الاثنين، 29 نوفمبر 2010

قصة الحضارة - ويل ديورانت - الفصل السّادِس إنجلترا في القرن الخامس عشر 1399 - 1509



الفصل السّادِس


إنجلترا في القرن الخامس عشر


1399 - 1509


1- الملوك


وما كاد يجلس هنري الرابع على العرش، حتى تحدته الثورة. فلقد تخلص أوين جلن دُوير من السيطرة الإنجليزية في ويلز إلى حين (1401-1408)، ولكن هنري الذي أصبح فيما بعد الملك هنري الخامس، وكان يوم ذاك أمير ويلز، تغلب عليه بخطة عسكرية مباغتة، ومات أوين جلندوير، بعد لحظات من تبليغه العفو الكامل عنه، من المنتصر الشهم وذلك بعد أن أمضى ثماني سنوات مطارداً في حصون ويلز ونجادها. وقاد هنري برسي ايرل نورثمبرلند، بعض نبلاء الشمال في ثورة، أراد لها أن تساير في الزمن ثورة أوين جلندوير، ضد ملك لم يستطع أن يفي بالعهود التي قطعها لهم على نفسه، في مقابل معونتهم إياه على خلع رتشارد الثاني؛ وقاد هاري، الابن المستهتر للايرل، الملقب "بالمهماز الحاد" (وهو الذي صورة شكسبير شخصية محبوبة بلا مبرر) قوة عسكرية مترددة غير كافية ضد الملك في شروزبري (1403)، وهناك مات الفتى في بطولة حمقاء، وأبلى هنري الرابع في الصفوف الأولى من القتال بلاءً حسناً، وأطهر ابنه "أمير هل" المرح المتلاف شجاعة جديرة بالظفر بأجنكورت وفرنسا. ولم تترك هذه الثورات وغيرها من المتاعب لهنري إلا فسحة ضئيلة من الوقت أو الحماسة للسياسة، وكانت موارده أقل من نفقاته، كما اختلف بلا كياسة مع البرلمان، وختم ملكه بين الفوضى المالية وأصابته بمرض


الجذام، وهبوط المستقيم والمرض التناسلي. قال هولنشد "إنه انتقل إلى جوار ربه في السادسة والأربعين من عمره.. في ارتباك عظيم ومتاع قليل".
وتذهب الروايات ويذهب شكسبير إلى أن هنري الخامس قد أمضى شباباً طليقاً ماجناً، وأنه تآمر للاستيلاء على العرش، حتى على أب، أقعده المرض وإن تشبث بالسلطان. ويكتفي المؤرخون المعاصرون بمجرد الإشارة إلى ملذاته، ولكنهم يؤكدون لنا، أنه بعد توليه العرش "تحول إلى رجل آخر، ودرس كيف يكون أميناً شجاعاً مهذباً". وهذا العابث مع السكارى والخليعات، يقف نفسه الآن، على قيادة عالم مسيحي موحد ضد الأتراك الزاحفين، وأضاف إلى ذلك أنه يجب أولاً أن يغزو فرنسا ولقد حقق غايته القريبة بسرعة مذهلة، وهكذا جلس أحد الملوك الإنجليز على عرش فرنسا لحظة مضطربة. وقدم له الأمراء الألمان فروض الولاء وفكروا في تنصيبه إمبراطوراً. وقد نافس قيصر بصورة مجملة في وضع خطط المعارك، وإمداد جيوشه بالمئونة، وحب جنده له. وفي تعريض نفسه لجميع الوقائع والأجواء. ومات فجأة بالحمى في بوادي فنسن (1422) ولما يزل شاباً في الخامسة والثلاثين.
وأنقذ موته فرنسا، وكاد يقوض أركان إنجلترا. وربما كانت شيعته تغري، دافعي الضرائب بإنقاذ الحكومة من الإفلاس، ولكن ابنه هنري السادس كان، عند توليه العرش، في الشهر التاسع من عمره فقط، وكانت النتيجة السيئة أن أغرق نواب الملك الفاسدون والقادة غير الأكفاء، الخزانة في دين تعجز عن تسديده. كما كان الحاكم الجديد أقصر باعاً من الملك، فهو دارس دقيق عصبي المزاج شغوف بالدين والكتب، ترتعد فرائصه من فكرة الحرب، وندب الإنجليز حظهم العاثر الذي أفقدهم ملكاً وأكسبهم قديساً.. وفي عام 1452 أصيب هنري السادس بالجنون على منوال شارل السادس ملك فرنسا. ووقع وزراؤه بعد عام واحد، صلحاً يعترف بهزيمة إنجلترا في حرب المائة عام.

وحكم رتشارد، دوق يورك، عامين باعتباره حامياً للملك. وصرفه هنري عن منصبه (1454) في لحظة من لحظات التعقل، فادعى الدوق الغاضب، العرش لأنه من نسل إدوارد الثالث، واتهم الملوك من أسرة لانكستر بأنهم مغتصبون، وانظم سالسبوري ووروك وغيرهم من البارونات في حرب الوردتين-الوردة الحمراء تمثل آل لانكستر والبيضاء آل يورك-التي ظلت إحدى وثلاثين سنة (1454-1485) يتحرش فيها النبيل بالنبيل وكأنما تقدم الأرستقراطية الأنجلو نورماندية على انتحار متواصل، وتركت إنجلترا فقيرة ومنعزلة، وكان لا بد أن يسرح الجنود نتيجة لسلام غير مألوف لهم، فكرهوا أن يعودوا إلى زمر الفلاحين، وانظموا إلى كل من الفريقين، ونهبوا القرى والمدن، وقتلوا بلا وازع من ضمير كل من يقف في طريقهم. وقتل دوق يورك في موقعة عند ويكفيلد التي ذكرها جولد سمث في روايته المشهورة (1460)، ولكن ابنه إدوارد ايرل مارش، استمر في الحرب بلا رحمة، وذبح جميع الأسرى، المنتسبين وغير المنت"بين، بينما قادت مرجريت أميرة أنجو، والزوج العقيم لهنري الطيب، آل لانكستر في دفاعهم عن حوزتهم في وحشية لا تعترف بالحياء وانتصر مارش في توتن (1461)، فقضى بذلك على أسرة لانكستر الماكلة، وأصبح أول ملك من أسر يورك، وتلقب بإدوارد الرابع.
ولكن الرجل الذي حكم إنجلترا في واقع الأمر، السنوات الست التالية، هو رتشارد نيفيل، اريل وروك. وهو رأس عشيرة غنية كبيرة العد، وكانت له شخصية آسرة محببة، كما كان داهية في السياسة، بارعاً في الحرب، فإن الفضل إنما يرجع إلى "وروك صانع الملك" في الانتصار في توتن، وهو الذي أجلس إدوارد على العرش. ووقف الملك التي استراح من الصراع،

نفسه على النساء، في حين أحسن وروك الحكم حتى إن إنجلترا بأسرها جنوبي تاين وشرقي ستون (لأن مارجريت كانت لا تزال تحارب) أسبغت عليه جميع ألقاب التشريف ما عدا لقب الملك. ولما ثار إدوارد على الواقع وناصبه العداء، انظم وروك إلى مارجريت وطرد إدوارد من إنجلترا وأعاد هنري السادس إلى السلطة الإسمية (1470) وأخذ يحكم مرة أخرى. ولكن إدوارد نظم جيشاً بمعونة برجنديا. وعبر إلى هل، وهزم وروك وقتله في بارنت وهزم مارجريت في توكسبري (1471) وأمر بقتل هنري السادس في القلعة، وعاش سعيداً في آخر حياته بعد ذلك.
وكان إذ ذاك لا يزال في الواحدة والثلاثين من عمره. ولقد وصفه كومين بقولهِ "كان من أجمل رجال عصره، لا متعة له غير النساء والرقص والتسلية والقنص". ولقد أفعم خزانته بمصادرة ضياع آل نيفيل، وبقبول رشوة من الملك لويس الحادي عشر في مقابل الصلح معه مقدارها مائة وخمسة وعشرون ألف كراون مع وعد بخمسين ألفاً أخرى كل سنة. وبلغ من طمأنينته أن تجاهل البرلمان، الذي كانت فائدته بالنسبة إليه، الموافقة على ما يريد من المال. وأحس بالاستقرار، فاستسلم مرة أخرى للترف والخمول، ولبس الفاخر من الثياب، وأصبح سميناً مرحاً، ومات في الواحدة والأربعين من عمره، وقد بلغ أوج سلطانه واكتملت جوانب شخصيته (1483).
وخلف ولدين: إدوارد الخامس البالغ من العمر اثنتي عشرة سنة، ورتشارد، دوق يورك، في التاسعة. وكان عمهما رتشارد، دوق جلوسستر، خدم الدولة في السنوات الست التي خلت رئيساً للوزارة، في جد وورع وبراءة، حتى إنه لما نصب نفسه نائباً للملك، وافقت إنجلترا عليه بلا معارضة، على الرغم من أطرافه المشوهة وظهره المقوس وملامحه الجافية وكتفه اليسرى المرتفعة على كتفه اليمنى. وسواء أكان الباعث نشوة السلطان

أو مجرد الشك في تدبير المؤامرات لخلعه، فإن رتشارد سجن عدداً من الأعيان، وأعدم أحدهم. وفي السادس من يوليو عام 1483 توج نفسه ملكاً باسم رتشارد الثالث، وفي الخامس من الشهر نفسه قتل الأميران الصغيران في القلعة، ولم يعرف أحد من الذي قتلهما. وثار النبلاء مرة أخرى، يقودهم في هذه المرة، هنري تيودور، ايرل رتشمند. ولما التقت قواتهم الصغيرة، بجيش الملك، المتفوق في العدد إلى حد كبير في بوسورث (1485)، رفض معظم جنود رتشارد القتال، ومات في مطاردة يائسة، مفتقراً إلى الملك وإلى جواد.. وانتهت بذلك أسرة يورك المالكة، وبدأ ايرل رتشمند، أسرة تيودور وتلقب بالملك هنري السابع، وهي الأسرة التي تنتهي بإليزابث.
ومارس هنري، تحت وطأة الضرورة، الفضائل والرذائل التي تصور له أن منصبه يتطلبها. ولقد رسم له هلبين صورة جدارية في هوايت هول يبدو فيها طويلاً، ممشوقاً لا لحية له، مفكراً عطوفاً. لا تكاد تنم ملامحه على التدبير الماكر الغامض، والكبرياء العبوس الثابتة، والعزيمة المرنة وإن كانت صلبة في مصابرتها، وهي الصفات التي نقلت إنجلترا من الانحلال والفقر، في عهد الملك هنري السادس، إلى الثروة والسلطة المركزة في عهد هنري الثامن. ويقول بيكون أنه كان يحب "ما تجلبه الخزائن المفعمة للناس من غبطة"، لأنه عرف قدرتها على الإقناع في السياسة. فبرع في فرض الضرائب على الأمة، واستنزف دماء الأغنياء بالصدقات والهدايا بالإكراه، واستغل الغرامات في شراهة لتكون مورداً لخزانته ورادعاً للجريمة، وكان يبتهج كلما رأى القضاة يلائمون بين الغرامة وبين جيب المحكوم عليه، لا بينها وبين المخالفة. وهو أول ملك إنجليزي منذ عام 1216 جعل نفقاته في حدود دخله، وصدقاته وهباته تخفف من وطأة شحه. ووقف نفسه بإخلاص على شؤون الإدارة، وقلل من ملاهيه ليستكمل

عمله: وأظلم الشك الدائم حياته، ولم يكن ذلك بغير سبب، فلم يثق في أحد، وكان يخفي أغراضه، ويحقق أهدافه بوسائل مشروعة أو غير مشروعة. وأنشأ محكمة ستارتشمبر لمحاكمة النبلاء المشاغبين، الذين بلغ سلطانهم حداً يخشى منه على التأثير في القضاة المحليين والمحلفين. وذلك في جلسات سرية. واستطاع عاماً بعد عام أن يخضع الأرستقراطية المتخلفة، وطبقة رجال الدين الخائنة للملكية. وعارض بعض الأفراد الأقوياء، القضاء على الحرية وتعطيل البرلمان، ولكن الفلاحون صفحوا، عن ملك كبح جماح سادتهم، وأثنى الصناع والتجار عليه، لعمله الحكيم على النهوض بالصناعة والتجارة. ولقد وجد إنجلترا في فوضى إقطاعية، وحكومة جد فقيرة، لا سمعة لها بحيث تحصل على الطاعة والولاء، وخلف لهنري الثامن دولة محترمة منظمة، مؤتمنة موحدة وفي حالة سلم.


2- نمو الثروة الإنجليزية


من الواضح أن ثورة عام 1381 العظيمة لم تسفر عن كسب ما. فلم يزل الكثير من فروض العبودية يؤخذ قسراً، بل إن مجلس اللورادت قد رفض بعد ذلك بزمان، في عام 1537 قانوناً يقضي بالتحرير الكامل لعبيد الأرض. وازداد الضيق على "العامة"، وأصبح آلاف من رقيق الأرض المتحررين عمالاً يدويين في المدن لا يملكون شيئاً، وقال توماس مور، إن الأغنام كانت تأكل الفلاحين.. وكانت هذه الحركة طيبة من بعض الوجوه: فقد كانت الأغنام الراعية للكلأ، تسمد الأرض المشرفة على البوار, وما إن جاء عام 1500 حتى كان واحد في المائة من السكان فقط عبيد أرض. فنشأت طبقة من الفلاحين الملاك، الذين يزرعون أرضها بأنفسهم وهي التي منحت تدريجياً للرجل الإنجليزي العادي، الشخصية المستقلة القوية التي صهرت الكومنولث وكونت دستوراً غير مكتوب لحرية غير مسبوقة. 

ولم يعد النظام الإقطاعي مجدياً، لأن الصناعة والتجارة ارتقيتا بحيث اتخذتا الطابع القومي، وتحولتا إلى اقتصاديات المال المنقول المرتبطة بالتجارة الخارجية. فحينما كان رقيق الأرض ينتج لسيده، لم يكن عنده إلا حافز ضئيل للتوسع أو الإقدام، ولكن عندما يستطيع الفلاح المتحرر والتاجر، أن يبيعا إتناجهما في السوق الحر، فإن الرغبة الملحة في الربح تبعث الحياة الاقتصادية في الأمة، وأخذت القرى ترسل مزيداً من الطعام إلى المدن، وتنتج المدن مزيداً من السلع للوفاء بثمن هذا الغذاء، هكذا تجاوز تبادل الفائض، حدود البلديات القديمة وقيود النقابات لتغمر إنجلترا، وتصل إلى ما وراء البحر.
وتحولت بعض النقابات إلى "شركات تجار" صرح الملك لها أن تبيع المنتجات الإنجليزية في الخارج. وكانت معظم التجارة الإنجليزية تحمل في القرن الرابع عشر على سفن إيطالية، أما الآن فإن البريطانيين يبنون سفنهم، ويسيرونها في بحر الشمال والساحل الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط. وقاوم تجار جنوه والاتحاد الهنسياتي، هؤلاء الوافدين الجدد، وحاربوهم بالقرصنة ومصدارة السفن، ولكن هنري السابع، اقتنع بأن تقدم إنجلترا يتطلب التجارة الخارجية، فوضع الملاحة الإنجليزية في حماية الحكومة، وأعد مع أمم أخرى، اتفاقيات تجارية، أقرت النظام والأمن البحريين. حتى إذا وافى عام 1500، كان "التجار المغامرون" في إنجلترا، يسيطرون على بحر الشمال. وكان الملك بعيد النظر فأوفد وهو يستشرف التجارة مع الصين واليابان الملاح الإيطالي جيوفاني كابوتو، الذي عاش إذ ذاك في بريستول باسم جون كابوت، ليبحث عن ممر شمالي عبر الأطلنطي (1497). وقنع كابوت، باكتشاف نيوفوندلاند، والساحل من لبرادور إلى ديلاوير في رحلة ثانية (1498)، ومات في تلك السنة، وتحول ابنه سيباستيان إلى خدمة أسبانيا. وربما لم يدرك الملاح والملك أن هذه الرحلات، استهلت 

التوسع الإمبراطوري البريطاني؛ وفتحت للتجارة الإنجليزية والمستعمرين البريطانيين، إقليماً يمكن أن يصبح على الأيام-القوة الخلاص لإنجلترا.
ودعّمت الرسوم الجمركية الوقائية، الصناعة القومية، وخفض النظام الاقتصادي، سعر الفائدة، تخفيضاً كبيراً بلغ 5% أحياناً، وقضى قانون هنري السابع (1490) بـ:
"على كل رئيس عمل أو عامل أن يكون في عمله، بين منتصف شهري مارس وسبتمبر، قبل الساعة الخامسة صباحاً، وله نصف ساعة فقط لتناول إفطار، وساعة ونصف لغذائه (في الظهيرة) وهو يستطيع النوم، إن وجد فسحة له في تلك الفترة.. وعليه ألا يترك عمله.. إلا بين الساعة السابعة والثامنة مساء..، وعلى كل رئيس عمل وعامل أن يكون في عمله عند انبلاج الصبح وذلك في منتصف سبتمبر إلى منتصف مارس، وألا يغادره إلا بمجيء الليل.. ولا يسمح لأحدهم بالنوم نهاراً".
ومع ذلك فإن العمال كانوا يستريحون ويشربون الخمر أيام الآحاد، إلى جانب إجازة أربع وعشرين يوماً في السنة. ووضعت الدولة أسعاراً عادلة "لكثير من السلع، وقد سمعنا عن اعتقالات حدثت، لتجاوز هذه الأسعار. وكانت الأجور الحقيقية، بالنسبة إلى الأسعار، أعلى بشكل واضح في أواخر القرن الخامس عشر، عما كانت عليه أوائل القرن التاسع عشر.
وأدى ضغط ثورات العمال في إنجلترا، إبان ذلك العصر إلى الحصول على حقوق سياسية والوقوع في أخطاء اقتصادية واستمرت دعوة شبيهة بالشيوعية في كل سنة تقريباً، وذكر العمال مراراً "بأنكم مخلوقون من نفس الطينة والمادة اللتين خلق منهما الأشراف، فلماذا أذن يتريضون ويلعبون، وأنتم تعملون وتكدحون؟-ولماذا يملكون الكثير جداً مما في هذا العالم من ثروات وكنوز، وأنتم تملكون أقل القليل؟" وكانت أعمال الشغب 

كثيرة، ضد التضييق على الأرض المشاع، كما قامت خلافات موسمية بين التجار والعمال، ولكننا نسمع أيضاً عن قلاقل من أجل الديمقراطية المحلية في المدن، وعن تمثيل العمال في البرلمان وعن تخفيض الضرائب.
وفي شهر يونيه عام 1450، سارت قوة منظمة كبيرة من الفلاحين وعمال المدن إلى لندن، وعسكرت في بلاك هيث. وعرض زعيمهم جاك كيد ظلامتهم، في وثيقة منظمة "إن جميع الناس من العامة، لا يستطيعون أن يعيشوا من كد أيديهم وفلاحتهم، بسبب الضرائب والمغارم وغيرها من المظالم". ولا بد أن يلغى هذا الدستور العمالي، وأن تتألف وزارة جديدة. فاتهمت الحكومة زعيمهم كيد بالدعوة إلى الشيوعية .
والتقى جنود هنري السادس، وأتباع بعض النبلاء، بجيش الثوار في سنفوكس (18 يونيه سنة 1450) ومما أثار دهشة الجميع أن الثوار انتصروا وتدفقوا إلى لندن. وأمر مجلس الملك تهدئة لخواطرهم باعتقال لورد ساي ووليم كرومر، وهما موظفان مكروهان لابتزازهما الأموال وطغيانهما. وفي الرابع من يوليه، سلما إلى الغوغاء الذين حاصروا القلعة، فحاكمهما الثوار، وقد رفضا الدفاع عن نفسيهما وأعدما. ويقول هولنشد: إن الرأسين رفعا على قضيبين، وحملا عبر الطرقات في موكب مرح، وكان فم كل منهما يصفع بقبلة دامية، بين حين وآخر. وتفاوض كبير أساقفة كانتربري وأسقف ونشستر للصلح، الذي منح بعض المطالب ووعد بالعفو العام. ووافق الثوار وتفرقوا. ومع ذلك فقد هاجم جاك كيد قلعة كوينز بورد في شيبي، فاعتبرته الحكومة خارجاً على القانون، وأصيب بجرح مميت وهو يقاوم اعتقاله وذلك في الثاني عشر من يوليه. وحكم على ثمانية من المتواطئين معه بالإعدام وعفا الملك عن الباقين، فابتهج كلفة رعاياه ابتهاجاً عظيماً".


3-الأخلاق والطباع


كتب سفير البندقية حوالي عام 1500، تقريراً إلى حكومته:
"معظم الإنجليز-سواء أكانوا رجالاً أم نساءً، وفي جميع الأعمار-حسان وأجسامهم ممشوقة.. وهم يحبون أنفسهم حباً عظيماً، ويحبون كل شيء يتعلق بهم ويعتقدون، أنه ليس في الناس سواهم، وليس هناك عالم آخر سوى إنجلترا، وكلما رأوا غريباً جميلاً قالوا "إنه يشبه الإنجليزي، ومن الأسف الشديد أنه ليس كذلك".
وقد يجيب الإنجليز، بأن معظم هذا الوصف، بشيء من التعديل الضروري ينطبق على كل الشعوب.. ومن المؤكد أنهم كانوا شعباً قوياً في الجسم والأخلاق والحديث. وهم يقسمون بحرارة حتى إن جان دارك أسمتهم دائماً الملاعين.
وكان النساء أيضاً يتكلمون ببساطة، ويتحدثن عن مسائل فسيولوجية وجنسية بحرية، قد تذهل السفسطائيين اليوم. ومزاجهم كحديثهم خشن مفحش. وطباعهم جافية، حتى عند الطبقة الأرستقراطية، وعليهم أن يدربوا ويستأنسوا، بقانون سلوكي صارم. ولقد نشأت الروح الشهوانية التي اتسم بها الإنجليز في عهد أليزابث في القرن الخامس عشر، نتيجة لحياة يكتنفها الخطر والعنف والقحة. وكان على كل امرئ أن يكون شرطي نفسه، مستعداً أن يقابل الصفعة بالصفعة، وأن يقتل عند الضرورة برباطة جأش. وهؤلاء الحيوانات القوية نفسها يمكن أن تكون كريمة، شهمة ورقيقة في بعض الأحيان. فلقد بكى محاربون جفاة، عندما مات سيرجون تشاندوس وهو فارس مغوار، وتظهر رسالة مارجريت باستون إلى زوجها المريض (1443)، كيف يكون الحب، لا عصر له ولا يضارعه شيء. 

ويجب أن نذكر أن هذه السيدة نفسها، قد هشمت رأس ابنتها، عندما رفضت أن تتزوج من اختاره أبوها.
ونُشّئت البنات في حصانة رصينة واحتشام، لأن الرجال كانوا حيوانات مفترسة، وكانت العذرة عدة اقتصادية في سوق الزواج. ويعد الزواج حادثاً من أحداث تنقل المتاع. فالفتيات قد يتزوجن زواجاً شرعياً في سن الثانية عشرة، والصبيان في سن الرابعة عشرة، حتى بغير موافقة والديهم، ولكن الخطبة كانت تعد في الطبقات العليا تعديلاً للمعاملات المالية، بواسطة الآباء والأمهات، عقب بلوغ الأطفال السنة السابعة من العمر مباشرة. وما دام زواج الحب شاذاً، والطلاق محرماً، فقد شاع الزنا، وبخاصة في الطبقة الأرستقراطية. ويقول هولنشد: "لقد سادت هناك، الرذيلتان الوبيئتان السكر والزنا، مع الفحش البغيض، وبخاصة عند الملك" واختار إدوارد الرابع، بعد أن مر بتجارب عديدة في الحب، جين شور، لتكون الحظية الأثيرة لديه. وقد خدمته بإخلاص نزق، وأثبتت أنها صديقة رحيمة في البلاط لكثيرين من ذوي الحاجات. ولما مات إدوارد، أرغمها رتشارد الثالث أن تجوب شوارع لندن، في ثوب الندم الأبيض وربما كان ذلك استعراضاً لآثام أخيه، وإخفاء لآثامه هو؛ وعاشت حتى بلغت أرذل العمر، محتقرة من أولئك الذين ساعدتهم.
ولم يحدث في التاريخ المعروف إطلاقاً أن شعباً كان يماثل الإنجليز (الذين يتشبثون بالقانون اليوم) في استهتارهم إذ ذاك بالقانون إلى حد بعيد. ولقد جعلت الحرب المائة سنة الناس قساة مستهترين، واستمر النبلاء بعد عودتهم من فرنسا، يحاربون في إنجلترا، واستخدموا جنوداً مسرحين في منازعاتهم. وشارك أبناء الطبقة العليا، التجار الجشعين الذين داسوا كل فضيلة للحصول على المال. وكانت السرقات لا تحصى. وباع التجار الرديء من السلع واصطنعوا الزائف من الموازين، وكاد



التدليس في نوع الصادرات ومقدارها يقضي على تجارة إنجلترا الخارجية، في فترة من الفترات. واستغلت التجارة في البحار القرصنة، وكانت الرشوة عامة أو تكاد: وقلما يحكم القضاة دون أن يحصلوا على "هدايا"، وكان جباة الضرائب يرشون، تيسيراً للتخلص منها، ويطلب إلى الضباط المجندين مثل فولستاف الذي صوره شكسبير، أن يتغاضوا عن مدينة من المدن، فقد استطاع الأعداء، أن يشتروا جيشاً إنجليزياً، كان يغزو فرنسا، واشتد جشع الناس للمال وقتذاك إلى حد الجنون كما هو الآن، وأنكر شعراء مثل تشوسر الجشع في شعرهم، ولنهم مارسوه في واقع حياتهم وكان من الممكن أن يتقوض الكيان الأخلاقي للأمة، لولا أن أسسه قد دعمتها حياة البساطة التي اتسم بها الرجل والمرأة في الطبقة العامة، ففي الوقت الذي كان فيه من هم أفضل منهم، يدبرون الحروب والشرور لذلك العصر، احتفظ هؤلاء العامة بالحياة المنزلية وحافظوا على الجنس.
وعاشت جميع الطبقات، ما عدا التجار والعمال، في الريف أطول مدة يستطيعونها كل سنة. وتحولت القلاع التي لم تعد حصينة، بعد انتشار المدفع، ببطء إلى منازل كبيرة. وحل الآجر محل الحجر، ولكن البيوت المتواضعة، كانت لا تزال تقام من الخشب والطين. وفقدت الردهة الوسطى، مساحتها وفخامتها القديمتين وهي التي كانت تستعمل في يوم من الأيام لجميع الأغراض، وتقلصت إلى دهليز يؤدي إلى غرفة معيشة كبيرة، وغرف صغيرة، وقاعة استقبال للحديث الخاص. وضعت السجاجيد على جدران بيوت الأغنياء، وأضاءت النوافذ، وهي من زجاج ملون في بعض الأحيان المدخل الذي كان مظلماً من قبل. أما دخان المواقد الذي كان يترسب قبلاً من النافذة والباب والسقف، فقد جمع في مدخنة، ومدفأة ضخمة تزين غرفة المعيشة. وقد تعلقت السقوف بالخشب والأرضيات بالبلاط، في حين ظلت السجاجيد قليلة نادرة. إذا نحن صدقنا أقوال إراسموس التي يغلب فيها الجانب الأدبي على الدقة في التصوير. 

"كانت جميع الأرضيات تقريباً من الصلصال، مفروشة بحصير من حلفاء المستنقعات، وقليلاً ما تجدد حتى إن الأسس تظل عشرين سنة، تردد أسافلها بالبصاق والقيء من الناس والكلاب والنبيذ والجعة، وبقايا السمك وغيرها من القاذورات التي لا تسمى، ويتصاعد منها، بتغير الفصول، بخار غير صحي في رأيي".
وكانت المخادع فخمة مزينة بالنقوش المحفورة ، ومزودة بالأغطية عليها رسوم أزهار وتعلوها كُنَّة. كما كانت مائدة الطعام، في المنازل المريحة، فنية ضخمة رائعة، بنقوشها البارزة من خشب الجوز أو البلوط ويقوم بالقرب منها، أوفي القاعة بصفة عامة، صوان للأواني أو الفضيات والتحف حيث ترتب للعرض أو الزينة. ونظمت ردهة الجلوس التي أعدت في الأصل للحديث، لتناول الطعام.
وكانوا يتناولون وجبات الطعام الرئيسية نهاراً، وذلك للاقتصاد في زيت الإضاءة و"الغداء" في الساعة العاشرة صباحاً، والعشاء في الخامسة مساءً. وحرص الرجال على ارتداء قبعاتهم عند الجلوس إلى المائدة، ليمنعوا شعورهم الطويلة، من مخالصة الطعام. واحتفظ بالشوك لأغراض خاصة مثل تناول الكامخ أو تجمير الجبن، وظهر استعمال الإنجليز لها على النمط الحديث، أول مرة عام 1463، أما السكين، فقد كان الضيف هو الذي يأتي بها معه، يحملها في جراب، معلق بمنطقته، ويتطلب آداب السلوك إذ ذاك أن يصل الطعام إلى الفم، بواسطة الأصابع. ولم تكن المناديل مستعملة، حتى منتصف القرن السادس عشر، فقد كان على الرجال أن يتمخطوا باليد التي تمسك السكين بدلاً من تلك التي تنقل الطعام إلى الفم. وكانت الفوط غير معروفة، ويحذر الطاعمون بألا ينظفوا أسنانهم بغطاء المائدة، وكانت الوجبات دسمة، ذلك أن الغذاء العادي لواحد من أصحاب الوجاهة، كان يتألف من خمسة عشر أو عشرين صحناً. واحتفظ اللوردات 

العظام بموائد عظام، فقد كانوا يطعمون يومياً، مائة من الندماء والزوار والحشم، وكان وروك صانع الملك يذبح ستة ثيران كل يوم لمائدته، وأطعم أحياناً خمسمائة مدعو. وكانت اللحم هي الطعام القومي والخضرات نادرة أو غير مجبوبة. والجعة هي الشراب القومي، ولم يكن النبيذ موجوداً أو منتشراً، كما كان الحال في فرنسا أو إيطاليا بيد أن المسموح به من الجعة، هو جالون للفرد كل يوم حتى الراهبات. وقال السير جون فورتسكيو (توفي عام 1470) "لا يشرب الإنجليز الماء، إلا في أوقات معينة لأغراض دينية. أو للتكفير عن الذنب".
وكان الرداء فاخراً عند الطبقة الأرستقراطية. أما البسطاء فكانوا يرتدون جلباباً فضفاضاً وقلنسوة، أو معطفاً قصيراً لايئم العمل، وكلف الموسورون بالقبعات المكسوة بالفراء أو الريش، وأردية مزينة بالزهور، أو سترات مزركشة تنتفخ عند الأكمام، وجوارب طويلة، شكا منها قسيس تنشوسر بقوله "تظهر الساقين في صورة مفزعة منتفخة ينفتق إحداها عن الأخرى بالإضافة إلى أرداف.. وكأنها الجانب الخلفي من قردة في ليلة مقمرة". وارتدى تشوسر نفسه عندما كان تابعاً في حاشية الملك، سترة مشعة وجوربين أحدهما أحمر والآخر أسود. واختفت في القرن الخامس عشر الأحذية المدببة، التي شاعت في القرن الرابع عشر، واستدارت الأحذية واتسعت عند الإصبع الكبير من القدم. أما "زي النساء" فهو يثير السخط، وعلى الرغم من أن محيا بعضهن، ينم على العفة والطيبة الكاملتين، إلا أنهن يبرزن بقلة ردائهن غير المتناسق فتنتهن ودلالهن". ومع ذلك، فإن الصور التي وصلت إلينا، تظهر الجنس المثير، وقد حبس بإحكام في حشد من الملابس من قمة الرأس إلى أخمص القدم.
وتراوحت ألعاب التسلية في الداما والشطرنج، إلى النرد، ومن صيد السمك إلى قنص الوحوش، ومن رمي السهام إلى المبارزة. ودخلت لعبة

الورق إلى إنجلترا حوالي نهاية القرن الخامس عشر، وهم لا يزالون يلبسون ملوكهم وملكاتهم، على طراز ذلك العصر. وكان الرقص والموسيقى شائعين كالميسر، وكل إنجليزي تقريباً، يشارك في الأغاني الجماعية، ولقد نافس هنري الخامس جون دستيبل، مع أعاظم الملحنين في ذلك العهد . واعترفت القارة الأوربية بالمغنين الإنجليز. ولعب الرجال التنس، وكرة اليد وكرة القدم وغيرها من ألعاب الكرة القديمة ومي الأطواق، وتصرعوا وتلاكموا، وأعدوا الديكة للعراك، وتراهنوا وتحرشوا بالدببة والثيران. واحتشد الناس لمشاهدة البهلوان والسائرين على الحبال يعرضون فنونهم التي كانت تسري على القدماء، وتدهش المحدثين. واحتفظ الملوك والنبلاء بالمشعوذين والمضحكين والمهرجين، وكان الملك أو الملكة يعينان من يشرف على ألعاب ومشاهد عيد الميلاد، ومنحوه لقب لورد.والنساء يخالطن الرجال في حرية في كل مكان. يحتسين الخمر في الحانات، يركبن وراء كلاب الصيد، ويصدن الصقور، ويصرفن لمشاهدين عن المتصارعين في بعض الدورات، وهن اللائى قادتهن الملكة للتحكيم في رمي الأطواق ومنح التاج الذهبي.
وكانت الرحلة لا تزال مجهدة، وكلن ما من أحد استقر في داره، على ما يبدو-وذلك من مساوئ الزواج من واحدة. والطرق موحلة أو متربة، ولم يميز اللصوص بين عنصر جنس وطبقة أو مهنة. والفنادق بهيجة المنظر على الرغم من قذارتها تزدحم فيها الصراصير والفئران والبراغيث. ويجد كل رجل منهم بائعة هوى، وقلما تجد الفضيلة مخدعاً صالحاً لها هناك. يذهب الفقراء راجلين والأوساط على صهوات الخيل، في جموع مسلحة عادة، ويستعمل الأغنياء عربات، تجرها خيول مطهمة، ونسب ابتكارها إلى رجل مجري في قرية كوكر من أبناء القرن الخامس عشر. وكانت عربات اللوردات مزينة بالنقوش البارزة وموشاة ومذهبة، لها حشيات

وستائر وبسط، ومع ذلك فقد كانت أقل راحة من ظهور الإبل، وكانت تترنح كمركب صيد بشراع واحد. ولم تكن السفن خيراً مما كانت عليه في العصر القديم، ولعلها أسوأ حالاً، وأخذت السفينة التي جاءت بالملك جون من بوردو، إلى لندن عام 1357 اثني عشر يوماً.
وانتشرت الجرائم وبلغت المدن من الفقر حداً لا تستطيع معه، إلا أن تستخدم شرطة من المتطوعين غير المأجورين. ولكنه الذكور كان يطلب إليهم جميعاً أن يسهموا في "ملاحقة" مجرم هارب، وكان يبحث عن الموانع في الحكومات الصارمة من أجل القلة الذين يقبض عليهم، وكانت عقوبة السطو الاختلاس والحريق العمد وانتهاك حرمة المعابد المقدسة، كعقوبة القتل والتآمر، وهي الشنق على أقرب شجرة وتترك الجثة ردعاً للآخرين وطعمة الغربان. وانتشر التعذيب-كلل من المتهم والشهود-إبان حكم إدوارد الرابع، واستمر مائتي سنة. وكثر المحامون.
وقد يكون حكمنا على هذا العصر ممعناً في القسوة، متغافلين عن فظائع قرننا المتحضر. ولقد كان سير جون فورتسكيو القوام على العدالة في عهد الملك هنري السادس، أحسن ظناً بعصره، وكتب تمجيداً له مصنفين اشتهر في وقت من الأوقات. وفي محاورة امتدح قوانين إنجلترا. ومجد صحة المحاكمة بواسطة المحلقين، ونعى التعذيب، وكان مثاله، مثل الآلاف الفلاسفة، في تحذير الأمراء الذين يجدر بهم أن يكونوا خدام الشعب المعتصمين بالقانون. ولقد وازن في كتبه "الملكية" أو "حكومة إنجلترا" بين فرنسا وإنجلترا على أساس من العطفة الوطنية: فالناس من فرنسا قد يحكم عليهم بغير محاكمة علنية: وقلما يدعى مجلس الولايات للاجتماع. والملك يفرض الضرائب على الحاجات الضرورية كالملح والخمر. وبعد أن بالغ في تمجيد بلاده على هذا النحو، ختم السير جون كلامه بقوله إن جميع الحكومات، يجب عليها أن تخضع البابا ولو أدى ذلك إلى تقبيل قدميه.


4- اللولارد


أعاد أرندل كبير الأساقفة عام 1407، تأكيد سيادة الشريعة أو القانون الكنسي، على كل تشريع وضعي، وحكم بالكبيرة أو الهرطقة الكاملة على رفض أي مرسوم بابوي. وأقامت الكنيسة بعد ويكليف، وازدادت قوتها في إنجلترا، إبان القرن الخامس عشر، وفاضت الثورة المتدفقة على خزائنها. وشاع الاكتتاب الديني: فإن الأشخاص الذين يتوقعون الموت، كانوا يتبرعون لبناء كنيسة، ولإقامة القداس للتعجيل بدخولهم الجنة. وسيطرت الكنيسة على مجلسي البرلمان، فقد كان لها في مجلس الشيوخ حوالي عشرين أسقفاً وستة وعشرين من رؤساء الأديرة، في حين مل يكن في المجلس من غير رجال الدين سوى سبعة وأربعون عضواً. وأصر هنري السابع-وهنري الثامن فيما بعد- لموازنة ذلك الوضع على تعيين أساقفة ورؤساء أديرتها من بين رجال الدين، ويسر اعتماد الرتب الكهنوتية على الملكية، تسليم رجال الدين، لجهود هنري الثامن في سبيل تحقيق السيادة الملكية على الكنيسة الإنجليزية.
وفي الوقت نفسه استقر وعاظ وكيليف المساكين على نشر أفكارهم المناهضة لرجال الدين. ولقد ذكر أحد مؤرخي الأديرة، في فترة مكبرة، 1382 في مبالغة تنم عن الفزع "أنهم كانوا يتكاثرون بسرعة فائقة، كالبراعم، حتى غمروا المملكة بأسرها.. ومن النادر أن تلقى رجلين في الطريق دون أن يكون أحدهما من تلاميذ وكيليف. ولقد وجدوا الجمهور المستعد للاستماع إليهم بين صفوف عمال الصناعة، وبخاصة نساجي نورفولك. وفي عام 1395 أحس جماعة اللولارد، أنهم بلغوا من القوة حداً، أتاح لهم أن يقدموا إلى البرلمان، بياناً جريئاً بمبادئهم. فقد عارضوا عزوبة رجال الدين، واستحالة القربان دم المسيح ولحمه

وعبادة الصور وزيارة القديسين والصلوات على أرواح الموتى، وثروة الكنيسة وكثرة الموقوف عليها، واستخدام رجال الكهنوت في وظائف الحكومة وضرورة الاعتراف بالقسس والاحتفال بالتعاويذ، وعبادة القديسين. وأوصوا في بيانات أخرى، بأن الجميع يجب عليهم أن يعكفوا على قراءة الكتاب المقدس، وأن يتبعوا تعاليمه باعتبارها فوق مراسيم الكنيسة. ورفضوا الحرب باعتبارها منقضة للمسيحية، والترف لأنه منافٍ الأخلاق، وطالبوا بإصدار قوانين خاصة بالنفقات، تفرض على الناس العودة إلى البساطة في الغذاء والكساء، وكرهوا الإيمان، ووضعوا في مقابل صفته القسم، حيناً آخر مثل "أنا متأكد أن" و "إنها الحقيقة"، وكان العقل الطهري ووجهة النظر الطهرية، يتخذان شكلهما في إنجلترا قبل ذلك، ولقد مزج نفر من الوعاظ، الاشتراكية بعقيدتهم الدينية،ولكن معظمهم، كان ينفر من مهاجمة الملكية الخاصة، وسعوا إلى تأييد الفرسان والنبلاء إلى جامب تأييد الفلاحين والعمال.
ومهما يكن من شيء فإن الطبقات العليا لم تستطع أن تنسى المأزق الشديد الذي نجت منه ثورة 1381، ووجدت الكنيسة فيهم، استعداداً جديداً لحمايتها، باعتبارهم قوة استقرار في المجتمع. وهدد رتشارد الثاني ممثلي اللولارد في البرلمان بالاعتقال وأجبرهم على الصمت. وطالب أساقفة إنجلترا عام 1397، الملك بإعدام الهراطقة المتعمدين "أسوة بجميع الممالك الخاضعة للدين المسيحي". ولكن رتشارد الثاني، كره أن يسايرهم إلى هذا المدى، ومع ذلك فقد أصدر هنري الرابع وبرلمانه عام 1401 المرسوم المشهور بحرق جميع الأشخاص الذين تحكم عليهم إحدى المحاكم الدينية بأهم هراطقة بالإصرار، وتباد جميع كتب الهرطقة. وفي العام نفسه، أحرق وليام سوتري، وهو قسيس على مذهب اللولارد، بعد أن شد إلى القائمة الخاصة بالإحراق. وقبض على غيره من أنصار المذهب نفسه، وأجبروا على 

تغيير آرائهم وعوملوا برفق. وقدم أمير ويلز، إلى هنري الرابع عام 1406، عريضة تقضي بأن دعوة اللولارد، وهجومهم على أملاك الأديرة يهددان كيان المجتمع بأسره. وأمر الملك بزيادة التشدد في محاكمة الهراطقة. ولكن انغماس الأساقفة في سياسة البابوية، جرف نشاطهم، عن الهرطقة والهراطقة إلى حين. وفي عام 1410 أدانت الكنيسة جون بادبي، وهو خياط لولاردي، وأحرق في سوق سمثفيلد. وقبل أن تشعل المحرقة، رجا الأمير هال، بادبي، أن يرجع عن آرائه، وأن يمنح في مقابل ذلك الحياة والمال، فأبى الرجل، وارتقى المحرقة حيث لقي الموت.
وجلس الأمير على العرش عام 1413 باسم هنري الخامس ومنح تأييده الكامل لسياسة القمع. وكان أحد أصدقائه هو سير جون ألد كاسل لورد كوبهام، وهو الذي رأى نظارة مسرحيات شكسبير، بعد ذلك، أنه عين فلستاف. ولقد أبلى ألد كاسل البلاء الحسن في الحرب في سبيل الأمة، ولكنه تسامح مع دعاة اللولارد، وبسط عليهم حمايته في ضياعه بهير فوردشاير وكنت. وطالب الأساقفة بمحاكمته ثلاث مرات، وأبى حضور المحاكمة ثلاثاً، ولكنه استسلم بناءً على دعوة مكتوبة من الملك، وقتل أمام الأساقفة (1413) في نفس الموضع من كنيسة سانت بول، حيث حوكم، ويكلف قبل ذلك بست وثلاثين سنة. وأكد اعتقاده السابق في المسيحية، ولكنه لم يقبل التخلي عن آراء اللولارد في الاعتراف أو القربان. فأدين بالهرطقة، وسجن في برج لندن، وأعطي مهلة أربعين يوماً، على أن يعود عن هذه الآراء، ولكنه بدلاً من ذلك، فر هارباً. وما أن بلغ اللولارد الذين كانوا حول لندن، خبر فراره، حتى جهروا بالثورة، وحاولوا أن يقبضوا على الملك (1414). وفشلت المحاولة، وقبض على بعض الزعماء وأعدموا. واختفى الكاسل، ثلاث سنوات في جبال هيرفورشاير وويلز، ثم قبض عليه آخر الأمر، وأعدم بتهمة الخيانة، ثم أحرق بتهمة الهرطقة (1417)، لأن الدولة والكنيسة طالبت كل منهما بحقها. 


ونحن إذا قسنا اضطهاد اللولارد إلى غيرهم، نرى أنه كان معتدلاً، وبلغ عدد الذين أعدموا أحد عشر رجلاً بين عامي 1400، 1485. ولقد سمعنا عن طوائف من اللولارد عاشت إلى عام 1521، وفي سنة متأخرة هي سنة 1518، قتل توماس جان على المحرقة، وهو الذي زعم أنه حول سبعمائة شخص إلى المذهب اللولاردي، وأحرق ستة آخرون عام 1521.
وأما فصل هنري الثامن إنجلترا عن روما، وقابلت الأمة هذا التحويل بلا ثورة، فإن اللولارد من حقهم، أن يزعموا، أنهم مهدوا الطريق إلى هذا التحول إلى حد ما.
ونشر ريجفالد تيلوك، أقف تشيشستر عام 1450 كتاباً، اتخذ له عنواناً، على طريقة العصر المقبلة، كبح جماح اللوم الزائد عن الحدلرجال الدين.
كان رداً صريحاً على المذهب اللولاردي، وقد افترض وجود نزعة قوية ضد رجال الدين بين الناس. واقترح القضاء على هذه الآراء، لا بالسجن في المحرقة، ولكن بالاحتكام إلى العقل فحسب. وأمعن الأسقف المتمحس في الاحتكام إلى العقل، حتى أغرم بالعقل ذاته، وأوقعه ذلك في الهرطقة، وألفى نفسه، بفند بالعقل بعض حجج اللولارد، من الكتاب المقدس. ووضع العقل فوق الكتاب المقدس بصورة قاطعة كميزان للحقيقة، في "رسالة من الاعتقاد"-وهو موقف احتاجت أوربا فيه إلى مائتي سنة لاستعادته. وأضاف مؤلف "كبح جماح اللوم الذي لم يكبح جماحه" أن آباء الكنيسة لا يوثق بهم دائماً، وأن أرسطو ليس ثقة لا يناقش، وأن الرسل، لا يد لهم في العقيدة، وأن هبة قسطنطين كانت انتحالاً. وطالب الأساقفة الإنجليز بيكوك المعجب بنفسه بالمثول أمام محكمتهم (1457)، وخيروه بين الرجوع عن آرائه أو الإعدام حرقاً. وكان يكره الإحراق، وقرأ 

علانية بالرجوع عن أقواله، وشلح عن رتبته الكنسية، واعتزل الناس في دير كنيسة تورني إلى آخر حياته (1460).


5-الفن الإنجليزي


1300-1506


كانت الكنيسة، على الرغم من الهرطقة واللاكهنوتية، من القوة والثراء، بحيث استطاعت أن ترفع فن العمارة الإنجليزية إلى مستوى من التفوق رفيع إلى حد ما. ولقد مول: نمو التجارة وغنائم الحرب: الكاتدرائيات والقلاع والقصور، وأسبغت على أكسفورد وكمبردج جلالاً بما شيدت من دور جميلة للعلم لا تضارع. ولقد أخذت مواد البناء في إنجلترا من رخام بربك ومرمر نوتنجهام إلى غابات شرود وأجر أي مقاطعة، ثم تحولت إلى صروح النبلاء وأبراج اللوردات ذوات الأطراف الدقيقة، والسقوف الخشبية التي كانت تماثل في متانتها وجمالها القباب القوطية من الحجر. واستبدلت بالدعائم القبيحة التي تربط السقف، والتي تصل الجدار بالآخر في صورة متكلفة، الدعائم البارزة المطروقة، تحمل بأكتاف ضخمة من خشب البلوط، والعقد المرتفع فوقها، وبهذه الطريقة، قوصرت بعض من أجمل كنائس إنجلترا صحونها. وهكذا حصلت كاتدرائية سلبي على سقف من خشب البلوط مضلع ومعقد، تضارع الرسوم التي على شكل عقد ومروحة، مما يسقف كنيسة "باث" ومنصة التريتل في "إلي"-والجناح الجنوبي لكنيسة جلوسستر بأحجار متداخلة.
وأعطت نماذج من الزخارف الحجرية المفرغة في النوافذ، ومن تغليف الجدران وحواجز المرتلين، أسماءها لطرز معمارية متعاقبة، تتداخل في الزمان وتختلط عادة في بناء واحد. واصطنع الطراز القوطي ذو الزخارف الهندسية (حوالي عام 1250-1315) الأشكال الإقليمية، كما هو الشأن

في كاتدرائية اكستر.وانصرف الطراز القوطي الذي توسل بالأقواس في الزخرف (حوالي 1315-1380)، عن الرسوم المحدودة، إلى الخطوط التي تتماوج بحرية، التي سبقت في شيء من التحفظ، طراز فرنسا المشع، كما هو الحال في النافذة المستديرة الجنوبية في لكولن. وركز الطراز القوطي الرأسي (حوالي عام 1330-1530)، على الخطوط الأفقية والرأسية في داخل العقد، كما في كنيسة هنري السابع في دير وستمنستر. وخفف الألوان الزاهية، التي اتسم بها الزجاج الملون في القرن الثالث عشر، بأصباغ أخف أو بصباغ فضي أو رمادي شاحب، ونافست صور الفروسية الآفة، الأساطير المسيحية، على هذه النوافذ. وبلغ الفن القوطي بذلك أوجه فاضمحلاله.
وقلما عرفت أوربا هذا الشغف بالبناء. فلقد جهدت ثلاثة قرون (1376-1517) لكي تشيد الصحن الحالي في دير وستمنستر، ونحن نستطيع أن نحس إحساساً ضيقاً في الهوادج الطوال لتلك السنوات، جهد العقل واليد الذين اشتركا في معل مقام لا يضارع العبقريات الإنجليزية، في خير أعمالها. ويعد تجديد بناء وندسور أقل روعة؛ فلقد ابتنى ادوراد الثالث هناك على مساحة ضخمة، البرج المدور الكبير (1344)، وبدأ ادوارد الرابع (1473) تشييد كنيسة سانت جورج بمنصاتها الجميلة للمرتلين وعقدها الذي على شكل مروحة وزجاجها الملون. وصمم الن دي ولسنجهام، على الطراز القوطي المتوسل بالأقواس في الزخرف، كنيسة رائعة للعذراء وبرج "مصباح" لأيلي. وزودت كاتدرائية جلوسستر ببرج ويسط وعقد للمرتلين ونافذة شرقية ضخمة، وأروقة متسعة، وتعد سقوفها التي على شكل مروحة من عجائب إنجلترا. ووسعت ونشستر صحنها الكبير وزينت واجهتها الجديدة بالطراز الرأسي. وشيدت كفنتري، على هذا النحو الكاتدرائية، التي لم ينفذ منها في الحرب العالمية الثانية، سوى برجها المدبب الفخم. وأقامت 

ببتر بره، عقدها الشاهق على شكل المروحة، وأكملت يورك منستر صحنها، وأبراجها الغربية ومنصة المرتلين فيها. وكانت الأبراج هي المجد الذي يتوج العصر، تسبغ النبل على كليتي مرتن والمجدلية في أكسفورد ودير فاونتين أبي وكنتربري وجلاستبري ودربي وتونتن وغيرها من مئات الأضرحة. واستعمل وليام الويكهامي الطراز الرأسي في تصميم كلية أكسفورد الجديدة، واتبع هذا النهج وليم وينفليت، وهو معمر آخر في التسعين، في "المربع الكبير" بكلية ايتون، وختمت كلية الملك وكمبردج، العصر بكنيسة قد تغري بنوافذها وعقدها ومنصات مرتلين كاليبان بالعلم وتيمون الأثيني بالصلاة.
وفي الطراز القوطي الرأسي طابع دنيوي واقعي يناسب تماماً عمارة الكليات والقلاع والحصون وأبنية النقابات والبلديات. وشيد أمراء وروك على هذا الطراز في القرنين الرابع والخامس عشر، قلعتهم المشهورة بالقرب من ليمنجتن. وشيدت الجيلد هول في لندن وهي مفخرة الطبقة التجارية في العاصمة، بين عامي 1411، 1435 ولكنها أحرقت في عام 1666. فأعاد كريستوفرورن بناءها، وأضيف إليها الجزء الداخلي الجديد عام 1866 وهو الذي انهار تحت وطأة القنابل في الحرب العالمية الثانية. كما اتخذت دكاكين المدينة، في قوائم نوافذها نموذجاً من الطراز الرأسي، وهي تخلب مع رؤوسها المنقوشة وأفاريزها وطنفها البارزة، ألبابنا بسحر مجد بائد.
ولقد احتفظ فن النحت الإنجليزي في هذا العصر بالسمعة التي غلبت عليه ذلك لأن التماثيل لواجهات الكنائس قد تخلف كثيراً عن العمارة التي كان الغرض منه أن يزينها كما هو الحال في لنكولن واكستر. واستخدمت حواجز المذبح الكبير في كاتدرائية وستمنستر ودير سانت البان، قوالب للتماثيل ولكن هذا شيء لا يؤبه له لكي نضيفه إلى قصتنا. وأجود الأمثلة 

على هذا الفن إنما توجد في الآثار الجنائزية. ولقد حفرت صورة جميلة لادوارد الثاني على المرمر في كاتدرائية جلوسستر، وللسيدة البانوربرس في بيفرلي منستر واهنري الرابع والملكة جان في كنتر بري، ولرتشادر بوشان في وروك. وبلغ المثالون الإنجليز أوج براعتهم في عرض أزهار أرضهم الخضراء ونباتها. وكان الحفر الجيد يمارس على الخشب: وتبهر منصات المرتلين في ونشستر ولنكولن ونوروتش الأنفاس بالجمال الذي بذل في إظهاره غاية الجهد.
وكان الرسم لا يزال فناً ثانوياً في إنجلترا، تخلف كثيراً عن معاصره في فلاندرز وفرنسا وظل تزيين الكتب القديمة فناً محبباً، ولقد دفع ادوارد الثالث مبلغ ستة وستين جنيهاً في مقابل مجلد مزين للقصص الخيالي. وقدم روبرت من أورمزبي إلى كاتدرائية نوروتش، نسخة مزينة من المزامير تعدها مكتبة بدليان "أجمل مخطوطة إنجليزية" بين مجموعاتها. واضمحل فن المنمنمات بعد عام 1450 بظهور الرسوم الجدارية واللوحات الحائطية، وأفل نجم هذا الفن في القرن السادس عشر قبل ظهور معجزة الطباعة الطريفة.


6- كاكستون ومالوري

في تاريخ مجهول من القرن التاسع عشر، أنشأ مؤلف، لا يعرف اسمه الآن، أشهر المسرحيات الأخلاقية الإنجليزية، فإن تمثيلية "كل إنسان" عبارة عن مجاز وأخلاقه تجريدات منفرة منفذ البداية، مثل المعرفة والجمال والمقولات الخمسة والرشد والقوة والفضل والمآثر والصداقة القرابة الاعتراف والموت وكل إنسان والله. ونحن نجد في استهلال، أن الله غاضب، لأن وصاياه يتجاهلها تسعة من عشرة أشخاص في ستة أيام من كل أسبوع، فيرسل الموت، ليذكر سكان الأرض، بأنهم لا بد أن 


يبادروا بالعودة إليه، وأن يقدموا حساباً عن أعمالهم. وهبط الموت من السماء إلى الأرض، في مساحة خط واحد، فوجد كل إنسان قد امتلأ فكره بالنساء والذهب، فما كان منه إلا أن أمره بالانتقال إلى الأبدية. فاحتج كل إنسان بعدم الاستعداد، وطالب بفسحة من الوقت، وقدم ألف جنيه على سبيل الرشوة، ولكن الموت يمنحه مسكناً واحداً-وهو أن يصطحب معه إلى الأبدية صديقاً يختاره. فأخذ الرجل يطلب المزاملة في هذه المغامرة العظيمة، ولكن من طلب مزاملته يعتذر عن نفسه بشجاعة قائلاً:
"إن كنت ستتناول الطعام، وتحتسي الشراب وتبتهج،

أو تغنم معاً صحبة المرأة الشهية،

فإنني لا أتركك....

فيجيبه كل إنسان: إذاً فتعال معي في رحلتي الطويلة.

الزميل: قسماً بإيماني، لن أذهب معك الآن.

إلا إذا قتلت رجلاً: وأزهقت روحه،

عند ذاك أعاونك صادقاً.

فالتجأ كل إنسان إلى قريبه، إلى ابن عمه÷ الذي رفض الدعوة بحجة "أنني مصاب بتقلص في إصبع رجلي". فناشد الرجل، الفضل لمعاونته، ولكنه كان حبيساً ليست عنده الحرية لتقديم أي مساعدة. فتوسل الرجل آخر الأمر بالمآثر فابتهجت، لأنه لم ينسها تمام النسيان، فقدمته إلى معرفة، التي قادته إلى الاعتراف، الذي طهره. ثم هبطت المآثر معه إلى قبره، ورحبت أناشيد ملائكية بدخول الآثم المطهر إلى الجنة.
ولقد انتصر المؤلف في معظم الأحيان-ولا تقول انتصر تماماً-على قالب درامي عصبي. فإن تشخيص صفة من الصفات، لا يمكن أن يكون لها من الوصف ما للشخص، ذلك لأن كل إنسان عبارة عن تناقض مركب متفاعل، وهو فريد إلا إذا كان واحداً من جماعته، والفن العظيم يجب أن 

يصور العام عن طريق الخاص كما في هاملت أو كيخوتة، أو أديب أو بانبرج واحتاجت التجربة والعبقرية قرناً آخر، لكي تحول المسرحية الأخلاقية الفاترة، إلى المسرحية الإليزابيثية، التي تصور ، الإنسان المتغير إلى ما لا نهاية.
والحادث الأدبي العظيم في إنجلترا إبان القرن الخامس عشر، إنما هو إنشاء أول مطبعة إنجليزية. ولقد هاجر وليم كاكستون، المولود في كنت إلى بروجس للتجارة. وترجم في أوقات فراغه عن الفرنسية، مجموعة من القصص الخيالي الفرنسي. وطلب أصدقاؤه نسخاً من هذه المجموعة، فكان ينسخها لهم بنفسه، ولكنه يخبرنا بأن يده "كلت ولم تعد تستطيع الكتابة الكثيرة بسرعة". وعشيت عيناه من النظر الطويل على الورق الأبيض. ولعله رأى في زياراته إلى كولونيا، إنشاء المطبعة هناك (1466) على يد أولرتش زل، الذي تعلم هذا الفن الجديد في مينز. وأسس في أيام 1471 كولاردمانسيون، مطبعة في بروج ولجأ كاكستون إليها، باعتبارها وسيلة لإخراج نسخ كثيرة من ترجمته. وفي عام 1476 عاد إلى إنجلترا وأنشأ بعد ذلك بسنة في وستمنستر الحروف-ولعلها المطابع-التي أحضرها معه من بروج. وكان قد بلغ إذ ذاك الخامسة والخمسين من عمره، ولم يبقَ له من حياته سوى خمس عشرة سنة، بيد أنه طبع في هذه الفترة ثمانية وتسعين كتاباً، ترجم أكثرها بنفسه عن اللاتينية أو الفرنسية. وكان لاختياره عنوان كتبه، ولأسلوب مقدماته الطريف الخلاب، طابع لا يمحى على الأدب الإنجليزي. ولما توفي (1491) تابع زميله الإلزاسي وينكين دي ورد هذه الثورة.
ولقد حقق كاكستون ونشر عام 1485 نصاً من أروع نصوص النثر الإنجليزي وهو-التاريخ الشريف للملك ارثر وعدد معين من فرسانه. وكان مؤلفها العجيب قد مات وربما كان ذلك في السجن-قبل ذلك بحوالي ست عشرة سنة. فلقد خدم السير توماس مالوري، في حرب المائة سنة، 

كواحد من حاشية ريتشارد دي بوشان أمير وروك، ومثل وروك في البرلمان عام 1445، ولما شعر بالوحدة في إجازة الحرب، اقتحم دار هيوسمث، واغتصب زوجة الرجل، وسلب بالإكراه مائة شلن من مارجريت كنج ووليم هيلز، ثم اقتحم دار هيوسمث مرة أخرى واغتصب زوجته ثانية. وسرق سبعة بقرات وعجلين وخمساً وثلاثين وثلاثمائة من الغنم، وانتهب كنيسة الرهبان البندكتيين في كومب مرتين، ووضع في غياهب السجن مرتين. ويبدو من غير المعقول أن يؤلف مثل هذا الرجل، تلك الأغنية الرقيقة التي تترنم بالفروسية الإنجليزية وهي التي نسميها الآن "موت الملك آرثر"، وبعد أن اشتد الخلاف، حول مؤلفها قرناً من الزمان، أصبح من المجمع عليه أنها من تأليف السير توماس مالوري إبان سجنه.
وأخذ معظم القصص من الرويايات الفرنسية عن الأساطير المتعلقة بالملك آرثر، فرتبها في سياق مقبول، وصاغها بأسلوب محبب خلاب. وأصدرها لطبقة أرستقراطية تفقد ماضي فروسيتها من فظائع الحرب وأهوالها، ودعا من أجل إلى العودة إلى القيم العليا التي اتسم بها فرسان الملك آرثر متناسياً مظالمهم ومظالم نفسه. ومل آرثر الفسق والفجور فاستقر مع صاحبته الجميلة الجريئة جينفير، وحكم إنجلترا-بل كان أوروبا في الحقيقة-من عاصمته في كاميلون (ونشستر) وطلب إلى فرسانه مائدته المستديرة المائة والخمسين أن يقطعوا على أنفسهم عهداً: "ألا ينتهكوا حرمة أو يقتلوا نفساً... وألا يكونوا غلاظاً بأي حال من الأحوال، وأن ريحموا من يطلب الرحمة... وأن يغيثوا النساء الضعيفات، ولو واجهوا الموت دون ذلك.
والحب والحرب هما الموضوعان الممتزجان في كتاب يردد وقائع فرسان لا ضريب لهم، من أجل سيدات وفتيات يفقن الصوف جمالاً وفتنة وكان تريسترام ولانسيلون يجعلان من كل من ملوكهما ديوثاً، ولكنهما يمثلان رغم ذلك الشرف والشجاعة. ولما التقيا وقد تحصن كل منهما

بالدرع والخوذة واللامة، تبارزا، وقد اختفت شخصية كل منهما أربع ساعات حتى كل سيفاهما وثلما.
ثم انبرى لانسيلو آخر الأمر قائلاً: أيها الفارس، إنك تبلى في النزال، النبلاء الحسن كأعظم ما رأيت من الفرسان، لذلك أطلب إليك أن تتفضل فتخبرني باسمك. فأجاب تريسترام: سيدي لقد أقسمت ألا أبوح باسمي لأحد. فقال سير لانسيلو، الحق أنني إذا طلبت فلا يحول قسم بيني وبين البوح باسمي. فقال سيرتريسترام، أحسنت، ولذلك فأنا أطلب إليك أن تبوح باسمك. فقال: أيها الفارس الوسيم، إن اسمي سير لانسيلو دي ليك. فقال: سير تريسترام: يا عجباً، ما الذي فعلت؟ فأنت أحب رجال العالم إلي. فقال السير لانسيلو أيها الفارس الوسيم، أخبرني باسمك. فأجاب حقاً، إن اسمي سير تريسترام دي ليون. فقال سير لانسيلو، يا للمسيح، أي مغامرة مرت بي.. وهنا ركع سير لانسيلو وسلمه سيفه. وهنا ركع سير تريسترام بدوره وسلمه سيفه.... واصطحبا إلى صخرة، وجلسا عليها وخلعا خوذتيهما... وقبل كل منهما الآخر مائة مرة".
وأي قفزة هذه، من تلك المملكة الخيالية، التي لا يعمل فيها أحد من أجل العيش.. كل النساء فيها "منعمات" إلى مادة الواقع الحقيقي إلى رسائل باستون وهي تلك الرسائل الحية التي جمعت أسرة مفرقة على الحب والمال في إنجلترا، إبان القرن الخامس عشر!! ونحن نجد هنا جون باستون، الذي مارس القانون في لندن أو ضواحيها، في حين أخذت مارجريت تربي أطفالها وتدير أملاكه في نوروتش، إن نفسه كلها للعمل وهو جاد، لاذع نزاع إلى المنافسة، أما هي فكلها استسلام، زوجة متواضعة، قادرة، شديدة الحياء، ترتعد لمجرد التفكير في أنها أساءت إليه. وهكذا كان آل جنيفر في صميم العالم الواقعي. ومع ذلك فنحن نجد هنا أيضاً العواطف الرقيقة، والهموم المشتركة بل الخيال، وتعترف مارجريت 

بروز لسير جون باستون الثاني أنها تحبه، وأنها تأسف، لأن الصداق، الذي تستطيع أن تقدمه له، أقل بكثير من مكانته، "ولكن إن كنت تحبني، كما أثق أنك حقاً كذلك، فإنك لن تتركني لهذا السبب" وهو الذي آلت إليه ثروة آل باستون، فيتزوجها على الرغم من اعتراض أهله، ويموت في غضون سنتين. وهكذا نجد قلوباً رقيقة، تحت السطح الجافي لهذا العصر المضطرب.


7-الإنسانيون الإنجليز


يجدر بنا ألا ندهش من أن وفرة الدراسة للكلاسيات في إيطاليا لعهد كوزيمو ولورنزو دي مدتشي، لم تثر إلا صدى ضئيلاً في إنجلترا، التي كان تجارها لا يعبأون بالأدب إلا قليلاً، والتي كان نبلاؤها لا يخجلون من أميتهم على الرغم من ثرائها. ورأى السير توماس مور: في مطلع القرن السادس عشر أن أربعين في المائة من الشعب الإنجليزي فقط يستطيعون القراءة. وكانت الكنيسة، والجامعات التي تسيطر عليها، هي التي ترعى الدارسين وحدها. وإلى إنجلترا يرجع الفضل في أن رجالاً أمثال جروسيني وليناكر ولانيمير وكوليت: استطاعوا، في هذه الظروف، وتحت وطأة الحرب المدمرة الضارية، أن يقتبسوا من الشعلة الإيطالية: وأن يحملوا قدراً كافياً من ضوئها وحرارتها إلى إنجلترا، فيجعل ذلك رجلاً مثل أرازمس الحكم الفيصل في الأدب يشعر بأنه في وطنه عندما هبط الجزيرة عام 1499. ووقف الإنسانيون أنفسهم، على دراسة الثقافتين الوثنية والمسيحية على السواء، فأنكرتهم قلة غير ناضجة من "الطرواديين" الذين خافوا أن تأتي هؤلاء اليونان "بالنفائس من إيطاليا، ولكنهم وجدوا من يدافع عنهم بشجاعة ومن يصادقهم بين أكابر رجال الكنيسة، أمثال وليم الوينفليتي، أسقف ونشستر ووليم ورهام رئيس أساقفة كانتربري وجون فيشر، أسقف

روشستر، وفيما بعد توماس كاردينال وُلـْسي، رئيس قضاة إنجلترا.
واستشعر بعض الدارسين من الإنجليز، منذ زيارة مانويل شريسو لوراس، (1408) لإنجلترا بحمى لا يطفئها في نظرهم غير الرحلة إلى إيطاليا للدراسة أو المجون، ولقد عاد همفري، دوق جلوسستر، من إيطاليا، مغرماً بالمخطوطات، وجمع مكتبة، أثرت فيما بعد، مكتبة بودليان. ودرس جون تيتوفت، إيرل جوارينو الفيروني في فيرارا وجون أرجيرو بولوس في فلورنسه.ثم عاد إلى إنجلترا وبين يديه من الكتب أكثر مما في نفسه من الفضائل. ودرس الراهب وليام تيلي من عام 1464-1367 في بادوا وبولونيا وروما، وأحضر معه كثيراً من الآثار الكلاسية، ثم أخذ يدرس اللغة اليونانية في كانتربري.
وكان توماس ليناكر أحد تلاميذه المتحمسين هناك. ولما عاد تيلي، (1487) إلى إيطاليا، اصطحبه ليناكر معه، وظل اثنتي عشرة سنة. ودرس في فلورنسة على بوليتيان وشالكوند يليز وحقق كتباً يونانية لالدس مانوتيوس، وعاد إلى إنجلترا متبحراً في فروع مختلفة من المعرفة، حتى استدعاه الملك هنري السابع، ليؤدب آرثر، أمير ويلز. وأوجد مع جروسين ولاتيمر في أكسفورد "حركة أكسفورد" لإحياء اللغات والآداب القديمة، فألهمت محاضراتهم جون كولت وتوماس مور، واجتذبت أرازمس نفسه. وكان ليناكر أشهر الإنسانيين الإنجليز، يجيد اللغتين اليونانية واللاتينية، وترجم جالينوس، وارتقى بالطب العلمي، وأسس الكلية الملكية الأطباء وأوقف ثروته على تمويل كراسي أستاذية الطب في أكسفورد وكمبردج. وقال أرازاموس، إن الفضل يرجع إليه، في أن الدراسة الجديدة، بلغت من الاستقرار في بريطانيا، حظاً لا يحتاج معه أي إنجليزي إلى أن يرحل إلى إيطاليا في سبيل العلم. 

وكان وليم جروسين قد بلغ الأربعين عندما انضم إلى ليناكر في فلورنسه. فلما عاد إلى إنجلترا عام 1492، استأجر غرفاً في كلية أكستر وفي أكسفورد وكان يحاضر عن اللغة اليونانية، على الرغم من احتجاج المحافظين الذين كانوا يرتعدون خشية، أن تقضي النسخة اليونانية الأصلية للعهد الجديد على ترجمة جيروم اللاتينية الشائعة وهي التي ظلت الحجة ألف سنة، ولكن جروسين أكد من جديد، أنه صحيح المعتقد، مستقيم إلى حد التزمت. ولم ينشأ في نفس الإنسانيين الإنجليز أي عداء للمسيحيين حتى العداء المضمر الخفي، كما حدث لبعض الدارسين في عصر النهضة الإيطالية، ولقد حرص هؤلاء الإيطاليون على التراث المسيحي، وجعلوه مقدماً على جميع عناصر التربية العقلية، ولم يجد أشهر هؤلاء، حرجاً من تولي منصب نائب مطران كنيسة سانت بول.
ولقد كان جون كولت أكبر أبناء سير هنري كولت، وهو تاجر غني أنجب أثنين وعشرين طفلاً وتولى منصب عمدة لندن مرتين. وفي أكسفورد مست الشاب، جذوة الإنسانيين من ليناكر وجروسين "فالتهم بشغف" كتب أفلاطون وأفلوطين وشيشيرون روحل عام 1493 إلى فرنسا وإيطاليا، وقابل أرازمس وبوديه في بالريس، وتأثر بسافونارولا تأثراُ عميقاً في فلورنس، وهاله نزق الكرادلة والبابا اسكندر السادس وتحررهم في روما. ولما عاد إلى إنجلترا، ورث ثروة أبيه، وأصبح من اليسير عليه أن يحرز مكانة مرموقة في السياسة، ولكنه آثر حياة الدرس في أكسفورد وتجاهل التقليد القديم الذي يجعل تدريس علوم الدين وقفاً على القساوسة وأخذ يحاضر أهل روما عن إنجيل القديس بولس، فأحل النقد والشرح للنص الشائع،

محل الحذلقة والجدل، وانتعشت جماهيره الغفيرة بطرافة منهجه، وبتركيزه على الحياة الفاضلة باعتبارها أسمى علوم الدين، ولقد وصفه أرازموس الذي رآه في أكسفورد عام 1499، بأنه قديس تغريه الشهوة والترف دائماً، ولكنه "احتفظ بزهرة عذرته إلى وفاته" واحتقر الحياة اليسيرة التي يعيشها الرهبان في زمانه، وأوصى بثروته للأعمال الدينية والخيرية.
وكان يمثل معارضة الكنيسة مع ولائه لها، فقد أحبها على الرغم من أخطائها. وتسائل عن الصدق الحرفي لسفر التكوين، ولكنه قبل القول بأن الكتاب المقدس منزل بالوحي. وسبق المصلحين الدينيين بتأكيده صحة الكتب المقدسة على روايات الكهنوت وأشكاله، ورفضه أن تكون الفلسفة المدرسية للقرون الوسطى، المزيج العقلي المخفف للمسيحية البسيطة، وشكه في قدرة القسس على التطهير بالاعتراف، ووجود المسيح بالفعل في القربان، وفي استنكار الحياة الدنيوية التي يعيشها رجال الدين:
"ولو أن الأسقف الأكبر، الذي نسميه البابا... كان أسقفاً بحق، لما فعل شيئاً بنفسه، ولكن الله فيه هو الذي يفعل. فإن حاول شيئاً بنفسه، فإنه يكون نافث سم.... لقد حدث هذا كثيراً بالفعل منذ سنوات طوال، وازداد في هذه الأيام زيادة كبيرة، حتى سيطر على جميع أعضاء الكنيسة المسيحية، وإذا لم يقبض المسيح بيده على كنيستنا الممعنة في الاضطراب فإنها تشرف على الموت.....، إن أولئك القساوسة اليائسين، الذين يوجد منهم في هذا العصر كثرة هائلة ليترددون في الفجور الشنيع، فهم لا يخشون الخروج من بطن بغي حقيرة إلى هيكل الكنيسة وإلى مذبح المسيح وإلى الأسرار الإلهية.. ولسوف تحل عليهم نقمة الله في يوم من الأيام. 

وفي عام 1504 نصب كولت نائباً امطران كنيسة سانت بول، ومن هذا المنبر الرفيع عارض بيع الأسقفية، والفساد الناجم عن قوامة رجل واحد على موارد كنائس متعددة. وأثار بآرائه هذه معارضة عنيفة، ولكن ورهام كبير الأساقفة، عمل على حمايته. وكان ليناكر وجروسين ومور، قد استقروا وقتذاك في لندن وقد برئوا من جمود أكسفورد وتعصبها القديم، وشحذت عقولهم زيارات أرازموس وسرعان ما حظوا بتأييد الملك هنري الثامن. وبدا أن كل شيء ممهد لنهضة إنجليزية، ستتحرك مصطحبة، إصلاحاً دينياً سليماً.



السبت، 27 نوفمبر 2010

التحقيق مع الصحفية هويدا طه ( منتجة البرامج لصالح قناة الجزيرة )


المحقق : محمد الفيصل
المكان :نيابة أمن الدولة العليا
اليوم :13 /1/2007
رقم المحضر : 11 لسنة 2007 نيابة أمن دولة عليا .
التحقيق :-

س - أين مواقع التصوير الموجودة علي الشرائط ؟

ج- لقاءات حواريه مع المواطنين والشخصيات العامة داخل مساكنهم واللواء حازم حماد كان داخل مكتبه بجريدة الرأي العام شارع الأهرام وشوقي القيادي داخل عيادته وعادل فهمي في بيته .
والمشاهد التمثيلية في مكان مغلق وهو جمعية تحسين الصحة لرعاية المسنين بشارع الهرم و تولي مهندس الديكور أعداد أماكن التصوير لتطابق روايات الشهود من أصحاب الحالات الذي تم تسجيلها من السيارة في أماكن عامة مثل الكورنيش في الإسكندرية أمام مبني مديرية الأمن أما ما يتعلق بحفل تخريج دفعة من ضباط الشرطة فقد تم شراء هذا التسجيل من فيديو كايرو باعتباري منتجة البرنامج لصالح قناة الجزيرة .

س - مواقع التصوير بالطرق العامة وفي مواجهة مبني مديرية أمن الإسكندرية هل كان لديك تصريح يجيز أجراء التسجيل والتصوير علي هذا النحو ؟

ج- التصوير في الطرق العامة إذا لم تستخرج تصريح يستطيع معد البرنامج أن يجري التصريح من داخل سيارته لمواقع في الشارع وبالتالي أنا لم التقط هذه الصور وأنا في الشارع .

س: كيف كان يتم الاتصال بالشخصيات العامة أو المواطنين الذين جري معهم التسجيل ؟

ج- القائمة موجودة في الجزيرة أو مع قنوات أخري إخبارية مثلا سجن الحضرة من النديم .الفتاة سهام من المنظمة المصرية .

س - أي المنظمات الحقوقية تعاونت معك ؟

ج- مركز النديم في حالة شباب ا لحضرة - المنظمة المصرية لحقوق الإنسان في حالة الفتاة سهام - مركز استقلال القضاة في حالة عماد الكبير .

س – لاحظوا علي التصوير مع النائب حسين إبراهيم إن الأخير يجلس أثناء اللقاء ومن ورآه لافته مدون عليها " كتلة الإخوان المسلمين " بالإسكندرية أين تم تصوير هذا اللقاء ؟

ج- في مكتبه في الإسكندرية وأحب أن أسجل ملاحظة ترتبط بالتسجيل مع النائب بأنه تعرض في إثناء حديثه المسجل لحالات اعتداء وقعت علي ناشطين سياسيين فقومت بلفت نظره إلي إن الموضوع لا يتعرض بالناشطين السياسيين .

س- ومن كان معنيا بكتابة نص الحوار لجانب قناة الجزيرة للجانب المتحاور معه ؟

ج- كمنتجه للبرنامج بحدد الشخصية اللي بتحاور معها وبحدد الاسئله .

س – وكيف تمكنت من جمع المادة البحثية والوثائقية الخاصة بموضوع البرنامج ؟

ج- من مطالعة الصحف والمتابعة الإعلامية بصفة عامه للجرائد والفضائيات المختلفة والمادة البحثية هي المؤسسة للعمل أما المادة الوثائقية ما يتم جمعه أثناء التصوير من واقع روايات الشهود من أصحاب الحالات التي تعرضت للتعذيب وتعليق المتخصصين عليها وعادة تكون المادة المجمعة أطول كثيرا مما يتم بعد المونتاج .

س – هل تحتفظين بمادة مكتوبة مما يتعلق بمادة البحث أو بمادة التوثيق ؟

ج- عندي خطة عمل مكتوبة لكن ليس تفصيلية فيها الإطار العام للمادة البحثية والوثائقية الخاصة بالبرنامج وخاضعة للتعديل باستمرار أثناء العمل
س – هل بإمكانك تقديم هذه الخطة المدونة للنيابة ؟

ج- نعم ولكنها ليس موجودة معي الآن وليس لدي مانع من تقديمها لاحقا .

س – تتصل مادة البرنامج البحثية منها أو الوثائقية بواقعات محددة مما يتصل بعمل جهاز الشرطة فهل تثبتي من صدق تلك الواقعات وصدق شهودها في إطار ما تم تجميعه من مادة بحثية أو توثيقي ؟

ج- جميع الحالات اللي صورت معها تتعلق بوقائع أحيل فيها ضباط إلي المحاكمة .

س- هل تم بث أو إذاعة أي من مشتملات المادة المسجلة بأي طريق من طرق النشر ؟
ج- لا
س- هل رجعيتي أي من سلطات التحقيق أو جهات القضاء المعنية بنظر الدعاوي المتهم فيها الضباط المشكو فيهم في تلك الحالات وقوفا علي مجريات التحقيق أو المحاكمة ؟

ج- لا أراجع القضاء أو النيابة لأنه غير متاح من الأساس ولكنني حاولت ذلك وقيل لي أن هناك ما يحظر علي رجال القضاء والنيابة الإدلاء بتصريحات إعلامية .

س- هل قومتي بإحاطة مسئولي قناة الجزيرة سواء عبر مكتبها في القاهرة أو مقرها في الدوحة بما حصلتي عليه من ماده وثائقية خاصة بالبرنامج ؟

ج- إدارة القناة أحيطت علما بخطتي في العمل فقط ولم يعرض عليها حتى الآن أي شيء بالمادة التي جمعتها ولكنها تشاهد العمل النهائي وتجيزه للعرض أو لا تجيزه .

س- وردت بأقوالك انك غادرتين البلاد في 24 /7/2006 وبحوزتك بعض التسجيلات التي انتهت إليها في المرحلة الأولي في الأعداد للعمل فماذا كانت تشتمل عليها تلك التسجيلات ؟

ج- تصوير دورة حقوق الإنسان بمعهد الشرطة وصورته بناءا علي التنسيق مع إدارة الإعلام بوزارة الداخلية وبحضور منسق من طرفها وأيضا كانت تشتمل علي حالات لمواطنين يحكوا عن وقائع تعرضوا لها لاعتداء من جانب ضباط الشرطة وهي حالة الفتاه سهام وشاب من منطقة البساتين وجميعهم يوجد شريط بروايتهم لدي إدارة الإعلام بالداخلية أعطيته لهم بناءا علي طلبهم ليطلعوا عليه من اجل توفير لقاء مع المسئول الأمني للرد والتعليق

س- وأين وضعتي التسجيلات الخاصة بالمرحلة الأولي من الأعداد للبرنامج ؟

ج- سافرت بها إلي الدوحة في 24/7/2006 بعد اتصال مع المقدم طارق في مكتب العلاقات العامة بوزارة الداخلية وأعلمته بسفري لتحديد موعد لترتيب لقاء مع مسئول امن أسجل معه عند عودتي في المرة القادمة ولما وصلت إلي الدوحة أودعت هذه التسجيلات في قناة الجزيرة في قطر .

س- وخلال الفترة من 24/7/2006 وحتى تاريخه هل تم بث أو إذاعة أي من فقرات تلك التسجيلات أو نشرها بأي طريق ؟

ج- لا إطلاقا لان العمل لم يكتمل بعد واقصد البرنامج الوثائقي .

س- وهل استعانت إدارة القناة في قطر بأي من فقرات هذه التسجيلات ووظفتها في عروض أخري تم بثها ؟

ج- لا أطلاقا لان لوائح ونظم العمل في القناة وتقاليدها تمنع استخدام صور أو تسجيلات برنامج لم يكتمل في برنامج أخر إلا في حالات الضرورة القصوى والتي لم تحدث في هذه الحالة .

س- وهل يوجد لديك ألان أو مكتب الجزيرة في القاهرة نسخة من تلك التسجيلات التي غادرتي بها البلاد في 24/7/2006 ؟
ج- معي الآن نسخه من فقرات هذه التسجيلات علي شريط فيديو كاست وهي فقرات خاصة ما تم تسجيله وتصويره من وقائع دورة حقوق الإنسان في معهد تدريب الشرطة ولا يوجد معي تسجيلات كاملة لكل ما سافرت به
ملاحظه : قامت بتقديم الشريط كمستند في تحقيقات النيابة .

س- كم شريط تسجيل كان بحوزتك لدي سفرك في 24/7/2006 ؟ وكيف كانت حالة الاشرطه؟

ج- كانت شرائط ديجيتال وكان عددهم 50 شريط ومسجل علي بعضهم ولا اذكر عدد الشرائط المسجل عليها وأيضا كان معي تصريح من المركز الصحفي بدخول 50 شريط وبتصدرهم لحساب قناة الجزيرة بقطر .

س- قررتي فيما سلف من أقوالك انك وخلال الشهر من 7/12 إلي 7/1/2007 حاولت مرارا الاتصال بالعقيد علاء محمود المكلف بالتنسيق معك بإدارة الإعلان بوزارة الداخلية وخلال الشهر المذكور اجريتي بالفعل تسجيل لقاءات ومشاهد تمثيلية خاصة بالبرنامج فهل جري هذا التسجيل في إطار موافقة صريحة من جانب وزارة الداخلية ؟

ج- أنا حصلت علي موافقة علي البرنامج وكانت اتصالات خلال الشهر بالعقيد علاء محمود بهدف الترتيبي للقاء مع مسئول امني يتحدث علي الجانب الايجابي لعمل الشرطة وضباط الشرطة ولما استدعاني النائب محمد حامد بأمن الدولة قولت له أني بصدد التسجيل مع أطباء نفسين ومواطنين وعالم اجتماع وتصوير مشاهد تمثيلية تحكي ما يروي عنه بعض المواطنين من وقائع الاعتداء عليهم ووعدني بالتعاون معه .

س- هل صدرت لكي أو لمكتب القناة بالقاهرة موافقة مكتوبة أو موثقة في محرر رسمي بإجراء تلك التسجيلات سواء كانت تلك الموافقة منسوبه إلي وزارة الداخلية أو إلي أيا من الجهات المعنية ؟

ج- البرنامج يتناول عمل جهاز الشرطة وبالتالي كان ما يهمني هو الحصول علي موافقة وزارة الداخلية وقد صدرت هذه الموافقة بالفعل حين سمحوا لي بتسجيل دورة حقوق الإنسان في معهد تدريب الشرطة في غصون 24/7/2006 وهي المرحلة الأولي من إعداد البرنامج وبناءا علي تلك الموافقة استكملت التسجيل والتصوير خلال الشهر من 7/12/2006 إلي 7/1/2007 .

س- هل لديك مستند بتلك الموافقة التي اشرنا إليها ؟
ج- إنا اعتبر أن الصور التي سجلت في دورة حقوق الإنسان بمعهد تدريب ضباط الشرطة وظهرت فيه مع مسئولي وزارة الداخلية وهي بمثابة موافقة علي التسجيل ومستند لإثبات هذه الموافقة كما اعتبر عدم اعتراض وزارة الداخلية علي الفاكس الموجه لها من قناة الجزيرة المحتوي علي شكر علي تعاونهم في المرحلة الأولي من الإعداد للبرنامج هو مستند أخر وأيضا الفاكس كان موجود علي مكتب العقيد علاء محمود وناقشني في بنوده وليس في مبتداه .

س- فما قولك فيما قرره حسام الدين لبيب مدير عام المركز الصحفي لشئون المراسلين الأجانب من وجوب التقدم بطلب من المركز المذكور من إدارة القناة أو مكتبها في القاهرة لإجراء تسجيل أو تصوير يتعلق ببرنامج وثائقي وحتى يتخذ المركز في ضوء هذا الطلب إجراءاته نحو الموافقة وبصفته الجهة المختصة بذلك ؟

ج- أنا عرفة أن المركز الصحفي للمراسلين الأجانب لو قدمت له طلب كان في النهاية سوف يقدمه لوزارة الداخلية لأخذ الموافقة علي التسجيل والتصوير وأنا فضلت أني اختصر الطريق .

س- فهل يغني هذا العلم عن إتباع الطريق المقرر قانونا باستصدار الموافقة علي التسجيل والتصوير؟

ج- في تقديري يغني لأنهم وافقوا بالفعل علي البرنامج وقد ثبت ذلك بموافقتهم وتعاونهم وإذا افترضنا عدم موافقتهم كنت اتجه إلي المركز الصحفي لعمل محاوله أخري ولكن بموافقتهم لم أجد نفسي في حاجة إلي ذلك .

س- ولكن هذه الموافقة المستدل عليها من تخويلك حق تصوير دورة حقوق الإنسان وما تلا ذلك من اتصالات بمسئول مكتب الإعلام بوزارة الداخلية علي حد إقرارك هذه الموافقة تنصرف فقط إلي تصوير وتسجيل جانب من المادة الوثائقية للبرنامج ولا يمكن صرفها إلي ماعدا ذلك من لقاءات وحوارات ومشاهد تمثيلية سجلت . فما قولك في ذلك ؟

ج- أولا : أول لقاء معهم شرحت لهم الخطة العامة للبرنامج .

ثانيا : ما تم من تسجيلات يتعلق كله بالحظة التي لديهم علم بها .

ثالثا : قبل تصوير دورة حقوق الإنسان كان لديهم علم من خلال شرحي إنني سأوظفها للرد علي الاتهامات الموجهة إلي الشرطة بانتهاكات حقوق الإنسان بإبراز الجنب الإيجابي للشرطة المصرية من حيث أنها تدير دورات في حقوق الإنسان لضباطها .

رابعا : اخذوا نسخه مسجله من روايات الحالات علي وعد تدبير لقاء مع مسئول امني للرد عليها وبعد اخذ هذا الشريط استمر التنسيق بيني وبينهم سواء بالمرحلة الأولي أو الثانية بالبرنامج .

خامسا : كان لديهم علم بسفري في المرة الأولي ومعي الدفعة الأولي من الشرائط وفي الخلاصة لم يتم تصوير شيء خارج نطاق ما شرحته لهم في البداية واستمر التنسيق معهم علي هذا الأساس .

س- هل تصنفين المادة المسجلة علي الشرائط المضبوطة بتاريخ 8/1/2007 ومن واقع عملك الإعلامي كمادة إخبارية ؟

ج- هي خليط فيها جزء تمثيلي ليس إخباري وجزء أخر أخباري .

س- وما دام الأمر كذالك ما الذي منعك أو منع إدارة القناة أو مكتب تمثيلها في القاهرة من الحصول علي موافقة الرقابة علي المصنفات الفنية باعتبار ما تحويه تلك التسجيلات من مشاهد تمثيلية ؟

ج- أن البرنامج ده حتى مشاهدة التمثيلية لا تتعلق بموضوع بارد أو محايد أو عادي مثل زراعة الزهور في مصر وان يتعلق بعمل يخص وزارة الداخلية وبالتالي أنا روحت مباشرا للجهة المعنية وهي الجهة التي لها القول الفصل .

س- فما قولك فيما قرره مدير المركز الصحفي للمراسلين الأجانب في التحقيقات من وجوب عرض تلك المشاهد علي الرقابة علي المصنفات الفنية باعتبارها عملا دراميا ؟

ج- أولا : المشاهد التمثيلية في هذا البرنامج ليست عملا دراميا ولا بغرض الدراما لذاتها وإنما هي توظف في البرنامج كمشاهد توضيحيه لرواية الشهود وكما قلت سابقا فانه يوضح للمشاهد في نسخة العرض أنها مشاهد توضيحية لرواية الشاهد طبقا لصوت الراوي نفسه الذي يصاحب هذه الصور في نسخه العرض .

ثانيا : إجراءات اللجوء للمصنفات الفنية علي قدر علمي هي للعمل الدرامي الصرف أما في هذا البرنامج فمادته هي ماده وثائقية لقناه إخبارية توظف فيها المشاهد التمثيلية كتكنيك معروف بهذا النوع من البرامج .

ثالثا : عرض عليكم نسخه من تصريح خروج الشرائط الذي اخرجوا المركز الصحفي وذكر فيه انه لا داعي لعرض محتوي الشرائط علي المصنفات الفنية .

س- فما قولك فيما قرره سالف الذكر من أن المركز الصحفي تلقي طلبا من مركز الجزيرة بالقاهرة للموافقة علي تصدير 50 شريط ديجيتال في حيازتك اعتبارا بان تلك الأشرطة تحوي مواد إخبارية فقط وبناء علي ذلك الطلب صدرت الموافقة علي التصدير اعتبارا بما جاءت في طلب القناة واعتبارا بأنها قناة معتمدة لدي المركز بصفتها قناة أجنبية ؟

ج- بالفعل لان القناة إخباريه فان كل المواد التي تبثها تعتبر ضمنيا مادة إخبارية بما فيها البرامج الوثائقية التي تتعرض للشأن هو حدث جاري كما في هذا البرنامج الذي سيعرض بالمعالجة لحدث جاري هو شكوى المواطنين من معاملة الشرطة في عدة دول عربية ومن ضمنها هذه الحلقة التي تخص مصر كدولة عربية
س- فما قولك وقد أضاف سالف الذكر بشاهدته انه في حال طلب القناة تصوير أو تسجيل مادة وثائقية فان الأمر يقتضي الإشارة إلي ذلك صراحة في الطلب حتى يتسنى للمركز استطلاع رأي الجهات الأمنية المعنية بالأمر واحتج الشاهد في ذلك بطلب قدم من مدير مكتب القناة بالقاهرة حسين عبد الغني بتاريخ 20 /12 /2006 يطلب فيه تسهيل مهمته في تصوير بعض التقارير الحقيقية ؟ عرضنا علي المتهم صورة الطلب المرفق المرفقة بملف سؤال الشاهد ؟

ج- هذه التقرير الخفيفة موضوع الطلب المعروض عليه صورته كان يزعم بثها ضمن نشرات إخباريه لان تقاليد نشرات الأخبار في الجزيرة احدها هي أن تبث هذه القصص الخفيفة في نهاية البرنامج وهذا التصريح بالذات تأخر صدوره فقررت إرجاء هذه القصص لزيارة قادمة لأنني لم أتمكن من تصويرها قبل صدور تصريح
س- فلماذا لم يتخذ هذا الأجراء بطلب الموافقة علي تصوير المشاهد الخاصة بالبرنامج محل التحقيق وكان الأولي بإدارة القناة علي حد قول الشاهد أن تستصدر تصريحا بشأنه كما فعلت حيال تلك التقرير الخفيفة ؟

ج- لان هذه الموضوعات موضوعات خفيفة وغير شائكة ولا تحتمل غير الإجراء الروتيني مع المركز الصحفي أو موضوع برنامجي فهو موضوع شائك يتعلق بالداخلية والمهم هو موافقتها هي لذلك توجهت لها كجهة معنية بموضوع برنامجي ووافقت وتم التنسيق معها .

س- ولكن في كون وزارة الداخلية وإنها المعنية بالبرنامج مالا يسلب جهة الاختصاص حقها في الفحص ؟ واقصد بجهة المركز الصحفي للمراسلين الأجانب ؟

ج- لي خبرة سابقة مع المركز عندما توجهت إليه ذات مرة سابقة لاستخراج تصريح تصوير مشاهد لبرنامج سابق وتأخر التصريح فسالت موظفة بالبرنامج الصحفي عن سبب التأخير فقال لي لأنني نجمع المواد المطلوب تصريح لها وتختص الداخلية لأخذ موافقتها أولا ولذالك في هذه المرة توجهت إلي الداخلية مباشرة .

س- وما تعليقك لما ورد في مكتب القناة بالقاهرة إلي المركز الصحفي أن الشرائط المطلوب الموافقة علي تصديرها هي مواد إخبارية علي خلاف حقيقة تلك المادة المسجلة والتي هي مادة وثائقية يتخللها مشاهد تمثيلية ؟

ج- اعتبر البرنامج الوثائقي هو مادة إخبارية .

س- فما قولك وقد قرر الشاهد حسام الدين لبيب أن مندوب المركز الصحفي لم يسلمك أصل التصريح الخاص بتسليم الاشراطة المضبوطة في المطار علي حد ما ور بأقوالك ؟ ولكن حضر إلي مقر المركز مندوب عن القناة وتسلم أصل التصريح ؟

ج- مندوب القناة بالفعل تسلم أصل التصريح من المركز وإعطاني قبل أن أتوجه إلي المطار وقال لي في شخص اسمه احمد عبد الله سوف يأخذ أصل التصريح ويعطني صورة منه وانأ لا اعلم أن كان احمد عبد الله مندوب عن الجمارك ولا عن المركز الصحفي .

س- ما قولك فيما ورد بتقرير الرقابة علي المصنفات الفنية والتي باشرت فحص التسجيلات المضبوطة الي ان تلك الأخيرة تشتمل علي مشاهد تمثيلية غير ممنتجة بالغة العربية في مواقع ديكوريه داخل قسم شرطة يقوم بها مجموعة من الشباب المبتداء والفنيين غير المحترفين وهذه المشاهد ضمن سيناريو كتابي غير مرخص رقابيا ولم يعرض علي جهاز الرقابة علي المصنفات الفنية من الأساس ؟

ج- قلت سابقا وأقرر ان هذه المشاهد التمثيلية ليست عملا دراميا مستقلا وليس لها سيناريو ثم السيناريو تم تأليفه وإنما هو تكنيك يوضح رواية الشاهد ويتم فيه النسخة النهائية مصاحبة برواية الشاهد بصوته وهي في المحصلة النهائية تخدم عمل وثائقي إخباري وليس درامي وبالتالي لم يكن لها سيناريو يقدم إلي الرقابة علي المصنفات الفنية لأنها لا عمل سينمائي ولا تليفزيوني وإنما عمل وثائقي إخباري .

س – ما قولك وقد ورد بالتقرير ان المشاهد التمثيلية تركز علي فكرة انتشار ظاهرة التعذيب التي تعرض لها المواطن البسيط في قضايا مدنية بعيدة عن السياسية وان هذه الظاهرة هي جزء من نظام الحكم في مصر ؟

ج- هذا هو تقدير التقرير وليس إقرار حقيقي بمعني أن المشاهد تروي فقرة ما يقول الشاهد صاحب الحالة من تفاصيل الاعتداء علي هذا ما تحتويه المشاهد فقط أما القول جزء من نظام الحكم لا يرد علي لسان الممثلين أو شهود وقائع الاعتداء وفيما يخص النسخة النهائية للبرنامج لم تعرض بعد وبالتالي ليس هناك ما يستدعي اعتبار أن القاهرة جزء من نظام الحكم في مصر .

س - هل تقومين بالإعداد للبرنامج معنونا"كن معهم" ولإنتاج فلم معنونا "وراء الشمس " ؟
قمت بإنتاج برنامج "كن معهم " وهو عن الجمعيات الأهلية في الدول العربية من ضمنها مصر
أما بخصوص السؤال عن فلم "وراء الشمس "فهذا شيء أنتجته .

س- وماذا عن ما ورد في برنامج يشتمل عليه جهاز الحاسب الآلي الخاص بك كما انتهي الي ذلك تقرير الرقابة علي المصنفات من عده عناصر عن الأوضاع في مصر قبل تأسيس حركة كفاية وبعض المحاور النظرية الأساسية التي يعالجها فيلم وثائقي بعنوان "حكاية مصرية" مثل "المؤتمر السنوي الأول لحركة كفاية – الدستور –القضاء – " وغير ذلك من الموضوعات المتعلقة بالشيء السياسي ؟

ج- أنا مش بياعة فجل أنا كاتبة وقارئة ومهتمة بالشأن المحلي والدولي وإميل إلي الاحتفاظ ببعض مما اقرأه من دوريات محليه وعالمية لأنني باحثة واحتاج الرجوع إلي مواد موثقه لذلك احتفظ سواء بالتوصيات مؤتمرات دوليه أو مواد منشورة محليه ودوليه قد احتاج إلي الرجوع إليها لأبحاثي ومقالاتي وكتاباتي وهذا شيء تكفله لي حرية التعبير والدستور المصري الذي احتفظ بنسخه منه علي الكمبيوتر الخاص بي ولا أظن أن هناك قانون يحظر علي الاحتفاظ بهذه المواد وان كان يوجد فأعلنوني به .

س- فما قولك وقد أشارت التحريات مباحث امن الدولة إلي اطلاعك بإعداد مشاهد تمثيلية مفبركة تصوير حالات تعذيب غير حقيقية علي أنها وقعت بأماكن ووقائع شرطيه بالبلاد ولتضمنها مادة إعلامية تعتزمين بثها علي قناة الجزيرة باعتبار أنها تمثيل حالات تعذيب حقيقية بهدف إثارة الرأي العام والأضرار بسمعة البلاد سياسيا واجتماعيا ؟

ج- إذا كانت هذه نتيجة التحريات فهي تقديرهم واستنتاجهم وأنا اللي مسئولة عنه هو عملي وهو توضيح لرواية الحالات بصوتهم وفي النسخة النهائية للبرنامج يذكر أنها مشاهد تمثيلية توضيحية وليست حقيقية وهذا تكنيك معروف في مثل هذه النوعية من البرامج علي سبيل المثال هناك برنامج يروي ملابسات اغتيال السادات وكذلك اغتيال حسن البنا وغيرها من البرامج يتم فيها تمثيل الوقائع .

وفي تلك كل البرامج وغيرها مما يشبهها يوضح أثناء العرض كتابتا علي الشاشة أن المشهد تمثيلي وبالتالي انفي ما تكرره التحريات من أن هذه المشاهد التمثيلية في برنامجي هي بغرض استعراضها كوقائع حقيقية لإثارة الرأي العام .

أما بالنسبة للأضرار بسمعة البلاد فانا اتقي هذا واحتج بان برنامجي يحتوي في احد محاوريه علي إبراز الجانب الايجابي للشرطة المصرية في المجتمع ولهذا الغرض اشتريت صورا لحفل تخريج دفعة من ضباط الشرطة وقمت بتصوير ضباط الشرطة وهم يؤدون امتحانات في دورة تدريبية لحقوق الإنسان في معهد تدريب ضباط الشرطة كما ولهذا الغرض أيضا سجلت لقاء مع لواء شرطة سابق يحكي لي في البرنامج عن الجانب الإيجابي لعمل الشرطة المصرية والشريط متوفر لديكم وأسئلتي تدور في هذا الإطار .

وهكذا انتهت الأسئلة
وقامت النيابة بتوجيه هذه التهم إليها :-

أولا : أنت متهمة بمباشرة نشاط للإضرار بالمصالح القومية للبلاد وكان ذلك بطريق تسجيل وتصوير مواد إخبارية ووثائقية وتنفيذية .

ثانيا : أنت متهمة بحيازة ملف صور من شأنها الإساءة إلي سمعة البلاد وذلك بمخالفة الحقيقة وإعطاء وصف غير صحيح وإبراز مظاهر غير لائقة .

هل لديك أقوال أخري
هذا الكلام لم يحدث تأسيسا علي :-

أولا : موضوع البرنامج الذي أعالجه ليست المرة الأولي لتناوله فقد عرض من قبل في وسائل إعلامية أخري .

ثانيا : المادة التي جمعتها ليست ممنتجة ولم يتم بثها بعد .

- وعندها انتهت التحقيقات وكان قرار النيابة إخلاء سبيل بكفالة مالية قدرها عشرة ألاف جنيها مصري لا غير

الثلاثاء، 23 نوفمبر 2010

محمد خطاب - الدليل العربي للسير الذاتية

يا عَينِ ما لَكِ لا تَبكينَ تَسكابا؟ - الخنساء





يا عَينِ ما لَكِ لا تَبكينَ تَسكابا؟اِذْ رابَ دهرٌ وكانَ الدّهرُ ريَّاباَ
فابْكي أخاكِ لأيْتامٍ وأرْمَلَة ٍ،وابكي اخاكِ اذا جاورتِ اجناباَ
وابكي اخاكِ لخيلٍ كالقطاعُصباًفقدْنَ لَّما ثوى سيباً وانهاباَ
يعدُو بهِ سابحٌ نهدٌ مراكلهُمجلببٌ بسوادِ الَّليلِ جلباباَ
حتى يُصَبّحَ أقواماً، يُحارِبُهُمْ،أوْ يُسْلَبوا، دونَ صَفّ القوم، أسلابا
هو الفتى الكامِلُ الحامي حَقيقَتَهُ،مأْوى الضّريكِ اذّا مَا جاءَ منتابَا
يَهدي الرّعيلَ إذا ضاقَ السّبيلُ بهم،نَهدَ التّليلِ لصَعْبِ الأمرِ رَكّابا
المَجْدُ حُلّتُهُ، وَالجُودُ عِلّتُهُ،والصّدقُ حوزتهُ انْ قرنهُ هاباَ
خطَّابُ محفلة ٍ فرَّاجُ مظلمة ٍانْ هابَ معضلة ً سنّى لهاَ باباَ
حَمّالُ ألويَة ٍ، قَطّاعُ أوديَة ٍ،شَهّادُ أنجيَة ِ، للوِتْرِ طَلاّبا
سُمُّ العداة ِ وفكَّاكُ العناة ِ اذَالاقى الوَغَى لم يكُنْ للمَوْتِ هَيّابا

قصة الحضارة - ويل ديورانت -الفصل الخامس بلاد الغال الخالدة 1453 - 1515


الفصل الخامس




بلاد الغال الخالدة




1453 - 1515




1- لويس الحادي عشر




1461 - 1483




وكان ابن شارل السابع وولي عهده متعباً على غير العادة. ولقد زوج وهو في الثالثة عشرة من عمره، رغم إرادته (1436) من مارجريت صاحبة اسكتلندا، وكان عمرها إذ ذاك إحدى عشرة سنة، فانتقم لنفسه بإهمالها واتخاذ الخليلات. وأغرمت مارجريت بالشعر، ووجدت السلام الأبدي في الموت المبكر (1444) وقالت وهي تلفظ أنفاسها "تباً للحياة..امسكوا الحديث عنها.." وانتقض لويس على أبيه مرتين، وفر إلى فلاندرز بعد المحاولة الثانية، وانتظر نافذ الصب أن يؤول السلطان إليه. وأعانه شارل على بلوغ مأربه، بأن انقطع عن الطعام إلى أن مات (1461)، وحكم فرنسا بذلك واحد من أعجب الملوك وأعظمهم طيلة اثنتين وعشرين سنة.
وكان إذ ذاك في الثامنة والثلاثين، نحيلاً غليظ القلب، غير منغمس في الترف، له عينان مرتابتان وأنف طويل، أقرب إلى الفلاح في مظهره، يتخذ زي الحاج الزاهد الذي يتألف من رداء أغبر خشن وقبعة رثة من اللباد، وكان يصلي كالقديس، ويحكم كأنما قرأ كتاب "الأمير" قبل أن يولد مكيافلي.. واحتقر أبهة الإقطاع، ة وسخر من التقاليد والمراسيم، وبحث في شرعية مولده، وأذهل جميع العروش ببساطته. وعاش في قصر دي تورنل الكئيب بباريس، أو قصر بلسية ليه تور، بالقرب من مدينة تور، كالأعزب، وإن تزوج مرتين، وكان شحيحاً وإن كان يمتلك فرنسا،
ولم يحتفظ من الخدم إلا بالنفر الذين كانوا معه في النفي، ولا يأكل من الطعام إلا بمقدار ما يتاح لأحد الفلاحين، ولم يكن مظهره ينبئ عن شيء، وإن كان ملكاً في كل شيء.
فلقد أخضع كل عنصر في شخصه لأرادته المصممة، وكان على فرنسا، أن تتحول بمطرقتهِ، من التمزق الإقطاعي إلى وحدة ملكيو ودولة موحدة، إذ يجب على هذه الحكومة الملكية المركزية أن ترفع فرنسا من رماد الحرب إلى حياة جديدة وبأس جديد، ووقف لوس فكره أثناء الليل وأطراف النهار، على هدفه السياسي، بعقل واضح ماكر، لا يهدأ، مثله في ذلك مثل قيصر، يرى أنه ما من شيء يتحقق، ما دامت له بقية تحتاج إلى عمل. "أما السلام فلا يكاد يحتمل مجرد التفكير فيه"، كما قال كومينيس. ومع ذلك فلم يكن موفقاً في الحرب، وآثر الدبلوماسية والتجسس، والرشوة على استعمال القوة، وجمع الناس حوله لتأييد أهدافه بالإقناع والتملق والتخويف، واحتفظ بحشد كبير من الجواسيس في خدمته في داخل البلاد وخارجها، وكان يدفع مرتبات سرية بانتظام لوزراء ملك إنجلترا ادوارد الرابع. ويستطيع أن يستسلم ويحتمل الإهانة ويتظاهر بالخضوع، وينتظر فرصة للنصر أو الانتقام. ووقع في أخطاء جسام، ولكنه تخلص منها ببراعة مذهلة غير هيابة. ولقد عني بكل ما يتصل بالحكومة من تفاصيل، ولم يكن ينسى شيئاً. وادخر مع ذلك فسحة من الوقت للآداب والفن، فقرأ بنهم، وجمع المخطوطات، وفطن إلى الثورة التي ترهص بها المطبعة، واستمتع بصحبة المثقفين، وبخاصة إذا كانوا "بوهيميين" بالمفهوم الباريسي. وانظم وهو في منفاه بفلاندرز إلى كونت شاروليه، في تأليف أكاديمية للعلماء، الذين أساغوا حذلقتهم بحكايات مرحة على منهج بوكاشيو، ولقد جمع انتوان دي لارسال، بعضها في مصنفه "مائة حكاية جديدة" واشتدت وطأة الملك على الأغنياء، ولم يحفل بالفقراء، وكان


معادياً لنقابات العمال، وآثر الطبقة الوسطى باعتبارها أقوى مؤيد له، ولم يرحم الذين يعارضونه أياً كانت طبقتهم وأمر، بعد ثورة بربينيان، بأن تجب مذاكير، كل ثائر منفي، يجسر على العودة. وفي حروبه مع النبلاء حبس بعض الأعداء أو الخونة السنوات الطوال في أقفاص من حديد طولها ثمانية أقدام وعرضها مثل ذلك وارتفاعها سبعة، وهي وسائل ابتكرها أسقف فردان، الذي شغل قفصاً منها بعد ذلك أربع عشرة سنة. واشتد إقبال لويس في الوقت نفسه على الكنيسة، لحاجته إلى معونتها ضد النبلاء والدول، وكانت معه مسبحة لا تكاد تفارق يده، يردد عليها الصلاة الربانية وينقطع لصلاة العذراء، انقطاع راهبة في سكرات الموت، ولقد افتتح عام 1472 صلاة التبشير-وهي صلاة ظهر للعذراء من أجل سلم المملكة. وزار الأضرحة المقدسة، وسجل الآثار الدينية، ورشا القديسين ليقوموا بخدمته، وأخذ العذراء معه في حروبه. ولما قضي، عرض كقديس على حامل في كنيسة في مدينة تور.
وخلق بأخطائه هذه فرنسا الجديدة إذ وجدها مجموعة منحلة من الإمارات الإقطاعية والكهنوتية، فجعل منها أقوى أمة في العالم المسيحي اللاتيني. واجتلب نساجي الحرير من إيطاليا. وعمل المناجم من ألمانيا، وعمل على تحسين الموانئ ووسائل المواصلات، وحماية السفن الفرنسية، وفتح أسواقاً جديدة للصناعة الفرنسية، وجعل حكومة فرنسا حليفة للبرجوازية التجارية والمالية الناهضة. ورأى أن التوسع في التجارة عبر الحدود المحلية والقومية في حاجة إلى إدارة قوية مركزية. ولم يعد الإقطاع ضرورياً لحماية الزراعة والإشراف عليها، وكانت طبقة الفلاحين تحرر نفسها ببطء من العبودية الجامدة، ولقد مضى الزمن الذي كان فيه الأمراء الإقطاعيون يشرعون القوانين الخاصة بهم، ويضربون سكتهم، ويمارسون السيادة على ولاياتهم، وألزمهم شارل بوسائل صالحة وطالحة بالخضوع والنظام واحداً بعد واحد.



وقيد حقهم في الاعتداء على أملاك الفلاحين في صيدهم، وأنشأ إدارة بريد حكومية تخترق ولا ياتهم (1464)، وحرم عليهم، أن يخوضوا حروباً خاصة بهم، وطالبهم بالمتأخر من الالتزامات التي أخفقوا في دفعها لسادتهم في الإقطاع وهم ملوك فرنسا.
ولم يكن الأمراء الإقطاعيون يحبونه. فاجتمع ممثلون لخمسمائة أسرة نبيلة في باريس وألفوا جبهة الصالح العام (1464) ليبسطوا أيديهم على امتيازاتهم بشعار الصالح العام. وانظم كونت شاروليه إلى هذه الجبهة، فقد جعلته وراثته لعرش برجنديا مشوقاً لضم شمال شرقي فرنسا إلى دوقيته. ورحل شارل دوق بري وهو شقيق الملك لويس نفسه، إلى بريتاني وتزعم الثورة... فتجمعت الأعداء والجيوش من كل جانب ضد الملك، ولو استطاعوا أن يتحدوا لقضوا على الملك، وكان أمله الوحيد أن يهزمهم مترفقين فرادى. فاندفع جنوباً عبر نهر آلييه، وأكره قوة معادية على التسليم، وأسرع عائداً إلى الشمال في الوقت المناسب ليحول بين جيش برجندي وبين دخول عاصمته. وادعى كل فريق أنه انتصر في معركة مونتلهيري، وانسحب البرجنديون، ودخل لويس باريس وعاد البرجنديون مع حلفائهم وحاصروا المدينة. ولم يشأ لويس أن يخاطر بدفع الباريسيين إلى الثورة عليه، وهم الذين يأبى عليهم ذكائهم أن يموتوا جوعاً فسلم بمقتضى معاهدة كنفلان (1465) كل ما كان يطلبه أعداؤه تقريباً-الأرض-والمال والمناصب، وأخذ أخوه شارل نورمانديا. ولم يذكر شيء عن صالح الشعب، وكان لا بد من فرض ضرائب على جميع الناس لجمع الأموال المطلوبة. وانتظر لويس وقته الملائم.
وسرعان ما انزلق شارل إلى محاربة الدوق فرنسيس صاحب بريتاني، الذي أسره، وسار لويس إلى نورماندي واستعادها بلا إراقة دماء. ولكن فرنسيس، الذي توقع بحق، أن لويس يطلب بريتاني أيضاً، تحالف مع كونت شاروليه- وكان قد أصبح وقتذاك الدوق شارل الجسور صاحب
برجنديا- في معاهدة هجومية، ضد الملك الذي لا رادع له. وشحذ لويس كل وسيلة من وسائل الدبلوماسية، فعقد صلحاً منفرداً مع فرنسيس، واتفق على حضور مؤتمر شارل في بيرون. وكانت نتيجة ذلك، أن سجنه شارل، وأرغمه على التنازل عن بيكاردي والاشتراك في تطويق لييج.وعاد لويس إلى باريس وقد بلغ الحضيض من السمعة والسلطان، بل إن الببغاوات دربت على السخرية منه (1468). وبعد عامين، من تبادل الخيانة والغدر، انتهز لويس فرصة انشغال شارل في جلدرلاند، وسير جيوشه إلى سانت كونتان وأمين وبوفيه. فألح شارل على ادوارد الرابع أن يتحد معه على فرنسا، ولكن لويس أبعد إدوارد عن هذا المشروع بالمال. وكان يعرف كلف إدوارد بالنساء، فدعاه إلى الحضور، ليلهو مع نساء باريس، كما أبدى استعداده أن يعين لادوارد، كاردينال بوربون، ليكون صاحب كرسي الاعتراف الملكي، الذي "يسره أن يحله، إن اقترف خطيئة ما بواسطة الحب والشهامة". واحتال حتى جعل شارل يقع في حرب مع سويسرا، حتى إذا قتل شارل لم يأخذ لويس بيكاردي فحسب وإنما برجنديا نفسها أيضاً (1477). وهدّأ من سورة النبلاء البرجنديين بالذهب، وأرضى الشعب بأن اتخذ له خليلة برجندية.
وأحس عندئذ أنه أصبح من القوة بحيث يستطيع أن يواجه البارونات الذين طالما حاربوه، وقلما لبوا نداءه، أن يخرجوا للحرب من أجل فرنسا. وكان أكثر الأمراء الذين تآمروا عليه عام 1465 قد ماتوا، أو أقعدتهم الشيخوخة.وتعلم خلفاؤهم أن يخشوا ملكاً، يقطع رؤوس الخونة من الأرستقراطية ويصادر ضياعهم، ملكاً أنشأ جيشاً قوياً من المرتزقة، وأنه مستعد على الدوام لجمع الأموال الطائلة لشراء الضمائر ودفع الرشى. وآثر لويس أن ينفق أموال شعبه لا أرواحه، فاشترى سردينيا وروسيلون من أسبانيا. وحصل على روشل بموت أخيه، وأخذ النسون وبلوا عنوة،
وألح على رينييه أن يتنازل عن بروفنس للتاج الفرنسي (1481)، وبعد ذلك بعام عادت أنجوومين إلى الملكية، وفي عام 1483 تنازلت فلاندرز، وكانت تنشد معنونة لويس ضد الإمبراطورية الرومانية المقدسة، عن كونتية ارتوا مع المدنيتين المزدهرتين اراس ودواي. وهكذا قهر لويس البارونات وسيطر على مجالس البلديات والولايات فأنجز بذلك لفرنسا تلك الوحدة القومية والإرادة المركزية التي أنجز مثلها بعد عشر سنوات هنري الرابع، لإنجلترا، فرديناند وايزابلا لأسبانيا، واسكندر السادس للولايات البابوية. وهذا الصنيع وإن أحل طغيان أفراد كثيرين، إلا أنه كان في ذلك الوقت حركة تقدمية، توطد النظام في الداخل والأمن في الخارج، وتثبت العملة والمقاييس، وتذيب اللهجات في لغة واحدة، وتعين على نمو أدب وطني لفرنسا. ولم تكن الملكية مطلقة، فقد احتفظ النبلاء بسلطات كبيرة، وكانت موافقة مجلس الولايات ضرورية، في العادة لإقرار الضرائب الجديدة. وأعفى النبلاء والموظفون ورجال الدين من الضرائب. أعفى النبلاء على أساس أنهم حاربوا من أجل الشعب، والموظفون لأنهم كانوا يبخسون في الأجر والرشوة، ورجال الدين لأنهم يحمون الملك والوطن بصلواتهم. وكان الرأي العام والعرف السائد يحدان من سلطة الملك، وكانت المجالس المحلية لا تزال تزعم أن أي مرسوم ملكي بقانون لا يصبح نافذاً في مناطقهم إلا إذا وافق الأعضاء عليه ووثقوه. ومهما يكن من شيء فقد فتح الطريق للملك لويس الرابع عشر ونظام "أنا الدولة".
وأخذ لويس نفسه بين هذه الانتصارات جميعاً يذوي جسماً وعقلاً. فسجن نفسه في بليسيه- ليه- تور، خوفاً من الاغتيال، وارتاب في الجميع، وقلما رأى إنساناً، وعاقب على الأخطاء والنقائض بقسوة، وارتدى بين الحين والآخر حللاً تناقض فخامتها أرديته الخشنة في مطلع حكمه
وأصبح نحيلاً شاحباً حتى الذين رأوه تعذر عليهم أن يصدقوا أنه على قيد الحياة. وكابد الآلام سنوات من البواسير. وأصيب الفالج في بعض الأحيان. وفي الخامس والعشرين من أغسطس عام 1483، أصابته نوبة من الفالج أفقدته النطق، وما لبث خمسة أيام حتى مات.
فابتهج رعاياه، لأنه أجبرهم على أن يدفعوا ما لا طاقة لهم به من تكاليف هزائمه وانتصاراته، مما زاد الشعب فقراً، وفرنسا عظمة ومجداً، في كنف سياسته التي لا ترحم. ومع ذلك فإن العصور التي جاءت بعده، أفادت من إخضاع النبلاء، وإعادة تنظيم المالية والإدارة والدفاع، ورقيه بالصناعة والتجارة والطباعة، وتكوينه دولة موحدة حديثة. ولقد كتب كومنيس "إذا أحصيت جميع أيام حياته وعقدت موازنة بين المسرات والمباهج وبين آلامه ومتاعبه، فستكون النتيجة، عشرين يوماً محزناً في مقابل يوم واحد بهيج. ولقد دفع هو وجيله ثمن ازدهار فرنسا وأبهتها في المستقبل".





2- المغامرة الإيطالية


وكان شارل الثامن في الثالثة من عمره عندما مات أبوه فلبثت أخته آن دي بوجيه، ولم تكن تكبره بغير عشر سنين، تحكم فرنسا بتعقل ثمان سنوات. فخفضت نفقات الحكومة، وأعفت الشعب من ربع ضريبة الرؤوس، وأعادت كثيرين من المنفيين، وأطلقت سراح كثيرين من المسجونين، ووفقت في مقاومة محاولات البارونات، "الحرب الحمقاء" (1485)، لاستعادة سيادتهم المحلية التي انتزعها لويس. ولما اشتركت بريتاني مع أورليان ولورين وانجوليم وأورانج ونافار في عصيان آخر، استطاعت بدبلوماسيتها وقيادة لويس دي لاترمويل أن تهزم الجميع، وكانت مظفرة في وضع حد لهذه المشكلة بأن أعدت لزواج شارل من آن صاحبة بريتاني، التي قدمت دوقيتها العظيمة صداقاً لتاج فرنسا (1491). وعندئذ اعتزلت  


نائبة الملك الحكم وعاشت بقية حياتها، وهي إحدى وثلاثين سنة آمنة في زوايا النسيان.
أما الملكة الجديدة، وإن اتفقت معها في الاسم إلا أن شخصيتها كانت مختلفة تمام الاختلاف، فلقد كانت قصيرة مسحاء نحيفة عرجاء، غليظة الأنف واسعة الفم على وجه قوطي طويل، ولها عقلها الخاص بها، وفيها من الدهاء والبخل ما كان في كل بريتاني. ومع أنها كانت بسيطة في ثيابها، بحلتها وقلنسوتها السوداوين، إلا أنها كانت في المناسبات الرسمية-تتلألأ بالجواهر والثياب الموشاة بالذهب، وهي لا شارل التي قربت الفنانين والشعراء، وكلفت جان بورديشون أن يصور "صلوات آن أميرة بريتاني". ولم تنسَ قط موطنها الحبيب بريتاني وطرائقها في الحياة، فغلفت كبريائها بالتواضع، وعكفت على حياكة الثياب، وكافحت من أحل إصلاح أخلاق الملك وحاشيته.
ويقول برنتوم الثرثار "إن شارل يشغف بالنساء أكثر مما تحتمله، بنيته النحيلة". واقتصر بعد زواجه على خليلة واحدة. ولم يكن يستطيع أن يشكو من منظر زوجته، فلقد كان هو نفسه طويل الرأس أحدب، قسماته تنم عن السذاجة، عيناه واسعتان بلا لون، قصير النظر، وشفته السفلى غليظة ومتدلية، وتردد في الحديث، ويداه ترتعشان في تشنج. ومع ذلك كان حسن الطبع، رحيماً مثالياً في بعض الأحيان. ويقرأ قصص الفروسية، وامتلأ رأسه بفكرة إعادة فتح نابلي لفرنسا وبيت المقدس للعالم المسيحي. وظلت أسرة انجو، تبسط يدها على مملكة نابلي (1268-1435) إلى أن انتزعها منهم ألفونسو صاحب أراجون، وانتقلت مطالبة دوقات انجو بملكها إلى لويس الحادي عشر بالوراثة، ثم جهر شارل بالمطالبة. واعتقد مستشاروه أنه آخر إنسان في العالم يستطيع أن يقود جيشاً في حروب كبيرة، ولكنهم أملوا أن تمهد الدبلوماسية طريقه، وأن الاستيلاء على نابلي، 

سيسمح للتجارة الفرنسية، أن تتحكم في البحر الأبيض المتوسط. وتركوا أرتوا فرانش- كونتيه إلى ماكسمبليان صاحب النمسا وسردينيا وروسيلون لفرديناند ملك أسبانيا وذلك لحماية أطراف المملكة، ورجوا أن يحصلوا على نصف إيطاليا من أجل الأجزاء التي اقتطعت من فرنسا واستطاع لودوفيكو نائب الملك في ميلان أن يجمع جيشاً قوامه أربعون ألف رجل، ومائة مدفع حصار وست وثمانون سفينة حربية. وذلك بفضل الضرائب الباهظة والجواهر المرهونة والقروض التي سحبت من رجال المال في جنوا.
وخرج شارل مبتهجاً (1494)، ولعله لم يرَ بأساً من أن يخلف وراءه أخته وزوجته. فقوبل في ميلان بالترحيب (وكان بينهما وبين نابلي حزازة تريد أن تحسمها). ولم يجد عند سيادته مقاومة ما وخلف بعد مسيره جمعاً من الأبناء غير الشرعيين، ولكنه أبى في شهامة أن يمس عذراء ناشزة جلبها وصيفه لإمتاعه، وما كان منه إلا أن أرسل يطلب حبيبها، ورأس بنفسهِ حفل خطوبتهما، ومنحها صداقاً مقداره خمسمائة كراون. ولم تكن عند نابلي قوة عسكرية تقاوم جيشه فانتصر عليها في يسر ودخلها (1495)، واستمتع بجمال مناظرها، ومطاعمها ونسائها، ونسي بيت المقدس.
ومن الواضح أنه كان من الفرنسيين السعداء، الذين لم يصابوا بذلك المرض التناسلي الذي سمي فيما بعد "بالداء الغالي" لأنه انتشر بسرعة في فرنسا بعد عودة الجنود إليها. وعقدت "محالفة مقدسة" بين الإسكندر السادس والبندقية ولودوفيكو صاحب ميلان (الذي تحول عن ولائهِ السابق) فأرغموا شارل على الجلاء عن نابلي والانسحاب عبر إيطاليا التي تناصبه العداء. وحارب جيشه الآخذ في النقصان معركة غير حاسمة في فورنوفو (1495)، وعاد مسرعاً إلى فرنسا، حاملاً معه مقومات النهضة فيما حمل من أسباب العدوى.
وفي فورنوفو أبدى بيير تيراي سيد بايار، لأول مرة وكان إذ ذاك

في الثانية والعشرين من عمره، شجاعة أكسبته نصف اللقب المشهور الذي عرف به وهو "الفارس الذي لا يخاف ولا يلام": ولقد ولد في قصر بايار بإمارة ولي العهد، وهو من أسرة نبيلة، لم يمت رئيس من رؤسائها طوال قرنين إلا في حومة القتال، ولعل بيير أراد في هذا اللقاء، أن يواصل ذلك التقليد. ونفق من تحته جوادان، وظفر بأحد ألوية العدو، فجعله مليكه فارساً تقديراً لبسالتهِ. واستطاع أن يحتفظ في عصر انتشرت فيه الفظاظة والعبث والخيانة بجميع فضائل الفروسية-فقد كان، في غير تظاهر شهماً، مخلصاً في غير خنوع. شريفاً في غير تيه، وخاض اثني عشر حرباً بروح رحيمة مرحة حتى لقبه معاصروه "الفارس الطيب"، وسنلقاه مرة أخرى.
وعاش شارل بعد رحلته إلى إيطاليا ثلاث سنوات. وذهب لمشاهدة مباراة تنس في امبواز فصفع رأسه باب غير محكم، ومات من نزيف في المخ بالغاً من العمر ثمانية وعشرون سنة. ولما كان أبناؤه قد ماتوا قبله، فقد تحول العرش إلى ابن أخيه دوق أورليان، ا لذي أصبح الملك لويس الثاني عشر (1498) والذي ولد لشارل صاحب أورليان، وهو شاعر عندما كان في السبعين من عمره، وكان لويس عند توليه العرش في السادسة والثلاثين سقيم البنية منذ أمد. وكانت أخلاقه مهذبة على غير عادة ذلك العصر، وسجاياه صريحة توحي بالمحبة، حتى لقد تعلمت فرنسا أن تحبه، رغم حروبه التي لا نفع فيها وكان يبدو متهماً بعدم اللياقة، لأنه طلق عام تتويجه جان دي فرانس، ابنه لويس الحادي عشر، ولكن ذلك الملك العنيد في مرونة ولين هو الذي أرغمه على الزواج من تلك الفتاة التي لا جاذبية لها، عندما بلغ الحادية عشر من عمره فقط. ولم يكن يستطيع أن يحبها، فهو الآن يطلب إلى الإسكندر السادس أن يلغي ذلك الزواج على أساس قرابة العصب، وأن يقر بناءه بالأرملة آن صاحبة بريتاني- 

في مقابل عروس فرنسية وكونتية ومعاش لابن البابا: قيصر بورجيا-وحملت آن معها دوقيتها كجزء من جهاز العروس. واتخذا مسكنهما في بلوا، وأعطيا فرنسا نموذجاً ملكياً للحب الإخلاص المتبادلين.
ويمثل لويس الثاني عشر سيادة الشخصية على الفكر. ولم يكن في دهاء لويس الحادي عشر، بيد أن له النية الطيبة والرزانة الحسنة، والفطنة، التي تتيح له أن يجسم الكثير من قوته في أعوانه الذي أحسن اختيارهم. وترك الإدارة، ومعظم السياسة، إلى صديق عمره جورج، كاردينال امبواز، فأدار هذا الكاهن الحكيم الطيب، الأمور بحذق، حتى أن الشعب المقلب كان كلما جد أمر، هز كتفيه، وهمس "دع جورج ينهض به". وتعجبت فرنسا عندما وجدت الضرائب المفروضة عليها تخفض، خفض أولاً الثلث ثم العشر. وافق الملك الذي نشأ في النعيم أقل ما يمكن على نفسه وعلى بلاطه، ولم يسمن على حسابه مقربون. وألغى بيع الوظائف، وحرم على الحكام قبول الهدايا، وأباح البريد الحكومي للجمهور. وقيد نفسه بأن يختار، لكل منصب إداري شاغر، واحداً من ثلاثة، تعينهم الهيئة القضائية، وألا يفصل موظفاً من موظفي الدولة إلا بعد محاكمة علنية وثبوت عدم النزاهة أو الكفاية عليه. وسخر بعض الهزليين ورجال البلاط من اقتصادياته ولكنه كان يقابل مزاحهم بروح متسامحة. وقال "قد يقولون لنا بين بذاءاتهم حقائق نافعة، دعهم يسلون نفسهم، وعليهم أن يحترموا شرف النساء... وخير لي أن أجعل رجال البلاد يضحكون من تقتيري، على أن أجعل شعبي يبكي من تبذيري"، وكانت أفضل وسيلة تسري عنه هي أن تدله على طريقة جديد تنفع الشعب، عن اعترافهم بالجميل له بأن لقبوه "بأبي الشعب" ولا تذكر فرنسا في تاريخها مثل هذا الازدهار.
ومن المؤسف، أن هذا الحكم السعيد تلطخ صحيفته بغزوة أخرى 

لإيطاليا. وربما نهض لويس وغيره من الملوك بهذه الهجمات، ليشغلوا النبلاء المشاغبين ويتخلصوا منهم، وهم بغير ذلك يزعجون فرنسا بالحروب الداخلية، مهددين بذلك الملكية والوحدة القومية اللتين لم تستقرا بعد. وكان على لويس بعد اثني عشر عاماً من النصر في إيطاليا، أن يسحب جنوده من شبه الجزيرة، ثم خسر معركة مع الإنجليز في جوينجيت، (1513)، وهي التي أطلق عليها الوصف الساخر "معركة المهاميز" لأن الفرسان الفرنسيين، فروا من المعركة بسرعة غير عادية. ووقع لويس صلحاً، وقنع بعد ذلك بأن يكون ملك فرنسا فحسب. 
وزاد موت آن (1514) من أحزانه، ولم تنجب له وريثاً للعرش، وزوج، وهو غير راضٍ تمام الرضى، ابنته كلود إلى فرنسيس، كونت انجوليم، ويعد الثاني في ولاية العرش. وألح عليه مساعدوه، أن يتخذ زوجة ثالثة، وكان في الثانية والخمسين، وأن يحجب فرنسيس، الثائر بإنجاب ولد. فقبل ماري تيودور، أخت هنري الثامن، البالغة من العمر ست عشرة سنة، فجعلت الملك يسير في حياة مرحة منهكة وتشبثت بكل ما يجب للجمال والشباب. وتوفي لويس في الشهر الثالث من زواجه (1515) فخلف لزوج ابنته، فرنسا المزدهرة، التي ظلت تذكر بالحب أبا الشعب على الرغم من هزيمتها في عهده.


 



3- نهضة القصور


أحس الفن الفرنسي الآن كله، اللهم إلا العمارة الدينية، تأثير الملكية الآخذة بأسباب القوة وفتوحها الإيطالية ذلك لأن الكنيسة تشبثت بالطراز القوطي المشع، في العمارة معبرة عن اضمحلالها بالزينة المسرفة والتفاصيل المبالغ فيها، ولكن هذا الطراز، كان يحتضر، مثله في ذلك، مثل امرأة خليعة تجمع وهي تجود بأنفاسها كل المظاهر النسوية، من رقة وزينة ورشاقة. ومع هذا كله بدأ تشييد بعض الكنائس الفخمة في هذا العصر: سانت ولفرام 


في ابيفيل، سانت أتين دي مون في باريس، والمزار الصغير المتقن الذي شيدته مرجريت أميرة النمسا في برو، تخليداً لزوجها فيلبرت الثاني ملك سافوي. وأدخلت على المباني القديمة، زخارف جديدة، ووصفت كاتدرائية روين، بابها الشمالي باسم "الباب المكتبي" نسبة إلى حوامل الكتب في صحن الكنيسة، وأنفقت المبالغ التي جمعت للانغماس في أكل الزبد في لنت، على إقامة البرج الجنوبي الرائع، وهو البرج الذي أسمته الفكاهة الفرنسية: "برج الزبدة"، واستطاع كاردينال امبواز أن يحصل على أموال يشيد بها الواجهة الغربية، على الطراز المشع نفسه. ومنح بوفيه، جناح الكنيسة الجنوبي، رائعتها التي لم تتم. ويفوق بابها ونافذتها الوردية معظم الواجهات الرئيسية، وحسّن سينلس، وتور وترويس هياكلها، وشيد جان لوتكسبيه في شارترز، برجاً شمالياً غربياً مشرفاً، وحاجزاً ضخماً للمرتلين، وقد ظهرت فيها أفكار عصر النهضة التي تغلب الخطوط القوطية. أما برج سانت جاك الرائع في باريس، فهو البقية المـَرمَّمة من كنيسة، أقيمت في هذا العهد لسانت جيمس الأعظم.
وأفصحت مباني النبلاء المدنية عن الصراع والفوضى في ذلك العصر وأنشئت البلديات للمدن في أراس ودواي وسانت-أومر ونويون وسانت كنتان وكومبيين ودرين وايفريه وأورليان وسومور-وشيدت جرينوبل "دار القضاء" عام 1505، وشيدت روين داراً أكثر بهاءً عام 1494، صممها روبرت انجو ورولان ليرو على الطراز القوطي المزخرف، وأعاد القرن التاسع عشر زخرفتها. ثم جاءت الحرب الثانية فخربتها.
وهذا هو القرن الأول الذي ظهر فيه القصر ذو الطابع الفرنسي، ذلك لأن الكنيسة أخضعت للدولة، فغلب الاستمتاع بالحياة في الدنيا على الاستعداد للآخرة، وأصبح الملوك يستطيعون أن يكونوا آلهة، وأن ينشئوا، تزجية لفراغهم، فردوساً على طول نهر اللوار. وتحول "القصر المنيع" أو القلعة 

بين عامي 1490، 1530 إلى "قصر الملذات". وطلب شارل الثامن بعد أن عاد من حملته على نابولي، إلى معمارييه، أن يشيدوا له قصراً، في فخامة ما شاهده في إيطاليا. وكان قد أخضر معه المعماري الإيطالي فراجيوفاني جيوكوندو، والمثال الرسام جيدوماتزوني، والنقاش على الخشب دومينيكوبر نابي "بوكادور"، وتسعة عشر فناناً إيطالياً آخرين، وكان بينهم معماري تخصص في المباني الخلوية هو دومينيكو باتشيلو. وهو الذي أصلح قبل ذلك قلعة أمبواز القديمة، وكلف الملك هؤلاء الرجال، يعاونهم بناءون وعمال فرنسيون، أن يحولوها إلى مسكن مترف يليق بالملك "على الطراز الإيطالي". وكانت النتيجة بالغة الفخامة: فقد نهضت بجلال، على منحدر يشرف على النهر الوديع، مجموعة من الأبراج، والقباب والطنف، وزخارف من الرفارف ومخادع وشرفات. وهكذا ولد نوع جديد من العمارة.
فضايق هذا الطراز الوطنين والمحفظين على القديم، بالمزاوجة بين الأبراج القوطية وبين قصور عصر النهضة، وبإحلال الأشكال والتفاصيل الكلاسية، محل الزخرف المشع. وظلت الجدران، والأبراج الأسطوانية والأسقف العالية المنحدرة، والشرفات الخاصة بالدفاع والخنادق العارضة، تتسم بطلع القرون الوسطى، تذكر بالوقت، الذي كان فيه دار المرء، يجب أن تكون قلعته وحصنه في وقت واحد، ولكن الروح الجديدة أخرجت المسكن من غلافه العسكري الكثيف، وعرضت النوافذ وحددتها بخطوط مستقيمة لتسمح بدخول أشعة الشمس، وجملتها بأطر من الحجر المنقور، وزينت الداخل بأنصاف عمد كلاسيكية مربعة وأفاريز وزينات مدلاة وتماثيل ونقوش عربية وزخارف بارزة، وأحاطت البناء بالبساتين والنوافير والأزهار وغابة للصيد أو سهم بسام. ولقد أخلى الظلام في هذه الدور المترفة مكانه للنور، كما انقشع الخوف والكآبة، اللذان اتسمت بهما القرون
الوسطى وحل محلها اطمئنان عصر النهضة وجرأته ومرحه. وأضحى حب الحياة طرازاً معمارياً.
ونحن نبالغ في الحكم على هذه القصور في عصرها الأول إذا ألحقنا بها أصلها أو إذا عرضنا لتطورها الكامل. فإن كثيراً منها كان موجوداً قبل ذلك في صورة القلاع، ولم يحدث فيها غير مجرد التعديل، وأكمل القرنان السادس عشر والسابع عشر، هذا الشكل الفني حتى بلغا به الانسجام الأرستقراطي، وغير القرن الثامن عشر هذا الاتجاه وأحل ملحمة فرساي العظيمة، محل روح القصور الغنائية المرحة. وكان قصر شينون الحصين، قديماً، عندما استقبل فيه شارل السابع، جان (1429)، كما مر لوشي بتاريخ طويل باعتباره مرقاً ملكياً وسجناً، عندما وفد عليه لودوفيكو المورو سجيناً (1504) وذلك بعد أن استولى لويس الثاني عشر على ميلان للمرة الثانية. وأصلح جا بوريه، وهو وزير لويس الحادي عشر حوالي عام 1460، قلعة لانجيه، التي أنشئت في القرن الثالث عشر، في شكل، يتسم أساساً بطابع القرون الوسطى، وإن كانت من أحسن القصور الباقية إلى الآن. ويشد شارل دامبواز حوالي عام 1473، في شومون، قصراً آخر على نهج القرون الوسطى، وأقام أخوه الطاردينال في جايون، قصراً حصيناً فخماً (1497-1510) أتلفته الثورة الرعناء. ورمم دينوا وهو نبيل "ابن سفاح من أورليان" قصر شاتودن (1464)، وأضاف كاردينال أورليان لونجفيل، جناحاً جديداً لهذا القصر، على الطراز الذي يزاوج بين القوطي وعصر النهضة. ولا تزال في قصر بلوا، أجزاء على نمط القرن الثالث عشر، وقد أنشأ له لويس الثاني عشر، جناحاً شرقياً، في وحدة متجانسة من الآجر والحجر، ومن الأبواب القوطية ونوافذ عصر النهضة، ولكن ذروة فخامته كانت تنتظر فرنسيس الأول.
وكانت المرحلة الأخيرة للنحت القوطي رائعة إلى أقصى حد بالزخرف
المنقور ببراعة في المقابر، وبالمحفة في كنيسة برو، حيث تبدو سيبيل أجرّبا، في شكل لا يقل جمالاً عما هي في شارترز أو ريمز. ولكن الفنانين الإيطاليين كانوا يعيدون في الوقت نفسه، صياغة النحت الفرنسي على طراز عصر النهضة، استقلالاً وانسجاماً ورشاقة. وزاد الاتصال بين فرنسا وإيطاليا بفضل زيارة رجال الدين والسفراء والتجار والرحلة، وقامت الأشياء الفنية الإيطالية المستوردة وبخاصة الأدوات الصغيرة المصنوعة من لبرونز، مقام المبعوثين من عصر النهضة من الذوق والشكل الكلاسيين. وتحولت الحركة، بمجيء شارل الثامن وجورج وشارل صاحب امبواز، إلى تيار كتدفق والفنانون الإيطاليون هم الذين أنشأوا "مدرسة امبواز" ذات التأثير الإيطالي في المقر الريفي للملوك. وتعد مقابر الملوك الفرنسيين، في كنيسة سانت دينيس، سجلاً أثرياً، للتحول، ومن جلال النحت القوطي الجهم، إلى الأناقة الرقيقة والزخرف الذي ينم على المرح، الذين اتسم بهما تصميم عصر النهضة، معلنة المجد محتفلة بالجمال حتى في انتصار الموت.
ويتجسم هذا التحول في شخص ميكيل كولومب. ولد عام 1431، ووصف عام 1467 بأنه "أعظم نحات في المملكة الفرنسية قبل أن تغزو فرنسا إيطاليا وتبتلعها بزمن طويل. وكان النحت الغالي من الآن فصاعداً، كله تقريباً من الحجر، فاستورد كولومب رخام جنوا، وحفر عليها صوراً لا تزال عابسة جامدة بمسحة قوطية واضحة، لكنها وضعت في أطر زاخرة بالزينة الكلاسيكية. لقد نقش لقصر جايون، نقشاً بارزاً مرتفعاً يمثل "القديس جورج والتنين"-في صورة فارس لا حياة فيه على صهوة جواد ناشط خفيف الحركة، وهما محاطان بأعمدة وأفاريز ورفرف في تصميم عصر النهضة. وبدأ في "عذراء العمود" المنقوشة على الحجر، لكنيسة سانت جالمييه، وأن كولومب حقق الوداعة الكاملة التي يتسم بها الأسلوب الإيطالي في بساطة الملامح ولطفها، وفي الخطوط الناعمة للشعر المرجل. وربما

كان كولومب هو الذي نقر، في شيخوخته "المدفن الشرقي" (1496) في سرداب كنيسة سولزمس .
وتأثرت فرنسا في التصوير بالأراضي الواطئة، كما تأثرت بإيطاليا فقد بدأ نيكولاس فرومنت بواقعية هواندية في صورته "بعث لازارو"" ولكنه انتقل عام 1476 من أفنيون إلى ايكس آن بروفانس ورسم لرينيه صاحب انجو الصور ثلاثية الطيات "علـّيقة موسى"، وتظهر الصورة الرئيسية فبها، وهي العذراء على العرش، سمات إيطالية مهادها، وفي العذراء السمراء، وموسى المهيب، والمـَلَك الفاتن، وكلب الصيد المتحفز والأغنام المخلصين، وهنا أحرزت إيطاليا انتصاراً كاملاً. وطبع تطور مماثل في الأسلوب أعمال "أستاذ مولان"، ولعله جان بريال. فلقد ذهب إلى إيطاليا مع شارل الثامن ثم مع لويس الثاني عشر، فرجع ومعه نصف فنون عصر النهضة في سجل مؤهلاته- فكان رسام منمنمات ونقوش جدارية ومصور أشخاص ومثالاً ومعمارياً. وصمم في نانت- ونقش كولومب على الحجر- المقبرة الرائعة لفرنسيس الثاني دوق بريتاني، وخلد في مولانذكر أوليئه آن وبيير البيجومي، مع الرسوم الجميلة للأشخاص التي توجد الآن في اللوفر.
ولم تحتفظ الفنون الصغيرة بالامتياز الذي كان لها في القرون الوسطى المتأخرة. فقد تحول المزخرفون الفلمنكيون، منذ زمن طويل إلى الموضوعات الدنيوية والمناظر الأرضية. وتمثل منمنمات جان بورديشون في "صلوات آن أميرة بريتاني" (1508) العودة إلى البساطة والتقوى اللتين تتسم بهما القرون الوسطى مثل الأساطير المحببة عن العذراء وطفلها، ومأساة جلجوثا وانتصار القديسين، والرسم رديء والمهاد كلاسية واللون قوي صاف، كل هذا في جو هادئ من التأنق والشعور النسويين. واتخذ الزجاج الملون
في هذا العصر-وقد يكون ذلك على سبيل المقابلة- واقعية فلمينكية عند النظرة الأولى لا تلائم النوافذ التي تدخل الضوء الساطع على أرضية الكاتدرائيات، ومع ذلك فإن الزجاج الذي نقش في هذا العصر لاوخ وروين وبوفيه، فيه آثار من روعة القرن الثالث عشر. وأعادت ليموج إشعال أفرانها، التي خمدت طوال قرن كامل، ونافست إيطاليا والبلاد الإسلامية، في طلاء الأواني بالميناء الصافية. ولم يفقد الحفارون على الخشب حذقهم، وذهب رسكين إلى أن مواضع الممثلين في كاتدرائية أمين هي خير ما في فرنسا بأسرها، وأثارت السجاجيد الملونة التي يعود تاريخها إلى نهاية القرن الخامس عشر، انتباه جورج صاند في قصر بريساك (1847)، وأصبحت ذخيرة متحف كلوني في باريس، وفي متحف جوبلنز سجاجيد رائعة (حوالي 1500) تصور موسيقيين يعزفون في حديقة أزهار السوسن.
وكان القرن الخامس عشر مجدباً بصورة عامة في الفن الفرنسي باستثناء عمارة القصور. فلقد حرثت أقدام الجنود الأراضي وأخصبتها بدماء الحروب، ولكن ختام هذه المرحلة، هو الذي شاهد رجال عندهم الوسائل والفراغ نثروا البذور التي استطاع فرنسيس الأول أن يجني ثمارها. فإن صورة فوكيه لنفسه إنما تنم على عصر خنوع وبأس، وتعكس منمنمات تلميذه بورديشون، السلام العائلي في الزواج الثاني للويس الثاني عشر، والطمأنينة المبتسمة للأرض المسترجعة. فقد تجاوزت فرنسا أسوأ عهودها، ويوشك أحسنها أن يجيء.



4-فرانسوا فيون


1431-1480


ومهما يكن من شيء، فإن هذا القرن من الصراع والفوضى قد أفزع، شاعراً فحلاً ومؤرخاً كبيراً. وكانت إحدى النتائج الطبيعية للاقتصاد القومي والحكومة مركزية، أن استعمل الأدب الفرنسي لغة باريس، أياً كان





موطن المؤلف: برجنديا أو بريتاني أو بروفانس. وكأنما أثرها فيليب دي كومين على اللاتينية، ليثبت أن الفرنسيين قد نضجوا، وسجل بها مذكراته. وا"تعار لقبه من كومين في فلاندر"، حيث ولد. وهو من أ"رة ممتازة، لأن الدوق فيليب الخامس كان اشبينه، ونشأ في البلاط البرجندي، ولما بلغ السابعة عشر (1564) كان بين موظفي كونت شاروليه. حتى إذا أصبح الكونت، شارل الجسور، وأسر لويس الحادي عشر في بيرون، لم يرضَ كومين عن سلوك الدوق، ولعله تنبأ بسقوطه، فتحول راشداً إلى خدمة الملك. فجعله لويس حاجباً له وأسبغ عليه الإقطاعيات، وأرسله شارل الثاني في وفادات دبلوماسية هامة. وأنشأ كومين في الوقت نفسه أثرين كلاسيين من الأدب التاريخي: أحدهما مذكرات وتاريخ الملك لويس الحادي عشر، وثانيهما تاريخ الملك شارل الثامن-وهما سرد نثري بلغة فرنسية واضحة بسيطة كتبهما رجل عرك الدنيا وشارك في الأحداث التي وصفها.
وهذان الكتابان شاهدان على الثروة غير العادية الأدب الفرنسي في المذكرات. ولهما أخطاؤهما: فالحرب تكاد تستغرقهما وليس فيهما من الطرافة والحياة ما في فرواسار أو فيلاارودين أو جوانفيل، وفيهما كثير جداً من عبارات حمد الله والثناء عليه، ذلك عند الإعجاب بسياسة لويس الحادي عش الغاشمة. وكثيراً ما ينقطع عن السرد ويتعثر في سقطات من اللغو. وعلى الرغم من هذا كله فإن كومين هو أول مؤرخ فلسفي: فهو يبحث عن العلاقة بين العلة والمعلول، ويحلل الشخصيات والحوافز والمزاعم ويحكم على الأخلاق حكماً موضوعياً ويدرس الأحداث والوثائق الأصلية ليوضح طبيعة الإنسان والدولة. ولقد سبق بهذه الملاحظات ميكافلي وجويكشيارديني في تقديره المتشائم للإنسانية في قوله: "لا الفعل الفطري، ولا معرفتنا، ولا حبنا لجارنا ولا شيء آخر غير هذا، يكفي دائماً لأن يمنعنا من استعمال العنف بعضنا مع بعض أو يحول بيننا وبين الاحتفاظ


بما كان معنا. أو يصرفنا عن اغتصاب أملاك الآخرين بكل الوسائل الممكنة.. والأشرار يصبحون أكثر شراً على معرفتهم، أما الأخيار فيزداد صلاحهم إلى أقصى حد".
وكان عنده، مثل مكيافلي، أمل في أن كتابه يعلم الأمراء الحيلة أو حيلتين قال:
" ولعل السفلة لا يزعجون أنفسهم بقراءة هذه المذكرات، أما الأمراء... فقد يقبلون عليها، ويجدون بعض المعارف التي تكافئهم على متاعبهم... لأنه على الرغم من أن الأعداء والأمراء ليسوا دائماً سواء، فإن، أعمالهم واحدة في العادة، ومن المفيد دائماً أن تخبر عما مضى.. فإن من أعظم الوسائل التي تجعل الإنسان حكيماً، أن يدرس التواريخ.. وأن يتعلم كيف يحدد ويلائم بين أحاديثنا وأعمالنا وبين النموذج والمثال اللذين كان عليهما أسلافنا. وما حياتنا إلا فترة قصيرة، غير كافية لتمدنا بالتجربة عن أشياء جد كثيرة".
واتفق شارل الخامس، أحكم الحكام المسيحيين في عصره، مع ديكومين ووصف "المذكرات" بأنها كتاب صلواته.
وفضل الجمهور القصص الخيالي والمسرحيات الهزلية والهجائيات وفي عام 1508 ظهرت النسخة الفرنسية من "أماديس دي جول" واستمرت حوالي عشر فرق تعرض مسرحيات الخوارق والأخلاقيات والهزليات والمساخر وهي حماقات تسخر من كل إنسان حتى القسس والملوك. وكان بيير جرنجور من أساتذة هذا الفن يكتب ويمثل هذه المساخر بحماسة ونجاح طوال جيل كامل. وأقدم مسرحية هزلية في الأدب الفرنسي هي "السيد بيير باتيلان، ولقد مثلت أول مرة حوالي عام 1464 كما مثلت بعد ذلك بأمد طويل عام 1872.وباتيلان محام فقير يتلهف على القضايا. وهو يلح على بائع صوف أن يبيعه ستة أذرع من الثياب ويدعوه إلى الغداء 

معه في ذلك المساء ليتسم الثمن. فلما جاء التاجر، كان باتيلان في فراشه يئن من حمى مزعومة. ويصرح أنه لا يعرف شيئاً عن أذرع الثياب والغذاء. فينصرف التاجر مشمئزاً، فيلعن راعي أغنامه، ويتهمه بالتصرف سراً في بعض الخراف، ويجره أمام القاضي. وهنا يبحث الراعي عن محامٍ زهيد الأجر فبعثر على باتيلان، الذي دربه على أن يمثل دور الأبله وأن يجيب على جميع الأسيئلة بثغاء "الشاه" باء، وتحير القاضي من هذا الثغاء وارتبك من خلط التاجر في شكواه بين الراعي والمحامي، فأعطى فرنسا كلمة مأثورة تدعو فيها كل فريق وهي "فلنعد إلى هذه الأغنام" ولما يئس من الحصول على دليل منطقي في هذه الضجة، رفض القضية وطالب باثيلان المنتصر بأجره ولكن الراعي أجابه بثغاء الشاة "با"، ومكر الأبله بالمحتال البارع. وتتكشف لبقصة بكل ما في الروح الغالية من مهاترة. ولعل رابيليه قد ذكر باتيلان عندما فكر في بانورج، وموليير قد تقمص جرنجور والمؤلف المجهول لهذه المسرحية.
والشخصية التي لا تنسى في الأدب الفرنسي في القرن الخامس عشر هي شخصية فرانسوا فيون. فلقد كذب وسرق وغش وارتكب الفاحشة وقتل، مثله في ذلك مثل ملوك عصره ونبلائه، ولكنه كان أكثر تعقلاً. وبلغ الفقر منه مبلغاً جعله لا يملك حتى اسمه. ولقد ولد فرنسوا دي مونتكوربييه (1431) ونشأ في غمرات الطاعون والبؤس بباريس، وتبناه قسيس طيب اسمه جويوم دي فيون، فأخذ فرانسوا لقب هذا "الكفيل" فلطخه بالعار وأسبغ عليه الخلود في وقت واحد، وصبر جويوم على فرار الصبي من المدرسة وعبثه ودفع له نفقات تعليمه في الجامعة، واستراح في زهو عندما حصل فرنسوا على درجة ماجستير في الآداب (1452)، وزوده بالطعام والمسكن في أروقة كنيسة سانت بنوا ثلاث سنوات بعد ذلك منتظراً أن يبلغ الأستاذ مرحلة النضج.



وليس من شك في تحول فرنسوا من التقوى إلى الشعر ومن علوم الدين إلى السرقة قد أحزن جويوم وأم فيون وكانت باريس تزخر بالخلعاء والبغايا والدجالين والنشالين والشحاذين وحماة العاهرات والقوادين والسكارى، فما كان من الشاب المستهتر إلا أن اتخذ له أصدقاء في كل طائفة، وعمل ديوثاً فترة من الزمان. ولعله حصل من الدين فوق ما يطيق، ولم يسغ الحياة في الدير، فمن العسر بوجه خاص أن يستجيب ابن رجل الدين للوصايا العشر. وفي الخامس من يونيه عام 1455 بدأ "قسيس يدعى فيليب شرموي، العراك مع فرنسوا (كما يقول بنفسه)، وقطع شفته بمدية، فما كان من فيون إلا أن أصابه بجرح عميق في فخذه، ولم يمضِ أسبوع حتى كان فيليب قد أسلم الروح وأصبح بطلاً بين رفاقه، وخارجاً على القانون يطارده الشرطة، ففر الشاعر من باريس، وظل حوالي سنة مختفياً في الريف.
وعاد هزيلاً شاحباً، جامد الملامح وخشن البشرة، ساهر العين حذر الشرطة، يحطم الأقفال حيناً والجيوب أحياناً، يستشعر الجوع إلى الطعام والحب. وأصبح عاشقاً لصبيه بورجوازية، احتملته حتى تجد فارساً أخيراً منه، يتغلب عليه، فزاد حبه لها، ولكنه سجل ذكراه بعد ذلك بأنها "سيدتي ذات الأنف الأعوج". وأنشأ حوالي ذلك الوقت (1456) "العهد الصغير"، وهو أقصر وصاياه، الشعرية فقد كان عليه أن يفي بديون كثيرة وأن يصلح أخطاء كثيرة أيضاً، ولا يستطيع أن يتنبأ متى يختم حياته على حبل مشنقة. وهو يهجو عشيقته على قلة لحمها، ويبعث بجوربه الطويل إلى روبرت فاليه، "لكي يلبس خليلته رداء أكثر احتشاماً"، وأوصى لبرنيه مارشان "بثلاث حزم من القش أو العشب الجاف، ليضعها فوق الأرض العارية لينام عليها، ويمارس لعبة الحب"، ويمنح حلاقه "أطراف شعري وقصاصاته"، ويترك قلبه، محزوناً شاحباً ميتاً لا إحساس فيه، إلى التي "أبعدت عينها عني". 

وبعد أن تجرد من كل هذه الثروة، وجد نفسه مفتقراً إلى الخبز واشترك ليلة عيد الميلاد عام 1460 مع ثلاثة آخرين في السطو على كلية نافار، وسرقت العصابة حوالي خمسمائة كراون. ولما اطمأن فرنسوا إلى نصيبه الكبير من هذه المغامرة استأنف إقامته في الريف. واختفى عن نظر التاريخ عاماً واحداً، ثم نجده في شتاء عام 1457 بين الشعراء الذين أكرم وفادتهم، شارل صاحب أورليان، في بلوا... وأسهم فيون في مباراة شعرية هناك، ولا بد أنه قد أمتع، لأن شارل أبقاه ضيفاً عليه أسابيع، وأفعم كيس الشاب الخاوي بالمال ، ثم حدثت بينهما مشادة أو مشاجرة قضت على صداقتهما، وعاد فرانسوا إلى عرض الطريق، ينظم قصيدة اعتذار. وتجول جنوباً إلى بورجس، واستبدل بقصيدة هدية من الدوق جون الثاني أمير بوربون، وطوف حتى بلغ روسلون. ونحن نتصوره من شعره، رجلاً يعيش على الهبات وتاديون، على الفاكهة والجوز والدجاج يلتقطها من المزارع على طوال الطريق، يتحدث إلى الفتيات الريفيات وبنات الهوى في الحانات. مغنياً أو مصفراً على الطريق الكبيرة، يراوغ الشرطة في المدن. ثم لا نقع له على أثر مرة أخرى، وإذا به يظهر فجأة بأحد السجون في أورليان (1460) وقد حكم عليه بالإعدام.
ولسنا نعرف ما الذي أوصله إلى هذا المصير، وكل ما نعرفه أن ماري أميرة أورليان ابنة الدوق الشاعر، دخلت في يولية من هذا العام المدينة رسمياً، وأن شارل احتفل بهذه المناسبة بأن أعلن عفواً عاماً عن المسجونين. فانتقل فيون من الموت إلى الحياة في نشوة من الفرح. وسرعان ما استبد به الجوع فعاد إلى السرقة، فقبض عليه وحوسب على فراره المتنكر قبل ذلك- وزج به في سجن ينفذ منه المطر في قرية مونج- سير- لوار بالقرب من أورليان. وعاش هناك شهوراً مع الجرذان والضفادع يعض على شفتهِ الممزقة، ويقسم ليثأر من عالم يعاقب اللصوص ويترك الشعراء يموتون 


جوعاً. ولم يكن العالم كله قاسياً. فقد أصدر لويس الحادي عشر، وهو يمر في أورليان، عفواً عاماً آخر. وأختير فيون أنه أصبح حراً، فرقص على حصير السجن الفاند انجو . واندفع إلى باريس أو قريباً منها ونظم إذ ذاك وهو عجوز أصلع مفلس في الثلاثين. أعظم قصائده، التي أسماها ببساطة "الأناشيد"، وأطلق أعقابه عليها، وقد ودجدوا الكثير منها يصاغ مرة أخرى في صورة وصايا تهكمية با"م "العهد الكبير" (1461-1462).
وهو يهب نظارته إلى المستشفى للمكفوفين المعوزين حتى يميزوا "إن استطاعوا" الطيب من الخبيث والعظيم من الوضيع، بين العظام في مدافن الأبرياء. وسرعان ما استولت عليه إبان حياته فكرة الموت. فتفجع على زوال الجمال وتغنى بأنشودة جميلات الأمس:
قل لي أين، وفي أي أرض للظلال،

تقيم فلورا الجميلة من روما، وأين

تاييس وارشيبياد،

بنتا العم بجمالهما النادر

والصدى، وجماله الخارق

وهو الذي كلما ناداه المرء عند تدفق نهره

أو سار، أجاب من خارج الأرض؟

وماذا صار إليه جليد العام الماضي؟

وهو يرى خطيئة الطبيعة التي لا تغتفر، أن تفتننا بالمحبة ثم تذيبها بين أذرعنا. وأشد قصائد مرارة "مرثية الجميلة صانعة الخوذات":
أين ذلك الجبين الواضح البلوري؟

والحاجبان المقوسان والشعر الذهبي؟




العينان البراقتان، أين هذا الآن،

وقد فتن أحكم الحكماء؟

الأنف الصغير المستقيم الجميل،

والأذن الصغيرة الرقيقة البديعة،

أين الذقن الذي له طابع الحسن، وأين

والشفتان المضمومتان الحمراوان الواضحتان؟

ويستمر الوصف من فتنة إلى فتنة، ولم يترك شيئاً، ثم تذوي كل واحدة منها صلاة مرددة حزينة...
وتغصن النهدان وانقشعا،

وانسحب الردفان كالنهدين

ولم يعد الفخذان فخذين،

لقد ذبلت جميعاً كما ذبلت العضلات

ومن العجيب أنها تعني هنا المنبار المحشو، وهكذا لم يعد فيون يعشق الحب أو الحياة، فيوصي بجمسه إلى التراب:
إنني أهب جسمي، أيضاً

إلى الأرض، جدتنا

وستجد الديدان فيه مع ذلك غنيمة صغيرة؟

فقد أنهكه الجوع أعواماً طوالاً.

ويترك كتبه إلى أبيه الذي تبناه معترفاً بجميلهِ، وهدية وداعه لأمه العجوز، أنشودة متواضعة ينظمها للعذراء. وهو يطلب الرحمة للجميع إلا الذين زجوا به في السجن: الرهبان والراهبات والمهرجين والمغنين والحشم والشجعان، "أيها الماجنون الذين يبرزون كل مفاتنهم.. أيها المشاغبون والمحتالون والبهلوانات المرحة، والمهرجون يعرضون قردهم، وينشرون سجاجيدهم... الطيبون البسطاء الأحياء منهم والأموات-إنني أدعوا بالرحمة الشاملة، لكل فرد منكم وللجميع". وهكذا.. 


وهنا ختام عهد فيون (الكبير والصغير معاً).

ختام عهد فيون المسكين.. فعندما يطويه الموت،

أناشدكم أن تحضروا جنازته،

عندما يصلصل الجرس فوق الرؤوس..

أيها الأمير، الرقيق كصقر محول،

اسمع ما صنعه مع آخر زفراته،

لقد احتسى رشفة طويلة من رحيق النبيذ الأحمر،

عندما شعر باقتراب منيته.

وعلى الرغم من هذه الوصايا وتحيات الوداع، فإنه لا يستطيع أن يفرغ كأس الحياة متعجلاً. وفي عام 1462 عاد إلى جويوم دي فيون وأروقة الدين، وابتهجت به أمه. ولكن القانون لم يغفل عنه. وطلبت كلية نافار أن يقبض عليه، ووافقت على إخلاء سبيله يشرط أن يدفع نصيبه من السرقة، منذ ست سنوات-أي أن يدفع أربعين كراون سنوياً لمدة ثلاث سنوات. وكان سيئ الطالع في ليلة إخلاء سبيله. لوجوده مع اثنين من رفاقه المجرمين القدامى، عندما دفعهم السكر إلى شغب طعن فيه أحد القساوسة. ويبدو أن فيون كان لا مؤاخذة عليه في هذا الأمر، فانسحب إلى غرفته، وصلى ينشد الطمأنينة، ومع ذلك فقد فبض عليه مرة أخرى، فعذب بصب الماء في حلقه حتى كاد ينفجر، ومما أدهشه أن يحكم عليه بالإعدام شنقاً. ولبث في سجن ضيق، أسابيع، بين اليأس والرجاء وتوقع الموت لنفسه ولصاحبيه فأنشأ وداعاً مؤثراً للعالم:
أيها الناس، أيها الاخوة الذين يعيشون بعدنا،

لا تجعلوا قلوبكم جد قاسية علينا،

فإنكم إن منحتمونا نحن المساكين بعض حسراتكم،

فإن الله سرعان ما يأخذ عنكم هذه الحسرات.





نحن هنا خمسة أو ستة معلقون، كما ترون،

وهنا اللحم، الذي كان كله حسن الغذاء،

مأكولاً متعفناً قطعته بعد، مقطعاً ممزقاً،

ونحن العظام نصير مع الجمع إلى تراب ورماد،

لا تدعوا أحداً يضحك علينا نحن الأشقياء،

بل ادعوا إلى الله أن يغفر لنا جميعاً..

لقد غمرنا المطر وغسلنا نحن الخمسة جميعاً،

وجففتنا الشمس وأحرقتنا، نعم، هلكنا،

فالغربان والجوارح بمناقيرها التي تشوه وتمزق،

قد سلمت أعيننا، وانتزعت لحانا وحواجبنا

أجراً لها، لن نكون أحراراً أبداً،

ولا مرة واحدة، لنستريح، وإنما تتعجلنا هنا وهناك

وتستاقنا بإرادتها الغشوم الرياح المتقلبة،

وتنقرنا الطيور أكثر مما تنقر الفاكهة على أسوار البساتين،

أيها الناس، أقسم عليكم بحب الله، ألا تدعوا كلمة سخر تقال هنا،

ولكن ادعوا الله أن يغفر لنا جميعاً.

وكان لا يزال عنده بصيص من الأمل، فألح فيون على سجانه أن يحمل رسالة إلى أبيه الذي تبناه، ليحمل إلى محكمة البرلمان استئنافاً لحكم واضح الظلم. وتدخل جويوم دي فيون من أجل الشاعر مرة أخرى، وهو الذي يستطيع أن يغفر للناس مرات ومرات، فلا بد أن تكون للشاعر بعض الفضائل تشجع على حبه. وفي الثالث من يناير عام 1463، نطقت المحكمة بحكمها وأمرت بالآتي: .. يلغى الحكم السابق، وبعد أن وضعت





 

في الاعتبار سوء خلق فيون المذكور-ينفى عشر سنوات من المدينة.. وكونتية وباريس. فشكر فرانسوا المحكمة في نشيد مرح، والتمس مهلة ثلاثة أيام "للإعداد لرحلتي ووداع قومي". فسمح له بذلك، وأغلب الظن أنه رأى أباه وأمه للمرة الأخيرة. وجمع أمتعته، وأخذ زجاجة النبيذ وكيس النقود اللذين أعطاهما إياه جويوم الطيب، وتلقى بركاته وخرج من باريس ومن التاريخ. ولم نعد نسمع عنه شيئاً بعد ذلك.

كان لصاً، ولكنه كان لصاً مطرباً، والعالم في حاجة إلى الطرب. وكان يستطيع أن يكون فظاً مريراً كما في أنشودة "ماجو البدينة" ورمى النساء اللائى لا يستجبن لرغباته بالأوصاف المفحشة، وكان يتجاوز الحد في تصريحه بتفاصيل الجسم الإنساني. ونحن نستطيع أن نغتفر هذا كله من أجل الآثام التي اقترفت في مقابل آثامه، والرقة المنبعثة من روحه دائماً، الموسيقى الشجية في شعره. ولقد دفع عقوبة ما كان عليه، وخلف لنا المثوبة فقط.