الاثنين، 20 فبراير 2012

قصة الحضارة - فيليب الثاني 1555 - 1598- ويل ديورانت


2- فيليب الثاني


1555 - 1598


هنا رجل من أغرب واقوى شخصيات التاريخ، متعصب، ذو ضمير حي، مكروه أشد الكره خارج اسبانيا، محبوب أحر الحب داخلها، يتحدى أي دارس يحاول جاهداً أن يكون موضوعيا. كان نسبه قدره المكتوب، فأبوه شارل الخامس، الذي خلف له ملكا والتزاما بالتعصب، وجدته لأبيه جوانا لا لوكا ابنة فرديناند الكاثوليكي المجنونة؛ فالصوفية والجنون إذن في عروقه، والعقيدة والاستبداد في ميراثه. وكان لأمه ايزابيللا البرتغالية ولدان آخران مات كلاهما بالصرع في طفولته، وماتت هي نفسها في السادسة والثلاثين حين كان فيليب في الثانية عشرة. ولد في بلد الوليد عام 1527 يوم كانت جيوش أبيه تنهب روما وتسجن البابا، وربى على يد قساوسة ونساء أغرقوه في التدين وأقنعوه بأن الكنيسة الكاثوليكية هي السند الذي لا غنى عنه للفضيلة والملكية. وعلى حين كان أبوه - الذي نشأ في فلاندر - قد شب رجل دنيا، أصبح فيليب - الذي عاش في أسبانيا معظم حياته - أسبانياً وجهاً وعقيدة، جسداً وعقلاً، برغم جلده الأبيض وشعره الأصفر الحريري.
لم يكد يستمتع بشباب، ففي الثالثة عشرة عين حاكماً على ميلان، وفي السادسة عشرة وصياً على عرش اسبانيا - وهي وصاية لم تكن مجرد اسم بلا مسمى. فقد رتب شارل مشيرين له، وشرح له طباعهم ببصيرة نافذة، وأمره ان يؤلب المشير على المشير، وحضه على أن يحتفظ لنفسه بكل السلطة الحقيقية وكل القرارات النهائية - وهو ما فعله فيليب إلى آخر نسمة من حياته. وفي تلك السنة (1543) تزوج فيليب ابنة خاله الأميرة ماريا البرتغالية، ولكنها ماتت عام 1545، عقب أن أنجبت له ابنا »سيئ الطالع« هو الدون كارلوس، فعقد فيليب زواجا من احدى بنات الشعب هي إيزابيللا دي أوزوريو، التي انجبت له عدة أطفال. وألح عليه أبوه في فسخ هذا الزواج، وكان لزاما على كل أمير هابسبورجي أن يعين على تأليف نطاق من الحلفاء حول العدو القديم فرنسا. لذلك وجب على فيليب - لكي يؤمن قوة أسبانيا في الأراضي المنخفضة من تدخل إنجلترا - ان يبتلع حاسته الجمالية ويتزوج ماري تيودور ملكة إنجلترا الكاثوليكية. وينجب منها بنين يحتفظون بإنجلترا في حظيرة الكاثوليكية. وهكذا نراه في عام 1554 يعبر المانش، ويتزوج ماري الدميمة، العليلة، المؤملة في الحلف (وكانت تكبره بأحد عشر عاما)، ويبذل قصاراه لاخصابها، ولكنه يخفق، فيرحل (1555) ليصبح حاكما للأراضي المنخفضة.
وتمضي السنون وأعباؤه تثقل. ففي عام 1554 كان قد نصب حاكما لمملكة نابلي وصقلية المزدوجة. وفي عام 1556 تخلى له شارل عن تاج أسبانيا. وظل فيليب أربع سنوات يحكم أملاكه المبعثرة من بروكسل. وقد ناضل للتوفيق بين رزانته الاسبانية وبين المرح الفلمنكي والمالية الهولندية. لم يكن يستطيب الحرب، ولكن قواده كسبوا له في سانت كوينتين (1557) معركة حمل الفرنسيين على ابرام معاهدة كاتو - كامبريزي. ورغبة منه في إقامة بعض روابط الصداقة مع فرنسا تزوج فيليب من اليزابيث فالوا، ابنة هنري الثاني وكاترين مديتشي، وبعد أن خال الأمور قد استقرت ودع الأراضي المنخفضة وأبحر من غنت (أغسطس 1559) وحبس نفسه بقية حياته في أسبانيا.
ونقل العاصمة من طليطلة إلى مدريد (1560)، وما لبث ان حمله حبه للعزلة، وعدم ارتياحه إلى الوجود وسط الجماهير، على تكليف  خوان باوتستا و خوان دي هيرايرا بأن يشيدا له على سبعة وعشرين ميلاً شمال غرب مدريد مجمعاً من العمائر يحوي قصراً ملكياً، ومركزاً إدارياً، وكلية ومدرسة لاهوتية، وديراً، وكنيسة، وضريحاً - ولا غرو فقد أصبح فيليب الآن متديناً على قدر ما تسمح به مقتضيات السياسة. ففي معركة سانت كوينتين هدمت مدافعه مكرسة للقديس لورنس، وتكفيراً على هذا الانتهاك لمقدسات وعرفاناً بالجميل على انتصاره، كان نذر أن يقيم للقديس ضريحاً في أسبانيا. وهكذا سمى مجمع العمائر الشاسع هذا السيتيوريال دي سان لورينزو »- أي المقر الملكي للقديس لورنس، ولكن الزمن سماه الإسكوريال، نسبة لمدينة قريبة، اشتقت هي نفسها اسمها من لفظ »سكوريا« ومعناه خبث مناجم الحديد المحلية(10). وكان الاعتقاد أن القديس لورنس قد أحرق حتى الموت على مشواة من حديد، لذلك صمم خوان باوتستا خطة الارض على هيئة مشواة تقطعها الصالات من جنب إلى جنب، قاسمة الفراغ إلى ستة عشر فناء.
ويعجب المرء وهو يركب السيارة من مدريد إلى هذا المكان كيف استطاع فيليب، في عصر لم يتح له من وسائل الانتقال ما هو أسرع من ظهور الخيل، أن يحكم ملكه العالمي من مثل هذا الحرم الذي يتوه وسط تلال كئيبة؛ ولكن مدريد كانت أكثر منه بعدا عن العالم. وقد هجر هذا المجمع العظيم اليومٍ إلا من الرهبان وخدماتهم، ولكنه كان أيام عزه، بواجهته المبنية بطرز النهضة والبالغ طولها 744 قدما، وبقلاعه وأبراجه، وبقية كنيسته الضخمة، رمزا رهيبا للسطوة الأسبانية التي تبلت بالتقوى والفن. هنا كان يحكم نصف العالم المسيحي، ووحد الدين والحكومة في متاهة واحدة من السياسة والحجر، وهنا كان في استطاعة الملك أن يعيش كما يشتهي، لا بين حاشيته، بل بين القساوسة والرهبان والرفات المقدسة، ويسمع مرات كل يوم الأجراس المعلنة للقداس. هان كان البانتيون مزمعا أن يتلقى رفات ملوك أسبانيا وملكاتها، والمكتبة أن تصبح من أغنى المكتبات في أوربا، ومتحف الصور أن يضم عما قليل روائع بريشة رفائيل، وتتسيانو، وتنتوريتو، وفيرونيزي، والجريكو، وفلاسكويز، هنا اقبل بلجرينو تيبالدي، وبارتولوميو كاردوتشي، وفدريجو زوكارو، من إيطاليا للانضمام إلى خوان فرنانديز نافاريتي، ولويزدي موراليس، ولويز دي كاربايال، وغيرهم من الفنانين الاسبان ليرسموا الصور الجصية على الجدران والبواكي التي لانهاية لها. أما القصر الملكي فتركه بسيطا كل البساطة، ولكن الكنيسة برغم بائها على الطراز الدوري الصارم، كان مذبحها يتلألأ بالرخام السماقي واليشب والذهب ومن خلفه رافدة ذات حلية معقدة. وكانت القاعة المخصصة لاستقبال كبار القوم شاسعة حافلة بالزخرف، أما حجرة فيليب فأفقر حجرات البناء، متواضعة كأنها صومعة عابد(11). كان البناء رمزاُ لسطوة فيليب، أما الحجرة فتعبير عن خلقه.
لقد جهد غاية الجهد ليكون قديساً، ولكنه لم ينس أنه ملك. كان يعلم أنه أقوى حاكم على ظهر البسيطة ويشعر بالتزام سياسي بالكبرياء، ولكنه كان في لباسه آية في البساطة حتى أن بعض الغرباء الذين صادفوه في الاسكوريال حسبوه تابعا، وسمحوا له أن يكون دليلهم(12). وكان خليقا بهم ان يتعرفوا عليه من ذقنه الهابسبورحية الناتئة، لأنها كانت تحديا بارزا للعالم. وفي عان 1559، قبل أن يقسيه الزمن والتجارب، وصفه سفير بندقي بأنه »يبدي دائما من الرقة والانسانية ما لا يبزه فيه أمير(13)«، وقال عنه سفير انجليزي أنه »ذو خلق لطيف، وطبع لين، وميل إلى الهدوء(14)«. ولم يجد فيه أحد أي ميل للمزاح أمام الناس، وذكر أعداؤه القساة أنه لم يبتسم في حياته كلها غير مرة - وذلك حين سمع بمذبحة القديس برتلميو. على أنه في حياته الخاصة كان يستطيب الدعابة والنكتة ويضحك من كل قلبه(15). وكان يجمع الكتب بذوق ولذة، ولكنه آثر الفن على الأدب، فهو الراعي المرهف الذوق لتتسيانو، والناقد لإلجريكو، يحب الموسيقى ويعزف على القيثارة
حين لا يرقبه العالم، تحليه كل آداب السلوك الأسبانية، ولكنه يرتبك حياء ويجمد في المناسبات الرسمية، رشيق الجسم إلى أن أعجزه النقرس. لولعه بالفطير والحلوى. وكان منذ شبابه مستهدفا للمرض، وإذ كان قد أدرك السبعين كاملة فإنما الفضل في ذلك لتصميمه العنيد على اتمام واجباته. وقد اتخذ الحكم واجباً مقدساً، وراح يكد فيه يوماً بعد يوم طوال خمسين عاما. ويبدو أنه آمن حقاً بأن الله اختاره لوقف المد البروتستنتي، ومن هنا ما عرف عنه من عناد شديد وقسوة على مضض، »ولم يكن بطبيعته يؤثر الطرق العنيفة(16)«. ولم ينس قط صنيعاً (اللهم إلا حالة أجمونت). ولا نسي اساءة. كان المنتقم أحياناً، الشهم الصفوح غالباً. وزع الصدقات بسخاء يمليه الضمير(17). كان في عصر فاسد غير قابل للافساد، وما كان لرشوة أو هدية أن تثنيه عن الاضطهادات التي دفعه إليها تدينه.
أما في أخلاقيات السياسة فكان شبيها كل الشبه بمعاصريه - يكره الحرب، ولم يبدأ حربا قط، واحتمل من إهانات إنجلترا جيلاً كاملاً تقريباً قبل أن يجرد عليها الارمادا. كان قادراً، بل أقدر من معظم الحكام، على الخداع المتخفي وراء التقوى، والظاهر أنه شارك في مؤامرة لقتل اليزابث حي أعيته لانقاذ ماري ستيوارت(18). وكان حكمه لأسبانيا أوتوقراطيا ولكنه عادل، »يهتم الاهتمام الشديد برعاياه، ويصلح أي مظالم اجتماعية يجد الوقت لاكتشافها(19)«.
أما خلقه الشخصي فيفضل خلق أكثر ملوك القرن السادس عشر. كان في شبابه ببروكسل، إذا صدقنا اعداءه، »شديد الاباحية« و »لهوه المفضل أن يخرج ليلا متخفيا ليمارس شتى الشهوات المبتذلة في المواطن المألوفة للرذيلة(20)«؛ وبعد سنوات اتهم وليم أورنج، وهو يقود ثورة الأراضي المنخفضة، ناسك السكوريال هذا بأنه قتل ابنه ودس السم لزوجته الثالثة(21)،ولكن رجلا ساخطا مثل وليم لا يعتمد عليه في كتابة التاريخ. على أن مؤرخا لا يتطرق الشك إلى عظمته وجرأته، وهو ماريانا اليسوعي الاسباني، يصدر عليه حكما عدائيا كهذا، فبينما هو يشيد بـ »سماحة فيليب وعزيمته ويقظته وزهده في الطعام والشراب« يتهمه بـ »الشهوانية، والقسوة، والكبر والغدر، وعدة رذائل اخرى«(22) ولكننا نجد مؤرخا هولنديا محدثا يخلص إلى أن »فيليب الثاني لا يمكن اتهامه بالفجور و .. والخلاعة والفساد، فهو على قدر علمنا عاش بعد عودته إلى أسبانيا حياة فاضلة إلى حد الصرامة(23) زوجا وفيا شديد الاهتمام بأبنائه. وحين مرضت زوجته الثالثة اليزابيث قالوا بالجدري (وكان يومها فتاكا أغلب الأحيان) ظل ملازما لها لا يبرحها إلا نادرا مع أن وزراءه ألحوا عليه في ألا يعرض نفسه لخطر العدوى. وبعد موت اليزابث عقد فليب زواجا دبلوماسيا آخر (1570) بأميرة نمساوية من أميراتها العديدات المسميات »آن«، وماتت آن هذه عام 1580 وبعدها كرس عواطفه العائلية الحميمة لبناته. ورسائله لهن رسائل إنسانية فيها دعاية ومحبة(24). واصبحت اليزابث كلارا رفيقه الحميم وعزاءه الكبير وسط هموم الشيخوخة وهزائمها. وقد وصفها في وصيته بأنها نور عينيه. أما ابناؤه فلم يجد فيهم أي عزاء.
وتضافرت الأسطورة والأدب والشفقة الانسانية لتجعل من ابن فليب الأكبر رجلا أشهر من أبيه. كان كارلوس ضعيف البنية، مستهدفا للحمى المتقطعة؛ والاكتئاب، ونوبات الغضب والكبرياء. كان سخيا في إسراف، شجاعا في شراسة، كان يضحك جده، الذي كان بالأمس شارل الخامس العظيم بلومه إياه على أنه فر من موريس أمير سكسونيا في إنربروك (1552)- »لو كنت مكانك لما قررت قط!«(25) وفي المحادثات التمهيدية لمعاهدة كاتو-كاميريرزي كان هناك وعد بزواج كارلوس-وهو يومها في الرابعة عشرة- من اليزابث فالوا، ولكن في المعاهدة نفسها اتخذ فليب هذه الأميرة زوجة له بعد أن ترمل بموت ماري تيودور، وذلك ليحول الصداقة الفرنسية من انجلترا إلى أسبانيا، وبعد عام وصلت العروس إلى مدريد (1560). ولعل كارلوس حين رأى جمالها المتواري خلف قناع من الحشمة ساءه هذا التحوير لحق »السيد الاقطاعي«، ولكن ليس هناك دليل على وجود اية علاقة غرام بينه وبين الملكة ذات الأربعة عشر ربيعا(26).
وكان من المسلم به رسميا أن كارلوس وريث للتاج برغم علته. وفي عام 1561 أرسل إلى جامعة ألكالا »القلعة«. وهناك سقط من درجات سلم خلال مطاردته فتاة يغازلها فكسرت جمجمته، وراح يهذي في غيبوبته. ونشر الجراح الكبير فيزاليوس عظم رأسه فأنقذ حياة الصبي، ولكن تحسن حالته عزاه الناس إلى رفات أخ فرنسسكاني تقي- مات قبل قرن-أخذت من تابوتها ووضعت على الفراش إلى جوار الأمير. وخلال نقاهة الفتى الطويلة مكث فليب في »القلعة« وأنفق الوقت الكثير إلى جانبه. وأعيد كارلوس إلى مدريد وهناك استرد من العافية ما سمح له بالانضمام إلى شباب النبلاء في حوادث العنف يرتكبونها في الشوارع ضد الرجال والنساء. وقوت اعتداءاته القاسية الصاخبة، الشبهة في أن سقطته قد ألحقت بمخه أذى لا شفاء له منه. ولم يكن مما يعنيه على كسب عطف فليب أنه أعرب عن تعطفه مع الثوار في الأراضي المنخفضة. ولما عين ألفا قائدا للجيش هناك احتج كارلوس بأن هذه المهمة كان يجب أن تعهد إليه، فنهى الفا عن الذهاب، وهاجم الدوق بخنجر شهره عليه حين أصر على الذهاب(27). ويبدو أن الأمير خطر له حينا أن يهرب إلى الأراضي المنخفضة ويضع نفسه على رأس الثورة(28). وكلف فليب بعض وزرائه، الزاهدين في المهمة، بأن يراقبوه. ووضع كارلوس الخطط للهروب، وبعث بعملائه لجمع المال، وجمع 150.000 دوكاتية، وأمر بأن يؤتى له بثمانية جياد لهروبه _يناير (1568). غير أنه اسر بخطته لدون جوان النمساوي، الذي أفضى بها إلى الملك. وخاف فليب أن تستعمل اليزابث ملكة انجلترا، أو وليم أورنج، ابنه-إذا سمح له بمغادرة أسبانيا-منافسا لأبيه تمهيدا لعزله، فأمر بتشديد الرقابة على الأمير، وهدد كارلوس بالانتحار، فجرد فليب من كل سلاح وحبسه في القصر الملكي بمدريد.
إلى هناك كان مسلك فليب يسمح بالدفاع عنه، ولكن التعصب بدأ يعمق المأساة. ذلك أن الملك حين اشتبه في هرطقة ابنه أمر بألا يسمح له بأي كتاب الا كتاب صلوات يومية وبعض كتب العبادة. ورفس كارلوس الكتب وأهمل كل الطقوس الدينية. وأنذره قسيس بأن مسلكه قد يحمل محكمة التفتيش على التحقيق في صحة مسيحيته، وحاول كارلوس أن يقتل نفسه، ولكن حيل بينه وبين ذلك، على أنه حقق هدفه بأن رفض كل طعام قدم إليه طوال أيام ثلاثة، ثم أتخم نفسه باللحم والماء المثلج، فأصيب بالدوسنتاريا، ورحب الأمير بالموت، وتناول القربان لآخر مرة، وسامح أباه، ثم مات غير متجاوز الثالثة والعشرين (24 يوليو 1568). واتهم انطونيو بيريز-عدو فليب المنفي-الملك بأنه دس السم لكارلوس، وصدقت معظم أوربا التهمة، ولكن البحث دحضها . على أن صرامة سجن الفتى من النقط السوداء الكثيرة التي تلوث سجل الملك. وقد ألقى مسلكه من أخيه لأبيه، دون جوان النمساوي، ظلاً آخر على الصورة. فيبدو أن هذا الابن غير الشرعي لشارل الخامس وبربارا بلومبرج أثار في نفس فليب إعجاباً تشوبه الغيرة. ومع ذلك رفع جوان إلى مرتبة الأمراء، وعهد إليه بتنظيم حملة على قراصنة الجزائر. وابلى جوان فيها بلاء حسنا. وقلده فليب قيادة القوات البرية ضد مغاربة غرناطة، وأنفذ جوان مهمته دون أن يضيع وقتا أو يسرف في رأفة. فعينه فليب-وهو بعد في الرابعة والعشرين-أميرالاً أكبر للأساطيل الموحدة في »الحرب الصليبية الأخيرة«، وهزم جوان الترك في ليبانتو، وغدا بطل العالم المسيحي. هنا شعر بأنه جدير بعرش مملكة، ولكن شق عليه أن يكتفي فيليب بتنصيبه حاكما عاما على الأراضي المنخفضة.
ثم لام الناس الملك الصموت، الذي كان على الدوام يأبى لكبريائه أن يفسر مسلكه أو يدافع عن نفسه على منبر الرأي العام، لاموه اشد اللوم على مأساة أخرى. ذلك أنه رقي إلى منصب المستشارية لديه رجلا من عامة الشعب ذكيا أنيقا يدعى أنطونيو بيريز، وكان الاعتقاد أنه الابن غير الشرعي لأخص أصدقاء فليب وأحوزهم لثقته، وهو روى جوميز أمير ابيولي. فلما مات جوميز (1573)، اصبح بيريز الصديق الحميم-وربما العشيق(29)-لآنا دي مندوزا، أميرة ايبولي-الأرملة المغرقة في الدس. وقيل أن فليب نفسه كان له علاقة بهذه الحسناء العوراء قبل أحد عشر عاما، ولكن لعل »التاريخ« هنا لفق هذه القصة(30). وترما بيريز معها بغية الافادة من اطلاعها على أسرار الدولة. فلما هددهما خوان دي اسكوبيدو بأن يفضح نشاطهما المريب، أقنع بيريز قليب بأن اسكوبيدو يتآمر على خيانته، واعطى فليب الأمر باغتيال خوان. واحتفظ بيريز بالأمر ستة اشهر، ثم نفذه (1578) مما أدهش فليب واربكه. وبعد عام اقنعت أوراق دون خوان النمساوي السرية فليب ببراءة اسكوبيدو، فقبض على بيريز، وحبس الأميرة
في قصرها. واعترف بيريز بجريمته تحت ضغط التعذيب، ووافق على أن يرد للخزانة 12.000.000 مارافيدي. ولكنه فر إلى اراجون بمساعدة زوجته، وهناك طاردته محكمة التفتيش بتحريض فليب باعتباره مهرطقا. ففر إلى فرنسا، وعزا اضطهاده إلى غرام فليب بلا ايبولي غراما لم يسله، وافشى مواطن ضعف أسبانيا الحربي والمال لحكومتي فرنسا وإنجلترا، وحرض ايسيكس على الاغارة على السفن والشواطئ الأسبانية. وأخيرا مات بباريس عام 1611 بعد أن حاول عبثا الحصول على عفو فليب الثالث وحمايته(31).
لقد وجد فليب مبررا كافيا لاتباع نصيحة أبيه بالا يثق بمساعديه ذلك أن اشراف الأسبان-كالنبلاء الفرنسيين-كانوا غيورين من سلطة الملكية لا يتورعون عن الكبد للملك. ولقد أبقى على خلافاتهم فيما بينهم، وضرب بعضهم ببعض، وتلقى تقارير ملخصة عن آرائهم المتعارضة، ثم اتخذ قراراته. ولما فقد الثقة في مرءوسيه، أكب بشخصه على دقائق الحكم والإدارة في كي ميدان-في السياسة البابوية، والأشغال العامة، والرذائل المحلية، والطرق والكباري، وتطهير الأنهار للملاحة، وانشاء المكتبات، واصلاح القانون الأسباني وجمعه وتنسيقه، والاشراف على مسح جغرافي وتاريخي واحصائي واسع لأسبانيا ما زالت مجلداته الخمسة عشر ذات القطع الكبير دون نشر(32)-. على أن اضطلاعه بأعباء ينوء بها كل كاهل افضى به إلى سياسة التسويف والتأجيل، فقد لاحظ أن كثيرا من المشكلات تفقد إلحاحها أو معناها إذا أجلت عمدا-ولكن مجرى الأحداث في عدة حالات-كحالة الأراضي المنخفضة- فصل فيها على عكس ما يشتهي بينما هو يزن ما للحلول وما عليها أو يضعها على الرف. وفي مهجعه الملكي كان يملي أو يكتب بيده التعليمات لموظفيه الذين عينهم في خمس قارات. وقد افترض أن السلطة الملكية يجب أن تكون مطلقة، واغفل أو طغى على »الكورتيز« أو المجالس الأقليمية
إلا في الأرجوان وأصدر المراسيم-حتى مراسيم الاعدام-دون محاكمة علنية، وهدأ أوتقراطيته باليقين بأن هذا سبيله الأوحد إلى حماية الفقراء من الأغنياء(33). وأنشأ تدريجا وبجهد، داخل حكمه المستبد، في قارة استشرى الفساد في كل ارجائها تقريبا، بيروقراطية وقضاء امتازا بالقياس إلى غيرهما بالكفاية والعدل(34).
كان يحترم الكنيسة باعتبارها الشكل التقليدي للفضيلة والحارس القديم للملوك، ولكنه أخضع الدين للدولة في اسبانيا كما فعل هنري الثامن أو اليزابث الأولى في إنجلترا. وعلق أهمية كبرى على الوحدة الدينية باعتبارها أداة للحكم، حتى أنه رأى »أنه حير للملك ألا يملك اطلاقا من أن يملك على مهرطقين«(35) فلما اقتنع بأن المغاربة في أسبانيا ما زالوا يمارسون شعائر الإسلام برغم تظاهرهم بالكثلكة، أصدر (1567) أمرا عاليا يحرم كل العادات الاسلامية ويحظر استخدام اللغة العربية واقتناء الكتب العربية. وتمرد المغاربة (1568)، واستولوا على اقاليم كبير جنوبي غرناطة، وذبحوا المسيحيين، وعذبوا الكهنة، وباعوا النساء والأطفال رقيقاً للبربر نظير البارود والبنادق. ولكن التمرد أخمد بعد سنتين من الفظائع التي تنافس الفريقان في ارتكابها. وطرد جميع المغاربة من اقليم غرناطة وشتتوا بين الجماعات المسيحية في قشتالة، وأودع أبناؤهم البيوت المسيحية، وجعل الحضور إلى المدارس اجبارياً على جميع الأطفال-وهو أول إلزام من نوعه في أوربا(36). واشتبه فليب في أن المغاربة الباقين في بلنسية وقتلونيا يتآمرون مع العدو، وكان في حرب مع الترك، ولكن كثرة أعبائه أكرهته على أن يترك آخر مراحل المشكلة لخلفه.
وكان أبوه قد خلف له مهمة الدفاع عن العالم المسيحي ضد الإسلام باعتبارها جانبا هاما من سياسة الهابسبورج. ففي عام 1570 انضم إلى البندقية والبابوية في حرب صليبية تنهي سيادة الترك على البحر المتوسط. وسقطت قبرص في يد الترك بينما كان فليب يضع الخطط والحلفاء الثلاثة يحشدون اسطولهم. وما وافى عام 1571 حتى كانوا قد جمعوا في مسينا 208 سفينة شراعية كبيرة و 50.000 بحار، و 29.000 جندي، ورفع فوق مقدم كل سفينة صليب، ومنحت البركة للرايات، وارتفعت الصلوات جملة إلى عنان السماء، وأصدر الاميرال الشاب الملهم الصيحة الصليبية، »المسيح قائدكم، أنكم تخوضون معركة الصليب«. وفي 16 سبتمبر 1571 أقلع الأسطول وحقق انتصارا قضى على تفوق الترك في البحر المتوسط. وإذ كانت اسبانيا قد أسهمت بأكثر من نصيبها من السفن والرجال، فإن بهاء ليبانتو سطح على دون جوان والملك، وقارب فليب عندها ذروة مجده قبل انحداره. وواتته هذه الذروة حين ورث عرش البرتغال (1580) فضم هذا البلد الاستراتيجي إلى ملكه المتعاظم.
أما همه المقيم فكان ثورة الأراضي المنخفضة.فقد علم ساخطا أن كوليني، الزعيم البروتستنتي، كاد يقنع شارل التاسع بأن فرنسا يجدر بها أن تتحالف مع الثوار. فلما بلغ فليب نبأ مذبحة القديس برتولوميو التي أطلق شارل وحوشها على الهيجونوت طرب له وشدد النكير على الأراضي المنخفضة. فحرض على اغتيال وليم أورنج ودفع أجر الجريمة، وحاول شراء صداقة هنري نافار؛ ولكن هنري لم يكن ممن تشتري صداقتهم بالمال. ومن ثم اشترى فليب آل جيز والحلف الكاثوليكي؛ وحلم يجعل ابنته ملكة على فرنسا، وعندها تتحالف قوى اسبانيا وفرنسا فتخضعان الأراضي المنخفضة، وتنصبان ماري ستيوارت ملكة على انجلتره، وتقطعان دابر البروتستنتية من كل مكان. فلما أرسلت اليزابث المعونة لهولندة (1585)؛ وشيعت ماري إلى آخرتها (1587)، وبعد سنين صبر فيها فليب وصابر على الغارات التي شنها قراصنة اليزابث على سفن اسبانيا وشاطئها وكنوزها. جنح آخر الأمر إلى الحرب، فخرب مالية حكومته ليمول الأرمادا. وساندت أسبانيا كلها هذا الجهد وصلت من أجل النصر، شاعرة بأن مصير الأسطول سيفصل في تاريخ أوربا. وتجلد فليب في ظاهر الأمر لذل الكارثة وعارها، وقال انه أرسل سفنه لتقاتل البشر لا الأنواء. ولكن الهزيمة حطمت روحه وكادت تحطم أسبانيا، هذا برغم أنه عاش بعدها وقاتل عشر سنوات أخرى، وأن أسبانيا استغرقت قرنا حتى سلمت بخرابها. إنه لم يستطع أن يصدق أن الله تخلى عنه بعد ثلاثين عاما من الكفاح في سبيل الإيمان، ولكن لا بد أن هذه الحقيقة الكئيبة طالعته في النهاية، وهي أنه بعد أن أفقر شعبه بالضرائب، أخفق في كل شئ إلا في اكتسابه البرتغال بمحض الصدفة، ورده الترك مؤقتا-وكانوا قد استولوا من جديد على تونس وأخذوا يستردون سطوتهم. لقد كان هنري الرابع يسير إلى النصر في فرنسا؛ والأراضي المنخفضة في ثورة لا سبيل إلى التصالح فيها؛ وأبى البابا أن يتحمل فلسا من نفقات الأرمادا؛ وقبضت البروتستنتية على ناصية الشمال الغني، واخذت تهيمن على البحار ومن ثم على أمريكا والشرق بعد قليل، أما تلك السليطة اليزابث، فهي متربعة على عرشها المنيع وسط المياه ظافرة بعد أن تفوقت على كل ملوك عصرها فطنة ودهاء.
واصطلح على الملك الثكل، والعزلة، والمرض-اصطلحت عليه كلها لتذله بعد عز وتوهن من اعتداده بنفسه. كانت زوجته الرابعة قد ماتت عام 1580، ولم يبق على قيد الحياة من الأطفال الثلاثة الذين أنجبتهم غير غلام قليل الكفاية لا بد أن يورث أول امبراطورية لا تغرب الشمس فوق رقعتها. ان الشعب ما زال يحمل لفليب الاجلال برغم أخطائه وهزائمه، فهو مقتنع بأنه ناضل من أجل قضية مقدسة، وأنه لعب لعبة القوة دون أن يفوق أعداءه تحللا من مبادئ الشرف، وهو صابر في غير لوم على الشقاء الذي أوقعته فيه سياساته الاقتصادية ونظام ضرائبه وهزائمه. وقد اصاب أطرافه بالآلام المبرحة في شيخوخته، وأعجزه بالشلل، ذلك النقرس الذي كان آخر تركة ورثها عن أبيه، وخيمت على احدى عينيه سحابة من السد، وشوهت جلده القرح المنفرة.
وفي يونيو 1598 حمل على محفة إلى الاسكوريال، إلى غرفته الأثيرة التي يستطيع خلال نافذتها أن يتطلع إلى مذبح الكنيسة المرتفع. وظل ثلاثة وخمسين يوما يبلى جسده في فراشه، محتملا كل شئ وهو واثق أنه امتحان الإله لإيمانه، محتفظاً بذلك الإيمان إلى النهاية الرهيبة، متشبثا بصليب لا يفتأ يلثمه مرددا الصلوات المرة بعد المرة. وأمر بالافراج عن السجناء ليكون ذلك آخر عمل من اعمال الرأفة. وأرسل في طلب ابنه، وأوصاه بالرأفة والانصاف ما دام حيا، وأمره بأن يعترف بالخاتمة المهينة التي تنتهي إليها القوة الدنيوية. ثم انتهى عذابه في 13 سبتمبر 1598.
لقد بذل قصاراه بعقل غلت التربية في تقييده، عقل أضيق من أن يسع امبراطوريته، وأصلب من أن يطوع نفسه لتبعاته المنوعة. وليس في مقدورنا أن نعرف هل كان إيمانه زائفا؛ وكل ما نشعر به أنه إيمان متعصب قاس ككل إيمان في عصره تقريباً، وأنه أظلم عقله وشعبه بينما واسى فقر هذا الشعب وسند كبرياء الملك. ولكن فليب لم يكن الغول الذي صورته أقلام خصومه المشبوبة. فقد كان- على قدر ما أوتى من بصيرة- لا يقل في عدله وسماحته عن أي حاكم في قرنه إلا هنري الرابع. وكان مهذباً في حياته الزوجية، محباً لأسرته محبوباً منها، صابراً على الاستفزاز، شجاعاً في الشدة، مخلصاً في الجهد. لقد دفع إلى التمام ثمن تركته الغنية المهلكة.

