"عروض الخليل بن أحمد – مقاربات جديدة" هو أحدث كتاب صدر للدكتور يوسف بكار (عام 2009 م ، 96 صفحة من القطع الصغير، عن دار ورد الأردنية). وهو يتضمن أربع مقاربات في أربعة فصول ؛ لها العناوين التالية: أصالة المنبت، تقنيات دقيقة، أبو العلاء المعري وعروض الخليل .. وآخرها وأطولها: إشعاعات الآخر (الهندي والفارسي واليوناني). وبهذا الفصل الأخير سنبدأ عرضنا للكتاب.
يبحث الكاتب في هذا الفصل قضية التأثير والتأثر من جانب واحد وهو احتمال تأثر العرب بعلوم الهند والفرس واليونان وبالأخص في حقلي اللغة والعروض من خلال الإشعاعات الصادرة عنهم. ويقول: "فليس من شك في أن أمر إشعاعات الآخر القديم في العروض العربي عسير وإن يكن محتملا بعضه في ظل عدد من المعطيات والمؤشرات" ثم يأخذ في سرد هذه المعطيات التي يشير إليها بما يلي:
- سلطة المكان وتأثيراته: الحيرة والبصرة وخراسان.
- تجربة كتاب العين.
- الامتزاج المبكر للثقافات الهندية والفارسية واليونانية والعربية ، وسهمة ابن المقفع في ذلك.
- موازنات أبي الريحان البيروني المهمة بين عروض العرب والهنود واليونان.
- حدة ذكاء الخليل وتوقد ذهنه وعقليته الرياضية.
ويتوجه بعد ذلك إلى الإشعاع الهندي السنسكريتي ليرى أن مبعثه أمران، أولهما آلية تأليف كتاب (العين) وتقنياته العلمية الدقيقة، وثانيهما موازنات البيروني المهمة بين العروضين العربي والسنسكريتي في كتابه "تحقيق ما للهند". ثم إنه يستند في تتبع ذلك الإشعاع إلى الحقيقتين التاليتين؛ قوله: " إن الشغل على (العين) ابتدأ في خراسان وليس في البصرة" ، وقوله: "إن أظهر ما نهض عليه (العين) أنه رُتِّب على ما لحروف الهجاء من ارتكازات في جهاز النطق، وبدأ بحروف الحلق (ع ح هـ غ خ )، لأن مدرجة الحلق هي أولى المدارج".
ثم يقسم الباحثين الذين تناولوا قضية التأثير في (العين) إلى ثلاثة أقسام، قسم "لم يستبعد تأثر الخليل بالطريقة الهندية" وقسم "استبعد ؛ بل نفى" وقسم "ظلّ بين بين".
أما القسم الذي لم يستبعد فهم عنده المسترقون ومن نقل عنهم نحو (جرجي زيدان) بقوله: "فكأن الخليل حذا بذلك حذو الهنود في ترتيت حروف لغتهم السنسكريتية، فإنهم يبدأون بأحرف الحلق، وينتهون بالأحرف الشفوية". وهو يرى أن ما جاء به (جرجي) عن (وليمز) هو أساس قول (شوقي ضيف) عن الخليل: "ويظهر أنه عرف المباحث الصوتية عند الهنود، وكانت قد نمت عندهم نموا واسعا". ويكمل هذا القسم بالدكتور محمد السعران الذي ركز على (التشابه) فقال: "ثمة تشابه كبير بين تصنيف الهند لأصوات السنسكريتية حسب المخارج وبين تصنيف العرب لأصوات العربية على هذا الأساس. ومعروف أن التصنيف الهندي أقدم كثيرا من التصنيف العربي..." وخلص إلى القول بأن "أخذ العرب من الهنود في الميادين الصوتية واللغوية عامة، أو تأثرهم يهم أمر محتمل نظريا، ولكنا لا تملك من الأدلة ما يدعونا إلى القطع بأن أخذاً أو تأثراً قد حدث في هذا المجال أو ذاك". وكان على الدكتور بكار بهذا القول الأخير للسعران أن يسلكه في قسم من ظل بين بين.
وذكر فيمن نفى التأثير (مهدي المخزومي) الذي قال: "ولم يُسبق الخليل إلا بهذه الدراسة (دراسة الظواهر الصوتية عند اليونان) وبدراسة صوتية أخرى قام بها الهنود ، تناولت مخارج الحروف فقط، وبذلك استكملوا ما فات اليونان استكماله، وخلفوا ما سماه المحدثون بعلم الأصوات الوصفي". ثم أضاف إليه (إبراهيم السامرائي) لقوله : "وإن لم يكن لدينا من الأدلة القاطعة ما ينفى أحدهما أو يثبته".
ثم هو يسلك في الـ "بين بين" أستاده (حسين نصار) لتساؤله "أحقا أنه – الخليل- تأثر في غرضه وترتيب معجمه على الحروف باليونان. ثم طرح نظامهم واتخذ نظام الهنود؟".
