24- دراسة عبد الرحمن أحمد صائغ(2004) وعنوانها: تربية العولمة وعولمة التربية: رؤية إستراتيجية تربوية في زمن العولمة.
تناولت هذه الورقة علاقة العولمة بالتربية من خلال بعدى (تربية العولمة و عولمة التربية) يركز الأول على قدرة التربية على الاستجابة لتحديات العولمة السياسية والاقتصادية والتقنية والحضارية التي تواجهها الأمة العربية، بينما يركز البعد الثاني على قدرة استيعاب التربية لمفاهيم العولمة واتجاهاتها وتوظيفها لبناء نظام تربوي متطور يمتلك مقومات المرونة والمنافسة على الساحة الدولية. ثم قدمت الورقة مفهوماً شاملاً للمواطنة كرؤية إستراتيجية للتربية العربية في زمن العولمة، تمثل في مجملها إطاراً إجرائياً تتحدد فيه أهم الملامح الأساسية لتربية المستقبل القادرة على الاستجابة لتحديات العولمة الداخلية والخارجية التي تواجهها الأنظمة التربوية العربية (عبد الرحمن أحمد صائغ,2004, 32).
التعليق على الدراسات السابقة :
من استعراض الدراسات السابقة يتضح أن ثمة أموراً لابد من التأكيد عليها لعل من أهمها ما يلي:
1- أن العالم - بما فيه العالم العربي - يتعرض لمجموعة من التحديات والمخاطر لا بد لمؤسسات التربية الرسمية وغير الرسمية من مواجهتها.
2- حاجة المجتمعات العربية إلى صياغة حديثة لنظرية تربوية إسلامية تكون في مواجهة التحديات والمخاطر التي تحدق بالأمة العربية الإسلامية .
3- أن التعليم في القرن - الحادي والعشرين - يرتكز على مجموعة من المبادئ هي: بيئة تعليمية جديدة - التعليم الشخصي - تعليم مبتكر للمعرفة - التعليم مدى الحياة.
4- أن المجتمعات العربية الإسلامية تتعرض الآن - وفي المستقبل - لمجموعة من الأخطار والتحديات بعضها داخلي:كالتغير في التركيب السكاني، والتغيرات الثقافية والقيمية، والتغيرات المجتمعية المختلفة ، وبعضها خارجي: كالثورة العملية والتكنولوجية، والتوتر بين العولمة والمحلية، والتغيرات الاقتصادية والسياسية التي يشهدها العالم.
منهج الدراسة
يقصد بالمنهج الطرق والأساليب التي تستعين بها فروع العلم المختلفة في عملية جمع البيانات واكتساب المعرفة (عبد الهادى الجوهرى, 1992, 12)، من الميدان ولكل ظاهرة أو مشكلة بعض الخصائص التي تفرض على الباحث منهجاً معيناً لدراستها، ويمكن للباحث أن يستخدم عدة مناهج وطرق متكاملة تعينه – الباحث –في تحقيق هدفه العلمي.
وفى هذه الدراسة استعان الباحث بالمنهج الوصفي والذي يهدف إلى وصف الظاهرة محل الدراسة وتشخيصها وإلقاء الضوء على مختلف جوانبها وجمع البيانات اللازمة عنها مع فهمها وتحليلها من أجل الوصول إلى المبادئ والقوانين المتصلة بظواهر الحياة والعمليات الاجتماعية الأساسية والتصرفات الإنسانية (محمد شفيق 1998, 50) وعليه فقد استخدم الباحث المنهج الوصفي وذلك لتحديد الإطار المفاهيمي للعولمة، وذلك سعيا حيال محاولة توضيح ما للعولمة من آثار على تشكيل الهوية الثقافية للطفل العربي وصولاً إلي صياغة تصور مقترح ومناسب لما يجب أن تنهض به المؤسسات التعليمية من دور للمحافظة على الهوية الثقافية للطفل العربي في ظل ظاهرة العولمة, بهدف لفت النظر إلى أبعاد هذه المشكلة والعواقب المترتبة عليها. ولكي يتحقق ذلك يسير البحث الحالي وفقا للخطوات التالية:
الخطوة الأولي: الإطار العام للبحث وتضمن مشكلة البحث وأهدافه, وأهميته والمنهج المستخدم وخطوات الدراسة,
الخطوة الثانية: دراسة تحليلية لمفهوم العولمة وأنواعها.
الخطوة الثالثة: دراسة تحليلية لمفهوم وأبعاد وعناصر الهوية الثقافية.
الخطوة الرابعة: آثار العولمة على تشكيل الهوية الثقافية.
الخطوة الخامسة: وضع تصور مقترح لدور مؤسسات التعليم في المحافظة على الهوية الثقافية للطفل العربي في ظل تحديات العولمة.
ثانيا: دراسة تحليلية لمفهوم العولمة وأنواعها وأبعادها
إذا كان هناك قلق حول مفهوم العولمة نتيجة تداخله مع مفاهيم أخرى من قبيل العالمية، وهو ما يجعل بعض الدراسات الحديثة ترفض حتى الاعتراف به، إذ تعتبره مجرد خرافة وموضة عصر. إننا أمام نظام لا يزال قيد التشكل بأدوات ومحددات نظرية غير موعى بها وعياً تاماً، كما وقع بالنسبة لانتقال العالم من العصور الوسطي إلى عصر التنوير، أو من الموجة الزراعية إلى الموجة الصناعية، أو من الموجة الصناعية إلى الموجة المعلوماتية، وهي ذروة الحداثة. وهي ما يطلق عليها المرحلة الخامسة التي تتمثل الصورة المعاصرة التي نحن بصدد عيشها مرحلة عدم اليقين (رونالد روبرتسون, 1998, 17)
فلم تحظ ظاهرة معاصرة باهتمام الباحثين كظاهرة العولمة من حيث مفهومها وآثارها، فالعولمة مصطلح حديث ويعود أصل العولمة إلى الكلمة الإنجليزية "Global" وتعني عالمياً أو دولياً أو كروياً، أما المصطلح الإنجليزي "Globalization" فيترجم إلى الكوكبة أو الكونية أو العولمة. (مركز دراسات الوحدة العربية, 2003, 53) لكن المتأمل في مفهوم هذا المصطلح يجد أنه يحمل معنى الهيمنة والسيطرة على مقدرات الشعوب، وعلى ثقافتها وأصالتها فكريا ونفسيا وتربويا.
فالعولمة ظاهرة مركبة وفكر قديم يسعى الغرب من خلالها للسيطرة على العالم وفرض ثقافته، فهي ليست ظاهرة اقتصادية أو سياسية أو تقنية أو معلوماتية فحسب، بل هي ظاهرة تاريخية، وهي "ليست ظاهرة جديدة بل قديمة قدم التاريخ عندما كانت تتصدر حضارة ما باقي الحضارات وتقود العالم" (حنفي والعظم, 2003, 13).
ومن أجواء العولمة "تولدت مصطلحات النظام العالم الجديد، والقرية الإلكترونية، واقتصاد السوق، وحرية التجارة والاستثمار والشركات المتعددة الجنسيات، والعرض والطلب، ونهاية التاريخ وصراع الحضارات، وما بعد الحداثة، والهوية الثقافية وغير ذلك" (مصطفى يوسف, 2007, 56) وبالتالي فلابد من التعرف علي أدوات و أبعاد وأهداف العولمة حتى يتسنى لنا إيجاد السبل والطرق المناسبة لمواجهتها أو الاستفادة من بعض جوانبها.
أدوات العولمة وأهدافها:
لقد اعتمدت الدول الغربية والولايات المتحدة على خلق وتسخير مجموعة من الأدوات المساعدة على نشر وتجسيد وتكريس السياسات التي تنجم عن ظاهرة العولمة وفرضها سواء أردنا ذلك أم لم نرد ومن أهم هذه الأدوات:
1 – الشركات المتعددة الجنسيات:
تشكل الشركات المتعددة الجنسية أو ما تسمى العابرة للقارات القوة المحركة للعولمة بشكل عام ولعولمة الإنتاج بشكل خاص، فهذه الشركات التي تواجه ركوداً في الطلب وارتفاعا حاداً في كلفة الإنتاج تنقل قواعد إنتاجها إلى الدول النامية حيث تشهد أسواق السلع والخدمات نمواً ملحوظاً (سنغ كفالجيت, 2001, 23)
2 – منظمة التجارة الدولية
وهي منظمة منبثقة عن اتفاقية الجات وهي تجسيد للاتجاه البارز نحو محاولة تحويل الاقتصاد العالمي إلى سوق واحدة لا تعرف الحواجز أمام حركة السلع (مادية أو خدمية أو تكنولوجية) وحركة رأس المال وهو ما يتضمن تحويل العالم إلى حقل قانوني واحد تتوحد فيه القواعد الموضوعية التي تحكم المعاملات التجارية والمالية الدولية (محمد دو يدار, 2001, 49).
3 – صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير:
يعد صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير من أهم أدوات وأركان ترسيخ مصطلح العولمة والنظام الاقتصادي المعاصر من خلال برنامج التثبيت الاقتصادي، وبرنامج التكيف الهيكلي .
4 – ثورة الاتصالات والمعلوماتية:
تعد ثورة الاتصالات والمعلوماتية اليوم من أهم الأدوات التي تعتمد عليها الدول الرأسمالية بشكل عام والولايات المتحدة الأمريكية خصوصاً في فرض ونشر سياساتها المتعولمة من خلال جعل العالم كقرية صغيرة بحيث أضحى الذي يحكم العالم اليوم هو قوة المعرفة والمعلوماتية وتحول الاقتصاد العالمي إلى اقتصاد يعتمد على المعرفة بعد أن كان اقتصاداً معتمداً على الاستخدام الكثيف لرأس المال (فتحي، و زيدان, 2003, 27). وجدير بالذكر أن أبعاد تلك الثورة تتمثل في المجالات متعددة منها على سبيل المثال: تكنولوجيا المعلومات وتضم الإلكترونيات الدقيقة والإنسان الآلي وصناعة المعلومات والاتصالات العامة النووية وغيرها, والتكنولوجيا الحيوية وتتمثل باستخدام منجزات علوم الأحياء وعلوم الهندسة الوراثية وأبحاث الفضاء وغيرها و تكنولوجيا المواد والتي تعتمد على تخليق مواد جديدة وإحلالها محل المواد الطبيعية باستخدام التكنولوجيا الكيماوية والبتر وكيماوية (سعاد بسوينى 1997, 20).
أنواع العولمة:
نستطيع القول إن العولمة بمعناها النظري هي إكساب الشيء الطابع العالمي وجعل نطاق تطبيقه عالميا ولكن من خلال التطبيق الواقعي لسياسات العولمة نستطيع أن نقول إنها نوع من الهيمنة الرأسمالية المتوحشة التي تصنع الفرد قبل المجتمع والاستهلاك قبل الإنتاج والمال قبل القيم (مصطفى العبد الله الكفري,2003, 54).
وفي الصفحات القادمة يتناول الباحث تلك الأبعاد والأنواع بشئ من الإيجاز كما يلي:
العولمة الاقتصادية:
تعني العولمة الاقتصادية نظاماً تجارياً عالمياً مفتوحاً تزول فيه العوائق أمام حركة السلع والبضائع والخدمات وعوامل الإنتاج. وخاصة رأس المال عبر الحدود الدولية، وتغدو فيه التجارة الدولية الحرة والمتعددة الأطراف هي القاعدة وهذا يؤدي في النهاية إلى تكامل اقتصادي عالمي متزايد في أسواق السلع والخدمات ورأس المال (International Monetary, 1994, 63) وتتحول فيه قوى السوق العاتية إلى نظام اقتصادي عالمي تفرض فيه الشركات المتعدية الجنسية والمنظمات العالمية الحاكمة مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي انسجاما بل تطابقاً بين جميع الأقطار ومهما كانت مواقعها وتفصيلاتها (William K. Tabb ,1997, ففي ظل العولمة، ستنعدم الحدود ويزول التمييز بين الأسواق الوطنية المحلية والأسواق الأجنبية العالمية مما يؤدي إلي إضعاف سيطرة الحكومات على اقتصادياتها.
العولمة السياسية:
يقفز نظام العولمة فوق حدود الدولة والوطن والأمة، فهو يقوم على الخصخصة أي نزع ملكية الأمة والوطن والدولة ونقلها إلى القطاع الخاص المرتبط بقوى العولمة والذي يحقق أهدافها ومتطلباتها. وهكذا تتحول الدولة إلى جهاز تابع لهذه القوى سواء المحلية ذات الاستثمارات الجديدة أو لقوى العولمة (محمد أحمد السامرائي, 47).
لا يمكن إنكار أن المقولات الكبرى في عصرنا مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان تنطوي كل منهما على جانب عام وجانب خاص بالثقافة والبيئة بكل دولة وبكل شعب، ومن أفدح مغالطات التصورات الغربية لحقوق الإنسان تركيزها على الحريات المدنية والسياسية وتغاضيها عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وقد عمدت القوى التي تعمد على فرض ونشر العولمة على توظيف المنظمات الدولية من أجل تحقيق أهدافها مثل احتلال دول معينة ومسخ هويتها القومية من خلال منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن (مصطفى مجدي الجمال, 2001, 55).
العولمة الثقافية
إن سياسات ومآرب العولمة في المجال الثقافي التي تستهدف الثقافية القومية ومقوماتها الرئيسة اللغة والدين والسمات التاريخية وأنماط العيش والسلوك والعادات والتقاليد. ومعطيات الاختلاف والتمايز بين المجتمعات تضعنا أمام مسؤولياتنا المادية والمعنوية والروحية الجوهرية في الحياة البشرية (علي عقلة عرسان, 42) من أجل الحفاظ على مكتسباتنا هذه أمام محاولات العولمة ومجابهة أي تهديد يؤدي إلى التغيير الجبري والعمل على الاستفادة من الثقافات الأخرى من خلال الحوار البناء.
إن مخاطر العولمة على الهوية الثقافية إنما هي مقدمة لمخاطر أعظم على الدولة الوطنية والاستقلال الوطني والإرادة الوطنية والثقافة الوطنية ،فالعولمة تعني مزيداً من تبعية الأطراف لقوى المركز(حسن حنفي, 12).
أهـداف وآثار العولمة الثقافية
إن من أخطر أهداف العولمة ما يعرف بالعولمة الثقافية، فهي تجاوز لحدود الشعوب التي حمت كيان وجودها، وخصائصها الدينية، والتاريخية، والقومية، والسياسية، وتراثها الفكري الثقافي، لضمان بقائها واستمرارها .
وبهذا نجد أن العولمة هي انتقال من مرحلة الثقافة الوطنية إلى ثقافة عالمية، بمعنى، اغتصاب ثقافي وعدوان رمزي على سائر الثقافات الأخرى لهدر سيادة الثقافات الأخرى للشعوب، وفرض الثقافة الغربية، وقهر الهوية الثقافية للأمم والشعوب، وتظهر آثار العولمة في الهوية الثقافية بتشكيك الإنسان المسلم بقناعته الدينية، وهويته الثقافية، وإشاعة العنف، وما يسمى بأدب الجنس والموسيقى، والأزياء والمنتوجات الغربية (صالح الرقب, 2000, 28) وهذا ما يؤكده أحد الباحثين والذي يرى أن العولمة تعني بالضرورة اختراق البنية الثقافية المحلية، وتؤكد مخاطر الاحتلال الثقافي ومحو الهوية، ونزع الخصوصية الشخصية (عاطف عدوان, 2000, 31).
وقد تهزم العولمة الثقافة العربية وتحل محلها ثقافة بديلة، عن طريق تشويه صورة الثقافة العربية بأنها تجسد التخلف والانقسام والتشكيك في التاريخ العربي الإسلامي والتشكيك في حاضر الأمة ومستقبلها، وتذويب شخصية الأمة بحيث تفقد الأمة هويتها وتذوب فيما يغير طبيعتها وعقيدتها بالإضافة إلى إحلال عناصر ثقافة جديدة من خلال أجهزة الإعلام التي تؤمن بسيادة الغربي وعلو مكانته(حسان محمد حسان (بدون), 10).
ومن آثار التحديات التي تواجه الثقافة الإسلامية تنصب على تشويه الإسلام وإثارة الشبهات حول القرآن الكريم والسنة النبوية وعقيدة الإسلام وشريعته، وما يحدث الآن من محاولة لربط الإسلام بالإرهاب هو جزء من هذه الحملة, بالإضافة إلي تفريق المسلمين وإزالة الوحدة الإسلامية والدعوة إلى القوميات المتنوعة، وقد أغرق دعاة الضلال في دعوتهم عندما أحيوا الحضارات القديمة لإيجاد مزيد من الانقسام والفرقة, فرأينا الدعوة إلى الفرعونية, والدعوة إلى البابلية والآشورية وغيرها (عمر سليمان الأشقرو, 1997, 44). ويعد إقصاء شريعة الإسلام من الحكم وتشجيع العلمانية في البلاد الإسلامية من بين الأهداف الخفية للعولمة الثقافية وهذا الأثر بذل الكفار في سبيل تحقيقه الكثير من الجهد والمال والفكر (عمر سليمان الأشقرو, 1997, 44). ولتحقيق كل ذلك تحاول العولمة الثقافية إفساد التعليم وإضعاف التعليم الإسلامي ومدارس القرآن الكريم والمناداة بعلمنة التعليم والدعوة إلى التعليم المختلط (عبد الرحمن الميداني، 1405، 36). مع العمل على إفساد المرأة: لأن فسادها يفسد المجتمع, فأخرجوها من بيتها, وهتكوا حجابها, وزينوا لها التمرد على دينها بمختلف الأساليب, وزعموا أن تحضرها وتقدمها لا يكون إلا إذا سارت مسيرة المرأة في أوربا (عمر سليمان الأشقرو, 1997, 44).
ثالثاً: الهوية الثقافية: مفهومها –عناصرها
يشير المفهوم اللغوي للهوية على أنها مأخوذة من ”هُوَ .. هُوَ“ بمعنى أنها جوهر الشيء، وحقيقته، لذا نجد أن الجرجاني في كتابه الذائع الصيت ”التعريفات“ يقول عنها: بأنها الحقيقة المطلقة المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة بالغيب (خالد بن عبد الله القاسم, 2007, 14).
فهوية الشيء هي ثوابته، التي تتجدد ولا تتغير، تتجلى وتفصح عن ذاتها، دون أن تخلي مكانها لنقيضها طالما بقيت الذات على قيد الحياة (محمد عمارة, 1999, 52). وتعد الهوية كل ما يشخص الذات ويميزها، فالهوية في الأساس تعني التفرد، والهوية هي السمة الجوهرية العامة لثقافة من الثقافات، والهوية ليست منظومة جاهزة ونهائية، وإنما هي مشروع مفتوح على المستقبل، أي أنها مشروع متشابك مع الواقع والتاريخ، لذلك فإن الوظيفة التلقائية للهوية هي حماية الذات الفردية والجماعية من عوامل التعرية والذوبان، إن هذا التصور الوظيفي لمفهوم الهوية يجعلنا نميز بين تأويلين لمعنى الهوية (هانس بيتر مارتن, 1998, 61).
أ- التصور الثابت الأستاتيكي للهوية، الذي يرى أن الهوية، عبارة عن شيء اكتمل وانتهى وتحقق في الماضي، في فترة زمنية معينة، أو نموذج اجتماعي معين وأن الحاضر ما هو إلا محاولة إدراك هذا المثال وتحقيقه.
ب- التصور التاريخي والديناميكي للهوية الذي يرى أن الهوية شيء يتم اكتسابه وتعديله باستمرار، وليس أبدا ماهية ثابتة، أي إن الهوية قابلة للتحول والتطور، ويمكن النظر إلى الهوية في صورتها الديناميكية على أنها مجموعة من المقررات الجماعية التي يتبناها مجتمع ما، في زمن محدد للتعبير عن القيم الجوهرية (العقائدية) والاجتماعية والجمالية والاقتصادية والتكنولوجية والتي تشكل في مجموعها صورة متكاملة عن ثقافة هذا المجتمع.
ولقد أشار تقرير المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم عام سنة 1987 بعنوان إستراتيجية تطوير التربية العربية عن الذاتية الثقافية، أنها تعني "بأننا أفراد ننتمي إلى جماعة لغوية محلية، أو إقليمية أو وطنية، بما لها من قيم أخلاقية وجمالية تميزها عن غيرها من الثقافات" (أحمد عبد الله العلي, 2002, 5) فالهوية الثقافية تختلف من عقيدة إلى أخرى، ومن شعب، إلى شعب، ومن مرحلة زمنية إلى أخرى.
عناصر الهوية الثقافية
للهوية الثقافية عناصر منها وجود تراث روحي ومادي، يشعر كل فرد أنه جزء منه، وأنه مكون له في الوقت نفسه، كما لا بد من الانتماء إلى ثقافة معينة تشعر الفرد بالتوحد معها وبالمشاركة فيها وبالحرية، ضمن أجوائها، كما لا بد من وجود شخصية اجتماعية محددة تربط أفراد الأمة بعضهم ببعض في دين واحدٍ، ولغة واحدةِ، وعادات وتقاليد متشابهةٍ، وخصائص في العمل والإبداع الفكري والفني متماثلة، كما لا بد من وجود منظومة من القيم الروحية والأخلاقية والجمالية واحدة. ويمكن تحديد عناصر الهوية الثقافية في النقاط التالية:
1. الثقافة: وتشمل الثقافة اللغة والفن والفلكلور الشعبي والقيم والعرف.
شكل رقم ( 1)
يوضح عناصر الهوية الثقافية العربية
وهناك العديد من الخصائص الثقافية التي تتصف بها الثقافة العربية إلا أنه يمكن إجمالها في مجموعتين من الخصائص الثقافية المجموعة الأولى التي تتصف بها الثقافة العربية ونرى بعض هذه الخصائص التي كانت ذات نتائج إيجابية على الحضارة الإسلامية والعربية وأدت إلى تكوين بناء قوي ولكنها في فترات معينة لم تجد القوى التي تستطيع السير بها عن طريق التجديد والإبداع بما يتناسب مع التطور الزماني والمكاني. أما المجموعة الثانية فتمثل مجموعة القيم والأخلاقيات في العمود الثاني من الجدول رقم (1) التي تتضمن الكثير من القيم التي تؤدي إلى التطور والحداثة ولكن لم تستطع الدول الغربية من التمتع بها وأن تجعلها جزءاً من ثقافتها إلا بعد أن ناضلت كثيراً في ظل ظروف ومعطيات اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية تختلف عن تلك التي يتصف بها مجتمعنا ويمكن الاستفادة من بعضها ولكن قوى العولمة تحاول إقحامها ليس من أجل تطوير وتحديث المجتمع العربي الإسلامي بل لتستطيع الوصول إلى النموذج الاستهلاكي الذي يؤدي إلى تحطيم جدار القيم والأخلاق والقوة والاندفاع الذي تتحصن به الشعوب الإسلامية والعربية.
جدول رقم (1)
يبن مجموعة من الثنائيات التي تتصف بها الثقافة العربية من جهة ومجموعة الخصائص التي تحاول القوى الغربية التي تتبنى سياسة العولمة فرضها على المجتمعات ومن ضمنها المجتمع العربي
مجموعة الخصائص التي تتصف بها الثقافة العربية | مجموعة الخصائص الغربية والتي تحاول القوى الغربية فرضها ونشرها على دول العالم |
ا الأصالة والخصوصية | الحداثة والمعاصرة |
قوى التقييد بالماضي | قوى الترويض بالعولمة |
قوى التحديد | قوى التجديد |
التعريب | التغريب |
الفكر و النظرية | العمل والتطبيق |
المحلية | العالمية |
النزوع للتقليد وردة الفعل | الانطلاق والإبداع والفعل والحزبية |
التجمعات القبلية | التجمعات الفكرية والحزبية |
امتلاك الحقيقة المطلقة | امتلاك الحقيقة القابلة للتطوير التعديل |
طاعة أولي الأمر | " من رأى منكم منكرا فليغيره |
المصدر: عبد الهادي الرفاعي وآخرون, العولمة وبعض الآثار الاجتماعية والاقتصادية الناجمة عنها, مجلة جامعة تشرين للدراسات والبحوث العلمية - سلسلة العلوم الاقتصادية والقانونية المجلد (27) العدد (1) 2005

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق