الباب الرابع: مصطلحات الواحدية والاستيعاب فيها
وحدة (أى واحدية) العلوم
«وحدة (أي واحدية) العلوم» ترجمة للعبارة الإنجليزية «يونيتي أوف ساينس unity of science» والتي قد يكون من الأفضل ترجمتها بمصطلح «واحدية العلوم». وهي مفهوم أساسي في المناهج البحثية الحديثة يفترض أن ثمة وحدة عامة شاملة تنتظم العلوم كافة (الطبيعية والرياضية والاجتماعية والإنسانية) باعتبار أن الإنسان جزء لا يتجزأ من الطبيعة/المادة لا وجود له خارجها، وباعتبار أن ثمة قانوناً واحداً (طبيعياً/مادياً) يسري على جميع الظواهر الإنسانية والطبيعية، أي أن ثمة واحدية كونية مادية. ومن ثم، يرى دعاة وحدة العلوم أن من الممكن دراسة ظاهرة الإنسان مثلما تُدرَس أية ظاهرة أخرى في العالم الطبيعي، كما يمكن أن تُطبِّق على الإنسان نماذج العلوم الطبيعية. فالإنسان، بالنسبة لعالم الاقتصاد الذي يتبنى هذا المنهج، مجموعة من الحاجات (الاستهلاكية) التي تُشبَع، والقوى التي تتحوَّل إلى طاقة إنتاجية تُوظَّف، أي أنه وحدة إنتاجية استهلاكية يمكن تفسيرها في إطار المُدخَلات والمُخرَجات. والإنسان، بالنسبة لعلماء النفس الذين يتبعون نفس المنهج، مجموعة من الدوافع النفسية التي تتبدَّى في سلوك يمكن فهمه وتفسيره عن طريق نماذج تحليلية مادية ومعادلات رياضية تفترض، في نهاية الأمر، أنه (أي الإنسان) جهاز عصبي وغدد وخلايا. وقد تأسست علوم إنسانية تحاول كلها رصد الإنسان بعد استبعاد أية خصوصية أو غائية قد تؤدي إلى عدم الدقة والإبهام وتعوق إجراء التجارب العلمية العامة الصارمة. ويتم تعريف المفاهيم الحاكمة الأساسية (مثل: التَقدُّم ـ التنمية ـ السعادة) بنفس الطريقة وداخل نفس الإطار ومن نفس المنطلقات المادية العلمية.
وقد تختلف العلوم الإنسانية في طريقتها ومناهجها قليلاً عن العلوم الطبيعية، وقد تتفاوت في دقتها فيما بينها، ولكنها جميعاً (في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير) علوم تقوم برصد الحقائق المحسوسة المادية. وهي من خلال رصد الحقائق المادية وتجميعها، تصوغ الفرضيات ثم تصوغ النظريات والقوانين العامة " العلمية " التي تشكل أعلى درجات المعرفة من منظور هذه العلوم. وتتحدد مدى دقة العلوم أو عدم دقتها بمدى قربها أو بعدها عن القوانين المادية الطبيعية العامة. ويمكن التَوصُّل لهذه القوانين، وكذلك معرفتها والإحاطة بها، من خلال الحواس والعقـل ومن خلال المحاولة والخطـأ. والأمل المعرفي الأكبر في إطار وحدة العلوم هو تزايد الدقة من خـلال مزيد من التراكم المعلوماتي إلى أن نصـل إلى معـرفة كاملة بالظواهر الإنسانية تشبه معرفتنا بالظواهر الطبيعية، ومن ثم يمكننا التوصل إلى القوانين العامة العلمية ويتم التعبير عنها بلغة جبرية أو شبه جبرية ومعادلات رياضية محايدة تماماً، مُعقَّمة من التاريخ والعواطف والزمان والمطلقات والثنائيات.
ولا يختلف الأمر كثيراً من الناحية الأخلاقية والاجتماعية فعلى هدي تلك المعرفة العلمية التي توصل إليها الإنسان من خلال العقل والحواس، وعلى أساس افتراض أن ثمة واحدية مادية في الكون لا تُفرِّق بين الإنسان والطبيعة ،سيتوصل العقل إلى أحسن الطرق لتأسيس نظم اجتماعية وأخلاقية يمكنه عن طريقها إدارة أمور الإنسان والمجتمع والبنية المادية. فالعلم يمكنه التَوصُّل إلى كل من قواعد الصحة البدنية وقواعد الصحة النفسية بنفس الطريقة العلمية، أي من خلال الحواس والتجريب والعقل. والعلوم الإنسانية هي وحدها التي يمكنها أن تحدد ـ مهتدية بهدي العلوم الطبيعية، وانطلاقاً من منطلقات علمية زمنية لا علاقة لها بما وراء الطبيعة أو بأية مطلقات أو غائيات أو عواطف ـ ما ينفع الناس وما يحقق لهم السعادة وما يُدخل اللذة عليهم، وأن تُحدَّد أسباب البقاء وكيفية تحويل الناس إلى مواطنين نافعين ومنتجين. ومن يرفض فكرة وحدة (أي واحدية) العلوم (بالمعنى الصارم الذي نطرحه) يرفض في واقع الأمر الواحدية المادية، ويرى أن الظاهرة الإنسانية ليست ظاهرة طبيعية مادية محضة.
التلاقــــى
«التلاقي» ترجمة للكلمة الإنجليزية «كونفرجنس convergence». وهي نظرية ظهرت في الخمسينيات ولكنها تعود بجذورها إلى علماء اجتماع، مثل فيبر وزيميل، يرون أن المجتمعات الحديثة تتطور بطريقة واحدة، وحسب نموذج واحد كامن، وأن التحديث يؤدي إلى ظهور أنماط متشابهة رغم اختلاف نقطة الابتداء الأيديولوجية. وهذا يعود في تصوُّرهما وفي تصوُّر الآخرين إلى أن جوهر التحديث هو الترشيد، في إطار نموذج الطبيعة/المادة، وإلى أن المجتمعات الحديثة (رأسمالية كانت أم اشتراكية) تلجأ إلى عملية ترشيد لكلٍّ من البيئة الاجتماعية وحياة الإنسان من الداخل والخارج. وهذه العملية في جوهرها عملية اختزال لهما حتى يمكن تنظيم المجتمع من خلال التخطيط والتحكم الإداري المركزي في كل مصادره الطبيعية والإنسانية وتوظيفها على أكمل وجه، وهو ما يعني سيادة البيروقراطية والاتجاه نحو تنميط الحياة، أي أن هيمنة البيروقراطية (قفص فيبر الحديدي) هي سمة رئيسية وحتمية في المجتمع الحديث تتجاوز الخلافات الأيديولوجية الظاهرة، ومن هنا الحديث عن «المجتمع الصناعي» وحسب في كثير من الدراسات دون الإشارة إلى توجُّهه الأيديولوجي (الرأسمالي والاشتراكي). ومن هنا أيضاً الحديث عن «نهاية الأيديولوجيا» و«ما بعد الأيديولوجيا».
ويفترض مفهوم التلاقي عدم وجود فارق كبير بين كل من المجتمعين الاشتراكي والرأسمالي، كما يفترض أن من الأجدى رصد نقط الاتفاق بينهما. ومعظم المصطلحات التي نحتها أو روج لها كثير من دعاة الماركسية الإنسانية ومفكري مدرسة فرانكفورت مثل: الاغتراب ـ التَشيُّؤ ـ التَسلُّع ـ الإنسان ذو البُعد الواحد، تَصلُح جميعاً لوصف حال الإنسان في كل من المجتمع الصناعي الاشتراكي والمجتمع الصناعي الرأسمالي.
لكن مفهوم التلاقي هذا، رغم أهميته ومقدرته التفسيرية، لم يكتسب المركزية التي يستحقها، ومن ثم لم تتم صياغة نموذج تحليلي مركب شامل لظاهرة التحديث والعلمنة.
اتحاد المقدس والزمنى
«اتحاد المقدَّس والزمني» ترجمة لعبارة «يونِتي أوف ذا سيكريد آند تيمبورال unity of the sacred and temporal». وتَرد عبارات مثل «اتحاد المقدَّس والزمني والمطلق والنسبي والفكرة المطلقة والطبيعة» في كتابات هيجل الذي كان يرى أن التاريخ الإنساني في جوهره حركة متصاعدة نحو التجاوز التدريجي للخلافات بين المقدَّس والزمني بحيث تتحد الروح المطلقة تدريجياً مع المادة وتُعبِّر عن نفسها في الطبيعة والتاريخ وفي كل أشكال الحياة المادية والروحية. ونحن نرى أن هذه طريقة هيجلية مركبة للتعبير عن التراجع التدريجي لأية مرجعية متجاوزة وعن الظهور التدريجي للواحدية الكونية المادية وللمرجعية المادية الكامنة (التي تُعبِّر عن نفسها في الطبيعة والتاريخ) إلى أن تصل إلى مرحلة وحدة الوجود الكاملة، أي الكمون الكامل ووحدة الوجود المادية، أي العلمانية.
ومن هنا، فإن تاريخ الفلسفة الغربية والفكر العلماني والمجتمعات الغربية هو تاريخ هيمنة النماذج الواحدية الكونية المادية والحلولية الكمونية (سواء كانت مدفوعة من قَبل الروح المطلقة أو من قَبل قوانين الحركة) على الفكر والواقع الغربيين.
التطبيــــع
«التطبيع» ترجمة للكلمة الإنجليزية «ناتشورالايز naturalize» بمعنى رد الظواهر إلى الطبيعة/المادة أو إلى القانون الطبيعي، باعتباره مرجعية نهائية كامنة وقانوناً عاماً يسري على كلٍّ من الطبيعة المادية والطبيعة الإنسانية لا يُفرِّق بين أحدهما والآخر. والتطبيع يفترض أن ثمة وحدة كاملة بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، وأن الإنسان جزء لا يتجزأ من الطبيعة، رغباته طبيعية (أي مادية) ومعرفته تتلخص في اكتشاف قوانين الحركة أو الطبيعة/المادة (وهي القوانين التي تؤكد وحدة الطبيعي/المادي بالإنساني وتساويهما). إن ما يحكم الإنسان والطبيعة هو القانون الطبيعي، والإنسان إنسان طبيعي، ومن ثم ليست له مكانة أو منزلة خاصة في النظام الطبيعي إذ أن الطبيعة/المادة لا تعرف هدفاً أو غاية. والنزعة الطبيعية (بالإنجليزية: ناتشوراليزم naturalism) هي القول بأن الإنسان إن هو إلا كائن طبيعي تحركه غرائزه الطبيعية، وسائر مكوناته الحضارية والإنسانية التي تفصله عن عالم الحيوان والطبيعة ما هي إلا قشور سطحية لا علاقة لها بالجوهر الإنساني. ولذا نجد أن المدرسة الطبيعية في الأدب تركز على وصف الواقع الاجتماعي كما هو، وتُظهر أن هذا الواقع يشبه الواقع الحيواني الطبيعي في كثير من النواحي. وقد ارتبطت الطبيعية بالداروينية الاجتماعية، وهي كلها اتجاهات فكرية تعبِّر عن هيمنة نموذج الواحدية الموضوعية المادية.
التحييـــد
«التحييد» من عبارة «تحييد العالم» وهي ترجمة للعبارة الإنجليزية «نيوترالايزيشن أوف ذي ورلد neutralization of the world» وتعني أن العالم يصبح مادة محضة لا تحوي غرضاً ولا غاية ولا هدفاً ولا معنى ولا مركزاً ولا علاقة لها بعالم القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية أو أية معيارية. وحينما ينظر الإنسان إلى هذا الكون بعد تحييده، فهو لا يرى سوى كائنات طبيعية/مادية متساوية ليس لوجودها أي معنى. والإنسان نفسه جزء من هذا العالم المادي المحايد الذي لا يكترث به ولا يمكنه أن يُسقط أحاسيس الإنسان ولا غائياته على هذا العالم. بل إن عليه ألا يمارس أية أحاسيس بالاشمئزاز والاغتراب تجاه عدم الاكتراث الكوني الذي يحيط به، أي أن على الإنسان أن يرى العالم ويرى ذاته في ضوء مرجعية مادية كامنة في الأشياء وفي ضوء المعايير الطبيعية المادية (غير الإنسانية)، وعليه أن يتخلى عن أية مرجعية متجاوزة كانت أم كامنة، وبذلك فهو يكون قد حيَّد ذاته وحيَّد العالم تماماً وأخذ موقفاً موضوعياً منه.
هيمنة النماذج البيروقراطية والكمية
«هيمنة النماذج البيروقراطية والكمية» ترجمة للكلمة الإنجليزية «بيروكراتايزيشن bureaucratization» و«كوانتيفيكيشن quantification». وهي ظواهر متفشية في المجتمع الحديث رصدها علماء الاجتماع الغربيون. ويرى بعضهم أنها ظاهرة حتمية في المجتمعات الصناعية المتقدمة إذ أن مؤسسات هذه المجتمعات مؤسسات ضخمة متشابكة لدرجة كبيرة، وهو ما يعني أن إدارة المجتمع تتم من خلال نماذج بيروقراطية وكمية لا تكترث كثيراً بخصوصيات الأفراد وسماتهم المتعيِّنة (على عكس المؤسسات الوسيطة في المجتمعات التقليدية مثل القبيلة والأسرة). ولذا، فإن هذه المؤسسات تتحرك وتحاول إعادة صياغة الإنسان الفرد حسب مواصفات عامة كمية تُسقط أبعاده الخصوصية والكيفية التي تعوق أداء البيروقراطيات الحديثة، الأمر الذي يعني تنميط الواقع والبشر. وتحويل المجتمع إلى آلة ضخمة تقرر لكل فرد وظيفته ومكانه، وتحدد (في معظم الأحيان) رغباته وأحلامه. وهذه النماذج البيروقراطية والكمية نماذج واحدية موضوعية مادية صارمة لا تغطي الحياة العامة وحسب وإنما تمتد لتشمل الحياة الخاصة أيضاً.
المجتمع التكنولوجى أو التكنوقراطى
«المجتمع التكنولوجي» أو «المجتمع التكنوقراطي» ترجمة للمصطلح الإنجليزي «تكنولوجيكال أور تكنوكراتيك سوسايتي technological or technocratic society»، أو «تكنوكراسي technocracy» (حرفياً «حكم التكنوقراط»). وقد صاغ مصطلح «التكنوقراطية» المهندس الأمريكي وليام هنري عام 1919، وتعني حرفياً «حكم التكنوقراط» أو «حكم الخبراء الفنيين». ويعود المفهوم إلى المفكر الاشتراكي الفرنسي سان سيمون الذي تنبأ بظهور مجتمع مثالي (طوباوي) يحكمه العلماء والمهندسون والخبراء، كلٌّ في حقل تخصصه، حيث يتحكمون في المجتمع من خلال سلطة مركزية ويُطبِّقون عليه آخر اكتشافات العلم وتطورات التكنولوجيا لحل مشاكله المادية والاجتماعية والإنسانية.
ويرتبط مفهوم التكنوقراطية بمفهوم التلاقي ومفهوم المجتمع ما بعد الأيديولوجي حيث نجد الافتراض بأن المجتمعات الحديثة مجتمعات لا تُدار عن طريق الأيديولوجيات السياسية والاقتصادية وإنما عن طريق التخطيط الواعي في عالم الاقتصاد والتفكير الإستراتيجي الواعي في أمور الدفاع والتوسع المستمر في البحث العلمي ومراكمة المعرفة بهدف ترشيد الواقع والتحكم فيه، وذلك بتجاوز الانتماءات الأيديولوجية المختلفة. ولذا، فإن القوة الحقيقية لا تُوجَد في يد ممثلي الشعب المنتخبين ولا في يد رجال السياسة ولا حتى في يد البيروقراطية وإنما في يد الخبراء والفنيين. والمصطلح يحمل معنى إيجابياً بالنسبة لمن يؤمن بقدرة العلم والنماذج الطبيعية/المادية على حل كل مشاكل الإنسان دون الرجوع إلى أطر فكرية وفلسفية كلية (الاتجاه الوضعي).
ولكن هناك من يرون عكس ذلك تماماً، فهم يرون أن حكم الخبراء التكنوقراط هو حكم أصحاب عقل أداتي لا يوجد عندهم أي التزام أخلاقي ولا أية معرفة بالكليات، وهؤلاء مستوعَبون تماماً في النماذج الواحدية، المادية والهندسية، التي لا تعرف الثنائيات أو التركيب، وفي الترشيد الإجرائي الذي لا يعرف القيم الإنسانية أو الأخلاقية. فالتكنوقراطي إنسان متخصص في ميدان فني أو علمي معين ويعجز عن إدراك أي شيء إلا من خلال تخصصه بحيث تكون نظرته إلى الأمور دائماً جـزئية محـدودة رغم ما تدعيه من دقة وانضباط. والخـبير التكنوقراطي شخص عظيم الكفاءة والإنتاجية في ميدانه، ولكنه عاجز عن رؤية الصورة الكلية، ولا يخطر بباله أصلاً تغيير المجتمع، لأن التغيير الحقيقي يتطلب الرؤية الشاملة، في حين أن الإنسان التكنوقراطي شخص جامد محافظ. وهو، إلى جانب هذا، إنسان تهيمن عليه نماذج اختزالية (مادية) بسيطة، ولذا فإنه لا يمكنه أن يتعامل مع الإنسان كظاهرة مركبة متميِّزة في عالم الطبيعة/المادة، فهو قد تدرب تماماً على التعامل مع الأشياء ومع الواقع من خلال نماذج اختزالية، وعادةً ما ينتهي الأمر بهؤلاء التكنوقراط (أولئك الذين لا يدركون أية أبعاد كلية أو نهائية) إلى أن يتحولوا إلى أداة إما في أيدي الاحتكارات والمركب العسكري الصناعي في الدول الرأسمالية أو في أيدي النخبة الحاكمة وسكرتارية الحزب في الدول التي كانت اشتراكية. والمجتمع المثالي الذي يؤسسونه مجتمع شمولي رشيد محكوم تماماً (يوتوبيا تكنوقراطية).
ويجب أن نربط بين التكنوقراطية واتجاهات أخرى في المجتمع الحديث مثل تزايد هيمنة النماذج البيروقراطية والكمية وظهور علوم جديدة مثل الهندسة الوراثية والاستنساخ. فهذه اتجاهات نحو مزيد من التحكم في العالم ونحو مزيد من تطبيق اكتشافات العلم والتكنولوجيا على الإنسان.
المجتمع ما بعد الصناعى
«ما بعد الصناعي» ترجمة لكلمة «بوست إندستريال post-industrial»، ومنها عبارة «المجتمع ما بعد الصناعي». وقد استخدم بعض المفكرين هذا المصطلح منذ بداية هذا القرن. ومن أهم هؤلاء النقابي الاشتراكي آرثر بنتي الذي ذهب إلى أن ماركس كان يبالغ أحياناً في التفاؤل بشأن منافع الآليات الجديدة رغم إشارته العابرة إلى بعض آثارها الضارة. ويرى بنتي أن الهدف المباشر للاشتراكية لابد أن يكون إخضاع الآلة لقواعد وأعراف (قيم) مُستخدم الآلة، وإلغاء تقسيم العمل المميِّز للمذهب الصناعي الذي أدَّى إلى تشتيت المهام التي كان يقوم بها الصانع وحده فيما مضى. ومن ثم، كان العمل في الماضي وسيلة لتكامل الشخصية، أما الآن فهو يؤدي إلى تفتيتها.
ويُلاحَظ أن ثمة تأكيداً في أقوال بنتي لأسبقية الإنسان على المادة، وللمرجعية الإنسانية النهائية، فهو يؤمن بإمكانية التغلب على حالة التفتت والاغتراب من خلال العودة إلى المجتمع الحرفي اللامركزي القائم على الورش الصغيرة حيث يسمو العمل بالنفس، وهذا في رأيه هو المجتمع ما بعد الصناعي.
ولكن مصطلح «ما بعد الصناعي» لا يُستخدَم في الوقت الحاضر بنفس المعنى السابق، إذ أصبح مرتبطاً بالجوانب السلبية في المجتمع. فقد وُصف المجتمع ما بعد الصناعي بأنه عالم تنتشر فيه المعلومات ويتقلص فيه الإحساس وتتحكم فيه وسائل الاتصال الإلكترونية في الإنسان. غير أن الاتصالات الكوكبية والعالم كقرية صغيرة (وكل تلك الأمور التي بشر بها مارشال ماكلوهين باعتبارها بداية عصر جديد سعيد) لن تؤدي بالضرورة إلى رفع قدرات الإنسان الإبداعية وسعادته بل قد تؤدي إلى سحقه وتشتُّته وتفتُّته. وقد وصف ألان تورين المجتمع ما بعد الصناعي بأنه مجتمع مُبرمَج، تهيمن عيه قوة تكنوقراطية.
العقــل الأداتى
«العقل الأداتي» ترجمة للمصطلح الإنجليزي «إنسترومنتال ريزون instrumental reason» ويُقال له أيضاً «العقل الذاتي» أو «التقني» أو «الشكلي» (وهو على علاقة بمصطلحات مثل «العقلانية التكنولوجية» أو «التكنوقراطية» ويقف على الطرف النقيض من «العقل النقدي» أو «الموضوعي«).
والعقل الأداتي هو العقل الذي يلتزم، على المستوى الشكلي، بالإجراءات دون هدف أو غاية، أي أنه العقل الذي يوظف الوسائل في خدمة الغايات دون تساؤل عن مضمون هذه الغايات وما إذا كانت إنسانية أو معادية للإنسان. وهو، على المستوى الفعلي، العقل الذي يحدد غاياته وأولوياته وحركته انطلاقاً من نموذج عملي مادي بهدف السيطرة على الطبيعة والإنسان وحوسلتهما.
وفي محاولة تفسير هيمنة العقل الأداتي على المجتمعات الغربية الحديثة، يرى ممثلو مدرسة فرانكفورت أن أحد أهم أسباب ظهوره هو آليات التبادل المجردة في المجتمع الرأسمالي. فتبَادُل السلع يعني تساوي الأشياء المُتبادَلة، فما يُهِم في السلعة ليس قيمتها الاستعمالية المتعينة وإنما ثمنها المجرد. والأيديولوجيا النابعة من هذا التبادل المجرد هي أيديولوجيا واحدية مادية تمحو الفروق وتُوحِّد الواقع مساويةً بين الظواهر المختلفة بحيث يصبح الواقع كله مادة لا سمات لها. ولم تشكل المجتمعات التي كانت اشتراكية أي بديل، فهي الأخرى سيطر عليها العقل الأداتي متمثلاً في التكنوقراطيات الحاكمة.
ولا يُفسِّر ممثلو مدرسة فرانكفورت أصول العقل الأداتي استناداً إلى عناصر مادية أو اقتصادية أو سياسية وإنما يرجعونه إلى عنصر ثقافي حضاري (على طريقة ماكس فيبر). فالعقـل الأداتي ـ حسـبما يرى هوركهايمر وأدورنو ـ يعود أولاً إلى الأساطير اليونانية القديمة، وخصوصاً أسطورة أوديسيوس باعتبار أن الإلياذة والأوديسة هما اللبنة الأسطورية الأساسية للوجدان الغربي. وقد جاء في الأوديسا أن أوديسيوس طلب من بحارته أن يضعوا الشمع في آذانهم حتى لا يسمعوا غناء الحوريات، وهو غناء ينتهي بمن يسمعه إلى الاستسلام لهن ولإغوائهن. وطلب منهم أن يقيدوه إلى "صاري" السفينة وأن يزيدوا تقييده كلما ازداد الغناء. وتنتهي الأسطورة بانتحار الحوريات لأن أوديسيوس سمع غناءهن وعرف سرهن.
وتُفسَّر هذه الأسطورة على النحو التالي:
1 ـ علاقة الإنسان بالطبيعة في الأوديسة هي علاقة صراع وهيمنة وليست علاقة توازن. وأوديسيوس وبحارته هم رمز الإنسان الذي يود الهيمنة على الطبيعة.
2 ـ يتم إنجاز هذا الهدف عن طريق إهدار إنسانية الإنسان وتلقائيته، فالبحارة (رمز الطبقة العاملة) يفقدون الصلة تماماً مع الطبيعة، وأوديسيوس (رمز الطبقة الحاكمة) لا يستمع إلى الغناء إلا وهو مقيد إلى الصاري، أي أنه يحلم بالسعادة دون أن يعيشها ويحلم بالطبيعة دون أن يرتبط بها.
3 ـ لا يَنتُج عن هذا انفصال الإنسان عن الطبيعة وحسب وإنما يَنتُج عنه أيضاً انفصال المثال عن الواقع وانفصال الجزء الإنساني عن الكل الطبيعي، وبذا أصبح الإنسان يعيش بعقله في مواجهة البيئة يحاول استغلالها وحسب دون أن يتفاعل معها، أي أن الإنسان الكلي الحي يموت ليحل محله إنسان اقتصادي إمبريالي ميت، لأنه لا يحوي داخله الجوهر الإنساني المتكامل.
4 ـ تنتهي الأسطورة بانتحار الحوريات وموت الطبيعة لأنها فقدت سحرها وقدسيتها.
ويرى مفكرو مدرسة فرانكفورت أن جذور العقل الأداتي تعود كذلك إلى المنطق الأرسطي الذي يكشف عن الميل لإخضاع جميع الموضوعات، سواء أكانت عقلية أم جسمية، اجتماعية إنسانية أم طبيعية مادية، لنفس القوانين العامة للتنظيم والحسابات والاستنتاج.
وأخيراً، يذكر هوركهايمر وأدورنو ذاتية ديكارت حين وضع الذات مقابل الموضوع وخلق هذه الثنائية الحادة والصلبة بينهما وكأن الذات يمكن أن تُوجَد مستقلة عن الموضوع، وكأن الموضوع يمكن أن يُوجَد في حد ذاته مستقلاً عن الذات. واستقلال الذات هنا يعني أنها ستُحوِّل الطبيعة إلى مجرد موضوع للتأمل (كما فعل أوديسيوس) يمكن توظيفه وحوسلته والسيطرة عليه. ويُميِّز أدورنو وهوركهايمر بين المحاكاة والإسقاط. فالمحاكاة هي إدراك مركب يحفظ التوازن بين الذات والموضوع كما يحفظ التوتر الخلاق بينهما. أما الإسقاط فهو شكل من أشكال البارانويا إذ يحول البيئة إلى مجرد امتداد للذات.
وحركة الاستنارة هي قمة منطق السيطرة والهيمنة (يشيرون لها بأنها «الاستنارة المريضة» و«الاستنارة اللاإنسانية» و«المدنية» في مقابل «الحضارة»)، فهي حركة إسقاط لا محاكاة إذ تُلغي الطبيعة تماماً وتُعلن إمكانية السيطرة النهائية من خلال تجريدها من خصائصها الضرورية (قداستها ـ حرمتها ـ أسرارها ـ غيبها)، وتفتيتها إلى ذرات منفصلة، وإدراكها من خلال مقولات واحدية مادية بسيطة، وإخضاعها للقياس والحساب والتحكم والسيطرة. ولكن المفارقة تكمن في أن الاستنارة بذلك أدركت الإنسان نفسه من خلال مقولات العلوم الطبيعية البسيطة (الموضوعية المادية المنفصلة تماماً عن الذات الإنسانية). وينتهي الأمر حين يسوي التنوير كل شيء بكل شيء آخر، ويصبح العالم مادة استعمالية خاضعة لمؤسسات العقل الأداتي الإدارية والبيروقراطية وينفلت من أية غائيات إنسانية حتى يصبح قوة مستقلة تماماً لها أجزاؤها وأهدافها التي تتجاوز ما هو إنساني. وتصل هذه الاستنارة اللاإنسانية إلى قمتها في الفاشية التي هي شكل من أشكال البارانويا المتطرفة التي تُسقط الذات الإنسانية على الطبيعة وتُلغي الطبيعة تماماً، فالرأسمالية التقليدية تعتمد على وساطة السوق، ولذا فإن ثمة علاقة ما بين الذات والموضوع، أما الفاشية فتُسقط السوق وتحاول السيطرة الكاملة عليه بشكل مباشر من خلال ممارسة القوة غير المحدودة.
ويمكن القول بأن العقل الأداتي، بعد تبلوره، يتسم بالسمات التالية:
1 ـ ينظر العقل الأداتي إلى الواقع من منظور التماثل ولا يهتم بالخصوصية، ولذا فهو يبحث عن السمات المتماثلة في الأشياء ويهمل السمات التي تميز ظاهرة ما عن أخرى.
2 ـ العقل الأداتي قادر على إدراك الأجزاء، ولذا فهو يفتت الواقع إلى أجزاء غير مترابطة، ويفككه دون أن يستطيع إعادة تركيبه إلا من خلال نماذج اختزالية بسيطة.
3 ـ ينظر العقل الأداتي إلى الإنسان باعتباره مجرد جزء يشبه الأجزاء الطبيعية/المادية الأخرى. وهذا الجزء ليس له ما يُميِّزه عن بقية العالم، ولذا فهو مُستوعَب في كليته في النظام الاجتماعي وفي تقسيم العمل السائد وفي الطبيعة/المادة.
4 ـ العقل الأداتي ينظر إلى الإنسان من منظور العلوم الطبيعية باعتباره شيئاً ثابتاً وكماً واضحاً ووضعاً قائماً لا يحوي أية إمكانيات.
5 ـ العقل الأداتي ينظر إلى الطبيعة والإنسـان باعتبارهما مادة استعمالية يمكن توظيفهما وحوسـلتهما لخدمة أي هـدف.
6 ـ الهدف النهائي من الوجود هو الحفاظ على بقاء الذات وهيمنتها وتفوقها (ومن هنا تسميته بالعقل الذاتي أيضاً).
7 ـ لتحقيق هذا الهدف، يلجأ العقل الأداتي إلى فرض المقولات الكمية على الواقع وإخضاع جميع الوقائع والظواهر (الطبيعة والإنسان) للقوانين الشكلية والقواعد القياسية والنماذج الرياضية، حتى يمكن التحكم في الواقع (ويصل هذا إلى ذروته في الفلسفة الوضعية).
ينتج عن هذا ما يلي:
1 ـ أن العقل الأداتي يصبح عاجزاً تماماً عن إدراك العمليات الاجتماعية والسياسية والتاريخية في سياقها الشامل الذي يتخطى حدوده المباشرة، بل إنه يعجز تماماً عن إدراك غائيات نهائية أو كليات متجاوزة للمعطيات الجزئية الحسية والمعطيات المادية الآنية (ولذا، يمكن تسميته بالعقل الجزئي) وهو ما يعني أنه يصبح عاجزاً تماماً عن تحقيق أي تجاوز معرفي أو أخلاقي.
2 ـ لهذا السبب نفسه، يصبح العقل الأداتي غير قادر على تَجاوُز الحاضر للوصول إلى الماضي أو استشراف المستقبل، أي أن العقل الأداتي يسقط تماماً في اللازمنية واللاتاريخية.
3 ـ مع غياب أية مقدرة على إدراك الكل المتجاوز وأية أسس تاريخية ورؤى مستقبلية، أي مع غياب أية أرضية معرفية ثابتة، يمكن أن تستند إليها معايير عامة، يسقط العقل الأداتي تماماً في النسبية المعرفية والأخلاقية والجمالية إذ تصبح كل الأمور متساوية، ومن ثم تظهر حالة من اللامعيارية الكاملة. ومع هذا، يمكن القول بأن النموذج الكامن والمهيمن على الإنسان يصبح، مع تساوي الأمور، هو: الطبيعة/المادة ـ السلعة ـ الشيء في ذاته ـ علاقات التبادل المجردة.
4 ـ لكل هذا، يصبح العقل الأداتي قادراً على شيء واحد: قبول الأمر الواقع والتكيف مع ما أمامه من وقائع قائمة وأحداث وجزئيات وظروف القهر والقمع والتنميط والتشيؤ والاغتراب، وهو ما يعني تثبيت دعائم السلطة وعلاقات القوة والسيادة القائمة في مجتمع معين وكبح أية نزعات إبداعية تلقائية تتجاوز ما هو مألوف.
5 ـ لكل هذا، تحوَّل العقل، رغم تحرُّره من الأساطير، إلى قوة عقلانية تحاول السيطرة على الطبيعة والإنسـان وترشـيد الحياة بشـكل يؤدي إلى نفي الحرية تماماً (كما يتبدَّى في بنَى التسلط الرشيدة الحديثة). ولذا نجد أن التقدم أدَّى إلى عكسه وأن التنوير أدَّى إلى الشمولية والمجتمعات الحديثة التي تسعى إلى الفردية همَّشت الفرد، وأنها في طريقها إلى شكل من أشكال البربرية تتقدم بخطى حثيثة "نحو الجحيم". وما جرى في معسكرات الإبادة النازية إن هو إلا جزء عضوي من هذه المسيرة الشيطانية.
وقد رصد يورجين هابرماس (1929ـ )، آخر ممثلي مدرسة فرانكفورت، ظاهرة العقل الأداتي وترويض الإنسان في المجتمعات الحديثة وسماها «استعمار عالم الحياة» (أي عالم الوجود المُتعيِّن المُعاش الذي تُوجَد فيه الذات وتتفاعل معه وتستمد وجودها منه). فالترشيد الأداتي والحوسلة المتزايدة لمجالات متنامية في الحياة الاجتماعية، من قبَل الأنظمة والمؤسسات الاقتصادية والسياسية والإدارية، يؤدي إلى استعباد الإنسان وإلى تقليص عالم الحياة وهيمنة عالم الأداة واستبعاد كثير من جوانب حياته الثرية وإمكانياته الكامنة المتنوعة (أي أن العقل الأداتي يؤدي إلى هيمنة الواحدية الموضوعية المادية، إن أردنا استخدام مصطلحنا).
العقــل النقدى
«العقل النقدي» ترجمة للمصطلح الإنجليزي «كريتيكال ريزون critical reason» و«العقل النقدي» هو المفهوم الأساسي في كتابات مفكري مدرسة فرانكفورت (النظرية النقدية) ويُقال له أيضاً «العقل الكلي» أو «العقل الموضوعي» (مقابل «العقل الأداتي» أو «العقل الجزئي» و«العقل الذاتي»). وكلمة «نقدي» هنا مبهمة إلى حدٍّ ما، وتعود إلى مفهوم كانط في النقد. فكانط كان يرى عمله باعتباره جزءاً من المشروع التنويري الغربي الذي رفض جميع الحجج التقليدية القائمة وأخضع كل شيء للنقد. ولكنه لم يتوقف عند هذا الحد وإنما أخذ خطوة للأمام وأخضع العقل للعملية النقدية نفسها، أي أن كانط أخضع أداة الاستنارة الكبرى للنقد وبيَّن حدودها الضيقة، متجاوزاً بذلك عقلانية عصر الاستنارة، أي أن هناك عقلانيتين: عقلانية مباشرة سطحية، وعقلانية أكثر عمقاً، وهذا هو الذي ترجم نفسه إلى عقلانية العقل الأداتي وعقلانية العقل النقدي.
ويتسم العقل النقدي بما يلي:
1 ـ ينظر العقل النقدي إلى الإنسان لا باعتباره جزءاً من كل أكبر منه يعيش داخل أشكال اجتماعية ثابتة معطاة، مُستوعَباً تماماً فيها وفي تقسيم العمل القائم، وإنما باعتباره كياناً مستقلاً مبدعاً لكل ما حوله من الأشكال التاريخية والاجتماعية.
2 ـ العقل النقدي يدرك العالم (الطبيعة والإنسان) لا كما تدركه العلوم الطبيعية، باعتباره مُعطَى ثابتاً ووضعاً قائماً وسطحاً صلباً، وإنما يدركه باعتباره وضعاً قائماً وإمكانية كامنة.
3 ـ العقل النقدي لا يقنع بإدراك الجزئيات المباشـرة، فهو قادر على إدراك الحقيقة الكلية والغاية من الوجود الإنسـاني.
4 ـ العقل النقدي قادر على التعرف على الإنسان ودوافعه وإمكانياته والغرض من وجوده.
5 ـ العقل النقدي، لكل ما سبق، قادر على تَجاوُز الذات الضيقة والإجراءات والتفاصيل المباشرة والحاضر والأمر الواقع (ولذا يمكن تسمية «العقل النقدي» بـ «العقل المتجاوز»). فهو لا يذعن لما هو قائم ويتقبله وإنما يمكنه القيام بجهد نقدي تجاه الأفكار والممارسات والعلاقات السائدة والبحث في جذور الأشياء وأصولها وفي المصالح الكامنة وراءها والمعارف المرتبطة بهذه المصالح (وهذا هو الجانب التفكيكي في العقل النقدي).
6 ـ الحقيقة الكلية التي يدركها العقل النقدي والإمكانيات الكامنة ليست أموراً مجردة متجاوزة للإنسان (الفكرة الهيجلية المطلقة) وإنما هي كامنة في الإنسان ذاته، والعقل النقدي قادر على رؤيتها في كمونها هذا (أي أن الإنسان يحل محل الفكرة المطلقة).
7 ـ لكل هذا، فالحقيقة لا تُوجَد في الواقع بذاته وإنما تقع بين الواقع الملموس (كما يحدده المجتمع من جهة) والخبرة الذاتية من جهة أخرى. ولذا فالوضع الأمثل هو وضع التوازن بين الذات والموضوع وهذا ما يقدر على إنجازه العقل النقدي وما يفشل فيه تماماً العقل الأداتي.
8 ـ التاريخ هو عملية كاملة تتحقق من خلالها الذاتية الإنسانية، أي أن التاريخ هو الذي يُردُّ إلى الإنسان (خالق التاريخ) وليس الإنسان هو الذي يُردُّ إلى التاريخ. ولذا، فإن المجتمع في كل لحظة هو تجل فريد للإنسان؛ وتحقق الإمكانية الإنسانية في التاريخ هو الهدف من الوجود الإنساني.
9 ـ يمكن إنجاز عملية انعتاق الإنسان من خلال التنظيم الرشيد للمجتمع (المبني على إدراك الإمكانية الإنسانية) من خلال الترابط الحر بين أفراد، عند كل منهم نفس الإمكانية لتنمية نفسه بنفس الدرجة وبذا يمتنع الاستغلال.
10 ـ بإمكان العقل النقدي أن يساهم في هذه العملية من خلال الجهد التفكيكي الذي أشرنا إليه. ويمكنه أيضاً القيام بجهد تركيبي إبداعي، فهو قادر على التمييز بين ما هو جوهري وبين ما هو عرضي، وعلى صياغة نموذج ضدي لا انطلاقاً مما هو مُعطَى وإنما مما هو مُتصوَّر وممكن في آن واحد ويمكن على أساسه تغيير الواقع، أي أن العقل النقدي يطرح أمام الإنسان إمكانية تَجاوُز ما هو قائم دائماً انطلاقاً من إدراكه لما هو ممكن داخله، أي أنه يفتح باب الخلاص والتجاوز أمام الإنسان وهو عكـس التكـيف والإذعـان للأمر الواقع (على طريقة العقل الأداتي).
ورغم أن مفكري مدرسة فرانكفورت لم يصرحوا بهذا، فيمكن القول بأن الحقيقة الكلية التي يتحدثون عنها هي حقيقة ثابتة، وأن الغاية الإنسانية التي يتحدثون عنها هي غاية نهائية، فكأنهم يعارضون ما هو ثابت ونهائي وكامن ويضعونه مقابل ما هو متغيِّر وآلي وظاهر. ورغم حديثهم الدائم عن المادية والتاريخية، فهم أكثر تركيباً من ذلك. فالكل الاجتماعي الذي يتحدثون عنه والإمكانية الإنسانية الكامنة التي يتعرفون عليها والكل الإنساني الذي لا يمكن فهمه إلا من منظور الغائية الإنسانية الكامنة فيه، هذه كلها ليست مفاهيم علمية مادية وإنما هي مفاهيم فلسفية متجاوزة لعالم الطبيعة/المادة. لكل هذا، يُطلَق على مدرسة فرانكفورت اصطلاح «إنسانية (هيومانية) ميتافيزيقية»، أي أن مقولة الإنسان تصبح مقولة متجاوزة لقوانين الطبيعة/المادة. وانطلاقاً من هذا، فإن مفكري مدرسة فرانكفورت يذهبون إلى أن آلية الخلاص ليست الطبقة العاملة وإنما المثقفون القادرون على التعرف على الإمكانيات الكامنة في الإنسان وعلى رؤية الماضي والحاضر والمستقبل، ثم يضيفون إلى المثقفين "أكثر العناصر تطوراً في الطبقة العاملة" (أي أكثر العناصر اقتراباً من المثقفين؟).
ويظهر التحليل الفلسفي مقابل التحليل العلمي المادي في رؤيتهم لليبرالية وعلاقتها بالفاشية. فالليبرالية، ابنة عصر الاستنارة، تدور حول المصلحة الآنية والعقل الذاتي (الأداتي) ويتم التناسق في المجتمع من خلال اليد الخفية التي لا يتحكم فيها أحد، والتي تتجلى بشكل متبلور في السوق وآليات العرض والطلب والبيع والشراء، أي أن ثمة غياباً كاملاً لأي إدراك للإمكانيات الإنسانية الكامنة وللغائية الإنسانية. ولذا، فإن العلوم الطبيعية والحسابات الكمية الصارمة تسيطر دون اعتبار لما هو إنساني. وحينما يدخل المجتمع الليبرالي مرحلة الأزمة، تحل الدولة محل اليد الخفية وتستمر في إدارة المجتمع بنفس الطريقة دون أي اعتبار لأية غائية إنسانية، ويسيطر العقل الأداتي تماماً. فآليات السوق ليست السبب في تَحوُّل الليبرالية إلى فاشية، ولكن السبب الحقيقي هو هيمنة العلوم الطبيعية والمنطق الكمي. وبهذا المعنى، فإن الفاشية كامنة في الليبرالية وكلاهما كامن في فكر حركة الاستنارة.
كل الأمور نسبيــة
«كل الأمور نسبية» ترجمة للعبارة الإنجليزية «أول ثنجز آر ريلاتيف all things are relative» وهي عبارة أساسية في الخطاب العلماني سواء في الشرق أو في الغرب، لا يدرك كثيرون تضميناتها المعرفية والأخلاقية. وهي تعني عدم وجود مطلقات ثابتة أو متجاوزة للعالم الطبيعي المادي (فهي الحياة الدنيا ليس إلا) ومن ثم لا يمكن الوصول إلى أي يقين معرفي، فالحقيقة نسبية. ومع غياب الحقيقة لا يمكن أن يكون هناك حق ولا يمكن التوصل إلى أية قيم أخلاقية فكل القيم الأخلاقية نسبية، وهذا يعني في واقع الأمر غياب المعيارية واختفاء أية إنسانية مشتركة ومن ثم سقوط مفهوم الإنسانية نفسه، إذ كيف يمكن أن يكون هناك مفهوم للإنسان دون أية معيارية معرفية أو أخلاقية؟ وكل هذا يعني نزع القداسة عن الأشياء كافة وتَساوي الإنسان بكل الكائنات وألا تكون له أية مكانة خاصة في الكون، أي أن يصبح الإنسان شيئاً ضمن الأشياء، تسري عليه القوانين الطبيعية/المادية، وتهيمن عليه الواحدية المادية.
فى التحليل الأخير، وفى نهاية الأمر والمطاف، إن هو إلا
«في التحليل الأخير، وفي نهاية الأمر والمطاف، إن هو إلا» ترجمة للعبارة الإنجليزية «إن ذي لاست أناليسيس، إت إز ناثنج بات in the last analysis, it is nothing but» وهي عبارة تَرد في الخطاب العلماني الاشتراكي أو الرأسمالي، وإن كانت أكثر شيوعاً في الخطاب الاشتراكي. وهي تعني أن الظواهر مهما بلغت (ومنها الظواهر الإنسانية) من تركيب وتشابك فيمكن أن تُرَدَّ (في التحليل الأخير وفي نهاية الأمر والمطاف) إلى ما هو دونها. وتستمر عملية الرد حتى نصل إلى المبدأ الواحد: الطبيعة/المادة الذي يحوي داخله مصدر التماسك والحركة للنسق، فيُرَدُّ البناء الفوقي بكل ما فيه من أفكار وطموحات إنسانية وحلم بالتجاوز إلى البناء التحتي المادي أو أيٍّ من المطلقات العلمانية المادية الطبيعية (الخصائص البيولوجية ـ الصفات الوراثية ـ البيئة الاجتماعية ـ شهوة التملك ـ إرادة القوة). قد يختلف مضامين البنية الفوقية وتتنوع ولكن البنية التحتية المادية الواحدية تظل هي الأصل، ومن ثم يمكن القول بأن الإنسان وكل منتجاته الحضارية «إن هو إلا مادة»، وهذه هي نفسها عملية التفكيك.
ورغم أن الخطاب الليبرالي أكثر صقلاً على مستوى القول، إلا أنه على مستوى البنية الفعلية يدور في نفس الإطار، فالمفهوم النفعي للأخلاق ونماذج التنمية التي تصدر عن رؤية اقتصادية محضة وتأكيد الملكية الشخصية وتصوُّر أن آليات السوق (اليد الخفية) هي التي تأتي بالتناسق للمجتمع من تلقاء نفسها هي جميعاً مفاهيم تدل على أن كل ما هو إنساني يُرَدُّ في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير إلى المادة، فكل ما هو إنساني إن هو إلا مادي.
الترشيد فى إطار العلمانية الشاملة (العقلانية التكنولوجية أو المادية(
من المفاهيم الأساسية التي استُخدمت لدراسة المجتمعات الحديثة مفهوم الترشيد. وكلمة «يُرشِّد» لها عدة معان:
1 ـ يُسوِّغ أو يُبرِّر، بمعنى: يُفسِّر المرء سلوكه بأسباب معقولة أو مقبولة ولكنها غير صحيحة.
2 ـ ومن المعاني الأخرى المتواترة لكلمة «يُرشِّد»: يُوظِّف الوسائل بأكثر الطرق كفاءة لخدمة أهداف معينة.
وهذان المعنيان للكلمة ينصرفان إلى الوسائل وحسب. ولكن هناك معنيين آخرين يؤكدان أن الترشيد ليس مسألة خاصة بالوسائل وحسب، بل تخص الموضوع أيضاً:
3 ـ يستعيض عن التفسير الغيبي لشيء ما بتفسير طبيعي (مطابق للمبادئ العقلية ولقوانين الطبيعة/المادة(.
4 ـ يجعل الشيء مطابقاً للمبادئ العقلية والمادية.
وقد ميَّز ماكس فيبر بين نوعين من الترشيد:
1 ـ «فيرت راتيونيل wertrationell»، وتُترجَم إلى عبارة «رشيد في علاقته بالقيم» (أو «الترشيد المضموني»)، وهو يعادل (تقريباً) «الترشيد التقليدي» الذي يعني ألا يتعامل المرء مع الواقع بشكل ارتجالي وجزئي وإنما يتعامل معه بشكل منهجي متكامل، ومتسق مع مجموعة من القـيم الأخلاقية المطلقة والتـصورات المرجعية المـسبقة التي يؤمن بها. وعملية بناء الهرم الأكبر والفتح الإسلامي من العمليات التي لا يمكن إنجازها إلا من خلال هذا النوع من الترشيد.
2 ـ «زفيك راتيونيل zweckrationnel»، وتُترجَم إلى عبارة «رشيد في علاقته بالأهداف» (أو «الترشيد الشكلي أو الإجرائي» أو «الترشيد الأداتي»)، وهو الترشيد (المادي) الحديث المتحرر من القيم، والموجَّه نحو أي هدف يحدده الإنسان بالطريقة التي تروق له أو حسبما تمليه رغباته أو مصلحته. والترشيد الشكلي يتعلق بالكفاءة التكنولوجية وتوفير أفضل الوسائل والتقنيات لتحقيق الأهداف (أية أهداف) بأقل تكلفة ممكنة وفي أقصر وقت ممكن، وكلما كانت الوسائل أكثر فعالية كان الفعل أكثر رشداً من الناحية الشكلية أو الإجرائية. فالترشيد التقليدي (المضموني) يتم في إطار المطلق الديني أو الأخلاقي أو الإنساني والمرجعية المتجاوزة، أما الترشيد الحديث (الشكلي) فهو متحرر من القيمة (الدينية والأخلاقية والإنسانية) ويدور في إطار المرجعية المادية الكامنة، فلا علاقة له بأي مطلق. وهو منفصل عن الأهداف والمشاعر والغائيات الإنسانية (خيِّرة كانت أم شريرة(.
ولكن هذا ادعاء أيديولوجي ليس له ما يسانده، فثمة منظومة أيديولوجية (معرفية وأخلاقية) كاملة تتم في إطارها أية عملية من عمليات الترشيد. وفي حالة الترشيد الذي يدَّعي التجرد من القيمة فإنه عادةً ما يفترض الطبيعة/المادة مرجعية نهائية له.
ويمكن القول بأن الترشيد المادي يتم في خطوتين:
1 ـ سحب الأشياء من عالم الإنسان ووضعها في عالم مستقل يُسمَّى عالم الأشياء المادية: الاقتصادية ـ السياسية ـ السلع (ترشيد البنية المادية والاجتماعية(.
2 ـ ولكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد إذ يتم سحب الإنسان ذاته من عالم الإنسان ووضعه هو الآخر في عالم الأشياء. ثم يسود منطق الأشياء على كل من الأشياء والإنسان، ويسري قانون طبيعي مادي واحد على الإنسان والطبيعة (ترشيد الإنسان). (وهـذا هو التَشيُّؤ الذي تشـير إليه بعـض الأدبيات الغـربية التي تتناول ظاهرة التحديث، ولكن هذا هو أيضاً من أشكال العلمانية الشاملة(.
ويمكن أن نتناول هذه العملية بشيء من التفصيل ولنبدأ بترشيد المجتمع الإنساني في الإطار المادي. يمكن القول بأن الترشيد المجرد من القيمة هو في واقع الأمر إعادة صياغة للمجتمع ككل عن طريق تفكيكه واستبعاد سائر العناصر المركبة التي تستعصي على القياس (العناصر الإنسانية أو الربانية) التي يتركب منها، وإعادة تركيبه على هدي المعايير العقلية والعلمية الواحدية المادية، ومن ثم يتوافق هذا الواقع الاجتماعي مع القوانين العلمية الواحدية الصارمة ويخضع للاختبارت والإجراءات الكمية وللقياس، فهو يمحو سائر الثنائيات الفضفاضة (التي تفترض وجود أكثر من جوهر وأكثر من قانون) ويستبعد كل الخصوصيات والمنحنيات الخاصة للظاهرة (التي تتحدى القانون العام) ويرفض كل المطلقات (التي تشكل تجاوزاً للقانون المادي الواحد العام وخرقاً له وتشكل عدم استمرار في الكون) وينكر كل المعايير الأخلاقية الثابتة (فهي خارجة عن الظاهرة المادية موضع الدراسة) ويتعامل مع المحدود ومع ما يُقاس (فاللامحدود وغير المقيس لا يمكن تطبيق النماذج الكمية عليه).
ثم يتم الشيء نفسه على مستوى الإنسان الفرد، باطنه وظاهره، فالعقل الإنساني هو الذي يقوم بعملية التفكيك والتركيب إلا أنه عقل مادي مرجعيته هي الطبيعة/المادة. ولذا قد تبدأ عملية الترشيد في إطار الطبيعة/المادة بتأكيد العقل، ولكن مع تَزايُد هيمنة المرجعية الموضوعية المادية واختفاء المرجعية الإنسانية تماماً، يختفي العقل وتظهر مرجعيات مادية عديدة متساوية متصارعة. فكل مجال من مجالات النشاط الإنساني يصبح مرجعية ذاته، له قيمه المستقلة الذاتية ومنطقه الداخلي المتميِّز، ويصعب على المرء تمييز أي مبدأ واحد أو مجموعة من المبادئ ذات المقدرة التوحيدية التي بوسعها تزويد الإنسان برؤية متكاملة. وبالتالي، تَبعُد دوائر النشاط الإنساني بعضها عن بعض، حيث يصبح لكل منها مركزها ومعياريتها ومرجعيتها، فيختفي المركز ويظهر عالم بلا مركز ولا معايير ولا مرجعية. وهنا تستقل قواعد الترشيد عن الإنسان، وتصبح مرجعية ذاتها وتتحول الوسائل إلى غايات، ويتم الترشيد في إطار مجموعة من القيم النسبية المتغيرة لا يُوجَد فيها مطلق، أو تُوجَد فيها مطلقات غير إنسانية (تنويع على الطبيعة/المادة) وبذلك تتحول عملية الترشيد وتفقد أية مرجعية ويصبح الترشـيد هو أن يركز الإنسـان تماماً على الإجراءات (كيف يُنجز هـذا؟) وأن يُسقط الأهداف (لماذا يُنجز هذا؟(.
وتنتقل عملية الترشيد المادية من المجتمع وظاهر الإنسان الفرد إلى باطنه، أي تُطبَّق عليه هو الآخر الواحدية المادية فتستبعد أية خصوصية أو تركيبية أو عناصر إنسانية (غير طبيعية/مادية) متميِّزة عن حركة الطبيعة/المادة ولذا تؤدي عملية الترشيد إلى أن يُحيِّد الإنسان نفسه ويُسكت أية تساؤلات أخلاقية تتصل بالخير والشر، وما هو مشروع أو غير مشروع. ونظراً لانشغال الإنسان بالإجراءات فهو لا يُعمل ضميره بل حتى عقله (أي أن عملية الترشيد تؤدي إلى فقدان الإنسان لرشده!(.
إن الترشـيد الإجـرائي يفترض عالماً مادياً تماماً الإنسان فيه مادة سلبية تكاد تكون ميتة، مفعولاً به وليس فاعلاً، (ولذا فنحن نسمي هذا النوع من الترشيد «تدجيناً»)، ونظراً لأن الترشيد ليس له أية غائيات إنسانية فإن الإنسان يدرك بالتدريج أنه أصبح مجرد وسيلة بعد أن كان غاية، وأن عقله عقل أداتي إجرائي، عالم تكون فيه قوانين اللعبة (أو أخلاقيات الصيرورة) أكثر أهمية من نوع اللعبة أو الهدف منها (وهذا النوع من الترشيد هو الذي سيُهيمن على عصر ما بعد الحداثة واختفاء المركز(.
في هذا الإطار أصبحت الطبيعة غير الواعية هي المرجعية والمركز، فانفصلت النزعة التجريبية (التي مركزها المادة) عن النزعة العقلية الإنسانية (التي مركزها الإنسان) إلى أن تحررت تماماً منها، وحقق العلم الغربي انتصاراته الضخمة بسبب حياده وموضوعيته الرهيبة، وانفصاله عن القيم، وهو ما يعني في واقع الأمر تَجاهُل الإنسان وغائياته وقيمه ومثالياته ومطلقاته وتبني مُثُل النفعية الداروينية. ولعل مصطلح «العقلانية التكنولوجية أو المادية» يصف إلى حد ما ما نحاول الإفصاح عنه. وقد طرح العلم نفسه باعتباره القادر على الإتيان بالحلول العلمية الأكيدة لكل المشاكل المادية وغير المادية (وهي غير مادية بشكل ظاهر وحسب، فكل شيء في نهاية الأمر مادي). وادعى العلم أنه مصدر القيمة وأنه القادر على تزويد الإنسان بالرؤية السليمة للأشياء، وأنه سيحقق للإنسان السعادة والخلاص والتحكم الكامل في الطبيعة وتسخيرها لصالحه بل هزيمتها تماماً . ولكن كل هذا لن يتحقق إلا إذا قَبل الإنسان العلم هادياً ومرشداً ودليلاً، وسلم له أمره وتبنى منهجه ومعاييره وقيمه وغائياته وطبَّقه على واقعه بشكل منهجي متكامل وتخلَّى عن أية غائيات إنسانية أو تساؤلات أو محاولات للتجاوز، ومن هنا تم تهميش العقل البشري. وبدلاً من أن يحاول الإنسان تَجاوز ذاته الطبيعية والطبيعة المادية، أصبحت مهمته أن يتبعها، وأن يعيد صياغة الواقع الإنساني حسب قوانين الطبيعة/المادة التي يتلقاها جاهزة من العلم والعلماء. وتم تحييد الإنسان وتدريبه على قبول المبادئ العامة المجردة المتجاوزة للإنسان دون تساؤل، ومن ذلك المبادئ العلمية وغيرها من المجردات، بحيث يخضع العقل تماماً لمنطق الأشياء ويرى أن لكل شيء منطقه ومرجعيته الذاتية التي تتفق مع المرجعية المادية العامة، التي تَجبُّ سائر المرجعيات، ومنها المرجعية الإنسانية نفسها. ولا يمكن للإنسان أن يحقق لنفسه قدراً من الحرية إلا من خلال الخضوع لهذه المرجعية الموضوعية المادية (وهذا ما افترضه إسبينوزا من البداية من خلال عالمه الهندسي المحايد وافترضه من بعده داروين والماركسيون والوضعيون المنطقيون(.
ويرى ماكس فيبر أن ثمة عناصر فريدة داخل الحضارة الغربية (غائبة في الحضارات الأخرى) جعلتها تتجه نحو مزيد من الترشيد، وأن هذا الاتجاه هو السمة الأساسية لهذه الحضارة، وما يُميِّزها عن غيرها من الحضارات. ويُعرِّف فيبر عملية الترشيد المادي المستمرة بأنها عملية تنميط وفرض النماذج الكمية والبيروقراطية على الواقع (المادي والإنساني) حتى يمكن توظيفه، وهي عملية ستزداد وتائرها إلى أن يصل الترشيد إلى قمته الشاملة الإمبريالية فتتم السيطرة على كل جوانب الحياة ويتحكم الإنسان في الواقع وفي نفسه، ويتحول المجتمع إلى آلة بشرية ضخمة (ولذا يُعرِّف فيبر الترشيد بأنه تَحوُّل المجتمع بأسره إلى حالة المصنع، وهذه هي لحظة نهاية التاريخ والفردوس الأرضي). وهذه الآلة تجبر الأفراد على أن يشغلوا أماكن محدَّدة لهم ومقررة مسبقاً، ويقوموا بأدوار مرسومة. وهذه البيئة الآلية ستزيد ولا شك الفعالية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع زيادة كبيرة، ولكنها تهدد الحرية الفردية وتُحوِّل المجتمع إلى «قفص حديدي»، وخصوصاً أن الفرد في المجتمع الحديث هو فرد مفتقد للمعنى، ومن ثم فهو شخصية هشة من الداخل لا تشعر بالأمن ولا بالمقدرة على التجاوز، فهي لا تقف على أرضية صلبة من المعنى. (وقد وردت عبارة «القفص الحديدي» بأشكال أخرى في كتابات جورج لوكاتش وجورج زيميل. كما أن صورة العالم كقفص حديدي صورة متواترة في الأدب الحداثي(
ويرى مفكرو مدرسة فرانكفورت أن تَصاعُد معدلات الترشيد في المجتمع أدى إلى اختفاء الفرد والقيم الثقافية والروحية والعقل النقدي القادر على التجاوز حتى أصبح الإنسان كائناً ذا بُعد واحد (هربرت ماركوز) يرتبط وجوده بالاستهلاك والسلع (فهو إنسان مُتسلِّع مُتشيِّئ). عقله أداتي، ينشغل بالوصف والرصد وإدراك الآليات، عاجز تماماً عن إدراك الأغراض النهائية. أما هوركهايمر وأدورنو، فقد ذهبا في كتابهما ديالكتيك الاستنارة إلى أن الترشيد المتزايد للعلاقات الاجتماعية في العصر الحديث قد أدى إلى تناقص استقلال الفرد وإلى تنميط الحياة. وأدى، في نهاية الأمر إلى الشمولية والعنصرية وإلى الواقع المتمثل في أن الرأسمالية ترجمت مُثُل الاستنارة إلى واقع معسكرات الاعتقال، المنضبط والتي تمت فيها الهيمنة الكاملة على الإنسان.
ويرى أدورنو أن الترشيد كان من المفروض أن يؤدي إلى الحرية والعدالة والسعادة ولكنه أدَّى إلى نتيجتين متناقضتين (انعتاق الإنسان من أسر الضرورة المادية، وتَسلُّعه وتَشيُّئه في الوقت نفسه). بل إن العقل نفسه (أداة الترشيد) تحوَّل إلى قوة غير عقلانية وغير رشيدة تسيطر على كلٍّ من الطبيعة والإنسان، أي أن ترشيد الحياة الاجتماعية أدَّى إلى نفي الحرية تماماً، كما يتبدَّى ذلك في قوى التسلط الرشيدة الحديثة.
ويرى هابرماس أن الحضارة الحديثة تتسم بالتركيز الشديد على التكنولوجيا (كأداة للتحكم) بدلاً من التركيز على الهرمنيوطيقا أو التفسير، وتوسيع نطاق التفاهم والتواصل بين الناس. لكل هذا، تم تهميش الاتجاهات التأملية والنقدية والجمالية في النفس البشرية. ولهذا يرى هابرماس أن هذا التركيز الأحادي (الذي هو في جوهره سيادة العقل الأداتي والواحدية الموضوعية المادية) يعني أن الإنسان لا يستخدم كل إمكانياته الإنسانية (النقدية والجمالية... إلخ) في تنظيم المجتمع، ويركز على الترشيد على هدي متطلبات النظم الإدارية الاقتصادية والسياسية التي يُفترض فيها أنها ستزيد تحكمه في الواقع. ويؤدي كل هذا بالطبع إلى ضمور حياة الإنسان ويصبح الترشيد هو «استعمار عالم الحياة»، على حد قول هابرماس.
ومؤخراً أشار المؤلف المسرحي (رئيس جمهورية التشيك) فاكيلاف هافل إلى ما سماه «إسكاتولوجيا اللاشخصي»، وهو اتجاه نحو ظهور القوى اللاشخصية والحكم من خلال آليات ضخمة مثل المشروعات الضخمة والحكومات التي لا وجه لها والتي تفلت من التحكم الإنساني وتشكل تهديداً كبيراً لعالمنا الحديث. ويبيِّن هافل أنه لا يوجد فارق جوهري بين شركات كبيرة مثل شل وآي. بي. إم. والشركات الاشتراكية الكبرى، فكلها آلات ضخمة يتزايد غياب البُعد الإنساني منها. ولذلك، تصبح مسألة طابع الملكية هنا (أي ما إذا كانت فردية أم اجتماعية، رأسمالية أم اشتراكية) إشكالية غير ذات موضوع.
وحينما سُئل هـافل عن الأسـباب التي أدَّت إلى هذا الوضع أجاب قائلاً: "هذا الوضع له علاقة ما بأننا نعيش في أول حضارة ملحدة في التاريخ البشـري. فلم يعـد الناس يحترمون ما يُدعَى القيم الميتافيزيقية العليا، والتي تمثل شيئاً أعلى مرتبة منهم، شيئاً مفعماً بالأسرار. وأنا لا أتحدث هنا بالضرورة عن إله شخصي، إذ أنني أشير إلى أي شيء مطلق ومتجاوز. هذه الاعتبارات الأساسية كانت تمثل دعامة للناس، وأفقاً لهم، ولكنها فُقدت الآن. وتكمن المفارقة، في أننا بفقداننا إياها نفقد سيطرتنا على المدنية، التي أصبحت تسير بدون تحكُّم من جانبنا. فحينما أعلنت الإنسانية أنها حاكم العالم الأعلى، في هذه اللحظة نفسها، بدأ العالم يفقد بُعده الإنساني".
الحوسلـــة
نستخدم في هذه الموسوعة اللفظة المنحوتة «حوسل» اختصاراً لعبارة «تحويل الشيء إلى وسيلة» (بالإنجليزية: إنسترومنتاليزيشن instrumentalization). والنحت هو اشتقاق كلمة من كلمتين أو أكثر على أن يكون هناك تناسب في اللفظ والمعنى بين المنحوت له والمنحوت منه. وقد أجازت المجامع اللغوية في الوطن العربي النحت عندما تُلجئ الضرورة إليه، وقد وجدنا أن من الضروري نحت كلمة «حوسلة» لدواعي الإيجاز اللغوي، ذلك لأن عبارة «تحويل كذا إلى وسيلة» عبارة طويلة ولا يمكن توليد مصطلحات منها. و«حوسل» فعل متعدٍ بمعنى «حوَّل الشيء أو الإنسان إلى وسيلة»، ومنها «الحوسلة»، على غرار «بَسْمَلَ» و«بسملة» من «بسم الله الرحمن الرحيم»، و «حَوقَل» و«حَوقَلة» من «لاحول ولا قوة إلا بالله» و«حَمَدل» و«الحمدلة» من «الحمد لله». وفي كتب الفقه الإسلامي أنه يجب ترديد كلمات الأذان كما هي «إلا في الحيعلتين فيُحوقل»، و«الحيلعتان» هما العبارتان «حي على الصلاة» و«حي على الفلاح». ومن الأمثلة الأخرى التي شاعت، اصطلاح «البرمائي» من «البر والماء». وكذلك نقول «تَحوّسَل الشيء» أي «تَحوَّل إلى وسيلة»، وهو مطاوع «حَوسَل»، ومنها «التَحوسُل».
والحوسلة مرتبطة تماماً بالواحدية المادية، والترشيد (الإجرائي) وبالعقل الأداتي والعقلانية المادية والرؤية العلمانية المادية. فالواحدية المادية تَرُدُّ العالم بأسره إلى مبدأ واحد هو الطبيعة/المادة وتراه في إطار المرجعية المادية الكامنة، والترشيد هو إعادة صياغة الواقع في هدي القانون الطبيعي/المادي ثم إدارته انطلاقاً من هذا المبدأ الواحد. والرؤية العلمانية المادية هي أيضاً رؤية تَرُدُّ العالم إلى مبدأ واحد، وترى الإنسان والطبيعة باعتبارهما مجرد مادة استعمالية يمكن توظيفها في أي هدف أو غرض يحدده الإنسان (صاحب القوة) وهذه هي الحوسلة. والحوسلة تصف العلاقة بين المجتمع المضيف والجماعة الوظيفية وبين المواطن والدولة العلمانية المطلقة.
التعــاقديــة
نسبة إلى «عقد»، والتعاقدية هي ترجمة لكلمة «كونتراكتواليزيشن contractualization» أي أن تتحول العلاقات بين البشر من علاقات إنسانية تراحمية لا تخضع تماماً لحسابات الربح والخسارة، ولذا تتسم بالإبهام، إلى علاقات تعاقدية مضبوطة، أو خاضعة للتفاوض. وهذا ناجم عن أن العالم بأسره يصبح أشبه بالسوق والمصنع منضبطاً مثلهما تماماً، وخال مثلهما من الخصوصيات والمطلقات. وهيمنة العلاقات التعاقدية الباردة في المجتمع هي عملية «تهويد» للمجتمع.
الجماعة التراحمية العضوية والمجتمع التعاقدى
«الجماعة العضوية التراحمية أو التكافلية» و«المجتمع التعاقدي» مصطلحان من وضع عالم الاجتماع الألماني فردناند تونيس (1855 ـ 1936). وقد وضع كتاباً بعنوان جماينشافت أوند جيسيلشافت Gemeineschaft und Gessellschaft وتُرجمت الكلمة الأولى (جماينشافت) إلى الإنجليزية بكلمة «كوميونتي community»، أي «جماعة»، أما الكلمة الثانية (جيسيلشافت) فُترجمت بكلمة «سوسايتس society» أي «مجتمع» وأحياناً «أسوسيشن association» أي «رابطة». ونحن نترجم الكلمة الأولى إلى العربية بعبارة «الجماعة التراحمية العضوية» أو «الجماعة التكافلية» (ويمكن أن نضيف «المترابطة التقليدية» لزيادة الإيضاح). أما الكلمة الثانية فنترجمها بعبارة «المجتمع التعاقدي» (ويمكن أن نضيف عبارة «الذري الحديث» لزيادة الإيضاح أيضاً).
وكلٌّ من الجماعة العضوية والمجتمع التعاقدي نماذج مثالية ذات قيمة تحليلية لدراسة البناء الاجتماعي، وهي نماذج لا تتحقق بصورة كاملة في الواقع.
وفي مجال مقارنة الجماعة العضوية (أ) بالمجتمع التعاقدي (ب)، يمكننا أن نشير إلى بعض المفاهيم المحورية لكلٍّ منهما، وإن كانت السمة الأساسية للمجتمع التراحمي هي أن الإنساني يسبق الطبيعي، ففي المجتمع التعاقدي فإن الطبيعي يسبق الإنساني.
1ـأ) الكل الاجتماعي موجود قبل الفرد (أسبقية الكل على الجزء).
ب) الفرد موجود قبل الكل الاجتماعي (أسبقية الجزء على الكل(.
2ـأ) الكل الاجتماعي عبارة عن تركيب بسيط وُجد بشكل تلقائي عضوي تاريخي وتتسم عناصره بالتجانس.
ب) الكل الاجتماعي عبارة عن تركيب صناعي مُعقَّد لم يُوجَد بشكل تلقائي وإنما بشكل تعاقدي واع يتكون من وحدات كثيرة وعناصر ليست بالضرورة متجانسة.
3ـأ) يُولَد الفرد فيجد الروابط الاجتماعية العضوية قائمة مستقرة فلا يملك إلا أن يقبلها، فهي ليست ثمرة إرادته وليست نتيجة تعاقد بينه وبين بقية أعضاء المجتمع. فالمجتمع مُعطَى تاريخي عضوي.
ب) الروابط الاجتماعية نتيجة دخول الأفراد في علاقات إرادية تعاقدية (عقد اجتماعي يقررون بموجبه تأسيس المجتمع) ومن ثم يمكنهم رفض العقد في أية لحظة ويمكنهم إخضاع أي شيء للنقاش والتفاوض. فالمجتمع هو إذن عملية تعاقدية آلية.
4ـأ) تقوم مؤسسات الجماعة التراحمية العضوية (التي قامت بشكل تلقائي عضوي) بتشكيل الأفراد وتنشئتهم وترويضهم وفقاً لرؤية تفترض أسبقية الكل العضوي على الجزء.
ب) يتم بناء المؤسسات والمنظمات المختلفة بشكل إرادي واع، وهي مؤسسات تحكمها الرؤية التعاقدية وتقوم بتنشئة الأطفال وترويض الأفراد في ضوء هذه الرؤية.
5ـأ) العلاقات الاجتماعية علاقات مباشرة أولية بين أفراد دون وساطات، وهي علاقات تراحم دافئة تسودها روح التضامن والمشاركة والتعاون التلقائي، وهي تستند إلى الإيمان بمنظومة دينية مشتركة وأعراف اجتماعية.
ب) العلاقات الاجتماعية علاقات غير مباشرة (ثانوية) تتم من خلال وسائط معينة، وهي علاقات تستند إلى علاقات تعاقد قائمة على الحذر والمنفعة الخاصة وإخضاع السلوك لقوة القانون.
6ـأ) من أهم الأمثلة على الجـماعة التراحـمية التكافلية العضوية ما يلي: الأسرة الممتدة ـ العشائر ـ البطون ـ القرى ـ المجتمعات الصغيرة ـ الطرق الصوفية. ويمكن أن نضيف إليها الجماعات الوظيفية حينما تنظر إلى نفسها من الداخل.
ب) أهم مثال على المجتمع التعاقدي هو المجتمعات الحديثة، وخصوصاً في المدن الكبرى، ويمكن أن نضيف إليها الجماعات الوظيفية حينما يَنظُر إليها المجتمع وحينما تَنظُر إلى نفسها من الخارج.
وقد طوَّر تونيز هذا المفهوم فقدَّم إطاراً تصنيفياً وتفسـيرياً جيداً لشـكلين من أشـكال الاجتماع الإنساني، ويعود اهتمامه بهما إلى أنهما يصفان عناصر مهمة في كلٍّ من المجتمع التقليدي (الجماعة العضوية) والمجتمع الحديث (المجتمع التعاقدي(.
والتمييز بين الجماعة التراحمية العضوية والمجتمع التعاقدي هو تمييز له جانبان؛ أحدهما معرفي وأخلاقي ينصرف إلى رؤية الإنسان وطريقة إدراك الكون، والآخر سياسي واقتصادي واجتماعي ينصرف إلى طريقة تنظيم المجتمع. والجانبان هما تعبير عن نفس الفكرة الواحدة في مجالين مختلفين. ومن الواضح أن من استخدموا هاتين الفكرتين، كأداة تحليلية، كانوا يفضلون الجماعة المترابطة التي ينتمي إليها المواطن الذي يصبح جزءاً من كل يفقد ذاته فيه بحيث تختفي مصلحته الشخصية الأنانية الضيقة وتحل محلها مصلحة الدولة أو الجماعة، ولا يصبح له وجود خارجها. ونظراً للارتباط العضوي للإنسان بجماعته، وتَطابُق مصلحة الفرد مع مصلحة الجماعة، فإن الجماعة تعبِّر عن جوهر الإنسان بدلاً من أن تشكل اغتراباً عنه. والقانون البشري لا يشكل في هذه الحالة حدوداً على الإنسان أو قيداً، ولا يتعارض مع إدراكه لنفسه، وإنما يعبِّر عن جوهره ويحقق إمكاناته الكامنة، ومن هنا فإن الرابطة بين الإنسان والجماعة رابطة عضوية ورابطة داخلية (جوانية) لا تتناقض فيها الذات والموضوع.
كل هذا يقف ضد المجتمع التعاقدي (الحديث) الذي يتألف من أشخاص أنانيين فرديين (إنسان طبيعي)، لكلٍّ مصلحته الشخصية المحدَّدة التي قد تتفق مع مصلحة المجتمع أو تختلف عنها. وكل فرد يحاول أن يحقق مصلحته ومنفعته هو دون الالتفات إلى الآخرين أو إلى الكل الاجتماعي، ومن ثم فإن المجتمع مبني على التنافس بوصفه قيمة مطلقة. والمجتمع هنا لا يُعبِّر عن جوهر الإنسان وإنما يجابهه باعتباره شيئاً غريباً عنه. ويصبح القانون لنفس السبب قيداً على الإنسان لا وسيلة لتحقيق جوهره. والرابطة بين البشر رابطة تعاقدية خارجية برانية موضوعية. ولذا، فإن انتماء الإنسان إلى مثل هذا المجتمع هو انتماء ذرة منغلقة على نفسها؛ تُجاور الذرات الأخرى ولا تلتحم بها، ومن ثم ينشأ تناقض حاد بين الذات والموضوع. وهذا التمييز بين شكلين من أشكال التنظيم الاجتماعي ورؤية الكون يُعبِّر عن نفسه في التمييز بين فكرين، فكر عصر الاستنارة (القرن الثامن عشر) وفكر معاداة الاستنارة (القرن التاسع عشر). وكلاهما يُعدُّ أساساً للفكر الغربي الحديث رغم تناقضهما.
ويمكن أن نرى أصداءً لنفس التمييز في كتابات كثير من علماء الاجتماع الغربيين:
1 ـ يميِّز ماكس فيبر الرأسمالية التقليدية (العضوية) عن الرأسمالية الرشيدة )التعاقدية).
2 ـ يميِّز أليكس دي توكفيل بين المجتمعات الديموقراطية والمجتمعات التقليدية والمجتمعات العسكرية.
3 ـ يميِّز هربرت سبنسر بين المجتمعات المبنية على التضامن الآلي (البسيط) وتلك المبنية على التضامن العضوي (المركب).
4 ـ يميِّز سير هنري مين بين المجتمعات التي تقوم على أساس المكانة والمجتمعات التي تقوم على أساس التعاقد.
وهذه جميعاً محاولات لرصد هذا التقابل بين نوعين من المجتمعات شعر بوجودهما الإنسان الغربي وشعر بأنه ابتداءً من عصر النهضة بدأ الانتقال من الجماعة التراحمية أو التكافلية العضوية إلى المجتمع التعاقدي وأن عملية الانتقال تسـارعت في القرن الثامن عشـر وزادت حدتها وقسوتها مع الثورتين الصناعية والفرنسية في بدايات القرن التاسع عشر. وعملية الانتقال هذه هي عملية الانتقال من المجتمع الديني (والمرجعية المتجاوزة) إلى المجتمع العلماني (والمرجعية المادية الكامنة)، أي أنها وصف لتزايد معدلات العلمنة!
وما يجدر ذكره أن هذا التمييز الذي تغلغل في الفكر الاشتراكي الغربي، يكمن وراء الهجوم على اليهود واليهودية باعتبار أن اليهودي جزء من الاقتصاد التجاري (الموضوعي التعاقدي) مقابل الاقتصاد الزراعي (العضوي المبني على الارتباط الداخلي). ولا يمكن أن نفهم تحليل ماركس للمسألة اليهودية دون أن نأخذ هذا البُعد في الاعتبار.
الإنسان ذو البعد الواحد
«الإنسان ذو البُعد الواحد» ترجمة للعبارة الإنجليزية «وان ديمنشينال مان one-dimensional man» وهي عبارة تَرد في كتابات هربرت ماركوز أحد مفكري مدرسة فرانكفورت، وتعني «الإنسان البسيط غير المركب». والإنسان ذو البُعـد الواحد هو نتاج المجتمع الحديث، وهو نفسه مجتمع ذو بُعد واحد يسيطر عليه العقل الأداتي والعقلانية التكنولوجية والواحدية المادية؛ وشعاره بسيط هو التقدم العلمي والصناعي والمادي وتعظيم الإنتاجية المادية وتحقيق معدلات متزايدة من الوفرة والرفاهية والاستهلاك. وتهيمن على هذا المجتمع الفلسفة الوضعية التي تُطبِّق معايير العلوم الطبيعية على الإنسان، وتدرك الواقع من خلال نماذج كمية ورياضية وتظهر فيه مؤسسات إدارية ضخمة تغزو الفرد وتحتويه وتُرشِّده وتُنمِّطه وتُشيِّئه وتُوظِّفه لتحقيق الأهداف التي حددتها. ويذهب ماركوز إلى أن المجتمعات الاستهلاكية تتسم بالهيمنة الكاملة للمؤسسات الرأسمالية على السلطة وسيطرتها على عملية الإنتاج والتوزيع، بل صياغة رغبات الناس وتطلعاتهم وأحلامهم (أي أنها تتحرك في كل من رقعة الحياة العامة والخاصة)، فهي تنجح في خلق طبيعة ثانية مُشوَّهة لدى الإنسان إذ يتركز اهتمامه على وظيفته التي يضطلع بها (فهو إنسان وظيفي) وتتركز أحلامه على السلع ويرى ذاته باعتباره مُنتجاً ومُستهلكاً وحسب، دون أدنى إحساس بأية غائية كبرى أو هدف أعظم، ويرى أن تَحقُّق ذاته إنما يكمن في حصوله على السلع. ويتم إشباع كل رغبات هذا الإنسان داخل مجال السلع هذا حتى يصبح الإنسان أحادي البُعد تماماً (مُتسلِّعاً مُتشيِّئاً) مرتبطاً تماماً بسوق السلع حدوده لا تتجاوز عالم السوق والسلع.
ويُلاحظ ماركوز أن الديباجات الفردية التي تستخدمها الإعلانات هي قناع ماكر يخبئ عملية فرض الأنماط الاستهلاكية الجمعية التي توحي للمستهلك بأن يقلد الآخرين وأن يتبع الموضات وآخر الصيحات، فكأن الفردية هنا هي قناع لعملية ترشيد كاملة لباطن الإنسان تُدخل في روعه أن هذا الحلم هو حلمه وحده، وأن هذه السلعة سبيله الوحيد لتحقيق ذاته، مع أنه في واقع الأمر وسيلة تجعل تطلعاته وأحلامه مثل تطلعات وأحلام الآخرين، وبذا يمكن للآلة الاستهلاكية الاستمرار في الدوران. إن المستهلك أحادي البُعد هو شيء أنيق الملبس يستهلك كل السلع المطلوب منه أن يستخدمها، داخل إطار مجتمع يتم إدارته من الداخل والخارج بطريقة هندسية رشيدة غير ديموقراطية. ومع هذا (وهنا تكمن قوة المجتمعات الاستهلاكية)، يظن الإنسان أنه يمارس حريته وفرديته، فمجال الاختيار في عالم السلع واسع لأقصى حد. ولكن هذا يخبئ الحقيقة الأساسية وهو أن مجال الاختيار في الأمور المهمة (المصيرية والإنسانية والأخلاقية) قد تقلص تماماً واختفى، وأن هذا الإنسان فقد مقدرته على التجاوز وعلى نقد المجتمع وأصبحت عنده مقدرة عالية على التكيف وقبول الأمر الواقع والإذعان له. ويسمي ماركوز هذه المجتمعات «مجتمعات ديموقراطية لا تتمتع بالحرية»، أي مجتمعات شمولية نجحت في أن تجعل الجماهير تستبطن الرؤية السائدة في المجتمع وتسلك حسبها دون قمع بوليسي براني، بحيث يرى الإنسان أن الهدف من الحياة هو تَزايُد التحكم في الطبيعة وتَراكُم السلع وبذا يسود ضرب من " غياب الحرية في إطار ديموقراطي سلس معقول " (بالإنجليزية: سموث ريزنابل ديموكراتيك أنْ فريدم smooth reasonable democratic unfreedom).
ويرسم هوركهايمر صورة للإنسان الحديث لا تختلف عن تلك التي رسمها ماركوز. فهو يرى أن الإنسان الحديث تم تحريره من المعايير المطلقة للمجتمع التقليدي، ولكن الثمرة لم تكن إيجابية إذ ظهر إنسان تم تنقيته من كل المبادئ باستثناء مبدأ السعادة وإمتاع الذات، وتم تفـريغه من كل المقاصـد والقـيم إلا مقـصد البقاء وحفظ النفس، وأصبح إنساناً مفرغاً من كل محتوى ومعيار باستثناء تلك المتعلقة بحساب الوسائل، وأصبح عاجزاً تماماً عن تقـييم الخـيارات المطروحة أو إدراك حقـيقة التشوهات الحـاصلة بغية تصويب الأخطاء وتصحيح الحلول. بذلك لم تَعُد لديه أية قدرة على تجاوز ذاته الضيقة أو الظروف المحيطة به ولم تَعُد لديه المقدرة على النظر إليها بشكل نقدي، وأصبحت المقدرة الأساسية عنده هي القدرة على التكيف مع القوى الاجتماعية المهيمنة وأداء الوظيفة الموكلة له، ولم يعد لديه من حريات سوى حرية اختيار بديل من البدائل المتوافرة التي يقع اختياره عليها بعد الانغماس في حسابات رشيدة تدور داخل الإطار المُعطَى، ولذا فهي حسابات رشيدة إجرائية لا علاقة لها بالمضمون ولا بالأهداف النهائية.
والإنسان ذو البُعد الواحد هو ذاته الإنسان الطبيعي (الإنسان الاقتصادي والجسماني)، وهو إنسان بسيط يعيش داخل نطاق الطبيعة لا يملك لها تجاوزاً، يسري عليه ما يسري عليها من قوانين، إنسان فقد تماماً العقل النقدي المُتجاوِز، وهو أيضاً الإنسان الوظيفي الذي يُعرَّف في ضوء وظيفته التي تُوكَل إليه، وهو الإنسان الذي تم ترشيده وتدجينه في إطار العقلانية المادية التكنولوجية. ورغم أن ماركوز يخصص أحياناً ويتحدث عن الإنسان ذي البُعد الواحد باعتباره ظاهرة رأسمالية، إلا أنه، في معظم الأحيان، يراه باعتباره ظاهرة خاصة بالمجتمع الحديث ككل.
القفص الحديدى
«القفص الحديدي» ترجمة للعبارة الإنجليزية «أيرن كيج iron cage» التي استخدمها ماكس فيبر لوصف وضع الإنسان في المجتمع الحديث بعد أن يتم ترشيد المجتمع والإنسان. وترد العبارة بأشكال أخرى في كتابات جورج لوكاتش وجورج زيميل. وهي ذات عـلاقة وثيقة بكثير من المصـطلحات النقـدية، مثل «التَشيُّؤ» و«التَسلُّع»، التي تعني في جملتها «أن يصبح الإنسان سجين العالم والأشياء أو السلع خاضعاً لقوانينها».
ويرى فيبر أن عملية الترشيد المادي المستمرة ستؤدي إلى فرض قوانين واحدية مادية على المجتمع ومن ثم سيتحول المجتمع إلى آلة بشرية ضخمة (يشبه السوق والمصنع) تُجبر الأفراد على أن يشغلوا أماكن محددة لهم ومقررة مسـبقاً، ويقوموا بأدوار مرسـومة. وهذه البيئة الآلية ستزيد ولا شك الفعالية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع زيادة كبيرة، ولكنها تهدد الحرية الفردية، وتُحوِّل المجتمع إلى قفص حديدي، وخصوصاً أن الفرد في المجتمع الحديث هو فرد مفتقد للمعنى، ومن ثم فهو شخصية هشة من الداخل لا تشعر بالأمن ولا بالمقدرة على التجاوز، فهي لا تقف على أرضية صلبة من المعنى.
التســلع
»التَسلُّع» ترجمة للكلمة الإنجليزية «كوموديفيكيشن commodification». و«التَسلُّع» مصطلح يشير إلى أن السلعة وعملية تَبادُل السلع هي النموذج الكامن في رؤية الإنسان للكون ولذاته ولعلاقاته مع الآخر والمجتمع. وإذا كانت السلعة هي مركز السوق والمحور الذي يدور حوله، فإن التَسلُّع يعني تَحوُّل العالم إلى حالة السوق، أي سيادة منطق الأشياء.
ولأن السلعة شيء، فإن التَسلُّع قد يعني أيضاً التَشيُّؤ. فالتَشيُّؤ معناه أن يتحول الإنسان إلى شيء، تتمركز أحلامه حـول الأشـياء ولا يتجاوز هو السطح المادي وعالم الأشياء، وتصبح العلاقات بين البشر مثل العلاقات بين الأشـياء. أما التَوثُّن، فإنه يعني أن تصبح السلعة والشيء مركز الكون والوثن الأعظم الذي يعبده الإنسان. والتَسلُّع والتَشيُّؤ والتَوثُّن تعني، كلها، أن الإنسان يُحيِّد إنسانيته المُتعيِّنة فيسقط إما في عالم الأشياء (والسلع) المادية والذات الطبيعية المادية ويفقد إنسانيته المركبة (الربانية)، أو يذوب في مطلقات لا إنسانية مجردة (المطلق العلماني: الطبيعة/المادة، والتنويعات عليه: الدولة ـ السوق ـ الإنتاج ـ الاستهلاك) ويفقد أيضاً إنسانيته.
والتَسلُّع والتَشيُّؤ والتَوثُّن تعني نزع القداسة عن الإنسان والطبيعة وإخضاعهما للواحدية المادية وتَحوُّل العالم إلى مادة واحدة استعمالية بعد الهيمنة الإمبريالية الكاملة عليه. وهذه هي عملية الترشيد والتحديث، حين يُجرَد الإنسان ذاته ويقبل المجردات اللاإنسانية ويذعن لها.
التوثن
»التَوثُّن» ترجمة للكلمة الإنجليزية «فيتيشـيزم fetishism». و«الوثن» هو الشـيء المادي، سواء أكان طبيعياً أم مادياً، الذي يتصور الإنسان أنه يُجسِّد روحاً وأنه ذو أثر سحري وقوة غامضة من شأنها أن تؤثر في مقدرات الناس بالنفع والضرر. ولذا، فهو يصبح محور ممارسات دينية. والتَوثُّن (حسب الأدبيات الماركسية الإنسانية) هو أن يُنظَر للسلعة (الشيء) لا باعتبارها نتاج جهد اجتماعي إنساني وإنما باعتبارها شيئاً مستقلاً عن الإنسان. وتتحكم السلع (الأشياء) في المُنتج (الإنسان) بدلاً من تحكُّم المنتج في السلع. وفي المجتمعات الاستهلاكية، تصبح السلع ذات قيمة محورية في حياة الإنسان تتجاوز قيمتها الاقتصادية وغرضها الاستعمالي، فكأن السلعة أصبحت لها قيمة كامنة فيها، لها حياتها الخاصة ومسارها الخاص، متجاوزة الإنسان واحتياجاته، وهذا مثل جيد على المرجعية المادية الكامنة (في السلعة) والتي تَجُبُّ المرجعيات المتجاوزة كافة وضمنها المرجعية الإنسانية. لكل هذا، تصبح السلعة مثل الوثن، مركز الكون الكامن في المادة، الذي يعبده الإنسان والهدف الأوحد من الوجود، فينحرف الإنسان عن جوهره الإنساني (في النظم الإنسـانية) وعن ذاته الربانية المركبة التي لا يمكن أن تُردَّ إلى عالم الطبيعة/المادة والأشياء (في النظم التوحيديـة).
وقد أشار أحد المفكرين إلى ما سماه «تَوثُّن الذات» كسمة أساسية في اليهودية، بمعنى أن الشعب اليهودي (بالمعنى الديني) يعبد ذاته من دون الإله ويتمركز حولها، مع أن هذه الذات وثن مادي أصم. وتَوثُّن الذات سمة أساسية في كثير من الحركات القومية العضوية والحركات الإثنية الجديدة، حيث تصبح الذات القومية أو الإثنية أو العرْقية هي المطلق (اللوجوس) مركز الكون. ويمكن القول بأن المطلقات العلمانية المختلفة (وليس السلع وحسب) تكتسب خاصية التَوثُّن هذه وتتجاوز الإنسان ولا يتجاوزها هو وتصبح هي المرجعية النهائية. ولعل الدولة المركزية هي أهم هذه الأوثان المطلقة (مرجعية ذاتها). والترشيد (في إطار المرجعية الكامنة) يؤدي إلى التَوثُّن، فترشيد المواطن يجعله يقبل المجردات الإنسانية باعتبارها مطلقات نهائية لا تشير إلا إلى ذاتها.
التشيؤ
»التَشيُّؤ» ترجمة للكلمة الإنجليزية «رييفيكيشن reification»، ويعني تَحوُّل العلاقات بين البشر إلى ما يشبه العلاقات بين الأشياء (علاقات آلية غير شخصية) ومعاملة الناس باعتبارها موضعاً للتبادل (أي حوسلة البشر باعتبارهم أشياء). وحـينما يتشيأ الإنسـان، فإنه سـينظر إلى مجتـمعه وتاريـخه (نتاج جهده وعمله وإبداعه) باعتبارهما قوى غريبة عنه، تشبه قوى الطبيعة (المادية) تُفرَض على الإنسان فرضاً من الخارج، وتصبح العلاقات الإنسانية أشياء تتجاوز التحكم الإنساني فيصبح الإنسان مفعولاً به لا فاعلاً، يحدث ما يحدث له دون أية فاعلية من جانبه، فهو لا يملك من أمره شيئاً. وقمة التَشيُّؤ هي تطبيق مبادئ الترشيد الأداتي والحسابات الدقيقة على مجالات الحياة كافة.
ويمكن القول ببساطة شديدة بأن التَشيُّؤ هو أن يَتحوَّل الإنسان إلى شيء تتمركز أحلامه حول الأشياء فلا يتجاوز السطح المادي وعالم الأشياء. والإنسان المُتشيِّئ إنسان ذو بُعد واحد قادر على التعامل مع الأشياء بكفاءة غير عادية من خلال نماذج اختزالية بسيطة، ولكنه يفشل في التعامل مع البشر بسبب تركيبيتهم. والإنسان المُتشيِّئ إنسان قادر على الإذعان للمجردات المطلقة وأن يتوحد بها ويتصرف على هديها. وهذا وصف جيد للإنسان الطبيعي الرشيد، الذي يعيش حسب قوانين الطبيعة/المادة والمطلقات العلمانية الأخرى التي تُعدُّ تنويعاً على الطبيعة/المادة.
التنميط
»التنميط» ترجمة لكلمة «ستاندارديزيشن standardization» وهي من كلمة «ستاندارد standard» ومعناها «معيار» أو «مقياس»، وفعل «ستانداردايز standardize» ومعناه «يُوحِّد» (المناهج أو المقاييس)، ويُطلَق الاصطلاح على ظاهرة في الحضارة الغربية، وهي أن كثيراً من المنتجات الحضارية تصبح متشابهة ونمطية بسبب الإنتاج الصناعي السلعي الآلي الضخم (على عكس المنتجات الحضارية في المجتمع التقليدي حيث نجد أن لكل شيء مصنوع شخصية مستقلة تستمدها من شخصية منتجها الذي صنعها بيديه). والتنميط في المنتجات الحضارية يؤدي إلى التنميط في أسلوب الحياة العامة والخاصة فيقضي الإنسان حياته في سلسلة محكومة من روتين يومي مُنظَّم بمواعيد دقيقة ومتتالية معروفة مسبقاً (نوم ـ انتقال ـ عملي آلي ـ وقت فراغ) ثم يتم تنميط حياة الإنسان نفسها. فتقاليع الأزياء، على سبيل المثال، تجعل الناس كافة يغيرون طراز ملابسهم من عام إلى عام بحسب ما يصدر لهم من أوامر من باريس (أو غيرها من عواصم تصميم الأزياء). ويسارع الناس للإذعان وكأنهم يذعنون لأحد قوانين الطبيعة/المادة، فإن قال مصممو الأزياء إن "الموضة هذا العام هو الطويل" قام الجميع بتطويل ملابسهم، وإن قالوا "قصير" سارع الجميع بالتقصير، وهكذا. ويذهب علماء الاجتماع إلى أن عمليات التنميط ليست مقصورة على عالم الأشياء البراني وإنما امتدت لتشـمل عالم الإنسان الجواني، بحيث تم تنميط أحلام الإنسـان ورغباته وتطلعاته ورؤيته لنفسـه وأنماط سلوكه، وتمت المساواة بين البشر والتسوية بينهم من الداخل والخارج. وقد أمكن تنميط الواقع الاجتماعي والإنساني لعدة أسباب:
1 ـ طبيعة الإنتاج الصناعي لا تسمح بالتنويع.
2 ـ إيقاع الحياة السريع الآلي في العصر الحديث.
3 ـ أدَّى تآكل المؤسسات الوسيطة إلى تفَاقُم هذه الظاهرة. فالأسرة، على سبيل المثال، تحمي الفرد قليلاً من تغلغل عوامل التنميط في حياته الخاصة وإلى وجدانه، وهي تزود الفرد بتربة اجتماعية مفعمة بالحميمية، إيقاعها يتفق مع إيقاعه أو يمكن ضبطه ليتفق مع الإيقاع المناسب له، فيتكشف أبعاده الداخلية بدلاً من أن يُفرَض عليه أن يتبع إيقاعاً برانياً حاداً ويدخل قالباً محدداً.
4 ـ يُلاحَظ أن الإنسان في العصر الحديث إنسان حركي نسبي، فهو لا يرتبط بمطلقات أو ثوابت تسيطر عليه عقلية الترانسفير، وهو على استعداد لتغيير قيمه بعد إشعار قصير، فيقع فريسة صناعات اللذة والإعلانات التي قامت بعملية هندسة اجتماعية شاملة فأعادت صياغته بما تراه يخدم صالحها.
5 ـ قامت شركات التسويق والإعلام بدور حاسم في عملية التنميط إذ ألقت في روع الناس أن أنماط السلوك النمطية هي الأنماط الطبيعية.
6 ـ ولعل أهم أسباب التنميط هو ظهور الدولة العلمانية المركزية التي لا تتعامل إلا مع وحدات إدارية ضخمة والتي تحاول قدر طاقتها ترشـيد الواقع الاجتماعي والإنسـاني حتى يمكنها التحكم فيه والتخطيط له وتوجيهه وتوظيفه لصالحها، أي حوسلته. وعملية الترشيد هذه هي في جوهرها عملية تنميط، إذ بدونها سيصبح الواقع الإنساني والاجتماعي متنوعاً مركباً غير متجانس لا يمكن إخضاعه لعمليات الحوسلة.
ولعل انتشار العنف والانتحار وشرب الكحول وإدمان المخدرات في البلاد المتقدمة هو تعبير عن احتجاج الإنسان على هذا التنميط الذي يقضي على عالمه الجواني تماماً وعلى حريته ويدفع به في عالم واحدي مادي بسيط. ولعل انتشار الإباحية ذاته هو تعبير عن نفس الاحتجاج، فآليات الإشباع الجنسي متاحة بشكل مذهل في المجتمعات الغربية ومع هذا تتزايد الأفلام والكتب والمجلات الإباحية. فالإنسان الذي تُقمَع حريته تماماً يهرب من عالم التنميط إلى عالم فردوسي خال تماماً من أي حدود، عالم لا يماثل عالمه المتجانس المحكوم المضبوط، عالم من الفوضى الكاملة يحميه من عالم التنميط والضبط الكامل والواحدية المادية.
وترتبط بالتنميط مصطلحات أخرى مثل «الكوكلة» و«الأمركة» (أن يكون النمط أمريكياً) و«التسلع» (أن يكون النمط هو السلعة) و«التَشيُّؤ» (أن يكون النمط هو الشيء).
الباب الخامس: مصطلحات تشـير إلى تفكيك الإنسان وتقويضه
التفكيك والتقويض
«التفكيك» بالمعنى العام هو فصل العناصر الأساسية في بناء ما بعضها عن بعض بهدف اكتشاف العلاقة بين هذه العناصر والثغرات الموجودة في البناء واكتشاف نقط الضعف والقوة. ويمكن أن يتم التفكيك داخل إطار فلسفي إنساني بهدف زيادة إدراكنا للواقع. وفي هذه الحالة، فإن التفكيك أداة تحليلية لا تحمل أي مضمون أيديولوجي. ولكن يمكن أن يتم التفكيك في إطار نموذج الطبيعة/المادة والواحدية المادية بحيث يُرَدُّ كل شيء إلى ما هو دونه حتى نصل إلى الأساس المادي. ولكن عملية التفكيك يمكن أن تستمر فيتضح أن ما يُسمَّى «الأساس المادي» ليس أساساً على الإطلاق، فالمادة في حالة حركة وتَغيُّر ومن ثم لا يمكن أن تكون هناك حقيقة. والفلسفة التفكيكية (ما بعد الحداثة) فلسفة تهاجم فكرة الأساس نفسها (ولذا يُطلَق عليها بالإنجليزية أنتي فونديشناليزم anti-foundationlism) أي رفض المرجعية، وهي تحاول إثبات أن النظم الفلسفية كافة تحتوي على تناقضات أساسية لا يمكن تجاوزها، ومن ثم لا تصبح هذه النظم بذاتها طريقة لتنظيم الواقع وإنما علامة على عدم وجود حقيقة بل مجرد مجموعة من الحقائق المتناثرة فقط، وتصبح كل الحقائق نسبية، ولا يكون ثمة قيم من أي نوع. ومثل هذا التفكيك ليس مجرد آلية في التحليل أو منهجاً في الدراسة وإنما رؤية فلسفية متكاملة وهي فلسفة يؤدي التفكيك فيها إلى تقويض ظاهرة الإنسان وأي أساس للحقيقة. ورائد هذه الفلسفة هو جاك دريدا (تلميذ هايدجر) الذي استخدم في أولى دراساته الفلسفية اصطلاح «تخريب» أو «تقويض» (بالإنجليزية: ديستراكشن destruction)، ثم استخدم مصطلـح «تفكـيك» (بالإنجليزية: دي كونستراكشن deconstruction) ربما ليخبئ الطبيعة العدمية لمشروعه الفلسـفي.
وفي هذه الموسوعة، نستخدم كلمة «تفكيك» بطريقتين:
1 ـ التفكيك باعتباره أداة منهجية تُستخدَم في اكتشاف البنية الكامنة لأي نظام فكري أو فلسفي. وعادةً ما يتلازم مع عملية التفكيك عملية تركيب أو إعادة تركيب، أي عملية تأسيس، لأن الهدف هو تعميق الفهم وليس التقويض. والتفكيك هنا ليس إعلاناً الفشل في التوصل للحقيقة وإنما هو فتح لباب الاجتهاد وإدراك لواقع أن ما هو قائم تمكن إعادة تركيبه حتى يمكن تفسيره بشكل أحسن، كما يمكن تغييره إلى الأفضل.
2 ـ «التفكيك» باعتباره تقويضاً (سعد البازعي ـ ميجان الرويلي)، وهو هنا ليس مجرد آلية وإنما رؤية للكون.
والاستخدام الثاني هو الأكثر شيوعاً في هذه الموسوعة. ونحن نذهب إلى أن عملية الانتقال من العلمانية الجزئية إلى العلمانية الشاملة هي في جوهرها عملية تفكيك للإنسان، إذ يُرد الإنسان، الذي يتحرك داخل حيزه الإنساني والحيز الطبيعي، إلى المادة وقوانينها، فيُلغي الحيز الإنساني ولا يبقى سوى الحيز الطبيعي/المادي، وبدلاً من أن يكون الإنسان كائناً مركباً متكاملاً، الإنسان الإنسان، فإنه يصبح الإنسان الطبيعي أو الإنسان الوظيفي الذي يمكن تفسيره من خـلال النماذج الموضوعية الرياضية والذي تحركه غرائزه الوحشية المظلمة القابعة فيه (وهذه هي الاستنارة المظلمة). وقد تحدَّث هوبز عن الإنسان باعتباره "ذئباً" لأخيه الإنسان، وتحدَّث داروين عن علاقة القرد بالإنسان، وأجرى بافلوف تجاربه على "الكلاب" وافترض أن النتائج التي توصل لها تنطبق على الإنسان، وهذه هي عملية التقويض التي يقوم بها الفكر العلماني الشامل. ويُلاحَظ أنه يوجد في معجم الحضارة الغربية الحديثة عدد كبير من الأفعال تبدأ بمقطع «ديde» أو «ديسdis» وكلها أفعال ذات طابع تفكيكي تقويضي، تُعبِّر عن جوهر المشروع التحديثي التفكيكي الغربي.
ومع هذا يمكن القول بأن المشروع التحديثي الغربي ليس تفكيكياً وحسب وإنما هو أيضاً مشروع تأسيسي، فهو يعيد تركيب الكون على أساس نموذج الطبيعة/المادة والمطلقات العلمانية المختلفة التي تَرُد الإنسان إلى هذا العنصر المادي أو ذاك. فالمنظومة الداروينية، على سبيل المثال، تعيد تركيب المجتمع على أساس أنه غابة مظلمة ظالمة يتصارع فيها الإنسان مع الحيوان والإنسان مع الإنسان، فهي حرب يخوضها الجميع ضد الجميع.