ويعرج الدكتور بكار على احتمال تأثر الخليل بعروض الهند قياسا على احتمال تأثره في (العين) بالسنسكريتية مشيرا في ذلك إلى "التفات بعض الدارسين إلى مصدر مهم لأبي الريحان البيروني من القرن الخامس الهجري، ربما كان أقدمهم الباحث الإيراني (برويز ناتل خانلري) الذي نبه عليه في كتابه (وزن شعر فارسي) ... وتلاه من العرب (صفاء خلوصي) في مقدمته على كتاب (القسطاس المستقيم في علم العروض) للزمخشري". ثم يأخذ في طرح أقوال البيروني في كتابه المشهور الذي ألمح في عنوانه بيتا (أو بيتين) من الشعر على السريع (عند الخليل) أو على الرجز (عند العرب) على حد قول المعري، وهو (تحقيق ما للهند من مقولة، مقبولة في العقل أو مرذولة). ويختم هذا المبحث بقوله: " أما الآخر، صفاء خلوصي، فانتهى ، مفيدا مما تتناقله المظان القديمة كثيرا عن فطنة الخليل وذكائه وتفكيره الرباضي، إلى أنه كان "رياضي التفكير ، وكانت الرياضيات يومها تكتسب من الهند بالدرجة الأولى. وقد قاده بحثه في الرياضيات إلى البحث في العروض، الذي جعله الهنود ضربا من الحساب الرياضي. وقد يكون الخليل لاحظ ، بعد اطلاعه على العروض السنسكريتي، ضربات المطارق عند الحدادين أو القصارين، أو حركة أخفاف الجمال، فزاد يقينا من أن الشعر مؤلف من متحركات وسواكن تتعاقب بشكل معين منتظم ... وليس غريبا أو مستبعدا أن يكون قد رأى كتابا في العروض اليوناني (ذكر في الحاشية أن المرحوم جواد علي أخبره أنه وجد نصا في بعض المظان العربية القديمة يؤيد هذا الرأي) ، إلى جانب كتب في العروض. فقد عاش الخليل في عصر التقاء الثقافات الهندية والفارسية واليونانية مع العربية، أما أن يكون العروض قد ولد كاملا أو أشبه بالمتكامل في ذهن الخليل، فهو أمر بعيد عن الواقع".
حين نصل إلى حديث الدكتور يوسف بكار عن الإشعاع الفارسي يتملكنا العجب من جدوى هذا الحديث ، واقترانه بالحديث عن الإشعاعين السنسكريتي واليوناني. فبالإضافة إلى وجود العديد من الكلمات ذات الأصل الفارسي في لغة الشعر والقرآن نتيجة للتبعية السياسية لعرب الحيرة وارتباطهم بدولة الفرس قبل الإسلام ، لقد امتزج الشعبان في أمة واحدة بعد الإسلام وبتنا نرى جلة العلماء والكتاب يؤلفون كتبهم وأشعارهم بكلا اللغتين العربية والفارسية كابن سينا وعمر الخيام مثلا. ناهيك عما يحتوي عليه المعجم الفارسي من كلمات عربية تنطق كما ينطقها العرب أو على الأقل خلافا لما يجري عليه نسق أصواتهم اللغوية في الأصل.
لذلك فإن الحديث عن أن العرب أخذوا بحر المتقارب عن الفرس في الجاهلية ، والزعم بأنهم أخذوا بحر الدوبيت عنهم في الإسلام يعتبر قليل الشأن في تعويض السيدين ذبيح الله مصطفى وخانلري عن النقص الذي يحسان به تجاه العرب في عصرهم الراهن الذي لا يشرفهم الشعور بالانتماء إلى ثقافته. والأول منهم يقول: "إن الشعر الفارسي الدريّ لم ينظم تقليدا للأوزان العربية، وليس هناك شبه قاطع بين الأوزان العربية والفارسية إلا في الموارد التي أخذ فيها شعراء العربية الأوزان الفارسية من قبيل بحر المتقارب المحذوف والمقصور، أو بحر الهزج المسدس المحذوف والمقصور، ووزن (ترانه) "الرباعي"؛ أو الموارد التي قلد فيها الفرس عددا من الأوزان الخاصة بالعربية وأدخلوها عن طريق الصنعة في الشعر الفارسي". ويقول الثاني: "اعتقد العلماء دائما أن أوزان الشعر الفارسي مستقاة من العربية ، غير أن ما يجب معرفته أن ثمة فرقا بين القواعد والمصطلحات والأصول والمباني . صحيح، إن العربية والفارسية تشتركان في أسماء البحور، بيد أنهما تختلفان – في الأغلب- في تراكيب الأوزان ونمط استخدامها. فبعض البحور المتداولة في الشعر العربي لم تستعمل في الفارسية، أما البحور المشتركة ، فلكل منها نمطه الخاص به في لغته؛ ناهيك بما يظن من أصول إيرانية لبعض البحور العربية كالمتقارب المثمن المقصور والمحذوف الذي اختص بالمنظومات الحماسية".
وإذن فنحن لنا الحق بأن نحتج بأن "الفرق بين القواعد المصطلحات والأصول والمياني " بين اللغتين العربية والفارسية يبيح لنا أن ننكر أعجمية الكلمات الفارسية التي دخلت العربية وانصهرت ضمن قواعدها الخاصة بها، وأن نرفض الزعم بفارسية بحر "الدوبيت" على الرغم مما يشي يه هذا الاسم الذي لا يستخدمه الفرس لبحر الترانة أو الرباعي من أثر سطحي.
الإشعاع اليوناني:
في هذا المبحث يبدو لنا الدكتور بكار منحازا إلى تغليب الرأي القائل بعدم تأثير هذا الإشعاع على العربية انحيازه الذي بدا لنا في عرضه لأثر كل من السنسكريتية والفارسية. فهو يرى أنه: " أقل الإشعاعات الثلاثة ضياء، لأن نصيب الاستشفاف والاستدلال فيه قليل، وحظه من أصالة الظن أقل". وهو ينقل عن الزبيدي في طبقات النحويين واللغويين أن "ملك اليونانية كتب إلى الخليل بن أحمد كتابا باليونانية، فخلا بالكتاب شهرا حتى فهمه . فقيل له في ذلك، فقال: قلت إنه لا بد يفتح الكتاب ببسم الله أو ما أشبهه، فبنيت أول حروفه على ذلك، فاقتاس لي. فكان هذا الأصل الذي عمل له الخليل كتاب (المعمّى)". وبعد أن يصف هذه الرواية بأنها "غريبة عجيبة" يرى أنها نسجت بوحي من زعم يونس النحوي "أن الخليل كان يستدل بالعربية على سائر اللغات ذكاء منه وفطنة".
وكذلك يبطل قول ابن أبي أصيبعة عن سليمان بن حسان من أن حنين بن إسحاق، الذي كان أعلم أهل زمانه باليونانية والسريانية والفارسية "نهض من بغداد إلى أرض فارسن وكان الخليل بن أحمد النحوي بأرض فارس، فلزمه حنين حتى برع في لسان العرب، وأدخل كتاب العين بغداد" بأن هذا كله وهم باطل ، لأن وفاة الخليل لا تتعدى عام 175 هـ في حين أن حنينا ولد بعد عام 194 هـ ، فهما إذن لم يلتقيا ولم يتعاصرا.
ثم يعرج على رواية الباقلاني (ت 403 هـ) عن غلام ثعلب عن ثعلب نفسه "أن العرب تعلم أولادها قول الشعر بوضع غير معقول، يوضع على بعض أوزان الشعر كأنه على وزن :
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
ويسمون ذلك الوضع (الميتر) واشتقاقه من المتر، وهو الجذب أو القطع. يقال: مترت الحبل أي قطعته أو جذبته. ولم يذكر هذه الحكاية عنهم غيره، فيحتمل ما قاله".
ويقول: "على الرغم من أن لمصطلح (الميتر) معنى عربيا كما في النص ، وفي لسان العرب أيضا، وأن له ما يشبهه عند الهنود (ماتْرَ Matra ) ... فقد أجتُهد في رده إلى السنسكريتية أو اليونانية أو السومرية والبابلية، وزُعمت احتمالات التأثير وفقا لذلك".
وكلمة (الميتر) التي نقلها بكار عن إعجاز القرآن من تحقيق السيد أحمد صقر يبدو لي أن بها تصحيفا؛ فقد وردت في نشرة المطبعة السلفية عام 1349 هـ بلفظ (المتير)، وعلق الناشر على هذه الرواية بقوله:" لم أعثر بعد على هذه القصة عن أبي عمر الزاهد (غلام ثعلب) ولا عن غيره. ولست أعرف هذه الكلمة (المتير) وليست مثبتة في كتب اللغة لا بهذا المعنى ولا بغيره. وقوله إن اشتقاقها من المتر يدل بعض الشيء على أنها على وزن (فعيل) بمعنى مفعول أي ممتور أي مقطّع".
وأخيرا ، يذكر بكار أن "شوقي ضيف يذهب بثقة وحماسة، دون أي دليل، أن الخليل قرأ ما ترجمه غير ابن المقفع من علم الإيقاع الموسيقي عند اليونان، وحذق هذا العلم حذقا جعله يؤلف فيه كتابا كان الأصل الذي اعتمد عليه إسحاق الموصلي في تأليفه كتابه الذي صنعه في النغم واللحون".
أما الذين ينكرون هذا الإشعاع اليوناني ، فيذكر بكار منهم بطرس البستاني ومحمد مندور ومهدي المخزومي، وهو ما يؤكد لنا تمسكه بعدم الاعتراف بأي أثر لليونان في العربية خلافا لما لمسناه من عرضه للإشعاعين السنسكريتي والفارسي.
لقد كان ينقص بحث الدكتور يوسف بكار، حول مدى تأثير الإشعاعات الثلاثة على العربية، قدر من الاقتناع الذاتي بواحد من الآراء المتباينة التي كان يعرضها علينا. ولم يبد لي ذلك الاقتناع واضحا إلا في حديثه عن الإشعاع اليوناني ؛ وذلك من خلال تعقبه أصحاب الآراء المؤيدة لوجود ذلك التأثير.