قصة الحضارة - فخامة أسبانيا وانحطاطها 1556 - 1665- ويل ديورانت





 الفصل العاشر


فخامة أسبانيا وانحطاطها


1556 - 1665


1- الحياة الأسبانية


إن الذين ربوا منا على المؤرخين الإنجليز قد ينسون بسهولة أن أسبانيا كانت بعد هزيمة الأرمادا، كما كانت قبلها، أعظم الإمبراطوريات على وجه الأرض وأعتاها وأكثرها اتساعاً، وأنها اعتبرت نفسها - ولها العذر - أرقى من إنجلترا الإليزابيثية في الأدب، ومن إيطاليا المعاصرة في الفن. فحين ارتقى فيليب الثاني العرش (2556) كانت الملكية الإسبانية، وروسيون، وفرانش كونتيه، وسته، وأوران، والاراضي المنخفضة، ودوقية ميلان، ومملكة نابلي، وصقلية، وسردانيا، والفلبين، وجزر الهند الغربية، ومعظم أمريكا الجنوبية، وجزءاً من أمريكا الشمالية، وكل أمريكا الوسطى، يضاف إلى هذا (1580 - 1640) البرتغال والأملاك البرتغالية، في آسيا، وأفريقيا، والبرازيل، كذلك محمية في سافوي، وبارمان وتوسكانيا، وحلف مع الامبراطورية الرومانية المقدسة التي حكمها فرديناند الأول عم فيليب. وكانت اسبانيا تمتلك جيشاً عدته خمسون ألف مقاتل اشتهروا بالبسالة وحسن النظام، تحت امرة افضل قواد العصر، واسطولا من 140 سفينة، ودخلا سنوياً يبلغ عشرة أمثال دخل إنجلترا. وكان ذهب أمريكا وفضتها يتدفقان على الموانئ الأسبانية. أما البلاط الأسباني في هذا العصر كافخم بلاط في العالم، وأما الأرستقراطية الاسبانية فأشد الارستقراطيات كبرياء وعجباً. وكان
الملايين من الناس خارج أسبانيا يتكلمون الأسبانية، وفي كثير من الأقطار تعلمت الطبقات المثقفة اللغة الأسبانية كما تعلمت بعد ذلك اللغة الفرنسية في القرن الثامن عشر. كذلك زينت العمارة الأسبانية المدن في خمس قارات.
وبلغ عدد سكان أسبانيا الآن ثمانية ملايين. واضمحلت الزراعة بتحويل المزيد من الأرض إلى مزارع للأغنام لإنتاج الصوف. وقد بلغ عدد عمال النسيج في طليطلة وحدها خمسين ألفاً حوالي عام 1560، وحفزت مطالب المستعمرات الأسبانية صناعات اسبانيا، وأصبحت أشبيلية من أهم الثغور في أوربا، وأرسلت المستعمرات نظير ذلك الشحنات من الفضة والذهب. ورفع تدفق المعادن النفيسة الأسعار رفعاً جنونياً-فبلغت نسبة الغلاء في الأندلس 500 في المائة في القرن السادس عشر، وصعدت الأجور لتلحق بتكاليف المعيشة في سباق محموم اصبح في النهاية عديم الجدوى. وكان كثير من الصناعة يقوم على أكتاف المغاربة (المورسكو)- وهم المسلمون الذين اعتنقوا المسيحية ظاهرياً. اما الخدمة في البيوت فألقى أكثر عبئها على العبيد المأسورين في الغارات على أفريقيا أو في الحروب التي شنت على »الكفار«. لقد كان عامة الأسبان يحتقرون العمل ويقنعون بالقليل في تفلسف، فالنوم في كوخ، والاصطلاء في الشمس، ومداعبة القيثارة، والبكاء على شح الحسان-ذلك خير من الكدح والعرق شأن العبيد أو المسلمين. وقد ساهم طرد المغاربة عام 1609 مع غلاء المنتجات الأسبانية في اضمحلال الصناعة في أسبانيا.
وكان طرد اليهود عام 1492 قد ترك فراغاً في بناء اسبانيا التجاري والمالي. وأصبح الجنوبيون والهولنديون أهم النقلة لتجارة أسبانيا الخارجية. أما أسبانيا التي كان يحكمها نبلاء تمرسوا بالدبلوماسية والحرب أكثر مما تمرسوا بشئون الاقتصاد، فقد تركت ثروتها تعتمد على استيراد الذهب، وازداد ثراء الحكومة حيناً بينما ظل الشعب في فقره، ولكن كثيراً من هذا الذهب كان ينزح لاستخدامه في الحرب، أو يأخذه التجار الأجانب
الذين ينقلون تجارة أسبانيا، حتى كادت الحكومة تفتقر كالشعب. ورفضت أسبانيا الوفاء بديونها المرة بعد المرة (1557و 1575 و 1596 و 1607 و 1627 و 1647) أو حولتها بالاكراه إلى قروض جديدة، وهذه الأزمات المالية هي التي ألجأتها إلى انهاء حربها مع هنري الثاني عام 1559، ومع »الأقاليم المتحدة« عام 1609. ففي التاريخ علينا أن نفتش لا عن »المرأة« بل عن »المصرفي«.
وفي أسبانيا علينا كذلك أن نفتش عن الكاهن. ذلك أن الدين لم يفرض مثل هذا السلطان على الشعب، ومن ثم على الحكومة، في أي بلد آخر من بلاد الله، ولم تكتف أسبانيا برفض حركة الاصلاح البروتستنتي فحسب، بل تجاوزتها إلى رفض النهضة أيضاً-اللهم إلا لحظة إرزمية عابرة. وظلت »وسيطة« في عالم حديث، قانعة بنصيبها هذا. وكان فقر الشعب يتهلل لثراء الكنيسة. كان الكل متدينين، من الملوك »الأشد كثلكة من البابا«(1) إلى قطاع الطرق الذين لم يروا قط إلا حاملي المداليات أو الشارات الكتفية الدينية. وفي عام 1615 سار نحو أربعين الف اسباني في مظاهرة مطالبين بأن يجعل البابا من »حمل العذراء غير المدنس« (أي خلوها من لوثة الخطيئة الأصلية) عقيدة في صلب الإيمان-أي اعتقاد الزامي على جميع الكاثوليك)2). وفي كل مكان كنت تجد القساوسة والرهبان والأخوة، لا متسامحين أو راضين عن مباهج الحياة والحب كما في إيطاليا أو فرنسا، بل ملقين جوا من اكتئاب الجريكو على كل شئ الا مصارعات الثيران. واصبح في أسبانيا الآن 9.088 ديرا، و 32.000 أخ دومنيكي وفرنسسكاني(3)، وعدد متزايد من اليسوعيين. وكانت الكنائس معتمة، تزخر بالرفات الرهيبة، وتزدان بالمرعبات الواقعية في فنها. اما قصص القديسين ومعجزاتهم فهي الشعر الذي يعتز به الشعب. وحبب الناس في التصوف في أغاني القديس يوحنا الصليبي وكتابات القديسة تريزا، ووجدت الكنيسة لزاما عليها أن تحتج

