الثلاثاء، 31 يوليو 2012

حبك دَيني بقلم : محمد خطاب




لان الحب دَينٌ  علي
فقد استوفيت ديني
و عشت طيفا علي شفتيك
وبت ليل نهار ارتشف عذب ابتسامك
تأخذني خطواتك لمرافئ قلبك
أضيع بين بينك
اسقط صريع خطواتك الرشيقة
طفلا عاجز عن البين
ملاك الغائب
ابحث عنك بين الوهاد
طائرٌ مثل السندباد
عابثا بين العباد
لا تنام عيني
و كل العيون تنام




خواطر حول مأزق السندباد مرسي بقلم : محمد خطاب




ربما يخدمك التاريخ و يدفع بك لمقدمة المشهد في بلادك كبطل قادم يحمل أمانة أمة و أحلامها وطموحها ، و تستقر فوق كرسي ملغوم غير آبه للأخطار تفتح جاكت بدلتك لتري أنصارك أنك بلا قميص واقي ، و أنهم هم درعك و مطرقتك عند اللزوم ..  لكن في داخلك ترتعد فرائصك  ، و أنت تري سجانك بالأمس وزائر الفجر هو حارسك الأمين ، و مُشرعك ، و مصدر معلوماتك الأمنية والاقتصادية و السياسية وهم من يحملون إليك نبض الشارع . أي انك رويدا رويدا ترتدي نظارة قديمة أدمنت منظومة فاسدة ، لتري مستقبل جديد خالي ممن طاردوك وسحلوك وسجنوا أحلام جماعتك وأعاقوا نموها ، مرحلة انتقالية غاية في الخطورة تقود دولة بنصف شرعية و بفارق ضئيل عن ممثل الماضي وما يمثله ذلك من ضغط نفسي بأنك أمام شعب لا يرغبك تماما ، أنت في قصر الاتحادية معزول وسط مشاكل أمة لا تنتهي  ، و أخطار إقليمية غير محدودة ، و اقتصاد أعرج ، و صناعة هشة ، و عملة ضعيفة ، وحاجز نفسي بينك وبين الليبرالي و العلماني و الثوري و المسيحي .. كلهم يخشون أن تكون قفاز جماعة الإخوان المسلمين وانك مجرد بداية لمشروع كبير بالسيطرة علي مقدرات البلاد . كيف تتجاوز كل تلك الصعاب و أنت مجرد بشر من لم ودم وكل أفعالك مرصودة وأنفاسك معدودة ودقات قلبك محسوبة ، تركة ثقيلة تحتاج لمشروع حقيقي للمصالحة يطمئن الجميع وتكتسب ثقتهم حتى تسير بالبلاد إلي الأمام دون أن تهتز الدفة بين يديك فتغرق وتغرق البلاد .



الجمعة، 13 يوليو 2012

إنشاء حضارة جديدة سياسة الموجة الثالثة / الفين وهيدي توفلر ترجمة: حافظ الجمالي ج3


الفصل السابع
تجابه الموكَّلين
إن قائمة المشكلات التي تجابه مجتمعنا، لا نهاية لها، ونحن نعاني من التفسخ الأخلاقي لحضارة صناعية، شبه ميتة، نرى فيها المؤسسات تنهار واحدة بعد أخرى، بسبب قلة النجع والفساد المتشابكين تشابكاً عنيفاً. وهكذا فإن الجو العام يميل إلى الجفاف والمطالبة بتغييرات سياسية. وكان لدينا ردّاً على كل هذا البؤس، آلاف من الاقتراحات التي تحسب كلها أنها"أساسية"، بل وثورية أيضاً. ولكن يبقى أولاً وأخيراً أن القواعد، والقوانين، والتنظيمات الجديدة، والخطط والممارسات المقدر أنها ستحل مشاكلنا -تحمل في طياتها، باستمرار، آثار ردود الفعل المتبادلة، ولا تؤدّي إلا إلى زيادة خطورة الأوضاع، فضلاً عن أنها تغذي الشعور بالعجز، وتقدم الانطباع بأنه ما من شيء سليم في حياتنا. وما لم نبرهن على أن لدينا الشجاعة والخيال الكافيين، فإننا نغامر بأن نقبل بدورنا، أن نوضع في قمامة التاريخ.
وتقدم وسائل إعلامنا الحياة السياسية الأمريكية، كما لو أنها معركة دائمة بين سَيّافي( ) حزبين سياسيين، غير أن الأمريكيين يصبحون أكثر فأكثر انزعاجاً، يعضّهم الإرهاق بأنيابه، ويتضايقون من الصحافة والساسة معاً. أما السياسة المنحازة، فإنها تبدو لأكثرية الناس مسرح ظلال غير نزيه، ومكلفاً، ومفعما بالفساد. بل إن هؤلاء الأمريكيين يتساءلون أكثر فأكثر: أحقاً يملك اسم الظافر أهميةً ما، مهما تكن قليلة؟.(*) 
والجواب عندنا هو: بلى، ولكن لا للأسباب التي تقال لنا، ففي عام 1980، كنا نكتب في الموجة الثالثة، ما يلي:
"إن الحادث السياسي الأكبر في زمننا، هو دخول جيشين كبيرين في معركة: أما الأول فهو يدافع عن حضارة: الموجة الثانية، وأما الثاني فهو الذي يزداد قوة، كما لو أنه بطل الموجة الثالثة. ويتمسك الأول بعناد بحماية المؤسسات المتصلة بقاعدة المجتمع الصناعي المهتم بالإنتاج الكثيف- أي الأسرة النووية، والتعليم الجماهيري، والدولة- الأمة الممركزة، وصيغة للحكم تعتمد على ما يشبه التمثيل الشعبي والنقابات الجماهيرية. وأما الثاني فإنه يرى أن المشكلات الكبيرة الأهمية المطروحة على عالم اليوم، بدءاً من مشكلة الطاقة، والحرب، والفقر، حتى مشكلة انحطاط البيئة، وانحلال الروابط العائلية، لا تستطيع أن نجد حلاً في إطار حضارة، من النموذج الصناعي.
لكن الحدود بين هذين المعسكرين ما تزال غامضة ومائعة. ولكلٍ منا، نحن جميعاً، رجل هنا، ورجل هناك.. أما المنازعات فتبدو غامضة، دونما علاقةٍ بينهما(أو بينها). وأكثر من ذلك أن هذين المعسكرين يتألفان كلاهما من جماعات عديدة تبحث عن إرواء مآربها، الأنانية الشديدة الضيق، من غير رؤية للكل. ومن جهة أخرى، ما من واحد من المعسكرين يملك التفرد بالفضيلة، والأخلاق. وهناك أناس شرفاء في الجانبين. بيد أن الخلافات بين هاتين المنظومتين السياسيتين والكامنة وراء السطوح، تظل كبيرة.
مؤامرات، من أجل الماضي
ولئن كان الجمهور العام، لا يزال، حتى اليوم، غافلاً عن الأهمية الحاسمة لهذا الفصل بين الطرفين، فذلك لأن الصحافة تقضي قسماً كبيراً من الوقت، في ترديد صدى المألوف السياسي المعتاد، أي الصراع بين طرفي الموجة الثانية اللذين يتنازعان رفات النظام القديم، ولكن هذه الجماعات، على الرغم من اختلافاتها، تسرع أو تستعجل في إقامة السدود أمام مبادرات الموجة الثالثة.
ولهذا حدث ما نعرفه عام 1984( )، عندما رشح غاري هارت Gary Hart نفسه عن الحزب الديمقراطي، وكسب الانتخابات الأولية في نيوها مشير New Hamqshire،  بإعرابه عن تمنياته بقيام "تفكير جديد" . لكن زعماء للموجة الثانية القدماء، داخل الحزب الديمقراطي، جمعوا قواهم لقطع الطريق عليه وتزعيم Walter Mondale، البطل الموثوق والصلب ضد الموجة الثانية..


ولهذا السبب أيضاً تعاون حديثاً النادريون Naderiens، نادريو الموجة الثانية ضد الـ Alena، مع البوكانيان Buchaniens، بوشانيي الموجة الثانية.( )
ولهذا السبب أيضاً لوحظ أنه عندما وضع الكونغرس، قانوناً حول البنى التحتية" عام 1991، وظف فيه 150 مليار دولار للطرق، والطرق الكبيرة (الأوتوسترادات) والجسور، وإزالة الحفر - ضامناً بذلك أرباحاً كبيرة لـ شركات الموجة الثانية،و للاستخدامات في نقابات الموجة الثانية. وفي الوقت نفسه، خُصص المبلغ التافه، مبلغ المليار دولار لإقامة أوتوسترادات الإعلام المشهورة ( Reseau )ومهما تكن الطرق والأتوسترادات ضرورية، فإنها على كل حال، تظل جزءاً من البنية التحتية للموجة الثانية، على حين أن الشبكات الإصبعية Reseauxdigitaux ( )، تقع في قلب الموجة الثالثة. وليست المشكلة، في هذه المناسبة، أن نعرف ما إذا كان على السلطات العامة أن تساعد أو لا تساعد الشبكة الإصبعية، بل المشكلة هي اتصالها بعدم التوازن بين قوى الموجتين الثانية والثالثة في واشنطن.
وبسبب عدم التوازن هذا، لم ينجح نائب ريئس الجمهورية آل غور Gore- الذي كان له موطئ قدم في الموجة الثالثة- على الرغم مما بذله من جهد- في إعادة خلق الحكومة التي تتمتع بالروح التي تقتضيها الموجة الثالثة. وفي الحين الذي كانت فيه الشركات- بضغط من المزاحمة- تحاول يائسة أن تفكك بيروقراطياتها، واختراع أشكال جديدة للإدارة، خاصة بالموجة الثالثة، فإن الإدارات، المشلولة بنقابات موظفي الموجة الثانية، ظلت -إلى حد كبير- في المؤخرة: والخلاصة، إنها إذ ترفض أي إعادة لانبساط، وأي إعادة اختراع، نراها تحتفظ ببناها المعروفة في عهد الموجة الثانية.
هذا وإن نخب الموجة الثانية تناضل وتحارب بغية الاحتفاظ بماضٍ تجاوزه الزمن، بحكم أنها تحصل الآن على ثرواتها وسلطاتها، عن طريق تطبيق مبادئ الموجة الثانية. أما الأخذ بصورة حياةٍ جديدةٍ، فإنه قد يضع موضع البحث هذه الثروة وهذه السلطة. لكن النخب ليست وحيدة في هذا المجال. ذلك أن ملايين من الامريكيين الفقراء أو من الطبقة المتوسطة، تقاوم هي أيضاً هذا الانتقال إلى الموجة الثالثة، لأنها تخشى -وكثيراً ما تكون في هذا على حق- أن تبقى في المؤخرة، وأن تفقد استخداماتها، و الانحدار بعض الشيء عن مستواها الاقتصادي والاجتماعي..
وإذا شئنا أن نفهم قوة العطالة، لدى كتائب الموجة الثانية في أمريكا، فإن علينا أن ننظر إلى ماوراء الصناعات القائمة على الجهد الجسدي. بل علينا أن ننظر إلى ما هو أبعد من نقاباتها وعمالها. ذلك أن قطاع الموجة الثانية يتمتع بدعم الـ Wall Street ورجاله الذين يضمنون له حاجاته. وكذلك فإنه مدعوم به من قبل المثقفين والجامعيين، الذين كثيراً ما يتقاضون رواتب حقيقية، بلا عمل حقيقي. وكثيراً ما يتلقون منحاً من المؤسسات والتعاونيات النقابية. أو من اللوبيات التي يخدمونها.
أما عملهم فإنه يقوم على جمع المعطيات الملائمة لأهوائهم، وتنميق الحجج والشعارات الأيديولوجية الخاصة بالموجة الثانية: مثال ذلك أن يقال: إن الإدارات ذات الإتصالات الإعلامية الكثيفة، غير منتجة، وإن مستخدمي  هذا القطاع محكومون، بتقديم الهامبورغر لطالبيه، أو أن على الصناعة أن تعمل في إطار"الفبركة" (أي تظل دائماً دائرة، لتنتج إنتاجاً كثيفاً) وأمام هذا النوع من إقامة السدود، بصورة متصلة، فإنه ليسَ من المستغرب أن حزبينا السياسيين يعكسان فكر الموجة الثانية. ثم إن نظريات"النجع" التابعة لهذه الموجة، تكشف لنا  عن شرح استسلام الديمقراطيين استسلاماً شبيهاً بردّ الفعل" لحلول بيروقراطية متمركزة، لحل مشكلاتٍ، من نوع أزمة الضمان الاجتماعي. وعلى الرغم من أنه يوجد رجل سياسي، متفرد، مثل نائب رئيس الجمهورية، غور Gore- وهو نائب رئيس الـ Congressionnal  Clearing house on the future، سابقاً- الذي يعترف بأهمية التقانة المتقدمة، فإن الديمقراطيين يظلون شركاء في دعمهم للموجة الثانية، وشركاء إلى الدرجة التي يبقى فيها حزبهم، في كل ما هو شيء أساسي، مشلولاً أمام القرن الواحد والعشرين.
ومن هارت Hart، في الثمانينات، إلى Gore في التسعينات، نجد النواة الصلبة لوكلاء الحزب الديمقراطي، تمنع الحزب من السير على الطريق التي يشير إليها رؤساؤهم الأكثر بعد نظر.(أو الأكثر وعياً). وهكذا فإن الحزب يجد نفسه شبه فريسة لتصوره للواقع- أي واقع الياقات الزرقاء. وهذا النوع بين الإخفاق، لدى الديمقراطيين -العاجزين عن البروز كحزب  مستقل(كما كان من قبل)- هو الذي يترك الباب مفتوحاً جداً لأعدائه. ولما كان الجمهوريون أقل تجذّراً في الشمال الشرقي الصناعي القديم، فإن الفرصة متاحة لهم للاتسام بسماتهم، أي في الظهور كحزب الموجة الثالثة، على الرغم من أن رؤساءهم الأخيرين قد فوّتوا على أنفسهم هذه الفرصة.
وهكذا نجد الجمهوريين، يستسلمون، هم أيضاً، لما يشبه المنعكس الرضفي ( أو الشرطي) في كل خطاب يتصل بالموجة الثانية.
ولا شك أن الجمهوريين على حق في الدعوة إلى خلع الأنظمة القائمة الموروثة ، على مقياس واسع، وذلك لأن الشركات بحاجة لكل المرونة لمجابهة المزاحمة العالمية.. ولهؤلاء الجمهوريين كل الحق في الدعوة إلى تخصيص الخدمات العامة، ذلك أن الادارات التي تستفيد من"اللا مزاحمة" تؤدي واجباتها الإدارية بصورة سنية بدرجة كافية. وللجمهوريين أيضاً كل الحق في الدعوة إلى الإستفادة، إلى أعلى درجة ممكنة، من الدينامية والقدرة على الخلق، اللتين تجعلان اقتصادات السوق ممكنة. إلا أنهم يبقون هم أيضاً، أسرى النظرية الاقتصادية المعروفة في الموجة الثانية. وحتى أنصار اقتصاد السوق الذين يستند إليهم الجمهوريون، مثلاً"، لم يحسنوا التلائم مع الدور الجديد للمعرفة.
ثم إن الجمهوريين مايزالون أسرى بعض العمالقة الذين ينتسبون إلى ماضي الموجة الثانية، وهم مدينون لها بأنديتهم المهنية، ولوبياتهم(جمع لوبّي)، وبطاولاتهم المستديرة التي تعرف فيها السياسة.
وثالثة الأثافي، هي أن لديهم ميلاً إلى الغضّ من قيمة الانقلابات الاجتماعية الضخمة التي يمكن توقعها من أي تغيير له عمق الموجة الثالثة. مثال ذلك أننا في زمن تصبح فيه الكفاءات عديمة القيمة(أو فات أوانها)، بين يوم وآخر، وجماهير المستخدمين من أبناء الطبقة الوسطى، الذين قد يكونون ممتازين في تخصصاتهم، كل هؤلاء يمكن أن يفقدوا فجأة أعمالهم، ويصبحوا بلا عمل، يدل على ذلك وضع الباحثين والمهندسين الكاليفورنيين، المختصين بمشاكل الدفاع، وهذه حالة مبئسة جداً. و ليس اقتصاد السوق، واقتصاد النقطة بعد النقطة اللذان جُمّدا وتحولا إلى عقائد لاهوتية، بالجواب الكافي. وعلى كل حزب ينظر إلى المستقبل، أن يلفت الانتباه إلى المشكلات القادمة، وأن يضع تدابير وقائية، تحول دون الوقوع فيها. مثال ذلك، هذه الثورة الإعلامية(الصحفية، وما يجاورها من وسائل الإعلام) التي يمكن أن تقدم أرباحاً ضخمة للاقتصاد الناشئ من الثورة الإعلامية.. غير أن المشتريات التي تتم عن طريق الهاتف(أو الفاكس مثلاً). والخدمات الإلكترونية الأخرى، يمكن أن تقلل من عدد الدكاكين الصغيرة، في القطاع التقليدي للبيع بالمفرّق، الذي يتيح للشباب الضعفاء الإختصاص، أن يدخلوا في الحياة النشيطة(أو الفاعلة)..
ولكن يبقى اقتصاد السوق والديمقراطية، حيَّين، وعلى الرغم من التغييرات الضخمة، والاضطرابات القادمة، فإنه ينبغي على السياسة أن تكون بعيدة النظر، ووقائية أيضاً. بيد أن من الصعب أو من النكران للجميل، أن نطلب من أحزابنا السياسية أن تفكر فيما هو أبعد من الانتخابات القادمة.
والحزبان اللذان نملكهما، مشغولان بحقن الشوق في عروق وكلائهم. ومنذ بعض السنين، مثلاً، كان الديمقراطيون يتحدثون عن "إعادة التصنيع" أو عن إعادة بناء الصناعة الأمريكية، بأمَل أن تجد عظمتها التي عُرفت لها في الخمسينات(والحقيقة أنهم يتحدثون عن عودة مستحيلة إلى اقتصاد الإنتاج الكثيف). وفي الوقت نفسه، كان الجمهوريون الذين وقعوا فيما يشبه الصورة في المرآة(الصورة المرءآوية) يعظّمون الشوق، بخطاباتهم عن الثقافة والقيم، كما لو أنه يمكن إعادة الإتصال بقيم عام 1950 وأخلاقه -أي قبل ظهور التلفزيون العالمي(أو الكلي)، وقبل حبة منع الحمل، وقبل الطيران النفاث، وقبل الأقمار الصناعية، والحواسيب الفردية- من غير العودة، في الوقت نفسه، إلى المجتمع الصناعي ذي الإنتاج الكثيف الذي توسم به الموجة الثانية. وكان بعضهم يتحدث عن Rireer rouge، والآخرون يتحدثون عن أوزي وهارييت OZZIE et Harriette.
وكان الجناح الديني للحزب الجمهوري، يرى أن"الليبراليين" و"الإنسانيين" والديمقراطيين، هم المسؤولون عن تدهور الأخلاق. وهو لا يرى أن أزمة نظام القيم لدينا تكشف عن أزمة أعمّ لحضارة الموجةِ الثانية. وبدلاً من أن نتساءل كيف ندعو إلى أمريكا جديدة من طراز الموجة الثالثة، غنية الكرامة، والأخلاق، والديمقراطية، كان أكثر رؤسائها يكتفون بتحبيذ العودة إلى الماضي. وبدلاً من التساؤل، عن: كيف نبني مجتمعاً أخلاقياً، عادلاً، غير متكتل، كان الكثيرون يقدمون لنا الانطباع بأن ما يريدونه حقاً في الواقع هو إعادة تكتيل وزيادة حجم الولايات المتحدة remassifier.
ومع ذلك، فإن هناك فرقاً بين الحزبين. فعلى حين أن التواقين إلى الموجة الثانية، داخل حزب الديمقراطيين، مؤتلفون ومجتمعون في النواة الصلبة، نجد أنهم لا يؤلفون إلا هامشاً من"المثارين أو المتعصبين في الحزب الجمهوري. فإذا عَبرً هذا من قدرته على التجميع، وانفتح للتغيير، فإن المستقيل، يكون من، أو بسبب(العصبة المركزية) للحزب. 
وتلك هي(أو ذلك هو) النداء الذي حاول Newt Gingrich، رئيس مجموعة الجمهوريين في الكونغريس، أن يعلنه، بنجاح محدود، أو يوصله إلى حزبه، فإذا هو نجح، فإن الديمقراطيين يغامرون كل المغامرة، في التعلق بأهداب غبار الباحة السياسية.
وفي عام 1980 كان لي أتويتر Lee  ATWTER مستشاراً سياسياً مسموع الكلمة لدى الرئيس ريغان. ثم إنه، فيما بعد، صار رفيق الرئيسBush في ألعابه الرياضية، ومدير حملته الانتخابية. وبعد فترة قصيرة من انتخابات ريغان، وزّع نماذج من كتاب"الموجة الثالثة، على موظفي البيت الأبيض. ثم إنه اتصل بنا، وكان لنا في السنين التالية، محادثات منتظمة معه. وعندما كنا في آخر عشاء لنا يحضره هو، قلنا له: إن من المؤسف أن لا نجد لدى الديمقراطيين، رؤية إيجابية لأمريكة الموجة الثالثة. ورأى أتواتر أننا على حق، ولكنه فاجأنا بإضافة جميلة في الحديث، قال فيها"وحتى الجمهوريون لا يملكون ما تقول. " وأضاف شارحاً كلامه: إنه ما من حزب يملك صورة إيجابية عن المستقبل: "وهذا هو السبب في أن الحملة كانت سلبية إلى هذه الدرجة." لا ريب إذن أن قصر النظر في الجهتين يشعرنا بأن أمريكا قد افتقرت.
متنبئو الغد
مهما تكن أو تبدُ لنا قوى الموجة الثانية، فإن مستقبلها شديد القلق. وفي بداية العهد الصناعي، كانت قوى الموجة الأولى تسود المجتمع والحياة السياسية. وكانت النخب الريفية تبدو وكأنها ستظل تتحكم في الحياة العامة إلى الأبد. ولكن ذلك لم يكن صحيحاً... ولو أنها احتفظت بالسلطة، إذن لما كان للثورة الصناعية أن تغير صورة العالم.
إن العالم اليوم في طريقه إلى التغير. والأكثرية الساحقة من الأمريكيين، ليست مزارعين، ولا عمالاً، إلا أنهم يمارسون شكلاً أو آخر من أشكال العمل القائمة على المعرفة. وأهم الصناعات التي تتقدم في أمريكا بأكبر سرعة، هي الصناعات التي تملك الإعلام الأقوى. ولا يقتصر قطاع الموجة الثالثة على الإعلام المتقدم، أو الإليكترونيات أو البيوتكنولوجيات (أي الصناعات الإلكترونية. والتقانة الحيوية أو الحياتية). بل إنه، بفضل التصنيع المغمور بالمعلوماتية infonmatise. يصل إلى كل القطاعات، بما في ذلك من إدارات مثل المالية، وأنظمة الحواسيب، وصور اللهو، ووسائل الإعلام، والاتصالات المتقدمة والخدمات الطبية، والاستشارة، والتنشئة والتعليم، وبالجملة، كل النشاطات القائمة على العمل العقلي، أكثر مما هي قائمة على القوة العضلية. ولن يطول الأمر بشعب هذا القطاع، حتى يكون هو الفئة الناخبة، في الحياة السياسية الأمريكية.
وخلافاً "لجماهير" العصر الصناعي، نجد أن جماعة الموجة الثالثة، متنوعة جداً. وهي تتألف من أشخاص أو فرديات، تتميز باختلافها. بل إن اختلافها نفسه يعبّر عن نقص الوعي السياسي عندها. إنها أصعب على التوحيد من جماهير الأيام الخالية. 
وعلى هذا، فإنه يجب على جماعة الموجة الثالثة أن تشغّيل ما لديها من عقول مفكرة، وإنضاج إيديولوجية سياسية. إنها لما تتلق الدعم المنتظم للانتيليجانسيا في واشنطن،.فأنديتها ولوبياتها تظل جديدة نسبياً، وغير متسقة فيما بينها، ثم إن ما لدى وكلاتها من الأسلحة التشريعية، باستثناء نقطة واحدة هي الألينا Alena، حبت غلبت جماعة الموجة الثانية ضئيل / قليل.
ومع ذلك، فإن هناك قضايا مصيرية(حاسمة) يستطيع الناخبون(من جماعة الموجة الثالثة) الذين هم على وشك أن يصبحوا الأكثرية) أن يتفقوا عليها، بدءاً من التحرير: أي التحرر من مجموعة القواعد والأنظمة، والضرائب، والقوانين العائدة للمجموعة الثانية، التي أسست لمصلحة بارونات العهد الصناعي، وبيروقراطيية. ولما كانت قد وضعت في العهد الذي كانت فيه الموجة الثانية، تؤلف أو تشكل قلب الإقتصاد الأمريكي، فإنها -كتدابير- تعرقل اليوم تنامي الموجة الثالثة.
ولما كانت معايير الضرائب قد وُضعت بضغط من رجال المصالح الصناعية، مثلاً.. فإن مدة استهلاكها(المحسوب على أساس تغيير المصنع وأدواته بعمر ما أو زمن ما) تقتضي أن تكون المكنات والمنتجات، ذات حياة طويلة.. ولكن الأمر يختلف مع الصناعات المتقدمة التي تتجدد بسرعة، وخاصةً في الأنفورماتيك informatique. وحقاً فإن عمرها يقاس بالأشهر، بل وبالأسابيع.. وهكذا، فإن معيار الضريبة السابق يؤذي التقانة المتقدمة. ثم إن الاستنتاجات "المقبولة" حول نفقات"البحث" و"التنمية" تتحيّز للشركات الكبرى، التابعة للموجة الثانية، ضد الشركات الدينامية التي تشكل مركز الانطلاق للموجة الثالثة. والواقع أن الضريبة على ما لايحس به، ومالا يُشغل عمالاً كثيرين، ستكون متحيزة بالضرورة( ) عند ما يحسب عدد العمال، وعدد المكنات، بغض النظر عما فيها من حداثة، أو تقادم. ويبقى أخيراً أنه سيكون مستحيلاً أن تغيَّر هذه القواعد من غير أن تقوم معركة سياسية تحسم المشكلة..
إن شركات الموجة الثالثة ذات ميزات مشتركة. فهي فتية، بصورة عامة، بالقياس إلى تاريخ نشوئها، أو بالنسبة للعمر المتوسط لموظفيها. فإذا قورنت بشركات القطاع الصناعي، وجدنا أنها منظمة على أساس وحدات عمل صغيرة وهي توظف أموالاً أكثر من المتوسط(المألوف) سواء أكان ذلك في مجال الأبحاث أوالتنمية، أوالتنشئة، أم في الموارد الإنسانية. ذلك أنها دوماً تجاه مزاجمة عنيفة جداً ترغمها على التجديد باستمرار: ومن هنا تنشأ دورات حياة قصيرة، تحتاج إلى تجديد العاملين والأدوات والممارسات الإدارية. أما رأس مالها الحقيقي والأساسي، فإنه يتألف من رموز معشعشة في أدمغة مستخدميها. أفيمكن أن نتوقع من هذه الشركات وهذا النوع من الفعاليات أن تحترم قواعد اللعبة التقليدية، التي إذا هي طبقت عليها، كانت نوعاً من العقاب لها؟.
إن جزءاً كبيراً من قطاع الموجة الثالثة، يشغل نفسه بتقديم مجموعة هائلة ومتجددة من الخدمات. وبدلاً من التنديد بنشاط هذا القطاع من الخدمات، ولومه باستمرار على أنه مصدر قليل الإنتاجية، ألا يكون من الأفضل أن ندعمه، ونزيد ثروته(أو رأسماله)- أو، على أقل تقدير، تحريره من المعوقات القديمة؟ إن على أمريكا" طمعاً بتحسين صورة الحياة لشعبها، أن تقدم له الكثير من الخدمات، لا العدد الأقل منها. وهذا ما يعني: تقديم العمل لكثيرين من الناس، أو لكل الناس: بدءاً من صيانة الأجهزة الإلكترونية، إلى المخطط الجديد، مروراً بالمساعدين الطبيين.. وتقديم الخدمات للأشخاص المعمرين، والشرطة، ورجال الإطفاء، حتى رعاية الأطفال، وخدم البيوت إذا مست الضرورة، لا سيما إذا كان الأبوان يعملان. وعلى سياسة الاقتصاد الجديد، اقتصاد الموجة الثالثة، أن لا تنتقي الرابحين والخاسرين، بل أن تقضي على كل ما يعرقل تنمية المهن. وزيادة الخدمات، بحيث نجعل الحياة أقل توتراً، وغبناً، وإمحاءاً للذاتية، ولكن يبقى أن نلاحظ أن هذه المقاربة ليست من عناصر أو مطالب أي حزب سياسي.
وعلى الرغم من هذا النوع من التخلف، فإن محامي الموجة الثالثة يرتفع شأنهم يوماً بعد يوم. وهم يعبرون عن أفكارهم أكثر فأكثر بعيداً عن الأحزاب السياسية التقليدية، لأنه ما من واحد من الحزبين، انتبه لوجودهم، ونراهم يمضون ليزيدوا وجودهم في المنظمات المتزايدة العدد، كل يوم، والشديدة القوى، التي تتناثر داخل البلاد، وهم الذين يسودون المجتمعات الإلكترونية الجديدة التي تتكاثر حول الـ : Imternet (الإنترنيت) وهم أيضاً الذين يعملون على تفكيك وسائل إعلام الموجة الثانية، وعلى خلق حلول بديلة. أما الساسة التقليديون، الذين لا يريدون أن يفهموا هذه الحقائق، فسوف يكنسون من الطريق، تماماً كالنواب الإنجليز في القرن التاسع عشر الذين كانوا يتحينون الفرصة للاستفادة من الرواتب دون عمل لأنهم كانوا منتخبين.. من الضواحي الفاسدة..(من القصبات الغضة) ..
وحتى الآن لم تجد قوى الموجة الثالثة ناطقاً باسمها في أمريكا. فإذا وجد حزب يتكلم بلسانها، فإنه بالتأكيد سيسيطر على مستقبل أمريكا. ومنذ الآن، سنجد أو سنرى من خلال ركام القرن العشرين الموشك على الانتهاء ظهور أمريكا جديدة. مختلفة جوهرياً من التي سبقتها.











الفصل الثامن 
مبادئ جدول أعمال للموجة الثالثة 
عندما نواجه عاصفةً من التغيرات الهائلة التي تحيط بنا من كلِّ جانب، ونرى أنها تتطلب أجوبة تزدادُ سرعة، كل يوم، يشعر الإنسان أنه يسبح أكثر فأكثر على موجةٍ عميقة لا شيء يُوقفها. والواقع أن هذه هي الحال، في كثير من الأحيان، وربما استطعنا، كهاوي السباحة SURFEUR، أن نستفيد من طاقة الموجة لكي نمضي إلى الأمام. 
وهذه الموجةُ الثالثةُ التي وصفناها سابقاً، تستطيع أن تمضي ببلادنا إلى مستقبل أفضل وأكثر مدنية، وأغنى كرامة وديمقراطية، ولكن لن يتم أيّ شيء من هذا النوع إلا بعد أن نُحسن تمييز السياسة والسياسات الاجتماعية للموجة الثالثة من مثيلاتها أو ما يقابلها في الموجة الثانية. ولما لم يقم الناس بهذا التمييز النقدي، فإن كثيراً من التجديدات الحسنة النية يبدو، وكأنه يزيد الأشياء خطورةً. 
ونحن نعرف آلام الولادة التي تعانيها حضارة جديدة، لم تقم مؤسساتها بعد، ولم تستقر في مكانها. وإذا شاء أصحاب القرار أن يعرفوا ما يفعلون فإن رجال السياسة، والمواطنين الفاعلين سياسياً، بحاجةٍ ماسةٍ إلى تعلم تمييز المقترحات المعدّة لدعم النظام المتهاوي، نظام الموجة الثانية، من تلك التي من شأنها أن تيسر الموجة التالية لها، أي حضارة الموجة الثالثة. 
وهنا نجد أن بعض الإيضاحات تفرضُ نفسها.
1-هل تشبه مصنعاً ما؟
أصبح المصنع ذلك الرمز الأساسي للحضارة الصناعية. ولقد أصبح هذا -في الواقع- نموذجاً يحتذى لأكثر مؤسسات الموجة الثانية. ويبقى بعد ذلك أن المصنع الذي عرفناه تغيب صورته في الماضي تدريجياً وتجسد المصانع مجموعة مبادئ مثل الإنتاج طبقاً لنموذج واحد، والمركزية والبيروقراطية والتفوق maximlisation .أما إنتاج الموجة الثالثة فإنه إنتاج بعدَ -مصنعي Kast- usiniere يقوم على مبادئ جديدة. وهو يصنِّع في منشآت قليلة الشبه بالمصانع. والحقيقة أنه يتم أكثر فأكثر في البيوت أو في المكتب، وحتى في السيارة أو الطائرة. 
وأيسرُ وسيلة وأسرعها لملاحظة مقترح ما وللموجة الثانية، سواء أكان ذلك في الكونغريس، أم في شركةٍ ما، هي أن نرى، عمداً أو على غير عمد، ما إذا كان المقترح المشار إليه مستلهماً أم غير مستلهم من النموذج المصنعي؟ 
وفي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، تعملُ المدارسُ كما تعمل المصانع، مخضعة المادة الأولية (أي الأطفال) لتعليم مُنهج متماثل، ولتفتيش روتيني. فإذا كنا أمام اقتراح يهدف إلى تجديد النظام التربوي، وجدنا أمامنا سؤالاً بسيطاً يطرح نفسه: تُرى هل هذا الاقتراح معد لجعل المعمل، أكثر نجعاً، أو أنه تصوّر على ما ينبغي له، لكي يتخلص من النظام المصنعي، والتعويض عنه بتعليم مُفرّد individualise، على القياس؟ وفي وسعنا أن نطرح على أنفسنا، السؤال ذاته، فيما يتصل بكل تشريع، أو بالصحة، أو بالتأمين الاجتماعي، أو حولَ اقتراح بإعادة النظر في البيروقراطية الفيدرالية. وأمريكا بحاجة إلى مؤسسات جديدة، تبنى على نماذج ما بعد البيروقراطية،، وبعد المصنعية. 
أما إذا كانت المقترحات تحاول تحسين عمليات النسق المصنعي وحده أو إنشاء مصنع جديد. عندئذ يمكنها أن تكون ما تريد ولكن من المؤكد أنها ليست من الموجة الثالثة في شيء. 
2-هل تكثف المجتمع 
إن الناس الذين كانوا يديرون مصانع الاقتصاد الماضي، القائمة على القوة الخام، كانوا يحبون كثرة العمال المنتظرين والقابلي التبادل، وخاصة الذين كانوا لا يطرحون أسئلة أثناء العمل، حول سلاسل التركيب، أو حول تجميع مواد الشيء المصنوع، وعندما كان الانتاج بالجملة، كان التوزيع والتربية الجماهيرية ووسائل الاعلام وصور اللهو الجماعية تنتشر داخل المجتمع. وهكذا فإن الموجة الثانية قد أنشأت "الجماهير" أيضاً. 
وبالمقابل فإن اقتصادات الموجة الثالثة ستلزم الشركات (بل سيكون الميل لديها، إلى تفضيل) عامل مختلف جداً أي إلى عامل يفكر ويطرح أسئلة، ويجدد، ويغامر، أي إلى عمال لا تسهل مبادلتهم.. وبتعبير آخر، إن الموجة الجديدة تؤثر التفرد (وليس هذا بالضرورة كالفردية). 
ويميل الاقتصاد العقلاني أو الدماغي الجديد إلى تكوين التنوع الاجتماعي. ذلك أن الإنتاج المعلم informatiei  ( )و المعلوماتي والذي يتم "على القياس" ويتييح المجال لأساليب حياة مادية مختلفة كل الإختلاف. ويكفي أن تلقي نظرة إلى الـ wal- mart الموجود في زاوية الشارع مع الـ 110000 منتج. أو أن نرى أن أنواع القهوة الكثيرة التي يعرضها starleueks والمقارنة بينها وبين ما كان يوجد منها، منذ بعض السنوات فقط. ولكن الأمر لا يتعلق بالأشياء وحدها، ذلك أن الموجة الثالثة تبعثر أو تنوّع الثقافة أيضاً، وهي شيء هام جداً. ولا يكفيها هذا، بل إنها تنوّع القيم والأخلاق، أو تنوّع هذه جميعاً. إن وسائل الإعلام، المتنوعة توصل إلى الثقافة عدداً كبيراً من الرسائل المتناقضة أحياناً. 
ثم إن أشكال العمل، وكذلك صور اللهو، والفن، والحركات السياسية تتنوع، كما تتنوع أنظمة المعتقدات الدينية. ويلاحظ الإنسان في أمريكا المتنوعة العروق والسكان، أن هذه الفئات القومية، واللغوية والعرقية، ستتكاثر أيضاً. 
ويعمل أنصار الموجة الثانية على إصلاح المجتمع الجماهيري de masse أما أنصار الموجة الثالثة فإنهم يحاولون أن يجعلوا التناثر " التنوع" demassification  مفيداً.
3-كم بيضة في السلة نفسها 
إن تنوّع المجتمع وتعقيده، في عهد الموجة الثالثة، يوقع الاضطراب في المنظمات الشديدة التركيز، وكان التركيز (أو المركزة) في قمة السلطة، وسيلة كلاسيكية لجماعة الموجة الثانية، لحل المشكلات، أو محاولة ذلك. ولئن كانت المركزية ضرورية أحياناً، فإن الإفراط في مركزية المصارف يعني أن تضع بيضاً أكثر مما يجب في السلة نفسها، في اتخاذ القرار- ومن هنا يكبر العبء ويتثاقل. أما في أيامنا هذه، في واشنطن فإننا نجد الكونغرس والبيت الأبيض، يتخذان عدداً كبيراً من القرارات في كل المواضييع، وفي مجالات معقدة متجددة باستمرار لا معرفة لهما بها إلا في الحد الأدنى. 
وبالمقابل فإن مؤسسات الموجة الثالثة، تضع المزيد من القرارات الممكنة في أيدي الناس (أو تجعل القرارات تنتقل من القمة إلى القاعدة). وهكذا فإن الشركات تسرع في ترك المزيد من السلطات، لأيدي المستخدمين، لا عن غيرية، ولكن لأن رجال القاعدة، كثيراً ما يكونون أكثر علماً، وخبرة، وفي وسعهم أن يردوا على الأزمات والظروف الطارئة، بسرعة أكبر من التي يستطيعها رجال السلطة. 
أما وضع البيض في مجموعة سلال، لا في واحدة منها، فإنه ليس بالأمر الحديث، ولكنه فكرة لا يحبُها أنصار الموجة الثانية. 
4-أعمودي، أم ضمني 
كانت منظمات الموجة الثانية تزيد - على نفسها مع الزمن- تراكم الوظائف، وتسمن أكثر فأكثر، لكن منظمات الموجة الثالثة، بدلاً من أن تضيف إلى عملها وظائف جديدة، سعى منها أو تختزلها لكي تبقى رقيقة. وبحكم ذلك فإنها تتجاوز الدنياصورات، عندما نقترب من العهد الجليدي. 
إن منظمات الموجة الثانية تجد بعض الصعوبة، في كبح ميلها إلى الدمج العمودي integration verticle أي الفكرة القائلة: إذا شئنا صنع سيارة، فيجب أن تستخلص فلزات الحديد، وحمله إلى مصانع الصلب، وإنتاج الصلب، ثم نقله إلى مصنع السيارات. وبالمقابل فإن شركات الموجة الثالثة تختزل أكبر عدد من المهام الممكنة، وتدعها أحياناً كثيرة: لأيدي شركات أكثر اختصاصاً وتعتمد على تقانات قادرة على العمل بسرعة، وبسعر أرخص، وفي النهاية، نجد الشركة قد أفرغت عمداً من رجالها وأن الأشخاص ردّوا إلى الحد الأدنى، والمهام منفذّة في أمكنة متناثرة، وأن المنظمة نفسها أصبحت تبعاً لكلمة أوليفيه ويليامسون (من بركليه) "عُشَّ عُقود" وهذه المنظمات الصغرى، اللامرئية جزئياً، على ما يشرحه لنا شارل هاندي Carles  Handy من شركة London Business Scool  تصبح منذ الآن " ركائز عالمنا ".
ويضيف  هاندي قائلاً: إن لعبتٌ  أن يريد بعضنا ألا يعمل  مباشرة من أجلها. ذلك أننا ستبيعها خدماتنا، وستتعلق ثروة شركاتنا بها  وليس هاندي وويليامسون بالوحيدين اللذين يصفان هذا النوع الجديد جذرياً من التنظيم "المتخيل" الذي تجعله تقانات الإعلام والاتصال ممكناً في عهد الموجة الثالثة. 
وقدّمت هيدي توفلر، الشريكة في تأليف هذا الكتاب والكتب الأخرى التي استمد منها هذا الكتاب، تلك الفكرة الهامة، فكرة المطابقة Congwenu  وخلاصتها أن على القطاع الخاص والقطاع العام، كيلا يختنقا يجب أن ينتظما بصورة متطابقة. فالقطاع الخاص ، محمول اليوم بطائرة أسرع من الصوت، على حين أن القطاع العام لم يفرغ بعد حمولته في مدخل المطار. 
أفنقيم سياسة، أو برنامجاً؟ اسأل من هو الذي عليه أن ينفذها أو ينفذه- أهم عموديون أم المضمرون؟ والجواب هو الذي سيقدّم قرينة تسمح بالحكم عما إذا كان الحل المتصور يمضي فقط باتجاه تطوير الماضي الذي أصبح عصياً على الانقياد أم أنه يهيء المستقبل. 
5-أيرفع من شأن الأسرة؟ 
كانت الأسرة الموسّعة، قبل الثورة الصناعية، هي النوع الغالب، وكانت حياتها تدور حول البيت المشترك، فهناك كان الناس يعملون ويعنون بالمرضى، ويربون الأطفال. بل إن هذا البيت هو مجال اللهو والمكان الذي يُهتم فيه بالأكبرين عمراً. إن الأسرة ، أيام الموجة الأولى، كانت مركز العالم الاجتماعي. 
أما انحطاط هذه المؤسسة فإنه لم يبدأ مع الدكتور سبوك DR SPOCK  ولا مع PLAY BOY (المجلة المفرحة للشباب) بل بدأ عندما قامت الثورة الصناعية بتجريد الأسرة من أكثر وظائفها. إذا لقد انتقل العمل إلى المصانع والمكاتب. ثم أرسل بالمرضى إلى المستشفى، والصغار إلى المدرسة، والأزواج إلى السينما، والكبار عمراً إلى بيوت المتقاعدين (دور السعادة). وعندما دفع بكل المهام إلى الخارج، لم يبق شيء غير الأسرة  النووية، التي يقوم انسجامها لا على الوظائف أو الأعمال المنجزة من قبل عضويها بالدرجة الأولى، بل على علاقات نفسية، ما أسهل أن تقطع. 
لكن الموجة الثالثة تعيد إلى الأسرة والمنزل، كل أهميتهما، إنها تَرُدّ إليها عدداً من الوظائف المضيعّة، التي كانت في الماضي تجعل منها الخلية الأولى للمجتمع، ويقدّر عدد الأمريكيين الذين يعيدون إلى المنزل (لنقل الشقة) جزءاً من أعمالهم، مستخدمين ، الفاكس والهاتف وتقانات أخرى من الموجة الثالثة، بحوالي ثلاثين مليوناً. وكثيرون من الأهل يفضلون تربية أبنائهم في البيت. إلا أن التغيير الحق سيتم في اليوم الذي يدخل فيه "التلفزيون -الحاسوب" إلى البيوت، ويدمج هذا كله بالتربية. والمرضى ما سيكون شأنهم؟ ونلاحظ الآن أن عدداً أكبر فأكبر من المهمات الطبية التي كانت تتم في المستشفى أو في عيادات الأطباء -من اختبارات الحمل إلى قياس الضغط - صارت الآن تتم في المنزل. وفي هذا كله ما يحمل على التفكير بأن السقف العائلي يستعيدُ شيئاً ما من أهميته، وإن دور الأسرة يتنامى- ولكنها الآن أسرة متنوعة الأشكال: بين النووية، وبين الموسعة، وحتى الأسرة التي تجمع بين عدة أجيال تحت السقف نفسه".. منهم أناس تزوجوا مرة ثانية، وبعضها كثيرة الأفراد، وبعضها محدودة العدد، أو بدون أطفال، وقد يوجد بين هؤلاء من اختار مبكراً أن يكون له أطفال، ومنهم من اختار الانتظار حتى بلوغ سن النضج. وهذا التنوع في البنية العائلية، يعكس صورة التنوع التي نجدها في الاقتصاد والثقافة، بمقدار ما يتفتت  مجتمع الجماهير العائد للموجة الثانية. 
والمفارقة هي أن عدداً من دعاة القيم العائلية لا يخدمون تعزيز الأسرة، عندما يدعون إلى العودة إلى الأسرة النووية: فهم يحاولون استعادة النموذج العام، الذي كان سائداً أيام الموجة الثانية. فإذا كنا نريد حقاً دعم الأسرة وأن يعود البيت ليصبح مؤسّسة مركزية، فإن علينا أن ننسى الأسئلة الهامشية وأن نقبل التنوع، وأن نعيد إلى الأسرة مهام كبيرة. 
وكقاعدة عامة، نقول إن أمريكا هي التي يعيّن لها المستقبل موعداً. وإذا كنا نتألم من انهيار مؤسساتنا القديمة، فنحن أيضاً رواد حضارة جديدة. وبتعبير آخر، نحن مضطرون إلى العييش في وضع شديد القلق، يصعب معه التنبؤ، بالكثير من انعدام التوازنات، والاضطرابات والانقلابات، وعدا ذلك، فإنه ما من أحد يستطيع الادعاء بأنه يعرف الكلمة التي سيقولها التاريخ، أو أن يعرف إلى أين نمضي، حتى ولا أن يقول: إلى أين يجب أن نمضي. وفي وسط هذا الضباب، يجب أن نتقدم ونحن نتلمس الطريق، دون أن نهمل أية مجموعة. ومن شأن هذه المعايير القليلة، أن تساعدنا على تمييز السياسات المتجذّرة في الماضي، ماضي الموجة الثانية، من تلك التي تستطيع أن تهيئ مستقبل الموجة الثالثة. وكل قائمة من المعايير تشتمل، مع ذلك، على شيء من الخطر، هو أن يحاول بعض الناس تطبيقها بصورة آلية، أو بحرفيتها، أو حتى بشيء قليل أو كثير من التعصب الأعمى. وفيما عدا وزنة مناسبة من حب المرح وحسّ النسب (أي أن يقدر الإنسان نسبة الأشياء بعضها إلى بعض وتبعاً لأهميتها) فإن التسامح مع الخطأ، والالتباس، وبصورة خاصة، سمة التنوع، كل هذا هو جزء من التجهيزات المساعدة على البقاء التي ينبغي أن نحملها معنا في اللحظة التي نريد فيها القيام بهذه الرحلة المدهشة والغريبة، إلى الألف الثالث من تاريخنا. وعلينا أن نتهيأ أحسن التهيؤ إلى ما عساه أن يكون النزهة الفائقة الغرابة في التاريخ. 