وبين يدي الآن دراسة لاحتمالات التأثير الأجنبي للدكتور أحمد مختار عمر ضمنها كتابه "البحث اللغوي عند العرب" (الطبعة الثانية – عالم الكتب – 1976م) وقد تناول فيها قضية التأثير والتأثر من كلا الجانبين، وكان صوته واضحا فيها وهو يرجح رأيا على آخر، الأمر الذي كنت أود لو أن الدكتور بكار التفت إليه وأفاد منه وأضافة إلى مراجع كتابه.
يبدأ الدكتور أحمد مختار عمر بحثه بالتنبيه إلى أنه "ليس من السهل ونحن نبحث قضية التأثير والتأثر أن نصل إلى نتائج قطعية وحاسمة ، لأن مشكلة التأثير والتأثر من المشكلات الشائكة التي يصعب علاجها، وخصوصا إذا كانت تتناول موضوعا مضى عليه مئات السنين".
ثم ينبه إلى أمرين ، الأول: "أنه لا يصح - حين يجد الباحث تشابها بين عملين- أن يعوّل على مجرد السيق الزمني ويتخذه دليلا على تأثير السابق في اللاحق. فالعقل البشري هو العقل البشري في أي بقعة من أنحاء العالم ... وقد يتشابه العملان ويظل كل منهما أصيلا في ذاته".
والثاني :"أن كثيرا من الأحكام التي أطلقت حول قضية التأثير والتأثر قد أثبتت الأيام خطأها – أو على الأقل قدمت ما يشكك فيها. ومن ذلك ما كان يظن من اسبقية الهنود في علم الفلك ، وقد قال غوستاف لوبون عن ذلك: "ما كان يقال حول قدم علم الفلك الهندوسي ودقته من الأفكار، قد أهمل تجاه الدراسات التامة، فأصبحت هذه الأفكار غير جديرة بعناية أحد". بل أكثر من هذا يرى غوستاف لوبون أن القضية بالعكس وأن هناك قسما كبيرا من المعارف العلمية قد نقله المسلمون إلى الهند أو الصين ثم عده الأوروبيون فيما يعد من أصل هندوسي أو صيني".
ويشير الدكتور أحمد مختار عمر إلى أنه "ليس هناك احتمال تأثير هندي على فن المعاجم، بل العكس هو الاحتمال القائم" . ويستشهد في سبيل إثبات هذه الفكرة بأقوال عدة علماء منهم Haywood في قوله: "ومن العدل أن نقول إن فترة النشاط المعجمي الكبير في الهند كانت في القرن الثاني عشر، وهو وقت كان العرب فيه قد أنتجوا بعضا من معاجمهم العظيمة". وكذلك Weber في قوله: "إن المعاجم السنسكريتية بالمعنى العلمي لم تظهر إلا في وقت متأخر".
وفيما يخص تلك اللمحة التي ركز عليها القائلون بحدوث تأثير هندي في ترتيب أصوات العربية على نسق ترتيبها في الألفباء الهندية يتوسع الدكتور أحمد مختار عمر في تحليل هذه القضية ويخرج لنا بالنتائج التالية (ونظرا لأهمية مناقشته أنقل نصه كاملا تقريبا) :
1- إن الترتيب الصوتي عند الخليل – وغيره من اللغويين العرب – يختلف اختلافا كبيرا عن ترتيب الهنود. فقد ضمت الألفباء الهندية 51 حرفا وبدأت بالعلل (بدأ الخليل بالسواكن)، واشتملت على رموز للعلل القصيرة (لا توجد في الألفباء العربية)، وعلى رموز للعلل البسيطة والمركبة (لا رموز للمركبة في العربية)، ووضعت أصوات الصفير في آخر الحروف الساكنة (ما يقابلها في العربية، وهو ص – س – ز قد وضع في مكان وسط) واعتبرت الأصوات ي – ر – ل من أشباه أصوات العلة ووضعتها متتالية بالترتيب السابق (في حين أن الياء وضعت مع أحرف العلة في ترتيب الخليل وفصلت الياء عن اللام والراء بالضاد في ترتيب ابن جني).
ومعنى هذا أن الخليل، وإن كان من المحتمل أن يكون قد سمع بالترتيب الصوتي الهندي فقد خالفه حين التطبيق، ويبدو أنه اهتدى بذوقه وحسه الفطري إلى الترتيب الذي توصل إليه. ويؤيد ذلك ما رواه الليث في مقدمة العين عن كيفية اهتداء الخليل إلى هذا النظام، ونص عبارته: "فدبر ونظر في الحروف كلها وذاقها فصير أولاها بالابتداء أدخل حرف منها في الحلق. وإنما كان ذواقُه إياها أنه كان يفتح فاه بالألف ثم يظهر الحرف نحو أب – أت – أح – أع – أغ فوجد العين أدخل الحروف في الحلق فجعلها في أول الكتاب، ثم قرب منها الأرفع فالأرفع حتى أتى على آخرها وهو الميم". ثم يشرح الليث كيف وردت الفكرة إلى ذهن الخليل، وكيف قلب النظر فيها حتى انتهى إليها وأخرجها إلى حيز الوجود ...