على ما ادعاه »المهدئون« من صلة حميمة بالله ومن روى طوباوية، وفي عام 1640 وقعت في براثن محكمة التفتيش طائفة من الألومبرادو -»أي المستنيرين«- زعموا أن اتحادهم الصوفي بالاله يطهرهم من كل اثم حتى وهو في نشوات الجنس. علينا أذن ان نذكر هذا التدين الواسع الانتشار، الشديد التحمس، إن أردنا أن نفهم لم استطاع الشعب الأسباني أن يرقب في استحسان قوى حرق المهرطقين، وأن يجود بماله حتى الإفلاس والإعياء دفاعا عن العقيدة في ألمانيا والأراضي المنخفضة. لقد كان في هذا الجنون شئ من النبل، وكأن الأمة أحست بأنه ما لم يكن إيمانها صادقا فإن الحياة تصبح سخفا لا معنى له.
وهكذا مضت محكمة التفتيش في وحشيتها التي املاها عليها ضميرها، فحدت بالعقوبات »المعتدلة« - كجلد المذنب مائة جلدة - من بدع كتلك التي زعمت أن الزنى ليس خطيئة، أو أن الزواج مقدس كالتبتل الديري. أما المارانو »المرتدون«- وهم اليهود الذين اعتنقوا المسيحية من قبل ثم ارتدوا إلى اليهودية سرا- فكان التكفير المقرر عن جريمتهم هو الموت أو السجن المؤبد. وحين وصل فليب الثاني إلى اسبانيا (1559) استقبل في بلد الوليد بتنفيذ حكم للمحكمة شهد فيه 200.000 شخص يرأسهم الملك عشرة من المهرطقين يشنقون واثنين يحرقان أحياء(4). والتمس أحد المحكوم عليهم الرأفة من فليب فرفض، واكتسب إعجاب الشعب بقوله »لو أن ابني كان شقيا مثلك لحملت بنفسي الحطب لأحرقه«(5) وقد قاوم فليب أحيانا جنوح محكمة التفتيش إلى توسيع سلطانها على حساب السلطة المدنية، ولكنه على العموم شجع هذه المؤسسة باعتبارها أداة تعين الحماسة والوحدة القوميتين. وقد أراحه بعض الشيء أنه استطاع استخدام المحكوم عليهم عبيدا على السفن(6). وأمه في سنة واحدة (1566) تسلم 200.000 دوكاتية من الذهب هي نصيب الثلثين المستحق للحكومة من غرامات محكمة التفتيش ومصادراتها.
واعتزت محكمة التفتيش بصونها عقيدة العصر الوسيط نقية لا غش فيها، وبإنقاذها اسبانيا من الفرقة الدينية التي تتلوى فرنسا تحت قبضتها. وترك اهتمامها بالعقيدة دون السلوك حماية الفضيلة لرجال الاكليروس-وكانوا هم أنفسهم مشهورين بالتهاون في سلوكهم-ولموظفين المدنيين الذين حد من سلطانهم على الشعب خضوعهم لما تصدره محكمة التفتيش من أحكام بالسجن أو الغرامة. أما عفة النساء فلم يقم حارسا عليها الدين والقانون فحسب، بل »البونتو«، أي حق الدفاع عن العرض، وهو مبدأ يلزم كل ذكر بأن يدافع أو يثأر بالسيف لعرض أية امرأة في اسرته هدد أو انتهك. وكانت المبارزة غير قانونية ولكنها محببة إلى الشعب. وكان كرام النساء يلزمن بيوتهن في احتجاب شبيه بما كان عند العرب، يأكلن بمعزل عن الرجال، وقلما يصحبنهم علانية، ويركبن المركبات المقفلة إذا انتقلن من بيوتهن. وكان طلاب يد الفتاة يتوددون بالموسيقى تعزف من الشارع للعذراء المحتجبة خلف نوافذ ذات قضبان، وقل أن يؤذن لهم بدخول البيت حتى يصل والدا الطرفين إلى اتفاق، ومع ذلك كثرت زيجات الغرام(7). وفي عهد فيليب الثاني احتفظ بمستوى الأخلاق عاليا على قدر ما سمحت به فتنة النساء أو خيال الرجال، وخفف من فساد الموظفين الطبيعي يقظة الملك، وإلى هزيمة الأرمادا كان يصون روح الشعب المعنوية اعتقادهم بأن أسبانيا تخوض حربا مقدسة ضد الإسلام، والأراضي المنخفضة، وإنجلترا، فلما تحطم الحلم انهارت أسبانيا جسداً وروحاً.
على أن الحياة الأسبانية كان لها بهاؤها وسحرها الملازمان لطبيعتها. فالاحسان واسع الانتشار، والسلوك المهذب يسود جميع الطبقات. ونصف الأمة يزعم لنفسه عراقة الأصل ويحاول الارتفاع بحياته إلى آداب الفروسية، ويصر على أن يرتدي لباس العشر الأعلى من السكان. وكان اللباس في عهد فيليب الثاني متوسط البساطة، فالرجال يلبسون أطواق الرقبة والصدرات
والجوارب الطويلة القاتمة الضيقة، والأحذية ذات المشابك، أما النبيلات (وكلهن نبيلات) فيغطين ما استدار من اجسامهن بالمشدات القاسية المستوية، ويحجبن عن الجنس الآخر كل وجوههن فيما عدا العيون (وهي في نساء الأسبان شديدة التوقد)، ويخفين اقدامهن في خفر بحيث كانت لمحة واحدة إليها أعظم المكافآت المثيرة التي تجزي بها توسلات العاشق الولهان(8). وأصبح لباس النساء أكثر بهاء إبان التراخي الخلقي الذي أعقب موت فيليب، فالمراوح ترف في مداعبة بلا كلام، والصباغ الأحمر يلمع على الوجوه والأكتاف والنحور والأيدي، والسيقان التي يلفها الغموض تخفي في تنانير من سعتها أن اصحاب المسارح كانوا يتقاضون أجر كرسيين من لكل امرأة تعاظم حجمها على هذا النحو.
وظلت مصارعة الثيران المفضلة. وقد أصدر البابا بيوس الخامس مرسوماً بحظرها عام 1567، ولكن فليب الثاني احتج بأن هذا الخطر سيطلق ثورة في اسبانيا، فأهمل المرسوم. واضافت المواكب الدينية شيئاً من الشعر الحزين إلى الأيام العادية الخالية من الاثارة. وسترت اقنعة الكرنفال كثرة من الخطايا. أما الموسيقى فغرام لا يفوقه غير الدين والعشق - وهو وثيق الصلة بهما. فالفويلا في شكلها بالقيثارة تعزف الحانا شجية تلازم العلاقات الرامية. وقد حظيت الأغاني الشعرية القصيرة بشعبية مؤقتة. ونافست اسبانيا إيطاليا في الموسيقى الكنيسة. وقد نشأ توماس لويس دي فكتوريا، وهو بمثابة فلاسكويز الموسيقى الأسبانية، في أفيلا (آبله)، بلد القديسة تريزا، ولعله وقع تحت تأثيرها. وكان يملك الصوت والوظيفة، ولعله رسم قسيسا عام 1564، ومن المؤكد أن فيليب أجرى عليه إعانة ليدرس الموسيقى في إيطاليا. ونحن نراه في سنة 1571 رئيسا لفرقة المرتلين في الكلية الجرمانية بروما. وفي عام 1572 أصدر كتابا من الألحان يحوي موسيقى «Ovos omnes» (يا جميع الآلهة) الملهمة المرافقة لمراثي أرميا لأورشليم. ولما عاد إلى اسبانيا قدم لفليب الثاني كتاب قداديس احتوى على لحن من أرفع ألحانه، وهو قداس «Oquam gioriosum» (ما أمجدك). وكتب قداسا جنائزيا عميق التأثير لمأتم ماريا أخت فيليب، وأرملة الامبراطور مكسليان الثاني، وضعه مؤرخ نابه للموسيقى في صف »أروع الألحان المدونة قاطبة(9)«. وقد سماه أغنيته التم«، وبعد نشره (1603) تفرغ بكليته لواجباته الكهنوتية. وكان من ألمع النجوم في أشهر عهد من عهود الملكية الأسبانية.

الأحد، 19 فبراير 2012

قصة الحضارة - مجيء الباروك 1550 - 1648 - ويل ديورانت








8- مجيء الباروك


1550 - 1648



كان الفن الكلاسيكي - كالبارثينون وأفريزه، ومنحوتات ميرون وبولسكليتوس، وساحة روما، ولايناد، وستانزا رفائيل بالفاتيكان، وصور كنيسة مديتشي لميكل أنجيلو - هذا الفن كان اختزال الفوضى إلى نظام، والتعدد إلى وحدة، والحركة إلى ثبات، والشعور إلى فكر ، وغير المميز إلى مميز، والمعقد المبهم إلى البسيط الواضح؛ كان المادة مصوغة من الشكل. ولكن كل شيء حتى الكمال يزهده الناس حين يطول به العمر. فالتغيير ضروري للحياة، والحس، والفكر؛ والجديد المثير قد يبدو جميلا لهذه الحدة ذاتها، حتى يعود القديم المنسي على عجلة الزمن فيرحب به الناس على أنه فتى وجديد. وهكذا طردت النهضة الفن القوطي من إيطاليا باعتباره فنا همجيا، حتى إذا ضاق الفنانون ورعاة الفن بالنسب الجميلة والتناسق المقيَّد، وضحكوا كما ضحكت تماثيل الكاتدرائيات البشعة الوجوه على الأعمدة والاعتاب


والقواصر الكلاسيكية، أعادوا الروح القوطية ممثلة في شذوذات الباروك وتفصيلاته الزاخرة بالحيوية والمرح .
كان الفن الكلاسيكي ينشد الافصاح عن الموضوعي، اللاذاتي، الكامل، أما الباروك فقد أتاح للفنان الفرد، حتى لنزوته العارضة، أن تجد التجسيد في عمل لا يمثل موضوعا يصور تصويرا واقعيا (كما فن التصوير الهولندي) بقدر ما يمثل انطباعا أو شعوراً موضعاً عن طريق أشكال متخيلة جزئيا. وهكذا نرى أن صور الجريكو النحيلة الطويلة ليست صور رجال أسبان بل صور ذكرياته أو بدواته هو؛ وصور العذراء التي رسمها موريللو وجويدو لم تكن صور الأمهات المرهقات اللاتي عرفاهن بل الورع المثالي الذي طلب إليهما التعبير عنه. يضاف إلى هذا أن بلدا كإيطاليا زلزلت إحساسه حركة الإصلاح البروتستنتي وشحذ عاطفته الدينية من جديد أفراد كلويولا، وتريزان وزافير، وشارل بوروميو - إيطالية ما بعد لوثر هذه ما كان في الامكان أن تستكين إلى سلام المثل الكلاسيكي، ذلك السلام الهادئ الفخور، لذلك راحت تؤكد عقيدتها من جديد، وتبدي رموزها في تحد، وتزين هياكلها، وسكب في الفن دفئا جديدا من اللون والاحساس، وتنوعاً جديداً وحرية في التركيب والحركة لا يمكن التنبؤ بها، انطلقت من عقال القواعد والضوابط والخطوط الكلاسيكية. لقد أصبح الفن تعبيرا عن الشعور بالحلية، لا ضغطاً للفكر لإحداث الشكل.
أما العمارة فلم تعد رياضيات يونانية أو هندسية رومانية، بل موسيقى، وأحيانا أوبرا، مثل دار الأوبرا في باريس. واتجه المصممون والبناءون من الثبات إلى السيولة والايقاع، فرفضوا التناسق الساكن مؤثرين عليه عدم التوازن وعدم الوحدة المتعمدين، وفصصوا

الأعمدة والأعتاب أو لووها عن قصد. وسئموا السطوح الساذجة والكتل الثقيلة، وقطعوا الكرانيش، وشطروا القواصر شطرين، وبعثروا النحت في كل اتجاه. أما المثالون فقد ضاقوا بأطراف الجسد الكاملة، والملامح الساكنة، والوقفة الأمامية الجامدة، فاتخذوا لاشكالهم أوضاعا غير متوقعة، داعين الناظر إلى اتخاذ نظرات منوعة، واستخدموا مؤثرات التصوير في صناعة التماثيل، فنحتوا الاضواء والظلال في الحجر، والحركة في الجسد، والفكر والشعور في الوجه. وأما المصورون فتركوا الخطوط النقية، والضوء الصافي، والسكينة البريئة - تركوا هذا كله لبيروجينو، وكوريدجو، ورفائيل، وغمروا الدنيا في اللون كما فعل روبنز، أو ظللوها بالغموض كما فعل رمبرانت، أو ايقظوها للحس مثل ريني، أو كدروها بالعذاب والوجد مثل الجريكو. وأما نقاشو الخشب فبعثروا الزخرف على الأثاث، وأما صانعو الأدوات المعدنية فقد حولوا مادتهم إلى أشكال غريبة أو مضحكة. وحين عهد اليسوعيون عام 1568 إلى فينولا برسم »كنيسة يسوع« في روما، اشترطوا أن تجمع كل الفنون في فيض من الأعمدة، والتماثيل والصور، والمعدن النفيس، تصمم لا التعبير عن الهندسة، بل لتلهم الإيمان وتشيعه في النفوس.
ولما كانت إيطاليا لا تزال في الفن قائدة أوربا، فإن الأسلوب الجديد في الزخرفة والعاطفة والتعبير ل ينتقل إلى أسبانيا وفلاندر وفرنسا الكاثوليكية فحسب، بل حتى إلى ألمانيا البروتستنتية حيث بلغ بعضاً من أكثر أشكاله مرحاً وبهجة. أما الأدب فأحس تأثير الباروك في لعب ماريني وجونجوزا ولايلي المسرف بالالفاظ، وفي لغة شكسبير الرنانة الطنانة، وفي مسرحية مارلو »الدكتور فاوستس« ومسرحية جوته »فاوست«. وأما الأوبرا فما هي إلا موسيقى باسلوب الباروك. على أن الاسلوب الجديد لم يحقق انتصاراً في كل مكان، فقد آثر الهولنديون الواقعية الهادئة على انفعالات
الباروك: وفيلاسكويز في افضل أعماله كلاسيكي أو واقعي، أما سرفانتس فبعد أن عاش حياة رومانسية ألف »دون كخوته« في اتزان وهدوء كلاسيكيين. ولكن هل كان الفنانون والأدباء الكلاسيك دائماً كلاسيكيين؟ وهل هناك أكثر باروكية من لاوكون المناضل، القبيح؟ إن التاريخ يبتسم سخرية من كل المحاولات التي تبذل لإكراه مياهه على أن تجري في قوالب نظرية أو أخاديد منطقية، وهو يعبث أشد العبث بتعميماتنا، ويحطم كل قواعدنا. إن التاريخ ضرب من الباروك.
على أن عاملاً قوياً واحداً ظل ثابتاً في الفن الإيطالي، فما زالت الكنيسة أنشط رعاته وأقدرهم على تشكيله. كان هناك بطبيعة الحال رعاة آخرون ومؤثرات أخرى. فقد شيدت اسر الأمراء والكرادلة المثقفون القصور الخاصة، وواصلوا في تزيينها ببعض الموضوعات الوثنية، مثال ذلك أن أودواردو فارينزي عهد إلى المصورين كاراتشي بأن يرسموا له »انتصار باخوس« و »حكم الغرام«. ولكن مجمع ترنت وحركة الإصلاح الكاثوليكي التالية له حددا للفن اتجاهاً أكثر صرامة، فتراجعت الأجساد العارية من الفن الإيطالي، ولم تعد الموضوعات الدينية تستخدم مطية للحس ولم يثن البابا كلمنت الثامن عن تغطية لوحة ميكل انجيلو »الدينونة الأخيرة« كلها، وسراويل دانييلي دا فولتيرا وما حولها، إلا توسلات فناني روما. وقد دافع المجمع عن الصور الدينية ضد هجمات الهيجونوت والبيوريتان، ولكنه أصر على أن توحي هذه الرموز بالخشوع لا أن تلهب الدم والعروق. وبينما استنكر المصلحون عبادة مريم والابتهالات إلى القديسين، روى مصورو إيطاليا ومثالوها في فترة معارضة الإصلاح البروتستنتي، من جديد، عذابات الشهداء، ورووها بواقعية قاسية أحياناً، وحكموا مرة أخرى قصة العذراء ام الإله، بعاطفة واعية. وتعاون حرص الكنيسة على تجريد الفن من الوثنية وبث العقيدة والتقوى
في النفوس، مع انتكاسات إيطاليا السياسية والاقتصادية، على جعل هذا العصر آخر صدى من أصداء النهضة.


9- الفنون في روما


ظلت روما قصبة العالم الفنية. صحيح أن عصر التصوير الروماني العظيم قد انتهى، ولم يعد الآن إيطالي ينافس روبنز أو رمبرانت، ولكن العمارة الرومانية أزهرت، وظل برنيني أشهر فناني أوربا طوال جيل من الزمان. ومع أن بولونيا سطت على زعامة روما في التصوير، فإن نجوم هذه المدرسة كانوا يفدون على روما استكمالا لازدهارهم، وقد وصل فازاري عام 1572 ليرسم الصور الجصية للصالة الملكية في الفاتيكان. وأحتشد في »بوتيجي« روما الرسامون الذين ما زالوا محل التبجيل من أقليات مغرمة: ناديو وفديريجو زوكارو، وجيرولامو موتزيانو، وفرانشيسكو دي سالفياتي، وجوفاني لانفرانكو، وبرتولوميو مانفزيدي، ودومنيكوفيتي وأندريا ساكي. وأكثر هؤلاء يصنفون عادة تحت اسم »أصحاب اللازمات« -أي الفنانون المقلدون لطريقة فنان بعينه من أساطين الفن أيام عز النهضة. ويجوز ان نعتبر هذه »اللازمية« (1550-1600) مرحلة أولى للباروك.
أما فيديريجو زوكارو فقد نشر قلوعه فوق أمم أربع. ففي فلورنسة أكمل الصور الجصية التي بدأها فازاري في قبة الكتدرائية، وفي روما رسم »المصلى البولسي« في الفاتيكان، وفي فلاندر صمم سلسلة من الرسوم الهزلية، وفي إنجلترا رسم لوحات مشهورة للملكة اليزابث ولماري ستيوارت، وفي أسبانيا شارك في زخرفة الأسكوريال، وحين عاد إلى روما أنشأ أكاديمية القديس لوقا، التي أوحى نظامها لرينولدز بأكاديمية الفنون الملكية بإنجلترا. وكان الإقبال على فنه أعظم من جميع الرسامين الإيطاليين في ذلك الجيل، ولكن الخلف فضلوا عليه بييترو بيريتيتي
كاكورتونا. وبروح الكفايات المتعددة التي أثرت على فناني النهضة صمم بييترو قصري باربريني وبامفيلي بروما، ورسم في قصر بيتي بفلورنسة صوراً جصية تزخر بالأشكال الغريبة في كل غزارة الباروك وتدفقه.
أما القطب الحقيقي للتصوير الروماني في هذا العهد فهو ميكل أنجيلو مريزي دا كارافادجو. كان رجلا فيه روح تشلليني، وقد ولد لبناء بالحجر في لومبارديا، ودرس في ميلان، وانتقل إلى روما واستمتع بعدة مشاجرات، وقتل صديقاً في مبارزة، ثم هرب من السجن، وفر إلى مالطة وقطانيا وسيراقبوز، ومات بضربة شمس على أحد شواطئ صقليو وهو في الرابعة والأربعين (1609)، وفي الفترات التي تخللت هذه المغامرات أحدث ما يشبه الثورة في مزاج التصوير الإيطالي واسلوبه. وقد أحب التناقضات العنيفة بين الضوء والظل، واستخدم حيلا كإضاءة المنظر من مدفأة مخفاة، وشكل صوره بالضوء، وأخرجها من خلفية معتمة، وبدأ في إيطاليا عهد »الفن المعتم« الذي تزعمه جويرتشينو؛ وريبيرا، وسلفاتور روزا. وإذ احتقر عاطفية الرسامين البولونيين المثالية، فقد روع العصر بواقعيته التي أشرفت على الوحشية. كان إذا تناول موضوعاً دينياً يجعل الرسل والقديسين يبدون وكأنهم عمال ضخام غلاظ نقلهم من عمال أرصفة الموانئ. وقد أكسبته لوحة »لاعبي الورق« (المحفوظة بمجموعة روتشيلد بباريس) شهرة دولية. أما لوحة »الموسيقيين«- وهم ثلاثة من المغنيين وعواد جميل-فقد تراكم عليها التراب ثلاثة قرون قبل أن يعثر عليها في متجر للتحف القديمة بشمالي إنجلترا حوالي 1935، وبيعت لجراح بمبلغ مائة جنيه، ثم اشتراها متحف المتروبوليتان بنيويورك (1952) بخمسين ألف دولار. وقد درجت الكنيسة على رفض صور كارافادجو الدينية باعتبارها مسرفة في الابتذال مفتقرة إلى السمو، أما اليوم فهي مشتهى كل ذواقة الفن. وقد بلغ إعجاب روبنز بلوحة هذا الإيطالي المسماة »مادونا ديل روزاريو« مبلغاً حمله على جمع 1.800 جولدن من فناني أنتورب ليشتريها
ويهديها إلى كنيسة القديس بولس(85)، ولوحة »عشاء عمواس« (بلندن) لا تبلغ في عمقها نظيرتها التي رسمها رمبرانت، ولكنها تصوير قوي لأشكال الفلاحين. أما »موت العذراء« (المحفوظة باللوفر)- وهي أيضاً صورة ريفية-فكانت إحدى الصور التي وطدت مدرسة »الطبيعيين« في إيطاليا والواقعيين في اسبانيا والأراضي المنخفضة. لقد أكثر كارافادجو من تأكيد ميلودراما العنف والخشونة، ولكن التاريخ كالخطابة قلما يقرر نقطة دون أن يبالغ فيها. وقد أقشعر لمرأى عمال الشحن مفتولي العضل هؤلاء جيل استنفد موضوعات العاطفة، ثم قبلهم على أنهم مدخل منشط دخل به إلى الفن رجال منسيون. والتقط ريبيرا فرشاة كارافادجو القائمة ولحق به، واقتفى رمبرانت أسلوب الإيطالي في توزيع الضوء والظل وجوّده، وحتى مصورو القرن التاسع عشر شعروا بهذا التأثير العاصف.
أما المعمار فقد شهد مجيء الباروك وذروته. وراح البابوات الواحد تلو الآخر يحيلون عرق المؤمنين الراضين ودراهمهم أمجاداً لروما. فأكمل بيوس الرابع البلفديري وقاعات أخرى في الفاتيكان. وبنى جريجوري الثالث عشر كلية روما وبدأ تشييد قصر الكويرينال-الذي اصبح مسكنا للملك عام 1870. أما دومنيكو فونتانا، الأثير بين المعماريين عند سيكستوس الخامس، فقد صمم قصر اللاتيران الجديد، ومصلى السيستين في كنيسة سانتا ماريا مادجوري، ومقبرة بيوس الخامس في هذا المصلى، وهي باروك مسرف. واضاف الكرادلة والنبلاء خلال ذلك إلى روما قصوراً جديدة (جوستنياني، ولاتشلوتي، وبورجيزي، وباربريني، وروسبليوري)، وفيللات جديدة (بامفيلي، وبورجيزي، ومديتشي). كذلك واصل الهدم أفاعليه، ففي هذه الفترة هدم بولس الخامس حمامات قسطنطين التي عمرت منذ عهد أول الأباطرة دون أن يمسها سوء تقريبا.
وكثر عدد المعماريين الأكفاء، ومنهم جاكوموديللا بورتا الذي أكمل بكفاية عدة معابد خلفها أساتذة فنيولا ناقصة، كواجهة كنيسة يسوع وقبة كنيسة القديس بطرس، وبهذه الضخامة صمم كابييلا جريجوريانا الفخمة،
ولمس قصر فارينزي لمساته الأخيرة، وكان ميكل أنجيلو قد بدأه؛ وهو صاحب الفضل في نافورتين رائعتين تضفيان على روما رواء شباب لا يشيخ.
وابدعهما نافورة السلاحف التي أقامها تاديو لونديني أمام قصر ماتي واشترك مارتينو لونجي الأب مع ديللا بورتا في تشييد قصر الكونسر فاتوري نقلا عن رسوم لميكل أنجيلو، وبدأ هو ذاته قصر بورجيزي، الذي أكمله فلامينو بونتزيو للبابا بولس الخامس. وأسهم دومنيكو فونتانا بنافورة »الفونتانوني« ديل أكوا فيليتشي، وفونتانا ديل أكوا باولينا، وشيد »قاعة البركة« الجميلة على الرواق المعمد الشمالي للاتيران القديس يوحنا. وخلفه أبن أخته كارلو ماديرنا معماريا لكنيسة القديس بطرس، فغير خطتها الأساسية من صليب ميكل أنجيلو اليوناني إلى الصليب اللاتيني، وصمم واجهة هذا الضريح العظيم، ووجد في حمامات كاراكاللا ودقلديانوس إلهاما بصحنها الهائل. وأعاد فرانشسكو بوروميني، تلميذ ماديرنا، بناء مدخل لاتيران القديس يوحنا بناء فاخرا، وبدأ رائعته-كنيسة سانت أجنيس-الفخمة الأنيقة التي تضارع »كنيسة يسوع« في بيانها للباروك الروماني. أما كنيسة يسوع فقد صممها (1568) جاكومودا فنيولا تحقيقا لرغبة اليسوعيين في معمار تروع فخامته العابدين وتلهمهم وتسمو بنفوسهم. وصمم المعماري وخلفاؤه صحنا فسيحا دون اجنحة، فيه الدعامات والسبندلات والتيجان والكرانيش المزخرفة، ثم مذبح مهيب، وقبة مضيئة، وحلية رائعة من الصور والتماثيل والرخام والفضة والذهب. وفي عام 1700 أضاف أندريا ديل بوتزو، وكان هو ذاته يسوعياً، مقبرة القديس اغناطيوس ومذبحه الرائعين. وقد اختلفت نظرة اليسوعيين للحياة عن نظرة غيرهم من رجال الكنيسة الكاثوليكية، وكانت النقيض التام لنظرة البيورتان, فالفن في رأيهم يجب أن يطهر من الحس الدنيوي، ولكن يجب أن يرحب به في تزيين الحياة والإيمان. على أنه لم يكن هناك »أسلوب يسوعي« بعينه. كانت كنيسة يسوع باروكا في الحجر، وكثير من كنائس اليسوعيين لا سيما في ألمانيا كانت باروكا، ولكن كل كنيسة اتبعت الأشكال والأمزجة المحلية والفاشية.
وكان اكمال كنيسة القديس بطرس آخر منجزات الفن الروماني. فقد خلف ميكل أنجيلو نموذجا للقبة، ولكن »الطبلة« وحدها هي التي كانت ممدودة حين ارتقى سيكستوس الخامس كرسي البابوية. وكان قطرها 138 قدما. ولم يجرؤ على تغطية مساحة هائلة كهذه دون دعامات تتخللها سوى بروتولليسكي بفلورنسة. وأحجم المعماريون والمهندسون أمام العمل الذي اقترحه بووناروتي (ميكل أنجيلو)، وشكا رجال المال من أنه سيكلف مليون دوكاتية وجهد عشر سنين. ولكن سيكستوس أمر بالشروع في العمل آملاً أن يحي القداس تحت القبة الجديدة قبل أن يودع الحياة. وتكفل جاكومو ديللا بورتا بالمهمة يساعده فيها دومنيكو فونتانا. وراح ثمانمائة من الرجال يكدحون ليل نهار-فيما عدا الآحاد-من مارس 1589، إلى أن اعلنت روما في 21 مايو 1590، قبل موت الحبر الجريء بثلاثة أشهر، بإن »البابا المقدس سيكستوس الخامس«، قد أتم عقد قبة كنيسة القديس بطرس، لمجده الدائم وخزي أسلافه«(86).
وقد انتقص من وقع منظر القبة، إلا على بعد، واجهة الباروك التي أقامها ماديرنا في 1607-14. اما الكنيسة نفسها فقد كرست نهائيا عام 1626، بعد 174 سنة من البدء بتخطيطها. وفي عام 1633 صب برنيني بالبرونز البلداكينو (أي المظللة) المزوقة فوق »مقبرة القديس بطرس« والمذبح المرتفع. وقد أنقذ النحات العظيم نفسه باحاطة المدخل إلى الضريح بصف اعمدة بيضي هائل (1655-67) أعان على جعل كنيسة القديس بطرس أفخم بناء على وجه الأرض، كما أن قبتها ذروة توجت كل ما بلغه الفن الحديث من انجازات.
10- برنيني


جمع جوفاني لورينترو برنيني فن روما القرن السابع عشر في عمر


مسيطر واحد (1598-1680). اخذ النحت عن أبيه المثال الفلورنسي. ولعله أخذ عن أمه النابولية حدة العاطفة وحرارة الإيمان. وفي عام 1606 دعي الأب إلى روما للعمل في كنيسة سانتا ماريا مادجوري. هناك درج »جان« في جو من النحت الكلاسيكي والتقوى اليسوعية. وقد انتشى بتماثيل الفاتيكان »أنطنووس« و »ابوللو بلفديري« ولكنه كان أعمق تأثراً بكتاب القديس اغناطيوس في »الرياضيات الروحية«، التي مارسها حتى أحس الرعب والتقوى اللذين شعر بهما رجل جرّب آلام الجحيم ومحبة المسيح. وكان يستمع إلى القداس يوميا، ويتناول الأسرار المقدسة مرتين في الأسبوع.
وجرب التصوير، حتى بلغت صورة المائة، وقد ظفرت إحداها، وهي لوحة »القديسين أندراوس وتوما« في مجموعة باربريني بأعظم الثناء، ولو أننا نفضل عليها صورته الذاتية المحفوظة بقاعة الأفتزي-فتى اسمر وسيم يجنح إلى التأمل الحزين. على أنه جّود أكثر من هذا فن العمارة. وقد أكمل قصر باريريني لمافيوباريريني، فلما ولى راعى فنه هذا كرسي البابوية باسم أوربان الثامن؛ عين برنيني كبير معماري كنيسة القديس بطرس وهو في الحادية والثلاثين. وهناك بنى-بالاضافة إلى صف الأعمدة والمظلة- في الجزء الثاني من البناء »كاتدرا بتري« المزخرفة لحفظ المقعد الخشبي الذي اعتقد المؤمنون أن الرسول بطرس كان يستعمله، ومن حوله جمع أربعة تماثيل قوية الشخصية لآباء الكنيسة، ومن فوق البناء العجيب كله نثر تماثيل الملائكة بحماسة رجل يملك في ذهنه معينا لا ينضب من الروائع. وعلى مقربة منه اختار مكاناً لمقبرة ضخمة لحبره المحبوب أوربان الثامن. وصمم الشرفات، وكثيراً من التماثيل التي تزين الركائز التي تسند القبة. وتحت القبة وضع تمثالا ضخما للقديس لونجينوس، وفي الجناح الأيمن أقام أثراً تذكارياً مترفاً لماتيلدا كونتيسة توسكانيا. وفي خارج الكنيسة أعاد تخطيط الصالة الملكية التي ترقى إلى قصر الفاتيكان مارة بأعمدة مهيبة، وذلك بأسلوب أكثر
نقاء، وفي فجوة في هذا السلم الملكي أقام تمثالاً لقسطنطين راكباً جواده وهو يطالع في السماء دعوته لاعتناق المسيحية؛ وأصبحت حرارة العاطفة في هذا التمثال قالبا احتذاه عصر الباروك وفي أخريات أيامه بنى في مصلى السر المقدس بكنيسة القديس بطرس مذبحا لم تبدله رخاماته الساطعة، وما توجه من ظلة وهيكل وقبة وملائكة مستغرقين في العبادة- لم يبد له هذا كله تجسيداً مسرفاً في البهاء لسر القربان الذي ينطوي عليه القداس. كل هذا الجهد في كنيسة القديس بطرس وما حولها يرى فيه الفنان العصري اسرافاً مسرحياً ومخاطبة خداعة للحواس، أما برنيني فقد رأى فيه الأداة الخصبة لإيمان حار يصل إلى قلوب العابدين.
كان يمزج بين العمارة والنحت في كل مكان، ويحلم بفن يجمع بين العمارة والنحت والتصوير في كل يستنهض الروح. وفي كنيسة سانتا ماريا ديللا فتوريا جميع قطع الرخام الثمين-الأخضر والأزرق والأحمر-وأطلق لخياله الزخرفي العنان ليبني مصلى الكورنارو، ذا الركائز المحززة والأعمدة الكورنثية الرشيقة، وقد أودعها أعظم تماثيله فتنة وحرارة، تمثال القديسة تريزا، منهكة القوى غائبة عن الوعي في نوبة من الوجد الصوفي، وملاك حلو يتأهب لشق قلبها بسهم ملتهب رمزا لاتحاد القديسة مع المسيح. ووجه تيريزا الذي يبدو كأن الحياة فارقته هو أحد انتصارات الباروك الإيطالي، والملاك الذي يريش سهمه ان هو إلا أغنية في الحجر.
كان لبرنيني منافسون، وقد أعجب مونتيني أيما إعجاب بتمثال العدالة الذي نحته جاكوموديللا بورتا على قبر بولس الثالث في كنيسة القديس بطرس. وصب توريجانو تمثالا نصفيا لسيكستوس الخامس،فيه قوة وواقعية، وهو الآن محفوظ بمتحف فكتوريا والبرت. ومزج بورومينو النحت بالعمارة مثل برنيني، وبلغ اليساندرو ألجاردي مستور برنيني في ثلاثة تماثيل نحتها لمقبرة ليو الحادي عشر بكنيسة القديس
بطرس، وفاقه في النقوش البارزة التي مثل بها »لقاء البابا ليو الأول وأتيلا«، وهي ايضاً بكنيسة القديس بطرس. أما تمثال إنوسنت العاشر النصفي الذي نحته الجاردي في قصر دوريا بامفيلي، فأكثر ارضاء للناظر من التمثال الذي نحته برنيني، ويكاد يعدل في القوة لوحة فيلاسكويز. ولكن أحدا في هذا العصر لم يضارع برنيني في خصوبته الفنية وخياله ومجموع منجزاته.
ثم شرح صدر روما بالنافورات الغريبة: فونتانا ديل تريتوني، وفونتانا دي فيومي-حيث نقش مثالون أقل شأنا أربعة تماثيل للدانوب والنيل والجنج والبلانا. وقد اختار إنوسنت العاشر من بين تصميمات المتسابقين المقدمة لهذه النافورة تصميم برنيني قائلا »على المرء ألا ينظر إلى تصميماته ما لم يكن مستعدا لقبولها«(87) ولا بد أن ولع برنيني بالآثار القبرية الفخمة قد اوحي إلى رعاته بتقبل لذيذ لفكرة الموت. وقد عمر أوربان الثامن حتى رأى المقبرة التي أعدت لرفاقه في كنيسة القديس بطرس.
ونافس الكردينال سكبيوني بورجيزي البابا أوربان في منح برنيني المال وتكليفه بالمهام. فصنع له المثال تمثالا حيا سماه »اغتصاب بروزريين« هو حلم من عضلات الذكر وانعطافات جسد الأنثى، وتمثال »»داود« يضرب جالوت بمقلاعه، وتمثال »أبوللو ودافني«-وهو تعبير مسرف في الكمال عن شباب الرجل والمرأة. هذه التماثيل (وكلها في قاعة بورجيزي للفنون) جرت على برنيني تهمة »اللازمية« والمغالاة المسرحية. وقد صور الكردينال نفسه في تمثالين نصفيين، هما تجسيد للطبع اللطيف والشهية الطيبة، وأشد من هذين فتنة بطبيعة الحال التمثال النصفي لكونستانزا بووناريللي الجميلة، المحفوظ بمتحف فلورنسة الوطني، وكانت زوجة مساعد برنيني، ولكن برنيني-كما قال أبنه-نحتها في الحجر، بينما هو يعشق جسدها عشقاً مشبوباً(88). ويعكس برنيني عيوب الباروك أكثر من أي فنان آخر. فخطابه للعاطفة مسرف في الوضوح، وقد حسب التكلف درامياً، واللطف جمالاً، والإفراط في العاطفة تعاطفاً، والضخامة جلالاً. وخلع على النحت تعبير الوجوه الحاد بينما هو ميزة اختص بها التصوير عادة. وقد أضعفت واقعية التفاصيل، المغالية في الدقة، من التأثير السيكولوجي لفنه أحيانا. وقل أن بلغ في تماثيله ذلك السكون الذي يضفي تفوقا خالدا على منحوتات أثينا في عهد بركليس. ولكن لم يجب أن يعبر التمثال دائما عن السكون ؟ ولم لا تغزو الحركة والشعور وحرارة الحياة الرخام والبرونز وتبعث فيهما الحياة ؟ أنها فضيلة في نحت الباروك وليست عيبا أنه جعل الحجر يحس ويتكلم. لقد اتبع برنيني المبدأ الهوراسي وأحس بما عبر عنه - بنعومة بشرة الفتاة، وحيوية الشباب الرشيقة، وهموم القادة ومتاعبهم، وورع القديسين ووجدهم.
ولقد تقبله الناس قرابة خمسين عاماً إماماً لمعماريي عصره. وفي عام 1665، حين فكر كولبير ولويس الرابع عشر في إعادة تخطيط اللوفر وتوسيعه، وجها الدعوة إلى برنيني ليحضر إلى باريس ويضطلع بهذه المهمة. فذهب إليها وصمم، لا بحكمة ب بغلو في البراعة - وجاوز في الفخامة الذوق والمال الفرنسيين. وفضلت على تصميمه واجهة بيرو الأكثر صرامة، وقفل برنيني إلى روما يجرر أذيال الخيبة. هنا (1667) رسم لنفسه تلك الصورة الطباشيرية الرائعة، المحفوظة الآن في قلعة ونزو - خصل بيضاء تتراجع فوق رأس قوى البأس، ووجه خلف عليه الجهد التجاعيد والعقد، أما العينان الوديعتان بالأمس فقد أصبحتا جامدتين خائفتين، كأنهما تريان إلى أين تفضي مدارج المجد. ولكنه لم ينهزم بعد، فقد ظل ثلاث عشرة سنة أخرى يبني وينحت في عنف، »حاداً في روحه، راسخاً في عمله، حاميا في غضبه(89)« وحين خبت جذوته (28 فبراير 1680) كان قد عمر إلى ما بعد النهضة الإيطالية.
حين زار ملتن إيطاليا عام 1638 ذكر ان العلماء الإيطاليين أنفسهم أحسوا ان مجد وطنهم قد زال بمجيء الحكم الأسباني والحركة المعارضة للاصلاح البروتستنتي. ولعل التسلط والرقابة ألحقتا الضرر بفكر إيطاليا وفنها - ولو أن سرفانتس وكالديرون وفيلاسكويز كانوا يزدهرون في ظل محكمة تفتيش أشد عتوا في أسبانيا. ولكن الذي أنهى النهضة الإيطالية لم يكن قائداً أسبانياً، ولا قائمة كتب حرمتها الكنيسة، بل ملاحا برتغاليا، هو فاسكودا جاما الذي عثر على طريق يمخر كله البحر إلى الهند، طويل حقاً ولكنه أرخص من طرق التجارة البندقية والجنوية التي أغنت إيطاليا. وأخذت التجارة البرتغالية والهولندية تحل محل التجارة الإيطالية، والمنسوجات الفلمنكية والانجليزية تنتزع الأسواق من الفلورنسيين. أما حركة الإصلاح البروتستنتي فكانت قد هبطت بالذهب المتدفق على روما من ألمانيا وإنجلترا إلى النصف.
وتألقت إيطاليا في اضمحلالها. حقاً لقد هبط الفن من علياء رفائيل وميكل أنجيلو، وفقد الفكر السياسي عمق مكيافيللي وشجاعته، ولكن لم هناك اضمحلال بل نهوض في السياسة والإدارة من ليو العاشر إلى سيكستوس الخامس، وفي العلم من ليوناردو إلى جاليليو، وفي الفلسفة من بومبوناتزي إلى برونو، وفي الدراما الموسيقية من بوليتيان إلى مونتيفردي، اللهم إلا اضمحلال في الشعر مختلف عليه من أريوستو إلى تاسو. وكانت إيطاليا خلال ذلك، كالأم الرءوم؛ تسكب فنها وموسيقاها، وعلمها وفلسفتها، وشعرها ونثرها، فوق الألب إلى فرنسا وفلاندر، وفوق المانش إلى إنجلترا، وفوق البحر إلى اسبانيا.



قصة الحضارة - اليسوعيون - ويل ديورانت


3- اليسوعيون


أ- في أوربا


بعد أن مات دييجو لاينتز (1565)، اختارت »جمعية يسوع«، فرانتشسكو بورجا قائداً لها، وكان خلقه وسيرته علامة على جيله. فهذا الرجل الذي ولد غنياً، والذي كان حفيداً للبابا إسكندر السادس، وارتقى دوقا لجانديا ثم حاكماً لقتلونيا، والذي صاحب الملوك-هذا الرجل دخل الطائفة الجديدة عام 1546، ووهبها كل ثروته الشخصية، واكتسب مرتبة القديسين بما اتصفت به حياته من قداسة صارمة. أما خليفته ايفيرارد مركوريان فلم يترك أي أثر في التاريخ، ولكن كلوديو أكوافيفا قاد الجمعية بكثير من الحكمة والباقة خلا أربعة وثلاثين عاماً من المتاعب (1581-1615) حتى ليعده كثير من اليسوعيين زهاء خمسة آلاف، وحين مات كان عددهم ثلاثة عشر ألفاً.
وقد وضعت لجنة من فقهاء اليسوعيين تحت غدارته (1584-99) خطة للتعلم ظلت إلى عام 1836 تقرر نظام للدراسات في الكليات اليسوعية وطريقتها. فهذا النظام الدراسي الذي يتسلم الأولاد من سن الحادية عشرة إلى الرابعة عشرة ويمتد ست سنوات، كان يتيح لهم ثلاث سنوات من دراسة اليونانية واللاتينية لغة وأدباً، أما السنوات الباقية فتخصص للفلسفة بأوسع معانيها، فتشمل العلوم الطبيعية والمنطق والميتافيزيقيا والأخلاق.وتجمع الشواهد على أن هذه المواد كلها كانت تدرس على نحو يدعو للإعجاب. صحيح أن الفلسفة كانت وسيطة (سكولاستيه) ولكن لم يكن عنها بديل مقبول بعد. أما الأحياء والتاريخ الدنيوي الحديث فقد أهملا إلى حد كبير كما كان الشأن في جميع مدارس العصر تقريباً، ربما لأن بساطة الإيمان الواثقة كانت تتأذى من بشاعة مشهد الصراع على البقاء بين الحيوان، ومن موكب الحرب الذي لا يكاد ينقطع بين بني الإنسان. لقد كانت خطة الدراسة في جملتها توفيقاً ماهراً بين العصور الوسطى والنهضة. ففي قدرة بالغة على التكيف، رحب اليسوعيون بمولد الدراما من جديد، فترجموا والفوا ومثلوا المسرحيات، واكتشفوا في المسرحيات المدرسية وسيلة حية لتعليم الكلام والبلاغة، وتقدموا عصرهم في إدارة المسرح ومشاهده. واستعانوا بالمناظرات شحذا للذكاء وقوة الحجة، ولكنهم ثبطوا أصالة الفكر في المعلم والطالب على السواء. ولقد كان هدفهم فيما يبدو إعداد صفوة متعلمة ولكنها محافظة، قادرة على القيادة الذكية العملية ولكنها بنجوة من متاعب الشكوك العقائدية، راسخة في الإيمان الكاثوليكي لا تحدي عنه قيد أنملة.
وكانت المدارس اليسوعية في جميع الحالات تقريباً بإنشائها ومنح الهبات لها السلطات الزمنية أو زعماء الكنيسة أو الأفراد الميسورون، ولكن اليسوعيين احتفظوا بالهيمنة الكاملة عليها. ومع أن بعض كلياتهم أنشئ خصيصاً لأبناء الأشراف. فإن كلها تقريباً كان مفتوحاً، دون رسوم تعليم، لاي طالب مؤهل فقيراً كان أو غنياً(38). أما المدرسون الذين كانوا عادة من رجال الطائفة فأفضل إعداداً من نظرائهم البروتستنت؛ أوفياء لمهنتهم لا يتقاضون عنها أجراً، يتيح لهم ثوب الكهنوت وتأثيره سلطاناً محترماً مكنهم من حفظ النظام دون اللجوء إلى التخويف أو العقاب البدني. وقد أرسل كثيرون من البروتستنت أبناءهم إلى الكليات اليسوعية(39) لكي ييسروا لهم، فضلا عن الإلمام السليم بالدراسات الكلاسيكية، تدريباً رفيعاً على الفضيلة وآداب السلوك وقوة الخلق. يقول فرانسس بيكون »أما الجانب التربوي فاقصر قاعدة أن يقال لك استشر مدارس اليسوعيين، لأنه لم يجرب ما هو خير منها«(40). وفي عام 1615 كان لليسوعيين 372 كلية، وفي عام 1700 كان لهم 769، وأربع وعشرون جامعة منبثة في أرجاء العالم. وفي الدول الكاثوليكية كاد التعليم
الثانوي باسره يكون في قبضتهم، مما أتاح لهم نفوذاً هائلا في تشكيل الفكر القومي.
ثم التمسوا مسمع الملوك في طرف السلم الآخر. وقد حظر عليهم أكوافينا ان يصبحوا كهنة اعتراف للملوك، ونهاهم عن الاشتراك في السياسة. ومع ذلك فحتى في عهد أكوافينا قبل الأب كوتون دعوة هنري الرابع له ليكون مرشده الروحي، وبعد هذا وافق اليسوعيون على رأي ألمع تلاميذهم فولتير، وهو أن خير السبل لتشكيل الشعب هو تشكيل ملكه. وما أوفى عام 1700 حتى كانوا آباء الاعتراف لمئات من أبرز الشخصيات. وكان النساء على الاخص شديدات الشعور بحسن آدابهم ويتقبلهم السمح للدنيا، وبفضل تلقيهم اعترافات لنساء ذوات أهمية، استطاع الآباء الدهاة أن يصلوا إلى رجال ذو أهمية.
وإذ جهروا بنية الاختلاط بالناس بدلا من الاعتزال في الأديرة، فقد كيفوا مبادئهم الخلقية وفق طرق البشر العصية على الاصلاح. ففي رأيهم أن الأخلاق المسيحية الصارمة لم تكون ميسورة إلا للنساك والقديسين، فواقع الطبيعة البشرية يقتضي بعض التخفيف من قاعدة الكمال. ومثل هذه التوفيقات للقانون الخلقي وضعها أرسطو على نزعة أفلاطون الكمالية، ووضعها معلمو الناموس اليهود ليلائموا بين الشرائع العبرية القديمة والظروف الجديدة للحياة الحضرية. ومع أن اليسوعيين في مذهبهم - وفي تطبيقهم للمذهب عادة - يحتقرون الجسد، فأنهم فهموا الجسد، وأتاحوا له ملاذا خلقياً لكيلا يكره الخطاة على التمرد فتخسرهم الكنيسة. ورغبة في تخفيف التوتر بين ناموس المسيح وطبيعة البشر، طور اللاهوتيون من اليسوعيين وغيرهم فكرة الإفتاء - أي تطبيق التعاليم الخلقية على الحالات الخاصة. ولكن لنترك الآن هذا العلم العويص حتى نصل إلى أعدى أعدائه بليز باسكال.
ويمكن القول عموماً بأن اليسوعيين مالوا في لاهوتهم إلى الرأي السمح
والنظرة المتحررة. كان من رأي بعضهم، كالأب ليس والاب هامل في لوفان (1585)، إنه ليس من الضروري الإيمان بأن كل كلمة أو كل تعليم في الكتاب المقدس موصى به من الله(41). وقد أكد كل اليسوعيين تقريباً المعتقد السكولاسي القائل بأن الحكومات الزمنية تستقي سلطتها من الشعب، وقد بشر عدد غير قليل منهم - مثل ماريانا وبزنباوم - بحق الشعب عن طريق ممثليه الشرعيين في أن يعزل، بل أن يقتل، الملك »الفاسد« ولكن »الفاسد«في هذا المجال كان معناه المهرطق، وربما كان مبعث هذا التشديد الديمقراطي رغبة اليسوعيين، بحكم ولائه المطلق لسيادة روما، في الإعلاء من سلطة البابا التي تفردت بالقداسة والسمو. وعلى النقيض من لوثرن آمن اليسوعيون بفعالية الأعمال الصالحة في نيل الخلاص، واستنكروا على الخطية الأصلية، وقابلوا الجبرية القائمة التي قال بها بولس، وأوغسطين، ولوثر، وكلفن، ويانسن، بالتأكيد من جديد لحرية الإرادة. ولقد أثار لويز مولينا، وهو يسوعي أسباني، ضجة لاهوتية حين زعم أن الإنسان يستطيع تقرير مصيره الابدي بإرادته وأعماله، وان اختياره الحر يمكن إما أن يتعاون مع النعمة الإلهية أو يغلبها. وطالب اللاهوتيون والدومنيكان بإدانة مولينا بالهرطقة، ولكن اليسوعيون خفوا للدفاع عنه، وحمى وطيس الجدل إلى حد دعا كليمنت الثامن إلى أمر الفريقين بالكف عنه (1596).
وتضافرت أخلاقيات اليسوعيين، الرحيمة بالقياس إلى أخلاقيات غيرهم، مع أفكارهم الراديكالية، واتصالاتهم المحافظة، وسلطانهم المتسع، لتزهد فيهم الاكليروس الكاثوليكي غير المنتسب إلى الرهبان وتثير كراهية البروتستنت لهم. فرماهم القديس شارل بوروميو بالتساهل المخزي مع ذوي النفوذ من الخطاة(42). وقال ساربي لو أن القديس بطرس كان مرشده كاهن اعتراف يسوعياً لوصل به الأمر إلى إنكار المسيح دون أن يحسب ذلك عليه خطيئة(43). أما موتيو فيتيللسكي، قائد
اليسوعيين الذي خلف أكوافيفا، فقد نبه أفراد الطريقة إلى أن حرصهم على جمع المال يثير اللوم عليهم من جمع الناس(44). وأما القساوسة البروتستنت في إنجلترا، الملتزمون بعقيدة الحق الإلهي لملوكهم في الحكم، فقد صدمتهم آراء اليسوعيين في سيادة الشعب وقتل الملوك أحيانا. وندد روبرت فيلمر برأي الكردينال بللارميني القائل بأن »السلطة الزمنية أو المدنية..كائنة في الشعب، إلا إذا خلعها على ملك«(45). أما البروتستنت الألمان فحاربوا اليسوعيين زاعمين أنهم »مخلوقات من الشيطان تقيأتهم جهنم« وطالب بعضهم بحرقهم كما تحرق الساحرات(46). وفي عام 1612 ظهر في بولندة كتاب »التعليمات السرية«، وهو يوهم قارئه بأنه تعليمات سرية لليسوعيين في فن الظفر بالتركات والوصول إلى السلطات السياسية. وأعيد طبع الكتاب اثنتين وعشرين مرة قبل علم 1700. وكان يصدق إلى وقتنا هذا تقريبا، ولكن أغلب الرأي فيه الآن أنه أما هجاء ذكي أو تزوير وقح (47).
ب- في الأقطار غير المسيحية


كان الرأي عند الجماهير الكاثوليكية أن أخطاء اليسوعيين لها ما يرجحها كثيرا من فضائل في التعليم وجرأة في التبشير. صحيح أن طرقا دينية أخرى شاركت في هذه المغامرة التقية، مغامرة نشر الدين، ولكن أين هذا من جرأة اليسوعيين وإقدامهم واستشهادهم في الهند والصين واليابان والأمريكتين؟ ففي الهند مثلا دعا السلطان المغولي المستنير أكبر بعض اليسوعيين إلى بلاطه في فاتحبور سكري (1579)، واستمع إليهم في حب استطلاع وتعاطف، ولكنه أبى أن يطرد حريمه. وأنضم شريف إيطالي يدعى روبرتودي نوبيلي إلى جماعة اليسوعيين، وذهب إلى الهند مبشرا (1605)، وهناك درس العقائد والطقوس الهندية، واتخذ لباس البراهمة واتبع نظامهم، وألف الكتب بالسنسكريتية، وحول البعض إلى المسيحية. ومارس يسوعيون آخرون اليوجا، وعملوا بين الطبقات الدنيا. وعبر المرسلون اليسوعيون الهملايا إلى التبت حوالي عام 1624 وزودوا أوربا بأول معلومات وثيقة-وآخرها حتى وقت طويل-عن ذلك العالم المحجوب.
أما اليابان فقد دخلها اليسوعيون في تاريخ مبكر (عام 1549)، وفي عام 1580 زعموا أنهم حولوا إلى المسيحية 100.000، وفي عام 1587 امروا بالرحيل عم الجزر، وفي عام 1597 لقي اليسوعيون والفرنسسكان اضطهادا عنيفا صلب فيه القساوسة والرهبان وآلاف المسيحيين اليابانيين-وهي طريقة جديدة زعم قاتلوهم أنهم أخذوها عن الأناجيل. وحوالي عام 1616 دخلت فئة جديدة من اليسوعيين اليابان وكسبوا مسيحيين جددا لا يستهان بعددهم، ولكن التجار الهولنديين والانجليز حرضوا الحكومة على اضطهادهم من جديد ظنا منهم بأنهم يمهدون الطريق للتجارة البرتغالية أو الأسبانية(48)، فأعدم من اليسوعيين واحد وثلاثون، ولم تحل سنة 1645 حتى اختفت المسيحية من اليابان.
وأما الصين فكانت خطراً يتحدى اليسوعيين، إذ توعد الأباطرة أي مسيحي يجرؤ على دخول »المملكة الوسطى« بالموت. وقد رأينا في غير هذا الموضع من الكتاب كيف مات اليسوعي فرانسس زافير (1552) وهو قاب قوسين من الصين بعد أن عول على كسبها للمسيحية. وفي عام 1557 أنشأ التجار البرتغاليون مستعمرة في مكاو، على ساحل الصين الجنوبي الشرقي. هناك انقطع بعض اليسوعيين لتعلم لهجات الصين وعاداتها. وأخيراً دخل اثنان منهم، وهما ماثيو ريتشي وميكيلي رودجيري، ولاية كوانتونج مسلحين باللغات والفلك والرياضة والساعات كبيرها وصغيرها والكتب والخرائط والآلات. وافتتن حاكم الإقليم بهذه الطرف وكانا يتخذان أسماء صينية ولباسا صينيا، ويعيشان عيشة البساطة،


ويشتغلان بجد، ويسلكان مسلك التواضع الذي توقعه الصينيون من أبناء حضارة حديثة العمر قليلة النضج كحضارة أوربا، لذلك سمح لهما بالبقاء. واتخذ ريتشي سمته إلى كانتون حيث أثار إعجاب المندوبين (كبار الموظفين) بمعارفه العلمية والجغرافية. وهناك أقام المزاول، ورسم الخرائط المريحة الوثيقة، وأجرى الحسابات الفلكية العويصة. ثم دخل اصدقاءه الجدد إلى حظيرة المسيحية بكتابته خلاصة مفرغة في أسئلة وأجوبة شرحت العقائد الأساسية للمسيحية، ودعمت بمقتبسات من النصوص الشرقية القديمة. وشجعه التسامح الذي لقبه فانتقل إلى ضاحية من ضواحي بكين (1601) وأرسل ساعة كبيرة إلى الأمبراطور (كانج هسي) فلما تعطلت الساعة ولم يستطع أحد من العلماء الصينيين أن يديرها من جديد، أرسل »أبن السماء« في طلب مهديها. وحضر ريتشي، وضبط الساعة، وقدم إلى الحاكم الطلعة مزيدا من الأدوات العلمية، وما لبث ريتشي وآخرون من اليسوعيين أن ثبتوا في بلاط مينج. ولم يضع الامبراطور الطيب أي عقبه في سبيل اعتناق كثير من علية الصينيين للمسيحية. وبعد موت ريتشي (1610) واصل يسوعي آخر يدعى »يوهان آدم شال فون بل« عمل البعثة العلمي والتبشيري. فاصلح التقويم الصيني، وصنع المدافع الممتازة للجيوش الصينية، وغدا الصديق الحميم للإمبراطور وموضع إكرامه، ولبس الحرير المندري، وسكن قصرا، وقامر بالسياسة، ثم ألقى في أحد السجون، ومات بعد سنة من الافراج عنه.
وقد تكون بقية القصة، التي اتصلت إلى القرن الثامن عشر، باعث تسلية لمؤرخ فلسفي النزعة. ذلك ان اليسوعيين في الصين كانوا بفضل تبحرهم في العلم، قد نفضوا عنهم تزمت اللاهوت. فحين درسوا آداب الصين الكلاسيكية تأثروا بما كشفوه فيها من حكمة سامية. وبدت لهم عبادة الصينيين لأسلافهم كأنها دافع رائع على الاستقرار الخلفي والاجتماعي، وكان في كونفوشيوس الكثير مما يبرر تبجيله. ولكن مرسلين
آخرين شكوا إلى محكمة تفتيش روما (1645) من أن اليسوعيين يغضون من قدر الصليب وعقيدة الخلاص الإلهي لما قد يصدم الصينيين مهما إذ لا عهد لهم بفكرة البشر يقتلون إلها، ومن أن اليسوعيين يتلون القداس بالصينية دون اللاتينية، وأنهم أذنوا لمن نصروهم بأن يحتفظوا بكثير من شعائر دينهم القومي، وأن المبعوثين اليسوعيين يقتنون المال لأنهم يعملون أطباء وجراحيين وتجارا ومرابين ومشيرين للقواد والأباطرة. أما اليسوعيون فقد راعهم إصرار الدومنيكان والفرانسسكان على أن يقولوا للصينيين إن المسيحية هي الملاذ الوحيد من الهلاك الأبدي، وأن الأسلاف الذين يعبدونهم إنما يصلون نار جهنم. وأمر أنوسنت العاشر اليسوعيين بحظر قرابين اللحم والشراب التي تقدم لظلال الأجداد. وكان الآباء اليسوعيون خلال ذلك يرسلون إلى أوربا أوصافا لحياة الصين ودوينها وفكرها، وهي الأوصاف التي قدر لها أن تشارك في ازعاج السنية المسيحية في القرن الثامن عشر.
وأما في أمريكا الجنوبية فقد اكتسب المرسلون اليسوعيون احترام الوطنيين وثقتهم بفتحهم المدارس والمراكز الطبية، وبذلهم الجهود الشاقة للتخفيف من وحشية السادة الأسبان. وقد صنفوا المعاجم وكتب النحو، وارتادوا المجاهل الداخلية الخطرة، ودفعوا الجغرافية دفعة هائلة. وارسلوا إلى أوربا قشرة الشجرة البيروية التي أصبحت-في هيئة الكينين- العقار الثابت لعلاج الملاريا. وفي براجواي أنشئوا مجتمعا مثاليا شيوعيا.
هنالك في سهول الباميز والغابات التي تحف بنهر أوروجواي، وفوق الشلالات الخطرة التي ثبطت همة المستعمرين، نظموا مستوطناتهم الهندية. واذن لهم فيليب الثالث ملك أسبانيا في أن يحظروا الإقامة فيها على جميع البيض فيما خلا اليسوعيين المستعمرة. وقالوا إنهم وجدوا في الأهالي براءة ومودة- ومائتا ألف من الهنود صالحون من جميع
الوجوه لملكوت الله«.(49) فتعلموا لغة الأهالي ولم يعلموهم الاسبانية ولا البرتغالية، وثبطوا كل اتصال بالمستعمرين. واستمالوا الناس إلى المسيحية بالمحبة والرحمة والموسيقى. وأنشئوا المدارس لتعليم الموسيقى، والفوا الفرق الموسيقية التي تعزف على جميع الآلات الأوربية الهامة وتؤدي كل ألوان الالحان تقريبا، حتى المختارات من الأوبرات الإيطالية. وسرعان ما تعلم الأهالي أن ينشدوا أضخم ألحان الكورال. وقيل على التحقيق إنه في فرقة من ألف صوت لم تسمع نغمة ناشزة واحدة. وكانت فرقة الموسيقى تتقدم الناس في غدوهم ورواحهم، وتصحب جهدهم في المتاجر والحقول. واحتفل القوم بالأعياد المسيحية بالغناء والرقص والالعاب الرياضية, وألف الآباء اليسوعيون المسرحيات الفكاهية ولموا الرعية كيف يؤدونها.
ولقد هيمنوا على الاقتصاد كما هيمنوا على شئون الحكم. وأبدى الأهالي استعدادا ملحوظاً لمحاكاة المنتجات الأوربية، حتى صناعة الساعات المعقدة، والمخزمات الهفافة، والآلات الموسيقية. وكان العمل إجبارياً، ولكن للشباب الحرية في اختيار حرفهم، ويباح الفراغ اللازم للترفيه والتثقيف. أما يوم العمل فثماني ساعات في المتوسط. وحدد اليسوعيون ساعات العمل والنوم والصلاة واللعب. وكان جزء من الارض يملكه الأفراد، ولكن أكثرها ملك مشاع, ونتاج العمل الجماعي يسلم للحكومة ويفرز جزء منه للبذر او لسنوات الجدب، وجزء يؤدي فرضة رءوس لملك أسبانيا، وأكثره يوزع على العشرين الف اسرة كل حسب حاجته، ومن المسلم به أن جزءاً كان يخصص ليعول، على مستوى متواضع(50)، اليسوعيون المائة والخمسين الذي يعملون مديرين وملاحظين وأطباء و معلمين وقساوسة. وقد حرم عليهم بمقتضى مرسوم ملكي اقترحه اليسوعيون أن يشاركوا في أرباح الاقتصاد، وطلب إليهم أن يقدموا حساباً دورياً لرئيسهم الإقليمي. أما القانون فيطبقه قضاة وشرطة من الوطنيين، وأما العقوبات فهي الجلد والسجن والنفي وليس فيها الإعدام. ولكل مستوطنة مستشفاها وكنيستها للتيسير على الشيوخ أو العجزة. لقد كانت شيوعية دينية، ينال فيها الوطنيون الرزق والأمن والسلام وقسطاً من الحياة الثقافية نظير قبولهم المسيحية والنظام.
من أين يا ترى استقى اليسوعيون فكرة هذا النظام العجيب ؟ ربما بعضها من »يوتوبيا« مور (1516)، وبعضها من الأناجيل، وبعضها من دستور جماعتهم التي كانت هي ذاتها أشبه بجزيرة شيوعية وسط بحر يدين بالفردية. أياً كان الأمر، فقد أثبت النظام أنه محل حب الوطنيين لأنه أقيم على الإقناع دون ضغط، وحافظ على كيانه 130 عاماً (تقريباً 1620-1750)، وحين هوجم من الخارج دافع عن نفسه بحماسة أذهلت المهاجمين، وكان مثل الإعجاب حتى من شكاك حركة التنوير الفرنسية. يقول دالمبير »اقام اليسوعيون بالدين سلطة ملكية (؟) في برجواي، لا تستند إلا على ما أوتوا من قوة في الإقناع وترفق في الحكم. وإذا كانوا السادة المتصرفين في البلد فإنهم اسعدوا الشعب الذي حكموه.« أما فولتير فوصف هذه التجربة بأنها »انتصار للإنسانية«)51). وقد انتهى النظام بكارثة لأنه لم يستطع عزل نفسه عن العالم الخارجي فالتجار الأسبان نعوا على اليسوعيين اشتغالهم بالتجارة، والمستعمرون الأسبان كرهوا أن يحال بينهم وبين منطقة تغرى باستغلال الموارد والبشر(53). وراحت عصابات خطف الرقيق تهاجم المستوطنات اليسوعية المرة بعد المرة، وأخلى الآباء ورعاياهم الأقاليم الأكثر تعرضاً لغاراتهم. فلما أوغلت الغارات حصل اليسوعيون على إذن من ملك اسبانيا بتسليح الأهالي بأسلحة أوربية، وبعدها أمكن مقاومة الغارات بنجاح. على أن خطراً أكبر على المستعمرة كان يكمن في مجرى السياسة والفكر الأوربيين. ذلك أن الدسائس السياسية المستمرة التي تورط فيها اليسوعيون في فرنسا واسبانيا والبرتغال تضافرت مع نهضة الفكر الحر والعداء للاكليريكية لتفضي إلى طرد جماعة اليسوعيين  من جميع الأقطار تقريبا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. ونشط المركيز بومبال-وهو وزير حاكم في البرتغال-نشاطاً ملحوظا في حركة العداء لليسوعيين. ففي عام 1750 رتب إبرام معاهدة بمقتضاها نزلت البرتغال لأسبانيا عن مستعمرة سكرمنتو، على مصب ريو دلا بلاتا، لقاء أراض أسبانية أبعد منها شمالا-شملت سبع مستوطنات يسوعية تضم ثلاثين ألف هندي. وراجت خلال ذلك شائعة تزعم أن بهذه الأراضي ذهبا وأن اليسوعيين يختزنوه. وأمرت السلطات البرتغالية الآباء والأهالي بالرحيل عن المستوطنات السبع خلال ثلاثين يوما. أما اليسوعيين فاشاروا بالتسليم (كما توقع الناس)، وأما الهنود فآثروا المقاومة، وردوا الهجمات البرتغالية طوال سنوات خمس. ولكن في عام 1755 جلب الجيش البرتغالي المدفعية، وذبح المئات من الهنود، أما الباقون ففروا إلى الغابات أو استسلموا، واصدر الرؤساء اليسوعيون في أوربا لمرءوسيهم الأمر بالعودة إلى أسبانيا. وهكذا اختتمت تجربة »المسيحية السعيدة« كما سماها موراتوري(53). أما قصة المبعوثين اليسوعيين في أمريكا الشمالية فهي أشهر، ويكفي أن نلم بها إلمامة سريعة لنحيط بمجال النشاط اليسوعي في هذه الحقبة. فقد دخلوا المكسيك عام 1572 وشاركوا في تحويل الوطنيين بسرعة إلى المسيحية، ولكن عبء هذه المغامرة الأكبر وقع على كاهل الدومنيكان والفرانسسكان. وترك الفرنسسكان قافلة من البعثات والهيئات اللطيفة للرهبان »المتسولين« على طول الطريق من المكسيك إلى المدينة الفاتنة التي تحمل أسم مؤسس طريقتهم. ولقي كثير من اليسوعيين العذاب وأبشع الميتات في محاولتهم ضم الهنود إلى حظيرة الكاثوليكية. من ذلك أن إسحاق يوجس شوه جسده واستبعد ثم قتل. أمان جان دبريبوف، وجابرييل لالمانت، وأنتوني دانيال، وغيرهم من اليسوعيين، فقد احرقوا أو غلوا على النار خلال عامي 1648-49. قد نختلف مع هؤلاء الرجال على اللاهوت الذي حاولوا بثه، ولكن يجب أن نحترم إنسانيتهم وإخلاصهم، ولو لمجرد كونهما النقيض المؤسف لقسوة المستعمرين والمسيحيين وجشعهم، هؤلاء الصيادين الجلابين للرقيق، الذين شكوا من أن نشاط المبشرين الإنساني يحول دون تحضير الهنود.
4-أيام إيطاليا ولياليها


كتب مونتيني حين رأى أهل روما عام 1581 »إنهم يبدون أقل تديناً من أهل المدن الصالحة في فرنسا، ولكنهم أكثر ولعاً بالمراسم والطقوس(54)« وكانت احتفالات أسبوع الآلام تشمل مواكب من أفراد يجلدون انفسهم حتى تسيل دماؤهم، وإذاعة قرارات الحرم البابوي، وعرضاً للقناع الذي مسحت به فيرونيكا العرق من جبين المسيح. »رأيت في عشية القيامة بكنيسة القديس يوحنا لاتيران رأس القديسين بولس و بطرس، المعروضين هناك، والمحتفظين بلحمهما، وجلدهما، ولحيتهما، كأنهما حيان(55). وكان إخراج الأرواح النجسة يمارس بطقوس شديدة الوقع في النفوس، ربما كضرب من العلاج النفسي الجماعي. ولقد تجاهلت الكاثوليكية في إيطاليا عن عمد عقول الصفوة من الناس وقدمت لجماهير الشعب ناموساً خلقياً خيراً ولكن غير مرحب به، لف في الشعر والدراما والرمزية والتنفيس والرجاء.
وشهد مونتيني بتحسن عام في أخلاق الناس، ولكن ما زالت العلاقات بين الجنسين يشوبها كثير من التراخي القديم. فقد بلغ من خلاعة المسرح الإيطالي سواء في الحركة أو الحوار أن مجلس شيوخ البندقية طرد جميع الممثلين من أراضيه (1577)(56) مع أنه كان يغضي عن البغاء. وكان الأدب الفاجر يشترى في أي مدينة كبيرة كما هي الحال اليوم في أي مكان تقريباً من العالم المسيحي. وحين اعتبر البابا بيوس الخامس اللواط جريمة كبرى جزع للقرار شباب روما من النبلاء. وقد دخل ثمانية لواطيين  برتغاليين في زواج رسمي، فقبض عليهم وأحرقوا(57). كذلك أمر بيوس بطرد البغايا من الدويلات البابوية (1566). وشكا رجال الأعمال من أن المرسوم سيقفز المدينة، فأذن البابا لبعض المومسات بالبقاء في حي معزول، وقدم المعونة الكبيرة للنساء اللاتي حاولن الانتقال إلى مهنة أحدث عمراً. أما سيكستوس الخامس، ذلك الذي قهر قطاع الطرق، فلم يصب غير انتصارات باهظة الثمن على الغانيات، كما تشهد مراسيمه المتكررة في 1586 و 1588 و 1589.
وإذ كان الحب الرومانسي لا يزال نزوة خارج الرباط الزوجي، والزواج تزويج المال بالمال، والطلاق محظوراً بأمر الكنيسة، فقد انغمس الأزواج من أرباب الخيال في الزنى. وفكر بيوس الخامس في اعتبار الزنى جريمة كبرى. وقد ورد في تقرير بتاريخ 25 أغسطس 1568 »إن التهديد بتقرير الإعدام عقوبة على الزنى أمر متوقع، فإما أن يتمسك كل امرئ بالفضيلة أو يرحل عن المدينة.« على أن بيوس لان وقنع بعقوبات أخف: فصدر حكم على سيدة من أشراف روما بالسجن المؤبد، وجلد مصرفي بارز بالسوط علانية، ونفي الكثيرون من المذنبين غير هؤلاء.
وفي أواخر القرن السادس عشر دخلت عادة وصفاء الزوجات إلى إيطاليا من أسبانيا بطريق نابلي وميلان: فكان للزوج من علية القوم أن يأذن لصديق بان يكون وصيفا (تابعاً شريفاً) لزوجته، والظاهر أن هذه العادة نشأت في أسبانيا إبان الحروب المتكررة وطول غياب الزوج عن بيته. وكان الوصيف الفارس يخدم السيدة النبيلة منذ استيقاظها حتى نومها، ولكن العرف لم يكن قد أغضى بعد عن الزنى الذي كثيراً ما رافق هذه العادة في إيطالية القرن الثامن عشر.
أما الجريمة فقد أفرخت برغم المعوقات اللاهوتية. فكثر الفتاك في ببيوت النبلاء، ورجال العصابات في الطرق العامة، والقراصنة في البحر المتوسط، والاغتيالات السياسية والغرامية. من ذلك أن باولو جوردانوا  أورسيني خنق إيزابللا مديتشي في فراشها كما فعل عطيل بزوجته؛ وقتل بييرو مديتشي لشبهة الزنى، وقد رأينا كيف نقل جون وبستر عن قصة فيتوريا أكورامبوني الدامية روايته »الشيطان الأبيض«، ومثل هذا سيفعله شلي مع بياتريتشي تشنشي، التي كان أبواها فرانشسكو تشنشي مضرب المثل في الرذيلة والتوحش. وفي عام 1594 حوكم بتهمة اللواط، ولكنه افلت بغرامة قدرها 105.000 سكودي. وماتت زوجته الأولى بعد أن ولدت له اثني عشر طفلا. ثم تشاجر مع أبنائه، فغادر روما مع بياتريتشي وزوجته الثانية لوكريتسيا بتروني، وانتقل إلى قلعة منعزلة في الطرق إلى نابلي. هناك حبسهما في عليتين وعاملهما بمنتهى القسوة، ولو أننا لا نملك دليلا على وجود علاقة محرمة بينه وبين ابنته. ووجدت بياتريتشي وسيلة للدخول في علاقة غير شرعية بينها وبين حارس القلعة. وبتحريض بياتريتشي، وزوجة أبيها، وشقيقيها جاكومو وبرناردو، أو لقاء أجر دفعوه له، قتل الحارس الأب في فراشه (1598)، مستعيناً بأحد القتلة المحترفين. وقبض على المتآمرين وحكموا، فدفعوا بالاستفزاز الذي لا يحتمل، وتقدم مواطنون كثيرون بطلب الرأفة إلى كلمنت الثامن، ولكنه ابى. فقطع رأسا بياتريتشي ولوكريتسيا، وعذب جاكومو حتى الموت(58).
ومع ذلك أخذت الأخلاق تنصلح، وآداب السلوك ترق، وكان للمجتمع الإيطالي مفاتن ولطائف لا يباريه فيها غير الفرنسيين,. فاللباس عند الطبقات العليا بهاء ملون من المخمل والساتان والحرير. وحوالي هذه الفترة بدأت نساء النبلاء يؤطرون وجوههن، ويكللن رؤوسهن، ويطرحن على أكتافهن الحرير الأسود »المانتيليا« وكان زياً فاشياً في أسبانيا. وظل وجهاء القوم يلبسون الجوارب الطويلة. أما العوام والتجار الذين ألفوا الزي التركي فأخذوا يعتادون لبس السراويل. وهزأت المسرحيات الفكاهية الإيطالية بهذه العادة في شخص »بانتاليوني« الهزلي المألوف، الذي اشتق
منه لفظاً »بانتالونز« و »بانتز« (في الانجليزية).
أما الملاهي فكانت كثيرة كما هي الحال في معظم الأقطار اللاتينية. فكان لروما كرنفالها السنوي قبل الصوم الكبير، وكانت الشوارع كما شهدها إيفلين عام 1645 »تعج بالبغايا والمهرجين والغوغاء من كل شكل »لون«(59) وكانت هناك سباقات في الكورسو، ترى فيها الجياد المغربية الفارهة، لا يمتطيها فارس ولكن تدفعها مهامز تتدلى على جوانبها، وسباقات للحمير، والجواميس؛ والشيوخ؛ والرجال العرايا، والغلمان، وكانت المسرحيات تمثل على مسارح متنقلة في الهواء الطلق. وكانت فنون الرقص والحديث والغزل تزين البيوت والحدائق والشوارع. وهل كان هناك إيطالي يجهل الغناء؟.


5- مولد الأوبرا


لقد شارك الدين، الحب، والرقص، والبلاط، بل حتى العمل، في مولد الموسيقى. ووجد إيفلين أهل الريف الإيطالي »غاية في المرح وإدمان الموسيقى، وحتى الزراع كانوا كلهم تقريباً يعزفون على القيثارة... ويمضون عادة إلى الحقل ومعهم كمانهم(60)« وكان لكل بلاط دوق فرقة مرتلين وقائد للعازفين في الكنيسة؛ وفي فيرارا أثار رباعي من النساء اشتهر باسم »فرقة موسيقى السيدات« الدموع في عيني ناسو وأطلق قلمه بالقوافي. ونسجت أغاني الحب الشعرية شكاواها المتعددة الأصوات، فجعلت التعبد للمرأة حتى زواجها موضع توقير يكاد يرقى إلى توقير الابتهالات الموجهة إلى والدة الإله. وانطلقت القداديس وصلوات المساء والألحان والترتيل يصدح بها ألف أرغن. وحوالي عام 1600 بدأت فرق من خصيان صغار تشنف آذان المصلين. ووصف زائر بروتستنتي موسيقى الكنيسة الكاثوليكية »التي يرتلها خصيان واصوات أخرى نادرة، تصحبهم الآلات الموسيقية، كالعود والبيان القيثاري والفيول؛ ترتيلا كاد
يذهب بألبابنا(61) ودرب الرهبان والراهبات في فرق ترتيل تبعث الإيمان القويم حتى في الصدور المتوحشة. واجتذب أندريا جبرييلي، وكلوديو ميرولو، وجوفاني جبرييلي (ابن أخي أندريا) على التوالي ألوف المستمعين إلى كنيسة القديس مرقس بالبندقية لينصتوا لعزفهم على الأرغن ولفرقتهم الموسيقية ولفرق المرتلين التي يقودونها. وحين عزف جيرولامو فرسكوبالدي على الأرغن الكبير في كنيسة القديس بطرس احتشد ما لا يقل عن ثلاثين ألفاً في الكنيسة أو من حولها ليستمعوا لعزفه. وقد أثرت ألحانه المنوعة، المعقدة بتجاربها العويصة، في دومنيكو سكارلاتي، ومهدت للتطويرات الهارمونية التي جاء بها يوهان سباستيان باخ.
وكانت الآلات الموسيقية متنوعة تنوعها اليوم تقريباً. وحوالي منتصف القرن السادس عشر بدأ الكمان، المتطور عن القيثارة، يحل محل الفيول. وكانت بريشيا مقر أول صانعين من صناع الكمان العظام، وهما جاسبارو داسالو وتلميذه جوفاني ماجيني. ويلوح أن أندريا أماني أخذ الفن عنهما وحمله إلى كريمونا؛ حيث اسلمه ابناؤه إلى آل جوارنيري وآل ستراديفاري. وقد لقيت الآلة الجديدة مقاومة من أولئك الذين آثروا أنغام القبول الأكثر نعومة ورقة. وقامت المنافسة بين الفيول والعود والكمان قرناً من الزمان. ولكن حين وجد آل أماتي الوسائل للتخفيف من حدة صوت الكمان ارتقت الآلة الجديدة إلى مقام الصدارة غير منازع، يعينها عليه ازدياد غلبة اصوات السوبرانو في الموسيقى الصوتية.
كانت الألحان لا تزال توضع للصوت أكثر منها للآلة. وإلى هذه الفترة تنتمي شخصية شاعرية هي شخصية كارلو جزوالدو، أمير فينوزا، الذي زين النبالة بالموسيقى؛ والقتل بالأغاني الشعرية. ولد في نابلي (حوالي 1560) وأصبح عازف عود ممتازاً، وتزوج سيدة عريقة المولد؛ ودبر قتلها هي وعشيقها لشبهة الزنى؛ ثم هرب إلى فيرارا، وتزوج دونا اليونورا ديستي؛ ونشر خمسة كتب من أغاني الغزل انتقلت أنغامها الجريئة وانتقالات طبقاتها الحادة من قوالب النهضة إلى قوالب الأصوات المتعددة الحديثة. وفي فبراير 1600 أخرج ايميليو دي كافالييري؛ في مصلى القديس فيليب نيري بروما؛ قصة رمزية شبه مسرحية، الحركة فيها للرمز فقط؛ ولكن يصاحبها الأوركسترا والرقص والخورس والمغنون المنفردون هذه الموشحة الدينية »الأوراتوريو الأولى«، سبقت أوبرا بيري المسماة »أوريديتشي« بثمانية شهور لا أكثر، وشابهتها من وجوه كثيرة. وبعد مرور جيل آخر ألف جاكومو كاريسيمي أوراتوريوات وكنتاتات أثرت تراتيلها الفردية في تطور الإلقاء الأوبري الملحون.
والتقت خطوط كثيرة أخرى من التطور الموسيقي لتخرج لنا الأوبرا، فبعض »التمثيليات المقدسة« التي خلفتها العصور الوسطى أضافت الموسيقى والغناء إلى الحركة. ففي هذه، وفي موسيقاها المعبرة عن آلام المسيح، كانت الكنيسة أما للأوبرا أو حاضنة لها كما كان شأنها في كثير من الفنون الأخرى. فقد كانت المقاطع الملحوظة المصحوبة بالموسيقى تسمع في القصور أواخر العصور الوسطى. وذكر علماء النهضة أن قطعاً من المآسي اليونانية كانت تغني أو ترتل بمصاحبة الموسيقى. وفي بلاط مانتوا، عام 1472؛ جمع إنجيليو بولتسيانو بين الموسيقى والدراما في مسرحيته القصيرة »فافولادي أورفينو أورفينو وبدأت هذه الأسطورة الحزينة تشق الآن طريقها الطويل إلى الأوبرا. كذلك شقت مسرحية الأقنعة »الماسك« التي اشتد الإقبال عليها في قصور القرن السادس عشر طريقاً آخر إلى الأوبرا؛ ولعل الباليه؛ والمشاهد المسرحية المترفة؛ والملابس الفخمة التي تراها في الأوبرا الحديثة، منحدرة من الرقص والمواكب والثياب الفاخرة التي غلبت على الحركة في مسرحيات الأقنعة أيام النهضة.
وفي أخريات القرن السادس عشر اقترح فريق من المتحمسين للموسيقى والأدب التقوا في بيت جوفاني باردي بفلورنسة أن يحيوا مسرحية اليونان الموسيقية بتحرير الأغنية من تعدد الأصوات الشديد ومن لغة القصائد الغزلية المفرقة المكتومة، وردها إلى ما كانوا يعتقدونه اسلوب المأساة القديمة الفردي (المونودي). فقام أحدهم وهو فنشنزو جاليلي، أبو الفلكي، بتأليف موسيقى مونودية لأجزاء من جحيم دانتي. ووضع عضوان آخران من الجماعة، هما الشاعر أوتافيو رينوتشيني والمغني ياكوبو بيري، النص والموسيقى لما يمكن أن نعده أول أوبرا واسمها »دافني«، وقد أخرجت في بيت ياكوبو كورسي في 1597)63). وقوبل الأداء بالاستحسان الكبير حتى أن رينوتشيني دعى إلى وضع الكلمات للحن أهم، وبيري وجوليو كاتشيني إلى تأليف موسيقى اللحن، وذلك احتفالا بزفاف هنري الرابع وماريا دي مديتشي بفلورنسة (6أكتوبر 1600). و »الأوريديتشي« التي مثلت هناك هي أقدم الأوبرات الباقية على قيد الحياة. وقد اعتذر بيري عن عيوب هذا العمل المستعجل، راجيا »أن أكون قد فتحت الطريق لموهبة غيري من المؤلفين، ليتأثروا خطاي نحو هذا المجد الذي لم يتح إلى بلوغه(63)«.
هذا المجد بلغه أحد الفحول في تاريخ الموسيقى، وهو كلوديو مونتيفردي. حذق العزف على الكمان في مسقط رأسه كريمونا، حتى أنه عين عازفاً للكمان في قصر دوق مانتوا وهو لا يتجاوز الثانية والعشرين (1589)، وفي الخامسة والثلاثين أصبح قائد فرقة المرتلين في الكنيسة. وقد ندد النقاد تنديدا شديدا بكتبه الخمسة في الأغاني الشعرية (1587-1605) لما أخذوه عليها من تنافر شديد، و »نقلات شديدة التحرر«، ومتواليات هارمونية »غير قانونية«، وخروج على قواعد مزج الألحان (الكونتر بنط). كتب جوفاني ارتوزي في »مثالب الموسيقى الحديثة« (1600-3) يقول »هؤلاء الملحنون المحدثون يحلو لهم فيما يبدو أن يخرجوا أعظم ما يستطيعون من ضوضاء بالجمع بين عناصر لا رابط بينها اطلاقا ومجموعات متعاظمة من الأنغام المتنافرة(64)«.
ووجه مونتيفر دي محاولاته المتهورة إلى الشكل الجديد الذي سمعه في فلورنسة، فأخرج في مانتوا أول اوبرا من تلحينه، وهي »أورفيو« أخرى (1607) يشارك في عزفها أوركسترا من ستة وثلاثين عازفا. وسجلت الموسيقى والحركة في هذه الأوبرا تقدما عظيما على أوبرا »أوريديتشي« لبيري. وفي الأوبرا الثانية التي لحنتها مونتيفردي، واسمها »أريانا« (1608) كانت الحركة أشد مسرحية والموسيقى أكثر استهواء للسامعين. وبدأت إيطاليا كلها تردد عويل أردياني التي هجرها حبيبها »دعوني أمت«، وفي توسيع مونتيفردي للاوركسترا واعادة تنظيمه، وفي تمييزه المتكرر لكل شخصية بلحن خاص، وفي افتتاحياته 0سنفونياته) التي استهل بها اوبراته، وفي تجويده للموسيقى الصوتية والألحان، وفي جمعه الحميم، المعقد، بين الموسيقى والدراما، في هذا كله سجل من التقدم الحاسم في الأوبرا ما كان يفعله معاصره شكسبير في المسرح.
وانتقل مونتيفردي في 1612 إلى البندقية قائدا للمرتلين بكنيسة القديس مرقس. ولحن مزيدا من الأغاني الشعرية، ولكنه غير من هذا اللون الآخذ في الانحلال مسرفا في العنصر الالقائي اسرافا حدا بالنقاد إلى اتهامه بأنه يخضع الموسيقى للدراما (على نحو ما سيتهم به برنيني من اخضاع النحت للدراما)، ومما لا ريب فيه أن أوبرا مونتيفردي-ككل أوبرا تقريبا- ضرب »من الباروك« الموسيقى. وافتتحت البندقية أول دار عامة للأوبرا »تياترو دي سان كاسيانو«، وفيها استمر عرض أوبرا مونتيفردي »أدوني« من عام 1639 إلى كرنفال 1640، بينما كان أوبرا أخرى له تسمى »أريانا« تشغل مسرحا آخر بين الحين والحين. فلما أخرج آخر أوبراته »تتويج البابا« (1642) اغتبطت إيطاليا لأنها رأت أنه ما زال في عنفوانه رغم بلوغه الخامسة والسبعين (شأن فردي الذي أخرج »عطيل« وهو في الرابعة والسبعين). وبعد عام مات تاركا دنيا الموسيقى بعد أن أن الهمتها وجددت شبابها ثورته الخلاقة.
6- الآداب


يدهش المرء حين يرى إيطاليا جياشة بالعبقرية في كل ميدان، حتى في فترة الاضمحلال المزعوم هذه. لقد كان عصراً مثمراً في الأدب الإيطالي كما وتوقدا، ولا يحول بيننا وبين انصافه هنا سوى الافتقار إلى الوقت والحيز والمعرفة.
كان طبيعياً أن يضمحل العلم الإيطالي بعد ما لحق الهام النهضة من كلال؛ فما كان في الإمكان أن يمضي الناس في الكشف من جديد عن اليونان والرومان إلى ما شاء الله. لذلك ترك الاهتمام بالآداب إلى الأكاديميات الأدبية، التي كانت محافظة بحكم نظامها. وكان لكل مدينة تقريباً في إيطاليا معهد أو جماعة منقطعة لبث الآداب وتبادل الشعر في حماسة. وقد سبقت أكاديمية كروسكا (أي الهيثم) التي أنشأت بفلورنسة عام 1572، الأكاديمية الفرنسية إذ صنفت قاموساً للغة (1612 وما بعدها) وحاولت تنظيم الأسلوب والذوق الأدبيين.
أما المؤرخون الإيطاليون فكانوا خيرة مؤرخي العصر. وقد رأينا كتاب ساربي الناري »تاريخ مجمع ترنت«. كذلك أخرج الكردينال جويدو بنتيفوليو تاريخاً للثورة في الأراضي المنخفضة مشرباً بروح التعاطف الشديد. وكان من الجائز أن ينتج المزيد، لولا أنه مات في مجمع الكرادلة في اللحظة التي بدأ اختياره للبابوية قاب قوسين. وقد أفضى إلى موته، كما يقول نيكيوس اريتراوس، شخير كردينال في الحجرة المجاورة حرمه النوم إحدى عشرة ليلية متعاقبة(65). ومؤرخ آخر هو الكردينال شيزاري بارونيوس صنف تاريخاً ضخماً للكنيسة (الحوليات الكنسية 1588-1607) يقع في اثني عشر مجلداً من القطع الكبير زاده العلماء بعد ذلك إلى ثمانية عشر. وكان حكم رانكيه عليها أنها عاطلة من التشويق (66)، ولكن جيبون وجد فيها عونا له، وقد بذل الكردينال جهداً مشكوراً
ليكون منصفاً، فقال »سأشعر بالحب الصادق للرجل الذي يصحح أخطائي بكل صرامة وقسوة(67)«، وتكفل إسحاق كازوبن بهذه المهمة، ولكنه اقلع عنها بعد أن كتب مقدمة ناقصة في ثمانمائة صفحة من القطع الكبير.
وأما المسرح فقد زكا، ولكن الدراما اضمحلت. فقل من التمثيليات الباقية الذكر ما ألف، ولكن كثر ما أخرج منها، وأخرج بسخاء في المناظر وبراعة في التمثيل جعلت اينيجو جونز يعجب ويتعلم. واشتد الطلب على الممثلين الإيطاليين في القارة طولا وعرضا. وبينما كانت أدوار النساء يقوم بها الغلمان في المسرح الإنجليزي، كانت النساء يؤدينها في إيطاليا. كان الناس يعبدون الممثلات؛ وقد كتب تاسو سونيتة لأيزابللا أندريني، التي لم تكن ممثلة جميلة فحسب، بل شاعرة لا بأس بها وزوجة فاضلة كذلك.
وتطالعنا في هذا العصر تمثيليتان ممتازتان؛ من جهة لأنهما أرستا لوناً جديداً على المسرح-وهو الدراما الرعوية. وقد أعطاها تاسو دفعة بتمثيليته »أمينتا« (1573)، أما جوفاني باتيستا جواريني فقد أخرج مثلها الكلاسيكي في درامته »الباستور فيدو« (الراعي الوفي) (1585). قال تاسو »إذا لم يكن قرأ أمينتا فهو لم يبزها(68)« وقد وبخه الكردينال بللارميني لما في التمثيلية من إباحية، وقال أنها ألحقت بالعالم المسيحي من الضرر فوق ما ألحقته كل هرطقات لوثر وكلفن؛ على أن البحث الدءوب لم يعثر على منظر أكثر وقاحة من منظر كورسيكا الجميلة وهي تقدم »تفاحتي« صدرها لسيلفيو الذي لا يقدرهما، وهو صياد »يفرح بحيوان واحد يصيده ... أكثر من فرحته بكل حوريات البحر(69)« وإذا أستثنينا سيلفيو هذا وجدنا في المسرحية - ككل شعر هذه الفترة الإيطالي تقريباً - حرارة في الحس تصهر الحياة كلها في الحب. وتتجلى الحركة في ضرب من »الأركاديا« الرعوية، في ذلك »العصر الذهبي الجميل، حين كان اللين غذاء الناس الأوحد«، فلا رذيلة، ولا حزن يلوث الإنسان ، أما
الحب فخلو من كل لوم وقيد(70). وتضافرت »أمينتا« ودرامة »الراعي الوفي« هذه ، وتمثيلية مونتيمايور »ديانا العاشقة«، وتمثيلية سدني »أركاديا« وتمثيلية فلتشر »الراعية الوفية« لتطلق نصف جمهور القراء الأوربيين ليسرحوا في المراعي.
وقد عد كرستشمبيني من ناظمي السونيتة 661 في إيطاليا لم يعيهم العثور على قواف رنانة لقصائدهم المغايرة قليلا لسونيتات بترارك(71). ومن أروع سونيتات العصر ما كتبه كامبانللا وبرونو، وكأنه شرار نفثه نار فلسفتهما. وقد هجا الساندرو تاسوني كتاب السونيته وعشاق بترارك وماريني وتاسو في قصيدة من عيون الشعر الإيطالي تدعى »الدلو المسروق«. وأبى الناشرون أن ينشروها لأن ضحيتها كان نبيلا ذا سطوة، ولكن الطلب عليها اشتد حتى لقد أثرى النساخ بنسخها وبيعها بسعر ثمانية كراونات للمخطوطة، وأخيراً طبعت في فرنسا وهربت إلى إيطاليا. ولم يفتتن القراء الإيطاليون بما في تعليقاتها اللاذعة من ذكاء وحدة فحسب، بل بفواصل من الشعر المصفى تخللت ذلك المرح الصاخب - قصة غرام أنديميون مروية جنباً إلى جنب تقريباً مع صورة لعضو في مجلس الشيوخ يسافر إلى الجنة على كرسي مرحاض.
ولم يبز تاسوني فيما حظي به من استحسان في هذه الحقبة سوى شاعرين إيطاليين - هما تاسو وجوفانيباتيستا ماريني. أما جيوفاني فقد ولد في نابلي ونشئ ليكون محامياً، ولكنه هجر المرافعات إلى القوافي، واستمع حيناً بحياة التشرد. ثم منحه المركيز مانسو حجرة في قصره مغتفراً له إباحية شعره الغنائي، وهناك استطاع الفتى أن يشهد، على بعد خاشع، تاسو المحزون المشرف على الفناء. ثم القى به السجن لأنه ساعد صديقاً على خطف فتاة، ولما افرج عنه مضى إلى روما، حيث عينه الكردينال السمح بيتترو ألدوبر اندينو سكرتيراً خاصاً له. ثم اصطحبه الكردينال إلى تورين وهناك أخذه منه شارل ايمانويل دوق سافوا. وراح ماريني يرشف حيناً ما في حياة البلاط من خمر وخل.
وتهكم بشاعر منافس يدعى جسبارو مورتولا، كمن له في الطريق، وأطلق عليه النار، ولكنه أخطأ وأصاب خادماً من خدم الدوق. وحكم على مورتولا بالإعدام، ولكن ماريني حصل له على العفو، وناله أشد النكران من غريمه. وبعد أن سجن ماريني عقاباً على هجائيات موجهة ضد أصحابها توجيهاً مكشوفاً، قبل دعوة من ماري مديتشي ليكون زينة بلاطها في باريس (1615).ورحب به الإيطاليون في حاشيتها باعتباره الصوت المعبر عنهم فرنسا، وكان محل الإعجاب الشديد، وتلقى وظائف شرفية دسمة، واجزل له النبلاء والنبيلات المال ثمناً لنسخ من ملحمته »أدوني« قبل نشرها, ووجدت نسخة منها طريقها إلى الكردينال بنتيفوليو، فناشد ماريني أن ينقي القصيدة من فقراتها الفاجرة، ولا ندري إلى أي حد حاول المؤلف ذلك. ونشرت أدوني بباريس في 1623، وأدرجت في قائمة الكتب التي تحرمها الكنيسة، واصبحت البدعة الفاشية في إيطاليا والموضوع الذي تلوكه الالسن. وحين عاد ماريني إلى نابلي (1624)، رمى قطاع الطرق عربته بالورد، وخرج النبلاء لمرافقته، وهفت الحسان إليه من شرفاتهن. ولم يمض عليه عام حتى مات غير متجاوز الثانية والخمسين وقد بلغ ذرى الثروة والشهرة.
أما أدوني هذه فقصيدة من عيون الشعر حتى في بلد يكاد الشعر أن يكون فيه كالغناء سجية وطبعاً. وطولها يوقفنا - الف صفحة بها 45.000 بيت. أما أسلوبها فمستغرق في كل الاعيب الكلام التي أطربت لايلي في إنجلتره، وجويفاره وجونجورا في إسبانيا، وبعض »متحذلقات« الأوتيل درامبيوييه في فرنسا؛ لقد كان التأنق اللفظي جزءاً من وباء أوربي. وكان لهذا الإيطالي الماهر غرام بالألفاظ يكاد يكون شهوانياً، فراح يقذف بها في مفارقات رنانة، وأخيلة غريبة، وإطنابات بارعة، بل في نكت وتوريات رشيقة. ولكن الجمهور الإيطالي في القرن السادس عشر بما طبع عليه من تدفق بالحديث الحار، لم يسوءه هذا الولع بحيل الألفاظ وألاعيبها.
وأي بأس بهذه الألاعيب اللفظية في عصر كان انشودة تسبيح للجنس في شتى صوره - العادي منه والوحشي، والشاذ، والحرام ؟ هنا رويت اساطير هيلاس الغرامية في رقة وظرف، هنا يلهو مارس وفولكان مع أفروديت، وهنا زيوس يغوي جانيميد، ومفاتن جسم الرجل هي حديث القوم السائر. وحاسة اللمس يشاد بها لأنها المصدر المدهش لألذ مباهج الإنسان. وها تتغزل النساء والرجال والوحوش في أدونيس البطل الذي حبته الآلهة حسن الصبايا كله، وتتودد إليه فينوس بحيلها الناعمة، ويحاول زعيم عصابة أن يجعل منه محظيته، وينتهي أمر الفتى المحبوب حباً يوقفه موقف العاجز، بأن يجرح في أصل فخذه جرحاً مميتاً اصابه به خنزير بري مدفوعاً بأحر النيات الغرامية. ترى هل كان هذا التركيز المخنث على الجنس تفريجاً وملاذاً من الغلو في الدين والإفراط في تسلط الأسبان؟


7- تاسو


توافر لتوركواتو تاسو الكثير من المغريات بالشعر. ولد في سورنتو (1544) حيث البحر ملحمة، والسماء أغنية، وكل ربوة من الأرض انشودة. وكان أبوه برناردو شاعراً، وموظفاً في البلاط، وإنساناً مرهف الحس مشبوب العاطفة، تآمر على الحكم الأسباني، ونفي في مملكة نابلي (1551)، وجاب الأرض من بلاط إلى بلاط تاركاً وراءه زوجته وولده في عوز وضنك. وتنتمي أمه بورنسيا دي روسي إلى اسرة توسكانية عريقة تجري الثقافة في عروقها. ودرس الصبي ثلاث سنوات في مدرسة لليسوعيين بنابلي، فشرب اللاتينية واليونانية في جرعات تحطم الأعصاب، ودرب على التقوى العميقة التي اثارت فيه الرجفة اللاهوتية تارة؛ ووهبته السلام الذي يجل عن الوصف تارة اخرى. وفي العاشرة لحق بأبيه في روما، وتركه موت أمه بعد عامين شديد التأثر طويل الحسرة. ثم رافق اباه إلى أوربينو والبندقية، وهناك نشر برناردو قصيدته »اماديجي« (1560) التي حكى فيها بالشعر قصة غرام من العصر الوسيط.
وكان توركواتو نفسه يجيش الآن بالشعر.. أرسل إلى بادوا ليدرس القانون، ولكن قدوة أبيه كانت أقوى من مبادئه، فأهمل الفتى درس الشرائع وراح ينظم القوافي، وكان منذ أمد بعيد قد وقع أسيراً لسحر فيرجل. فعزم الآن على أن يطبق الأسلوب المانتوي الرفيع الجاد على اساطير الفروسية التي عالجها أريوستو علاج المازح العابث. وهكذا فاجأ أباه برواية في اثني عشر قسما »رينالدو«. وكان شعور برناردو مزيجاً من الحزن والابتهاج، فقد تكشف له ما سيلقاه من صروف الأيام شاعر لا يملك غير عبقريته، ولكنه طرب لرؤية ولده الذي لم يجاوز الثامنة عشر ربيعاً ينافس أشعر شعراء العصر رقة وخيالا. ونشرت الملحمة الصغيرة بأمره (1562). واغتبطت نفسه بما لقيت من استحسان، فأذن لتوركواتو بأن يهجر دراسة القانون في بادوا ويستبدل بها الفلسفة والأدب في بولونيا. وهناك أثارت موهبة الفتى المتاعب، لأنه كتب »الأبجرامات« اللاذعة في مدرسيه، فهددوه برفع دعوى القذف ضده، وعاد من فوره إلى بادوا.
وأقنع برناردو الكردينال لويجي دستي، أخا الدوق الفونسو الثاني أمير فيرارا، بأن يستخدم توركواتو سكرتيراً له (1565(. والتحق الشاعر مغتبطاً بهذا البلاط الذي كان يعد يومها أينع زهرة في بستان الثقافة الإيطالية. هناك القى مجتمعا يزخر بالموسيقى والرقص والأدب والفن والدسائس والحب. وافتتن تاسو بأختين للكردينال، لوكريتسيا المتغطرسة الجميلة بنت الواحدة والثلاثين، وليونورا، بنت التسعة والعشرين، المعلولة التقية التي جعلتها مشاجراتها مع الفونسو معبودة البلاط. وتروي الأساطير (كما نقرؤها في مسرحية جوته وفي قصيدة بايرون »عويل تاسو«) عن الشاعر وقوعه في غرام ليونورا، وما من شك في أنه طارحها القصائد المشوبة كما اقتضى العرف، وفي أن السيدتين قبلتاه في صداقة طوقت بهالة النبالة، ولكن إحداهما كانت تكبره بأحد عشر عاماً، والاخرى بتسعة أعوام، ويبدو
أن واحدة منهما لم تمنحه شيئاً أدفأ من اذنيها. ولم يتزوج تاسو قط، إذا لم يكن في وسعه أن يعشق إلا الأميرات فلم يكن في وسعهن الزواج إلا من ذوي اليسار. ولعله خشي مطالب الزواج وقيوده، فقد جمع بين ضعف الثقة في قدرته، والتيه بشعره.
وفي عام 1569 مات أبوه وهو لا يملك شروى فقير، واضطر تاسو إلى الاستدانة ليدفنه. وبعد عام اصطحبه الكردينال دستي إلى باريس، فجزع حين وجد شارل التاسع يخالط زعماء الهيجونوت في لطف وود، وجاهر بنقد الحكومة على انسجامها مع المهرطقين. أما الكردينال الحريص على رضاء الملك فقد رد سكرتيره المتعب إلى إيطاليا. ولم يغتفر له تاسو هذه الفعلة قط.
وعزى ألفونسو الشاعر بأن ألحقه ببيته وأجري عليه معاشاً سنوياً دون أن يحمله من المسئوليات شيئاً غير أن يهدي الدوق الملحمة التي عرف أنه يكتبها عن الحرب الصليبية الأولى. تلك كانت سنوات سعيدة بالقياس إلى غيرها. ففي صيف عام 1573 أنجز في بلاط درامته الرعوية »أمينتا«، وقد أثلج صدره ما لقيت من نجاح. فسادة فيرارا وسيداتها الذين كانوا يعيشون على استغلال الفلاحين انتشوا حين رأوا نعيم الريفيين-على المسرح. وأطربت كل وجهاء البلاط صورة العصر الذهبي الذي كانت فيه كل الأشياء السارة حلالا وخيراً:
لك الله أيها العصر الذهبي الجميل!

لست جميلاً لأن أنهارك كانت تفيض لبناً،

ولا لأن أشجارك كانت تقطر مناً،

بل لأن ذلك الألم الكاذب الذي خلقناه لانفسنا،

وصنم الخطيئة، ذلك المحتال المعبود،

وذلك الشرف-الذي سمته كذلك عقول العوام المرتاعة-،

لم يكن قد استيد بطبيعتنا بعد،




ليكن قد جاء ليكدر صفو الحظيرة الحلوة السعيدة،

حظيرة البشرية الوادعة،

ولا قيد ناموسه القاسي نفوساً ربيت على الحرية،

بل كان هناك قانون جميل،

قانون ذهبي سعيد،

خطته يد الطبيعة:

»كل لذيذ حلال«(73)

ولكن جرأة الروح غير المعهودة فيه فارقته حين وجد نفسه ينهي ملحمته »أورشليم المحررة« (1574). لقد كان هذا الجهد ذروة جهود حياته، ولو أن الكنيسة أدانته بالإباحية أو الهرطقة لودع السعادة إلى الابد وفي رهبة وخوف بعث بمخطوطته إلى سبعة نقاد مستفتياً في حبكة القصيدة وشخوصها ولغتها وآدابها. وقد بلغ نقدهم لها من الكثرة ما جعله يلقي القصيدة جانباً لأنه لم يعرف كيف يرضيهم جميعاً. فظلت محبوسة عن النشر خمس سنوات. إنه وهو عليم بأنه كتب رائعة اشتط في مطالبه من النقاد ومن الحياة. وقد اعترف بأنه »لم يطق العيش في مدينة لا يخلى نبلاؤها مكان الصدارة له، أو على الاقل يسوون بينه وبينهم مساواة مطلقة«. ولا ريب أنه كان يستحق هذه المساواة، ولكنه اضاف انه »كان يتوقع أن يعبده الأصدقاء، ويخدمه الخدم، ويعانقه أهل البيت، ويكرمه السادة، ويحتفل بذكره الشعراء، ويشير إليه الجميع بأصابعهم«(74) وكثرت في فيرارا فئة تنقد شعره، وخلقه، ودعاواه. فبدأ يحلم بمكان ألين في قصور ألطف وأرق.
كانت المنغصات البدنية والنفسية قد هزت أعصابه: حمى الملاريا، ونوبات الصداع المتكررة، والصدمات المتراكمة إثر نفي ابيه، وموت أمه، وإملاق أبيه وهو مشرف على الموت، يضاف إلى هذا كله أن الشكوك اللاهوتية التي ساورته - شكوك الجحيم والخلود، والوهية المسيح - ألقت على عقله ظلاً ثقيلاً من الإحساس بالإثم ودفعته إلى الاكثار من



الاعتراف وتناول الأسرار(75). وقد وقر في نفسه أنه مارس قوة السحر الاسود (أي الشيطاني)، وتراء له الرؤى المرعبة عن الدينونة الاخيرة، وشهد الله يسوق الهالكين إلى النار الابدية(76). وأنتابه أوهام الاضطهاد - فخامرته الظنون في افشاء الخدم لأسراره، واعتقد أن أمره أبلغ لمحكمة التفتيش، وتوقع كل يوم أن يدس له السم. لقد كان ضيفا عسير الارضاء(77).
ولكن الفونسو ترفق به؛ وذلك أن أروع قصائد العصر - برغم كل شيء أهديت إليه وافردت نصف قسم منها (السابع عشر) للإشادة بنسبه. فأعفى الشاعر من الحضور إلى البلاط، وأرسله إلى فيللا بلريجواردو اللطيفة ليعينه على التغيير والسكينة. ولكن صبره نفد حين وجد أن تاسو يتفاوض خفية مع فرانشسكو مديتشي - أقوى منافسي الفونسو واعدى أعدائه - ليقبله متقاعدا بمعاش في بلاط فلورنسة. وفي نوفمبر 1575 غادر الشاعر فيرارا زاعما أنه ذاهب إلى روما لينال غفران اليوبيل. ومضى إليها، ولكنه عرج على فلورنسة مرتين في الطريق. على أنه ل يقع من نفس الدوق الكبير موقعا حسنا، وكتب فرانشسكو إلى صديق له (4 فبراير 1576) يقول »لست أدري هل أدعوه إنسانا مجنونا أم ذكيا مسلياً«؛ وبعد عام قرر أنه »ليس في حاجة إلى وجود رجل مجنون في بلاطه«(78) وقفل تاسو إلى فيرارا كسير الخاطر محزونا.
وطلب إلى الفونسو أن يعينه في وظيفة المؤرخ الرسمي للبلاط، فنال الوظيفة. وفي يناير 1577 مثل أمام محكمة التفتيش في بولونيا واعترف بأنه ارتاب آثما في العقيدة الكاثوليكية، وأعادته المحكمة بكلمات من المواساة والتشجيع. وفي يونيو من ذلك العام، بينما كان في مسكن لوكريتسيا دستي، شهر سكينه على خادم أثار شبهته، فأمر الفونسو بحبس الشاعر في حجرة بالقلعة، ولكنه أفرج عنه بعد قليل وأخذه إلى بلريجواردو. كتب تاسو يقول ان الدوق عامله »وكأنه أخ له لا أمير عليه«(79). وطلب



الشاعر أن يرسل إلى دير القديس فرنسيس، فأمر الفونسو بارساله إليه، وأوصى بأن يعطي مسهلا. وخضع تاسو، ولكن ثائرته ثارت في الدير، فاتهم الرهبان بأنهم يغشون نبيذه، وطلب الرهبان اعفاءهم من وجوده. فرد إلى قلعة الدوق ووضع تحت الحراسة. ولكنه هرب متخفيا في ثوب فلاح، وضرب في الأرض سيرا على قدميه وحيداً عبر الأبنين حتى بلغ بيت أخته كورنيليا في سورنتو. فاستقبله بحنان مشرب بالمحبة.
وكان ممكنا أن يظفر بشيء من صفاء الذهن والسعادة هناك لولا قلقه على مصير القصيدة العظيمة التي ما زالت محبوسة عن النشر والتي خلفها وراءه في فيرارا، ولعله بعد أن طال إلفه لحياة القصور افتقد أسباب الراحة التي صاحبت شدائده، فذهب إلى روما ورجا سفير فيرارا أن يتشفع له عند الفونسو. وأرسل الدوق مالا للعناية به ووافق على عودته شريطة أن يتعهد بالتزام الهدوء والحضور للعلاج الطبي. وحين وصل إلى فيرارا (1578) أعطي مسكنا خاصا خارج القصر، وزود بخادم، ووافوه بالطعام من مائدة الدوق. وقبل تاسو المسكنات والمسهلات طائعاً، وواصل كتابة الشعر الرائع. ولكنه كان يأمل في العودة إلى مكان الحظوة في البلاط، فوجد بدلا من هذا كل إنسان تقريبا يعامله كأنه مجنون. ولم يعد الدوق ولا الأميرتان يسمحون له بمجالستهم. أما شر الاهانات فأمر الفونسو بأن تؤخذ مخطوطات الشعر منه، ومن بينها »أورشليم« مخافة أن يتلفها.
وفي يونيو 1578 هرب تاسو مرة أخرى من فيرارا، وذهب إلى مانتوا وبادوا والبندقية وأوربينو وتورين. وهناك أكرم الدوق شارل ايمانويل مثواه، وبذل له كل اسباب الراحة التي عهدها في فيرارا. ولكن ما مضت ثلاثة أشهر حتى التمس الشاعر القلق من الفونسو أن يرده، ربما حرصا منه على استرداد مخطوطاته. ووافق الفونسو، وفي فبراير 1579 أسكن تاسو مرة أخرى قصر الدردينال لويجي دستي. ولكن الفونسو،
التواق إلى وريث كان يتزوج للمرة الثالثة، ولم يكن ليعير الشعراء أذنه، ولم يدع تاسو إلى الحفلات. وظل أسبوعين يحتمل هذا الإغفال مغيظاً محنقاً، وأخيراً غادر مسكن الكردينال (12 مارس 1579)، واقتحم قصر بونتيفولي وهو يصيح مهاجما الدوق، والدوقة الجديدة، وجميع الحاشية. وجرى إلى القلعة، مصرا على لقاء الدوقة واستعادة مخطوطاته. وأمر الدوق بايداعه مستشفى قريبا لمرضى العقول يدعى سانتانا، وهناك ظل حبيسا أكثر من سبع سنين.
لم يكن مجنونا جنوناً مطبقاً. فقد كانت له أويقات صفاء كتب فيها الشعر واستقبل الأصدقاء. وزعم مونتيني أنه زاره. ووفدت عليه سيدات من البلاط ليطيب خاطره، واصطحبته لوكريتسيا مرة لبيتها في بلفديري، ولكن عنفه روعها فرد إلى المستشفى بناء على طلبها. لقد كان العقل المحطم نهبا لرعب كتقطع تثيره هلوسات بأصوات أشباح يسمعها، وبأرواح علوية تغزو حجرته وتسطو على قصائده.
وأخيرا نشرت ملحمته. ذلك أن المحتفظين بمخطوطاتها أرسلوها للناشرين بعد أن علموا أن قراصنة الكتب نسخوها (1580). وظل النقاد يتسقطون الأخطاء فيها، ولكن إيطاليا استقبلتها استقبالا حماسيا، وأطرى رجال الكنيسة موضوعها وتقواها. وتتابعت طبعات القصيدة، وبيع منها في يوم واحد ألفا نسخة، ورددت البيوت والقصور أنغامها، واختلف الناس في أمر تاسو، أيضعونه في صف أريوستو أم في صنف بترارك. وفضل فولتير القصيدة على الالياذة وهو على ما نعلم من بعد عن التحيز للمسيحية(80). أما اليزابث ملكة إنجلترا فبعد أن استمعت إلى أجزاء منها مترجمة إلى اللاتينية حسدت دوق فيرارا على أنه عثر على هوميروس يخلد ذكره(81).
ونستطيع إذا همزنا حاستنا التاريخية أن نبدأ في فهم السبب في استجابة أوربا بهذه الحماسة لهذه القصة المثيرة- قصة الحرب الصليبية الأولى.


لقد رحبت بها باعتبارها ملحمة العالم المسيحي التي طال انتظارها ومست الحاجة إليه. ذلك أنه حين بدأ تاسو قصيدته كانت أوربا تحشد الأسطول الذي التحم بالأتراك في ليبانتو. ودارت رحى المعركة الهائلة بينما الشاعر ينظم ملحمته، وكسب الأوربيون المعركة، ولكن انتعاش الأتراك السريع كان يهدد أوربا، لا سيما إيطاليا، وتعرضت روما، معقل المسيحية، للخطر والقصيدة تكتمل. وساد الخوف من الاسلام أرجاء العالم المسيحي إذ ذاك، كخوف أوربا اليوم من شرق نفخت فيه الحياة من جديد. وفي هذا الجو قرأ الرجال والنساء في شعر يأخذ بالألباب قصة تشدد عزائمهم إذ تحكى كيف قاد جودفري أمير بويون في 1099 جيشاً مسيحياً ظافراً برغم ما لحقه من ضربات واستولى به على أورشليم.
وهكذا يبدأ تاسو قصيدته متفاخرا، ذاكرا عبارة فيرجل «Arma virumque cano» ومتحدياً إياها، » أني اتغنى بذكر الجيوش الصالحة والقائد الذي حرر قبر المسيح العظيم«. وهو يناشد ربة الشعر أن تلهب صدره بحماسة من السماء، ويهدي قصيدته إلى الفونسو، الأمير الهمام الذي أنقذه من زعزع الخطر وهيأ له مرفأ طيبا. ويرسل الله رئيس ملائكته جبريل ليأمر جودفري بأن يحزم أمره ويزحف قدما على أورشليم. وحين يدنو المسيحيون من المدينة يأمر حاكمها التركي علاء الدين رجاله بأن ينقلوا تمثالا للعذراء من كنيسة مسيحية إلى جامع للمسلمين، مؤمنا بأن التمثال سيجلب النصر لمالكه. على أن التمثال يسترد فيخفيه للمسيحيون، ويأمر علاء الدين بذبح كل من بقي بأورشليم من المسيحيين. وتقدم العذراء سوفرونيا نفسها قرباناً عن شعبها، وتخبر علاء الدين كذباً أنها سرقت التمثال وأحرقته، فيحكم بحرقها. على أن حبيبها الذي لا تبادله الحب، أوليندو، يحاول افتداءها ويزعم انه المذنب، فيحكم عليهما جميعاً بالموت، ولكن البطلة المسلمة كلوريندا تنقذهما. ويدعو بلوتو رب العالم السفلي مجمعاً من أتباعه للنظر في طرق هزيمة المسيحيين الذين يحاصرون المدينة،
فيقع اختيارهم على أرميدا الحسناء أداة لتنفيذ خطتهم، وهي عذراء دمشقية ذات قوة سحرية. ويقع رينالدو وغيره من الفرسان في فخ حديقتها المسحورة، ويرتاح رينالدو بين ذراعيها. أما تانكرد، الفارس المسيحي المثالي، الشهم الهمام، فيعجب بشجاعة كلوريندا ويقع في غرامها برغم حواجز العقيدة. وفي جزء من أجمل أجزاء القصيدة (12) تختفي كلوريندا وتقاتل تانكرد حتى تقتل، ثم تتوسل إليه وهي في النزع أن يدخلها في دينه. ويرسل جودفري الجند للعثور على رينالدو والفرسان المفقودين، فيكتشفون قلعة أرميدا، ويتجنبون »الحسان العرايا« اللاتي يسبحن في بركتها، ويحررون الأسرى. وتغضب أرميدا لهجر رينالدو لها، فتعرض نفسها مكافأة لمن يقتله. ويضطلع تسيفرنيس بالمهمة، ولكن رينالدو ينفذ رمحه فيه. وتنوي أرميدا الانتحار، لكن رينالدو يثنيها عنه بحب متجدد، فترتضي اعتناق المسيحية، وتستسلم له بعبارة مريم العذراء »هوذا أنا أمة الرب«. ويتسلق المسيحيون الأسوار، ويذبحون جيش المسلين، ويقدمون الشكر لله. ولكن القصة لا تسترسل إلى ذكر حرق اليهود.
كان أريستو يرمق قصة الفروسية بابتسامة ساخرة. أما تاسو فقد احياها بملء الجد، واضاف سحر العصر الوسيط ومعجزاته إلى الجهاز الكلاسيكي- جهاز الأرباب التي تتدخل في الأحداث. وكانت الحركة المعارضة للإصلاح البروتستنتي قد قمعت حيناً روح الفكاهة الإيطالي القوي. والافتقار إلى الفكاهة مهد لجنون تاسو، فالكون يجب ألا يؤخذ مأخذ الجد الخالص. ولكن تاسو في ملحمته هو الإيمان غير منازع، والعاطفة لا مخفف لها. وهو يزين القصيدة بأخيلة جعلت جاليلو يشبهها بمتحف من الغرائب(83)، ويكتب نقداً غاضباً على هامش نسخته(84). والتقليد في الملحمة واضح: تقليد هومو في مناظر القتال، وفيرجل في زيارة الجحيم، واريوستو في الغراميات، وفيرجل ودانتي وبترارك في الأفكار وفي أبيات بأسرها. أما السحر فصبياني، وأما الأمازونيات فغير معقولات. ولعل ملحمة »أورشليم«
ليست ضريباً في عظمتها للإلياذة، ولا آخذة بالألباب كالأوديسة، ولا رفيعة كالأنيادة، ولكنها تحتفظ بتشويق القارئ كأي ملحمة، وأسلوبها مرصع بانعطافات النغم وتدفقاته الموفقة، وشخوصها حية، وأحداثها مذابة بمهارة في موضوعها الرئيسي. وكثير من مشاهدها وأحداثها ألهم الفنانين لوحات شهيرة. وقد أعان شعرها وروحها سبنسر على تأليف ملحمته »ملكة الجان«. أما مقاطعها فحين لحنت كانت عزاء لملاحي الجندولا البنادقة عن رتابة عملهم المضني.
لم يجن تاسو في أوقات صفائه غير السرور القليل، والربح الأقل، من نجاح قصيدته. فلم ينل فلساً واحداً من الناشرين. وكانت أوقية من اللوم ترجح عنده رطلا من المديح كما هو الشأن مع أكثر المؤلفين. وقد جزع حين قرأ النقد القاسي الذي وجهه إليه نقاده، الذين زعموا أن قوافيه في أكثرها ليست إلا صلصلات، وأن مشاهد حية مسفة في الشهوانية، وأن مسلميه يثيرون الإعجاب الاعجاب فوق ما ينبغي، وأن بطلاته في الأغلب مسترجلات. ولكن باقي الإيطاليين هللوا له كأنه فرجيل ولد من جديد، وعلت الأصوات مطالبة بمعاملة أرفق للشاعر المنكوب. على أن زواره رأوا حاجته للملاحظة الدقيقة، وأن الفونسو يعالج الأمر بكل الرعاية التي تتوقع من رجل أسيء إليه كثيراً وشغلته تبعات الحكم.
وصلحت حال الشاعر. وفي يوليو 1586 حصل فنشننزو وجونزاجا، الوريث الشرعي لدوقية مانتوا، على الإفراج عنه بعد أن تعهد بالعناية به. وعاش تاسو في مانتوا شهرا ثم رحل عنها إلى برجامو، ومودينا، وبولونيا، ولوريتو، وروما، يبيع قصائده ومدائحه لمن يشتريها. ولقى حسن الاستقبال في روما، ولكنه سرعان ما بدأ الترحال من جديد، فمضى إلى سينا، ففلورنسة، ثم عاد إلى مانتوا، ثم لنابلي مرة أخرى، حيث صادقه المركيز مانسو، ثم عاد إلى روما حيث أنزله الكردينالان تشننزينو وألدوبر اندينو مسكنهما بالفاتيكان (1594). وأراد العودة إلى

فيرارا ليموت فيها، غير أن الفونسو رفض الاذن له. ورتب له البابا كلمنت الثامن معاشا وأعد العدة لتتويجه شاعراً. للبلاط البابوي. ولكن في أبريل 1595 لم يكن بد من نقل الشاعر الذي انهارت قواه وأدركته الشيخوخة والعجز وهو بعد في الحادية والخمسين، إلى دير سان أونوفريو بروما، ليجد رعاية أفضل. هناك، وبعد غضبة أخرى من غضباته، مات (25 أبريل) وهو يتمتم »في يديك يا رب أستودع روحي« ووضع على نعشه إكليل الغار الذي لم يعش ليلبسه. وحمل جثمانه في مشهد إلى كنيسة القديس القديس بطرس وخرج منها تشيعه حاشية البابا واشراف روما وعلماؤها، وروى التراب في كنيسة الدير وفوق مثواه قبرية بسيطة، »هنا يرقد توركواتوس تاسوس« وأصبحت الصومعة التي نزلها مزارا للحجاج كما هي اليوم.