن المخدر.
أما السبب الثاني فمتمثل في دور الاسرة، إذ أن للأسرة دورها الايجابي في الرعاية والحماية والتنشئة الصحية لأفرادها والوفاء بالحاجات الأساسية البدنية والصحية والتربوية والتعليمية والاقتصادية والاجتماعية لهم وغير ذلك من احتياجات مستجدة وتأثيرها الكبير في تشكيل الاتجاهات والقيم وضروب السلوك، فانه يمكن أيضا إن يكون لها دور سلبي إذا ما سادت فيها أجواء التوتر والاضطراب والمشكلات المرضية والتعرض للأذى وتعاطي المخدرات.
ومن أهم ما يتمخض عنه الاضطراب والتفكك الأسري هو ما يجلبه غياب الأب بسبب الانفصال بالهجر أو الطلاق أو الوفاة من مخاطر كبيرة لمشكلات وجدانية في الشخصية كذلك اقتصاد المودة والحب والتفاعل الأسري الايجابي وكل ذلك آو بعضه قد يسهم في مشكلات تكون إحدى آليات الهروب منها هو تعاطي المخدرات والاعتماد عليها.
وللتفكك الأسري والنزاعات العائلية التي تنشب داخل الأسرة الواحدة أو أجواء التوتر الدائمة بين أطراف الأسرة وخاصة الزوجية التي تلقي بظلالها السلبية على الأبناء إذ يفقدون الحب والحنان والعطف الأسري وهم في مقتبل العمر مما يدفعهم للتخلص من واقعهم المتفكك الى الارتماء بأحضان رفاق السوء إذ يكونون لقمة سائغة لمروجي المخدرات وتجارها.
و فيما يخص السبب الثالث فهو تقني بحت وذلك من خلال ازدياد المخترعات العلمية لكثير من المواد الكيميائية السامة التي تشابه في الخواص والتأثير المخدرات المنتجة طبيعيا كالكوكايين و الهرويين الصناعي بل قد تتجاوز قوته التأثيرية المنتج الطبيعي فيندفع المتعاطي والمدمن الى تداولها واستخدامها لأنها تعطي نشوة اكبر. وتطور وسائل الاتصال و الإعلام وما تنقله صور الأفلام السيئة أو برامج التلفاز من صور تؤدي بشكل غير مقصود الى تعليم الأفراد كيفية تعاطي المخدر وتزايد إنتاج المركبات الصيدلانية التي تستخدم كوسائل علاجية وتسكين الآلام يلجأ البعض من ذوي النفوس المريضة الى سوء استخدام هذه التراكيب التي أعدت أصلا للعلاج والوقاية من الأمراض وتطور وسائل النقل التي قادت الى سرعة تداول المواد المخدرة.
وأخيرا عامل مهم رابع هو ضعف الوازع الديني الذي يقود الى الوقوع في شراك المخدرات ذلك إن من يتمسك بقيمه الدينية فلا شك في انه يكون بعيدا عن مواطن الزلل والخطأ و نعلم هنا أن جميع الأديان قد حرمت إيذاء النفس البشرية وجعلته خطيئة لا تغتفر ونوعا من أنواع الانتحار الذي يستحق فاعله التخليد في نار جهنم ذلك أن الله تعالى قد سخر لبني آدم كل ما في الأرض ليختبره فقد قال تعالى (أنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا) أي يريد الله تعالى تسخير كل شيء على الأرض أن يعلم المفسد من المصلح، و كل ذلك حسب تحليل الخطاب الديني للمسألة.
هذا على مستوى الأسباب أما على مستوى أضراره، فيمكن حصرها في أضرار مختلفة،
أضرار الاجتماعية: فالإدمان مرض يصيب الفرد والمجتمع فبالإضافة إلى الأمراض والمشكلات التى تلحق بالمدمن فإن البنيان الاجتماعي ينصدع وينهار حيث تتفكك الروابط الأسرية وتتدنى قدرة الإنسان على العمل فيقل الإنتاج كما يتزايد عجز الشباب عن مواجهة الواقع والارتباط بمتطلباته وتتفاقم المشكلات الاجتماعية وتكثر الحوادث والجرائم .
ومن المشكلات الاجتماعية التى تنجم عن الإدمان كثرة المشاجرات الأسرية والطلاق وتشريد الأبناء وكثرة العنف والاغتصاب والسرقة والقتل بالإضافة إلى كثرة المخالفات القانونية .
وقد يضحى المدمن بسبب الرغبة الملحة فى اقتناء المخدر بأولاده حيث يفضل شراء المخدر على شراء الطعام والكساء و الالتزام بمتطلبات الحياة لأسرته ، بل قد يرمى بأولاده فى أحضان الرذيلة والفساد .
أما الاضرار النفسية: لتعاطي المخدرات آثار نفسية خطيرة تلحق بالشخص المتعاطي ومن ذلك الآثار شعوره الدائم بالخوف والاضطهاد وضياع أهدافه من الحياة وكثيراً ما يفكر فى الموت ، هذا بالإضافة إلى أنه يفقد الفاعلية والنشاط وجميع العادات الحسنة المتمثلة فى الأتي :
- الانقطاع عن الاستحمام.
- الإهمال فى الهندام.
- سوء التغذية.
- الانعزال عن المجتمع والناس المألوفين له سابقاً.
- الشعور بالقلق والتدثر وهذا يأتي بعد النشوة المؤنثة و فى الغالب قد يصل البعض إلى الجنون.
ثالثاً الاضرار الاقتصادية: إذ تشكل تجارة المخدرات وإدمانها والمشكلات التى تنجم منها خطراً جسيماً يهدد الكيان الاقتصادي لدول العالم أجمع فقد أعلنت الأمم المتحدة أن الأموال التى تصرف وتنفق فى مجال تجارة المخدرات تقدر بحوالي 300 مليار دولار وهذه الأموال تنفق من أجل:
1- مكافحة تهريب المخدرات وكذلك التى تنفق فى مجال توزيعها داخلياً ففى مصر مثلاً تنفق ميزانية كبيرة من ميزانية الإدارة العامة لمكافحة المخدرات بوزارة الداخلية وجزء من ميزانية المباحث العامة و الذي يغطى أشغال هذه الإدارة بموضوع المخدرات والأمر لم يتوقف على ميزانية وزارة الداخلية فقط بل تعدى جزئاً من ميزانية وزارة الدفاع الذي تخصصه لمكافحة المخدرات ممثلاً ذلك فى ميزانية سلاح حرس الحدود وخفر السواحل بمكافحة التهريب من الداخل إلى الخارج والعكس ثم هناك وزارة العدل التى تنفق قدراً من ميزانيتها لتغطى أشغال آليات السلطة القضائية بقضايا المخدرات كما يغطى انشغال مصلحة الطب الشرعي بمتعلقات هذه القضايا.
2- هذا فضلاً عن الأموال التى تنفق من أجل إنشاء المصحات النفسية وعلاج الإدمان، كما ينتج عن انتشار المخدرات تزايد البطالة فى المجتمع والعاطلين عن العمل إما بسبب الإدمان أو بسبب المضاعفات الناشئة عنه
3- إضافة إلى ذلك هناك أموالاً طائلة تنفق على السجون التى يزج بها متعاطى المخدرات وتجارها من حيث تموينهم والإنفاق عليهم هذا فضلاً على تأثر أسر هؤلاء المساجين بدخول عائليها للسجن لسوء أحوالها المادية مما يجعل البعض ينحرفون نحو تيار الجريمة والضياع .
4- وهناك أموالاً أخرى تنفق من أجل مكافحة مرضى الإيدز الناتج عن إدمان المخدرات وأجراء الأبحاث والعلاج فضلاً عن مصحات العلاج للمدمنين ورواتب الأطباء والمساعدين والمعدات الطبية وبناء السجون الجديدة وزيادة أعداد القائمين على حراسة تجار المخدرات المدمنين وكل هذا يؤدى بالإضافة إلى إنفاق الأموال الطائلة فإنه يشغل مجموعة كبيرة من الأفراد عن القيام بأعمال افتتاحية أخرى ويسبب بالتالي خسارة اقتصادية للمجتمع .
رابعاً الأضرار السياسية: المخدرات لها أضرار تصيب الأمن القومى نتيجة تعاطيها والاتجار فيها وتهريبها ، فهذه المواد ما هي إلا سلاح فى يد الأعداء لا تقل فتكا وتدميراً عن أى سلاح حديث عرفته الحروب المعاصرة ، ويزيد من خطورة المواد المخدرة أنها سلاح غير مشهر ، تبث سمها فى ابدان ضحاياها دون أن تبرق أو تنفجر فتسمع ، فهى سلاح لا يصيب المحاربين فقط ، يتعدى الأمر إلى الآمنين أيضاً لذا لم تتورع بعض الدول عن استخدامها لكسر شوكة الشعوب وتهديد مقوماتها وتقويض كيانها الداخلي وقد تلجأ دولة إلى استخدام هذا السلاح للنيل من الدولة التى تحاربها فقد لجأت اليابان فى غزوها للصين التى يتجاوز عدد سكانها خمسة أضعاف عدد سكان اليابان قبل الحرب العالمية الثانية إلى نشر المخدرات في الأراضي التى احتلتها ، وتهريبها إلى الأراضي التي لم تكن بعد مستهدفة بذلك القضاء على حجة النضال وروح المقاومة فى أبنائها بأقل جهد وأخطر سلاح وقد خصصت اليابان جانباً من ميزانيتها لإقامة مصانع لاستخراج مشتقات الأفيون مثل المورفين والهيروين والكوكايين وأباحت تعاطي المخدرات التى حرمتها فى بلادها فانتشرت حوانيتها فى كافة المدن والقرى.
و خامسا الأضرار الصحية: إن مدمني المخدرات يعانون بصفة دائمة من الضعف العام ، والتدهور فى كافة جوانب حياتهم الصحية إلى الدرجة التى يعجزون فيها عن القيام بأى عمل فهى مهما كان سهلاً، بالإضافة إلى التسمم الناتج عن إدمان الكحوليات ، والتليف الكبدى الذي يؤدى فى كثير من الأحيان بحياة المدمن.
فالمخدرات تعمل على تدمير الشخصية وخاصة فى التعاطى لسنوات طويلة حيث يؤدى استعمال المخدر فى النهاية إلى أن يصبح الشخص خاملاً راكداً بطيئ التفكير إلا أنه إلى جانب هذا الوصف العام لأثر المخدرات على الصحة فإن لها آثارها القوية على بعض الأعضاء الهامة فى الجسم بحيث يعوقها عن أداء وظيفتها أحياناً ويعوقها أحياناً أخرى إلى الأبد.
و كذلك الإدمان على المخدرات له تأثير مدمر وخطير على كافة أجهزة الجسم مثل القلب والأوعية الدموية والجهاز التنفسي والهضمي والكبد.. ففى حالة التعاطى والوصول إلى مرحلة الإدمان فإن الأنف هو أول ما يتأثر بصفته المدخل لكثير من هذه المواد المخدرة وخاصة الهيروين والكوكايين كما أن سموم الإدمان تسبب مرض السرطان ولها تأثير خطير على الدم فهو يضيق الدورة الدموية وقد يوقفها أحياناً ويموت المدمن فجأة.

لقد حاولنا من خلال ما تقدم تحديد تعريف المخدرات و من خلالها الإدمان‘ وكذلك التطرق إلى أسباب هذا الإدمان و أضراره، و في عنصر آخر سنركز على ظاهرة الإدمان في تونس، ففيما تتمثل هذه الظاهرة؟
لا توجد تقارير تشير إلى وجود إنتاج كبير للمخدرات في تونس. ومع ذلك هناك تقارير عن زيادة توافر المواد المخدرة التي تؤثر على الحالة العقلية للشخص على امتداد شمال أفريقيا. و نظرا لموقعها الجغرافي تعتبر تونس معبرا لتجارة المخدرات، وخاصة القنب الموجه إلى أوروبا من مناطق الإنتاج في المغرب. كذلك تشير التقارير إلى تزايد الاتجار في الهيروين من ليبيا إلى تونس. ومع ذلك من الصعب إثبات هذه التقديرات من خلال المعلومات المتوافرة لدى مكتب الأمم المتحدة. و في عام 1996 سجلت ندوة تخفيض الطلب المنعقدة بتونس ارتفاعا عاما في تعاطي المخدرات مثل القنب والهيروين والكوكايين والمواد الطيارة.
الجهات الرسمية لا توفّر أرقاما دقيقة حول عدد مستهلكي المخدّرات في تونس ، وتشير في عديد المناسبات إلى أنّ "الإجراءات الوقائية" وحملات التحسيس والتوعية والإجراءات العقابية ساهمت في تطويق ظاهرة المخدّرات والحدّ من انتشارها" لكن ما يحدث على أرض الواقع يشير إلى أنّ المسألة تتطلّب جهدا إضافيا وخطوات أوسع لمحاصرتها وتطويقها.
قبل نحو سنتين كشفت دراسة أجراها المعهد الوطني للصّحة العمومية على عيّنة من 2953 شابا أعمارهم بين 15 و 24 سنة، أنّ 10% منهم استخدم المخدرات وأنّ 3،3 منهم يواصل تعاطيها وأن 3،5% يتعاطون المخدرات عن طريق الحقن.
وقبل ذلك أثبتت دراسة اهتمت بــ367 مدمنا امتدت لخمس سنوات أن 93 % من المدمنين هم من فئة العزاب وأن 78 % استخدموا المخدرات قبل سن الــ20 سنة وأنّ 63 % من الفئة موضوع الدراسة تراوحت أعمارهم بين 15 و 20 سنة.
الدراسة الأخيرة وعلى الرغم من محدودية معطياتها ونتائجها وضبابية ما خلصت إليه فإنها أعادت الجدل الدائر بخصوص ظاهرة الإدمان على المواد المخدرة في تونس وتأثيراتها السلبية التي تستهدف عادة فئة الشباب.
و نظرا لموقعها الجغرافي المميز تعتبر الجمهورية التونسية معبرا جيدا لتجارة المخدرات وخاصة مادة" القنب" الموجه إلى أوروبا والذي يكون مصدره عادة المغرب، في حين أن تقارير أخرى تشير إلى تزايد الاتجار في مادة "الهيروين" انطلاقا من الجارة ليبيا.
وعلى الرغم من التنسيق الأمني الكبير بين كل من تونس وليبيا في مجال مكافحة الاتجار بالمخدرات إلا أن كميات ليست بالقليلة تعبر بشكل متواصل انطلاقا من الحدود الصحراوية بين البلدين.
و تبقى المشكلة الأساسية دوما غياب المعلومة الدقيقة والرسمية التي يمكن الوثوق بها فكل ما يمكن الاستناد إليه في مثل هذه الظروف هو تقارير سنوية صادرة عن الأمم المتحدة في هذا المجال أو بعض التقارير الصحفية المتواترة التي يمكن أن تشير إلى إحباط عمليات كبرى لإدخال المخدرات إلى البلاد بين الفينة و الأخرى.
"حي ابن خلدون" "حي فرنسا" "العمران الأعلى" و"حي التحرير" "حي التضامن" ، تلك أسماء لسلسلة من الأحياء المتلاصقة الواقعة بالعاصمة تونس وتعرف بكونها معاقل معروفة لتجار المخدرات و المدمنين على "الزطلة".
ورغم أنّ هذه الأرقام غير رسمية وبعضها غير دقيق فإنّها تشير إلى أن موضوع استهلاك المخدرات بين الشباب التونسي هو موضوع مطروح بجديّة وأنّ التقليل من أهمية متابعته يساهم في مزيد انتشاره خاصّة أنّ عمليات التهريب بصدد التطور من خلال ما تكشف عنه من حين لآخر الجهات الأمنية.
وحسب التوزيع الجهوي لمدى انتشار هذه السلوكيات المنحرفة، خاصة إدمان المواد المخدرة تحظى منطقة الوطن القبلي في الشمال الشرقي لتونس بنصيب الأسد خاصة نابل تليها باجة في الشمال الغربي ثم المهدية بالساحل فولايتي بن عروس و منوبة التابعتين لمنطقة تونس الكبرى .
و بغض النظر عن هذه الدراسة تبقى مسألة تحديد وضع الإدمان في المجتمع التونسي غير واضحة ودقيقة، نظرًا لغياب الأرقام الدقيقة من جهة، وانحصار طرح مثل هذه المواضيع في أوساط المختصين وفي أوساط المنظمات الغير حكومية.
وفي السياق نفسه تشير معطيات رسمية إلى انه تم ضبط إستراتيجية وطنية تمتد من 2007 إلى سنة 2010 تهدف إلى مجابهة السلوكات المحفوفة بالمخاطر لدى الشباب التونسي، وترمي إلى النهوض بصحة المراهقين المتمدرسين وتطوير طرق الإنصات لهم وتشريك عائلاتهم ومحيطهم الاجتماعي.
و في نهاية هذه القراءة العلمية التأليفية، سنحاول تقديم بعض المقترحات للحد منها، فسنعتمد على آراء بعض المختصين في بلادنا من خلال تصريحاتهم لوسائل الإعلام المحلية، فلقد بين الطبيب الأستاذ عبد المجيد الزحاف أن الإشكال لا يكمن في عدم توفر الموارد المادية لأنه بإمكان الجمعيات أن تقوم بالكثير شريطة توفر العزيمة والرغبة الحقيقية في العمل الجاد.
و قدم الزحاف بسطة عن تجربة مركز المساعدة والإصغاء بصفا قس وقال إنه مفتوح للعموم 24 ساعة على 24 ويأتيه المدمون من تلقاء أنفسهم ويتلقون هناك علاجا نفسيا ومساعدة طبية على الإقلاع.
وبين أن هناك أربعة مراحل لبرنامج "النور".
أولها تدوم 10 أيام ويتلقى فيها المدمن العلاج،
و المرحلة الثانية هي تغيير السلوك وتدوم شهرين، والمرحلة الثالثة يعيش فيها النزيل ثلاثة أسابيع مع المجموعة قصد تعويده على الاندماج من جديد. أما المرحلة الرابعة، فهي متابعته بعد الخروج من المركز حتى لا يعود إلى الإدمان.
و من جهتها بينت مديرة مركز أمل أن المركز مفتوح للجميع وحتى للراغبين في التخلص من الإدمان من تلقاء أنفسهم وبينت أن هناك من يخاف المركز لاعتقاده أنه مفتوح للمساجين فقط.. وأنه إذا ذهب هناك للعلاج سيتم القبض عليه والزج به في السجن وهو اعتقاد خاطئ.
و عن سبب نقص عدد المراكز المؤهلة لعلاج المدمنين على المخدرات بينت أن الأمر يعزى لأسباب مادية ولنقص عدد المختصين.
و أما عن إمكانيات العلاج إذن ممكنة.. رغم عدم توفر العدد الكافي من المراكز المختصة وفي هذا الإطار يعتبر الأستاذ حافظ بوكتيف ممثل وزارة الشؤون الاجتماعية والتضامن والتونسيين بالخارج أن الوضع لم يتغير منذ سنوات.. ويعتقد أنه لا يمكن أن نتحدث عن خطة وطنية شاملة لمكافحة الظاهرة بل هناك تدخلات محدودة.. و لنا قوانين يجب تحيينها ويجب اعتبار مسألة الإدمان قضية صحة عامة ومشغل وطني.. ويكمن الخلل في عدم توفر التنسيق المطلوب في العمل الشبكي فالعمل الشبكي يتطلب توفر نظام متكامل.. وقدم مثالا إذا عثرنا اليوم على طفل مدمن في الطريق وليس له عائل فإن المشكلة الأولى التي ستعترضنا هي ماذا سنفعل معه وأين سيمضي الليل.

و لكن بصفة عامة فإن علاج أي مدمن يحتاج إلى فريق متكامل من الطبيب الجسماني والطبيب النفسي ورجل الدين والأخصائي الاجتماعي مع مراعاة الأبعاد الاجتماعية والثقافية المحيطة بالمدمن.
فلقد أصبحت قضية الإدمان على المخدرات بأنواعها قضية تهدد حاضر ومستقبل العديد من دول العالم المتقدمة والنامية كما تهدد النشء والشباب في الدول العربية كلها.
و تعتبر التنشئة التربوية مسئولة عن تربية النشء والشباب من المراحل السنية المبكرة وهذا يسهم في الوقاية من الانحرافات بأنواعها والإدمان على المخدرات وغيرها بطبيعة الحال.
كما تؤكد الأهداف المعلنة للمؤسسات الرياضية والترويحية اهتمامها بالدور البنائي والوقائي للنشء والشباب من الوقع في الانحرافات بكافة أنواعها مع استعدادها للإسهام في استكمال مراحل العلاج من الانحرافات بالتعاون وبإشراف المؤسسات المعنية الأخرى، ويتضاعف دور هذه المؤسسات في ضوء التقدم العلمي المضطرد في المجتمعات.
و بالتالي و بدراسة المفهوم العلمي للرياضة والمفهوم العلمي للترويح تبين أنهما قد أصبحا من ضرورات الحياة للإنسان المعاصر وأصبحت الأنشطة الرياضية والترويحية الثقافية والفنية والاجتماعية من أساسيات البرنامج اليومي والأسبوعي والشهري لأعضاء المجتمعات.
و بوجه عام فإن من الممكن أن نضع المقترحات للمؤسسات الرياضية والترويحية حتى تتمكن من القيام بأدوارها التي يتوقعها المجتمع، من خلال وضع الخطة العامة للمؤسسات الرياضية والترويحية بحيث تستهدف أعضاء المجتمع خاصة النشء والشباب ممن هم في سن من 10- 25 عاماً ومن الذكور والإناث على السواء.
و كذلك تتحدد أهداف خطة المؤسسات الرياضية والترويحية بالتعاون مع مؤسسات التنشئة التربوية الأخرى مثل الأسرة والمدرسة والمنظمة الاجتماعية والسياسية (إن وجدت) فضلاً عن أجهزة الإعلام والثقافة.
و أخيرا توفير الإمكانات التي تيسر تنفيذ البرامج وهي ليست بالضرورة إمكانات غالية الثمن. بل إنه في ضوء التنسيق والتعاون والتكامل يمكن الإفادة القصوى من الإمكانات المتاحة في المؤسسات المختلفة.
إن الرياضة والمؤسسات الترويحية تسهم في تربية النشء والشباب وتعمل على رقابتهم من الانحرافات بوجه عام ومن الإدمان بوجه خاص.
فالرياضة من الأنشطة المهمة الضرورية للإنسان والتي يجب أن تمارس بانتظام تحت قيادات مهنية متخصصة من العاملين المهنيين الذين يتوفر لهم الخبرة والصحة البدنية والنفسية والتدريب المستمر فضلاً عن الإيمان بالأسلوب العلمي والنظرة المستقبلية المؤمنة بروح العصر والمتفائلة بإمكانية مسابقة الزمن من أجل اللحاق بركب التقدم العلمي
وكشفت العديد من الدراسات أن من بين المعوقات التى تحول دون الإسهام فى حل المشكلة مستوى ‏وكفاءة الإجراءات الأمنية ودرجة توافر الخدمات الاجتماعية والأنشطة الرياضية وما ‏تقتضيه من طرق وأساليب متنوعة حديثة وبرامج علمية تتناسب مع كل مرحلة عمرية لحدوث ‏تغير ايجابى ملموس.
وأوصت بوجود برامج توعية داخل الأندية ومراكز الشباب لمناقشة القضايا المطروحة ‏على الساحة بهدف دمج الشباب فى قضايا مجتمعهم وشغل أوقات فراغهم بدمجهم فى برامج ‏فنية إعلامية توضح مدى خطورة التعاطى .
وطالبت دراسات أخرى بالتعاون بين الجهات الإعلامية والشبابية بشأن عرض برامج فنية ‏تتعرض لمخاطر التعاطى و الإدمان لرفع مستوى الوعي ومدى الدمار الذى يلحقه الإدمان ‏بالشباب و إعداد برامج تدريبية علمية فى الأنشطة المختلفة تستغل فيها طاقات الشباب ‏ولشغل أوقات فراغهم.

إن الحديث عن الظواهر الاجتماعية المتعلقة بالشباب و المجتمع التونسي يثير الكثير من الحيرة المعرفية و السوسيولوجية باعتبار ارتباط ذلك بالعديد من الأسباب، لكن ظواهر مثل الإدمان و السرقة و الجريمة و الاغتصاب... تبقى معالجتها بشكل نهائي غير ممكنة لأن أسباب تفاقمها لا يمكن القضاء عليها سواء حسب الفترات و البيئات و الأفراد، لكن الشباب و المجتمع التونسي يعرف مشكلات في مستوى القيم و الممارسة بالتحديد، و هي متمثلة فيما يمكن أن نطلق عليه"الإدمان على نشر قيم عدم الثقة بين الناس في مختلف مستويات الحياة" و لهث الأفراد و الجماعات على ضبط كل التصورات و القيم و الممارسات إلى قانون السوق بالمعنى الاخضاعي و السلعي لأن ذلك يخل بالتوازن الاجتماعي
و بنسيج العلاقات و الروابط فيه.

رأي في تدريس اللغة الإنجليزية في المرحلة الابتدائية

رأي في تدريس اللغة الإنجليزية في المرحلة الابتدائية
كانت اللغة الإنجليزية في مدارسنا- وما زالت- مشكلة. مشكلة ذات جوانب متعددة فهي مشكلة من حيث توفر معلميها، ومشكلة من حيث نفرة كثير من الطلاب منها، ومشكلة من حيث حاجتها إلى معلمين ذوي قدرات تدريسية خاصة، ومشكلة من حيث توفر الوسائل المعينة على تدريسها، ومشكلة من حيث ضعف الطلاب فيها بل عجز كثيرين عن النجاح فيها مما جعلها من أكثر المواد الدراسية  تسببا في تسرب الطلاب. وهذه المشكلة جرت مشكلة أخرى ذات علاقة، وهي أن كثيرا من الناس غير المتخصصين وغير ذوي الخبرة أخذوا يدلون بآرائهم ويحددون مكامن الخلل في تدريس اللغة الإنجليزية. وأحكام هذه الطائفة وآراؤها عادة تكون إلى العاطفة والرأي العابر السطحي أقرب منها إلى الحكم العلمي المبني على الدراسة العلمية.
ومن القضايا التي أثيرت مؤخرا قضية تدريس اللغة الإنجليزية في المرحلة الابتدائية، أو في المرحلة العليا منها. وحسب علمي أنه ليس بين المنادين بذلك أحد من المختصين في مجال تدريس اللغات.
وحجج المنادين بذلك أن الطالب في المرحلة الابتدائية أقدر على تعلم اللغة من طالب المرحلة المتوسطة. ويستدلون على ذلك بإتقان الأطفال الذين يدرسون اللغة في المدارس خارج المملكة أكثر وأسرع من آبائهم. فيرون بناء على هذه المقدمة أن تدريسهم اللغة الأجنبية في المرحلة الابتدائية يسهل لهم تعلمها في المرحلة المتوسطة.
وهذا الرأي يبدو لأول وهلة وجيها، لكن عند التدقيق والتحقيق العلمى والنظر إلى الأمور بمنظار شمولي يتبين عكس ذلك تماما، وذلك من عدة وجوه:
أولا: الثابت علميا أن " المتعلمين الأكبر سنا أفضل من حيث معدل سرعة تعلم اللغة الثانية وتحصيلها النهائى، لكن الأطفال الصغار يتفوقون فقط في نمو النظام الصوتي، إلا أن الدليل على ذلك ليس حاحما."[1]
فبهذا يتبين أن ما يشاع حول تفوق الأطفال في تعلم اللغة غير صحيح علميا. وإنما تفوقهم يكون في الجانب الصوتي أي صحة النطق، وهذا أيضا ليس على إطلاقه إذ أنه مشروط بكون الدراسة تتم في بيئة لغة أصلية بحيث أن الطفل يستمع إلى اللغة من متحدثها الأصلى ويمارسها معه. وهذا بالتأكيد لا يمكن في جو الفصل الدراسى المعتاد.
"إن الشىء الذي تدل البحوث العلمية عليه، أن المراهقة المبكرة هى أفضل عمر لتعلم اللغة الثانية، سواء من حيث سرعة التعلم أو التحصيل النهائي. والدليل الدامغ على ذلك بالتحديد هو نتيجة البحث الذي وجد أن الأطفال الكنديين المتحدثين باللغة الإنجليزية الذين كانت أعمارهم بين 12 و 13 سنة وكانوا في برامج انغماسية (immersion programs) متقدمة في تعلم اللغة الفرنسية أجادوا تعلم تلك اللغة بالمستوى نفسه الذي كان عليه أقرانهم الذين كانت لهم الخلفية اللغوية نفسها والذين كانوا أيضا في برامج انغماسية مبكرة في تعلم الفرنسية، حيث كانت تبدأ تلك البرامج في مرحلة الحضانة، ويتعرضون فيها للغة الفرنسية ضعف عدد الساعات الذي تعرض له الأطفال السابقون الذين كانوا في البرامج المتقدمة.”[2]
بل إن هكتر هامرلي عد الاعتقاد بأن الأطفال أكثر قدرة على تعلم اللغة من الكبار من الخرافات! حيث يقول:
"يمكننا القول بأن الفشل اللغوي لمذهب الانغماس يعود بشكل رئيسى إلى حقيقة أن مفهومه في تعلم اللغة يستند إلى خمس خرافات. إن الاعتقاد بهذه الخرافات، لسوء الحظ، ليس مقتصرا على الإنسان العادي، بل إن كثيرا من المحسوبين على العلم قد عملوا هذه الخرافات بدلا من طرحها وتسفيهها، وهذه الخرافات هي:
ا- في تعلم اللغة الثانية، كلما كان الدارس أصغر سنا كان أفضل أداء، أو الأطفال أكثر قدرة على تعلم اللغة الثانية من الكبار.
إن هذا الاعتقاد الشائع مبني على ملاحظات خاطئة. من ذلك ما يلاحظ عندما هاجر عائلة إلى مجتمع جديد من أن أطفال تلك العائلة يستطيعون بعد أسابيع قليلة أن يتحدثوا تلك اللغة الأجنبية بصورة جيدة بينما آباؤهم يعانون كثيرا في أداء القليل من الحديث، فيستنتج من ذلك أن الأطفال أقدر في تعلم اللغة الثانية من الكبار. لكن السبب في ذلك يعود إلى الفرصة المتاحة لكل من الأطفال والكبار فالأطفال يتمكنون عادة من التفاعل اللغوي مع أقرانهم من أبناء اللغة الأجنبية تفاعلا مكثفا لساعات عديدة يوميا، أما آباؤهم فلا تتاح لهم فرصة التفاعل مع أهل اللغة إلا بصورة محدودة جدا ربما لا تزيد عن ساعة واحدة في اليوم. ليس ض!ك ما يمنع ال!ر من أن يكتسبوا اللغة الثانية بنفس المستوى أو أفضل من اكتساب الأطفال لها لو أن الفرص المتاحة للتفاعل مع أهل اللغة اك نية كانت هتساوية للطرفين.
إن مسألة تفوق الكبار في التعليم على الصغار في جميع المجالات تقريبا (باستثناء الذاكرة الحركية (motor memory) هى مسألة معروفة منذ ما يقارب الستين عاما ..."[3]
ثم يقرر أنه " في حال تعلم اللغة الرسمي formal  فالراجح أن الراشدين يفوقون الأطفال كل الوجوه ما عدا النطق والتنغيم( pronunciation and intonation) (وإن كنت أرى أن حئ هذا الجانجا يمكن تفاديه لأنه، في نظري، يعود إلى الضعف الفاضح في تدريس الأصوات، فأنا بصفتي ناطقا أصليا بالأسبانية وبعد تدريب دقيق وكامل في الأصوات أؤكد أن العديد من طلابي الراشدين تمكنوا من إتقان النطق والتنغيم لدرجة تماثل الناطقين
الأصليين للغة الأسبانية."[4]
ويؤكد هذه الحقيقة خبير من خبراء اللغة في أمريكا، وهو الدكتور هـ. دوجلاس براون، حيث يقول في كتابه مبادئ تعلم وتعليم اللغة: " الأمر الذي نعرفه حق المعرفة هو أن الأطفال والكبار على حد سواء يبدو أن لديهم المقدرة على اكتساب اللغة الثانية في أي عمر."[5]
إذا- وبشكل علمى- فالحجة الرئيسية لأصحاب هذا الرأ!ا غير صحيحة. بل إن الواقع المشاهد في المدارس الأهلية التي طبقت هذه الفكرة- تدريس الإنجليزية في المرحلة الابتدائية- لا يؤيد ذلك الرأي. مع أنه لابد من ملاحظة مهمة وهى أن بعض الناس يحكم في هذه القضية من واقع حالات فردية، فعندما يرى تفوق طالب في اللغة الإنجليزية وهو في المرحلة الابتدائية أو بعد أن ينتقل إلى المرحلة المتوسطة- خاصة الصف الأول متوسط- يعزو هذا التفوق للدراسة في المرحلة الابتدائية، مع أنه غالبا ما يكون سبب التفوق أمور أخرى، فإما أن يكون والد ذلك الطالب ممن درس في الخارج أو يكثرون السفر للخارج أو قد يكون في المترل من يتحدث الإنجليزية، كالخادمة أو السائق.
ثانيا: الذي ينادي بتدريس اللغة الإنجليزية في المرحلة الابتدائية لم ينظر في العبء الاقتصادي الذي ستتحمله الوزارة في مقابل عمل ليس له كبير جدوى. فالمعروف الآن أن هناك عجزا كبيرا يؤرق الوزارة من معلمى اللغة الإنجليزية الوطنيين. فإقرار اللغة الإنجليزية في المرحلة الابتدائية يجعل العبء مضاعفا بالنظر إلى أن عدد المدارس الابتدائية يزيد بكثير على المدارس المتوسطة والثانوية.
فعدد المدارس الابتدائية في المملكة لعام 1418/1417 هـ 5659 مدرسة، وعدد الفصول 54334 فصلا. فلو حسبنا لكل فصل حصتان فقط يصبح لدينا حاجة إلى 4528 معلم لغة إنجليزية، هذا على افتراض إكمال كل معلم لنصابه 24 حصة. ويضاف إلى هذا العبء ما يتبع ذلك من زيادة عدد المشرفين التربويين، وتوفير الكتب الدراسية والوسائل التعليمية.
ثالثا: يشتكى كثير من الناس من كثرة المواد على طالب الابتدائي، وأن الطالب يحمل أعباء كثيرة من الواجبات، فكيف إذا أضيفت إلى ذلك اللغة الإنجليزية التي تحتاج إلى جد وعمل وممارسة. والغريب أن أكثر من بنادي بتدريس اللغة الإنجليزية في الابتدائى هم الذين ينادون بتخفيفص العبء عن طالب المرحلة الابتدائية!
رابعا: الثابت علميا من خلال بحوث ميدانية أجريت في المملكة أن اللغة الإنجليزية من أكثر المواد تسببا في تسرب الطلاب من المرحلة المتوسطة، وهذا شىء مشاهد لكل من مارس التدريس. فإقرار تدريسها في المرحلة الابتدائية قد يوجد هذه المشكلة في المرحلة الابتدائية أيضا، فتكون كارثة حينئذ.
خامسا: يجب ألا نغفل الأثر الثقافي والفكري في تدريس اللغة الأجنبية لصغار العسن، خاصة لغة لها وهجها الفكري والثقافي والإعلامى الكبير كالإنجليزية، وكذلك ما يقال من أتر ذلك على اللغة الأم. فكما هو معروف أن اللغة لا يمكن فصلها عن ثقافتها وفكرها.
سادسا: لا توجد- حقيقة- حاجة تدعو إلى تدريس اللغة الإنجليزية في المرحلة لابتدائية!
سابعا: أقترح لحل مشكلة تدريس اللغة الإنجليزية من جميع جوانبها أن يكون تدريمسها في المرحلة الثانوية فقط، بحيث تكون بشكل مكثف، فتكون ست حصمى في الأسبوع، . بمعدل حصة كل يوم، وحصة إضافية في أحد الأيام تخصص للممارسة فقط،. بمعنى أن يخرج الطلاب في هذه الحصة للمواقع التي يستطيعون فيها ممارسة اللغة ممارسة فعلية سواء في داخل المدرسة أو خارجها.
وبهذا نحقق عدة أمور:
1- التخفيفص عن طلاب المرحلة المتوسطة.
2- التقليل من التسرب في هذه المرحلة، خاصة وأن الطلاب فيها لا يعرفون قيمة هذه اللغة فلذلك لا تكون عندهم دافيعة لتعلمها. وضعف الدافعية، أو فقدها هو- في نظري - السبب الأساس في ضعف الطلاب في اللغة الإنجليزية.
3- توفر العدد الكافي من المعلمين.
4- إقبال طلاب الثانوية على تعلمها حيث أنها تعتبر جديدة عليهم، ومع ذلك يحسون بأهميتها، خاصة من كان توجهه علميا، ولم تتكون عندهم بعد "العقدة" منها التي غالبا تنشأ في المرحلة المتوسطة.
ويمكن في هذه الحالة تكثيف المنهج للتخصصات التي تتطلب إجادة اللغة الإنجليزية عند التخرج من الثانوي، وتخفيفه لما سواها. وأعتقد أن ثلاث سنوات من الدراسة شبه المكثفة للغة الإنجليزية كافية لجعل الطالب يجيد هذه اللغة، إذا توفر لديه الدافع لذلك.[6]
هذا، والموضوع يحتاج إلى بحث وتأمل، والتسرع فيه قد تكون له عواقب وخيمة ليس على فرد أو مجموعة أفراد، بل على مستقبل أمة بأسرها.
واللة الموفق.
2/12/ 1418
 

 


[1] 1 نظريات تعلم اللغة الثانية. د. باري ماكلافن. ترجمة د. عبد الرص العبدان. الطبعة الأولى 1417. ص 45.
 
[2]  المرجع السابق الصفحة نفسها.
[3]  ا الطريقة التكاملية في تدريس اللغات. هكتر هامرلي. ترجمة د. راشد الدويش. ط 1، 1415، ص 53. 2 المصدر السالق ص 60.
 
[4] . المصدر السابق ص 60
[5] . مبادئ تعلم وتعليم اللغة. هـ. دوجلاس براون. ترجمة د. إبراهيم القعيد و د. عيد الشمري. 1414. ص 102.
 
[6] - وهذا الرأي بدأ عدد المنادين به يتنامى، بين المتخصصين في تدريس اللغة الإنجليزية في المملكة، مع اختلاف يسير و في بعض التفصيلات.
 
كيف يقيم مدير المدرسة غير المختص معلم اللغة الإلجليزية!
 
يشتكي كثير من مديري المدارس صعوبة تقييم أداء معلم اللغة الإنجليزية لديه، وذلك لعدم إلمامهم باللغة الإنجليزية. ولهذا يلجأ كثير من أولئك المديرن إلى إعطاء تقديرات جزافية لا تعتمد على أساس علمي، مما يؤدي إلى قصور كبير فى التقييم وتفاوت واضح بين تقييم مدير المدرسة وتقييم مشرف المادة المختص.
ومع أن هناك أمورا عامة يمكن تقييم معلم أى مادة من خلاها إلا أنى- فيما يلى- سوف أذكر بعض النقاط التى تساعد مدير المدرسة في تقييم أداء معلم اللغة الإنجليزية مما يجعل تقييمه أكثر مصداقية، مع ملاحظة أن من هذه النقاط ما قد يكون عاما فى جميع المواد.
1- ضبط الفصل
من الأمور المهمة في تقييم أي معلم جانب ضبط الفصل. وليس المقصود بضبط الفصل كتم أنفاس الطلاب بحيث لا يسمع لهم صوت! بل المقصود أن تكون تصرفاتهم في أثناء الدرس موجهة إلى النشاط الممارس في الفصل.
ويجب أن يلاحظ مدير المدرسة أن دروس اللغة الإنجليزية يحدث فيها- كثيرا- ما قد يعد فى تدريس بعض المواد نوعا من الفوضى، وذلك لطبيعة الطريقة الاتصالية التى تدرس بها اللغة الإنجليزية في المدارس والأنشطة التى تشجع على التفاعل بين الطلاب مما يعطى شيئا من الحرية للطلاب في تبادل الحوارات.
2- توزيع الألشطة على جميع الطلاب
إن توزيع أنشطة التعلم أثناء الدرس على جميع الطلاب في الفصل وعدم الاقتصار على المتميزين منهم أمر مهم فى التدريس بشكل عام، لكنه في تدريس اللغة الإنجليزية أكثر أهمية، ذلك لأن اللغة ممارسة. وقصر النشاط على مجموعة قليلة من الطلاب خطأ يقع فيه كثير من معلمي اللغة الإنجليزية. هذا، مع ملاحظة ضرورة مراعاة الفروق الفردية في هذا الجانب.
3- استخدام المعلم للغة الإنجليزية
من الأمور المهمة أن تدرس اللغة الإنجليزية باللغة الإنجليزية، فكلما كان حديث المعلم باللغة الإنجليزية في أثناء التدريس كان ذلك نقطة قوة فى تدريسه. مع ملاحظة أنه يعفى في حالات نادرة عن استخدام اللغة العربية لمدة قصيرة جدا، إذا كان ثمة حاجة، خاصة مع طلاب الصف الأول المتوسط.
4- استخدام الطلاب للغة الإنجليزية
المعلم المتميز يعود طلابه على التحدث باللغة الإنجليزية في الفصل أثناء حصة اللغة الإنجليزية، سواء فى إجاباتهم أو فيما يطلبونه من المعلم، فعلى المدير أن يتنبه إلى هذه النقطة، وهى مقياس مهم لتقييم مدى نجاح المعلم.
5- إقلال المعلم من الحديت
بشكل عام، يجب أن تعطى الفرصة الأكبر للطالب ليتحدث، فكلما أقل المعلم من الحديت والشرح وأعطى الطالب وقتا أكبر للحديث والممارسة كان ذلك نقطة قوة تحسب لصالحه.
6- استخدام الوسائل الئعليمية
يكاد يكون لكل درس من دروس اللغة الإنجليزية وسائل تعليمية مصاحبة. فهناك الأشرطة الصوتية، واللوحات والبطاقات بالإضافة إلى ما يحضره المعلم نفسه أو الطالب من الوسائل التعليمية. فيلاحظ المدير وجود تلك الوسائل، ثم مهارة المعلم في استخدامها وتوظيفها لجلب انتباه الطالب وإيصال المعنى الذي يريده.
7- إعطاء المعانى باللغة الإنجليزية
يلجأ بعض المعلمين إلى إعطاء معاني المفردات الجديدة، عند ورودها، باللغة العربية. وهذه الطريقة خاطئة، فهناك عدة طرق لتقديم معانى الكلمات الجديدة دون اللجوء إلى استخدام اللغة العربية، مثل تفسير المعنى باللغة الإنجليزية، أو ذكر المرادف، أو إعطاء الكلمة المعاكسة، أو الرسم على السبورة، أو عرض صورة ذات علاقة بالكلمة، أو التمثيل بالحركات الجسمية، وغيرها. وتعد الترجمة آخرها وأقلها فائدة إلا في حالات نادرة. والمفترض من المعلم أن يحاول تقديم المعنى بإحدى تلك الطرق ولا يلجأ إلى الترجمة إلا حال الضرورة.
مع ملاحظة أن المعلم الجيد هو الذي يقدم الكلمات الجديدة خلال سياقها في الدرس ولا يقدمها في أول الدرس مفردات منفصلة.
 8- متابعة دفاتر الطلاب
غالبا ما يكون لكل درس نشاط كتابى مصاحب سواء منزلى أو فصلي، وهذه الأعمال تحتاج إلى تصحيح ومتابعة فورية ودقيقة من المعلم. فيلاحظ المدير مدى متابعة المعلم للتصحيح.
تلك نقاط هامة لمدير المدرسة ليأخذها بعين الاعتبار عند تقييم معلم اللغة الإنجليزية، مما يجعل تقييمه أكثر مصداقية وأقرب للواقع.

صناعة تقنيات المعلومات

صناعة تقنيات المعلومات
لقد أصبحت صناعة تقنيات المعلومات مورداً اقتصادياً مهماً لكثير من الدول، ولا يمكن لأحد أن يتجاهل الدور الهام الذي تلعبه هذه الصناعة في تعزيز اقتصاديات الدول.

إن صناعة تقنيات المعلومات تسهم في تنمية الاقتصاد ودفع عجلة التنمية من خلال توفير الآف الفرص الوظيفية للشباب في مدن الإنترنت والقرى الذكية التي يتم بها صناعة أجهزة الحاسوب وتجميعه وصناعة تقنياته المختلفة من رقائق ودوائر الكترونية وبرامج وكل جزئية صغيرة وكبيرة تسهم في تشغيل ذلك الساحر العجيب (الحاسوب)، كما يتم في مدن الإنترنت أيضاً صناعة وتجميع المواد التي تدخل في صناعة الهواتف النقالة وغيرها من مستلزمات تقنيات المعلومات الأخرى.


ولعل من اطلع على تقرير الأمم المتحدة الأخير عن المعلوماتية يدرك أهمية صناعة تقنيات المعلومات، حيث يصنف هذا التقرير دول العالم إلى أربع فئات في المعلوماتية، الفئة الأولى وهم القادة ويتزعم هذا الفريق الولايات المتحدة واليابان والسويد وفنلندا، والفئة الثانية وهم القادة المحتملين ويتزعم هذا الفريق البرتغال وأسبانيا واليونان، والفئة الثالثة وهم المستفيدون ويتزعم هذا الفريق البرازيل والهند، والفئة الرابعة وهم المهمشون وهؤلاء بلا شك دول العالم الثالث والنامي. كما أشار التقرير إلى موضوع في غاية الخطورة وهو اتساع الفجوة المعلوماتية بين دول العالم الصناعية وبقية دول العالم ووصفت هذه الفجوة بأنها خطيرة، إذ تهدد بتهميش الدول غير المعلوماتية وإقصائها عن الاقتصاد العالمي القائم على المعلومات. ولنا أن نتخيل دولة مثل فنلندا ليس لديها موارد طبيعية كالنفط أو المعادن وأصبحت من دول القادة في المعلوماتية، كما أن هناك دولة أخرى ليست بأحسن حظ من فنلندا في نصيبها من الموارد الطبيعية وهي ايرلندا ولكنها أصبحت ثاني دولة في العالم في تصدير البرامج بعد أمريكا. إن عائدات صناعة تقنيات المعلومات تقدر بمئات المليارات من الدولارات والرقم في ازدياد مستمر نظراً لزيادة الطلب العالمي على تقنيات المعلومات.


إننا في أشد الحاجة إلى إنشاء مدينة أو قرية للإنترنت، فهذه المدينة علاوةً على ما ستوفره من الفرص الوظيفية للشباب فإنها سوف تسهم بشكل أو بآخر في سد الفجوة المعلوماتية ورفع الوعي المعلوماتي لدى المواطن، وإنشاء مدينة أو قرية للإنترنت يعد فرصةه ذهبية لرجال الأعمال الذين لا يستثمرون أموالهم إلا في المقاولات والبناء، لأن مدن الإنترنت صناعة جديدة وراقية وأرباحها مضمونة ولن يقتصر إنتاج هذه الصناعة على السوق المحلي فحسب بل سوف يمتد إلى الأسواق المجاورة وأسواق منطقة الشرق الأوسط ككل لأن العرض أقل من الطلب في هذه التجارة. وليست تجربة دبي عنا ببعيد كما أن مصر مقبلة على تجربة جديدة فلا نريد أن نكون آخر الركب. وخلاصة القول فإن صناعة تقنيات المعلومات صناعة مربحة بكل المقاييس اقتصادياً ومهنياً وفي جميع المجالات والتأخير في هذا الجانب التقني الهام يعتبر خسارة اقتصادية كبرى ومضيعة للوقت
>>>>
الكاتب أو الناشر:  د . فهد بن ناصر العبود

تفكير الأطفال والتعليم


 
تفكير الأطفال والتعليم
يقول هاورد قارندر: اسأل طفلاً عمره خمس سنوات لماذا تشتد الحرارة في الصيف؟ سيقول لك لأن الأرض في فصل الصيف قريبة من الشمس. سيقول لك ذلك أيضاً طالب بآخر سنة في المرحلة الثانوية.. وكلاهما مخطئ. وكلاهما اعتمد في إجابته على قوة المعلومة المخزونة في إدراكه منذ صغره. ويقول هاورد قارندر إن سرعة البديهة لطفل عمره خمس سنوات أمر جيد، ولكن لماذا لم تغير دراسة اثني عشر عاماً في التعليم العام هذه المفاهيم الخاطئة عند الأطفال؟، وهو سؤال كبير له مغزاه..
ولتفسير ذلك وللإجابة عن هذا السؤال يقول هاورد قارندر ـ العالم النفسي وصاحب نظرية تعدد الذكاء Multiple Intelligences - يقول في كتابه: العقل الجاهل: كيف يفكر الأطفال وكيف يجب أن تعلّم المدارس؟ إن المدارس لم تتمكن حتى الآن من مواجهة المفاهيم والمعلومات المغلوطة التي خزنها الأطفال في أذهانهم في صغرهم، والمشكلة أن معظم المدارس لم تفكر في هذه المشكلة حتى الآن، ولم يتم مواجهة هذا النوع من المشكلات، ولهذا بقيت كثير من المفاهيم والمعلومات الخاطئة في أذهان التلاميذ وأدت في بعض الأحيان إلى حدوث متغيرات للأطفال أثرت تأثيراً سلبياً على سلوكهم ومسار حياتهم، مؤكداً أن أسباب ذلك ترجع إلى استمرار المعلومات والخبرات والقناعات والمفاهيم المخزونة في الأذهان منذ سن الخامسة.
وشرح قارندر أن الأطفال يأتون للمدرسة في سن السادسة بنظريات قوية Robust حول أنفسهم والناس من حولهم، وعن العالم، لكن هذه النظريات مغلوطة وبدلاً من أن تقوم المدارس بمواجهة هذه النظريات وتحديها وتصحيحها لمفاهيم أخرى جديدة تبقى تلك المفاهيم الخاطئة في أذهان الدارسين مؤثرة تأثيراً سلبياً في حياتهم.
ويضيف المؤلف: حتى إن كانت هذه المفاهيم متناقضة مع ما يدرسه الطلاب فإن المفاهيم المخزونة منذ الصغر تتعايش مع المفاهيم والنظريات الجديدة التي يتعلمها الطلاب في المدارس ويبقى تأثيرها السلبي.. وضرب قارندر مثالاً على ذلك التعايش، فإذا سأل المعلم -في المدرسة- سؤالاً حول المعلومات التي تعلمها الدارس في المدرسة فإن الطالب يعطيه إجابة مبنية على ما تعلمه في المدرسة من نظريات ومفاهيم، لكن ذلك لا يعني أن الدارس قد تخلى عما قام بتخزينه من نظريات ومعلومات منذ سن الخامسة. لأن ذلك الدارس ما إن يخرج من المدرسة حتى يقوم بالرجوع revert إلى نظريات عقل الخمس سنوات، وذلك عندما يواجه مواقف جديدة تتعلق بهذه النظريات. لأن المدرسة كما يجادل قارندر لم تُعدّه لمواجهة مثل هذه المواقف، ولم تواجه نظريات الخمس سنوات وتصّححها. ولذا فهو يلجأ إليها عندما يواجه موقفاً يحتاج إلى هذه النظريات.
والمشكلة -كما يقول المؤلف- أن المعلمين والمدارس يتعاملون مع الدارسين كما لو كانت عقولهم فارغة، وتحتاج إلى ملئها بمعلومات جديدة ويقول: إذا لم نواجه الأفكار الموجودة في أذهان الدارسين ونعرف المناسب منها ونعززه وغير المناسب ونغيره فإن الأفكار غير المناسبة ستبقى هناك في ذهنه مؤدية إلى غير المناسب من السلوك، وعن الهدف الحقيقي للتعليم يقول قارندر: قد يصل الدارسون في مستوى القيام بالواجبات ودرجات الاختبار إلى مستوى نرضى عنه، ولكن ذلك لا يعني أننا ضمّنا فهم الطلاب واستيعابهم لما تعلموه.. وهذا الاختلاف بين التدريس والاستيعاب يجب أن يقلقنا لنبحث عن الاستيعاب الحقيقي وراء التعليم المتكرر والإجابات القصيرة التي عادة ما ينظر إليها كهدف أساسي للتعليم. ويضيف قارندر أن أحداً لم يسأل سؤالاً إضافياً: لكن، هل «حقيقة» فهمت؟ إن الفجوة بين ما نعتقد أنه فهم وبين الفهم الحقيقي كبيرة جداً. واقترح قارندر حلولاً قد تؤدى إلى الفهم الحقيقي الذي ننشده.. مبيناً وصفة واضحة لإصلاح المدارس.
لقد اقترح قارندر نظاماً تعليمياً مقترناً بمشروعات فردية وجماعية تقوم أساساً على الخبرات والتجارب تقدم عن طريق متاحف للأطفال الذين يقومون بزيارتها للاطلاع على نماذج من الخبرات والتجارب بشكل ملموس ومحسوس، ويعتقد قارندر أن هذه المشاريع والبرامج تجعل الأطفال يستعيدون بيئة تعليمية مفقودة من خبرات مدارسهم. وخلال هذه البرامج يجب أن يشارك الدارسون الكبار بشكل مستمر، يتعلمون من خبراتهم في المجال الذي يعملون فيه.
تتمحور حياة الناس -خارج نطاق التعليم- حول المشاريع، وهذه النقطة لم تتعرض لها المدارس حتى الآن. يقول المؤلف: «دائماً أفترض أن الناس عموماً يمكن أن يتعلموا بشكل أكبر من خلال مشاريع قليلة يقومون بها في المدرسة، وذلك أكثر مما يتعلمونه من مئات الساعات من المحاضرات النظرية والواجبات المدرسية»، وأتصور أن كثيراً من الناس ينتهون إلى مهنهم وإلى هواياتهم لأن أقدامهم قادتهم إلى مشروع تعليمي جيد، واكتشفوا أن ذلك المشروع حقيقة ممتع ومفيد لهم. وفي الوقت نفسه عندما ينغمسون في ذلك المشروع قد يكتشفون ميولهم الحقيقية.
ويعتقد قارندر أن المدارس يجب أن تعير الانتباه إلى مساعدة الدارسين ليكتشفوا المجالات التعليمية المناسبة لهم، مركزة في ذلك على المهارات الأساسية، ومؤكدة الجوانب الإيجابية والمفاهيم الإيجابية التي يحملها الأطفال، والمرونة والإبداعية والحماس التلقائي للتعليم. ويضيف أنه من الممكن بدون شك أن يكون الدارسون مثقفين، ومن الممكن أن يحتفظوا بثقافتهم. ولكن الشيء المفقود هو أن هدف الثقافة الحقيقي قد فُرِّغ من محتواه الحقيقي. فالدارسون يكونون مثقفين بمفهوم الثقافة السطحي، حيث يُدفع الدارسون إلى حفظ قوانين القراءة والكتابة كما يحفظون قوانين الجمع والضرب في الرياضيات. والشيء المفقود يتعلق بناحيتين:
الأولى: القـدرة عــلى القــراءة بهــدف الاستيعاب.
الثانية: الرغبة في القراءة أصلاً.
واقترح كتاب قارندر الطرائق التي يستطيع بها المعلمون مساعدة طلابهم في مواجهة مفاهيمهم الخاطئة ونظرياتهم المغلوطة؛ بهدف الوصول إلى استيعاب حقيقي وعميق. إحدى الطرائق التي اقترحها هي christopherion encounrters بما يمكن ترجمته: تحديات كرستوفر كولمبوس عندما تحدى النظرية (المقولة) التقليدية بسطحية الأرض، وأنها ليست كروية، عن طريق هذا التحديد يقول المؤلف: يمكن للمعلمين أن يواجهوا مفاهيم طلابهم ويثبتوا صحتها ومن ثم دعمها، أو يثبتوا بطلانها ويقنعوا طلابهم بالتخلي عنها. وذلك عن طريق مقارنة تلك المفاهيم بنظريات أكثر تطوراً ومصداقية حول كيف يسير العالم من حولهم. (ضرب مثالاً بمادة الفيزياء) ومثالاً بمادة التاريخ حيث قال: يمكن للطلاب في مادة التاريخ أن يعيدوا النظر في مفاهيمهم حول أسباب الحرب العالمية الأولى عن طريق تفنيد المبررات المتناقضة لنفس الحدث.
ويقول قارندر إن المفتاح لتحليل الدارسين واستعراضهم ومناقشتهم للمادة هو النظر إلى الحدث من عدة زوايا وليس من زاوية واحدة قدر الإمكان. ويقول في هذا الصدد إن الطريقة الوحيدة لتغيير مفاهيمنا إلى الأصدق هي أن نضع هذه الأشياء في قائمة اهتمامات المدرسة من السنوات الأولى، وأن نعيد هذه الطريقة مع الطلاب مرات ومرات ومرات؟حتى يتعودوا على هذا النوع من التعليم.
وطريقة قارندر الرئيسة تتطلب دائماً من الدارسين والمعلمين معاً إعادة التفكير في المفاهيم التي يحملها الدارسون لفترة طويلة ووضعها على طاولة المناقشة لتعزيز الصادق والمفيد منها، وطرد المغلوط والمؤذي والتخلي عنه. ويقول إن معظم الناس والمعلمين منهم، يرجع ويؤكد ما تعلمه في سن الخامسة في مدرسة سماتها: السلطوية، مؤسسة عقابية فيها شخص ما ذكي يقف في مقدمة الفصل الدراسي يحاول تمرير معلومات لمجموعة كبيرة من الدارسين. وإذا كان في ذلك الفصل طفل عمره ست سنوات، في مدرسة تقليدية كهذه، فمن المؤكد أن تعليمه سيكون سيئاً، وبالتأكيد سيكون هذا الطفل في المؤخرة. ولكن في مشروع قارندر يستطيع ذلك الطفل أن يثبت نفسه بشكل أفضل في فصله في مجموعة من المهارات مثل تفكيك مقابض الأبواب وإعادتها.. طحن الأطعمة، ومهام أخرى نحتاج إليها. وعندما يبني هذا الطفل نجاحاً فوق آخر من مهارات كثيرة ومختلفة يطبقها، ويقوم بها بنفسه ويراها ويشعر بها سيشجعه، ذلك على تحسين أدائه المدرسي.. لأنه عندما يرى أن لديه قدرات قُيِّمت وأثُني عليها من آخرين سيغرس هذا الشعور في نفسه الثقة مما يدفعه للعمل بشكل أفضل في مجالات أخرى.
في كتابه «العقل الجاهل» يأمل قارندر أن يصل إلى المعلمين بنظرياته حول « عقل الخمس سنوات» وتوقع أن هذا الكتاب سيضرب على الوتر الحساس في اهتمامات المعلمين المتميزين.. وتوقع أيضاً أن يقول هؤلاء المعلمون «كنا نعتقد منذ زمن أن ما نعلِّمه لطلابنا قد وصل إليهم واستفادوا منه في حياتهم».
ويريد قارندر من المعلمين أن يفكروا كثيراً في طريقة تدريسهم، وأن يستخدموا طرائق في التعليم تركز على الاستيعاب الحقيقي، الذي يكون -فقط- عندما يعترف المعلمون بمفاهيم الدارسين السابقة التي يأتون بها للمدرسة ويحملونها منذ السنة الخامسة، وينطلق المعلمون من تلك المفاهيم ليبنوا عليها. عند ذلك فقط سيتمكن الدارسون من استيعاب دروس معلميهم في المدرسة. وعندها فقط سيتمكن الدارسون من تطبيق ما تعلموه خارج الفصل الدراسي ذلك الهدف الذي نسعى كتربويين لتحقيقه.

:::::::::::::
الكاتب أو الناشر:  هاورد قارندر

تكنولوجيا المعلم الافتراضي



تكنولوجيا المعلم الافتراضي
المعلم الافتراضي يتجسد في الفراغ




المعلمة تتجسد أمام التلاميذ في شكل هولوجرامي ثلاثي الأبعاد

 


بتقدم العلوم والتكنولوجيا تزداد قصص العلوم و الخيال واقعية يوما بعد يوم. وسيتيح التقدم في التكنولوجيا الحديثة لطلاب المدارس التعلم على يد معلم افتراضي موجود على بعد عدة كيلومترات من المدرسة
وتعتبر هذه العملية خطوة متقدمة عن المؤتمرات التي تجري عبر الفيديو، حيث تجسد المعلم بحجمه الطبيعي فيما يعرف باسم الهولوجرام، داخل الصف، ليتحدث للطلاب مباشرة في مشهد أقرب إلى الخيال من الواقع
وقد عرضت شركة إيدكس البريطانية المتخصصة في مجال التعليم هذه التكنولوجيا الحديثة، التي استغرق تطويرها عشرين عاما، على زوار معرض بي تي تي 2000 للتكنولوجيا التعليمية الذي أقيم مؤخرا في لندن

المعلمة ترى ما يكتبه الطلاب على ألواح الكترونية

 

 
وقام الكومبيوتر في العرض التجريبي ببث صورة معلمة الرياضات كاثريت دارنتون رقميا من مدرسة جرافني في جنوب لندن إلى مركز المعرض في منطقة أوليمبيا في غرب لندن
وبالرغم من أن المسافة التي قطعها الإرسال الرقمي لم تتعد بضعة أميال لكن كان من الممكن أن تكون المعلمة والزوار في أي مكان آخر يوجد فيه مدخل على الإنترنت، ولو كان على بعد آلاف الأميال
ويرى المسئولون في مجال التعليم في بريطانيا أن أهم فوائد هذه التكنولوجيا، ستكون في مجال تعليم المواد الدراسية النادرة التي لا يوجد عليها إقبال كبير، مثل اللغات اللاتينية واليونانية أو الرياضيات المتقدمة، التي يصعب على بعض المدارس تأمين تكاليف تعليمها

 

المعلمة كاثرين دانتون شاركت في التجربة

 

 
ولكن باستخدام تكنولوجيا المعلم الافتراضي سيكون باستطاعة معلم واحد تعليم عدة صفوف تتفرق في أماكن مختلفة
ويقول دافل وايت المهندس الذي طور هذه التكنولوجيا إن الفرق بين التكنولوجيا المستخدمة في إقامة المؤتمرات عبر الفيديو والمعلم الافتراضي ليس كبيرا
ففي الأولي تلتقط الصورة بكاميرا فيديو ثم تحمل على بطاقة مشفرة وتقوم البطاقات المشفرة بتحويل الصورة إلى أشكال رقمية، تبث بمساعدة برنامج خاص، إلى كومبيوتر آخر عبر الانترنت، ويقوم الكومبيوتر الذي يستلمها بعكس العملية وتحويل الصورة الرقمية إلى صورة عادية

 

دافي وايت مطور التكنولوجيا الجديدة

 

 
وفي تكنولوجيا المعلم الافتراضي يتم أيضا نقل الصورعبر الفيديو لكن بدلا من عرضها على شاشة تعرض الصورة بحجمها الطبيعي داخل الصف وكأنها حقيقية دون أن يشعر المشاهد بوجود شاشة أو كاميرا فيديو
ومن أهم العناصر التي تساعد على إنجاح هذا البرنامج هو توفر خط هاتفي سريع ومتطور قادرا على الربط السريع عبر الانترنت
وفي الوقت الحالي تتوفر هذه التكنولوجيا في بضعة مدارس بريطانية فقط ولكن يتوقع أن تنتشر إلى مدارس أخرى قريبا

 

وتطالب شركة إيدكس بربط المدارس البريطانية بخطوط هاتفية سريعة ومتطورة تساعد على تسهيل نشر هذه التكنولوجيا
وقد علق أحد الطلاب على التجربة مازحا، وقال إنه تمكن من التركيز في وجود المعلم الهولوجرامي، بشكل أفضل بكثير مما يحدث عندما يكون موجودا بشحمه ولحمه!