2- أن دراسة الهنود للأصوات قد تميزت بوضع مقاييس محددة لأصوات اللين، وتحديد وظيفة التجويف الحنجري، ودور الأوتار الصوتية في إحداث الجهر والهمس. كما تميزت بدراسة المقطع ومواضع النبر، ولا نجد لهذا نظيرا عند اللغويين العرب.
3- أن الهنود كانوا ينظرون إلى الدراسة الصوتية على أنها فرع مستقل من فروع علم اللغة في حين أن اللغويين العرب اعتبروها دراسة تابعة. وأول مؤلف مستقل في الأصوات عند العرب لم يظهر إلا على يد ابن جني في القرن الرابع الهجري.
كما لايصح أن يقلل من جهد الخليل في معجمه العين، فعلى فرض أخذه الأساس الصوتي عن الهنود فله فضل تطبيقه في لغة أخرى، كما أن أصالته تظهر فيما يأتي:
1- جمعه المادة اللغوية بالطريقة الإحصائية التي سبق ذكرها، مع حرصه على الشمول.
2- التقسيم الكمي الذي اتبعه وتفريقه بين الصحاح والعلل.
3- شرحه الكلمات شرحا دقيقا والاستشهاد عليها بالقرآن والحديث والشعر.
ثم إن عملية الترتيب الهجائي في حد ذاتها لم تكن شيئا جديدا على العقلية العربية، فقد كان العرب يستخدمون الترتيب الأبجدي: أبجد هوز إلى أن استخدموا الترتيب الألفبائي الذي وضعه نصر بن عاصم ورتب الحروف فيه ترتيبا جديدا اقتضاه وضع الحروف المتشابهة في الصورة متجاورة، والبدء بالثلاثيات ثم الثنائيات ثم المفردات التي لا أشباه لها، وتركت الهمزة أولا كما كانت في النظام القديم. انتهى النقل.
التأثير السرياني:
ويتطرق الدكتور أحمد مختار عمر إلى التأثير السرياني على النحو العربي ، وينقل قول (جورجي زيدان): "العرب يغلب على ظننا أنهم نسجوا في تبويب النحو على منوال السريان، لأن السريان دونوا نحوهم وألفوا فيه الكتب في أواسط القرن الخامس الميلادي على يد يعقوب الرهاوي .. ويؤيد ذلك أن العرب بدأوا في وضع النحو وهم بالعراق بين السريان والكلدان، وأقسام الكلام في العربية هي نفس اقسامه في السريانية".
ويرد على ذلك بقوله: "وعلى الرغم من وجود هذا الاحتمال بتأثير سرياني على النحو العربي، فلا يكفي، في نظرنا، أن يتخذ مجرد السبق الزمني، أو التجاور المكاني، أو التشابه الجزئي دليلا على وجود تأثير وتأثر. ويبدو أن أولئك المولعين برد كل ما هو عربي إلى أصل أجنبي هم من تلك الفئة من الباحثين التي تستكثر على العقلية العربية الاستقلال الفكري، وتنفي عنهم الأصالة العلمية. ويبدو أيضا أن أولئك الباحثين قد ظنوا أن النحو العربي قد ولد ناضجا، لأته جاءنا ناضجا، فاتخذوا من ذلك دليلا على نقله من نحو أمة أخرى".
ولكنه يقر بوجود أثر للسريان على العرب في نقطتين لا مجال لإنكارهما، وهما:
1- الأبجدية النبطية "التي استعارها العرب لكتابتهم . والخط النبطي مشتق من الآرامي، والإملاء العربي القديم قريب من الإملاء من الإملاء الآرامي، ويظهر ذلك في الخط الكوفي.
2- نشأة الحركات الإعرابية في فجر الإسلام ، والتي ينسب وضعها إلى أبي الأسود الدؤلي، هي في الحقيقة مأخوذة من السريان. فقد استخدم أبو الأسود طريقة الشكل بالنقط وكانت إحدى طرق الشكل عند السريان، وهي الطريقة التي اتبعها النساطرة".
التأثير العبري:
وينتقل إلى التأثير العبري ليجد أن "الاحتمال الوحيد له في مجال الدراسات اللغوية هو الترتيب المعجمي بحسب القافية أو الباب والفصل". وذكر أن سعيد الفيومي (ت 331 هـ) قد وضع عملا معجميا أسماه Agron رتبه أو رتب قسما منه على الأواخر. وقال "أول من عرفناه من المعجميين العرب يرتب على الأواخر هو أبو بشر اليمان بن أبي اليمان (ت 284 هـ) ثم أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم الفارابي (المتوفى 350 هـ أو 370 هـ)" ويتساءل : "فهل استفاد الفارابي من سعيد الفيومي؟ أو هل ألف كل منهما معجمه بدون اتصال بالاخر ، وخصوصا أنهما تعاصرا لفترة طويلة؟ أو هل هما متأثران بمعجم اليمان أو بمعجم أقدم منهما لم يصلنا أو تصلنا معلومات عنه؟ " ويرى أنها "احتمالات ليس في إمكاننا ترجيح أحدها على الآخر".
ولكي يكتمل موضوع التأثير والتأثر عند الدكتور أحمد مختار عمر ، نجده يعقد فصلا ثانيا لاحتمالات التأثير العربي على النحو السرياني والقبطي والعبري. وكذلك على المعاجم الهندية والتركية والفارسية. وأما عن جانب العروض فقال: "وقد ظهر التأثير العربي بوضوح في الشعر الفارسي والسرياني. يقول الدكتور على الشابي: "نشأ الشعر الفارسي متأثرا بالشعر العربي شكلا وموضوعا" ويقول عن "منو جهري" الشاعر الفارسي الغنائي :"كان للقصيدة العربية بمفهومها الفني أثر واضح في نشأة القصيدة الفارسية .." ويقول بعد أن عرض نماذج لشعره : "إنها تعتبر أنموذجا حيا للقصيدة الفارسية من حيث تأثرها بالقصيدة العربية شكلا وموضوعا".
أما تأثر السريان فقد تمثل في شكل محاكاتهم للعرب في القوافي، وأول من أدخلها في شعرهم يوحنا بن خلدون في القرن الحادي عشر الميلادي.
الموضوع في غاية الأهمية ويستحقّ التدبّر فشكرا لك أستاذ أبو ستّة على إثارته وبسطه، وهو كما جاء طيّ العرض عامّ خاصّ لأنّه لا يتّصل بالعروض العربي فحسب ولكنّه عالق كذلك بعلوم اللغة أجمعها. وهو من بعد ذلك متشعّب إلى ما يمكن تسميته بعناصر هذا التأثّر الخارجيّة (السياق الحضاريّ العامّ، حركة الترجمة...) وعناصره الداخليّة (ما ينبئ من داخل العلم بوجود هذا التأثر كالمصطلح والمفهوم وما سواهما).
ولي في هذا السياق بعض أفكار قد يتيسّر عرضها إن شاء الله إذا جمعتها وصار يجمعها منهج واضح.
في الفصل الأول من الكتاب يتعرض الدكتور يوسف بكار لأصالة منبت العروض الخليلي، فيقرر أن "عروض الخليل بن أحمد عربي كما تنبيء مصطلحاته الكثيرة المختلفة: البيت وأركانه (مصرع / شطر، وعروض ، وضرب، وحشو) ، وأسماء البحور ودوائرها ، والتفعيلات / التشكيلات ومكوناتها (السبب ، والوتد ، والفاصلة صغرى وكبرى) وما قد يعتورها من زحافات وعلل شتى، والقوافي بضروبها وعيوبها".
وبعد أن يروي ما قيل عن معرفة العرب بالعروض قبل الخليل، ويرفض منه ما ذكر فيه عن "اختراعه العروض من ممر له بالصفارين" بحجة أنه "أدخل في الخرافة والأسطورة"، يعلن أن "أصالة منبت العروض ثابتة الأساس والبنيان لا يُصادَرعليها بما روي عن الوليد بن المغيرة ولا بما دعاه ابن فارس (العِلم) بل يندرج في ما أطلِق عليه (مرحلة ما قبل العلم). ثم إنه يقول أيضا: "ولا يصادر على تلك الأصالة الفراهيدية ما يقال عن إشعاعات الآخر القديم العروضية الجدلية المترجحة هندية (سنسكريتية) وفارسية ويونانية التي ربما كان لها بعض تأثير في الخليل وهو يقنن للعروض". وقد كنا نتمنى لو أنه ذكر هذه الفقرة الأخيرة في معرض تتبعه لتأثير إشعاعات "الآخر" في الفصل الذي عرضنا له.
وهو يؤكد على أن كل ما سبق الخليل من معرفة بالعروض، ومنها روايته عن التنعيم، يدخل في (مرحلة ما قبل العلم) وهذا التعبير نقله عن الدكتور محمد العلمي في كتابه "العروض والقافية" الذي اتكأ عليه كثيرا في معظم مباحث هذا الفصل وفي نواح متفرقة من الكتاب عموما. ثم ينبه على مسألتين رئيسيتين مهمتين، الأولى أنه لم يكن في مُكنة الخليل استقصاء الشعر كله وبالتالي غابت عنه بعض المظاهر والقواعد العروضية وهو ما أدى إلى الاستدراك عليه من بعده، غير أن الخليل "أثبت من صور البحور ما رآه يشكل ظاهرة إيقاعية معترفا بها عند العرب". وقد قارن ذلك بما جرى لنازك الملائكة من محاولة تقعيدها للشعر الحديث في مدة خمس عشرة سنة من عمره "ثم تراجعت عن صرامة تنظيرها واعترفت بما جد، وأدخلت ما سمته (تلطيفا) على قواعدها السابقة ".
والمسألة الثانية أن كتاب الخليل (العروض) ما زال مفقودا "ولم يكن من سبيل إليه سوى ما نقله عنه كثيرون ممن أتوا بعده، والنقلة يتفاوتون عادة فيما ينقلون وفق ما تمليه عليهم مذاهبهم واحتياجاتهم". ويستشهد في ذلك التفاوت بمسألة تكرار اللفظ في القافية وأنه ليس بإيطاء عند الخليل في قول بعض العلماء "في حين أن ابن عبد ربه يقول: وكان الخليل يزعم أن كل ما اتفق لفظه من الأسماء والأفعال ، وإن اختلف معناه، فهو إيطاء. فبأي الروايتين نأخذ؟". والواقع أن التفاوت في النقل عن الخليل كثير وقد عرضت بعضا منه في تحقيقي لشواهد الخليل التي زعم ابن عبد ربه أنه نقلها من كتابه.
وينهي هذا الفصل بالحديث عما نسب إلى الخليل من أنه لم يعرف بحر المتدارك أو يذكره، في حين أن "الأخبار والروايات تذهب إلى أنه كان يعرف المتدارك ونظم عليه قصيدتين ... غير أنه ، فيما يبدو، أهمله ولم يعره مزيد اهتمام".
ي الفصل الثاني من الكتاب ، وعنوانه تقنيات دقيقة ، يقرر د. بكار أن الخليل بنى خطته في العروض والقافية على "تقنيات علمية دقيقة استنبطها من المادة الشعرية التي كانت بين يديه والتي انكب عليها ووصفها وصفا علميا فكان ما وصفه "مظهرا لعلم وصفي لا معياري"" .
وهو يرى أن بعض هذه التقنيات المهمة قد "مُسّ مسّاً رفيقا، وتجووز بعضها بسبب من المسائل الكبيرة التي غطت عليها وحجبتها" ، ومن هذا البعض يختار "تقنية المجزوءات" قائلا : "وجد الخليل ان أكثر البحور الطويلة (الثمانية التفعيلة) والبحور المتوسطة (السداسية التفعيلة) تأتي مجزوءة ، في حين أن البحور القصيرة (الرباعية التفعيلة) كالهزج والمقضب والمجتث وبعض البحور الأخرى كالمنسرح لا مجزوءات لها" ويتساءل: لماذا ؟
ثم يجيب بأن "انتفاء المجزوءات من البحور البسيطة كالهزج ينهض على قاعدة تقنية دقيقة مردها أنها ، بحذف عروض البحر وضربه ، تقوض أركان البيت المكون من عروض وضرب وحشو .. فأما منعها في بحور أخرى كالسريع .. فكيلا يلتبس مجزوءه بمجزوء الرجز .. كذا الحال في المديد .. فلو اجتزئ لاشتبه أمره مع مجزوء الرمل الذي يجيء أحد أضربه على (فاعلا) وهي التفعيلة الثانية في المديد".
وفي مبحث "تقنية الزحافات والعلل" يتساءل عن سبب الالتزام في علل الأعاريض والأضرب وعدم الالتزام في زحاف الحشو. ويجيب بأنه "ربما أراد أن يوائم بين ضربي الموسيقى الشعرية الخارجية والداخلية متكئا على حقيقة الإبداع الشعري ذاته". ثم يشير إلى اختلاف وجهة النظر بين العروضيين حول استحسان الزحاف أو استقباحه ويورد رأي الخليل الذي يستحسن القليل منه مشبها إياه بـ "القَبَل والحول واللثغ في الجارية قد يشتهى القليل منه الخفيف" .
ويتحدث بعد ذلك عن تقنية القافية ليجد أن الخليل "أول من عرّفها تعريفا تقنيا رياضيا صوتيا هو بالمعادلة أشبه" ، مفضلا هذا التعريف على غيره من تعريفات للأخفش والفراء وشكري عياد، ولينتقل بعدها إلى تقنية التصريع ذاكرا أهميتها باعتبار أن الخليل "عني بها عناية دقيقة فائقة بعد أن ألفاه ظاهرة بارزة في الشعر الذي كان مادة عمله". وهو إذ يعرف التصريع عن (العمدة) بأنه "ليس سوى أن يُجعَل عروض مطلع القصيدة مثل الضرب تماما تنقص بنقصه وتزيد بزيادته". وعن (سر الفصاحة) بأنه يجري "مجرى القافية، وليس الفرق بينهما إلا أنه في آخر النصف الأول من البيت والقافية في آخر النصف الثاني منه" فإنه لم يبين لنا قول الخليل في التصريع الذي يؤكد على (عنايته به عناية فائقة)، ناهيك على أن افتباسه الأخير عن ابن سنان يبدو لي مستغربا أو لعل في اقتباسه هذا بعض الوهم ، فالتصريع كالتقفية كلاهما أن يسلك العروض مسلك الضرب صوتيا وعروضيا، وإنما جرى القدماء على التمييز بينهما بسبب ما لاحظوه من اختلاف الأعاريض عن الضروب في نهايات الأشطر وهي ظاهرة تتضح في أكثر البحور التي لها أكثر من عروض وضرب واحد. ثم يأخذ الباحث في ذكر عيوب التصريع التي تعد "أعيب من بعض عيوب القافية" كالتجميع والمصمت والمشطور وهو ما لا أرى فيه فائدة تبرر كل ذلك الإسراف في وضع المصطلحات له مما يزيد في صعوبة هذا المبحث البسيط الذي تكفي في شرحه وريقات قليلة .. أو ربما جمل أقل.
"أبو العلاء المعري وعروض الخليل" ، وهو الفصل الثالث من الكتاب، تحدث فيه الكاتب عن شدة عناية المعري بالخليل واستشهاده بآرائه في النحو واللغة ، "فأما العروض فقد كان المعري راغبا فيه متابعا لما قنّنه سابقوه، وذا باع طويل في مصطلحاته وشعبه وشعابه". ثم ذكر من كتبه التي بث في ثناياها آثاره في العروض، وهي "الفصول والغايات" و"رسالة الصاهل والشاحج" ، وأشار إلى ما فقد من كتبه وهي "جامع الأوزان والقوافي " و"مثقال النظم" في العروض و"مجد الأنصار" في القوافي.
ويذكر، على سبيل الاحتمال، أنه: "يبدو أن المعري كان على صلة بكتاب العروض للخليل"، ولا أدري من أين جاءه هذا الظن. وعن فنيات علمي العروض والقوافي يورد له الباحث بعض الآراء:
ففي الأوزان يرى أن قول الشاعر:
لأنكحن ببّه
جارية في قبّه
تمشط رأس لعبه
رجز عند العرب خلافا للخليل الذي جعله من المنسرح (المنهوك). وكذا في أبيات أخرى قال إنها "رجز عند العرب، وإن زعم الخليل أن بعضها من السريع".
وهو كذلك "يرى أن الثلاثة الأوزان: المضارع والمقتضب والمجتث قلما توجد في أشعار المتقدمين" . ويشير إلى أن الباحث محمد العلمي فهم من قول المعري "أن الخليل واضع بيت المضارع والمقتضب" معنى (صنعه) ، غير أن د. بكار يبرر قول المعري بأنه "ربما كان قصد أبي العلاء أن الخليل (وضع) كلا من البيتين شاهدا أو مثالا للمضارع والمقتضب" وأن كلمه (وضعه) ترد أحيانا عنده بمعنى (أوجده) كما في قوله "والطي الذي وضعه الخليل" و"الخبل الذي وضعه الخليل".
ثم يستطرد بالقول: "فهو ينص في صراحة – كما هو آت بعد قليل – على بعض أبيات "مصنوعة" من "وضع" الخليل لبعض العلل والزحافات". ولم أتبين بشكل قاطع وجه الضمير في قوله "ينص" ، أيعود إلى العلمي أم إلى المعري، ولكن لا بأس في هذا الاضطراب أمام قول د. بكار بعد ذلك "أما البيت "وإن تدن ..." فهو ليس بيتا مفردا، بل واحد من "مقطوعة" تعد خمسة أبيات (وأشار في الهامش إلى موضعها من العقد الفريد) ، وهي والبيت "أعرضت فلاح ..." ليسا في مجموعي شعر الخليل، اللذين أشرت إليهما سواء ما ثبت له أم نسب إليه". أيريد د. بكار من ذلك أن يصحح ما فهمه المعري من كون البيتين المذكورين مفردين، أنهما ليسا في (مجموعي) شعر الخليل، فقد وجدهما مع أبيات غيرهما في العقد الفريد (5 : 472)؟ ثم يقول بعد ذلك: "وقد ذكر التبريزي تلميذ المعري كل ما سلف دون أن يشير إلى جملة أستاذه "وضعه الخليل" بل اكتفى في المضارع بأن قال: ولم يسمع المضارع من العرب، ولم يجئ فيه شعر معروف، وقد قال الخليل: وأجازوه" . وقد تبين لي الآن وجه الضمير الذي ترددت في معرفته، فهو بلا شك يعود إلى د. محمد العلمي الذي يقارن د. بكار فهمه (للوضع) عند المعري بفهم تلميذه التبريزي.
ثم ينشغل د. بكار قليلا باقتباس من كلام البطليوسي في شرحه لكتاب "سقط الزند" وهو يتحدث عن الإقواء ويشرح بيتا للمعري فيغلطه د. بكار في موضعين أولهما قد يكون من باب السهو في الإملاء، والثاني من السهو أيضا في إشارته إلى تفعيلة الضرب بأنها (متفاعلن) وهي في الواقع (متفاعل)، فالخطأ في الموضعين إذن من قبيل السهو في الكتابة (كالخطأ المطبعي)، وهو نفسه أخطأ مثل ذلك في قوله "وضربه (متْفاعِلْ) الذي دخله (الخبن والقطع)"! ثم يستغرب من قول البطليوسي "المخالف لما ذكره أبي العلاء (كذا) أنه قال: والخليل يسمي هذا (الإقعاد)، ويسمي الجزء الذي يعرض فيه مثل هذا (المقعد)". وحقا، لا داعي لاستغراب د. بكار، فقد وجدت في اللسان قوله : "قال الخليل: إذا كان بيت من الشعر فيه زحاف قيل له (مقعد)، والمقعد من الشعر ما ينقص من عروضه قوة ، وكان الخليل يسمي هذا المقعد". فأنت ترى أن البطليوسي لم يخالف المعري من فراغ، فلا موجب إذن لذلك الاستغراب.
وينهي المؤلف هذا الفصل بحديث عن القافية عند المعري استقى مادتة من مصادر عديدة ولم يكن من بينها "مقدمته" المشهورة للزوميات مع أنها أغناها مادة في علم المعري بالقافية.
وبهذا ينتهي عرضنا للكتاب.