 



الفصل التاسع 
رسالة الديمقراطية في القرن الواحد والعشرين 
أيها الآباء المؤسسون 
إنكم الثوريون الموتى أنتم، رجالاً ونساءاً ومزارعين، وباعة، وصناعاً، ومحامين، وعمال المطابع، والهجائين، والتجار، والجنود، الذين أسسوا جميعاً أمة على الشواطئ البعيدة لأمريكا، إن بينكم أولئك الخمسة والخمسون الذين اجتمعوا في الصيف الحار لعام 1787 في فيلادلفيا، لكي يكتبوا هذه الوثيقة الخارقة للعادة، التي هي دستور الولايات المتحدة. أنكم أنشأتم وابتكرتم مستقبلاً، أصبح الآن حاضرنا.
إن هذا النص، وإعلان حقوق الإنسان، الذي جاء متمماً له عام 1791 واحدة، بلا ريب، من قمم التاريخ الإنساني. ونخلص منه إلى أنكم كنتم فيه مرغمين -بحكم خوفكم من أن تنهار حكومة أصيبت بالعجز، ومشلولة بحكم مبادئ غير متلائمة مع العصر، وببنى تجاوزها الدهر وكنتم محمولين بموجة الأحداث العميقة. 
واليوم أيضاً، نجد هذه المبادئ محركة للمشاعر، كما حرّكت مشاعر الملايين من الناس، على هذه الأرض. وإنه لعسير علينا أن نقرأ بعض مقاطع من كلام جفرسون أو باين PAYNE من غير أن يمضي بنا جمالها، ومعناها العميق، إلى حافة ذرف الدموع. 
إننا نريد أن نشكركم، أنتم الثوريين الموتى، لأنكم عملتم بصورة، تجعلنا، نحن، نعيش نصف قرن، باعتبارنا مواطنين أمريكيين، تحت حكم القوانين، لاتحت حكم الأشخاص، ونريد شكركم أيضاً بصورة خاصة، من أجل هذا الشيء الثمين الذي هو حقوق الإنسان، الذي جعلنا نتمكن من التفكير والتعبير عن آراء غير شعبية، ولأنكم عشتم بين حضارتين -أي في نقطة تشعب عالم زراعي قديم تهزه علائم العالم الصناعي القادم -وفهمتم معنى النقاء السياسي. 
وهكذا فقد فهمتم لماذا كان ضرورياً أن يعاد النظر في الدستور الأمريكي، وأن يُغيّر - لا من أجل اقتطاعات واضحة في الموازنة الفيدرالية، أو لإبراز هذا المبدأ المحدود أو ذاك، ولكن من أجل توسعة مجال إعلان الحقوق، مع الأخذ بعين الاعتبار تهديدات كانت خارج دائرة التصور. وكانت سيئة تثقل كاهل الحرية. ومن أجل خلق بنية جديدة لحكومة قادرة على اتخاذ قرارات ذكية وديمقراطية لا يستغنى عنها، إذا أردنا البقاء على قيد الحياة في أمريكا، أمريكا الموجة الثالثة. أمريكا القرن الواحد والعشرين.
ونحن لا نحمل معنا نموذج الدستور القادم، ونحذر من أولئك الذين يعتقدون أنهم وجدوا الجواب، على حين أننا ما نزال نحاول صياغة الأسئلة، ولكن الوقت قد حان لكي نتخيل خيارات كلّها جديدة، وأن نناقش، ونتشاور، ونتخيل من الألف إلى الياء هندسة الديمقراطية الآتية غداً.
وكل ذلك لا في جو شكس أودوغماتي، ولا في ثورة غضب، ولكن على أساس أوسع التشاور والمشاركة السلمية للجمهور -ذلك أننا بحاجة إلى أن نجتمع لكي نعيد خلق أمريكا. 
وكان ينبغي أن تفهموا هذا الأمر، في أيامنا هذه. أو لم يكن رجل من زمانكم - أعني جيفرسون- يعلن بعد تفكير ناضج بأن "بعضهم ينظرون إلى الدساتير باحترام يشبه التقديس، ويعتبرونها كتابوت عهد، مفرط القداسة، بحيث لا يمكن معها مسُّه.إنهم يعزون إلى العهد السابق حكمة أكثر من الحكمة الإنسانية. ويصرون على أن عملهم لا يمكن تصحيحه. ونحن حقاً لسنا من أنصار من يقول بأنه يجب أن يكثر من التعديلات، من غير أن تكون قد برهنت على سلامتها.. ولكننا نعرف أيضاً أن الدساتير والقوانين ينبغي أن يسيرا متوازية واليد باليد، مع تقدم العقل الإنساني. وبمقدار ما تنشأ اكتشافات جديدة، وتظهر حقائق جديدة. وبمقدار ما تتقلب الأفكار على حسب الظروف المتغيرة، يكون على المؤسسات أن تتقدم هي أيضاً، وأن تتزاوج مع عصرها. 
ومن أجل هذه الحكمة، نشكر السيد جيفرسون الذي ساهم في خلق نظام، انتفع به الناس لمدة طويلة، إلا أن عليه الآن، بدوره، أن يموت، لكي يحل محله نظام آخر. 
الفين وهيدي توفلر.

ومن المؤكد أن في بلاد كثيرة، أناساً كثيرين سيعبرون لو أتيحت لهم الفرصة، عن عواطف مماثلة لتلك التي تحتويها هذه الرسالة المتخيلة. ذلك أن غفلة حكومات معاصرة كثيرة، ليست بسر مكتوم، ونحن الوحيدون الذين اكتشفنا هذا السر. وكذلك فإن هذا البؤس ليس ببؤس مقصور على الأمريكيين. إنه لا يمكن الخروج منه إلا بإنشاء حضارة للموجة الثالثة على أنقاض مؤسسات الموجة الثانية. ولابد من إقامة بنى سياسية جديدة "مناسبة، في عدد من البلاد في الوقت نفسه، وهذا مشروع شاق، لكنه ضروري، بل إن حجمه يصيبنا بالدوار، وسيحتاج بلا أدنى شك إلى زمن طويل. 
وتبعاً لكل الاحتمالات، لا بد من خوض معركة مديدة لإعادة النظر إعادة كاملة، أو لإلقاء الكونغرس في سلة القمامة، هو واللجان المركزية والمكاتب السياسية للدول الصناعية الشيوعية، والجمعية الوطنية الفرنسية، ومجلس اللوردات، والبوندستاغ، والدييت الياباني، والوزارات الشديدة التضخم، والإدارات المتحصنة بقوة العدد غير القليل من الدول، والدساتير والمكنات القضائية، أي لا بد من تعديل كبير للجهاز الثقيل، المتزايد الصعوبة على التداول لأنظمة الحكم التمثيلية. 
إلا أن هذه المعركة لن تقف عند حدود الأمم. وخلال أشهر أو عشرات السنين القادمة، سيكون على مكنة صناعة القوانين الكلية (أوالشاملة) في جملتها- من الأمم المتحدة من جهة أولى، إلى الجمعية المحلية، أو المجلس البلدي، من الجهة الثانية - أن تجابه هجوماً متزايداً "لا يقاوم إلى فرض إعادة التشكيل".
وعلى كل هذه البنى، أن تتغيّر تغيراً أساسياً، لا لأنها سيئة في الجوهر، ولا لأنها خاضعة لرقابة هذه الطبقة أو تلك، ولهذه الفئة أو تلك، ولكن لأنها أقل فأقل إجرائية، ولأنها لم تعد متلائمة مع حاجات عالم تطورّ تطوراً أساسياً. وحباً بإنشاء نظم للتحكم، متجدّدة وقابلة للبقاء، وبإنجاز ما سيكونُ المهمة الأساسية والعظمى أهمية لجيلنا- فإنه سيكون من الضروري أن نقذف إلى البحر بكل المحنطات المتراكمة التابعة للموجة الثانية، وأن نعيد التفكير بالحياة تبعاً لثلاثة مبادئ أساسية، وهي مبادئ ربما بدت وكأنها أحجار الزاوية الثلاث لحكومات الموجة الثالثة. 
سلطة الأقليات
أما المبدأ الأول - وهو مبدأ مخالف للمألوف -في حكم الموجة الثالثة، فإنه مبدأ سلطان الأقليات. وخلاصته هي أن الحكم الخاضع لنظام الأكثرية وهو نظام أساسي في العهد الصناعي -يتزايد تهافتاً على مرّ الأيام. وليست الأكثرية بالأمر المهم، بل الأقلية هي الشيء المهم، وعلى نظم الحكم السياسية أن تترجم هذا الواقع. 
كان جيفرسون مرة أخرى - وهو الذي يعبّر عن رغبات الجيل الثوري - يؤكّد أن على الحكومات أن تنقاد كل الانقياد لقرارات الأكثرية". وكانت الولايات المتحدة وأوروبا في بداية عهد الموجة الثانية، تبدأ عندئذ تلك المسيرة الطويلة التي كان عليها أن تحوّلها إلى مجتمعات صناعية جماهيرية. وكان مفهوم الأكثرية يناسب حاجات مثل هذه المجتمعات. وما ديمقراطيتنا الجماهيرية الحالية إلا التعبير السياسي عن إنتاج واستهلاك وتربية للجمهور وللإعلام الجماهيري وللمجتمع الجماهيري.
ولكننا رأينا أننا نخرج اليوم من العهد الصناعي. وأن المجتمع يتناثر بسرعة. وفي مثل هذه الشروط يكون من الصعب أكثر فأكثر -إذا لم نقل مستحيلاً- أن نجمع أكثرية أو حتى تحالفاً حكومياً. ولهذا فإن هولندا وإيطاليا بقيتا أحياناً ستة أشهر (لهولندا) أو خمسة (لايطاليا) من دون حكومة. ويعلن الاستاذ في العلوم السياسية WALTER Dean BURNHAM  ويترديمن برنهام من الماساشوسيت أو لتقل من معهد ماسوشوسيت للتكنولوجيا. "إنني لا أرى اليوم من أساس لأكثرية حقيقية حول أية قضية". 
وبدلاً من مجتمع قوي التراتب، تتحالف فيه جماعات كبرى لتأليف الأكثرية، سيكون لدينا مجتمع خليط من العناصر، توجد فيه آلاف من الأقليات، الكثير منها في وضع لا يستقر على حال، فتراهم يدورون ويتخابطون بغية خلق تراكيب موقنة، قلّما يبلغ تآلفها حدود الـ 51% حول المشكلات الكبرى. وهكذا فإن انبثاق حضارة الموجة الثالثة، يُضعف أو يقلل من مشروعية الحكومات.
وكذلك فإن هذا الانبثاق يضع موضع البحث مسلماتنا التقليدية المتصلة بعلاقة "القاعدة" (أي قاعدة الأكثرية) بالعدالة الاجتماعية. وأثناء أو طيلة عهد الحضارة الزراعية (الموجة الأولى) ظلت المعركة حول انتصار قاعدة الأكثرية إنسانية وتحريرية. ويمكن أن نقول مثل هذا عن البلاد التي تمضي إلى التصنيع، مثل جنوب افريقيا. ولقد كانت قاعدة الأكثرية، في عهد الموجة الثانية، شبه مرادفة للانتصار، بالنسبة للفقراء، لأن هؤلاء كانوا يشكلون الأكثرية. 
أما اليوم، وفي البلاد التي تعصف بها ثورة الموجة الثالثة، فإن العكس هو الصحيح،. ذلك أن الفقراء حقاً لم يعودوا يشكلون الأكثرية بالضرورة. وقد أصبحوا في عدد لا بأس به من الأمم- تماماً كبقية الناس، أقلية بين الأقليات. 
وعلى ذلك يمكن القول: إن قاعدة الأكثرية لم تعد معياراً للمشروعية المتوازنة، ولكنها أيضاً -وبالإضافة إلى ذلك- ليست حتماً إنسانية أو ديمقراطية في المجتمعات الماضية إلى حضارة الموجة الثالثة. 
ومن عادة أيديولوجيي الموجة الثانية أن يأسفوا على انهيار المجتمع الجماهيري. وبدلاً من النظر إلى التنوع الغني الذي ينشأ عن ذلك، كما لو أنه الأرض الخصبة للتقدم الإنساني، نراهم يدينونه، من حيث أنه تجزؤ أو "بلقنة" ويجعلونه مسؤولاً عن أنانية الأقليات. لكن هذا التفسير العامي، ينظر إلى الأثر، كما لو أنه السبب. ذلك أن العدوان المتزايد للأقليات لا ينشأ، فعلاً، عن نموّ مفاجئ للأنانية، بل هو انعكاس -بين أشياء أخرى- لمقتضيات ذاتية للطريقة الجديدة في الإنتاج، التي يقتضي وجودها مجتمعات أكثر تنوعاً وألواناً، وأعظم انفتاحاً، واختلافاً، من كل المجتمعات التي عرفها الناس في الماضي. 
وفي وسعنا إما أن نقاوم هذا التنوع بمعركة كبيرة من رجال المؤخرة، إنقاذاً لمؤسسات الموجة الثانية وإما أن نعترف بالتنوع، وتغيير المؤسسات تبعاً له. ولا يمكن أن نطبق الاستراتيجية الأولى، إلا بالاعتماد على طرائق جماعية، وهي تؤدي بالضرورة إلى ركود اقتصادي وثقافي. أما الطريقة الثانية، فإنها تطل على التطور الاجتماعي، كما تطل على ديمقراطية القرن الواحد والعشرين القائم على مبدأ الأقليات. 
وطمعاً بإعادة بناء الديمقراطية كما ينبغي للموجة الثالثة، يكون علينا، في هذه الحال، أن نلوي عنق العقيدة المخيفة- على كونها خاطئة- التي ترى أن التنوع المتزايد يزيد، آلياً، خطورة الصراعات داخل المجتمع. والواقع أن العقيدة المعاكسة يمكن أن تكون معقولة ومقبولة كالأولى. ذلك أن الصراع ليس ضرورياً للمجتمع فقط: بل هو أيضاً، مطلوب ومُتَمنّى في بعض الحدود. فإن أراد مئة شخص ليس لديهم ما يفقدونه أن يتملكوا الشيء نفسه، فإنهم سيتضاربون بالأيدي. وبالمقابل إذا كان لكل واحد منهم هدف مختلف، فإنه سيكون من الأجدر لهم أن يتفاوضوا وأن ينشئوا علاقات تكافلية، فإذا نحن قمنا ببعض الاصلاحات المناسبة، وجدنا في التنوّع ضماناً لحضارة مريحة وثابتة.
وفي رأينا أن غياب المؤسسات السياسية المناسبة هو الذي تثير الأقليات وتدفعها، حتى إلى العنف، هو المسؤول عن عنادها وتطرفها. وهو الذي يجعل الأكثريات تفقد أكثر فأكثر. 
ولن نحل هذه المشكلات، بزيادة التناقضات، ولا باتهام الأقليات بالأنانية (كما لو أن النخب والخبراء الذين يقومون  بخدمة الأكثرية لا تبتغون إرواء المصالح الشخصية). والحل هو إنشاء إجراءات خلاقة ودينامية، تأخذ التنوع بعين الاعتبار، وتجعله مشروعاً وتُحدث مؤسسات جديدة قادرة على الاستجابة.  
ولعل مؤرخي الغد، يجدون في التصويت والبحث عن أكثرية، مراسم بالية أنشأها بدائيون يشكون من نقص التواصل فيما بينهم. غير أنه لا يسعنا في العالم الخطير الذي هو اليوم عالمنا، أن نسمح لأنفسنا بتفويض السلطة إلى أي إنسان، بل ولا أن نستغني عن التأثير المتواضع الذي يملكه الشعب، في الأنظمة التي تسود فيها قاعدة الأكثرية، ولا يمكن أن ندع الأقليات تتخذ تدابير ذات عواقب خطيرة تثير عليها أقليات أخرى. 
ولهذا يجب علينا أن نعيد النظر، من البداية إلى النهاية ومن تحت إلى فوق، في تلك الطرائق البدائية العائدة لنظام الموجة الثانية، التي نعتمدها في بحثنا عن أكثريات لا يُحصل عليها. إننا بحاجة إلى مقاربات جديدة متلائمة أو حسنة التلاؤم مع ديمقراطية الأقليات.. وإلى أساليب تهدف إلى كشف الفروق بدلاً من سحقها، تحت ثقل أكثريات القيادة، أو الأكثريات المزيفة القائمة على الحقوق الانتخابية، وإلى تزييف المشكلات المتنازع على حلّها، أو إلى تضييق حقوق الانتخابات. إن ما هو ضروري لنا أخيراً، هو تحديث كلي للنظام، بغية تعزيز دور مختلف الأقليات، من غير أن نحرمها الحق في تكوين الأكثريات أو الأكثرية الواحدة. 
ولا شك أن الانتخاب المهيأ لمعرفة الإرادة الشعبية، أداة هامة للتغذية الراجعة ( )، لحساب قادة مجتمعات الموجة الثانية، فإذا أصبح الوضع لسبب أو لآخر، غير محتمل لدى الأكثرية. وكانت أكثرية، الـ 51% للناخبين تعرب عن استيائها، فإن النخب كانت تستطيع أن تغيرّ إرادتها السابقة، وتعديل الاتجاهات أو اتخاذ تدابير أخرى (من أجل المحافظة على مراكزها).
بيد أن حاجز الـ 51% حتى في إطار مجتمع جماهيري، كان معياراً سخيفاً وكمياً بالدرجة الأولى. فالانتخاب من أجل الحصول على أكثرية، شيء له معناه. أما البحث عن رأي الناس على المستوى الكيفي (لا الكمي) فإنه شيء آخر. إن هذا الأسلوب يدُلنا على عدد الأشخاص الذين يتمنون في لحظة ما أن يكون (س) في السلطة، ولكنه لا يدلنا على شدة الرغبة فيه حاكما،ً بل، وبصورة خاصة، هو لا يقول لنا ما يمكن أن يقبله أنصاره من التضحيات من أجل (س) ولكن هذا شيء هام جداً في مجتمع مؤلف من جملة أقليات. 
ومن جهة أخرى، فإن طريقة الأكثرية، لا تقول لنا شيئاً أكثر، عندما تشعر إحدى الأقليات أنها مهدّدة إلى هذا الحد، أو أنها تعلق أهمية إلى هذا الحد أو ذاك، في نقطة معينة، بحيث أن وجهة نظرها ينبغي أن يحسب حسابها( ). 
إن نقاط الضعف هذه في المجتمع الكثير السكان (أو الجماهيري) (يعني نقاط الضعف في قاعدة الأكثرية) فإنها كانت لا تثير أحداً أو كانت مسموحاً بها، لا لشيء إلا لأن أغلبية الأقليات لم تكن تملك القوة الاستراتيجية الضرورية لقلب النظام. غير أن تطور الأوضاع في مجتمع متشابك الأطراف، بالقوة التي نعرفها اليوم، حيث ما من أحد إلا وهو ينتسب قليلاً أو كثيراً إلى مجموعة من الأقليات، جعل ذلك الأمر غير صحيح. 
لكن أنظمة التغذية ( الراجعة) المألوفة في العهد الصناعي، مفرطة البدائية، بالنسبة لمجتمع الموجة الثالثة المتناثر، الذي سيواجهنا أثناء الموجة الثالثة. وهكذا يجب علينا استخدام التصويت الشامل، والقيام بعمليات سبر الرأي، بصور، جديدة تماماً. 
ومن حسن الحظ أن تقانات الموجة الثالثة، تفتح الطريق أمام ديمقراطية مناسبة لعهد الموجة الثالثة.. وهي تفتح في سياق جديد جداً، اضبارات أساسية عكف عليها آباؤنا المؤسسون، منذ قرنين. هي تتيح للناس أشكالاً جديدة من الديمقراطية لم تكن كما يمكن تصوره حتى هذه الساعة. 
الديمقراطية نصف المباشرة. 
أما الصخرة الثانية التي ستبنى عليها هندسة سياسة الغد، فإنها تبدأ بالديمقراطية نصف المباشرة، حيث نقوم نحن مقام ممثلينا. وكما رأينا، فإن انحلال أو إنهيار مبدأ الإجماع أو الأكثرية، يقضي على مفهوم التمثيل نفسه، وعندما يختلف الناخبون فيما بينهم، فمن هو الجزء الذي يمثل الشعب حقاً؟ ومن جهة أخرى، فإن المشرّعين انتهوا من هذا إلى استدعاء الدعم اللوجيستيكي ( أو المشورة) لمجموعة داخلية، وأحياناً إلى خبراء من الخارج ينضافون إليها. ومن الواضح جداً أن النواب البريطانيين يظلون في موقف ضعيف أمام بيروقراطية الوايتهول Whitehall  لعدم وجود تنظيم ملائم، وهذا مما يؤدي إلى نقل السلطة من البرلمان إلى موظفين غير منتجين.
وعندما حاول الكونغرس، في الولايات المتحدة، أن يقيم توازناً بين تأثير البيروقراطية التابعة للسلطة التنفيذية وبينه، أقام هو بيروقراطيته الخاصة به، وهكذا أنشأ دائرة للموازنة، وأخرى للدراسات التكنولوجية، وأضاف إليها وكالات ودوائر تابعة له، لا يستغني عنها. ولكن هذا لم يعد بطائل غير نقل المشكلة من خارج جدرانه إلى داخلها. وهكذا فإن ممثلي الشعب المنتخبين، قلّما يحيطون علماً بجملة التدابير التي يجب أن يحدّدوا منها موقفهم، وهم مرغمون دوماً على الاعتماد أكثر فأكثر على أحكام الآخرين. إن الممثل لم يعد يمثل شيئاً، حتى ولا نفسه. 
وكانت البرلمانات، والكونغرس، والجمعيات الوطنية، في الأصل، مجالات، تملك نظرياً أن تؤلف بين وجهات نظر متضادة. وكان ممثلو وجهات النظر هذه يستطيعون التفاوض للوصول إلى مصالحة ما. غير أنه ليس من برلمان، ذي أدوات عرجاء، ومبتذلة، كالتي ذكرناها، يستطيع أن يعرف مطالب الكثرة الهائلة للجماعات الصغيرة، على كونه كما يقال، يمثلها، حتى ولا أن يكون وسيطاً أو "سمساراً". وكلما ازدادت الأعباء على الكونغرس الأمريكي والبوندستاغ الألماني، أو الستورتينج النروجي، ازداد الوضع سوءاً. 
والآن نحن نفهم بصورة أفضل ذلك العناد الذي أظهرته المجموعات الضاغطة. ولما كانت إمكانية المساومة أو الوصول إلى حدً وسط، محدودة في إطار المؤسّسة البرلمانية، فإن مقتضيات أو مطالب الفئات المتخاصمة تصبح شبه انذارات لا مفاوضة فيها. وهكذا فإن الحكومة التمثيلة، بوصفها وسيطة نهائية، تنهار هي أيضاً. 
إن تفجر بنى المفاوضة، والاحتكاك بين مراكز القرار، والشلل المتصاعد الذي يصيب الهيئات التمثيلية، أمور ربما كان من نتائجها أن الكثير من القرارات المتخذة اليوم، سترّد بالتدريج إلى الناخبين أنفسهم. وعندما يستطيع الوسطاء الذين هم نوابنا أن يفاوضوا بالنيابة عنا، نتساءل لِمَ لانتفاوض نحن بدلاً منهم. ولئن كانت القوانين التي يسنونها غريبة عن حاجاتنا، أولاً تحسن تقدير هذه الحاجات، فلا أقل إذن من أن نضع، نحن أنفسنا، هذه القوانين التي نحتاج إليها. إلا أن ذلك يوجب علينا أن نملك مؤسسات تقانات جديدة. 
وهؤلاء ثوريو الموجة الثانية الذين ابتكروا أو ابتدعوا آلية المؤسسات الحالية، لم يكونوا يجهلون الطرف الاخر من المعادلة  أي تلك الديمقراطية المباشرة. وكذلك فإن الآباء المؤسسين لم يكونوا يجهلون شيئاً، من النظام البلدي، أو الموافقة الشعبية، على المستوى الصغير، الموجود في انجلترا الجديدة، غير أن نقاط الضعف في الديمقراطية المباشرة، وحددوها، كانت بارزة أيضاً -وفي ذلك العهد، كانت محازيرها أكبر وزناً من حسناتها. 
"وكان الفيديرالي يثير اعتراضين أمام هذا التجديد" تبعاً للسيد  Mc Cauley والسيد Rood وجونسون Johnson وهم أصحاب الاقتراح الذي يدعو إلى الاستفتاء العام في الولايات المتحدة. وأول ما يقال، هو أن الديمقراطية المباشرة لم تكن تسمح لا بضبط ولا بتأخير ردود الفعل العاطفية المؤقتة، لدى الجماهير- والحجة الثانية، هي أن المواصلات في ذلك العهد، لم تكن قادرة على ضمان عملها (عمل الاقتراع).
ولاشك أن لدينا هنا مشكلات مشروعة. فلو أن الشعب دُعيَ لإبداء الرأي، من أواسط العام 1960 في إمكانية إلقاء قنبلة نووية على هانوي، ترى كيف نتصور أن الرأي العام الأمريكي المغبون الملتهب سيصوت؟ وكيف كان يمكن أن يرد ألمان الغرب المتميزون غيظاً على عصابة Baades meinhof  على الاقتراح القائل بسجن المتعاطفين مع إرهابييّ المعسكرات؟ وماذا كان يمكن أن يجري لو وجد هناك استفتاء شعبي حول كيبك، بعد ثمانية أيام على وصول رينيه ليفسك Rene Levesque  إلى السلطة؟ إن الممثلين المختارين يقدر أنهم من الذين يظن بهم الخير، وقلة الاندفاع مع العواطف، والإصغاء إلى ما يقوله العقل أكثر من الآخرين. 
ومع ذلك فإن لدينا وسائل مختلفة نستطيع بها السيطرة على ما لدى الجمهور من شدة التأثر بالعاطفة- مثال ذلك، فرض فترة للتفكير في الأمر المطروح، أو إعادة الاستفتاء (أو الانتخابات) بعد تطبيق القرارات الهامة المتبناة بالاستفتاء، أو أي صورة أخرى للديمقراطية المباشرة؟ وكذلك فإن من الممكن دحض الاعتراض الثاني. والحقيقة، أن ضيق وسائل الاتصال القديمة، لم تعد تشكل عقبة أمام انتشار الديمقراطية المباشرة. ذلك أن التقدم المدهش في تقانة الاتصالات تفتح لأول مرة شبكة خارقة للعادة من وسائل المشاركة المباشرة للمواطنين، في القرار السياسي. 
ولقد سُررنا منذ مدة بسيرة عندما شهدنا حادثاً تاريخياً يؤلف سابقة عالمية: إذ لقد شهدنا وسمعنا نقاشاً بلدياً (في المجلس البلدي) تلفزيونياً. فبفضل التلفزيون، والاتصال الممكن بين الناس عن طريقه، بعد أن جرّبه Qube (كوب) إذ استطاع سكان ضاحية من ضواحي Colombus  في أوهايو أن يشاركوا حقاً في أعمال لجنتهم في الخطة plan.وكان يكفيهم من غير أن يتركوا أو يتخلوا عن أعمالهم الطبيعية، أن يضغطوا على زر معيّن، لكي يعبروا آنياً أو فوراً عن رأيهم في أمور من طبيعة سياسية، كالتهيئة المدنية، ووضع نظام للمساكن، أو العقارات أو وضع مشروع بناء أوتوستراد. ولم يكونوا قادرين على التصويب بـ "نعم" أو "لا" ولكنهم كانوا يستطيعون التدخل في النقاش أيضاً، وأن يعربوا عن وجهة نظرهم. وفي وسعهم أيضاً بالضغط على زر آخر، أن يقولوا للرئيس، أن ينتقل إلى نقطة أخرى من نقاط البحث. 
وليس هذا إلا العلامة الأولى، والأكثر بدائية، على بداية الديمقراطية المباشرة الموعود بها للغد. ولأول مرة في التاريخ تستطيع  هيئة انتخابية مطلقة، أن تتخذ قراراتها، بفضل الحاسوب، والقمر الصناعي، والهاتف، ثم التلفزيون Par Cable . وكذلك بتقنيات سبر الرأي، وأدوات متقدمة أخرى غير هذه. وليست القضية أن نحل نظاماً محل نظام آخر، ولا أن نخلق بلديات الكترونية، على نحو ما تصوره  Ross perotبشكل موجز. بل إن سيرورات ديمقراطية أكثر حساسية وأرهف، أصبحت ممكنة، وكذلك ليست القضية أن نختار بين الديمقراطية المباشرة أو الديمقراطية اللامباشرة، أو بين التمثيل الذاتي، أو التمثيل عن طريق تفويض الآخرين بالسلطة. بل إن في وسعنا أن نتخيل الكثير من الأشكال التي تؤلف بين الديمقراطية المباشرة،والديمقراطية اللامباشرة. وفي أيامنا هذه، سواء أكنا في الكونغرس أم في أكثر البرلمانات أو الجمعيات، نجد أن النواب ينشئون لجانهم الخاصة، من غير أن يكون للمواطنين أية وسيلة لإرغام المشرعين على إنشاء لجنة ما، أو جملة لجانٍ تدرسُ مشكلةً مهملة، أو مشكلة يطول فيها أو طال الجدل. ولكن نتساءل: لم لا يكون للناخبين القدرة بعد تقديم طلب ما على إرغام الجمعية الوطنية، على إنشاء لجنة لدراسة مشكلةٍ، يرى الجمهور -خلافاً للمشرع- أنها مسألة هامة؟
ولا يعني هذا كله أننا نمتدحُ هذه الآراء الخيالية، لأننا سلفاً نقرّ بها ونحرص عليها، بل نحن نريد فقط أن نلحّ على فكرة من نظام أكثر شمولاً: إن هناك وسائل ناجحة لإدخال الديمقراطية على نظام يقتَّرب من نهايته، في إطار لا نجد فيه إلا قليلاً من الناس- هذا إن افترضنا أن مثل هذا العدد موجود -يشعرون بأنهم ممثَّلون فعلاً. ولكن يجب علينا أن نتخلى عن عاداتنا العقلية القديمة، ونهمل ماضياً صار عمره ثلاثة قرون. ذلك أننا لم نعد نستطيع حل المشكلات التي نعانيها بالاعتماد على الأيديولوجيات، أو على بقايا بنى ورثناها من الموجة الثانية. 
ولكن يجب أيضاً أن نمتحن مثل هذه المقترحات ذات المقتضيات اللامؤكدة، على الأرض، وعلى مقياس صغير، من قبل أن نوسع مجال التطبيق. ولكن مهما يكن رأينا في مثل هذه الأفكار، فإن الاعتراضات القديمة، التي كانت تقف في وجه الديمقراطية المباشرة تضعف، وذلك في اللحظات التي تتعزز فيها الاعتراضات التي تثار في وجه الديمقراطية التمثيلية. ومهما يكن خطر الديمقراطية نصف المباشرة التي ندعو إليها، ومهما تكن، في عيون بعض الناس، فإنه يبقى أن ما ندعو إليه، هو مبدأ معتدل يمكن أن يساعدنا على اقتراح مؤسسات جديدة قابلة للتطبيق. 
تقسيم القرار 
إن زيادة فتح أبواب السلطة للأقليات، وإتاحة الفرصة للمواطنين للتدخل بشكل أوسع في حكومتهم، هما قضيتان ضروريتان بدرجة واحدة، ولكن هذا لا يكفي. وعلى هذا فإن المبدأ الحيوي الثالث، في سياسة الغد يتجه إلى كسر القفل على القرار، ونقله إلى حيث ينبغي نقله- وهذا -وليس فقط تغيير القادة- هو النقيض للشكل السياسي. وهناك دواء نسميه بـ: بتقسيم القرار".
هناك مشكلات لا يمكن أن تسوّي على المستوى المحلي. وهنالك مشكلات أخرى لا يمكن تسويتها، على المستوى الوطني. وبعضها يقتضي عملاً متوازياً ومتواقتاً على مستويات مختلفة. وعدا ذلك، فإن المكان الملائم لتسوية مشكلة ما. ليس ثابتاً بل إنه يتغير مع الزمن. 
فإذا أردنا أن ننهي عهد محاصرة القرارات، الذي هو نتيجة إرهاق المؤسسات بالعمل، فإن من المهمّ آنئذ أن نجزّئ القرارات. ونعيد توزيعها- وتقسيمها بشكل أوسع، وتحديد المكان الذي يتخذ فيه القرار، طبقاً لنوعية المشكلات. ولنقل إن الجهاز السياسي الحالي متناقض تناقضاً فعلياً مع هذا المبدأ: إذ أن المشكلات قد تغيّرت، ولكن سلطة اتخاذ القرار لم تتغير. وهكذا نرى مثلاً أن كثيراً من القرارات ما يزال يخضع للمركزية، على حين أن هندسة المؤسسات أُنضجت أمثلَ الانضاج، على المستوى الوطني. وبالمقابل فإنه لا يوجد ما يكفي من القرارات على المستوى المحلي، وكل البنى الموجودة في هذا الميدان، ما تزال متخلفة جذرياً. وكل هذا من غير أن نشير إلى أن لدينا قليلاً جداً من القرارات، المتروكة على المستوى التحت الوطني أي المناطق والدول، والمحافظات والجماعات المحلية، أو التجمعات الاجتماعية، الخالية من الاقتصاد الجغرافي. 
ونحن، على المستوى العالمي، بدائيون، ومتخلفون ولانزال في هذا الموضوع كما كنا منذ 300عام. ولئن وُجد عدد من القررات، ينتقل إلى الدرجة الأعلى، خارج الدولة، فإننا سنكون قادرين على التدخل، بدرجة أكبر من النجاح، في هذا المستوى الذي هو مهد الاختيار (أو التعرض) للمشكلات المهددة بالانفجار، والمرشحة لمواجهتنا نحن. وبحكم ذلك، سيجد مركز القرار أنه مثقل بالأعباء، أعني أن الدولة -الأمة، ستخفف من عبئها بعض الشيء. إن تقسيم (تقاسم) القرار، شيء أساسي. ومهما يكن من أمر، فإننا لن نكون قد قطعنا إلا نصف الطريق، وبديهي أن من الأهمية بمكان أن "نُنزل" جزءاً كبيراً من مراكز القرار، أو أن نهبط بمستواه. غير أننا هنا نجد المبدأ القائل: "إما الكل وإما لا شيء"، لا يعمل أو لا يستقيم. فالقضية ليست في معارضة المركزية باللامركزية، بالمعنى المطلق، إذ أن المشكلة المطروحة هي إعادة تأطير آلية القرار داخل نظام تضخمت فيه المركزية تضخماً كبيراً، حتى لنجد أن سبل الإعلامات يخنق مراكز القرار. 
وبطبيعة الحال فإن حذف أو تخفيف المركزية، ليس بضمان لوجود الديمقراطية. ذلك أن إمكانية بروز بعض الاستبدادات الصغيرة والعديمة الشفقة، ليست محذوفة.، كثيراً ما تكون السياسه المحلية أكثر فساداً من السياسة الوطنية. وهذا من غير أن نقول: إن ذاك الذي يوهمك بأنه "لا مركزية" ليس في الحقيقة إلا نوعاً من التزييف لهذه اللامركزية، أما المستفيدون منها، فسيكونون من هواة المركزية. 
ومع ذلك، يستطيع الإنسان أن يناقش بقدر ما يريد، إلا أنه لا يمكن أن يتم اعادة الحس السليم والنظام والنجاح في الإدارة ) -ويصح هذا على الكثيرين من الدول- إلا بنقل جوهري للسلطة المركزية. ويجب وجوباً مطلقاً تجزئة عبء القرار، وجعلها إلى حدّ كبير في يد السلطات الدنيا. 
لا بدعوى أن بعض الفوضويين الرومانطيقيين، يريدون أن نعود إلى ديمقراطية القرية او أن بعض كبار المكلفين بالضرائب والمستائين من ذلك يطالبون باقتطاعات كبيرة من المخصصات الموضوعة للمساعدات الاجتماعية (الخاصة بالمعوزين)،بل لسبب أبسط بكثير من هذا: فالبنية السياسية حتى ولو جهزت بمجموعة من الحواسيب، لا تستطيع أن تستوعب إلا جزءاً معيناً من القرارات، من نوعية معينة، ولكن الحكومات- بحكم كثرة واجبات القرار- قد تجاوزت نقطة اللاعودة. 
وشيء آخر أيضاً هو أن المؤسسات الحكومية لا بُدّ لها من أن تنسجم مع بنية الاقتصاد، ونظام الإعلام، والاعتبارات الأخرى الناشئة عن حضارة الزمن الذي تعمل فيه.ذلك أننا تشهد اليوم تناثر المركزية، والتجزؤ المحلي للإنتاج والنشاط الاقتصادي. والحقيقة أن من الممكن جداً ألا يكون الاقتصاد الوطني وحدة هو القاعدة. 
وعلى نحو ما لاحظنا سابقاً فإننا نشهد داخل الاقتصادات الوطنية، بروز اقتصادات جزئية في المناطق، تزداد أهميتها. وعندئذ نرى الشركات لاتبذل جهداً من أجل القيام بتجزئة داخلية فقط، بل إنها أيضاً تقوم بتجزئة مركزيتها تبعاً للمناطق الموجودة فعلاً. 
وينشأ هذا كله، جزئياً، عن التحول الضخم في سييل المعلومات التي تسقي المجتمع. ومع ضعف التشعب المركزي نشهد، على ما لاحظنا من قبل- تفكك المركزية الأساسية للاتصالات، إننا نشهد تكاثراً مريعاً في عدد التلفزيونات ذات الكابلات، والحواسيب وأنظمة التواصل الالكترونية الخاصة، التي تمضي كلها في اتجاه اللامركزية. وليس في الإمكان أن تقوم شركة ما، بنثر النشاط الاقتصادي، والاتصالات، والكثير من طرائق العمل الأساسية، من دون أن ترى نفسها، ذات يوم، مرغمة أيضاً على نثر القرار (أي نثر القرار بين فروع الشركة).
إن هذا كله ليقتضي شيئاً آخر غير مجرد ارتقاء المؤسسات السياسية، كما يقتضي معارك عنيفة، هدفها هو الرقابة على الموازنات والضرائب، والأرض، والطاقة، والمصادر الأخرى. إن نثر أو تناثر مراكز القرار لن يكون مطلباً سهل الانتزاع،ولكنه شيء لا بد منه، أو محتوم في البلاد المشبعة جداً بالمركزية. 
ازدهار النخب 
ولكي نفهم ماهية الديمقراطية لا بدّ من الاعتراف بأن مفهوم عبء القرار ذو أهمية كبيرة. إن شيئاً من الكم وشيئاً من الكيف في القرارات السياسية، أمرٌ لا بد منه لعمل  كل المجتمعات. والحقيقة أن لكل واحدة من هذه، بنية خاصة لاتخاذ القرار. وكلما ازدادت القرارات عدداً، وتنوعت، وتعقدت، ازداد عبء القرار السياسي: ثم إن الطريقة التي يُوزّعُ بها هذا العبء لتؤثر بصورة أساسية في مستوى المجتمع الذي ينظر إليه. 
وفي المجتمعات السابقة للصناعة، حيث يكون تنوع العمل ضئيلاً، والتغيرّ قليلاً، كانت كمية القرارات السياسية أو الادارية المطلوبة فعلاً، لتشغيل مكنة العمل، ضئيلة. وكان عبء القرار قليلاً. وكانت نخبة محدودة جداً نصف مثقفة وغير مختصة، قادرة على تشغيل المكنة، دون عون من أصحاب الدرجات الدنيا. وكانت وحدها تحمل عبء القرار كله. 
أما ما نسمِّيه اليوم ديمقراطية، فإنه لم يظهر إلا في اللحظة التي كان فيها عبء القرار، يتخذ أهمية ضخمة، لم يكن في وسع النخبة القديمة أن تحمله.. وعندما ظهرت الموجة الثانية، حاملة معها، اتساع السوق، وتقسيماً أكبر للعمل ، وانتقالاً إلى مستوى أرقى من التعقيد الاجتماعي، أثارت، في زمانها، حادثة انبثاق للقرار، شبيهة بتلك التي تسبب انفجار الموجة الثالثة، اليوم. 
وكانت كفاءة اتخاذ القرار لدى الفئات القيادية تجد أن ظروف الحياة الجديدة قد تجاوزتها. وكان يجب أن تُختار نُخبٌ ذات كفاءة عالية ونخب دونها بقليل، كعناصر مساعدة لمجابهة الشروط الجديدة.وإنشاء معاهد ومؤسسات سياسية ثورية وغير معهودة لتهيئة الكفاءات المطلوبة. 
وعندما لوحظ تنامي المجتمع الصناعي، وازداد تعقيداً اضطر" تقنيو السلطة" بدورهم، للبحث باستمرار عن دم جديد لمساعدتهم في حمل العبء، عبء اتخاذ القرار الذي يظل متضخماً. وهذه السيرورة، اللامرئية، على كونها محتومة، هي التي أدخلت في صفوفها، تلك الطبقة الوسطى في الحياة السياسية، بأعداد متراصة باستمرار، وهذه الحاجة الماسة إلى اتخاذ القرارات هي التي أدت إلى اتساع دائرة الحصانات، وإفساح المجال، بصورة متزايدة، لدخول أناس جدد من الطبقة الأدنى. 
وحتى إذا لم يكن هذا الوصف إلا تقريبياً، أو غير دقيق كل الدقة، فإنه يبرهن على أن تنامي الديمقراطية متعلق بالثقافة، ويتجابه الطبقات العزيز على الماركسيين، والشجاعة في المعركة" وحسن الخطابة، والإرادة السياسية، بأقل مما يتعلق بتضخم عبء القرار الذي يقع على عاتق كل المجتمعات. وعندما يصبح هذا العبء مفرط الثقل، يجب حتماً أن يجد من يقوم به، بتوزيعه على أعداد أكبر، عن طريق المشاركة الديمقراطية.. وعلى ذلك فإنه عندما يتمدّد عبء القرار الذي يتحمله النظام الاجتماعي، تصبح الديمقراطية ضرورة من ضرورات التطور، وليست مجال اختيار حر. ذلك أن النظام لا يقوم إلا بها. 
وهذا كلّه   يحملنا على التفكير، من جهة أخرى، على أننا ربما كنا على عتبة القيام بقفزة كبيرة في ميدان الديمقراطية. ذلك أن الحاجة نفسها إلى القرار. -التي تشل رؤساءنا، ورؤساء وزرائنا، وحكوماتنا- هي التي تفتح لنا الطريق، لأول مرة منذ بداية الثورة الصناعية - إلى توسّع ضخم وأساسي في المشاركة السياسية. 
ثم إن الحاجة إلى خلق مؤسّسات أو معاهد سياسية تتلازم والحاجة التي نشعر بها، إلى مؤسّسات عائلية تربوية واقتصادية، متصلة اتصالاً وثيقاً بالبحث عن قاعدة شديدة العزم. وهي تعكس الانقلاب الذي يؤثر أو يتناول مجال الاتصالات. وهذا الاقتضاء، أي إعادة النظر في بنى العلاقات التي نقيمها مع العالم اللاصناعي، أو قل إنه، جملة مترجمة، على المستوى السياسي للتحولات المتسارعة التي تتدخل في مختلف هذه الدوائر. 
وإذا نحن لم نر هذه الترابطات، لم نفهم شيئاً من الأخبار التي تملأ صفحات الجرائد. وليس التجابه السياسي الكبير، اليوم، هو الصراع الذي يقوم بين الأغنياء، والفقراء، والجماعات العرقية التي تتصدر الناس في كل مكان، وبين تلك التي حُرم عليها كل شيء، ولا بين الرأسمالية والشيوعية، بل يعني أن المعركة الحاسمة هي تلك التي تقوم بين من يحاولون إنقاذ المجتمع الصناعي، وبين أولئك المستعدين سلفاً، لتجاوزه.. إن هذه المعركة هي أم معارك الغد. 
مصير يجب خلقه
هنالك أجيال، قدرها أن تخلق، أن تبدع حضارة، وأخرى، قدرها أن تبقي على هذه الحضارة، وتلك التي أطلقت الموجة الثانية من التغيير التاريخي، كانت يحكم الضرورة أجيالاً خلاقه. فمونتسكيو، وستوارت ميل والماديسيون les Maldisons هم الذين اخترعوا أكثر البنى السياسية التي تبدو لنا، وكأنها أشياء طبيعية. وكان دور هؤلاء، في نقطة الفصل بين حضارتين، دور خلق الحضارة الجديدة. 
وفي اللحظة الحاضرة، وفي كل مجالات الحياة الاجتماعية، سواء أتعلق الأمر بالأسرة، أم بالمدرسة، أم بشركة ما، أم بالدين، أم بأنظمة الطاقة، أم بشبكات الاتصال، نجد أنفسنا، نحن أيضاً، أمام ضرورة خلق أشكال ملائمة جديدة، للموجة الثالثة. وهنالك، في بلاد كثيرة، ملايين من الناس قد تعهدوا القيام بهذه المهمة. ولكن ما من بلد يظهر فيه تهافت البنى، وخطورة الوضع، كما هي الحال في حياتنا السياسية، وما من بلد في العالم، يتسم بمثل هذا النقص في الخيال، والتجريب، وكراهية التغيرات الأساسية، مثل بلدنا. 
لكن الناس الذين يبرهنون على روح جريئة في التجديد في عملهم، سواء أكانوا في مكاتبهم، كمحامين، أم في مخابرهم، أم في مطابخهم أم في صفوفهم (طبقاتهم) أم في شركاتهم. يبدون وكأنهم يذهلون متى حدثناهم بالقليل القليل، عن مساوئ دستورنا وبنانا السياسية، وعن ضرورة تجديدها تجديداً جذرياً. إن مجرد الإشارة إلى تغيير سياسي عميق، بما فيه من أخطار يخيفهم إلى الدرجة التي تراهم فيها يعتقدون أن الإبقاء على الوضع القائم، مهما يكن سريالياً ومؤسفاً -هو الخير الأعظم لبلد هو أحسن بلاد العالم. 
وبالعكس فإن هناك في كل المجتمعات، فئة من أشباه الثوريين، المتجذرين في العقائد البالية العائدة للموجة الثانية، ترى أنه ما من تغيير مقترح، هو جذري، بالدرجة الكافية- إنهم ماركسيون متخلفون أو فوضويون رومانطيقيون، أو من أقصى اليمين، أو ثوار بالبابوح ، أو إرهابيون غيفون.،  يحلمون بحكومات فنيين، مقيدة بطوبائيات القرون الوسطى. وفي الحين الذي ندخل نحن فيه. بسرعة كبيرة. في عهد تاريخي جديد، تراهم يهذون بنماذج من الثورات، استُمدت من البيانات السياسية، المصفرة مما صدر البارحة (الأيام الماضية).
ولكن في الحين الذي تشتد فيه المعركة الكبرى، نجد أننا لن نشهد استعادة أية درامة ثورية من الزمن الماضي -ولن نشهد أيضاً إنقلاباً للنخب بقوم به (حزب طليعي) يجرُّ إليه الجماهير، ولا تمرّداً عفوياً، مزيف الطهارة، يكون الإرهاب أداة لتخمره. إن إنشاء بنى جديدة سياسية ملائمة لحضارة من الموجة الثالثة، لا يتم كثمرة لأي "ليلة قدر" أو شكل احتفالي، بل سيكون نتيجة ألف تجديد، وألف صدام، تتدخل على مستويات عديدة، في أماكن كثيرة، على مدى عشرات السنين. 
وهذا لا ينفي إمكانية العنف على الطريق الذي يؤدي بنا إلى الغد. وكان الانتقال من حضارة الموجة الأولى، إلى الثانية طويلاً، كمأساة دامية، أو نسيج من الحروب، أو تمردات، ومجاعات وهجرات ارغامية ، وانقلابات عسكرية. ومصائب. أما اليوم ، فإن الرهانات أعلى بكثير، والزمن أقصر، والتسارع أوضح، والأخطار أكبر وأكبر. 
وكثيرة هي الأشياء التي تتعلق بالمرونة، وبالذكاء الذي تملكه النخبة، أو من هو فوق النخبة، أو تحتها حالياً، فإذا بدا أنها قصيرة النظر، مجرّدة من قوة الخيال، ومرعوبة كأكثر الفئات القيادية، في الماضي، فإنها ستقاوم الموجة الثالثة، مضاعفة بذلك أخطار العنف، ومسرعة للقضاء على جماعاتها. 
وبالمقابل، فإنها إذا قبلت أن تمضي مع الموجة الثالثة وإذا اعترفت بضرورة توسيع الديمقراطية، عندئذ يمكنها أن تشارك في تأسيس حضارة جديدة، تماماً كالنخب الأكثر تبصّراً أيام الموجة الأولى التي شاركت في ولادة الحضارة الصناعية، عندما استبقت الأحداث وفهمت مغزاها. 
لكنّ الوضع يختلف بين بلد وآخر. إذ لم يوجد قط في التاريخ، عددٌ بهذه الكثرة من الناس المتمتعين بمستوى ثقافي معقول، والمزوّدين، بجملتهم، بمعرفة، بمثل هذه القوة والتألق. وكذلك لم يوجد قط عدد من الناس يملكون سعة مادية، لها كل هذا اليسار- الذي ربما كان مؤقتاً، ولكنه كان، يتيح لهم أن يخصصوا جزءاً من أوقاتهم وطاقاتهم من أجل التفكير والعمل المدني. ولنقل أيضاً لم يوجد قط هذا العدد من الناس الذين يستطيعون الاتصال، والسفر، والاحتكاك بثقافات أخرى، وكذلك، وبصورة خاصة أيضاً، تقول أنه لم يوجد قط مثل هذا العدد من الناس الذين يستفيدون عندمايسهرون على أن تتم التغيرات مهما تكن عميقة، بصورة سلمية. 
وهذه النخب المثقفة أكثر من غيرها، لا تستطيع وحدها إن تبني حضارة جديدة. بل إن من الضروري أن تتآزر الطاقات بكاملها. وفعلاً فإن هذه الطاقات موجودة. ولا تنتظر إلا أن يتم تجنيدها. والحقيقة أننا إذا عهدنا للجيل القادم، وخاصة في البلاد ذات التقانات العالية، بخلق أو إنشاء مؤسسات ودساتير جديدة فعلاً، "فلربما حررنا عندئذ شيئاً أكثر بكثير من الطاقة: أي من الخيال الجمعي. 
وكلما بكرنا في رسم صورة المؤسسات السياسية الجديدة، المؤسسة على المبادئ الثلاثة المشار إليها سابقاً، أي تحرير الأقليات، والديمقراطية نصف المباشرة، وتقسيم أدوات القرار- نكون عندئذ قد ضمنا الانتقال السلمي- وسرّعنا خطواته.إن إرادة تبطئه هذه التغيرات، لا التغييرات نفسها، هي التي تزيد الأخطار. ثم إن الإرادة العمياء في الدفاع عما قد فات أوانه، هي التي تزيد أخطار المجابهات الدموية. ونتيجة ذلك، اننا إذا أردنا تجنب الاضطرابات العنيفة بترتب علينا، منذ الآن، أن نركز الجهود على مشكلة تقادم العهد على البنى السياسية في العالم، وعدم تسليم هذه المشكلة إلى الخبراء وحدهم -مثل الاختصاصيين في الحقوق الدستورية، والمحامين والسياسيين- ولكن إلى المؤسسات المدنية، والنقابات والكنائس، والجماعات النسائية، والأقليات العرقية، والعلماء وربات البيوت، ولرجال الأعمال. 
ويجب علينا، في المرحلة الأولى،أن نفتح نقاشاً عاماً، موسعاً بقدر الإمكان، حول موضوع: ضرورة الدعوة إلى نظام سياسي يتلاءم مع حاجات الموجة الثالثة. ويجب أن نكثر من المحاضرات، والإذاعات المرئية، والندوات حول طاولة مستديرة، والتدريب على تمثيل صور الحضارة القادمة. وإنشاء ما يشبه الجمعيات الدستورية (المجالس الدستورية) أملاً باستخلاص مجموعة من المقترحات المتصلة بإعادة البنى السياسية، وبفتح الطرق للحصول على سيل من الأفكار الجديدة. وعلينا أن نهيء أنفسنا لاستخدام كل ما يمكن استخدامه من أفكار عادية، أو مؤنقة، مما نحن قادرون على الاستفادة منه، بدءاً من الأقمار الصناعية والحواسيب حتى ما يسمى بال VIDEO- DISQUE ( )في التلفزيون ال INTERACTIVE وما من إنسان يعرف بدقة ما سيكون عليه المستقبل، ولا مم يتألف منه ولا ما يتلاءم أفضل التلاؤم مع الموجة الثالثة. ولهذا السبب، فإن ما يجب أن نتصوره ونضعه في حسابنا ليس إعادة تنظيم كتلة واحدة ووحيدة، وليس باستحالة ثورية وحيدة، مفروضة من الخارج، بل الذي نريده هو آلاف التجارب اللامتمركزة (الخالية من المركزية) التي تتيح لنا أن نتحقق من قيمة نماذج جديدة لانضاج القرار، على المستويين المحلي والمناطقي، تسبق تطبيقات أخرى وطنية، وأكثر من وطنية. 
وعلينا في الوقت نفسه أن نبدأ بإنشاء مركز انتخابي بغية القيام بتجريب مشابه، يتناول المؤسسات الوطنية، والتي تشمل أكثر من بلد واحد، بغية إعادة صهرها، وتنظيمها من جديد. وفي يومنا هذا ربما استطاع انقشاع الوهم المشترك بين الكثيرين من الناس، والتعصب، والمرارة، من حكومات الموجة الثانية، أن تتحول، بالقوة نفسها،إما إلى استشاطة الغيظ العصبي والطائفي، استجابة لبعض الديماغوجيين المتعطشين إلى الدماء، وإما إلى ما يغذي سيرورة إعادة بناء الديمقراطية. 
وعندما نقوم بحملة تربوية واسعة -هي تجربة للديمقراطية المسبقة في عدد كبير من البلاد في الوقت نفسه -نستطيع أن نقيم عقبة أمام الهجمات الدكتاتورية (التوليتارية): ونستطيع أن نهيء الجماهير للتشتت والأزمات المهلكة التي ترقبنا. ونستطيع أن نمارس تأثيرات محلية مركّزة استراتيجياً في الأجهزة السياسية الموجودة، بغية تسريع التغيرات الضرورية. 
فإذا غضضنا النظر عن هذا الضغط الضخم، المتجه من تحت إلى فوق- فعلينا ألا نأمل ألا يتحرك القادة الحاليون الرسميون - كالرؤساء ورجال السياسة، والشيوخ وأعضاء اللجان المركزية- لإدانة مؤسساتٍ مهما تكن قلقة أو متفسخة- تظل بالنسبة إليهم مصادر نفوذ وثروة، وهذا من غير أن ندخل في الحساب، أنها تقدم لهم الشعور بامتلاك شكل السلطة كبديل عن حقيقتها. إن بعض رجال السياسة المطلعين واليقظين، وبعض الشخصيات المتميزة، سيقدمون يد المساعدة في المعركة الهادفة إلى تغيير المؤسسات السياسية، إلا أن أكثرهم لن يتحركوا، قبل أن تكون المطالب الخارجية قد اكتسبت قوة لا تقاوم، أو قبل أن تكون الأزمة التي بلغت الكثير من النضج، وملأت الدنيا عنفاً، بحيث لا يرى في الأفق إمكانية أخرى. 
وعلى ذلك فإننا نحن -آخر الأمر- المسؤولون عن حركة التغيير. ولنقل إن علينا أن نبدأ بتغيير أنفسنا عن طريق التعلم بأن لا تغلق عقولنا قبل الأوان، على ما هو جديد. وهذا يعني أن نقف ضد خانقي الأفكار السريعين إلى القضاء على كل موقف جديد، بدعوى أنه غير واقعي، أولاً يمكن تحقيقه، نعني أولئك المدافعين باستمرار عن كل ما سبق أن وُجدَ، حتى ولو كان سخيفاً، قاهراً أو غير قابل للاستغلال- بدعوى أنه صالح للاستخدام. وهذا يعني ضرورة القتال -أو النضال من أجل حرية التعبير - ومن أجل حق الناس في صياغة آرائهم حتى ولو كانت من نوع الهرطفة.
وهذا يعني بشكل خاص أن نقوم دون تباطؤ، بتيسير سيرورة إعادة البناء، قبل أن تصاب النظم السياسية القائمة بالانحلال، وقبل أن تكون قد وصلت إلى العتبة الكريهة، التي تتفلت بعدها قوى الاستبداد، وتجعل من المستحيل أن يتم الانتقال بصورة سليمة إلى ديمقراطية القرن الواحد والعشرين. 
فإذا نحن بدأنا العمل دون تأخير، فإننا نستطيع نحن وأبناؤنا أن نساهم في هذا العمل المثير لحماسة الإنسان، ونعني به، لا مجرد إعادة بناء بنانا السياسية التي عفى عليها الزمن، بل إعادة بناء الحضارة نفسها. 
وكما كانت حال جيل الثوريين سابقاً، فإن قدرنا نحن هو أن نخلق مصيرنا. 
من أجل المزيد من المعلومات 
حيّت الصحافة الأمريكية، وصحافة بلاد كثيرة أخرى ظهور كتبنا السابقة، كتب ألفين وهيدي توفلر، التي وصفت بأنها رائعة حسب تعبير "الواشنطن بوست، "وشبيهه بالمتفجرات، و"مكتوبة بأسلوب رائع" بلغة ال WALL STREET JOURNAL أو ذات طراوة لا تموت، طبقاً لقول ال BUSINESS WEEK  وتُرجمت هذه الكتب إلى ما هو أكثر من ثلاثين لغة، وطُبع منها عدة ملايين من النسخ، وقد قرئت من قبل بعض رؤساء الجمهوريات ورؤساء الوزراء، كريشار نيكسون، وأنديرا غاندي وياسوهيرو ناكاسون وميخائيل غورباتشيف، وكل منهم أشار إليها أمام الجماهير أوفي أحاديثه مع الأصدقاء. 
وعندما ظهر كتاب "الموجة الثالثة" ووصل إلى الصين أعربت السلطات مباشرة عن رأيها في أنه مصدر، تلوث عقلي غربي، وحرّمت بيعه. وعندما سمح له من جديد بالتداول أصبح وكأنه النجاح الثاني بين الكتب المبيعة في الصين الشعبية.. وبعد خطابات DENG XIOPING  أصبح "انجيل" الحركة الديمقراطية. وعندما خلع القساةُ ZHAO ZIYANG رئيس الحزب الشيوعي الذي بدا وكأنه يريد المصالحة مع الطلاب الذين كانوا يتظاهرون في ساحة TIENANMEN لِيَم الرجل بين أشياء أخرى- على أنه استقبل التوفلريين. 
وفي الحين الذي كانا يرفضان فيه كلمة "التنبؤ" مشيرين إلى أنه ما من أحدٍ يستطيع أن يعرف المستقبل، كانت كتبهما ومحاضراتهما قد سبقت، وأحياناً بعشرات السنين، عدداً من الحوادث الكبرى في أيامنا، لا سيما ارتفاع شأن الحاسوب، وانهيار الاتحاد السوفييتي وتوحيد ألمانيا، وتفجر الأسرة النووية، وصور التقدم التي تحققت خلال (أثناء) السنوات الأخيرة في مادتي التصور والكلوناج ( أي الاستنساخ ) ، والأشكال الجديدة المعادية للبيروقراطية، وتكاثر الأسواق والاتصالات، في كل مكان، من غير أن ننسى تنامي التنظيمات السياسية، القائمة حول الرهان الوحيد، أو رهان الموجة الثالثة، والحركات الأساسية والاهتمام "بالديمقراطية".
وأهم كتبهما: كتاب "صدمة المستقبل، والموجة الثالثة وتغيرات السلطة.
حول الرهان الوحيد، رهان الموجة الثالثة، والحركات الأساسية الداعمة لها، والعامل لأوسع ديمقراطية ممكنة، والاستفادة من المعارف المستحيلة في الحواسيب، والكترونيات، والمعرفة الإنسانية المتنامية، وأهم كتبهما  كتاب صدق المستقبل، والموجة الثالثة وتغيرات السلطة 
 


الفهرس 
تمهيد 5
مقدمة 7
مقدّمة: دليل القرن الواحد والعشرين لاستخدامه من قبل المواطنين. 10
الفصل الأول: المعركة العظمى  SUPER - COMBAT 17
الفصل الثالث: البديل الأخير 33
الفصل الرابع: الطريقة التي ننشئ بها الثروة 39
الفصل الخامس: الإمعان في المادية 47
الفصل السادس: اصطدام الاشتراكية بالمستقبل. 61
الفصل السابع: تجابه المتنبئين 71
الفصل الثامن: مبادئ جدول أعمال للموجة الثالثة 81
الفصل التاسع: الديمقراطية في القرن الواحد والعشرين 87
 




رقم الايداع في مكتبة الأسد - الوطنية 

إنشاء حضارة جديدة سياسة الموجة الثالثة: دراسة= Créer une nouvelle civilisation La politique de la troisième vague  / الفين و هيدي توفلر؛ ترجمة حافظ الجمالي... دمشق : اتحاد الكتاب العرب، 1998 - 107 ص ؛ 24 سم .

1- 303.4 ت و ف إ 2- العنوان   3- العنوان الموازي
4 -توفلر   5- توفلر 6- الجمالي
ع -1950/11/98      مكتبة الأسد




هذا الكتاب 


كتاب مترجم يرصد وجهة نظر المؤلفين حول مستقبل الولايات المتحدة الأميركية ودورها في صنع حضارة جديدة تعتمد على المعلوماتية.
واعتمادها على التقانة الحاسوبية في دخولها الألفية الثالثة إعلاناً منها لبداية تاريخ 
لا لنهاية التاريخ.


••







إنشاء حضارة جديدة سياسة الموجة الثالثة / الفين وهيدي توفلر ترجمة: حافظ الجمالي ج2




الفصل الرابع


الطريقة التي تنشئ بها الثروة


في عام 1956، عَبّر الرجل القوي في الاتحاد السوفييتي نيكيتا خروتشيف، عن هذه الطريقة، بتبجّحه المشهور، قائلاً: "سوف نقبركم".. وكان يريد أن الشيوعية في السنوات القادمة، كانت ستسبق النظم الرأسمالية، اقتصادياً. ولكن هذا التبجح كان يحمل معه، ذلك التهديد بهزيمة عسكرية، ولقد انعكس ذلك في كل أرجاء المعمورة.
ويبقى مع ذلك أنه في ذلك الحين، كانوا قلائل أولئك الذين يظنون- حتى ولو ببعض الغموض- أن ثورة من نوع النظام الغربي، في طريقة إنشاء الثروة، كانت على وشك أن تحوَّل التوازن العسكري في العالم- بل إنها كانت ستغير طبيعة الحرب نفسها.
هذا الذي كان خروتشيف (وأكثر الأمريكيين) لا يعرفونه، هو أن عام 1956 كان العام الأول الذي لوحظ فيه أن القبات البيضاء ومستخدمي الخدمات، كانوا أكثر عدداً من القبات الزرقاء وعمال المعامل في الولايات المتحدة. كانت ذلك أول علامة على انحطاط الاقتصاد المصنعي للموجة الثانية، وبداية نشوء الموجة الثالثة.
ولكي نحسن فهم التغيرات العجيبة في فن الحرب، التي جاءت في ذلك الحين، ولكي نتنبأ بالتغيرات الأخرى الأبعث على الدهشة والتي كان المستقبل يحتفظ بها لنا، ينبغي علينا أن ندرس الميزات العشر، الحاسمة، في اقتصاد الموجة الثالثة، وإليكم الآن - على الرغم من أننا سنكرر أقوالنا أحياناً- مفاتيح العائد، الاقتصادي والتزاحم العالمي. وكذلك أيضاً، مفاتيح الاقتصاد السياسي للقرن الواحد والعشرين.


عوامل الإنتاج


وعلى حين أن الأرض، والعمل، والمواد الأولية، ورأس المال، كانت العوامل الأساسية في إنتاج اقتصاد الموجة الثانية، فإن المعرفة - التي يُفهم منها هنا، بالمعنى الواسع، كلُّ مايتصل بالمعطيات، والإعلام، والصور، والرموز، والثقافة، والايديولوجيا والقيم - هي المصدر الأساسي لاقتصاد الموجة الثالثة.
ولكن الفكرة القائلة بأن المعرفة تصبح البديل النهائي عن كل العوامل الأخرى للإنتاج تظل غير مفهومة كما ينبغي لها بل إن رجال الاقتصاد (علماءه)، والمحاسبين التقليديين مايزالون يجدون عناءاً في التلاؤم مع هذه الفكرة، لأنها صعبة أو عصيّة على الدخول إلى نطاق المقادير والكميات.
وهذا الذي يجعل اقتصاد الموجة الثالثة، ثورياً حقاً، هو أنه إذا كانت الأرض، والعمل، والمواد الأولية، وحتى رأس المال، يمكن أن تُعدَّ كموارد ذات مدى محدود Finis فإن المعرفة من حيث المبدأ، لا تنتهي، وخلافاً لفرن، أو لسلسة تركيب([1])، نجد شركتين، استخداماها في الوقت نفسه، بالاعتماد على نفس المعرفة، للوصول إلى معرفة أكثر أيضاً.
2- قيم لا يمكن مسّها


وعلى حين أنهم كانوا يقيسون قيمة أي شركةٍ من طراز الموجة الثانية بمصطلحات الموجود الفعلي، مثل الأملاك العقارية والمكنات والمخزون وقوائم التقويم، فإن قيمة المشاريع التي هي من طراز الموجة الثالثة، والناجحة، تقوم أكثر فأكثر، على قدرتها على كسب المعرفة، وتوليدها، وتوزيعها وتطبيقها، بصور استراتيجية وعملياتية.
إن القيمة الحقيقية لمثل شركة كومباك Compaq  وكوداك kodak  وهيتاشي Hitachi  أو Siemens  تقومُ على أفكارُ وحدوس ومعلومات مخزّنة في رؤوس مستخدميهم، أو في بنوك المعطيات، أو الشهادات التي تحصل عليها هذه الشركات، أكثر مما نتعلق بالشاحنات، وخطوط الإنتاج، والثروات المادية الأخرى، التي يمكن التصرف بها. ثم إن رأس المال نفسه يقوم بعد الآن، وأكثر فأكثر، على ثروات لايستطاع لمسُها، أو لا يمكن أن تلمس.
3- تجزئة الإنتاج:


إن الإنتاج الكثيف الذي يُعرَّف به اقتصاد الموجة الثانية يعتبر أكثر فأكثر، شيئاً فات أوانه، على حين أن الشركات تزود نفسها بأنظمة تصنيع، غنية الإعلام، بل وكثيراً ماتكون قد روبطت Reboti Sez (أي كُلَف بها، وبتشغيلها إنسان الروبو Robot) لكي تكون قادرة على تغيير صورة إنتاجها، بأسعار رخيصة، وقد تكون أحياناً مهيأة لكل طلبٍ ذي نوعية خاصة به، والنتيجة الثورية لهذا النموّ هي، في الواقع، "العدول عن الإنتاج الكثيف إلى الإنتاج الخفيف.
ويُشجع التطوُّر باتجاه "التقنيات المرنة القادرة على التنويع وعلى تلبية اختيارات المستهلك، إلى الدرجة التي نرى معها أن متجر wal- Mart، يمكنه اليوم أن يقدِّم للمشتري مايقرب من 110.000 منتجٍ من نماذج وحجوم وأشكال وألوان مختلفة.
ولكن وول- مارت يُسِّوق بالجملة. غير أن سوق الجملة نفسه، يتجزأ ليكوِّن أعشاشاً متمايزة، في الحين الذي تتنوّع فيه حاجات الزبائن ويرقى الإعلام بحيث يكون في وسع المصانع أن تنشئ أسواقاً صغيرة لتلبية الحاجات المتجددة. فالمتاجر و الحوانيت، والمساحات السطحية الكبرى المرخص بها، ونظام الطلب هاتفياً أو برقياً أو فاكسياً، والشراء عن طريق هاتف صغير، أو عن طريق الرسائل، بغية توزيع البضائع على الزبائن، في سوق يزداد تنويعها، ويُعدلُ فيها عن البضائع الموحدة التابعة للإنتاج الكثيف، وفي الوقت نفسه تُركَّز على الدعاية، مقاطع من السوق أصغر فأصغر، يُحصل عليها بوسائل إعلامية تزداد صغراً.. وما أزمة السلاسل التلفزيونية الكبرى، القديمة مثل A.B.C و CBC  وNBC - على حين أن شركةTele commiu- nication  أي شركة Denver، تقدِّم للمشاهدين مايقرب من 500 محطة تلفزيونية تتبادل العمل- إلا تأكيد على زوال غير متوقع لما يُسمَّى "بالجمهورالعام" ويستطيع الباعة، بفضل هذه الأنظمة أن يصيبوا المشترين، بدقة تتزايد من يوم إلى يوم.
وهكذا فإن تخفيف الإنتاج المتواقت على مستوى الطلب، أو مستوى التوزيع، والتواصل، يثوّر الاقتصاد، بجعله يمر من تشابه مؤكد إلى اختلاف كبير.



4- العمل.


ثم إن العمل نفسه قد تحوّل عما كان عليه، فالعمل القائم على القوة العضلية، واللامتخصّص، والمستند إلى حلول أي عامل محلّ الآخر، كان محرك الموجة الثانية. وكانت التربية الجماهيرية، على مثال المعمل، تهيئ العمال لعمل روتيني، ومتكرر، أما الموجة الثالثة، بالمقابل، فإنها تصحَبُ بعدم إمكانية التبادل المتزايد لليد العاملة، على حين أن حاجات اليد العاملة المختصة، ترتفع كما يرتفع السهم.
إن القوة العضلية هي في الأساس قابلة للتبديد والاستهلاك. وهكذا فإن عاملاً ما، غير متخصص، يترك العمل أو يَسرَح، ويعوص عنه بسهولة، وبأجر يصل إلى الحد الأدنى. وبالمقابل فإن العامل الذي يكتسب درجة من الكفاءة المتخصصة، لما يتطلبه اقتصاد الموجة الثالثة، يجعلُ من الصعب والمكلف تغييره، لصعوبة الحصول على مثله.
فإذا وجد حارس مسرّح من معمل كبير يعملُ لحساب الدفاع، تجاه مزاحمة كمية عنيفة  من قبل عمال آخرين لا عمل لهم، يمكنه أن يجد عملاً كحارس في مدرسة مثلاً، أو في شركة لأعمال البرّ. وبالمقابل فإن المهندس الإلكتروني الذي أمضى سنين وسنين في بناء الأقمار الصناعية، لا يملكُ بالضرورة تلك المزايا المطلوبة للعمل في شركة متخصصة في تقنيات البيئة. والطبيب النسائي لا يملك ما يؤهله لجراحة الدماغ، وهكذا فإن الاختصاص الذي يزداد عمقاً والتجدّد السريع في أمر الكفاءات الضرورية، يقلّلان من إمكانية تبادل الاعمال أو اليد العاملة.
وبمقدار ما تنمو الاقتصاداتُ، يَبرزُ تغيّرُ آخر على صورة "علاقة جديدة بين "العمل المباشر" والعمل غير المباشر. فالعمل المباشر، والإنتاج بالمصطلحات التقليدية (ولكن هذه تفقد معناها بسرعة) ثمرةٌ لجهد العمال الذين يُصنعون المنتج بصورة مشخصة في معاملهم. إنهم ينتجون القيمة المضافة، على حين أن كلّ المساهمات الأخرى. تعدُّ "غير منتجة" أو "غير مباشرة".
اما في أيامنا هذه، فإنَّ هذه التمييزات يختلط أمرها، على حين أن العلاقة بين العمال وأصحاب الياقات البيضاء، من التقنيين أو الاختصاصيين، يهبط ليصبح على مستوى المعمل. ذلك أن العمل "اللامباشر" ينتج "على الأقل، مثل، هذه القيمة، إن لم يكن أكثر مما يعادل" العمل المباشر([2]).
5- التجديد:


اقتصاديات اليابان وأوروبا، بعد أن شُفَيت من الحرب العالمية الثانية، أخذت المصانع الأمريكية، تخضع، في لنار المزاحمة. وطمعاً في مجابهتها، يصبح التجديد أمراً لابدَّ منه. ولابدَّ من أفكار جديدة من المنتجات والتقانات والسيرورات والتسويق والتمويل. وهكذا فإن مايشبه 1000 منتج جديد، تظهر في الأسواق الأمريكية، كلَّ شهر. وحتى قبل أن يحل الحاسوب 486 محل الحاسوب 386، كان الحاسوب 586 في طريقه إلى النضج. وهكذا فإن المصانع الذكية تشجع مستخدميها على اتخاذ المبادرة، وطرح أفكار جديدة، وحتى - إذا لزم الأمر- الاستغناء عن قواعد اللعبة.
6- السلّم (المدرج)


تضيق، في عهد الموجة الثالثة، وحداتُ العمل، وبدلاً من العمال الذين يُهرعون بالآلاف، إلى أبواب المصنع نفسه - وهذه صورة كلاسيكية للاقتصاد الصناعي- نجد أن سُلم العمليات يتضاءل، في نفس الوقت الذي تصغر فيه أيضاً سُلم منتجات كثيرة. وتلك الكثرة من العمال الذين يقومون - في أهم مايقومون- بنفس العمل العضلي، تخلي المكان لمجموعات صغيرة متمايزة ومتميزة. وتقوم الشركات الكبرى بانتزاع الشحوم (أي بالاستغناء عن العمال الفائضين عن الحاجة)، كما أن الشركات الصغيرة تتضاعف. وعلى سبيل المثال، نقول: إن شركة IBM التي كان عندها 370000 عامل، تفسح المجال لصناع أكثر تواضعاً، في العالم كله. وحرصاً على البقاء، نجدها تسرح من العمال ماتستطيع، وتتجزأ هي نفسها إلى (13) وحدة عمل أصغر منها.
أما في نظام الموجة الثالثة، فإن الشركات المعقدة كثيراً ما تغلّب اقتصاديات السُلّم (اقتصاد الشركات الكبيرة والانتاج الكثيف). وبتعبير آخر: إن الشركات الصغرى كثيراً ماتزيدُ في العدد على الشركات الكبرى. وكلما ازدادت الشراكة تعقيداً، تزداد الصعوبة على اليد اليسرى، أن تقوم بعمل اليد اليمنى (أي لا يكون العامل العادي قادراً على القيام بعمل العامل المتخصص).
وتظهر بعضُ الشروخ طبعاً، ولكن يكثر مايلوح في الأفق من محاولات للتغلب على مافي عمل الكثرة من فوائد مرتقبة. وأما تلك الفكرة القديمة التي تقول: إن قوة أية شركة متعلقة بكبرها، فإنها تصبح فكرة أكل الدهر عليها...
7- التنظيم


وطمعاً بالتلاؤم مع التغيرات التي تتتابع بسرعة كبيرة، تقومُ الشركات بالركض، معطية قصب السبق لمن يمزق بأسرع مايمكن، تلك البنى البيروقراطية التي خلفتها الموجة الثانية. وكان لشركات العهد الصناعي، تنظيمات متشابهة، إذ كان لها جميعاً تنظيم هرمي، بيروقراطي، من نوع واحد. أما في أيامنا فإن الأسواق والنقابات، وحاجات المستهلكين تسرع في التقلب والتغيير. وتُخضع المصانع لضغوط متنوعة، يُصبح معها التجانس البيروقراطي مرغماً على التنازل، لحساب البحث عن صور تنظيم غير معهودة من قبل. فكلمة "إعادة الهندسة، مثلاً، التي أصبحت أولى الكلمات قيمة في موضوع الإدارة، تحاول هذه إعادة تبنية([3]) المصنع أو الشركة، حول سيرورات؛ أكثر منها حول أسواق واختصاصات مجزّأة.
وهكذا فإن البِنَى التي كانت مألوفةً وطبيعية، تمحّي لحساب تنظيمات أساسية matricie. ومجموعات مؤلفة من مشاريع ملائمة جداً للحاجات الانسانية (ol -hocratique)،([4]) ومراكز ربح. وفي الوقت نفسه تزداد تنوعاً، في تحالفاتها الاستراتيجية، وقيام شركات جمعية وكونسوريوهات، كثيراً ما تنسى الحدود الوطنية. ولما كانت الأسواق لا تقف عن التغيير، فإن الوضع المركّز، أقل أهمية من مرونة هامش المناورة.
8- اندماج الأنظمة:


يتطلب التعقيد الاقتصادي المتزايد صوراً من الدمج والإدارة، أكثر رهافة مما كان مألوفاً، وأغنى وجوهاً.، وعلى هذا، فإن حالة المتجر (نابيسكو) ليست شاذة: إنه يجب على هذه الشركة- التي تبيع المواد الغذائية، أن تلبي، كل يوم، 500 طلب، فيها عدة مئات من آلاف المنتجات، وعليها أن ترسلها من 49 مصنعاً، و 13 مركز توزيع. وفي الوقت نفسه، يجب عليها أن تدير شؤون 30.000 عقد من المبيعات مع زبائنها
ويحتاج الإشراف الذي يبلغ مثل هذا التعقيد، إلى صور جديدة من الإدارة، ودرجة أعلى من الدمج الممنهج. ومن هنا نشأت ضرورة حقن كميات كبيرة من المعلومات في برامج التنظيم.
 9- البنية التحتية:


وضماناً لانسجام المجموعة، ومتابعة كل المواد والمنتجات، وحسن توقيت التسليم (تسليم البضائع لأصحابها)، وإعلام المهندسين ورجال التسويق كلٍّ بمشاريعه، والاتصال بالمسؤولين في دائرة البحث والتنمية R. 8. D ([5])، وتقديم صورة منسجمة عما يجري، إلى الإدارة، تخصّص الشركة مليارات الدولارات للشبكات الإعلامية التي تصل الحواسيب بعضها ببعض، كما تصل مراكز المعطيات والتقانات الإعلامية الأخرى فيما بينها.
وهذه البنية الإلكترونية الهائلة - التي كثيراً ماتقوم على استخدام الأقمار الصناعية- تصل مابين مصانع أو شركات كثيرة، مشركة إياها، في كثير من الأحيان، بالحواسيب وشبكات المموّنين، كما تصل بين الزبائن. وهنالك شبكات تصلُ بين شبكات أخرى، ولقد تعهدت اليابان بتحقيق هدف هام، تنفق عليه 250 مليار دولار،خلال خمس وعشرين سنة، من أجل إقامة شبكات أفضل، وأكثر سرعة. ومنذ أن كان "آل غور"، في مجلس الشيوخ، كان البطل الأول في وضع مشروع قانون، يهدف إلى تخصيص مليار دولار للمساهمة في إنشاء "شبكة وطنية للبحث والتعليم"، يكون عليها أن تعين الإعلام كما تعين الأوتوسترادات، السيارات. إن هذه المعابر الإلكترونية  Sentiers electronioue، هي التي ستؤلف البنية التحتية الأساسية لاقتصاد الموجة الثالثة.
10- التسارع:


ولا تزيد كل هذه التغيرات شيئاً، غير تسريع نسق العمليات والمبادلات التجارية. ويُعوِّض الزمن المكسوب عن الاقتصاديات التي تأخذ بمبدأ الإنتاج الكثيف. ولقد بلغت المزاحمة درجة من العنف، كما بلغت السرعات الضرورية درجة من الارتفاع، صرنا معها نتذكر المبدأ القديم (المثل القديم) القائل: الوقت من ذهب.. ولكن هذا المثل يطرأ عليه التحديث من يوم إلى يوم، لحساب من يقول اليوم: "إن كل دقيقة تمرُّ تزيد قيمتُها عن الدقيقة التي سبقتها...".
وكما تشهد الوقائع، فإن تسليم البضائع المطلوبة في "وقت معين" كثر أو تكاثر إلى حد كبير. وكذلك زادت الضغوط التي تمارَس، للتقليل من الوقت اللازم لاتخاذ القرار، حتى لقد أصبح الزمن عاملاً متغيراً حرجاً Critique. وبدلاً من الهندسةENGINEERING/  البطيئة، المتتالية، والمتنامية، تنشأ تقنية التنظيم Organisation، المتواقت، وهكذا تدخل الشركات في صورة جديدة من التزاحم يسهل معها القول: إننا نتسابق مع الساعة". وقام Du Wayme Peterson ، المسؤول الكبير في شركة Merril - lynch  بشرح مايقع، بقوله:
إن المال يسير بسرعة أكبر من سرعة الضوء، فعلى الإعلام أن يمضي بسرعة أكبر". وعلى ذلك فإن الأعمال التجارية تصبح قريبة أكثر فأكثر من الزمن الحقيقي، بحكم التسارع، عندما نكون في عهود الموجة الثالثة.
 فإذا نظرنا إلى هذه السمات العشر، في مجموعها، والمختارة بين سمات كثيرة أخرى، وجدنا أنها تكشف عن تغيرات عظيمة في طريقة إنشاء الثروات، وعلى الرغم من أن الموجة الثالثة لم تكتمل، فإن تبني الولايات المتحدة واليابان وأوروبا الغربية نظامها الجديد، يُمثِّل من بعيد، ذلك التغيرُ الأعظم والأكبر أهمية، الذي عرفه الاقتصاد العالمي، منذ قامت المعامل المتفرقة المتناثرة، بتدشين الثورة الصناعية.
ولكن هذا التحول التاريخي، الذي تسارع منذ النصف الأول للسبعينات، يبدو، وكأنه تقدّم تقدماً كبير في التسعينات، لكن الفكر الاقتصادي مع الأسف، مايزال متأخراً جداً في أمريكا.




rrr




الفصل الخامس


الإمعان في المادية([6])


Materialo- machicime  أو الماتريالو ماشيسم


عندما كان رونالد ريغان مايزال يحتل البيت الأبيض، اجتمع فريق صغير ذات يوم حول طاولة غرفة الطعام العائلية" للنقاش حول المستقبل البعيد للولايات المتحدة. وكان بين هؤلاء ثمانية من علماء المستقبل (يعني المختصين بشؤون المستقبل). وانضم إليهم نائب الرئيس وثلاثة مستشارين كبار للرئيس، منهم دونالد ريغان، الذي كان قد عيّن منذ فترة قصيرة، كرئيس لمجموعة موظفي القصر الأبيض.
وكان الاجتماع قد نُظِّم من قبل (أو على يد) مؤلفي هذه السطور، بناءاً على طلب من البيت الأبيض: وانفتح الاجتماع على ملاحظة مشتركة هي أنه إذا كان علماء المستقبل يختلفون اختلافاً كبيراً حول عدد من المشكلات التقنية، والاجتماعية، والسياسية، فإنهم كانوا مؤتلفين جميعاً في التفكير بأن الاقتصاد الأمريكي على وشك أن يعاني تغيراً عميقاً.
 وماكاد هذا الرأي يُعبر عنه، حتى انبرى  رونالد ريغان، ليقول بعنف: "وإذن - وقال هذا متعجباً- أتظنون أننا سنعيش وبعضنا يقص للبعض الآخر شعره، أو سنعيش ونقطع الهمبورغر للأكلين؟! وأننا لن نكون أبداً دولة صناعية؟!
وكان الرئيس ونائب الرئيس ينظران إلى كل الجهات بانتظار جواب ما. ولكن الضيوف الذكور كانوا يظهرون وكأنهم مذهولون، في أكثريتهم، مما ظهر في هذا الهجوم من مفاجأة وعنف. وكانت هيدي توفلر هي التي ردّت على هذا التحدّي، وقالت: كلا أيها السيد ريغان، وتذرعت بالصبر. ثم أضافت القول. إن الولايات المتحدة ستبقى دولة عظمى. والفرق هو أن الأشخاص الذين سيعملون في المعامل، سيكونون - أقل بقليل من عددهم الآن..".
ثم أنها بعد أن شرحت مايفصل طرائق العمل التقليدية عن تلك التي تصلح لإنتاج الماسينتوش MACINTOSH ([7]) ذكرت أن الولايات المتحدة كانت، بلا أدنى ريب، واحدة من كبرى مصادر المنتجات الغذائية في العالم، على الرغم من أن الزراعة تشغلُ ما هو أقل من 2%  من الشعب العامل. والواقع أنه في القرن الماضي، كلما تضاءل عدد العاملين في الزراعة، كانت هذه تعزّز مواقفها، ولا تتراجع. فلماذا لا يكون الأمر كذلك في القطاع الصناعي؟!
والحقيقة أن مما يبعثُ على الدهشة، هو أن حجم الاستخدام الصناعي في الولايات المتحدة، بعد طلعات ونزلات، كان عام 1988 مثله عام 1968 تقريباً، أي أكثر بقليل من 19 مليون شخص.وكانت -الصناعة عام 1988 تساهم في الدخل القومي، كما كانت تفعل قبل ثلاثين سنة: ولكنها كانت تفعل ذلك، بجزء أقل، من الشعب العامل.
ومن جهة أخرى، فإن ماحدث بعد ذلك شيء مكتوّبٌ، سهلٌ على الشرح. ذلك أن الشعب الأمريكي، من جهة أولى، وقسْمَهُ العامل من جهة ثانية، كان لهما أن يتابعها النمو كل المتابعة،  ومن جهة أخرى فإن فريقاً كبيراً من الصناعيين أعادوا تنظيم صناعاتهم وأتمتوا طرق إنتاجهم في الثمانينات، وكان طبيعياً أن تهبط نسبة العاملين في الصناعة، بالنسبة إلى القطاعات الأخرى.
وتبعاً لبعض التقديرات، يكون على البلاد أن تنشئ في السنوات العشر اللاحقة مالا يقل عن عشرة آلاف فرصة عمل، في اليوم الواحد، إلا أن قسماً قليلاً جداً من هذه، يمضي إلى القطاع الصناعي- وربما لن يكون هناك أية فرصة ولا ينبغي أن يوجد أية فرصة. وقد حدث مثل هذا التطوّر في اقتصادات اليابان، وأوروبا، (الغربية طبعاً).
بيد أننا نسمع أحياناً، مايشبه كلمات رونالد ريغان من فم الناس الصناعيين، عندما تكون مؤسساتهم لا تُدار إدارة حسنة، أو من فم بعض النقابيين الذين يرون أعداد عمالهم تتناقص بقوة، أو على لسان بعض رجال الاقتصاد أو المؤرخين الذين يَدُقون الطبول لحساب العظمة الصناعية- تماماً كما لو أن أحداً ما، صرّح ذات يوم أنه يريد تخفيض الصناعة.
وهناك وراء أكثر مايقال ويكتب، شعور من نوع ما، بأن الاستخدام في الأعمال اليدوية، أساساً، إذ ينتقل بالدرجة الأولى، إلى قطاع الخدمات والمهن الفكرية، لابُدَّ بصورة أو بأخرى، وأن يضير الاقتصاد في مجموعه، وأن قطاعاً صناعياً ضئيل الحجم (بمصطلحات عدد الوظائف أو فرص العمل) "يفرغ" البلاد من مادّتها أو جوهرها. وهذا مايذكرِّ بتصورات الفيزيوقراطيين الفرنسيين في القرن الثامن عشر، الذين كانوا لا يستطيعون تخيل قطاع الاقتصاد الصناعي ومستقبله بدون الزراعة لأنها هي النشاط المنتج الوحيد.
المعنى الجديد للبطالة (البهالة )


تقوم الشكوى من "انحطاط الصناعة إلى حدٍّ كبير، على مصالح شخصية، وتستند إلى مفاهيم باطلة عن الثروة، والانتاج، والبطالة,
فمنذ الستينات، أصبح الانتقال من العمل اليدوي أيام الموجة الثانية، إلى الخدمات. والفعاليات العالمية الرمزية Sujersymleolique.... حادثة عامة، مدهشة، وغير قابلة للانعكاس (غير عكوس). ذلك أن هذا النوع من الفعاليات، يشغلُ اليوم أكثر من ثلاثة أرباع الشعب العامل. أما على المستوى العالمي، فإن هذا الانتقال الكبير يجد مايوضحه، بشكل رائع، في هذا الحادث المدهش، فالصادارت العالمية من الخدمات ومن الخبرات العقلية، تبدو اليوم معادلة لصادرات الإلكترونيات والسيارات، أو، أيضاً، لمايُصدّر من المواد الغذائية والمحروقات.
وكان المستقبليون قد تنبؤوا بهذا التطور، منذ الستينات. وبحكم أن المعنيين، تجاهلوا نُذرنا الأولى فإن هذا التطور قد تمّ بصورة أكثر فوضوية، مما كان ضرورياً. وبمقدار ماكانت الصناعات المتقادمة العهد التي تأخرت في تزويد إداراتها بالحواسيب والروبوتات، و بطء الأنظمة الإعلامية، في إعادة بناها، كانت ترى أنها سُبقت من قبل مزاحمين أكثر سرعة ومهارة. وصارَ تسريح العمال عظيماً. وكذلك كثُرت الإفلاسات. وكثيرون أولئك الذين عَزُوا هذا الخطأ إلى عدوانية الأجنبي، وارتفاع الفوائد المسرف أو انخفاضها المسرف، وإلى الإفراط في القيود، وإلى ألف عامل آخر.
لاشك أن بعضاً من هذه الأسباب قد قامت بدورها، ولكن الخطأ لم يكن أقل من جانب الصناعات القديمة، مثل صناعة الصلب، والترسانات البحرية، وصناعات النسيج، وماكانت فيه من تصلب وعجرفة- وكانت هذه الشركات تهيمن منذ مدة طويلة على الاقتصاد، وانتهى قصر النظر، لدى إدارات هذه الصناعات، إلى معاقبة أولئك الذين كانوا بالتأكيد الأقل مسؤولية عن هذا الخطأ، والأقل قدرة على حماية أنفسهم- أي العمال.
 ولئن كان عددُ عمالِ الصناعة، قد ظل حتى عام 1988 على نفس المستوى الذي كان عليه عام 1968. فهذا لا يعني أن العمال المسرحين قد عادوا فوجدوا أعمالهم القديمة، بل إن الذي حدثَ هو أنه قامت نقابات من الموجة الثالثة لتحل محل الثانية، وكانت الشركات آنئذ بحاجة إلى قوة عمل مختلفة جذرياً من سابقاتها.
وكانت مصانع الموجة الثانية تستخدم بالدرجة الأولى، عمالاً يمكن أن يحل أحدهم محل الآخر، وبالعكس، فإن عمليات الإنتاج المعاصرة للموجة الثالثة، كانت بحاجة إلى كفاءات متنوعة، ومتطورة باستمرار. وبتعبير آخر نقول إن العمال تنوعوا، ولم يعودوا قادرين على تبادل الأعمال، كسابقيهم، إلا بنسبة ضئيلة، وهذا مايعني أن مشكلة البطالة تطرح نفسها الآن، في أطر مختلفة جداً.
وكان يمكنُ في الشركات السابقة للموجة الثالثة، حفز الاقتصاد، وخلق فرص عمل جديدة، بحقن جديد للتوظيفات، أو بزيادة القدرة الشرائية لدى المستهلكين. فلو أنه وجد مليون عاطل عن العمل، لكان من الممكن عندئذ تدفئة المكنة الاقتصادية، تدفئة كافية لاستيعاب هؤلاء العاطلين عن العمل. ذلك أن الاستخدامات كانت متماثلة، ولا تتطلب إلا القليل من الكفاءات، بحيث أن العامل كان يتعلم صورة عمله في أقل من ساعة، وهذا يعني أن من السهل على أي عامل أن يحل محل الآخر.
أما في الاقتصاد العالي الرمزية، فإن الأمر ليس بنفس السهولة، ولهذا فإنه ليس يوسع نصائح كينيزي التقليدية، ولا المعالجات النقدية، أن تقدّم نتائج جيدة. ولنذكر أن John Maynard Keynes (حون مينار كينزي) في محاولته التغلّب على الأزمة الكبرى، أزمة الثلاثينات، دعا إلى زيادة الانفاقات العامة المموّلة على حساب عجز الموازنة، والمُعدة لملء جيوب المستهلكين. ومتى حصل هؤلاء على المال، فإنهم  سيندفعون وراء المشتريات. وهذا مما يحفز رجال الصناعة على تكبير تجهيزاتهم، واستخدام أكبر للعاملين، وعندئذ نقول: وداعاً للبطالة. وكان رجالُ النقدِ يوصون بوسائل أخرى: مثل تغيير نسبة الفائدة، وزيادة أو تقليل الكتلة النقدية، وكانت هذه التدابير كافية لتنمية أو إضعاف القدرة الشرائية تبعاً للحاجات.
أمّا في الاقتصاد العالمي اليوم، فإن مجرّد ملء جيوب المستهلكين بالمال، قد يؤدي بكل بساطة إلى جعله يمضي إلى ماوراء البحار، من غير أن يستفيد منه الاقتصاد الوطني أية فائدة. فالأمريكي الذي يشتري تلفزيوناً جديداً أو بلاتينة (للأسطوانات المضغوطة)([8])، لا يفعل شيئاً آخر غير نقل دولاراته إلى اليابان أو كوريا، أو ماليزيا، أو أي مكان آخر. وليس على المشتريات أن تزيد، بالضرورة، جملة الاستخدامات في الولايات المتحدة.
غير أن في الاستراتيجيات العتيقة ثغرة أخرى أيضاً، من حيث أنها تظلّ مركزة على تداول النقد، لا على تداول  المعرفة. بيد أنه لم يعد ممكناً، أن نقلل من البطالة، بمجرد زيادة عدد الاستخدامات، ذلك أن المشكلة لم تعد كمية فقط، إن البطالة قد أصبحت قضية "كيفٍ" لا قضية كم.
 وهؤلاء العاطلون عن العمل، بحاجة إلى المال، حاجة مُلحة، حفاظاً على بقائهم وبقاء أسرهم، وإنه لمن الضروري اجتماعياً، والمبرّر أخلاقياً، أن نقدّم لهم مساعدة من مستوى مقبول. غير أنّا في الاقتصاد العالي الرمزية، بحاجة إلى استراتيجية تقدّم بغية تخفيف حجم البطالة. ولا يمكن لهذه الاستراتيجية أن تكون ناجعة إلا بشرط الاستناد، لا إلى مساعدة مالية، بل إلى هبة معرفية
وأكثر من ذلك أن الاستخدامات الجديدة قلّما يكون لها حظ في التحوِّل إلى معامل من النوع الذي مازلنا نتخيله. والشيء الذي يطلبونه (أي يطلبه العاطلون عن العمل)، ليس فقط هذا الاختصاص أو ذاك في الميكانيك، فقط، حتى ولا في الرياضيات، على مايدّعيه بعضُ الصناعيين - بل هو مساحةُ واسعة من الكفاءات الثقافية والقدرات أو الاستعدادات لتقبل العلاقات الاجتماعية. ويجب علينا أن نهيئ الناس، عن طريق النظام التعليمي و (التنظيمات المهنية) وبالتعليم المباشر.. لأعمال، من نوع صُوَر العناية التي يُمكن أن تقدم للشعب، شعب الموجة الثالثة (الذي يتنامى بسرعة) أو للأطفال أو لتعليم بعض المهن المتصلة بالخدمات الصحية، أو الأمان الشخصي، أو تعليم الآخرين، أو حسن قضاء أوقات الفراغ، أو زيادة التسليات، أو في قطاع السياحة وأشياء أخرى من هذا النوع.
ويجب علينا أيضاً أن نبدأ باحترام هذه الخدمات، المقصورة حتى الآن على العالم الصناعي، بدلاً من شبه الاحتقار  لأناس هذا القطاع، موحّدين بينه وبين صناع الهمبورغر، كما لو أن السيد ماكدونالد، يمكنه أن يرمز إلى مجموعة من الفعاليات، تشتمل في الوقت نفسه على التعليم، كما تشتمل على العمل في الوكالات العائلية (ماتعلق منها بالزوجين، أو مايتعلق بالحقوق العائلية) أو في مركز التصوير الشعاعي في مستشفى ما.

وعدا ذلك، فإنه إذا كانت الأجور في قطاع الخدمات، هابطة جداً، فيما يقال، فإن الحلّ لا يكون في الأسى على الانحطاط النسبي للاستخدام في القطاع الصناعي، بل يكون في زيادة الإنتاجية في مختلف الخدمات، وابتكار صور مناسبة لتنظيم العمال، وللمفاوضات الجمعية. فالنقابات التي أُسست في الأصل، إما من أجل العمال المتخصصين، وإما لعمال الإنتاج الكثيف. يجب أن تتحول تحولاً كليّاً، أو ترك المجال حراً لبنى عالية الرمزية. فإذا أرادت النقابات أن تبقى حيّة، فإن عليها أن تَكُفَّ عن معاملة العمال، كما لو أنهم جمهور لا تميّز فيه، وأن تبدأ في النظر إليهم، كأفراد -شخصيات، وذلك بتقديم العون، لا بالوقوف ضد بعض التدابير الحسنة كالعمل في البيت والساعات المرنة، وتقاسم الوظائف والمراكز في العمل على سبيل المثال، بل في قبول هذا وأمثاله
 والخلاصة، فإن نمو الاقتصاد العالي الرمزية، يرغمنا على إعادة التفكير إعادة كلّية في مشكله البطالة. أما إعادة البحث في أقوال مهترئة، فإن ذلك يعني تحدِّي أولئك الذين يستفيدون منها. وهكذا فإن نظام خلق الثروة، في الموجة الثالثة، يُهدد السلطات المسيطرة التي تشغُل مراكز أُحسن الدفاع عنها في الشركات الكبرى، وفي النقابات والدول.
طيف العمل العقلي.


إن الاقتصاد العالي الرمزية لا يقضي على تصوراتنا المتآكلة القديمة العهد، في البطالة فقط، بل ويقضي أيضاً على طريقتنا في النظر  إلى العمل نفسه. وعلينا، إذا أردنا فهم الواقع والصراعات من أجل السلطة، التي تنشأ عنه، أن نستنعين بمفردات جديدة.
وهكذا فإن تقسيم الاقتصاد، إلى قطاعات يسمّونها مثلاً باسم "القطاع الزراعي" و"الصناعي" و"الخدمات، يزيد الموضوع غموضاً، بدلاً من أن يُوضّحهُ. ذلك أن سرعة التغيرات الحالية تقضي على هذه الصور من التمييز التي كانت، من قبل، شديدة الوضوح، وبدلاً من أن تتعلق بالتصنيفات القديمة، يكون من الأفضل أن ننظر إلى ماهو تحت الأسماء الشكلية، وأن نتساءل عما يجب أن يفعله المستخدمون في هذا المعمل أو ذاك، لكي يُنشئوا مايسمّى بالقيمة المضافة، ومتى طرحنا هذا السؤال، سرعان مانكتشف أن العمل في القطاعات الثلاثة، يقوم أكثر فأكثر على عمليات رمزية، في "عمل عقلي".
أما اليوم، فإن مربي الماشية يحسبون نسب الكسب gain بالاستعانة بالحواسيب، ويقوم عمال "صناعة الحديد" بمراقبة لوحات الكترونية؛ ويُشغّل رجال المصارف المختصون بالتوظيف، كلَّ ميكروياتهم" السهلة الحمل، لكي يعملوا أو يتدخلوا في الأسواق المالية. وليس بالعظيم الأهمية إذا كان رجال الاقتصاد يفضلون الإشارة إلى هذه النشاطات، بقولهم: "زراعية"، أو "صناعية" أو "من قطاع الخدمات".
وهكذا فإن المقولات المهنية نفسها تتخلخل. وعندما نقول عن شخص ما بأنه سائق مكنات أو مندوب تجاري، فهذا يعني تخيّل أشياء أكثر من تلك التي ينكشف عنها، ومن الأجدى والأنفع اليوم، أن نجمع العاملين تبعاً للعمليات الرمزية، أو العمل العقلي الذي يقومون به -من غير التوقف لمعرفة أي فئة يصنفون فيها وما إذا كانوا يعملون في متجر، أو في "نافلة" أو "معمل" أو "مستشفى" أو "ملعب". ونحن واجدون، فيما يمكن أن نسمِّيه."العمل العقلي"، الباحث العلمي، والمحلل المالي، والمبرمج الإعلامي، كما نجد المستخدم الوثائقي العادي. وقد يتساءل بعضهم، لم نحشرُ في نفس المجموعة، العالم والمستخدم في تجميع الوثائق؟! والجواب هو، فيما إذا كانت وظائفهما مختلفة فعلاً، أو أنهما يعملان كلا الاثنين في مستويات مختلفة جداً من التجريد.أو أنهما هما الاثنين-  ومعهما ملايين الناس- لا يفعلون شيئاً آخر غير نقل الإعلام وإنشاء المزيد منه. إن عملهما رمزي كله.
وحول وسط الطيف، سنجد مساحة كبيرة من"الاستخدامات،"المختلطة" منها أعمال تتطلب شيئاً من العمل المادي، وكذلك بعض التعامل مع الإعلام. فالسائق- الموزع في الـ Federal Express أو في الـ United Parcel service، يتعامل مع صناديق وحُزَم، ويسوق سيارة خدمة  Scrvice؛ أما اليوم، فإنه يستخدم حاسوباً ordinateur موضوعاً في غرفته في المصانع العالية التكنولوجيا- رجل إعلامي عالي المستوى. وقل مثل ذلك في المستقبل في الفندق، والممرضة، وكثيرين آخرين. وهؤلاء أفراد لهم علاقاتٌ وصلاتٌ مع الجمهور، ولكنهم يقضون قسماً كبيراً من وقتهم، أيضاً، في إنتاج الإعلام وتقديمه.
وإذا كنا في وكالات فورد، وجدنا أن الميكانيكين كانوا يظلون بلا ريب، ممتليء الأيدي بالشحم؛ ولكنهم، عما قريب، سيستخدمون نظاماً إعلامياً informatique (أو معلوماتياً)، أنشأهHeulett Packard ، سيساعدهم على ملاحظة الأعطال، ويقدم لهم باستمرار مئة خريطة تكنيكية، ومعطيات مختزنة في الذاكرات الإلكترونية. ويطلب منهم هذا النظام معلومات تكميلية حول السيارة التي يصلحونها؛ ويساعدهم على البحث، حدسياً، عما ينبغي لهم أو ما يحتاجون إليه في كتل من الأدوات؛ وهو ينشئ لهم علاقات استنتاجية، ويقود الناس، خلال المراحل المتتالية للعمل. تُرى أيكون هؤلاء عندما يتحادثون مع النظام، ميكانيكيين أم أناس يفكرون؟
وتلك المهام اليدوية، القائمة في الطرف السفلي من الطيف، هي التي تبدو في طريقها إلى الزوال. ولما كانت البروليتاريا هي الأقل عدداً، فإنها من الآن فصاعداً، أقلية. وأدق من ذلك أن نقول: إنه بمقدار ما ينكشف الاقتصاد العالي الرمزية، بكل ماله من قوة، فإن البروليتاريا، تصير كونيياتاريا، الفئة المعرفية..
واليوم، فإن القضايا الأساسية التي يجب أن تُطرح، حول عمل شخص ما، هي هذه: ماهي   درجة أو نسبة مايشتمل عليه العمل من المعالجة المعلوماتية؟ وبأية درجة هو من التكرار أو القابلية للبرمجة، وأي مستوى من التجريد يقتضيها، وأي إمكانية يملكها العامل في الوصول إلى المصرف المركزي للمعلومات؛ وأي استقلال وأي درجة من المسؤولية يملكها؟
"ابتدائي" ضد "العالي"


لا مجال لتغيّرات من هذا المستوى أو الضخامة، أن تتمّ من غير أن تؤدي إلى جملة صراعات على السلطة أو على محاولة التنبؤ: من سيربح فيها ومن سيخسر. وقد يكون من المفيد أن ننظر إلى المعامل(أو الشركات مثلاً)، هي أيضاً، من زاوية مكانها في طيف العمل العقلي..
ويجب علينا عندئذٍ ألا نصنفها في إطار"الصناعة" أو إطار"الخدمات" بل أن نُصنِّفها تبعاً لنوع العمل الذي يؤديه العاملون فيها، فعلياً.
فشركة الـ CSX، مثلاً، تملك شبكات سكك حديدية في نصف الولايات المتحدة: وهي، في الوقت نفسه، واحدةٌ من أوائل الشركات العالمية للنقل البحري، ضمن الحاويات، ولكنها تعتبر نفسها أكثر فأكثر، كما لو أن الإعلام هو مهمتُها الأولى.
ويرى Alex Mandl، أحد مديريها، أنّ الإعلام أحدُ العناصر الأعظم أهمية لخدمات شركته الناقلة. إنه لا يكفي أن نُسلِّم المنتجات. إذ أن الزبائن يريدون أن يكونوا مطلعين على مراحل تسليمها: فمتى تكون إرسالياتهم جاهزة، لكي يتم نقلها ثم ليتم استردادها؟ وأين هي في هذه اللحظة أو تلك؟ وكم ستكون الكلفة، وأي مشكلة يمكن أن توجد مع الجمارك، وأسئلة كثيرة أخرى. أما في شركاتنا، فإن الإعلام هو الذي يقوم بالدور الحركي(أو المحرك). وبتعبير آخر، فإن نسبة المستخدمين في شركة CSX، الذين يقعون في المراتب المتوسطة أو العليا، للطيف، لا يفتأ بتزايد.
وهكذا نجد أننا مقودون إلى التفكير، أن الشركات يمكن، بالجملة، أن تَوزَّع بين"ابتدائية" و"وسطى"، و "عالية. وكما هي الحال في طيف العمل العقلي، فإنها تحتل في هذا الطيف، موقعاً يقابل حجم العمليات العقلية التي تقوم بها، كما يقابل التعقيد الموجود فيها.
أما من الناحية(الابتدائية) فإن العمل العقلي يظل من حصّة بعض القادة، وملكاً لهم، فلا يترك لباقي المستخدمين إلا جهد عضلي، أو غير عقلي، على كل حال: ذلك أن هؤلاء العمال يكونون جهلة، أو أن ما يمكن أن يعرفوه، لا جدوى له في الإنتاج.
وحتى في القطاع"العالي"، فإنه يمكن أن نلاحظ أمثلة كثيرة على"نقص الكفاءة"، أي تبسيط العمل، الذي يُرَدُّ إلى أدنى عناصره(أو مركباته) و مراقبته خطوة فخطوة. ومن حسن الحظ أن محاولات تطبيق هذه الطرائق التي أتمها أو قام بها فريدريك تايلور. F.  TAYLOR، لاستخدامها في الإنتاج الصناعي، لبداية القرن العشرين، لم تعد الآن، إلا مجرد ظاهرة متخلفه من الماضي "الابتدائي" وليس تصوراً مسبقاً للمستقبل"الأعلى". ذلك أن كلّ مهمة بسيطة، يمكن تكرارها، دونما تفكير، ستدخل عما قريب في نظام"الروبتةRebotisation .
وبالمعنى المعاكس، نقول إنه كلما اتجه الاقتصاد إلى إنتاج، جدير بالموجة الثالثة: اضطرت المصانع إلى إعادة النظر في دور المعرفة. أما في القطاع (العالي)، فإن الأكثر تقدماً من المصانع والشركات هي التي تقوم بها، بأكبر سرعة. وهي في الوقت نفسه، تُعيد تعريف العمل نفسه، وهذه تبدأ أو تعتمد على المبدأ القاتل: متى ردَدْنا العمل الجسدي إلى أدنى حدوده، وسلّمناه لآليات عالية التقنية، وتركنا العامل يعبر كل التعبير عن كفاياته الخاصة، رأينا أن الإنتاجية تعلو بوضوح، وتعلو معها الأرباح. إنها(أي المصانع العائدة للموجة الثالثة) تضع لنفسها هدفاً هو أن تستخدم عمالاً أو موظفين أقلّ عدداً،ولكنهم أكثر كفاءة، وأعلى راتباً.
وحتى النشاطات، التي هي من النموذج المتوسط، والتي تستمر في استخدام اليد العاملة العادية، سنجدها تعتمد أكثر فأكثر، على"المعرفة" وترقى على سلم الطيف، طيف العمل العقلي..
وليست الشركات"العليا" عادة، من المؤسسات الخيرية، على الرغم من أن العمل يمضي لديها إلى أن يكون أقلّ إرهاقاً جسدياً، مما هي حاله في الإنتاج"البدائي"، ويكون محيطه أكثر إسعاداً، بل إنها تتطلّب من العاملين لديها، درجة عمل أرقى. ذلك أن المستخدمين يكونون محفوزين لاستخدام طاقاتهم العقلية، وكذلك إلى أن يوظفوا في عملهم، عواطفهم، وملكاتهم الحدسية، وخيالهم. ولهذا كان أنصار MARCUSE يدينون هذه الممارسات كصورة استغلال للمستخدمين، أسوأ أيضاً من سابقاتها.
 الأيديولوجيا"البدائية"


كانت الثورة، في الاقتصادات الصناعية"الأولية" تقاس،عادة، بامتلاك أموال كان إنتاجها يعتبر(أو يُعَدُّ) جوهر الحياة الاقتصادية، وعلى العكس، فإن النشاطات الرمزية، أو نشاطات الخدمات، على الرغم من أنها لا يُستغنى عنها، لسوء الحظ، كانت تجد نفسها"غير منتجة". فإنتاج خيرات مادية- كالسيارات، والتراكتورات والتلفزيونات- كان يبدو كشيء "يقوم به الرجال أو لما هو أكثر من الرجال؛ وكانوا يشركون هذا بصفات أخرى مثل"العملي" و"الواقعي" أو"الإيجابي". وبالعكس فإن إنتاج المعرفة، بتبادل المعلومات، كان بالجملة" يرهق بأسوأ الأوصاف، ويُعَد"مجرد ورقيات".
وكانت هذه المواقف تؤدي إلى فيضان من النتائج المترتبة عليها. مثال ذلك. القول:
"إن الإنتاج يقوم على الجمع والتأليف بين موارد مالية، ومكنات، وقوة عمل يدوية. فالأولى " الأكثر أهميةً في مصنع ما، تكون مواد ملموسة أو أملاكاً محسوسة. ذلك أن الثروة القومية تنشأ من فائض الميزان التجاري. أما تبادل الخدمات فليس لها من الأهمية، إلا بقدر ما تيسّر تجارة البضائع؛ أما "التنشئة"(أي تكوين العامل، وما يثقف به، وما يعرفه أو يحسنه من أعمال أخرى) فإنها لا تُمثَل إلا بتبذير (للمال الحلال) ما لم يكن مهنياً وثيق الصلة بالعمل؛ أما البحث، فكان نوعاً من الهواية اللا واقعية؛ إذ ليس للفن( وفن البحث خاصة) من علاقة بعالم الأعمال. والأسوأ من هذا، أنه ضارٌ. وبالجملة فإن الشيء المهم في كلّ مادة، كان هو المادة.
ومن جهة أخرى، فإن هذا النوع من الأفكار لم يكن وقفاً على رعاة الرأسمالية: بل إننا نجد ما يماثلها، في العالم الشيوعي. ذلك أنّ الرأسماليين الماركسيين شعروا -وهذا أقل ما يمكن أن يقال بحقهم- بصعوبة أكبر في دمج العمل"العالي" في هياكل ([9]) العمل عندهم. أما في المجال الفني، فإن الواقعية الاشتراكية، رسمت آلافاً من العمال السعداء، كانوا يبرزون نوعاً من العضلات على طريقة الـ SCHWARZENEGGER فوق بساط من آلات متراكبة، أو مداخن مصنع، أو قاطرة على البخار. والواقع أن تمجيد البروليتاريا- المنظور إليها، نظرياً، كما لو أنها طليعة التقدم، كان يعكس موضوعات اقتصاد"بدائي"..
وكانت النتيجة الكلية أكثر بكثير من تجميع لا شكل له من الآراء، والموضوعات والمواقف المعزولة. وكان الأمر أمرَ إيديولوجية قادرة على تبرير نفسها، وتعزيز قوتها، بالاعتماد على عزمها الخاص- وهي إيديولوجيا تقوم على ماتريالو- ما شيسم materialo- machisme (نظرية مادية- ماكينية) وهذه تؤلف في الواقع إيديولوجية الصناعة الكثيفة الإنتاج، صناعة الموجة الثانية.
وحدث يوماً ما أن الماتيريالو- ماشيسم(مادية المكنات) كانت تعني شيئاً ما. أما اليوم، أي في الحين الذي نجد فيه أن أكثرية المنتجات، تدين بقيمتها الحقيقية إلى المعرفة التي تتجسد فيها، فإن من الحمق والرجعية أن نأخذ بها. وكل بلد يختار الاعتماد على سياسة قائمة على هذه الإيديولوجيا، تحكم على نفسها بنفسها، في أن تكون بنغلاديش القرن الواحد والعشرين.
الأيديولوجيا (العالية)


إن المصانع والمؤسسات، والأشخاص المعنيين أكثر من كل الآخرين، بقدوم اقتصاد الموجة الثالثة، لم يُنضجوا بعد عقيدة منسجمة يقفون بها ضد المادية- الآلية؛ غير أن بعض الأفكار الأساسية بدأت تتجمع، لتكوين مثل هذه العقيدة.
وتبدو أولى المواد الجزئية، للاقتصاد الجديد، في أعمال مجهولة لمؤلفين مثل أوجين لوبيل Eugen Loebl . الذي مات حديثاً، والذي قضى إحد عشر عاماً في السجن، في تشبكو سلوفاكبا. وكان أثناءها يعيد التفكير في الموضوعات الأساسية للاقتصاد الماركسي، وكذلك في موضوعات(([10]) الاقتصاد الغربي) ومثل Henry K. Hwoo من هونغ كونغ، الذي حَلّل "الأبعاد اللا ملحوظة للثروة: ومثل Genevois orio Giarini ، الذي يطبق مفاهيم المغامرة واللا تعيين على تحليل مستقبل نشاط الخدمات sevices ومثل الامريكي  WALTER  WEISSKOPF الذي يبحث في دور شروط اللا توازن في نمو الاقتصاد.
أما الباحثون العلميون اليوم، فإنهم يتساءلون: كيف أن الأنظمة تتكيف في حالة الاضطراب، وكيف أن نظاماً ما، ينتهي بأن يتحرر من الأوضاع الفوضوية، وكيف أن نظماً في حالة التطور، تقفز إلى درجات عالية من النمو؟  وحقاً فإن كلّ هذه المسائل ذات أهمية كبيرة في فهم النشاط الاقتصادي. وهناك كتب في علم الإدارة تؤكد أنه يمكن "النجاح بفضل الفوضى". وهناك علماء اقتصاد يعيدون اكتشاف أعمال جوزيف شومبيتر Joseph Schumpeter الذي كان يرى أن"التهدم الخلاق" ضروري للتقدم. فمن(خلال) عاصفة لعروض الشراء OPA([11]) وإعادة بيع، وإعادة تنظيم، وإفلاسات ومشاركه في الرأسمال الخطر أو المخاطرة به  capital - risque ..يعود الاقتصاد فيدخل في طريقه إلى إعادة بنيته التي تفوز بسنوات ضوئية في التقدم  على الاقتصاد المصنعي القديم، بفضل تنوعه، وسرعة تطوره، وتعقده.
وتقتضي "القفزة" التي تلقي بنا  إلى درجة عالية من، السرعة والتنوع والتعقيد، أن تتم قفزة أخرى، باتجاه أشكال من الاندماج، أكثر ارتقاءاً، وأعظم تأنقاً. ولا يميل هذا التحول، بدوره، إلى الاكتمال، إلا برفع معالجة الإعلام إلى مستويات عليا.
وكانت ثقافة العهد الصناعي المستلهمة من أعمال ديكارت العائدة إلى القرن السابع عشر، تفضل أولئك الذين يظهرون قدرة أكبر على رد المشكلات والسيرورات، إلى أصغر عناصرها. وعندما طبقت هذه الطريقة القائمة على الفصل المتتابع، والتحليل المكتمل Exhaustve، للإقتصاد على فهم الإنتاج، على صورة تتابع لمراحل معزولة.
ان نموذج الإنتاج الجديد الذي يثيره الاقتصاد العالي الرمزية، الموجود حالياً يعارض سلفه معارضة مشهودة، أي يعارض النموذج السابق. ولما كان الجديد، يقوم على منظور منهجي، أو دمجي، فإنه يتصور الإنتاج، كسيرورة متزايدة التركيب والتواقت، حيث نجد المجموع البسيط للأجزاء لا يؤلف الكل، وحيث ما من واحدٍ منها يستطيع بصورة مطلقة أن يظل بلا علاقات مع الأجزاء الأخرى.
والواقع هو أننا في الطريق إلى اكتشاف أن الإنتاج لا يبدأ ولا ينتهي، داخل المصنع. وهكذا فإن أحدث نماذج الإنتاج التي أنشئت من وجهة النظر الاقتصادية. تمدد دراسة السيرورة إلى ما فوقها، وما تحتها، وإلى ما تحتها خاصة، أي باتجاه المستقبل، على صورة خدمات بعد البيع، أو دعم للمنتج الذي تمّ بيعه، على نحو ما يُرى في حالة ضمان إصلاح السيارات أو العون الموعود للمشتري من قبل بائع الحواسيب، ولن يمضي إلا وقت قصير حتى يمتد مفهوم الإنتاج إلى أبعد من هذا أيضاً، فيشمل الفترة اللاحقة لاستهلاك المنتج أي حتى قبره، في شروط بيئية مقبولة. وعندئذٍ تكون المصانع مرغمة على وضع خطة مناسبة للقبر أو الدفن. وهذا ما يرغمها على إعادة النظر في خصائص مشاريعها، وحساباتها للكلفة، وصور إنتاجها. وأشياء أخرى أيضاً. فإذا هي أنجزت ذلك، فإنها تقدم مزيداً من الخدمات بالنسبة أو بالإضافة إلى وظيفة الإنتاج. وفي هذه اللحظة، سينظر إلى "الإنتاج" كما لو أنه جملة هذه الوظائف معاً.
ويمكن أن يرقى التفكير، إلى ما هو أعلى من ذلك، لكي يشمل تنشئة المواطنين أو العاملين، والبيئة المجاورة، وخدمات أخرى. وإذا وصلنا إلى الحدّ الأخير، وجدنا وسائل لتحويل العامل"اليدوي" المستاء من سوء حظه، إلى"شخصية منتجة". وعندما  تكون النشاطات(الفعاليات) عالية الرمزية، فإن العمال السعداء يرفعون مستوى إنتاجهم. وينشأ عن ذلك، أن عوامل الإنتاجية تعود إلى ما قبل البداية الرسمية ليوم العمل. وبطبيعة الحال فإن الأوفياء للأيام القديمة السعيدة، ينظرون إلى إعادة التعريف الموسّعة هذه، للإنتاج، كما لو أنها غامضة تماماً وغير معقولة، بأية حال. أما بالنسبة للجيل الجديد من قادة الاقتصاد العالي الرمزية، المنشئين والمعوّدين على التفكير في صيغة نظامية، أكثر من تعوّدهم وظائف معزولة، فإن هذا المفهوم ينشأ مباشرة عن الينبوع.
والخلاصة، أن مفهوم الإنتاج، يعاد تكوينه حالياً، في إطار أكثر اتساعاً، وهو يشتمل على جوانبَ، ما كان لجيل الاقتصاديين ومؤدلجي التفكير"البدائي" أن يدخلوها في حساباتهم. ومنذ الآن، فإن ما يجسّد القيمة وينشئها، في كل لحظة، هو المعرفة، لا اليد العاملة، الرخيصة، والرموز، وليس المادة الأولية.
ولنضف إلى ما سبق، أن إعادة الفحص العميقة لمصادر القيمة المضافة، تؤدي إلى نتائج ضخمة: إنها تقضي على المواضيع المشتركة بين أنصار الليبرالية- المتطرفة، والماركسيين، بقضائها على المادية- الماشيسمية، التي تستلهم أفكارهم منها أولئك وهؤلاء. وهكذا فإن التصورين المتقابلين اللذين يريدان أن تنشأ القيمة من عمل العامل المضني وحده. أو من عمل الرأسمالي صاحب المشاريع- ينكشفان خاطئين معاً، وخطيرين خادعين على الأرضية السياسية، كما هي الحال في المجال الاقتصادي.

أما في الاقتصاد الجديد، فإن الآنسة المكلفة بشؤون الاستقبال ، شأنها شأن صاحب المصرف الممول، والميكانوغراف(مصور الآلات)، (أو واضع مشاريعها)، ومثل البائعة، كل هؤلاء بالإضافة إلى منشيء المنظومات الإعلامية، والمختص بالاتصالات، يشاركون جميعاً بخلق القيمة المضافة . والحادث الأكثر دلالة أيضاً، هو أن الزبون نفسه يقوم بمثل هذا هو أيضاً. ذلك أن القيمة تنشأ عن الجهد الجمعي، لا عن مرحلة معزولة في هذا المكان من السيرورة أو ذاك.
ومهما يَعلْ نعيق الغربان، في الحسرة على النتائج المحزنة"لموت" القاعدة الاقتصادية المادية،أو على المحاولات الهادفة إلى السخرية من مفهوم"اقتصاد الإعلام"، فإن الأهمية المتزايدة للعمل العقلي، تستمر في تأكيد وجودها. وسيكون الأمر كذلك فيما يتعلق بتصور خلق الثروة.
وهذا الذي نشهده، هو التقاء للتحولات التي تُلاحظ، في الآن نفسه في الإنتاج، وفي بنية رأس المال، وحتى في طبيعة العملة. ثم إنّ مجموع هذه التغيرات في طريقها إلى إقامة نظام ثوري يخلق الثروة، على مستوى الكرة الأرضية كلها.
وكان ماركس هو نفسه، الذي قدّم التعريف الكلاسيكي للوضع الثوري. إنه ينشأ، تبعاً له، عندما تكون علاقات الإنتاج (أي طبيعة ملكيته ومراقبته أو التحكم فيه) عاملاً يَحدّ من نموّ وسائل الإنتاج (أي التكنولوجيا، بالعربي الفصيح.).
وهذه الصيغة هي التي تجعلنا نفهم أزمة"العالم الاشتراكي". وكما أنّ هذه العلاقات عندما كانت إقطاعية، كانت تعرقل النموّ الصناعي، فإن علاقات النموذج الاشتراكي، قد حالت بين البلاد الاشتراكية وبين الاستفادة من النظام الجديد لخلق الثروة.




rrr








الفصل السادس


اصطدام الاشتراكية بالمستقبل.



إن انتهاء اشتراكية الشرق أو زوالها، الذي تم على أرضية مؤلمة من إراقة الدم في بوخارست، وباكو، وبيكين، ليست مجرد نتيجة للمصادفة. إذ لقد دخلت الاشتراكية، في مرحلة الاصطدام بالمستقبل. ولم تسقط الأنظمة الاشتراكية بفعل المؤامرات التي حاكتها ااـ CIA، أو بسبب محاصرة رأسمالية، ولابسبب عن اختناق اقتصادي أعِدَّ من الخارج. ثم إن حكومات أوروبا الشيوعية في الشرق، تخلّت عن مبادئ نظرية الأقنعة dominos، منذ أن أعلنت موسكو أنها لن ترسل بعد الآن كتائب عسكرية لحمايتها من شعوبها. غير أن أزمة الاشتراكية، في الاتحاد السوفييتي، والصين، وأماكن أخرى، تقول أن هذه الأزمة قضت على الاشتراكية، من حيث هي نظام، بفعل عوامل أكثر عمقاً.
وكما أن اختراع طريقة الطباعة بحروفٍ متحركةِ تخيَّلها رجلٌ اسمه غوتنبرغ Gutenberg، في منتصف القرن الخامس عشر، قد أدى إلى الإصلاح البروتستانتي، فإن ظهور الأنفورماتيك infonmatique، في منتصف القرن العشرين وظهور وسائل الاتصال الجديدة،قد حطم هيمنة موسكو على الفكر في البلاد التي كان يحكمها أو يوجهها أو يبقيها في قبضته.
أما أن يكون الاقتصاديون الماركسيون(وكثيرون آخرون، أكثر كلاسيكية) قد استطاعوا وصف العمال العقليين بكونهم "غير منتجين، فذلك من سخرية التاريخ نفسها، وذلك أن هؤلاء العمال "غير المنتجين" هم الذين عملوا أكثر من غيرهم، لدفع عجلة الاقتصادات الغربية، بدءاً من منتصف الخمسينيات. واليوم، حتى مع كل ما يقال عن "تناقضات" غير محلولة، فإن البلاد الرأسمالية ذات التقانة العالية أو المتقدمة، قد سبقت بقية العالم- سبقاً كبيراً،على المستوى الاقتصادي، إلى الدرجة التي يصبح معها حلم خروتشيف مشجياً. إنها رأسمالية تقوم على الأنفورماتيك(علم المعلوميات؟) وليست الاشتراكية المصنعية التي أنجزت ما يسميه الماركسيون"بالقفزة النوعية". وأمام انتشار الثورة في البلاد ذات التقانة المتقدمة، لم يكن للبلاد الاشتراكية من رد آخر، غير التحول إلى كتلة رجعية مفرطة، يقودها شيوخ كبار مشبعون بإيديولوجية القرن التاسع عشر، وكان ميخائيل غورباتشيف أول قائد سوفييتي، يعترف بهذا الواقع التاريخي.
ففي خطاب له ألقي عام 1989، أي بعد ثلاثين سنة من ظهور النظام الجديد لخلق الثروة في الولايات المتحدة، كان يقول: "نكاد أن نكون آخر من فهم أنه" في عهد علم المعلوماتية" ليس هنالك من سيد قوي إلا المعرفة .
وكان ماركس قد قدم التعريف الكلاسيكي للوضع الثوري. وهو يرى أن هذا الوضع يبرز، عندما تكون"علاقات الإنتاج" (أي طبيعة ملكيتها، والتحكم بها) تحد من تزايد نمو"وسائل الإنتاج" (أي التكنولوجيا بالقلم العريض)..
إن هذه الصيغة تقدم لنا شرحاً لأزمة العالم الاشتراكي.. فكما أن"العلاقات الإقطاعية" حالت دون التنمية الصناعية، فكذلك الحال في"علاقات الإنتاج" الاشتراكية، عندما منعت البلاد الاشتراكية من الاستفادة من النظام الجديد لخلق الثروة، القائم على " المعلوماتية linformatique"([12]).وسرعة الاتصالات. ويقوم الخطأ الأساسي الملازم لتجربة الشعب الكبير الاشتراكي، على أفكارٍ تقادم العهدُ عليها، وظلّ هو يعمل بها، في نطاق جدوى المعرفة..
المكنة السابقة لعلم التوجيه.


وبغض النظر عن بعض الإستثناءات القليلة، يمكن القول: إن الاشتراكية لم تؤد إلى غزارة الإنتاج، ولا إلى المساواة، ولا إلى الحرية. ولكنها أدت إلى نظام الحزب الواحد، والبيروقراطية الكثيفة،و شرطة سرّية عوجاء، ومراقبة حكومية عنيفة لوسائل الإعلام، والاحتفاظ بسر أو أسرار الحكم، وقمع الحرية الفكرية والفنية.

وإذا تركنا جانباً أنهار الدم التي أُريقت من أجل إقامة هذا النظام، ودعمه وضمان استقراره، فإن نظرة سريعة إليه تكشف عن أن كل عنصر من هذه العناصر، ليس مجرد طريقة لتنظيم حياة الأفراد، بل- وبصورة أكثر عمقاً، بل هو صورةً لتنظيم المعرفة، وتقنينها، والرقابة عليها.
إن وظيفة النظام السياسي القائم على الحزب الواحد، هو مراقبة الاتصالات السياسية، ولما لم يكن هنالك من حزب آخر، فإنه(أي النظام) يضيّق من تنوّع الإعلام السياسي الذي يتداول في المجتمع، ويكون حائلاً دون الأثر الإرتجاعي retroaetion، ومعمياً أولئك الذين يحتلون مراكز السلطة.. عن تعقيد المشاكل. ومنذئذٍ يصبح من الصعب جداً على النظام أن يلاحظ الأخطاء  أو أن يُصَحّحها بمقدار ما يصعد فيه الإعلام- المتطابق بين مختلف عناصره- من القاعدة إلى القمة، بالطرق الوحيدة المرخَص بها، وبمقدار ما تنزل الأوامر، بنفس الطرق.
وكانت الرقابة، من فوق إلى تحت- المعمول بها في البلاد الاشتراكية، تقوم على الكذب، وتشويه الإعلام، أو منعه. وذلك لأنه كان من أعسر الأشياء وأخطرها، نقل أخبار سيئة، فإذا نحن اخترنا أن نُحكم تبعاً لنظام الحزب الواحد، فهذا يعني في الواقع، أن نتخذ كل القرارات في شأن المعرفة. ثم إن البيروقراطية الساحقة التي أقامتها الاشتراكية في كل حلقة من حلقات الحياة. كانت وسيلة للتضييق على المعرفة.
وكانت هذه البيروقراطية، تحبسها في جيوب معينة سلفاً، وتضيق الخناق على الاتصالات، بحيث تقصرها على "طرق رسمية" جاعلة كل اتصال، وكل تنظيم إعلامي، شيئاً غير مشروع.
فالشرطة السرّية، ووضع يد الدولة على وسائل الإعلام، وإرهاب المفكرين، وقمع الحريات الفنية، كانت من بعض المحاولات الكثيرة للحد من الإعلام، وفرض الرقابة عليه ويستند كل واحد من هذه العناصر إلى موضوعةٍ وحيدة مهترئة ومتجاوَزة- حول المعرفة. وهي موضوعة توحي بالرأي المتعجرف الذي يرى أن أولئك الذين يملكون السلطة-  من حقهم أن يعرفوا ما يجب على الآخرين أن يعرفوه.
وكانت هذه الخصائص المشتركة بين كل البلاد الاشتراكية، تنشأ عن مفهوم المكنة السابقة للتوجيه([13])، على نحو ما كان مطبّقاً على المجتمع، والحياة معاً، وكانت تضمن، في الاقتصاد، غباءاً ظاهراً. وكانت مكنات الموجة الثانية،، تماماً كتلك التي كانت جزءاً من عالم ماركس في القرن التاسع عشر- تعمل، في أغلبيتها من دون أي مفعول رجعي. وكأنما يقال للعمال: حركوها؛ أشعلوا المحرك، وتبدأ هي، عندئذٍ، عملها دون أيِّ حساب لما يجري في محيطها الخارجي.
وبالمقابل، فإن مكنات الموجة الثالثة، ذكية. فهي مجهزة بلواقط تعترض الإعلام من المحيط، وتلاحظ التغيرات الحاصلة، وتتلاءم معها بالنتيجة. إنها تنظم نفسها بنفسها. وهكذا يكون الفارق بينها وبين سابقاتها، فارقاً ثورياً..
وكان المنظّرون الماركسيون، تماماً كما تكشف عن ذلك مصطلحاتهم، يظلون متعثرين. بماضي الموجة الثانية، غائصين فيها. وهكذا فإن الصراع الطبقي كان يُمثل بالنسبة للاشتراكيين الماركسيين "قاطرة التاريخ". كانت إحدى المهام الأساسية لديهم أن يضعوا اليد على"مكنة الدولة"، وحتى على المجتمع نفسه، كأنه مكنة تماماً، يمكن أن تُمتح لتفيض رخاءاً وحرية على الناس. وعندما تولى لينين عام 1917 زمام السلطة صار الميكانيكي الأعلى. وكان يفهم، كمثقف لامع، أهمية الأفكار، ولكنه كان يحسب أن الإنتاج الرمزي -أي العقل نفسه- يمكنه هو أيضاً أن يبرمج. وهناك حيث كان ماركس يتحدث عن الحرية، كان لينبن، بعد استيلائه على السلطة، يحّمل نفسه مسؤولية المعرفة. وهكذا، فإنه ألحّ دوماً على أن يكون الفن، والثقافة، والعلم، والصحافة، وأي نشاط آخر، في خدمة استراتيجية كلية، وفي الوقت المراد، كانت فروع التربية المختلفة، بانتظار تنظيمها، في إدارات معيّنة، تمنح درجات بيروقراطية محدّدة، على أن تخضع هذه وغيرُها لسلطة الحزب والدولة. عندئذٍ سيستخدم "العمال المثقفون" في مؤسسات تراقبها، وتتحكم فيها وزارة للثقافة. وكذلك فإن النشر والإذاعة وأمثالها، تكون تحت إشراف الدولة، كما أن المعرفة تصبح هي نفسها دولاباً من دواليب الدولة.
وهذه المقاربة الناقصة للمعرفة، والمتعارضة كل التعارض مع المبادئ الأساسية لكل تقدم اقتصادي في عصر "علم المعلوماتية" هي التي حالت دون كل تقدم في المصانع ذات المستوى الهابط.



معضلة الملكية


ويؤلف الانتشار الحالي لنظام خلق الثروة، في عهد الموجة الثالثة، تحدياً لأعمدة العقيدة الاشتراكية. ولنأخذ على سبيل المثال، موضوع الملكية.
ومنذ زمن طويل، كان الاشتراكيون يتهمّون الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، بأنها السبب في القهر، والوهن، والبطالة، ومصائب العهد الصناعي الأخرى. ولكنْ لكل هذه القضايا حَل هو: ردّ المصانع إلى العمال، سواء أكان ذلك عن طريق الدولة، أم على يد المصانع الجماعية.
وعندما تمت هذه المرحلة أو عندما تتم، فإن الأمور تتغير: فما من تبديد ينشأ عن التزاحم، بالإضافة إلى تخطيط عقلاني جداً، وإنتاج يُوَجَّه لمنفعة الناس، لا لربح بعض الناس، وتوظيف ذكي، مهمته أن يعمل على تقدم الاقتصاد. وبالجملة، فإن حلم الرخاء، لأول مرة في التاريخ، سيتحقق للجميع..
وفي القرن التاسع عشر، كانت هذه الأفكار تبدو وكأنها تعكس المعرفة العلمية الأكثر تقدماً. وحقاً، فإن الماركسيين كانوا يدّعون أنهم مضوا إلى ما بعد المثل العليا الطوباوية. وكانوا قد وصلوا إلى"اشتراكية علمية" حقيقية. وكان في وسع الطوباويين أن يحلموا بإنشاء مجموعات مستقلة داخلياً. وكان الاشتراكيون العلميون يعرفون أن مثل هذه التصورات، في مجتمع صناعي، في طور النموّ، لن تكون قابلة للتطبيق. ولئن كان بعض الطوباويين مثل شارل فوربيه، يلتفتون إلى الماضي الزراعي، فإن الاشتراكيين العلميين، كانوا يلتفتون إلى ما كان يسمى عندئذٍ باسم المستقبل الصناعي.
وهكذا، فإنه لما جاءت النظم الاشتراكية، بعد ذلك، لتجرب التعاونيات، والإدارة العمالية، والتأميم، وحلولاً أخرى مشابهة، كان التدويل ( أو التأميم ([14]) الشكل المهيمن للملكية، في العالم الشيوعي كله. وحيثما كان، كانت الدولة -لا العمال- هي التي تصبح المستفيد الأول من الثورة الاشتراكية.
وهكذا فإن الاشتراكية لم يتحقق لها الوفاء بوعودها، أي أنها لم تحقق تحسين شروط الحياة، تحسيناً جذرياً، للناس، وعندما هبط مستوى الحياة في الاتحاد السوفيتي، بعد الثورة، عُزي ذلك لا من غير بعض الحق، إلى آثار الحرب العالمية الأولى، وآثار الثورة المضادة. ثم بعد ذلك، جُعل الحصار الرأسمالي مسؤولاً عن صور العجز.ثم وثم كانت الحرب العالمية الثانية هي المجرم الأكبر المسؤول عن ذلك. ولكن لمَ كانت البضائع الأساسية، كالقهوة والبرتقال ناقصة أيضاً في موسكو، بعد ثلاثين سنة؟
وبصورة غريبة، وعلى الرغم من أن الاشتراكيين الأورثوذكس كانوا يتناقصون عدداً، فإنهم استمروا في الإيمان بضرورة تأميم الصناعة، والمالية. ففي البرازيل وبيرو، وجنوب أفريقيا، وحتى في البلاد الغربية المصنّعة، ما يزال يوجد أشياء لا تردد فيها، ولا شرط عليها، على الرغم من البراهين العكسية التي قدّمها التاريخ، إذ لا يزال بين الاشتراكيين من يرى أن "الإدارة العامة" للبلاد و(أي التأميم) شيء تقدمي، ويرفض العدول عن التأميم وعن تخصيص الاقتصاد.
وصحيح أن الاقتصاد العالمي، المتزايد التحرّر، أكثر فأكثر، والمشادبه ، بصورة عمياء من قبل الشركات المتعددة الجنسية، يظل قلقا.ً ومن المؤسف أيضاً، أن اللبرلة لا تعود بخير على الفقراء، دوماً، إلا تبعاً للنموذج المعروف: نقطة فنقطة. و مع ذلك فإن لدينا عدداً كبيراً من الشهادات التي لا مراء فيها بأن الشركات المدولة تسيئ إلى عمالها، وتلوث الجو، وتؤذي أو تسيء التعامل مع الجمهور العام، بقدر ما تفعله الشركات الخاصة، على الأقل. والكثير منها أصبح شياطين في اللانجع ، والفساد والنهم. وكثيراً ما تشجع سوقاً سوداء كبيرة، تنسف مشروعية الدولة.
ومن سخرية القدر، أن الشركات المؤممة، بدلاً من أن تكون طليعة التقدم التقني، كما هو موعود، أصبحت كلها، دون استثناء، رجعية -بل قل هي الشركات الأكثر بيروقراطية، والأبطأ في إعادة التنظيم.والأقل استعداداً للتلاؤم مع الحاجات المتغيرة للزبائن، والأكثر هلعاً من إشاعة الإعلام في المواطنين، وآخر من يتبنى التقانات الجديدة.
وخلال أكثر من قرن، كان الاشتراكيون وأنصار الرأسمالية يتجابهون بعنف حول مشكلة الملكية الخاصة والملكية العامة. وكان مئات من الرجال والنساء يهبون حياتهم لمثل هذه المعركة. ولكن ما لم يتصوره أولئك وهؤلاء، هو أن نظاماً جديداً لخلق الثروة يجعل حججهم كلها باطلة تقريباً.
ومع ذلك فإن هذا هو الذي حدث. ذلك أن شكل الملكية الأكثر أهمية، هو الذي لا تجد له أثراً بين يديك إنه عالي الرمزية. ويسمى"معرفة. ثم إن المعرفة نفسها يمكن أن يستخدمها أشخاص كثيرون، كي يخلقوا الثروة ويزيدوا إنتاج المعرفة. وعلى عكس المصانع والحقول، فإن المعرفة لا تقبل النضوب.
التخطيط ( أوكم من برغي تسلّل على اليسار)


وكان التخطيط المركزي هو العمود الثاني في كاتدرائية النظرية الاشتراكية. وبدلاً من أن يدع الفوضى تجتاج السوق، وتفسد الاقتصاد، يأتي التخطيط الذكي، من فوق إلى تحت، ليركز الموارد على قطاعات أساسية، ويزيد في النمو التكنولوجي.
وعلى كل حال، فإن هذا التخطيط كان يتعلق بالمعرفة. ومنذ العشرينات من القرن العشرين كان الاقتصادي النمسوي، Luolwig von mises.يصف النقطة الضعيفة في هذا التخطيط. "بكونها، كعب أخيل([15])، الاشتراكي.
ترى كم يجب على مصنع في أيركوتسك IRWKOUTSK أن ينتج من الأحذية؟ ومن أي نوع من مقاييس الأرجل؟ وكم من برغي سيُلولبُ إلى اليسار، ومن أي نوع من الورق؟ وأي نوع من النسب نضعها بين المحرق carlIuRa-teur والخيال، وكم روبل، أو زلوطي أوينّ يجب أن توظف في كلّ من العشرة آلاف من القطاعات الإنتاجية؟.
إن أجيالاً من المخططين الاشتراكيين السليمي الوجدان، كانوا يتمزقون أمام مثل هذه الصعوبة. إنهم كانوا دوماً، يتطلبون المزيد من المعطيات، ويحصلون على مزيد من الأكاذيب. كانوا يعززون البيروقراطية. ولما لم يكونوا قادرين على الاعتماد على مؤشرات العرض والطلب الناشئة عن سوق تغمره المزاحمة. فقد حاولوا أن يقيسوا الاقتصاد بمصطلح الساعات، أو بالنظر إلى الأشياء تبعاً لما هي فيه، أكثر مما كانت تمثله بمصطلخات القيمة. ثم إنهم حاولوا، فيما بعد أن يقيسوه بالنموذج الإيكونومتري والتحليل(الدخولات، والخروجات)
وما من شيء كان ينتظم أو ينجح. وكلما ازداد عليهم الإعلام، كان الاقتصاد يصبح أكثر تعقيداً وفوضى. وبعد أن مضى على الثورة الروسية 65 سنة، كان شعار الاتحاد الروسي الأذناب الطويلة الواقفة أمام المخازن، وليس المطرقة والمنجل.
واليوم، في العالم الاشتراكي كله، أو الاشتراكي سابقاً، يتزاحم الناس، بغية إدخال اقتصاد السوق - إما كلياً كبولونياً؛ أو ببعض الخجل داخل النظام المخطط، كما هي الحال في الاتحاد السوفييتي.
وعندئذ نجد المجدّدين الاشتراكيين يجمعون على الاعتراف بأن قضية ترك العرض والطلب، يتحكم في الأسعار- في بعض المجالات على الأقل- يقدم لهم مالم يكن التخطيط المركزي يؤمنه لهم،- أي علاقات تشير إلى ما يتطلبه الاقتصاد وما هو بحاجة إليه.
بيد أن الاقتصاديين، عندما يتناقشون حول فهم  هذه العلامات signaux، يهملون النظر إلى التغيير الأساسي الذي يقتضيه هذا المبدأ، وإلى الانتقالات الهائلة في السلطة، التي تنشأ عنه. وعلى هذا كان الفرق الأساسي بين اقتصاد مخطط مركزياً، وبين اقتصاد يساعده السوق، إنما يقوم على واقع أن الإعلام يمضي عمودياً، في الاقتصاد المركزي، على حين أن الكثير من الإعلام، في الاقتصاد الثاني(الحر) يمضي إما أفقياً وإما قطرياً، داخل النظام، فالمشترون والباعة يتبادلون المعلومات على كل المستويات، وفي كل الاتجاهات.
ولا يهدّد هذا التغير، جملة كبار الموظفين في مجال التخطيط، أو القادة أنفسهم، بل يهدد ملايين من صغار البيروقراطيين، يقوم مصدر سلطتهم على مراقبة الإعلام المقدم على طول الطريق الرسمية.
إن الطرائق الجديدة في خلق الثروة، تتطلب، الكثير الكثير من المعرفة، والكثير الكثير من الإعلام، ووسائل الاتصال، مما لايمكن أن تحظى به الاقتصادات المخططة. وهكذا فإن انطلاق الاقتصاد العالي الرمزية، قد مزق القاعدة الثانية للأرثوذكسية الاشتراكية...
قمامة التاريخ.


إن التركيز القوي الذي قامت به الاشتراكية، على التجهيزات الميكانيكية، وطريقتها في التركيز على الصناعة المعملية، وعدم اهتمامها بالزراعة وبالعمل الفكري، كل هذا يؤلف العمود الثالث، الذي انهار وتهدم.

ففي الأعوام التي تبعت ثورة عام 1917، وعندما كان المال ضئيلاً لا يقوم بعبء بناء معامل الصلب، والسدود، ومصانع السيارات، التي كان الروس بحاجة إليها، تبنىّ القادة السوفييت نظرية التراكم الاشتراكي البدائي، الذي وضع خطوطه الاقتصادي E.A . PREOBRAJENSKL ! ويرى هذا الرجل، أنه يمكن أن نأخذ من الفلاحين، ذلك الرأسمال الضروري، عن طريق تخفيض مستوى حياتهم بالقوة إلى الحد الأدنى. وهكذا نحصل على الفوائض التي ستستخدم في تغذية الصناعة الثقيلة، ودفع أجور العمال..
وكنتيجة لهذا الانحياز إلى الصناعة، على نحو ما يُقال في الصين، صارت الزراعة وما تزال، قطاعاً منكوباً، في كل الاقتصادات الاشتراكية تقريباً. وبتعبير آخر نقول: إن البلاد الاشتراكية تابعت العمل ضمن استراتيجية الموجة الثانية، على حساب أفراد من الموجة الأولى.
وزيادة على ذلك، فإن الاشتراكيين لم يحرموا أنفسهم من احتقار الخدمات وأصحاب الياقة البيضاء. ووضع العمل الجسدي(الفيزيائي) في منصة الشرف، لأن الهدف الأول للاشتراكية كان"التصنيع" بالقوة. وكان هذا الموقف الكثير الشيوع يتوازى مع الانتباه المركز على الإنتاج، لا على الاستهلاك.
وكان الماركسيون الأنقياء، والقساة، يؤكدون الفكرة القائلة بأن الإعلام، والفن، والثقافة، والقانون، وكل إنتاج آخر للفكر ولا يصنع باليد"... كل هذه تنشأ" كبنية علوية فوقية"معلقة، إذا صح هذا التعبير، فوق"القاعدة الاقتصادية للمجتمع، على حين أنّ الرأي العام يرى أنه لابد من نوع من التفاعل بين الشيئين، يجد فيه كل واحد منهما ينعكس على الآخر. كانوا يرون أن البنية التحتية هي التي تحدد نوعية البنية الفوقية، وليس العكس. وأولئك الذين كانوا يؤمنون بالرأي المعاكس، كان ينظر إليهم"كمثاليين". وهذه صفة كانت في ذلك العهد لا يمكن أن يوصف الإنسان بما هو أسوأ منها.
وكان الماركسيون يعتقدون أن للعمل الشاق أو العضلي من الأهمية أكثر مما للعمل العقلي. ولكن الثورة المعلوماتية برهنت على أن العكس هو الصحيح. ومع ذلك فإن المجتمعات ليست مجرد مكنات، ولا مجرد حواسيب، ولا يمكن أن تردّ إلى العمل اليدوي وحده، ولا إلى العمل العقلي وحده، ولا إلى القاعدة من تحت، والبنية العلوية من فوق. فإذا وضعت لهذا كله، صيغة أكثر دقة من هذا، قلت: إن المجتمعات تتألف من عدد كبير من العناصر. وإن هذه تتواصل فيما بينها، وفيما يشبه الفعل ورد الفعل، ولكن بتعقيد كبير في بنية هذا التآثر، وإن هذا كله يظل، كمجموعة حلقات ينعطف تآثرها بعضه على بعض. وبمقدار ما يزداد التعقيد ويتنامى يصبح أكثر حيوية لاقتصادها واستمرار بقائها البيئي.
والخلاصة، إن هذا الاقتصاد الجديد، ذا المادة الأولية أو المواد الأولية التي لا تلمس ولا تحس، قد أحسن الانطلاق كمقابل لاشتراكية عالمية، لم تكن مهيأة له. إن صدمة الاشتراكية بالمستقبل كانت شؤماً عليها.



rrr





([1]) المقصود بسلسلة التركيب(chaine du  montage) معمل أو فرع من معمل يقدم لنا أداة ما، أو مكنة ما، أو منتجاً ما جاهزاً للعمل.
([2]) يريد المؤلف أن يقول: إن كثافة العمال في المصانع القديمة ، وعملهم غير المختص، كانا يعتبران أشياء هامة في الموجة الثانية، وكل شيء آخر يعتبر ثانوياً.
     أما العمل اللامباشر والمختص فإنه يصل إلى الانتاج نفسه، ويحصل على نفس القيمة المضافة (أو أكثر منها) في مصانع الموجة الثالثة.
([3]) تبنية، كلمة نعني بها تجديد البنية.
(‏[4] )هذه الكلمة من أصل لاتيني، وهي في البداية Ad hoe أي ملائمة، ومناسبة أو على القدّ.
([5]) تعني الشبكة الوطنية للبحث والتعليم. أما الحرف 8 فيدل على حرف الـ(s).
([6]) عندما صدرت الطبعة العربية لكتاب توفلر: "تحول السلطة" كان عنوان مثل هذا الفصل يترجم بالإمعان في المادية.
([7]) أردية للوقاية من المطر
([8]) الاسطوانات المضغوطة هي نوع جديد من الاسطوانات التي اخترعت حديثاً.
([9]) -لشيما CHEMAS المخطط الفكري الأساسي لنظرية أو لنقل هيكلها.
([10]) الموضوعة: افتراض يقبله الانسان بدون برهان جدِّي ، حاسم، ولو كان له مايبرره.
([11]) الـ OPA هي عروض الشراء العامة لشركة أو أخرى.أي أن  تقوم شركة بشراء شركة أخرى، بسعر ما، تتفق فيه على الشركة البائدة.
([12]) يطلق رجال"المعلوماتية" على كلمة linformatique اسم"علم المعلوماتية. وأظن أن هذا الإصطلاح غير موفق.
([13]) المكنة السابقة للتوجيه الذاتي: أي التي تصمم على أساس أن توجه نفسها بنفسها.
([14]) التأميم يعني ردّ الملكية إلى الأمة، ظاهرياً أما الواقع فإن هذا التأميم يُسَمى تدويلاً، أي ردّ كل الملكيات إلى الدولة، والأصح أنه رَدٌ إلى رجال الدولة، لاإلى الدولة بالمعنى الجدي.
([15]) كعب أخيل أو آشيل- وهذا بطل يوناني خرافي إلى حد كبير، وكان معروفاً أنه لا يموت إلا بإصابة.