نزع القداسة عن العالم (الإنسان والطبيعة(
»نَزْع القداسة عن العالم» ترجمة للكلمة الإنجليزية «دي سانكتيفاي desanctify» أو «دي ساكرالايز desacralize» التي تعني نزع القداسة عن الظواهر كافة (الإنسان والطبيعة) بحيث تصبح لا حرمة لها ويُنظَر لها نظرة طبيعية/مادية صرفة لا علاقة لها بما وراء الطبيعة. أي أن نزع القداسة عن العالم هو نتيجة حتمية للإيمان بفعالية القانون الطبيعي في مجالات الحياة كافة (الطبيعية والإنسانية، العامة والخاصة). وإذا ما تم ذلك، فإن العالم (الإنسان والطبيعة) يمكن أن يصبح مادة استعمالية يمكن توظيفها والتحكم فيها وترشيدها وتسويتها وحوسلتها، وهو أمر يستحيل إنجازه إن كانت هناك قداسة في المادة وإن كانت هناك حرمات تضع حدوداً على سلوك الإنسان وعلى حريته. ونزع القداسة يعني فرض الواحدية المادية على الكون بحيث يسري قانون واحد على كل الأشياء. ونزع القداسة يؤدي إلى ظهور نزعة إمبريالية لدى الإنسان، فهو ينظر إلى العالم باعتباره مادة نافعة له يمكنه توظيفها لحسابه ويصبح الهدف من المعرفة هو زيادة التحكم. وحيث لا توجد قداسة أو حرمات أو مرجعيات أخلاقية، فلا حدود لعملية الغزو.
نزع السر عن الظواهر
»نزع السر عن الظواهر» ترجمة للكلمة الإنجليزية «دي ميستفاي demystify»، وهي من كلمة «ميستري mystery» التي تعني «السر» بالمعنى الديني (ويُقال «ميستري ريليجنز mystery religions» أي «ديانات الأسرار»). ويمكن القول بأن أقرب كلمة لها في معجمنا الثقافي هي كلمة «غيب». وتُستخدَم كلمة «سر» لتشير إلى أن الإنسان، والظواهر كافة، تحوي داخلها من الأسرار والغيب ما لا يمكن الوصول إليه، وأن على الإنسان أن يدرك هذا ويدرك أن عقله لن يحيط بكل شيء. ولأن العالم يحوي أسراراً، فهو عالم متنوع كل ظاهرة فيه تحوي قدراً من التفرد. أما كلمة «مستفاي mystify»، فهي كلمة ذات طابع قدحي، إذ تشير إلى عملية تعمية واعية مقصودة. ويرى كثير من دعاة الاستنارة(في الإطار المادي) أن أهم مهام العقل هي نزع الأسرار عن كل الظواهر (ومنها الإنسان) وتفكيكها وردها إلى قوانين الحركة المادية العامة (ورؤيتها في إطار الواحدية الكونية المادية)، وبذا تصبح الظواهر كافة متشابهة واضحة قابلة للدراسة. وتُعبِّر كلمات مجنون نيتشه عن ألم الإنسان الحديث الناجم عن نجاحه في نزع السر، فهو يسأل كيف تَأتَّى للإنسان أن يمحو الأفق ويجفف البحار بحيث أصبح العالم من حولنا مادة خراب لا أسرار فيها ولا قداسة؟
كشف حقيقة الأسطورة
«كشف حقيقة الأسطورة» ترجمة للكلمة الإنجليزية «دي بنك debunk»، وهي تُستخدَم عادةً للإشارة إلى أية عملية تهدف إلى تحطيم أية مثاليات أو أي نُبل أو أية أحلام نبيلة بالتجاوز قد يشعر بها الإنسان، وذلك حتى يكتشف بصورة لا تقبل الشك حقيقة دوافعه المادية/الطبيعية. وهذه عملية قد تتم في الواقع، ولكن المصطلح يشير عادةً إلى الأعمال الأدبية. ففي أعمال برنارد شو ـ على سبيل المثال ـ كثيراً ما تتصور إحدى الشخصيات أنها مدفوعة بحب مثالي حقيقي لشخصية أخرى، ولكنها تكتشف بعد قليل أنها مدفوعة في واقع الأمر بحب القوة والسيطرة والشهوة الجنسية وحسب، أي أن الشخصية تكتشف أن الإنسان إن هو إلا مجموعة من الدوافع الطبيعية/المادية. وكثيراً ما يشار إلى هذا بأنه «واقعية»، وتَقبُّله هو تَكيُّف مع الأمر الواقع الذي لا أسرار فيه والذي يضرب بجذوره في عالم الطبيعة/المادة. وهذا يُفسِّر تزايد استخدام «الأيروني irony» في الآداب الغربية الحديثة، فهو صيغة أسلوبية تهكمية تهدف إلى تنبيه الإنسان إلى وجود فرق شاسع بين أحلامه النبيلة التي تُحلِّق في السماء وواقعه الخسيس الذي لا أسرار فيه، الساقط في حمأة المادة، الخاضع لقوانينها.
تحرير العالم من سحره وجلاله
«تحرير العالم من سحره وجلاله» ترجمة للعبارة الإنجليزية «ديس إنتشامنت أوف ذي ورلد disenchantment of the world» التي تَرد في كتابات ماكس فيبر. ويشير هذا المصطلح إلى عملية استبدال المجتمع الغربي للتصورات الدينية الغيبية والوسائل السحرية بتصورات علمية، بحيث يدرك الإنسان أن العالم يتحرك وفقاً لقوانين عقلانية مادية قابلة للاكتشاف لا وفق قوى غامضة غير محسوبة مستعصية على الفهم.
وفعل «ديس إنتشانت disenchant» باللغة الإنجليزية فعل مبهم، فهو يعني «إزالة الغشاوة»، وهو معنى إيجابي بمعنى أن يرى الإنسان الأمور على ما هي عليه. ولكنها تعني أيضاً «خيبة الأمل والظن»، وهو معنى سلبي بمعنى أن الإنسان حينما يعرف حقيقة شخص ما، فإن الصورة المثالية المضيئة تسقط لتحل محلها صورة واقعية مظلمة. وإبهام المصطلح مناسب جداً، فهو يصف المشروع التحديثي الغربي الذي بدأ بأوهام الاستنارة المضيئة في أن يعتمد الإنسان على عقله (المادي) وحسب، فيزيل كل الغشاوات التي تراكمت عليه عبر عصور الظلام السابقة ويرفض أية غيبيات أو مثاليات أو مطلقات ليصل إلى الجوهر (المادي الحقيقي) للأشياء ويُدرك هيمنة الواحدية المادية. وكان المفروض أن هذا سيؤدي إلى سعادة الإنسان وسيطرته على نفسه وعلى العالم. ولكن الإنسان عندما فعل ذلك، قام بتفكيك العالم ورده إلى عناصره المادية ففقد العالم (الإنسان والطبيعة) سحره وجلاله وجميع عناصر القداسة والسر فيه وأصبح مادة محضة، وأصبح كل شيء فيه محسوباً. ويمكن السيطرة عليه وحوسلته. ولذا، فإن المصطلح يُترجَم أحياناً بعبارة «خيبة العالم» و«تَشيُّؤ العالم».
تجريد الإنسان من خصائصه الإنسانية
«تجريد الإنسان من خصائصه الإنسانية» ترجمة للكلمة الإنجليزية «دي هيومانايزيشن dehumanization» وهي تعني إنكار وقمع تلك الصفات والأفكار والنشاطات التي تُميِّز الإنسان عن غيره من الكائنات ومنع تحقيق الإمكانيات الإنسانية للإنسان (مقابل خصائصه الطبيعية المادية التي يشترك فيها مع غيره من الكائنات). ومن ثم، يمكن القول بأن العبارة مترادفة مع كلمة «اغتراب».
وتُستخدَم العبارة للإشارة إلى تلك الاتجاهات في الحضارة الحديثة التي تُجرِّد الإنسان من إنسانيته وتَحوِّله إلى شيء ضمن الأشياء، أي تستوعبه وتُسلِّعه وتُنكر عليه حرية الاختيار والمقدرة على التجاوز وتحقيق كليته الإنسانية المركبة المتجاوزة للحتميات الطبيعية المادية وللأنماط الطبيعية المتكررة.
ورغم أن الكلمة تتواتر في العلوم الاجتماعية الغربية لوصف جانب مهم من حياة الإنسان في العصر الحديث، فإنها تظهر بشكل واضح في الأدب والنقد الأدبي. فقد رصد الأدب الحداثي بعناية فائقة الكيفية التي يتحول بها الإنسان إلى ما هو دون الإنسان في "الأرض الخراب" التي تكِّون العصر الحديث.
أما في النقد الأدبي، فالموضوع أكثر تواتراً. وقد لاحظ لوكاتش ما سماه بسقوط الذات المتكاملة وسقوط الشخصية في الأدب، وهو ما يعبِّر عن تزايد معدلات تجريد الإنسان من خصائصه الإنسانية. فالشخصيات الأدبية في القرن التاسع عشر شخصيات لها سمات فريدة متكاملة تتطور فرديتها من خلال التفاعل الاجتماعي، أما شخصيات الأدب الحداثي فهي تعيش في عزلة كاملة بين عناصر مجردة متصارعة لا يستطيع الإنسان التحكم فيها أو تواجه ألغازاً لا حل لها أو عالماً عبثياً لا معنى له. ويُلاحظ لوكاتش أن الشخصية في الفن التعبيري والتكعيبي يتم تفكيكها ثم يعاد تركيبها على أسس هندسية ولكنها تختفي تماماً في الفنون التجريدية.
وهذا أيضاً هو الموضوع الأساسي في مقال خوزيه أورتيجا يي جاسيت (1883 ـ 1955) "تجريد الفن من الخصائص الإنسانية". فهو يرى أن الفن الغربي (حتى القرن التاسع عشر) كان يتعامل مع الواقع المعاش، ولذا كان ممتلئاً بمضمـونه الإنسـاني، وكانت الأفكار الفنية تشير إلى أشياء في عالم الطبيعة. أما في القرن العشرين، فقد جُرِّد الفن من خاصيته الإنسانية وأصبح فناً غير إنساني، لا لأنه لا يحتوي على أية سمات إنسانية وإنما لأنه متجرد بشـكل واع من أية خاصية إنسـانية. وتظهر لا إنسـانية هذا الفن في تحاشيه الأشكال الحية (بل اشمئزازه منها، وهو ما يُعبِّر عن اشمئزاز كامل من الحضارة الإنسانية بأسرها). وفي محاولة تحاشي أي مضمون إنساني أو حي، أصبح الفن يشبه اللعبة التي لا تخضع إلا لقوانينها هي. وهذا الفن لا يتعامل مع موضوعات الإنسان الكبرى وإنما هو فن صغير يرفض المحاكاة ويلجأ للرموز المغلقة ولكشف عناصر المفارقة. وهذا الفن لا رسالة له بل يؤكد أنه ليست له أية نتائج ذات طابع متجاوز. والسمة الأساسية هنا هي تراجع ما هو إنساني ومتعيِّن وحي وظهور ما هو نمطي شيئي مجرد، غير إنساني، واحديّ ماديّ.
إزاحة الإنسان عن المركز
«إزاحة الإنسان عن المركز» ترجمة للعبارة الإنجليزية «دي سنترينج مان decentering man» وهي عبارة تتواتر في الخطاب ما بعد الحداثي والتي تعني أن الإنسان قد وضع نفسه في مركز الكون وفرض نفسه كمرجعية نهائية عليه، دون وجه حق، ولذا تجب إزاحته عن المركز تماماً، بحيث يصبح مركز الكون إما الطبيعة/المادة وأية تنويعات عليها (في مرحلة الواحدية الموضوعية المادية الصلبة)، أو يصبح الكون بلا مركز (في مرحلة السيولة الشاملة(.
إسقاط السمات الشخصية
«إسقاط السمات الشخصية» ترجمة للكلمة الإنجليزية «دي بيرسونالايزيشن depersonalization» (وهي تشير إلى سمة في الحضارة الحديثة، وهي حضارة جماهيرية تتسم بالاتجاه نحو التنميط الذي ينتقل من عالم الأشياء إلى عالم الإنسان). والإنسان في المجتمع الحديث إنسان عملي مرن يحاول أن يتكيف مع واقعه، ولكن عملية التكيف هذه تعني في واقع الأمر تنميطه وفقدانه ما يُميِّزه كفرد متفرِّد حتى يصبح جزءاً من الحركة الجماهيرية، كتلة غير متميزة المعالم ليس له أية أبعاد جوانية، فهو سطح كامل لا شخصية له ولكنه قادر على أن يلعب أدواراً مختلفة بكفاءة عالية. على أن ما يساعد على إسقاط السمات الشخصية هو هيمنة النماذج البيروقراطية والكمية في المجتمعات الحديثة.
الداروينية الاجتماعية
«الداروينية» ترجمة لكلمة «داروينيزم Darwinism» الإنجليزية، ويُقال لها أيضاً «الداروينية الاجتماعية». وهي كلمة منسوبة إلى اسم تشارلز داروين (1731 ـ 1820). وهي فلسفة علمانية شاملة، واحدية عقلانية مادية كمونية تنكر أية مرجعية غير مادية، وتستبعد الخالق من المنظومة المعرفية والأخلاقية وتَرُد العالم بأسره إلى مبدأ مادي واحد كامن في المادة وتدور في نطاق الصورة المجازية العضوية والآلية للكون. والآلية الكبرى للحركة في الداروينية هي الصراع والتَقدُّم اللانهائي وهو صفة من صفات الوجود الإنساني. وقد حققت الداروينية الاجتماعية ذيوعاً في أواخر القرن التاسع عشر، وهي الفترة التي تَعثَّر فيها التحديث في شرق أوربا، وبدأ فيها بعض يهود اليديشية في تبنِّي الحل الصهيوني للمسألة اليهودية، كما بدأ التشكيل الإمبريالي الغربي يتسع ليقتسم العالم بأسره. ويمكن القول بأن الداروينية هي النموذج المعرفي الكامن وراء معظم الفلسـفات العلـمانية الشاملة، إن لم يكن كلـها.
ويرى دعاة الداروينية الاجتماعية أن القوانين التي تسري على عالم الطبيعة والغابة هي نفسها التي تسري على الظواهر الإنسانية، التاريخية والاجتماعية. وهم يذهبون إلى أن تشارلز داروين قد وصف هذه القوانين في كتابيه الكبيرين: حول أصل الأنواع من خلال الانتخاب الطبيعي و بقاء الأجناس الملائمة في عملية الصراع من أجل الحياة . وقد ذهب داروين إلى أن الكون بأسره سلسلة متواصلة في حالة حركة من أسفل إلى أعلى وأن الإنسان إن هو إلا إحدى هذه الحلقات، قد يكون أرقاها ولكنه ليس آخرها. ويرى داروين أن تَقدُّم الأنواع البيولوجية الحية يعتمد على الصراع من أجل البقاء الذي ينتصر فيه الأصلح. إن عالم داروين عالم مستمر مغلق لا ثغرات فيه ولا فراغات ولا مسافات، فكل حلقة تؤدي إلى التي تليها، تماماً كما هو الحال مع عالم إسبينوزا ونيوتن حيث تحرِّك كل عجلة العجلة التي بجوارها (وبالفعل، وصف أحدهم داروين بأنه نيوتن العلوم البيولوجية). وهكذا تؤدي اليرقة إلى القرد، والقرد إلى الإنسان بطريقة آلية (تماماً كما تتحرك الأجسام تحت تأثير قانون الجاذبية وكما تتحول الأفكار الجزئية إلى أفكار كلية بطريقة آلية في منظومة لوك).
وهذا هو تَصوُّر داروين أو فرضيته. ولكنه كان في واقع الأمر عاجزاً تماماً من الناحية العلمية عن إثبات كثير من فرضياته. ولذا فهناك حديث عن الحلقة المفقودة، وهي تعني وجود مسافة بين القرد والإنسان، ولذا فقد تحدثوا عن الطفـرة بمعنى سَد الثغرة في الزمان بدون سـبب واضح، وتم فرض الاستمرارية والواحدية دون وجود شواهد مادية علمية. ومع هذا، ذهب دعاة الداروينية الاجتماعية إلى أن فرضية داروين نظرية وحقيقة علمية، ثم نقلوا هذه الفرضية من عالم الطبيعة إلى عالم الإنسان، وقرروا أن العلاقة بين الكائنات الحية في الطبيعة لا تختلف عن العلاقات بين الأفراد داخل المجتمعات الإنسانية، ولا عن العلاقات بين المجتمعات والدول. وعلى هذا، تم استخدام النموذج الدارويني لا لتفسير الطبيعة/المادة وحسب وإنما لتفسير حياة الإنسان الفرد في المجتمعات، وفي تفسير العلاقات بين الدول والمجتمعات على المستوى الدولي.
وقد وُظِّفت الداروينية الاجتماعية في تبرير التفاوت بين الطبقات داخل المجتمع الواحد وفي الدفاع عن حق الدولة العلمانية المطلقة وفي تبرير المشروع الإمبريالي الغربي على صعيد العالم بأسره. فالفقراء في المجتمعات الغربية وشـعوب آسـيا وأفريقيا (والضعفاء على وجه العموم) هم الذين أثبتوا أن مقدرتهم على البقاء ليست مرتفعة، ولذا فهم يستحقون الفناء أو على الأقل الخضوع للأثرياء ولشعوب أوربا الأقوى والأصلح.
ويمكن تلخيص الأطروحات الأساسية في الداروينية الاجتماعية على النحو التالي:
1 ـ كل الأنواع العضوية ظهرت من خلال عملية طويلة من التطور، وهي عملية حتمية شاملة تشمل كل الكائنات (وضمن ذلك الإنسان) وكل المجتمعات في المراحل التاريخية كافة.
2 ـ العالم كله في حالة تَطوُّر دائم، وهذا التطور يتبع نمطاً واضحاً متكرراً رغم أن التطور قد يكون بطيئاً وغير ملحوظ أحياناً، وقد يأخذ شكل طفرة فجائية واضحة أحياناً أخرى.
3 ـ تتم عملية التطور من خلال صراع دائم بين الكائنات والأنواع. فالصراع دموي حتمي، وهو صراع جماعي لا فردي.
4 ـ السبب الذي يؤدي إلى تَغيُّر الأنواع هو الاختيار الطبيعي الذي يؤثر في جماعات الكائنات العضوية ويترك عليها آثاراً مختلفة.
5 ـ الكائن أو النوع الذي ينتصر على الكائنات والأنواع الأخرى، ويحقق البقاء المادي لنفسه، يثبت بالتالي أنه أرقى من الأنواع الأخرى إذ حقق البقاء على حسابها، فبقي هو بينما كان مصيرها الفناء.
6 ـ تحقِّق الكائنات البقاء إما من خلال التكيف (البرجماتي) مع الواقع فتتلون بألوانه وتخضع لقوانينه، أو تحققه من خلال القوة وتأكيد الإرادة (النيتشوية) على الواقع، والبقاء من نصيب الأصلح القادر على التكيف والأقوى القادر على فرض إرادته. ومن أشكال التكيف، الانتقال من التجانس (البسيط) إلى اللاتجانس (المركب).
7 ـ مهما كانت آلية البقاء، لا علاقة لها بأية قيم مطلقة متجاوزة، مثل الأمانة أو الأخلاق أو الجمال، فالبقاء هو القيمة المحورية في المنظومة الداروينية التي تتجاوز الخير والشر والحزن والفرح.
8 ـ النوع الذي ينتصر يورث الخصائص التي أدت إلى انتصاره (سر بقائه) إلى بقية أعضاء النوع، بمعنى أن التفوق يصبح عنصراً وراثياً.
9 ـ هذا يعني استحالة وجود مساواة مبدئية بين الأنواع أو بين أعضاء الجنس البشري.
10 ـ مع تزايد معدلات التطور، تصبح هناك كائنات أكثر رقياً من الكائنات الأخرى بحكم بنيتها البيولوجية، ومن ثم يصبح للتفاوت الثقافي أساس بيولوجي حتمي.
ولعله لا توجد فلسفة أثرت في عصرنا الحديث أكثر من الفلسفة الداروينية، كما لا توجد فلسفة بلورت الرؤية العلمانية للكون أكثر من الفلسفة الداروينية:
1 ـ فقد رسخت الفلسفة الداروينية أفكار الواحدية المادية التي تذهب إلى أن العالم إن هو إلا مادة واحدة صدر عنها كل شيء، مادة خالية من الغرض والهدف والغاية ولا توجد داخلها مطلقات متجاوزة من أي نوع. فالعالم طبيعة، والطبيعة محايدة لا تعرف الخير أو الشر أو القبح أو الجمال. ولا توجد أية ثغرات في الكون إذ أن المنطق المادي حتمي شامل يشمل كل شيء. ولا توجد ثنائيات في الكون إذ يُرَد كل شيء إلى المادة ويُفسَّر كل شيء بالتطور المادي. ومع هذا، توجد الثنائيات الاجتماعية الصلبة: الأقوياء/الضعفاء ـ الأثرياء/الفقراء ـ السادة/العبيد ـ القادرون على البقاء/ضحايا الصراع.
2 ـ الإنسان إن هو إلا جزء من هذه الطبيعة وهذه المادة، وقد صدر هو أيضاً عنهما من خلال عملية التطور، إذ لا يوجد سوى قانون طبيعي واحد يسري على الإنسان والأشياء، فالوجود الإنساني نفسه يتحقق من خلال الآليات التي يتحقق من خلالها وجود كل الكائنات الأخرى، أي الصراع والقوة والتكيف. وهو وجود مؤقت، تماماً مثل مكانته في قمة سلم التطور، إذ أنه حتماً سيفقد مكانته هذه من خلال سلسلة التطور التي دفعته إلى القمة. بل يمكن القول بأن الأميبا من منظور تطوري صـارم أكثر تميزاً من الإنسـان لأنها حققت البقاء لنفسها مدة أطول من الإنسـان. والإنسان، شأنه شأن الأميبا، لا يتمتع بأية حرية ولا يحمل أية أعباء أخلاقية، فالقوانين الأخلاقية هي مجرد تَطوُّر لأشكال من السلوك الحيواني الأقل تطوراً والحرص الغريزي على البقاء البيولوجي. وهذا يعني أن القانون الأخلاقي، وكل القوانين، هي قوانين مؤقتة نسبية، ترتبط بحلقة التطور التي أفرزتها، ولذا يتم الاحتفاظ بالقوانين طالما أنها تخدم المرحلة. ومن ثم فإن الأخلاق المطلقة تقف ضد التقدم العقلاني المادي، وخصوصاً إذا كانت أخلاقاً دينية تدعو إلى حماية الأضعف والأقل مقدرة إلى الإشفاق عليه والعناية به. وهذا يعني أن كل الأمور نسبية تماماً ولا توجد أية مطلقات، ولذا يمكن القول بأن النظرية الداروينية هي الأساس العلـمي للفـكر النسبي. وإذا كان التـطور يتم أحياناً عن طريق الصـدفة، وتحــدده الحـوادث العارضة، فيمكن القول بأن النظرية الداروينيـة هي أيضاً أساس الفكر العبثي.
3 ـ إذا كان الأمر كذلك، فإن أفضل طريقة لتفسير سلوك الإنسان ووجوده لا يمكن أن تتم إلا من خلال النماذج الطبيعية المادية، ومن هنا حتمية وحدة العلوم. وإذا كان للظاهرة تاريخ، فهو تاريخ مادي يمكن دراسته من خلال دراسة بنية الظاهرة المادية. وقد قام داروين نفسه بتفسير الظواهر البيولوجية من خلال دراسة تاريخها البيولوجي. وكما قال أحد الباحثين فإن هذا يعني في واقع الأمر عدم وجود أي فارق أساسي بين مجموعة من الشبان الذين يختطفون فتاة ويغتصبونها ثم يقتلونها وقطيع من الذئاب تهاجم ظبياً وتلتهمه. فكلاهما تدفعه غريزة طبيعية مادية قوية. ولعل الفارق الثانوي الوحيد أن الشبان قد هاجموا عضواً من نفس نوعهم، وهو الأمر الذي يعوق عملية البقاء (وهذا هو المنطق الوحيد المقبول في إطار دارويني عقلاني مادي).
4 ـ ورغم الواحدية المادية التي تَصدُر عنها الداروينية، ورغم رفضها لأن تكون أية نقطة متجاوزة للمادة مصدراً للحركة، ورغم أنها تفترض عدم وجود مخطط إلهي وراء الكون، فإنها مع هذا كله تفترض وجود غائية طبيعية كالتطور باعتبـاره حركة من نقطة أدنى إلى نقطة أعلى ومن التجانس البسيط إلى اللاتجانس المركب، حركة حتمية تماماً مثل التقدم الحتمي الذي تفترضه معظم الأيديولوجيات العلمانية. والغائية التي يطرحها داروين غائية غير متجاوزة تأخذ شكل إيمان بأن هناك غاية كامنة في الطبيعة نفسها. لكن هذه الغائية قد تكون زيادة في التركيب والتطور من البسيط إلى المركب، وقد تكون شيئاً يُسمَّى «إرادة الحياة» أو «القوة»، وقد يكون شكلاً من أشكال الوعي ظهر بالصدفة من خلال عملية كيماوية زادت المادة تركيباً. والمهم أن التطور، مهما بلغ بالكائنات من ارتفاع ورقي، فليس ثمة تجاوز إذ أن كل شيء (وضمن ذلك الإنسان) أصله مادي ويُرَد إلى المادة. وينطبق الشيء نفسه على نظرية الأخلاق، فالبقاء هو القيمة الوحيدة، والصراع هو الآلية، والأنانية وحب الذات هما مصدر الحركة، ولذا فإن العالم هو ساحة قتال بين الذئاب من البشر (والإنسان ذئب يفترس أخاه الإنسان) وبين الأمم التي لابد أن تصرع بعضها بعضاً لغاية البقاء، فهي حرب الجميع ضد الجميع. ولا توجد قيمة مطلقة لأي شيء، إذ أن ما يحدد القيمة هو القدرة على الصراع والبقاء. ويمكن القول بأن النظرية الداروينية هي خليط من الصورة المجازية العضوية والصورة المجازية الآلية، فالكون في حالة تَطوُّر عضوي مستمر، يتبع نمطاً ثابتاً لا يتغيَّر، ومن ثم لا يختلف التطور العضوي عن الحركة الآلية في النمطية أو الرتابة.
وقد تبدَّت هذه المنظومة الداروينية بشكل واضح في الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية، من إنكار قيمة أي شيء أو أية مرجعية متجاوزة إلى تأكيد ضرورة التنافس والصراع والإصرار على حرية السوق وآلياته وعدم تدخُّل الدولة بحيث يهلك الضعفاء ولا يبقى سوى الأقوياء. والإمبريالية هي تدويل للرؤية الداروينية حيث أصبح العالم كله سـوقاً، مسرحاً لنشـاط الإنسـان الأبيـض المتفـوق الذي أباح لنفسـه قتل الآخر ضماناً لبقائه وتأكيداً لقوته. وقد ساهمت الداروينية أيضاً في تزويد النظريات العرْقية الغربية والتجارب الخاصة بتحسين الأجناس والنسل والقتل الرحيم على أساس علمي.
كما هيمنت النظرية التطورية (ذات الأصل الدارويني) على العلوم الاجتماعية. فالإيمان بالتقدم والحتمية التاريخية جميعها أشكال من التطورية. وهناك كثير من النظريات التاريخية والاجتماعية تُعَد تطبيقات لمبدأ التطور من التجانس البسيط إلى اللاتجانس المركب. فقد درس هربرت سبنسر التاريخ باعتباره تطوراً من المجتمع العسكري إلى المجتمع الصناعي، ورآه دوركهايم تطوراً من التضامن الميكانيكي إلى التضامن العضوي، ورآه ماركس تطوراً من الشيوعية البدائية إلى الشيوعية المركبة (عبر حلقات محددة: المجتمع العبودي فالإقطاعي فالرأسمالي فالاشتراكي). بينما بيَّن أوجست كونت أن التطور هو تَطوُّر من مجتمع يستند إلى السحر إلى مجتمع يستند إلى الدين وصولاً إلى المجتمع الحديث الذي يستند إلى العلم. والفكر العرْقي الغربي هو فكر تطوري إذ يرى أن الإنسان الأبيض هو آخر حلقات التطور وأعلاها، ولذا فله حقوق معينة. وقد تبلور الفكر التطوري العرْقي في الأيديولوجيا النازية التي تبنت تماماً فكرة وحدة العلوم وَطبَّقت القوانين الطبيعية بصرامة على الكافة، وحاولت الاستفادة من قوانين التطور من خلال قواعد الصحة النازية (إبادة المعوقين والمتخلفين عقلياً وأعضاء الأجناس الأخرى) ومن خلال محاولات تحسين النسل عن طريق التخطيط وعقد زيجات أو تنظيم علاقات إخصاب تؤدي إلى إنجاب أطفال آريين أصحاء.
والفكر الصهيوني، مثله مثل الفكر النازي، ترجمة للرؤية الداروينية، فالصهاينة قاموا بغزو فلسطين باسم حقوقهم اليهودية المطلقة التي تَجُبُ حقوق الآخرين، كما أنهم جاءوا إلى فلسطين ممثلين للحضارة الأوربية يحملون عبء الرجل الأبيض. وهم، نظراً لقوتهم العسكرية، يملكون مقدرة أعلى على البقاء. أي أنهم جاءوا من الغرب مسلحين بمدفعية أيديولوجية وعسكرية داروينية علمانية ثقيلة، وقاموا بتسوية الأمور من خلال الموقع
الدارويني النيتشوي فذبحوا الفلسطينيين وهدموا قراهم واستولوا على أراضيهم، وهي أمور شرعية تماماً من منظور دارويني علماني، بل واجبة. ولعل تَأثُّر معظم المفكرين الصهاينة بنيتشه أمر له دلالته في هذا المقام.
الاغــــــتراب
«الاغتراب»(ويشار إليه أيضاً بـ «الاستلاب») ترجمة للكلمة الإنجليزية «إلينيشن alienation» التي تعني ببساطة «حالة انفصال» أو «غربة» أو «استلاب» والإحساس بأن الإنسان ليس في بيته وموطنه أو مكانه (ومن هنا نقول "الغريب أو المسافر يشعر بالغربة"). وهي من الفعل اللاتيني «إليناري alienare» بمعنى «ينزع» و«يأخذ عنوة» (من كلمة «إلينوس alienus» اللاتينية، أي «ينتمي إلى شخص آخر أو مكان آخر» من كلمة «أليوس alius» التي تعني «الآخر»). وقد تبلور معنى الكلمة ليشير إلى تلك الحقوق التي يتمتع بها المواطن ولا يملك أحد نزعها (كما في العبارة الإنجليزية: «إناليانبل رايتس inalienable rights» أي «الحقوق الثابتة». وتعني الكلمة في الطب «الاضطراب العقلي الذي يجعل الإنسان غريباً عن ذاته ومجتمعه ونظراته». أما في الفلسفة فإن الكلمة تشير إلى «غربة الإنسان عن جوهره وتنزُّله عن المقام الذي ينبغي أن يكون فيه»، كما تشير إلى «عدم التوافق بين الماهية والوجود»، فالاغتراب نقص وتشويه وانزياح عن الوضع الصحيح.
ومع عصر النهضة وظهور المرجعية المادية الكامنة تمت علمنة معنى الاغتراب، فاغتراب الإنسان هو اغترابه عن ذاته وجوهره الإنساني وعن إمكانياته الإنسانية وعن الآخرين (المجتمع). فالاغتراب في فلسفة هوبز مسألة خاصة بعلاقة الفرد بالمجتمع. فحالة الطبيعة هي حالة تربص ذئبية كاملة ولا يستطيع الإنسان أن يحقق أمنه وبقاءه (الحالة الإنسانية) إلا من خلال الدولة/التنين، فكأن الإنسان يمكنه أن يتجاوز الاغتراب من خلال الدولة العلمانية. أما روسو فقد رأى أن الاغتراب هو انقطاع الإنسان عن طبيعته الأصلية التي يمكن أن تكون إما أصوله البدائية أو طبيعته الجوهرية الثابتة، والتغلب على الاغتراب هو العودة إلى هذا الجوهر (الثابت أو البدائي). ولعل طرح هيجل للموضوع هو أهم الأطروحات الحلولية الكمونية العلمانية. فالاغتراب عنده هو انفصال الجزء عن الكل، ويحدث هذا عندما يقوم العقل المطلق (الفكرة المطلقة ـ الإله) بخلق الطبيعة والإنسان، فهو بذلك قد طرح جزءاً منه خارجه وأصبح هذا الجزء غريباً عنه (وهذا ما يُسمَّى باغتراب الوعي عن عالم الطبيعة والأشياء الطبيعية، وانقسام الذات عن الموضوع) والخلاص هو عملية إنهاء الغربة وحالة النفي. وهي حالة لا يستطيع الإله أن يقوم بها إذ لابد للإنسان أن يقوم بها فيعيد للإله (العقل المطلق) سيطرته على الطبيعة من خلال فهمه لها وسيطرته عليها وتوحده بها (التوصل للغنوص) بحيث تصبح الذات موضوعاً والعقل واحداً مع الطبيعة، أي أن العقل المطلق يستعيد الطبيعة من خلال فهم العقل المتناهي (الإنسان) لها والسيطرة عليها. وليس التاريخ سوى محاولة الإنسان الدائبة أن يتعرف على الطبيعة ومن ثم تنمية وعيه بالمطلق.
وقد رفض فيورباخ وحدة الوجود الروحية وطرح بدلاً منها وحدة وجود مادية، فأنكر أن يكون الإنسان إلهاً مغترباً عن ذاته، فالعكس هو الصحيح، فالإنسان خلق الإله وأسقط عليه جوهره الإنساني ثم خرّ له ساجداً وكأن الإله هو الذي خلقه. ولذا، لكي يتجاوز الإنسان غربته، عليه أن يُسقط فكرة الإله ويكتشف جوهره الإنساني.
وافق ماركس على موقف فيورباخ وأضاف أن الغربة الدينية ليست إلا أحد أشكال غربة الإنسان عن ذاته، فالإنسان هو الذي يصنع طبيعته ويصوغها (فهو ليس له طبيعة أصلية أو جوهرية). ولكنه بدلاً من أن يركز على مظهره الإنساني فإنه يخلق الإله من نفسه (كما يقول فيورباخ) والأكثر من هذا أنه يخلق من نفسه كذلك قوانين ومبادئ ومؤسسات اجتماعية وفلسفات وسلعاً مادية ورؤوس أموال وينفصل عنها فيشعر بالاغتراب وكأنها لم تكن له وكأنه ليس خالقها، ثم يبث فيها من روحه حتى تدب فيها الحياة فتتوثن هي ويتشيأ هو فتستحيل مخلوقات مستقلة يقوم هو بعبادتها. فالإنسان المغترب عن ذاته ليس في الحقيقة إنساناً، فهو لم يعرف نفسه ولم يع تاريخه أو إمكانياته. أما الإنسان غير المغترب، فهو الإنسان الحقيقي الذي يتجاوز حالة الانفصال هذه ويتحكم في الطبيعة وفي كل ما تنتجه يداه، ويحقق لنفسه الحرية ويتحكم في مصيره.
وأسباب الاغتراب عند ماركس ذات طبيعة اقتصادية مادية كامنة في علاقات الإنتاج والهيمنة الطبقية:
1 ـ يغترب الإنسان عن عمله في المجتمع الرأسمالي لأنه يبيعه.
2 ـ يغترب الإنسان عن طبيعة عمله نفسها، فبدلاً من أن يكون العمل مصدراً لتحقيق ذاته وتجسيداً لقواه الإبداعية، فإنه في المجتمع البورجوازي يصبح شكلاً من أشكال السخرة.
3 ـ يغترب الإنسان عن الآخرين لأن جوهر العلاقات الاجتماعية في النظام الرأسمالي هو التنافس.
4 ـ يغترب الإنسان عن الطبيعة الإنسانية الجوهرية ويغترب أيضاً عن فكرة الكل وما يميِّز الإنسان عن الحيوان هو أن الحيوان يتكيف مع بيئته، أما الإنسان فإنه يسيطر عليها بوعي. وتحت حكم الرأسمالية، يفقد العامل عنصر السيطرة ويصبح في مرتبة الحيوان (أي أن المرجعية الإنسانية المتجاوزة تتهاوى لتحل محلها المرجعية الكامنة في الحيوان).
ويمكن إلغاء حالة الاغتراب من خلال الثورة وتغيير علاقات الإنتاج فيصبح العامل حراً ليعبِّر عن إمكانياته الإبداعية التي يجسدها ثمرة عمله، ولن تصبح حياة الإنسان شظايا مفتتة بل سيصبح كلاً متكاملاً.
وثمة مشكلة أساسية في مفهوم ماركس للاغتراب وبخاصة جوهر الإنسان، وتتلخص فيما يلي: هل جوهر الإنسان محايث للإنسان من حيث هو إنسان، أي جوهر مطلق (متجاوز) لا يخضع في تحديده إلى التاريخ أو إلى الشروط الاجتماعية، أم أن الجوهر الإنساني هو محصلة للعلاقات الاجتماعية ومن ثم يؤدي تغيير هذه العلاقات إلى تغييره، وعليه لا يكون الجوهر الإنساني محايثاً للإنسان بل خاضعاً للتحديدات الاجتماعية، ومن ثم يجب عدم الحديث عن جوهر إنساني وينتهي أساس التجاوز الإنساني؟ يبدو أن ماركس، في أواخر حياته وبعد فترة تأرجح طويلة، حسم القضية لصالح إنكار الجوهر تماماً إذ قال: " لا تنطلق طريقتي في التحليل من الإنسان بل من الفترة الاجتماعية المعطاة اقتصادياً". وهذا ما فعله ستالين وألتوسير حينما أكدا العنصر الاقتصادي المادي.
ولم يقنع علم الاجتماع الغربي بالتفسير الاقتصادي للاغتراب وطرح السؤال عما إذا كان الاغتراب حالة إنسانية دائمة أم حالة مؤقتة؟ أي أن السؤال هو: هل يمكن تجاوز الاغتراب تماماً أم لا؟ وإذا كان جوهر المنظومة العلمانية هي التقدم وتراكم المعرفة والسلع وتزايد التحكم في الذات والطبيعة، فهل يؤدي التقدم إلى تناقص الاغتراب أم تزايده؟ يرى فرويد، على سبيل المثال، أن الاغتراب هو اغتراب عن اللبيدو (ودوافع الإنسان الجنسية)، ومن ثم فإن الاغتراب مرتبط تماماً بالحضارة ومتطلباتها وأن إنهاء الاغتراب أمر مستحيل حتى لو تم إلغاء المجتمع الطبقي. ويرى الوجوديون أن الاغتراب حالة نهائية، فكل إنسان يحيا ويموت وحيداً، غريباً عن نفسه وعن الآخرين.
وثمة ارتباط (وأحياناً ترادف) بين التشيؤ والتوثن والاغتراب يظهر في بعض جوانب المجال الدلالي للاغتراب:
1 ـ فالاغتراب هو فقدان الإنسان العلاقة مع مشاعره الإنسانية الدفينة العميقة واحتياجاته الإنسانية.
2 ـ الاغتراب يعني إحساس الإنسان بتزايد هيمنة الإجراءات البيروقراطية اللا شخصية على حياته (بل إن ثمة ترابطاً بين الاغتراب والترشيد في الإطار المادي).
3 ـ الاغتراب يعني إحساس الفرد بالعجز وشعوره بأنه غير قادر على التأثير في المواقف الاجتماعية المحيطة به.
4 ـ الاغتراب هو الإحساس بالعزلة وانفصال الفرد عن تيار الثقافة السائد.
5 ـ الاغتراب هو الإحساس بغياب المعنى واللا معيارية.
ولعل إبهام مصطلح «الاغتراب» يعود إلى تأرجح مضمونه بين «المرجعية المتجاوزة» و«المرجعية المادية الكامنة»، وإلى أن الحقل الدلالي متشعب يصف جوانب متعددة للظاهرة التي نشير إليها بمصطلح «العلمانية الشاملة».
اللامعيارية (اللاعقلانية المادية(
»اللامعيارية» (التي يُشار إليها أيضاً بـ «التفسخ») هي ترجمة للكلمة الفرنسية أو الإنجليزية «أنومي anomie» التي تُستخدَم بالهجاء الفرنسي في كلتا اللغتين، وهي من كلمة يونانية تعني «بلا قانون» أو «ناموس». والكلمة تعني فقدان المعايير وغياب أي اتفاق جوهري أو إجماع بشأنها في المجتمع الحديث (الذي تتآكل فيه القيم والتقاليد). وكان دوركهايم أول من َطوَّر المصطلح فبيَّن أن حالة اللامعيارية تنشأ في حالة انتقال المجتمع من التضامن الآلي إلى التضامن العضوي قبل اكتمال مؤسسات المجتمع العضوي. ويذهب دوركهايم إلى أن السعادة البشرية والنظام الاجتماعي يعتمدان على درجة من التنظيم الاجتماعي من قبَل المجتمع وعلى الإجماع، وبدونهما تسقط الطبيعة البشرية فريسة "لمرض التطلع اللامتناهي" ويفشل المجتمع في تحقيق الطمأنينة لأعضائه. ومما يزيد الأمر سوءاً أن المؤسسات الوسيطة التي تُوجَد في المجتمعات التقليدية تختفي تماماً في العصر الحديث، الأمر الذي يترك الفرد وحيداً في مواجهة حالة اللامعيارية هذه. وأحد أشكال تزايد معدلات اللامعيارية هو تزايد معدلات الانتحار.
ويُستخدَم الاصطلاح أحياناً كمرادف لمصطلح «الاغتراب» حيث يصبح الفرد بلا جذور فيفقد الاتجاه، ويسبب له هذا اختلالاً نفسياً. وقد عدَّل روبرت مرتون معنى كلمة «أنومي» قليلاً. فبدلاً من الحديث عن غياب المعيارية، تحدَّث عن الصراع بين المعايير، أي أن حالة الأنومي تظهر حينما يواجه المرء أهدافاً غير متسقة في حياته، أو حينما يُطرَح عليه حلم مستحيل (هدف نهائي دون توفير الوسائل التي تُمكِّنه من تحقيق الهدف)، أو حينما تتناقض الأهداف الاجتماعية مع المقاييس السلوكية التي تساعد على تحقيقها. ففي الولايات المتحدة ـ على سبيل المثال ـ يؤكد الحلم الأمريكي أن تحقيق الثروة هو الهدف من الحياة، وهو ما عُبِّر عنه بمقولة "من الأسمال إلى الثروة"، ولكن الوسائل المتاحة لتحقيق هذا محدودة جداً والفرد الأمريكي لا يتمكن من تحقيق حلمه من خلال القنوات الشرعية مهما قمع ذاته وبذل من تضحيات (على عكس ما تزعمه الأسطورة). ولذا، تبدأ حالة الأنومي في الظهور ويلجأ الفرد لوسائل غير مشروعة مثل الانحراف والجريمة وتعاطي المخدرات، إما لتحقيق الهدف المستحيل أو لتحقيق التوازن الذي فقده الإنسان نتيجة الحلم المستحيل.
ويمكن أن نضيف إلى كل هذا اكتشاف الفرد تفاهة الحلم أو المثل الأعلى الذي يسعى إلى تحقيقه. ففي المجتمعات الاستهلاكية، كثيراً ما يقوم الفرد بعملية قمع هائلة لإنسانيته وتلقائيته ويحقق النجاح المنشود ويصل إلى الفردوس الأرضي ويحقق الثراء ويمتلك كل ما يفترض فيه أنه سيحقق السعادة له (منزلاً كبيراً ـ منزلاً صيفياً ـ قارباً ـ سيارتين ـ زوجة ـ طفلين ـ كلب.. إلخ). ولكنه يكتشف أن ثمة فراغاً في حياته، وأنه لا يمارس أي إشباع روحي رغم النجاح المادي الكامل (فالنجاح لم يحقق جوهره الإنساني المتكامل المركب المتجاوز). وهنا يصاب المرء بحالة الأنومي، فيتمرد على وضعه بأن يقرر أن يجرب الفشل بدلاً من النجاح، والفقر بدلاً من الثراء، والحياة البوهيمية بدلاً من الانضباط الشديد الذي أدى إلى نجاحه.
ويمكن أن نطور المصطلح ليكتسب بُعداً معرفياً ونقول إن اللامعيارية إمكانية كامنة في النماذج المادية التي تطمح لأن يولِّد الإنسان المعيارية إما من عقله أو من الطبيعة/المادة. ومن خلال التطور يكتشف الإنسان أن عقله بدون مرجعية يدور حول ذاته ويُقدس القوة وأن الطبيعة/المادة هي حركة بلا غاية أو هدف ومن ثم لا تَصلُح مصدراً للمعيارية. ومن ثم يتم الانتقال من العقلانية المادية إلى اللاعقلانية المادية ومن التحديث والحداثة إلى ما بعد الحداثة، واللامعيارية هي جوهر ما بعد الحداثة.
الباب السادس: مصطلحات جديدة لبلورة النموذج الكامن
العلمنة البنيوية الكامنة
»العلمنة البنيوية الكامنة» مصطلح قمنا بسكه لوصف أهم أشكال العلمنة وأكثرها ظهوراً وشيوعاً. وقد يكون من المفيد أن نبدأ بأن نُذكِّر أنفسنا بحقيقة بديهية وهي أن كل الأشياء المحيطة بنا، المهم منها والتافه، تُجسِّد نموذجاً حضارياً متكاملاً يحوي داخله إجابة عن الأسئلة الكلية النهائية. فإن كانت هذه الأشياء تُجسِّد الرؤية العلمانية الشاملة، فإنها ستقوم بإعادة صياغة وجدان وأحلام ورغبات الناس (حياتهم الخاصة) وتعلمنهم بشكل شامل، دون أن يشعروا بذلك، من خلال عمليات في غاية التركيب والكمون.
وفي دراستنا للعلمانية عادةً ما نركز على التعريفات والمصطلحات المعجمية وعلى المخططات الثقافية والممارسات الواضحة وننسى أن العلمنة تتم من خلال منتجات حضارية يومية وأفكار شائعة وتحولات اجتماعية تبدو كلها بريئة أو لا علاقة لها بالعلمانية أو الإيمانية، ولكنها، في واقع الأمر، تخلق جواً خصباً مواتياً لانتشار الرؤية العلمانية الشاملة للكون، وتصوغ سلوك من يتبناها وتوجِّهه وجهة علمانية ولذا فهي «علمنة بنيوية وكامنة». وقد وصفناها بأنها «بنيوية» لأن سمات المنتج الحضاري أو الأفكار أو التحولات التي تقوم بعملية العلمنة هي جزء عضوي من بنية هذا المنتج وهذه الأفكار وهذه التحولات لا تضاف إليه، ولا يمكن استخدام هذا المنتج أو تبنِّي هذه الأفكار أو خوض هذه التحـولات دون أن يجـد الإنسـان نفسـه متوجـهاً توجُّهاً علمانياً شـاملاً. والصفات البنيوية عادة ما تكون كامنة، غير ظاهرة أو واضحة، وهي من الكمون والتخفي لدرجة أن معظم من يتداولون المنتجات الحضارية ويستبطنون الأفكار البريئة ويعيشون في ظلال التحولات الانقلابية التي تؤدي إلى توليد الرؤية العلمانية غير مدركين لأثرها. بل إن كثيرين ممن يساهمون في صنع هذه المنتجات وصياغة هذه الأفكار وإحداث هذه الانقلابات قد يفعلون ذلك وهم غير مدركين لتضميناتها الفلسفية ودورها القوي في صياغة الإدراك والسلوك. ولذا يمكن أن يكون هناك مجتمع يتبنى بشكل واضح ظاهر أيديولوجية دينية، أو رؤية علمانية جزئية، ولكن عمليات العلمنة الشاملة البنيوية الكامنة من القوة بحيث إنها توجِّه المجتمع وجهة مغايرة تماماً لا يشعر بها أعضاء المجتمع أنفسهم.
ولنحاول أن نضرب بعض الأمثلة:
1 ـ التحولات الاجتماعية:
من المعروف أن الاتحاد السوفيتي كان دولة تؤمن بعقيدة علمانية شاملة محددة واضحة ذات طابع إلحادي مادي هجومي. ويرى البعض أن هذه الدعاية الإلحادية في الاتحاد السوفيتي هي التي تسببت في هيمنة العلمانية الشاملة. ولكن الدراسة المتعمقة تُبيِّن أن عمليات العلمنة تمت أساساً في واقع الأمر من خلال عمليات التصنيع والتمدن «إربانيزيشن urbanization»، أي «انتشار نمط الحياة في المدن»، مثل تركيز البشر في رقعة محدودة، وظهور أشكال جديدة من التضامن غير الأشكال القبلية أو القروية أو الأسرية، وتَسارُع إيقاع الحياة، وانتشار المصنع (والسوق) كوحدات أساسية ومركزية، وهكذا فقد خلقت هذه التطورات البنيوية استعداداً ذهنياً ونفسياً لدى المواطن السوفيتي للتعامل مع الواقع بشكل هندسي كمي، وخلقت التربة الخصبة التي ينمو فيها الإيمان بأن الواقع إن هو إلا مادة نسبية تُوظَّف لتعظيم اللذة وزيادة المنفعة المادية، وبأن القيم الأخلاقية نسبية، وبأن البقاء للأصلح، أي أن بنية المجتمع نفسها تُولِّد رؤية معرفية أخلاقية علمانية بغض النظر عن نطاق الدعاية الإلحادية الصريحة. وقد تمت علمنة المجتمع السوفيتي من خلال هذه العمليات التي تبدو بريئة تماماً.
ويمكننا الآن أن نقارن بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة. فلو كانت الدعاية الإلحادية وإشاعة الأفكار العلمانية الواضحة هي سبب علمنة الاتحاد السوفيتي لكانت معدلات العلمنة في الاتحاد السوفيتي تفوق المعدلات السائدة في الولايات المتحدة كثيراً. فالولايات المتحدة تسمح بحرية العقيدة وبالتبشير وبالدعاية الدينية، وعدد الكنائس في الولايات المتحدة كبير جداً. وحتى عهد قريب كان من المستحيل على أحد أعضاء النخبة الحاكمة أن يُجاهر بإلحاده ويحتفظ بمنصبه. ولا يزال هذا الوضع قائماً في كثير من الولايات، ولا يزال كثير من الساسة يحرصون على حضور الصلوات يوم الأحد، بل إن الدولار الأمريكي متوج بعبارة "نحن نثق بالإله". رغم كل هذا سنكتشف أن الولايات المتحدة هي أكثر البلاد علمنة بلا منازع. وهذا يعود إلى مركب من الأسباب من أهمها التغيرات البنيوية الضخمة (التي ليس لها نظير في أي مجتمع) التي أدَّت إلى تزايد التصنيع والتمدن وتَسارُع إيقاع الحياة بمعدلات تفوق المعدلات السائدة في الاتحاد السوفيتي.
ويمكن القول بأن ظهور الدولة المركزية من أهم أشكال العلمنة البنيوية الكامنة. فالدولة المركزية، نظراً لطبيعتها وبنيتها، لا يمكنها أن تتعامل مع الجماعات الصغيرة أو الوحدات الاجتماعية التي تتمتع بقدر من الخصوصية، فالتعامل مع الوحدات الكبيرة أمر أيسر بكثير بالنسبة لها، ولذا فهي تميل نحو التنميط والترشيد في إطار النماذج الكمية والمادية. وهذا إما أن يؤدي إلى علمنة المجتمع أو إلى خلق تربة خصبة لتقبل العلمانية. وكثيرون ممن تبنوا نمط الدولة المركزية القومية لم يكونوا مدركين لهذه الخاصية البنيوية اللصيقة بها.
2 ـ الأفكار التي تبدو محايدة بريئة:
كثير من الأفكار التي تبدو محايدة بريئة تماماً، لا علاقة لها بأية أيديولوجيـة، تضمر في واقع الأمر الرؤية العلمانية الشاملة. ففكرة الإنسان الطبيعي والقول بوحدة (أي واحدية) العلوم وتبني النماذج الموضوعية المادية في تفسير ظاهرة الإنسان وفكرة نهاية التاريخ والمنظومات الحلولية وخطاب التمركز حول الأنثى (انظر: «الإنسان الطبيعي(المادي) » ـ «وحدة العلوم» ـ «هيمنة النماذج البيروقراطية والكمية» ـ «نهاية التاريخ») هي في تصوُّري الأساس الصلب للرؤية العلمانية الشاملة، ومع هذا فإن كثيرين ممن قاموا بالترويج لهذه الأفكار ولغيرها لم يدركوا النماذج الكامنة وراءها.
3 ـ المنتجات الحضارية اليومية:
تُعَد المنتجات الحضارية المألوفة البريئة من أهم آليات العلمنة الشاملة البنيوية الكامنة. ولنضرب مثلاً بالتِّيشيرت T-Shirt الذي يرتديه أي طفل أو رجل وقد كتب عليه مثلاً «اشـرب كوكا كولا». إن الرداء الذي كان يُوظَّف في الماضـي لسـتر عورة الإنسـان ولوقايته من الحر والبرد، وربما للتعبير عن الهوية، قد وُظِّف في حالة التِّيشيرت بحيث أصبح الإنسان مساحة لا خصوصية لها غير متجاوزة لعالم الحواس والطبيعة/المادة، ثم تُوظف هذه المساحة في خدمة شركة الكوكاكولا (على سبيل المثال) وهي عملية توظيف تُفقد المرء هويته وتحيّده بحيث يصبح منتجاً بائعاً (الصدر كمساحة) ومستهلكاً للكوكاكولا (هذا مع العلم بأن الكوكاكولا ليست محرمة)، أي أن التِّيشيرت أصبح آلية كامنة من آليات العلمنة، ومع هذا لا يمكن القول بأن الكثيرين يدركون ذلك.
وقُل الشيء نفسه عن المنزل، فهو ليس بأمر محايد أو برئ، كما قد يتراءى للمرء لأول وهلة، فهو عادةً ما يُجسِّد رؤية للكون تؤثر في سلوك من يعيش فيه، شاء أم أبى. لذا حينما يصبح المنزل عملياً وظيفياً، يهدف إلى تحقيق الكفاءة في الحركة والأداء ولا يكترث بالخصوصية والأسرار، فإنه مثل التيشيرت يصبح هو الآخر خلواً من الشخصية والعمق. وأثاث هذا المنزل عادةً وظيفي، يلفظ أية خصوصية باسم الوظيفية والبساطة، ولكن البساطة هنا تعني في الواقع غياب الخصوصية. ولنتخيل الآن إنساناً يلبس التيشيرت ويسكن في منزل وظيفي بُني ربما على طريقة البريفاب (الكتل الصماء سابقة الإعداد) ويأكل طعاماً وظيفياً (هامبورجر ـ تيك أواي تم طبخه بطريقة نمطية) وينام على سرير وظيفي، أفلن يتحول هذا الإنسان إلى إنسان وظيفي متكيف لا تُوجَد في حياته خصوصية أو أسرار، إنسان قادر على تنفيذ كل ما يصدر إليه من أوامر دون أن يثير أية تساؤلات أخلاقية أو فلسفية؟ قد يقيم هذا الإنسان الوظيفي الصلاة في مواقيتها، ولكن كل ما حوله يخلق له بيئة معادية لإدراك مفهوم القيمة المتجاوزة وجدواها.
والعلمنة الشاملة البنيوية الكامنة هذه، من خلال أبسط الأشياء، لا تتم على مستوى البيئة الاجتماعية والمادية البرانية وإنما تتغلغل لتصل إلى باطن الإنسان، إلى مستوى عالم الأحلام والرغبات، وهنا سيأتي دور الصور المحايدة البريئة. فصديقنا الوظيفي، إن أراد أن يزجي أوقات فراغه، فإنه سيشاهد فيلماً أمريكياً يقوم بعلمنة وجدانه ورغباته، فالموقف الأساسي في معظم هذه الأفلام هو بطل لا يدين بأية مرجعيات أخلاقية، يقع في حب فتاة جميلة هي البطلة (ولعل كلمة «حب» هنا كلمة متخلفة قليلاً، فهو في الواقع "يشتهيها" وحسب وعلى استعداد لأن "يتعايش" معها). وتظهر بعض الصعوبات التي يتجاوزها البطل الدارويني، ويفوز بما يشتهي وينغمس في الإشباع الفوري. ولا يختلف هذا عن الكارتون المسمَّى «توم وجيري»، الذي يصوغ وجدان أطفالنا كل صباح، حيث يقوم الفأر اللذيذ الماكر باستخدام كل الحيل (التي لا يمكن الحكم عليها أخلاقياً، فهي لذيذة وذكية وناجحة) للقضاء على خصمه القط الغبي ثقيل الظل. ولنلاحظ أن القيم المستخدمة هنا قيم نسبية نفسية وظيفية برجماتية، لا علاقة لها بالخير أو الشر، قيم تشير إلى نفسها وحسب، ولا تُفرِّق بين الظاهر والباطن. كما أن الصراع بين الاثنين لاينتهى، يبدأ ببداية الفيلم ولا ينتهى بنهايته، فالعالم، حسب رؤية هذا الكارتون الكامنة، إن هو إلا غابة داروينية مليئة بالذئاب التى تلبس ثياب القط والفأر: توم وجيرى. ( أثبتت إحدى الدراسات أن أفلام توم وجيري هي أكبر آلية نقل فكرة حسم المشاكل عن طريق العنف للأطفال.
وأعتقد أن من أهم آليات العلمنة البنيوية الكامنة في العالم هي هوليود، وخصوصاً أفلامها غير الفاضحة، مثل أفلام رعاة البقر المسماة «الويسترن western»وأفلام الحرب، فالرؤية العلمانية الشاملة كامنة فيها، بشكل يصعب على الإنسان اكتشافه. وأفلام الويسترن بالذات تنقل لنا رؤية علمانية إمبريالية عنصرية بشعة متحيزة ضدنا. فبطل الفيلم هو الرائد (بالإنجليزية: بايونير pioneer)،الرجل الأبيض الذي يذهب إلى البرية (أرض بلا شعب) ليفتحها ويستقر فيها ولا يحمل سوى مسدسه. وكلنا يعرف المنظر الشهير، حين يقف اثنان من رعاة البقر في لحظة المواجهة التي يفوز فيها من يصل إلى مسدسه "أسرع" من الآخر. إن هذا المنظر الذى انطبع فى مخيلتنا منذ نعومة أظافرنا، يعلمنا كل أسس الداروينية الاجتماعية: أن الصراع من أجل البقاء هو سنة الحياة وأنه لا يكتب البقاء إلا للأصلح، أى الأقوى أو الأسرع أو الأكثر دهاء ومكرا، وهى مجموعة من الصفات التى لا علاقة لها بأية منظومة قيمية، دينية كانت أم أخلاقية أم إنسانية. وحينما يظهر الهنود الأشرار، هؤلاء «الإرهابيون » أصحاب الأرض الأصليين الذين لا يتركونه وشأنه كى يرعى أبقاره ويبنى مزرعته، أى مستوطنته، على أرضهم وأرض أجدادهم، يحصدهم الكاوبوي برصاصه حصداً "دفاعاً" عن الفتاة البيضاء البريئة وعن حقوقه المطلقه . نستمتع بكل هذا دون أن ندرك أن الكاوبوي هو في واقع الأمر الرائد الصهيوني (الحالوتس)، وأنه الإنسان الأبيض الإمبريالي الذي نهب ديارنا وثرواتنا وأذلنا، وأن الهنود هم نحن، العرب والفلسطينيون، وأن البرية، هي، فى واقع الأمر، العالم الثالث بأسره، أرض بلا شعب، أو شعب ينظر له الإنسان الغربي من خلال رؤيته العلمانية الإمبريالية الشاملة باعتباره مادة استعمالية يمكنه أن يحوسلها لصالحه. وهكذا نستوعب الرؤية العلمانية الإمبريالية الشاملة، بلا وعى ولا إدراك من جانبنا، فقد جاءت لنا مغلفة تغليفا أنيقا، جزءًا عضويًا كامنًا فى بنيه فيلم لذيل مسل.
وما قولكم في هذه النجمة السينمائية المغمورة (أو الساطعة) التي تحدثنا عن ذكريات طفولتها وفلسفتها في الحياة وعدد المرات التي تزوجت فيها وخبراتها المتنوعة مع أزواجها، ثم تتناقل الصحف هذه الأخبار وكأنها الحكمة كل الحكمة! أليس هذا أيضاً علمنة للوجدان والأحلام إذ تحوَّلت النجمة إلى مصدر للقيمة وأصبح أسلوب حياتها هو القدوة التي تُحتذى، وأصبحت أقوالها المرجعية النهائية؟ والمسـكينة لا عـلاقة لها بأية مرجعية، ولا أية قيمة ولا أية مطلقية، إذ أن رؤيتها للعالم محصورة بحدود جسدها الذي قد يكون رائعاً، ولكنه ولا شك محدود ونسبي. كما أن خبراتها مع أزواجها (رغم أنها قد تكون مثيرة) لا تصلح أساساً لرؤية معرفية أخلاقية (إلا إذا كانت رؤية علمانية عدمية ترى أن كل الأمور نسبية). ومع هذا، تُصر الصحف على أن «فلانة» المغنية لا تختلف في أحكامها وحكمتها عن أحكام وحكمة أحكم الحكماء وأعمق الفلاسفة. وإذا أخذنا الحكمة من أفواه نجمات السينما والراقصات وملكات الجاذبية الجنسية، فستكون حكمة لها طابعها الخاص الذي لا يمكن أن يُوصف بالروحانية أو الأخلاقية أو ما شابه من أوصاف تقليدية عتيقة! وقد يكون وصف أقوال هذه النجمة بأنها منافية للأخلاق أو للذوق العام وصفاً دقيقاً، ولكنه مع هذا لا يُبيِّن الدور الذي تلعبه النجمة وأفكارها في إعادة صياغة رؤية الإنسان لنفسه وتَصوُّره لذاته وللكون.
وما يهمنا في كل هذا أن بعض المنتجات الحضارية التي قد تبدو بريئة تماماً تؤثر في وجداننا وتُعيد صيانة رؤيتنا لأنفسنا وللعالم، إذ أن أولئك الذين يشاهد أطفالهم توم وجيري، ويرتدون التِّيشيرت، ويشاهدون الأفلام الأمريكية (إباحية كانت أم غير إباحية)، ويسمعون أخبار وفضائح النجوم ويتلقفونها، ويشاهدون كماً هائلاً من الإعلانات التي تغويهم بمزيد من الاستهلاك، ويهرعون بسياراتهم من عملهم لمحلات الطعام الجاهز وأماكن الشراء الشاسعة يجدون أنفسهم يسلكون سلوكاً ذا توجُّه علماني شامل ويستبطنون عن غير وعي مجموعة من الأحلام والأوهام والرغبات هي في جوهرها علمانية شاملة دون أية دعاية صريحة أو واضحة. وربما كان بعضهم لا يزال يقيم الصلاة في مواقيتها ويؤدي الزكاة.
ونظراً لعدم إدراك البعض لأشكال العلمنة البنيوية الكامنة هذه، فإنه لا يرصدها. ولذا، يُخفق هذا البعض في تحديد مسـتويات العلمنة الحقيقية. وعلى هذا، فقد يُصنَّف بلد باعتباره إسلامياً (مثلاً) لأن دستور هذا البلد هو الشريعة الإسلامية مع أن معدلات العلمنة فيه قد تكون أعلى من بلد دستوره ليس بالضرورة إسلامياً ولكن معظم سكانه لا يزالون بمنأى عن آليات العلمنة البنيوية الكامنة التي أشرنا إليها.
وتجدر ملاحظة أن العلمنة البنيوية الكامنة قد تؤدي إلى توليد متتاليات جديدة للعلمنة تختلف عن المتتالية الغربية (التي تبدأ بعلمنة القطاع الاقتصادي والسياسي وتنتهي بعلمنة الوجدان والسلوك) فعادةً ما تتم علمنة الوجدان أولاً (ثورة التوقعات المتزايدة) وعلمنة بعض جوانب السلوك (زي معيَّن ـ أشكال جديدة من المتعة) ربما بدرجة عالية قريبة من العالم الغربي، ومع هذا يظل القطاع الاقتصادي والقطاع السياسي يدوران في أطر أكثر تقليدية وأقل علمنة وحداثة. ويُلاحَظ هذا في تركيب الأسرة في العالم الثالث حيث نجد أن كل جيل من أجيال هذه الأسرة، بل أحياناً كل عضو، قد تمت علمنته بمعدلات مختلفة.
المطلق العلمانى الشامل
كل نسق معرفي يدور حول مطلق بمعنى «ركيزة نهائية» أو «أساس نهائي». ويمكن تعريف المطلق بأنه المركز الذي يتجاوز كل الأجزاء ولا يتجاوزه شيء، وبأنه ما يؤدي وجوده إلى تماسك أجزاء النسق، فهو مصدر الوحدة والتناسق، وهو الركيزة النهائية للنسق أو الصورة المجازية والمبدأ الواحد والمرجعية النهائية والميتافيزيقا المسبقة. والمطلق في المنظومات الكمونية هو مركز الكون الكامن فيه. وأي نسق فلسفي لابد أن يكون له مركز يشكل مطلقه ويقبله أتباع هذا النسق دون تساؤل بشأنه ودون نقاش.
والأنساق الفكرية العلمانية (وهي أنساق كمونية) قد تنكر أية نقطة مرجعية متجاوزة لهذه الدنيا، إلا أنها تستند إلى ركيزة أساسية ومرجعية نهائية كامنة في المادة (الطبيعة أو الإنسان أو التاريخ)، ولذا فهي مرجعية نهائية مادية، مركز مطلق أو مركز يشكل مصدر التماسك في الكون والمجتمـع ويـزوده بالهـدف والغاية ويشـكل أسـاس وحـدته ويتجاوز كل الأجزاء (من الناحية التفسيرية) وإن كان لا يتجاوزها أنطولوجياً بسبب كمونه فيها. هذا المطلق في أقصى درجات تعميمه هو المبدأ الواحد. وقد يأخذ أشكالاً كثيرة، ولكنه في التحلـيل النهائي هو الطبيـعة، التي نشـير إليهـا عادةً بـ «الطبيعة/المادة».
وهذا المطلق العلماني الأساسي الكامن هو وحده المطلق النهائي، هو وحده الثابت وما عداه متغيِّر، مجرد تنويعات عليه. فيقول المرء: "قانون الطبيعة أو قانون الحركة هو كذا" أو يقول: "إننا توصلنا إلى كذا وهو ما يتفق مع القوانين الطبيعية/المادية" ـ ومن هنا الحديث عن «الإنسان الطبيعي»، أي «الإنسان الطبيعي المادي» الذي يعيش حسب قوانين الطبيعة/المادة ويستمد منها وحدها المعرفة والقيم الأخلاقية والجمالية. وقد عبَّر هذا المطلق النهائي (هذه المرجعية النهائية المادية الكامنة) عن نفسه في بداية الأمر بشكل واضح مباشر، فكان هوبز يشير إلى الدولة/التنين، وإلى الأخلاقيات الذئبية للإنسان باعتبارها تعبيراً عن الطبيعة/المادة، كما تحدث لوك عن عقل الإنسان والصفحة البيضاء التي لا تختلف عن الطبيعة/المادة في أي شيء، وقام كثير من فلاسفة الاستنارة بمحاولة رؤية الإنسان باعتباره آلة وحسب، وقد بسَّط بنتام المنظومة الأخلاقية وجعلها تدور حول المنفعة واللذة بشكل آلي. ويمكن أن نضم إلى هؤلاء دعاة النظرية العرْقية الغربية التي زودت الإمبريالية الغربية بإطار نظري لإبادة الملايين، إذ ترى هذه النظرية أن ما يميِّز البشر ومرجعيتهم النهائية (المادية الكامنة) هو انتماؤهم العرْقي (الطبيعي/المادي) ومن ثم يمكن تفسير تفاوتهم بالعودة إلى القوانين البيولوجية (الطبيعية/المادية).
ويُسمِّي الماركسيون هؤلاء الفلاسفة بالماديين الآليين أو الماديين السُذج أو السوقيين، وهم بالفعل أصحاب رؤية مادية واحدية للإنسان، يتحدثون عن الدوافع الإنسـانية وعن الطبيعة البـشرية بشـكل تافه سـاذج أحادي البُعد. وقد أدَّى ذلك إلى رد فعل في الفكر الغربي وظهرت محاولة لاستعادة مفهوم أكثر تركيبية للإنسان ولعقله ولعلاقته بالطبيعة والمجتمع، فظهرت مطلقات ومرجعيات نهائية مادية كامنة أكثر تركيبية وإن لم تكن أقل كمونية مثل: اليد الخفية عند آدم سميث ـ المنفعة عند بنتام ـ وسائل الإنتاج عند ماركس ـ الجنس عند فرويد ـ إرادة القوة عند نيتشه ـ قانون البقاء عند داروين ـ الطفرة الحيوية عند برجسون ـ الروح المطلقة عند هيجل التي تتوحد بالطبيعة في نهاية التاريخ ـ روح التاريخ ـ روح الحضارة ـ روح العصر ـ عبقرية المكان ـ التقدم اللانهائي ـ عبء الرجل الأبيض باعتباره عبئاً حضارياً... إلخ. ولكن، رغم التركيبية الظاهرة لهذه المفاهيم، فإنها مجرد تنويع مركب على نفس مفهوم الطبيعة/المادة، فالمنفعة والجنس والطبقة لابد أن تُفسَّر، في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، تفسيراً مادياً.
والمطلق العلماني النهائي والمرجعية النهائية المادية كما أسلفنا هو الطبيعة/المادة، ولكن ثمة تطابقاً شبه كامل بين الصورة الكامنة وراء الطبيعة/المادة باعتبارها مفهوماً فلسفياً وصورة السوق/المصنع:
1 ـ السوق/المصنع شامل لا انقطاع فيه ولا فراغات، فهو يمتد ليشمل الوطن بأسره وها هو قد امتد ليشمل العالم.
2 ـ السوق/المصنع شيء منتظم متسق مع نفسه، خاضع لقوانين ثابتة منتظمة مطردة واضحة بسيطة رياضية حتمية وآلية.
3 ـ السوق/المصنع لا يكترث بالفرد ولا بالإنسان، ولا بالخصوصيات ولا بالغائيات أو القـيم الإنسـانية، فهـو يتجاوز الإنسان ولا يتجاوزه الإنسان.
4 ـ السوق/المصنع يتحرك بشكل تلقائي آلي حسب قوانين العرض والطلب الآلية الرياضية الصارمة الكامنة في السوق ذاته.
5 ـ السوق/المصنع يحوي داخله قوانينه وكل ما نحتاجه لفهمه، وهو واجب الوجود في النظم الرأسمالية والنظم الاشتراكية على حد سواء.
ولا ندري هل تبنَّى المفكرون العلمانيون الشاملون آليات السوق/المصنع كمقولات لإدراك الطبيعة كنظام واحدي آلي شامل وكمرجعية نهائية مادية، أم تمت دراسة الطبيعة/المادة واستُخدمت مقولاتها لتأسيس السوق/المصنع وتنظيمه على هديها. وعلى كلٍّ، فإن هذا أمر ثانوي إذ يظل هناك هذا التطابق المدهش بين الطبيعة/المادة والسوق/المصنع، والإنسان الاقتصادي هو الإنسان الطبيعي حينما يذهب إلى السوق والمصنع فيذعن لقوانينه التي لا تختلف عن قوانين الطبيعة/المادة.
ولا يختلف وصف دعاة الداروينية الاجتماعية للسوق عن وصفهم للطبيعة/المادة، فالواحد يكاد يكون هو الآخر، والصراع من أجل البقاء والبقاء للأصلح هي قيم نهائية مادية تهيمن على السوق هيمنتها على الطبيعة/المادة. وعملية التطور هي عملية مندفعة من داخل المادة تماماً مثل آليات السوق. وحينما تتم عملية الترشيد والحـوسلة (التي تفرض الواحدية على المجـتمع)، فهي تتم في إطـار مفهوم الطبيعة/المادة والسوق/المصنع.
والسلعة من المطلقات العلمانية والمرجعيات النهائية المادية الأخرى، وكذلك رأس المال (مراكمة المال باعتبارها المعيار المادي النهائي الذي لا يمكن تجاوزه). وفي المنظومة القومية العضوية، يصبح الشعب العضوي هو هذا المطلق. أما في المنظومة الإمبريالية فالمطلق هو الحضارة الغربية وعبء الرجل الأبيض (أو شيء من هذا القبيل). ويمكن القول بأن مفهوم التقدم (المادي) هو واحد من أهم المطلقات العلمانية. والمطلق العلماني كامن ولكنه ليس ساكناً، ولذا فهو يتغيَّر ويتلون حسب المرحلة التاريخية.
ومنذ منتصف الستينيات أُضيف عنصر ثالث وهو مؤسسات اللذة بحيث أصبحت دورة الإنسان ثلاثية: الإنتاج في المصنع، الاستهلاك في السوق، اللذة في الملهى الليلي (أو أي معادل موضوعي) ولكن هذه الإضافة لم تغيِّر من البنية الأساسية الواحدية الشاملة.
وقد تبدَّى المطلق العلماني على المستويين التاريخي والسياسي في شكل مؤسسة الدولة المطلقة التي أصبحت أهم آلية من آليات العلمنة داخل أوربا في المراحل الأولى، ثم قامت جيوشها الإمبريالية بإشاعة النموذج العلماني في بقية العالم منذ نهاية القرن التاسع عشر.
ويرى بشير نافع أن الدولة هي أكثر المؤسسات التي صنعتها يد الإنسـان قرباً من حـالة الطبيـعة (من الناحية البنيوية الفلسفية بطبيعة الحال)، فالدولة تتبع قانوناً شاملاً ومستمراً يشمل الوطن بأسره. وهو قانون ثابت مطرد حتمي آلي، كامن في الدولة. وهي لا تكترث بالفرد أو بالإنسان، فهو مجرد وسيلة لتحقيق غاياتها ومصلحتها. والدولة "واجبة الوجود" في النظم الحديثة، وبهذا المعنى تُعدُّ الدولة التحقق الكامل والأمثل للمطلق العلماني (ومع هذا نلاحظ أن السوق والمصنع واللذة تنازعانها المطلقية والمرجعية النهائية).
ونحن نذهب إلى أن الإنسان الحديث تم تدجينه وتحويله إلى سبمان متكيف مع المجردات المطلقة اللاإنسانية (مصلحة الدولة ـ قانون الحركة... إلخ) من خلال شعارات مثل "العودة للطبيعة". فمثل هذا الشعار هو في واقع الأمر دعوة للإنسان لأن يعود لحركة المادة ويقبلها ويذعن لها، متجاوزاً بذلك وجوده المتعيِّن وحسه الخُلقي وخصوصيته وفرديته وفطرته الإنسانية، أي أن عملية تنميط الإنسان وبرمجته وتَشيُّئه تتم من خلال تدريب وجدانه على قبول الطبيعة/المادة، هذا الكيان غير الإنساني المتجاوز للإنسان، باعتبارها المرجعية النهائية.
وقد بدأت المتتالية العلمانية بأن جعلت الإنسان هو المطلق العلماني ومركز الكون والمرجعية النهائية المادية (التمركز حول الذات). ومع تَصاعُد معدلات الترشيد والحوسلة، بدأ الإنسان يتراجع كنقطة مرجعية، وظهرت مطلقات مادية علمانية غير إنسانية، مثل الدولة المطلقة (التمركز حول الموضوع). تشكل هي نفسها المرجعية النهائية المادية. وكان كل هذا يعني أن الكون يظل في حالة تماسك وذا بنية واضحة يمكن للعقل تفسيرها، ولذا تظل هنـاك ميتافيزيقا ومرجعية نهائية ويظل هناك ثنائية صلبة وازدواجية. وتتصاعد معـدلات العلمنة، وينتشر المركز في كل عناصر النموذج ويتجسـد من خـلالها جميعاً بلا تمييز ولا تفريق، فيتم التساوي فيما بينها وتسويتها. وفي هذه الحالة، يختفي المركز ويتلاشى وتختفي المرجعيات النهائية المادية إلى أن يصبح المطلق هـو الإجراءات. فيظـهر ما يُسمَّى «أخلاقيـات الصيرورة»، أي أن يتم الاتفاق بين الجميع على أن المركز والمرجعية النهائية وما لا يقبل النقاش هو الإجراءات وحسب، قوانين اللعبة، أما نوعية اللعبة والهدف منها فهي أمور يمكن مناقشتها والتفاوض بشأنها، وهذه هي مرحلة الواحدية السائلة.
والحضارة العلمانية الغربية، بهذا المعنى، حضارة فريدة تماماً. فلأول مرة في تاريخ الإنسان يُلغَى الهدف والغاية ويتحرر المطلق منهما (فيصبح لوجوس بلا تيلوس وميتافيزيقا بدون أخلاقيات). وهذا هو الإدراك الأساسي الكامن وراء عالم ما بعد الحداثة، فهو عالم صُفِّي وطُهِّر تماماً من المطلقات والمرجعية النهائية، فلا مركز ولا هامش، وإنما عالم أفقي متساو مسطح لا يوجد فيه وضع خاص أو مُتميِّز لأي شيء وضمن ذلك الإنسان، ولذا فهو عالم خالٍ من المعنى، لا يمكن للدال أن يرتبط فيه بالمدلول لأنه عالم لا يحتوي على أي مطلق يربط بين التفاصيل كلها؛ عالم نسبي تماماً ولكنه مع هذا يخلع المطلقية على النسبية. فالمرجعية النهائية هي إنكار المرجعية، والمطلق الثابت الوحيد هو النسبي المتغيِّر، وهذا ما يُعبِّر عنه الفكر المادي بالقول "لا ثبات إلا لقوانين التغير". ومع هذا تظل هناك الداروينية وفكرة البقاء للأقوى باعتبارها المرجعية الوحيدة الثابتة في عالم الواحدية السائلة وما بعد الحداثة والنظام العالمي الجديد.
اللحظة العلمانية الشاملة النماذجية
أشرنا من قبل إلى اللحظة النماذجية كمفهوم تحليلي. ونحن نشير إلى اللحظة العلمانية الشاملة النماذجية باعتبارها «لحظة الصفر العلمانية»، أي لحظة هيمنة نموذج الواحدية المادية هيمنة كاملة لأن أسطورة الأصل العلمانية الشاملة تذهب إلى أن العالم ظهر بالصدفة المحضة من مادة أولية سائلة غير مُشكَّلة ومن خلال تفاعل كيمائي بسيط أنتج خلية واحدة لزجة تطورت بالصدفة حسب قانون صارم، ثم نمت وتطورت إلى أن أصبحت الإنسان الطبيعي (المادي ذا العقل الذي يشبه الصفحة البيضاء الشمعية والذي لا يتمتع بأي انفصال عن الطبيعة. فهو بغير هوية محددة ولا يمكنه تَجاوُز ذاته الطبيعية أو الطبيعة/المادة، وهو يعيش خاضعاً تماماً لقوانين الضرورة والصيرورة لا يملك فكاكاً منها، أي أن كل لحظات وجوده هي سيولة دائمة، فهي لحظة جنينية كاملة.
ولكن نقطة الصفر لا تنصرف إلى الأصل وحسب، وإنما تنصرف إلى النهاية، فنهاية النموذج العلماني تفترض أن الإنسان سيكون متحكماً تماماً في واقعه متمركزاً تماماً حول ذاته، فهو كالإله يتجاوز الخير والشر والبكاء والضحك، ومن ثم يصل إلى نقطة نهاية التاريخ وقمة التقدم والفردوس الأرضي. ولكن هذه اللحظة، رغم صلابتها، هي أيضاً لحظة جنينية يفقد فيها الإنسان مركزيته وحدوده وهويته واستقلاله عن الطبيعة ويصبح جزءاً لا يتجزأ من الكل: الدولة ـ المجتمع ـ الطبيعة ـ الطبقة العاملة. وتسود الواحدية المادية، فيصبح الكون واحدياً مادياً تماماً، متساوية أجزاؤه. ولحظة البداية، شأنها شأن لحظة النهاية، هي أيضاً لحظة ترانسفير حيث يمكن لأي شيء أن يحل محل أي شيء آخر، ويصبح قابلاً للاستعمال والتنقل والنقل والترحيل. وهي لحظة تَشُّيؤ وتَسلُّع وتَوثُّن، إذ تسري على الإنسان نفس القوانين التي تسري على الأشياء وتصبح الطبيعة/المادة هي مرجعيته النهائية المادية فيصبح كائناً طبيعياً وشيئاً يشبه الآلة.
واللحظة النماذجية يمكن أن تكون لحظة فكرية، أي أن تتحقق في نسق فلسفي يصل صاحبه إلى ما يتصوره جوهر الأمور والواحدية المادية التي تسود العالم، فلا تغشى عيونه غشاوة، ويمكن أن تكون لحظة فعلية، أي أن تتحقق في الواقع نفسه، حين يحاول شخص أو نظام اجتماعي أن يحقق النموذج بحذافيره ويفرضه فرضاً على الواقع (كما حدث في ألمانيا النازية وروسيا الستالينية).
ولعل من أهم الفلاسفة العلمانيين الشاملين، من منظور اللحظة النماذجية الفكرية، الفيلسوف توماس هوبز الذي تشكل كتاباته لحظة تَعيُّن للنموذج العلماني الشامل ولواحديته المادية الصارمة ولمرجعيته المادية الصراعية الوحشية ولإنكاره حرية الإنسان وإرادته ومقدرته على التجاوز. وقد تبعه إسبينوزا بخطابه الهندسي المادي الصارم حيث تختفي أية غائية أو تَجاوُز ويغيب الإنسان تماماً في المجردات اللاإنسانية. وقد أثار هذا الوضوح والتبلور في النماذج قلق كثير من الفلاسفة العلمانيين، فقاموا بمحاولات يائسة لإضافة محسنات فلسفية وثنائيات ظاهرية واهية. ولعل الجدل الهيجلي هو أهم محاولة في هذا المضمار، إذ يصر على جدلية الواقع وعلى التجاوز المستمر للمعطيات الحسية للواقع، ولكنه مع هذا ينحدر إلى نقطة الصفر العلمانية مرة أخرى مع التحام الذات بالموضوع، ومع نهاية التاريخ حين يتحقق العقل الكلي والمطلق في التاريخ والطبيعة، وهي النقطة التي ينتهي فيها التجاوز.
وفي الفلسفات الماركسية، تطل نقطة الصفر العلمانية في عبارة " في التحليل الأخير وفي نهاية الأمر". فأمام التنوع اللامتناهي للعالم، أدرك أصحاب النموذج العلماني الشامل أن هناك عالماً من الأفكار والأحلام والاختيار الحر والقيم وكان عليهم رده إلى الطبيعة/المادة حتى تسود الواحدية. ولذا سمِّي عالم الأفكار والقيم بـ «البناء الفوقي»، ووُصف بأنه ليس له وجود حقيقي، فهو مجرد ظاهرة تابعة (بالإنجليزية: إبي فينومنون epiphenomenon)، وتعبير باهت عن البناء التحتي ليس إلا، ويصبح الجهد المعرفي هو فك شفرة البناء الفوقي من خلال البناء التحتي. ويمكن تفسير سلوك الإنسان بهذه الطريقة، من خلال فهم حركة المادة، فهي المرجعية النهائية، فيُفسَّر سلوك الإنسان من خلال العناصر الاقتصادية أو من خلال الجنس أو من خلال ما يُسمَّى «إرادة القوة»، فكل شيء "في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير إن هو إلا مادة" يُردُّ إلى المطلق العلماني النهائي (الطبيعة/المادة) فيُردُّ الباطن (الروحـي الفوقي) إلى الظـاهر (المادي التحتي) وتُردُّ الهوية (الخاصة) إلى القانون العام، ويحل ما هو غير إنساني محل ما هو إنساني (ترانسفير). ويتضح لنا أن العقل (في التحليل الأخير) ليس إلا مادة تتراكم عليها الأحاسيس، وأن الإنسان (في نهاية المطاف) ليس سوى جزء من الطبيعة، وأن عقله (في نهاية الأمر) ليس غير صفحة مادية بيضاء تتراكم عليها الأحاسـيس المادية التي تسـجلها الأعصاب، فتصبح كل الأمور متساوية نسبية خاضعة للقياس، ويتم كشف كل شيء (أي تفكيكه). ومن ثم، يتحقق النموذج تماماً في اللحظة النماذجية وتطل الميتافيزيقا العلمانية الشاملة بوجهها العدمي القبيح حيث يُقوَّض الإنسان تماماً ويُردُّ إلى ما هو دون الإنسان. وما كان كامناً في النموذج يصبح واضحاً. ويظـهر أن الفكـر العلماني الشـامل ليس فكراً تفكيكياً بطبيعته وحسب وإنما هو فكر تقويضي كذلك (وفكر إبادي).
ونقطة الصفر العلمانية يمكن أن تأخذ شكلاً شاملاً، وهو ما يتضح في الخطاب ما بعد الحداثي، وتُستخدَم كلمة «أبوريا aporia» للإشارة إلى نقطة الصفر العلمانية، وهي كلمة يونانية تعني «الهوة التي ليس لها قرار»، حيث يصبح العالم هوة من الثقوب السوداء تبتلع كل شيء، فتسقط المطلقات العلمانية وغير العلمانية كافة، وتسقط المطلقات الدينية والمادية على حد سواء، حتى نصل إلى عالم سائل لا نسق فيه ولا مرجعيات ولا تَجاوُز.
ويمكن القول بأن ما بعد الحداثة هي تحقُّق للعوامل التفكيكية داخل المنظومة التحديثية وأنها تحقُّق للنسبية الكامنة في النموذج التحديثي بحيث تصبح نسبية كاملة وصيرورة تامة وسيولة شاملة. وإذا كانت المنظومة التحديثية قد أدَّت إلى تفكيك الإنسان وإحساسه باللامعيارية (الأنومي)، وإذا كانت الحداثة هي احتجاج الإنسان على ما يحدث له، فإن ما بعد الحداثة هي تطبيع كامل لهذه اللامعيارية وتعبير عن تقبُّل الإنسان لحالة التشيُّؤ الناجمة عن التحديث.
وحتى نزيد المقدرة التحليلية لمفهوم نقطة الصفر العلمانية سنشير إلى ثلاث لحظات علمانية شاملة نماذجية مختلفة أقل عمومية من لحظة الصفر العلمانية هي ما يلي:
أ ) اللحظة السنغافورية ويظهر فيها الإنسان الاقتصادي.
ب) اللحظة التايلاندية ويظهر فيها الإنسان الجسماني.
جـ) اللحظة النازية (والصهيونية) ويظهر فيها الإنسان الطبيعي/المادي أو الإنسان كمادة محضة.
والإنسان في هذه الحالات جميعاً، إنسان طبيعي وظيفي، يُعرَّف في إطار وظائفه البيولوجية والاجتماعية.
أ ) اللحظة السنغافورية: نسبة إلى سنغافورة، وهي بلد صغير في آسيا يتسم بأنه بلا تاريخ ولا ذاكرة تاريخية ولا تقاليد حضارية أو منظومات قيمية راسخة، ولذا يمكن ببساطة تجاهلها كلها أو تهميشها حتى يتحول الإنسان إلى وحدة اقتصادية ذات بُعد مادي واحد قادرة على الإنتاج والاستهلاك والبيع والشراء، وتصبح البلد كلها مجموعة من المحلات والسوبر ماركتات والفنادق والمصانع، وينظر الناس إلى أنفسهم لا كبشر وإنما كوحدات إنتاجية استهلاكية. وقد أصبحت سنغافورة حلم كثير من أعضاء النخب الحاكمة في العالم الثالث التي تفهم التنمية في إطار اقتصادي محض. والرؤية السنغافورية هي الرؤية المهيمنة على المنظمات الدولية مثل صندوق النقد والبنك الدولي التي تعطي القروض في هذا الإطار الاقتصادي السنغافوري المحض. وقد اقترح أحد كبار الخبراء في البنك الدولي ذات مرة أن تتخلص الدول الغربية من نفاياتها النووية والعوادم الكيميائية وغيرها من العوادم بإلقائها في البلاد الأفريقية نظير إعطائها بعض المعونات الاقتصادية، وهذه رؤية سنغافورية كاملة ترى البلاد لا باعتبارها فنادق وأسواقاً ومصانع وإنما باعتبارها مقلب نفايات.
والسنغافورية لحظة أمسكت بتلابيب مجتمع بأسره، ولكن اللحظة السنغافورية الواحدية يمكن أن تظهر على هيئة أفراد. ففي الاتحاد السوفيتي ظهرت فكرة أبطال الإنتاج، وهم بشر (مثل ستهانوف) كانوا يكرسون حياتهم كلها لعملية الإنتاج بشكل يفوق حدود طاقة البشر (وقد انتهت حياة ستهانوف بأن أصيب بالعديد من الأمراض، كما ظهر أن كثيراً من بطولاته كانت مجرد أكاذيب إعلانية). كما أن كثيراً من نظريات الإدارة في الولايات المتحدة ذات طابع سنغافوري واحدي كامل، فهي نظريات تدعو إلى إخضاع جميع حركات العامل وسكناته للدراسة حتى يمـكن توظيـفها تماماً في خدمـة الإنتاج لكي يصـبح الجميع أبطال إنتاج. وتقوم الإعلانات التليفزيونية بتحويل الجميع أيضاً إلى أبطال استهلاك. والدعوة إلى السوق الشرق أوسطية في عالمنا العربي الإسلامي هي دعوة لتحويل الإنسان العربي الإسلامي إلى إنسان سنغافوري بحيث تتحول كل بلادنا إلى بوتيكات وسوبرماركتات.
ب) اللحظة التايلاندية: نسبة إلى تايلاند، وهي بلد آسيوي أصبح قطاع البغاء فيه من أهم مصادر الدخل القومي وتكوَّن فيه لوبي قوي من ملوك البغاء والمخدرات حتى أصبح من المستحيل الآن تَخيُّل تايلاند بدون هذا القطاع البالغ الأهمية. واللحظة التايلاندية تعبير عن الإنسان الجسماني حيث يتحول الإنسان تماماً إلى أداة للمتعة (في عصر ما بعد الحداثة والاستهلاكية العالمية). وإذا كانت الدعوة إلى تحويل كل البلاد إلى تايلاند مسألة صعبة، إذ يفزع الناس من نزع القداسة تماماً عنهم، إلا أن الحديث عن السياحة وتطوير القطاع السياحي يخبئ عادةً نزعة تايلاندية عميقة يتحاشى الجميع مواجهتها.
جـ) اللحظة النازية (والصهيونية): وهي أهم اللحظات النماذجية وأكثرها مادية، لأنها تعبير مباشر عن الإنسان الطبيعي/المادي، الإنسان كمادة محضة وكقوة إمبريالية مادية كاسحة. فالمجتمع النازي كان يعتبر الإنسان كائناً طبيعياً مرجعيته النهائية هي الطبيعة/المادة ومرجعيته الأخلاقية المادية هي إرادة القوة، ولهذا نظر إلى البشر جميعاً باعتبارهم مادة استعمالية يمكن توظيفها ويقوم الأقوى والأصلح (من الناحية الطبيعية/المادية) بهذه العملية لصالحه. ومن هنا، تم تقسيم البشر، من منظور مادي رشيد، إلى أشخاص نافعين وأشخاص غير نافعين، وتَقرَّر إبادة بعض غير النافعين منهم ممن لا يمكن إصلاحهم وتحويلهم إلى عناصر منتجة، وذلك بعد دراسة علمية تمت من منظور مادي علمي رشيد.
ويمكن القول بأن معسكر الاعتقال هو مجتمع واحدي مادي نماذجي تم التحكم في كل شيء داخله، وضمن ذلك البشر، وطُبِّقت عليهم نماذج رياضية صارمة ذات طابع هوبزي وإسبينوزي تم تطهيرها تماماً من ظلال الإله، فلا رحمة فيها ولا تراحم، ولا مجال فيها لأية غائيات أو مرجعيات إنسانية لأن المرجعية الوحيدة هي المنفعة المادية وإرادة القوة. ولذا أُعطي كل إنسان رقماً حتى يمكن إدارة المعسكر بكفاءة شديدة، وتحوَّل الإنسان إلى مادة استعمالية تُولَّد منها الطاقة (عمالة رخيصة) أو سلع (تحويل العظام إلى سماد، والشحوم الإنسانية إلى صابون، والشعر البشري إلى فُرَش... إلخ). وعلى هذا النحو، تم تعظيم الفائدة وتقليل العادم.
وبالمثل، لا تُعتبَر اللحظة الصهيونية انحرافاً عن الفكر العلماني الشامل الإمبريالي، بل تمثل تبلوراً حاداً له. فانطلاقاً من الطبيعة/المادة باعتبارها المرجعية النهائية المادية ومن إرادة القوة وأخلاق الغاب (باعتبارها المرجعية الأخلاقية المادية) نظرت الصهيونية إلى فلسطين باعتبارها أرضاً بلا شعب (أي أنها استبعدت العنصر الإنساني منها) وحوَّلت كل شيء إلى مادة: فأصبحت فلسطين أرضاً تُستغَل، وأصبح الفلسـطينيون أنفسـهم مادة بشـرية تُنقل وتُباد وتُستغَل، وأصبح اليهود أيضاً مادة بشرية يتم تخليص أوربا منها عن طريق نقلها. ولحظة تَبلور النموذج العلماني هي عادةً ـ كما أسلفنا ـ لحظة ترانسفير، حيث يصبح كل شيء قابلاً للاستعمال والنقل.
واللحظات النماذجية الثلاث (السنغافورية والتايلاندية والنازية) ليست منفصلة تماماً، فهي جميعاً لا تعترف إلا بالطبيعة/المادة والواحدية المادية وتحول الإنسـان إلى مـادة نافعة وتنزع عنه القداسـة وتعريه من إنسانيته (بالإنجليزية: دي نيود de nude)، وهو ما نسميه «الإباحية المعرفية» حيث لا حرمات ولا مطلقات، وحيث يُترَك الإنسان عارياً تماماً أمام مؤسسة قوية تدور في إطـار المرجعية المادية الكامـنة والنفعية الداروينية التي تقوم بحوسلته وتوظيفه. فإذا كان العالم مادة، وإذا كانت كل الأمور متساوية، والإنسان مادة لا قداسة لها ليس إلا، ولا توجد سوى مرجعيات أخلاقية مادية، فإن النشاط الجنسي ـ عل سبيل المثال ـ مجرد نشاط مادي، شأنه شأن النشاط الاقتصادي، ومن ثم يمكن النظر للطاقة الجنسية للإنسان باعتبارها طاقة طبيعية/مادية يمكن توظيفها داخل إطار السـوق والمصـنع، أي أن تصبح الطاقة الجنسـية مادة إنتاجية استهلاكية. ومن ثم، يمكن أن تظهر تجارة/صناعة البغاء، وتصبح البغيّ من أدوات الإنتاج، وهي في الماخور (في تايلاند أو في أي مكان) لا تختلف كثيراً عن أبطال الإنتاج في المصانع السـوفيتية أو الأمـريكية ولا عـن اليهـودي أو السـلافي أو المعـوقين في معسكرات الاعتقال، إذ يتحول الجميع إلى مادة استعمالية وطاقة محض. فالإنسان في اللحظة السنغافورية يتحول إلى طاقـة إنتاجية وإلى قدرة شـرائية تصب في عملية الإنتاج والاستهلاك القومي.بينما يتحول، في اللحظة التايلاندية إلى طاقة جنسية تقدم خدماتها للمستهلكين من السياح، فتحسِّن الدخل القومي وتعدِّل ميزان المدفوعات لحساب الوطن. وفي اللحظة النازية والصهيونية، يتحوَّل الإنسان غير النافع (اليهودي كمادة بشرية فائضة) إلى مادة استعمالية تزداد إنتاجيتها في معسكرات الاعتقال والسخرة أو في الدولة الصهيونية أو يتم التخلص منها في معسكرات الإبادة حسب مقتضيات الأمور (الأمر الذي يفيد الاقتصاد الوطني كثيراً).
ونحن نعرف تماماً، من خلال معرفتنا بالترشيد الإجرائي أو الأداتي، وأخلاق الصيرورة، أن طبيعة العمل والهدف منه ليست لهما أية أهمية، فالمهم هو كيفية إدارته (الأداء والإجراءات) وكيفية توظيف الطاقة البشرية بأقل التكاليف لتحقيق أعلى عائد. ويبدو أن المجتمع الأمريكي الرشيد يشارك في هذه الرؤية، أو على الأقل قطاعات مهمة فيه، فحينما قُبض على السيدة سيدني بيدل باروز Sydney Biddle Barows (وهي سيدة من أسرة باروز الأرستقراطية العريقة، التي أتى مؤسسها على سفينة الماي فلاور، أول سفينة نقلت المهاجرين الإنجليز إلى الولايات المتحدة)، وحينما وُجِّهت إليها تهمة إدارة حلقة دعارة في نيويورك، انطلقت من رؤية واحدية مادية صارمة ترفض أي تجاوز أو ثنائيات أو غيبيات وبيَّنت بما لا يقبل الشك أن الدعارة عمل استثماري، بيزنس business (وهذا لا يختلف عن خط دفاع أيخمان عن نفسه، وهو أنه موظف حكومي ينفذ ما يَصدُر له من أوامر). وبعد فترة قصيرة من التردد، نفض الناس عنهم أية مرجعيات ميتافيزيقية متخلفة وتقبلوا الروية الواحدية المادية واستطاعوا أن ينظروا إلى سيدة الماي فلاور بشكل موضوعي، وتحولت قصتها من قصة صاحبة ماخور، إلى قصة صاحبة عمل ناجح. وهو ما دفعها إلى نشر سيرتها الذاتية تحت عنوان قصة حياة الماي فلاور مدام، أو حياة سيدني بيدل باروز السرية. وأصبح هذا الكتاب من أهم الكتب المُتداوَلة وحققت المؤلفة أرباحاً خيالية منه (كما هو الحال دائماً مع مثل هذه الكتب في عصر الفضائح والترشيد الإجرائي). وبعد ذلك بعامين، صدر كتاب لنفس السيدة، وكان أكثر إجرائية، فقد كان يُسمَّى آداب الماي فـلاور: قواعد السلوك للراشدين المثقفين Mayflower Manners: Etiquette for Consenting Adults. وعبارة " كونسنتج أدلتس " التي ترد في العنوان هي عبـارة قانونية تشـير إلى أي شـخصين بالغين يمارسان الجنس معاً برضائهما، ولذا فعملهما شأن خاص بهما. وفي هـذا الكتاب قامت المـدام الواحدية المادية الصارمة بتعليم النسـاء كيفية التصرف بلباقة في الفراش، باعتبار أنها راكمت الكثير من المعرفة في مجال تَخصُّصها. وبعد ذلك بعام واحد، قامت نفس السيدة الرائدة في مجالها الموضوعية في أدائها بتدريس مقرر في إحدى المدارس الحرة عن هذا الموضوع. ولا ندري هل ستنتقل إلى المعاهد العليا وأكاديميات البحوث المتخصصة أم لا؟ وهل ستؤسـس تخصصاً أكاديمياً جديداً؟ وعلى كلٍّ تقوم إحدى مؤسسات الرفاه الخيرية (المجانية) في أستراليا، وهي إحدى المؤسسات المدنية الطوعية غير الحكومية داخل المجتمع، بترتيب دورات تدريبية للبغايا حتى يمكنهن تحسين أدائهن في ساعات العمل الشاقة والمضنية. وحينما سُئل أحد مسئولي الدورة عن الحكمة من وراء ذلك، أجاب بحياد شديد رشيد بأن التخصص هو إحدى سمات العصر وأن كثيراً من عاملات الجنس لا يعرفن قواعد الصحة التي يجب مراعاتها ومناهـج الأداء المختلفـة وحقوقـهن وواجباتهن (وهذا هو قمة الترشيد الأداتي).
ويُلاحَظ علمنة المصطلحات المستخدمة في وصف عملية تَحوُّل الإنسان المتكامل المركب إلى إنسان طبيعي وظيفي ـ اقتصادي سنغافوري ـ جسماني تايلاندي ـ إمبريالي نازي أو صهيوني. وهذا أمر مُتوَّقع تماماً متسـق مع نفـسه، فاللحـظة العلمانية الشـاملة النماذجية هي لحظة تَشيُّؤ كامل وواحدية مادية، ولذا فإن ما يَصلُح لوصف الأشياء، يَصلُح لوصف الإنسـان، واللغة المحايدة تجعلنا ننسـى إنسـانية الإنسـان. فلم يكـن النازيون يتحدثون مطلـقاً عن "الإبادة" وإنما عن "الحـل النهـائي"، ولم تكن "أفران الغـاز" سـوى "أدشاش" تُستخدَم من أجل الصحة العامة. ولا يتحدث الصهاينة عن فلسطين وإنما عن الأرض التي جاءوا "لزراعتها" (لا لاغتصابها). ولا يتحدث أحد أثناء اللحظة السنغافورية عن توظيف الإنسان وتَسلُّعه وإنما عن "تحسين مستوى المعيشة وزيادة الإنتاج، وتوفير الرفاهية والرخاء لأكبر عدد ممكن"، دون أية إشارة للأبعاد الكلية والنهائية. وتحييد المصطلحات في حالة اللحظة التايلاندية يستحق قدراً من التوقف، فإذا كان تحييد المصطلح في حالة اللحظة النازية مأساوياً، فهو هنا ولا شك كوميدي. إذ يتحول البغاء إلى أهم القطاعات الاقتصادية (كما هو الحال في بعض الدول الآسيوية). ومن ثم، تصبح البغيّ (التي يُقال لها في اللغة التقليدية «بروستيتيوت prostitute») في بداية الأمر مجرد عاملة جنس (بالإنجليزية: سكس وركر Sex worker)، عضو في البروليتاريا الكادحة تقوم بنشاط اقتصادي منتج، ثم تتحول بالتدريج إلى بطلة قومية. وبعد قليل، قد يصبح من واجب الجميع أن يؤدوا واجبهم القومي بتجريد كامل وحياد شديد. (والعياذ بالله).
ولكن ليس بإمكان أحد أن يتحلى بمثل هذه الشجاعة وهذا الحياد (إلا فيما ندر) فالبشر ـ والحمد لله ـ لا يمكنهم نزع القداسة عن ذواتهم تماماً وببساطة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق