الاثنين، 31 مايو 2010

مذكرات وشهادات وصوراً من حياة «الضاحك الباكى» (الحلقة الأولى) نجيب الريحانى

«المصرى اليوم» تنشر مذكرات وشهادات وصوراً من حياة «الضاحك الباكى» (الحلقة الأولى) نجيب الريحانى.. الأسطورة لاتنتهى

  كتب نشوى الحوفى ٣١/ ٥/ ٢٠١٠




لا تعرف حينما تشرع فى الكتابة عنه من أين تبدأ. من حياته التى عاشها مخلصاً للفن وعاشقاً للنساء؟ أم من تأثيره فى تكوين المسرح الحديث فى مصر بكل ما تعنيه الكلمة؟ أم من تصريف القدر الذى جعل من سنوات عمره قصة أشبه بالحكايات التى لا تنتهى مفاجآتها حتى بعد رحيله بسنوات وكأنه أسطورة لا تنتهى؟ رغم أن لحظة النهاية فى حياته قد سُجلت فى دفتر التاريخ فى الثامن من يونيو عام ١٩٤٩ بإحدى حجرات المستشفى اليونانى بالقاهرة بسبب حمى تيفودية، كما يقول سجل الوفيات لذلك العام. حديثنا عن نجيب الريحانى عملاق الكوميديا المصرية الذى أراد أن يحترف الميلودراما فأبى الفن، وساقه فى طريق الكوميديا التى صار عنواناً لها حيث لا تُذكر إلا واسمه مقترن بها، ولا تأتى سيرته إلا وتحدثوا عن تأثيره فيها.

وحديث «المصرى اليوم» عن نجيب الريحانى الآن يقترن بثلاثة أسباب، أولها اقتراب موعد ذكرى رحيله الـ٦١ التى توافق ٨ يونيو المقبل، وثانيها رعايتنا مع مكتبة الإسكندرية لمعرض فى الفترة من ٢-٥ يونيو تعرض فيه أفلامه وصوره وتقام فيه الندوات الفنية التى تناقش دوره، وثالثها - وهو الأكثر جدلاً - لقاؤنا بابنته جينا التى مثل ظهورها فى افتتاح مهرجان القاهرة السينمائى منذ نحو ثلاثة أعوام مفاجأة ذكّرت البعض بحياة هذا الرجل، ودفعت آخرين لتكذيبها ونفى قصة أن يكون لنجيب الريحانى أبناء من الأساس. ولكن من يتحدث مع جينا-٧٣ عاماً- يدرك أن لديها الكثير عنه وعنها.

«جينا»: أنا ابنة «الريحانى».. وهذه قصته مع أمى من البداية للنهاية

فى أحد شوارع حى لوران الراقى بالإسكندرية تقع شقة جينا تلك الشقراء ذات الملامح الأوروبية الصميمة والروح المصرية الأكيدة. تتحدث بلغة عربية تنقصها بعض الحروف التى تجعل منها «خواجاية» كما يقول أولاد البلد المصريون، وتمتلك من روح الفكاهة ما يجعلك تستشعر تواصل لعبة الجينات المؤثرة فى تلك الدماء الأوروبية.

وقد لا يتفق الكثيرون فى قصة الجينات تلك، إلا أن جينا لديها ما يستحق أن تسمعه وتراه عن حياة أبيها. ليست وحدها من يتحتم عليك الاستماع لها، ولكن هناك أيضاً الفنان التشكيلى حمدى الكيال الذى جاوز عمره الستين بقليل ولكنه يحتفظ بتاريخ وسيرة نجيب الريحانى من خلال ما يقرب من ٩١ لوحة رسمها بنفسه بعد لقائه على مدار ٣ سنوات، بدأت فى العام ١٩٦١، مع رفيق رحلة الريحانى، بديع خيرى، حكى له خلالها الكثير من المواقف والذكريات التى لخصها فى لوحات وعرضها فى العام ١٩٦٤ من خلال معرض فنى حضره معظم أبطال فرقة الريحانى ومنهم عدلى كاسب ومارى منيب وبديع خيرى نفسه، ولكن تظل نقطة البداية مع جينا.

عند لقائك بها تتراءى أمام عينيك تفاصيل قصة الأميرة «أنستازيا» صغرى بنات قيصر روسيا الأخير «نيقولا رومانوف» الذى اُعتقل هو وأسرته عقب قيام الثورة البلشيفية فى العام ١٩١٧ وأعدموا رميا بالرصاص فى العام ١٩١٨.

وأحاطت بقصة مقتلهم الكثير من الأساطير وتعلق أكثرها بالأميرة الصغيرة التى ذكر أنه لم يتم العثور على جثتها بعد نجاحها فى الهرب خارج روسيا، لتظهر بعدها بسنوات فى لندن من تدعى أنها «أنستازيا» فيرفض قصتها الجميع، ورغم ذلك لا يملكون تكذيبها وهى من سردت وقائع لا يعلمها إلا من عاش فى القصر الإمبراطورى فى روسيا.

وهكذا جينا التى أحدث ظهورها صدمة رفضت هى أن تنساق وراء نتائجها أو أن تدافع عن نفسها أو تبرز ما لديها من أوراق، تكرر لك بين الحين والآخر: «لا يهمنى الناس، يكفينى أننى أعرف نفسى. أنا ابنة نجيب الريحانى».

ومن هنا كان لقاؤنا معها فى الإسكندرية جزء من حديثنا دار فى منزل الفنان حمدى الكيال الذى سعت للتعرف به وصار من أخلص أصدقائها هو وأسرته، والجزء الآخر دار فى منزلها لتطلعنا على ما لديها من أوراق وصور ومتعلقات.

«فى أواخر عام ١٩٢٠ كان الخلاف قد دب بينى وبين الصديقة «لوسى دى فرناى» فافترقنا إلى غير عودة ويقينى بأن هذا الفراق كان أولى النكبات التى صبها القدر فوق رأسى وساقها فى حلقات متتالية يأخذ بعضها برقاب بعض.

فما كان يغمرنى من خير جارف أضحى بعد ذلك البحر جفافاً من كل ناحية بل شرا مستطيراً، حتى لقد اقتنعت بأن هذه الفتاة كانت هى مصدر الأرزاق وأنها إنما حملت فى جعبتها بسمات الدهر وحظ العمر».

تلك كانت بعضاً من كلمات نجيب الريحانى نفسه فى مذكراته التى نشرها لأول مرة فى العام ١٩٣٧ فى مجلة «الاثنين»، ثم أعادت مجلة «الكواكب» نشرها فى العام ١٩٥٢، ثم صدرت فى كتاب عن «دار الهلال» سنة ١٩٥٩، ثم تضمنها الكتاب الذى أعده دكتور محمد كامل القليوبى بمناسبة مهرجان القاهرة السينمائى الدولى عام ٢٠٠٧ واستعان فى جزء منه بالحديث مع جينا التى روت جانباً آخر من قصة حياة والدها وعلاقته بأمها.

تقول جينا: «نعم لم أعش مع والدى كأى طفلة ولم أشاهده إلا مرات معدودات عاش فيها بعضا من أيام عمره ولكننى عايشت حنانه وأبوته القصيرة فى سنوات عمرى، وخبرت قصة لقائه من والدتى التى لم تعرف الحب إلا معه. وقصة لقائهما جاءت بالمصادفة فى العام ١٩١٧ حينما حضرت أمى لمصر ضمن فرقة استعراضية كانت تجوب العالم، وكانت لوسى مجرد راقصة بين راقصاتها.

فى هذا الوقت كان أبى يبحث عن راقصة أجنبية تشارك فى مسرحية من مسرحياته فرشح له صديقه أحمد فران اسم أمى التى رفضت فى البداية لارتباطها بالعمل فى فرقتها التى كان مقررا لها مغادرة القاهرة بعد انتهاء عروضها، كما أن المسرحية كانت باللغة العربية وأمى لا تجيدها، وكانت تخشى أن يكون عملها معه لفترة تنتهى بسرعة.

ولكنه أقسم لها أنه لن يتخلى عنها وأن عملها معه مضمون ولكنها ترددت فى إعطائه موافقتها وظلت تتهرب منه أكثر من مرة كلما سأل عنها فى البنسيون التى كانت تقيم فيه، حتى ترك لها ورقة قال لها فيها: «البروفة يوم الأحد الساعة ١٢ وأنا فى انتظارك». حكت لى أمى أنها ذهبت فى الموعد وأدركت منذ لحظة لقائها به أن هناك قوة تشدها إليه. كان الجميع يحبونه ويقدرونه فى الفرقة.

تناسى أعضاء الفرقة اسم لوسى الحقيقى وباتوا ينادونها باسمها فى العرض «جاكلين» وصارت صديقتها المقربة إليها زينب صدقى، إلا أن الأمر لم يخل من مضايقات البعض لها سواء من بين أعضاء الفرقة الذين كانوا يشعرون بمكانتها لدى الريحانى، أو من بعض الجمهور الذى كان يمتدحها بعبارات الثناء على جمالها، فى الوقت الذى توطدت فيه علاقتها بالريحانى.

وهو ما تحكى عنه جينا بالقول: «قالت لى أمى إن أبى اعترف لها بحبه وطلب منها ترك العمل والتفرغ له وأن تكون شريكته فى الحياة وهو ما فعلته ولكنهما لم يتزوجا. وعاشت معه وكانا يشعران بأن كلاً منهما تميمة الحظ للآخر على مدى ثلاث سنوات.

فأبى خُلق للحب الذى كان كثيرا ما يقع فيه كلما التقى امرأة جميلة، وعرفت أمى أنه على علاقة بفتاة صغيرة كانت قد التحقت بفرقته، وكانت تثور وتمتنع عن الطعام وتبكى وكان يخاف عليها ويعدها بعدم تكرار فعلته ولكنه لم يستطع السيطرة على نفسه حتى إنه ترك لها المنزل يومين قررت فيهما العودة لفرنسا وتركت له خطاباً بألا يبحث عنها لأنه لن يراها ثانية.

شعر الريحانى فى تلك الفترة بحجم الفراغ الذى تركته لوسى بعد رحيلها حتى إنه كتب عبارته التى عبر فيها عن ذلك فى مذكراته ودون أن يعلم أن القدر سيعيد له لوسى مرة أخرى بعد ١٦ سنة وبالمصادفة أيضاً.

فلوسى التى عادت لفرنسا فى العام ١٩٢٠ التحقت بالعمل كراقصة فى كازينو «مولان روج» وفى العام ١٩٢٥ تعرفت على شاب ألمانى تزوجته وسافرت معه للعيش فى ألمانيا، لكنها تركته بعد ٤ سنوات بعدما اكتشفت أنه سكير كما خسر كل ماله فى القمار فتركته وعادت لباريس، حيث التحقت بالعمل كمصممة أزياء فى فرقة «أوبرا كوميك» حتى كان اللقاء مجدداً مع الريحانى فى العام ١٩٣٦.

وهو ما تحكى عنه جينا قائلة: «كانت أمى فى استوديو بباريس تنفذ تصاميم مطلوبة منها، وتأخر عليها عامل البوفيه فى إحضار الشاى لها، فذهبت لتحضره بنفسها، لتجد نفسها أمام أبى وجهاً لوجه، وكان قد حضر لإنهاء أعمال مونتاج أحد أفلامه، فتعانقا وهما يبكيان من الفرحة، وقد كان على أبى أن يبقى فى باريس لمدة أسبوع واحد، ولكنه ظل مع أمى ٣ أشهر عادا فيها للعيش كحبيبين، ولكن اضطر للعودة لمصر بعد انتهاء تلك المدة لارتباطه بأعماله، على وعد بالرجوع لها مرة أخرى.

وما هى إلا أسابيع قليلة حتى أرسلت أمى لأبى خطاباً أخبرته فيه بحملها فى، فأرسل لها فى نفس اليوم برقية يطلب منها الاهتمام بصحتها وإخباره بموعد الولادة ليكون فى استقبال الوليد.

جاءت «جينا» للدنيا فى ١٤سبتمبر من عام ١٩٣٧ فى ألمانيا دون أن يكون والدها فى انتظارها، فأرسلت لوسى برقية للريحانى تخبره فيها بمولد ابنتهما ولكنه لم يستطع السفر إليهما. ولتعمدها فى الكنيسة بغير حضور والدها الذى كتب اسمه فى خانة الأب بالألمانية فى شهادة التعميد.

وهو ما تحكى عنه جينا قائلة: «لم يستطع بابا الحضور لرؤيتى وليدة، وكان هتلر وقتها فى قمة زهوه بما يحققه لألمانيا وكانت أمى تخشى من التعرض لأى مساءلة إن هى سجلتنى فى الأوراق الرسمية باسم مصرى لا يتناسب والعرق الآرى كما كان يقول هتلر. ولذا سجلتنى باسم عائلة أبيها، وكتبت اسم والدى فى شهادة التعميد فى الكنيسة.

والتقينا بأبى فى صيف العام ١٩٣٨ فى باريس وكان يدللنى باسم أميرتى الصغيرة، يومها وضع وديعة باسمى فى بنك «كريدى لونيه» مبلغ ٥٠ ألف فرنك كى تنفق أمى على من ريعه. وظل معنا حتى اضطر للعودة مرة أخرى لمصر، ولكننا سافرنا له وقضينا معه ١٥ يوماً فى الفيوم فى أعياد كريسماس عام ١٩٣٨ عدنا بعدها أنا وأمى مرة أخرى لباريس.

هنا يقفز السؤال ولما لم يعلن نجيب الريحانى زواجه من لوسى وإنجابه منها طفلة؟ ولم كان يحضرهما فى الخفاء ويزورهما سراً خلال تواجدهما فى مصر؟ الإجابة تأتى على لسان جينا التى تقول: «كان أبى متزوج فى ذلك الوقت من الراقصة «بديعة مصابنى» التى كانت شديدة الغيرة عليه ولم يكن يستطيع إعلان زواجه بغيرها حتى لو كان ذلك فى الخارجاً.

ولذا كان وجودنا دوما سرياً فى حياة أبى، وكان سبباً فى بعض الأحيان فى نشوب المشكلات بين بابا وماما التى كانت تشعر بالإهمال من جانب بابا والخوف من معرفة قصة زواجهما.

مرة أخرى يلتقى الريحانى ولوسى وابنتهما فى باريس فى العام ١٩٣٩ أثناء تواجده بها لعمل مونتاج أحد الأفلام، يطلب منها قبل مغادرتهما أن تجهز نفسها للمجىء لمصر لأنه قرر أن يستأجر لهما شقة فى حى الدقى القريب من المدرسة الألمانية لتدرس بها جينا، واعداً إياها بالتردد عليها بين الحين والآخر.

وهو ما كان واستمر حتى العام ١٩٤٠ حينما تلقت لوسى رسالة من والدتها تخبرها بأن أباها مريض للغاية فى ألمانيا ويطلب رؤيتها، فتسافر مع جينا لألمانيا لزيارته ولكن تمنعها ظروف الحرب من العودة للقاهرة بعد إعلان هتلر إغلاق الحدود الألمانية وإعلان حالة الطوارئ لتصبح ألمانيا بلداً مغلقاً لا يمكن الخروج منه أو الدخول إليه، وانقطعت الخطابات بين لوسى والريحانى.

وعانت جينا من مناخ الحرب الذى تتذكره بقولها: «كان كل شىء حولنا كئيب وكانت أعداد القتلى تزداد، وهتلر يردد أن ألمانيا فوق الجميع وعندما مات الرجال أخذ الصبيان الصغار للمشاركة فى الحرب.

كانت القنابل تنهار علينا من كل جانب واضطررنا للانتقال لكوخ صيفى من الخشب بجوار شاطئ البحر لم تكن به نوافذ فوضعنا عليه ورق الكارتون، كثيرا ما شعرت أنا وأمى ووالداها بالجوع نتيجة نقص الطعام ولكن كل الشعب الألمانى كان يعانى لم نكن وحدنا.

أذكر أن أمى كانت تنطلق فى الغابة لجمع بعض الأعشاب وطبخها لنا، كما كان الخبز يوزع فى المدارس بمعدل رغيف لكل فرد مرة واحدة فى الأسبوع. كانت أمى وجدتى تحملان أجساد الموتى ويضعنها فى صندوق من الخشب لدفنها دفناً جماعيا حتى لا تتفشى الأمراض».

وقتها كانت جينا تبلغ من العمر ٥ سنوات وقد ألحقتها أمها بمعهد لتعلم الباليه، وأظهرت فيه تفوقا وموهبة حتى صارت بطلة لعدد من عروض المعهد ببلوغها ست سنوات من عمرها. ولكنها ظلت تعانى مع أسرتها ويلات الحرب التى اشتدت تفاصيلها وصار الحديث عن رعب يصيبهم منها، أو ملاجئ يختبئون بها خوفاً من طلقات مدافع أو قذائف طائرات، حديثا مكرراً.

تقول جينا: «فى العام ١٩٤٤ وكان عمرى ٨ سنوات حاولنا أنا وأمى وجدتى الهرب لسويسرا ولكن فشلت محاولتنا وتم ترحيلنا إلى قرية «كينتس» فى المنطقة الشرقية وظللنا بها حتى انتهاء الحرب فى العام ١٩٤٥ وتقسيم ألمانيا إلى جزءين تسيطر روسيا على الشرقى منه، بينما تسيطر أمريكا وإنجلترا على الجانب الغربى منه.

فى العام ١٩٤٦ نجحنا فى الهرب إلى الجزء الغربى من ألمانيا بمساعدة جنود إنجليز، واستقررنا فى ميونيخ والتحقت أمى بالعمل كممرضة فى احد المستشفيات.

كان الفارق فى المعاملة بين الروس والأمريكان والإنجليز كالفارق بين الأرض والسماء. ولكن أخذت الأمور فترة طويلة حتى استقرت. ونجح والدى فى لقائنا فى باريس فى العام ١٩٤٦ وقضى معنا شهرين.

كانت تلك المرة الأولى التى أرى فيها والدى منذ سنوات. أذكر يومها أن والدتى ألبستنى فستاناً نظيفاً وحضرت الطعام، وقالت لى سيأتى ضيف مهم اليوم لزيارتنا.

وعندما دق الباب وجدت أبى يدخل وهو يحمل فى يده عروسة صينى رائعة وجرى على واحتضننى. أتعرفين عندما أشاهد فيلم «لعبة الست» أشعر أنه أكثر الأفلام تعبيرا وقربا من شخصية بابا الحقيقية. كان هكذا حنوناً هادئاً محباً للبيت ومن فيه».

سرعان ما تنتهى زيارة نجيب الريحانى لابنته وأمها ويعود لمصر إلا أنه فى صيف عام ١٩٤٧ يعاود لقائهما فى باريس، ثم تكرر لقائهما فى مصر فى أعياد كريسماس عام ١٩٤٧ ليقضيا الإجازة فى فندق «وينتر بالاس» بالأقصر بعيداً عن أعين الناس، فى تلك الزيارة زارت جينا مسرح الريحانى هى وأمها وشاهدته على المسرح والناس تصفق له دون أن يجرؤ أى منهما على الدخول له فى الكواليس.

وسرعان ما تنتهى زيارتهما لتعودا إلى ألمانيا من جديد. ويغيبا عن نجيب الريحانى لمدة عام كامل لا ترياه فيه إلا فى أعياد كريسماس عام ١٩٤٨. كان قد استأجر لهما شقة فى جاردن سيتى وكان يتردد عليهما خفية بين الحين والآخر، إلا أن أعماله وانشغاله بقصة حب جديدة جعلت من لقائه بهما فى تلك الفترة أمراً نادر الحدوث، وهو ما أغضب لوسى التى شعرت بأنه لا يحفل بها ولا بابنته ولذا ثارت بينهما المشاكل كلما حل لزيارتهما.

وهو ما تقول عنه جينا: «كنت أشعر بالخوف والقلق كلما رأيتهما يتحدثان بغضب أمى تقول أنها ملت تلك الحياة وهو يقول لها أنه لا يستطيع فعل شىء آخر، ولذا جاء سفرنا أنا وأمى بعد انقضاء إجازة الكريسماس. لم أكن أعلم أن تلك هى المرة الأخيرة التى ستتاح لى فيها رؤية أبى. كان عمرى وقتها ١١ عاماً».

فى يونيو من العام ١٩٤٨ أصيب الريحانى بالتيفود ونقل إلى المستشفى اليونانى، كانت حالته تزداد سوءاً يوماً بعد يوم حتى كانت وفاته فى الثامن من يونيو فى إحدى حجرات المستشفى، لتصل برقية للوسى وابنتها جينا من أحد معارفه تخبرهما بوفاته. فلم تسعيا لإثبات حقهما فى الميراث أو للحصول على أى شىء تركه، لأن لوسى كانت تعلم أن هناك من سيقاتل فى سبيل تلك الأشياء.

وهو ما تعلق عليه جينا قائلة: «شعرت يوم وفاة أبى بأننى فقدت كل شىء فى حياتى وقتها تعايشت مع الواقع، ولكن ظل فى نفسى حنين لمصر التى لم أحس أن لى وطناً غيرها. علمت فيما بعد أن من استطاع أن يأخذ شيئاً من شقة أبى فى عمارة الإيموبيليا أخذه. وقد مات أبى وعليه ديون ٢٠٠ جنيه للضرائب فباعوا ما تبقى من مقتنيات شقته لسدادها».

تمر سنوات الطفلة وحنينها لأبيها وكل ما يذكرها به يعيش بداخلها تقول: «بعدما نضجت صحبت فرقة الباليه التى كنت أعمل بها للشرق الأوسط لإحياء بعض الحفلات وعندما حضرنا لمصر حاولت تقصى سيرة والدى لكننى لم أعرف، فعدت لألمانيا بعد خلاف مع الفرقة وعملت فى شركة لتنظيم المعارض الدولية.

وفى إحدى المرات كان لدينا مهمة المشاركة فى المعرض الزراعى فى القاهرة وعندما حضرت شاهدت زوجى وكان محاسباً مصرياً من عائلة ثرية ومحافظة من الصعيد. تطورت الأمور بسرعة وطلب منى الزواج وسافر للقاء والدتى التى لم تكن مرحبة لأننى سأبتعد عنها، ولكننى كنت أعرف أن قدرى فى مصر فتزوجنا وعشنا فى الإسكندرية.

كان زوجى غيوراً يرفض حتى أن أتبادل الحديث مع أى أحد فعشت معه أحاول أن أطيع طبيعته تجنبا للمشاكل، وأنجبنا ابناً وابنة ولم أظهر للناس إلا بعد وفاته منذ عامين».

فى منزل «جينا» شاهدنا صور زوجها وأبنائها وأحفادها ولكنها طلبت منا ألا نعرض لهم فى الحديث احتراما لرغبة زوجها وأبنائها. والآن صدق جينا أو لا تصدقها، اعتبر قصتها دربا من الخيال إن شئت أو انظر لها على أنها حقيقة تؤكدها شهادة تعميدها. ولكن من قال أن الحياة دائما ما تسير على نسق المنطق ودربه؟

























التيفوئيد يقتل الريحاني

أول هؤلاء النجوم الضاحك الباكي « نجيب الريحاني» الذي قال طه حسين عام 9491م في وداعه : «إن هذا الرجل ذو الخلق الطيب السمح والقلب النقي والنفس العذبة والضمير البريء، قد أضحك المصريين نحو ثلاثين عاماً، أضحكهم ضحكاً سخياً سمحاً بريئاً من كل إثم، مطهراً من كل دنس، أضحكهم حين كانت حياتهم كلها حزناً وهماً وألماً، فمهما بكى المصريون لفراقه فلن يوفوه حقه إلا أهونه.
ولم يكن عملاق الكوميديا نجيب الريحاني يستهدف مجرد الضحك لمجرد الضحك، بل كان يلهث وراء أحد أحداث المجتمع وعيوبه ونظمه البالية ليغوص فيها ويكشف عن أخطائها ساخراً منها بأسلوبه اللاذع لكنه عاش عمره يجفف دموعه بالضحك والابتسامة وكأنه يوفرها ليوم مماته ويدخرها لسيرته عاماً بعد عام.
ولد الريحاني وعاش في حي باب الشعيرية عام 1890م، وفي وظيفته في بنك التسليف توطدت الصداقة بينه وزميل له في العمل هو عزيز عيد، والتقت ميولهما الفنية، ابتكر الريحاني شخصية (كشكش بك) الثري الريفي ونجحت المسرحية وأصبح اسمه على كل لسان، ثم دخل عصر الأوبريت بتعاونه مع الموسيقار سيد درويش وتوالت النجاحات.
أحب الريحاني كثيراً لكن التي أصابت قلبه في مقتل هي «بديعة مصابني» التي تزوجها، والغريب أن الفتور أصاب علاقتهما حتى أدى إلى الانفصال بعد عشر سنوات وظلا علي انفصالهما دون طلاق وكانت النهاية مأساوية إذ وقع الفنان فريسة للمرض وتدهورت صحته ودخل المستشفى اليوناني مصاباً بالتيفوئيد ومات الريحاني وكانت آخر كلماته «لقد أضحكت الدنيا وقلبي يبكي»!

الدكتور أحمد جويلى وزير التموين الأسبق فى اعترافات لأول مرة

الدكتور أحمد جويلى وزير التموين الأسبق فى اعترافات لأول مرة لـ«المصرى اليوم»(١-٢)السكر.. وراء خروجى من الحكومة

  حوار رانـيـا بـدوى ٣١/ ٥/ ٢٠١٠


جويلى


«عندما أترك شيئا لا أعود إليه، ولا أفكر فيه، ولا أحب الحديث عنه».. هذا هو أول تعليق تلقيته من الدكتور أحمد جويلى، وزير التموين والتجارة الأسبق، عندما حاولت جاهدة دفعه لإخراج ما فى جعبته من أسرار وتفاصيل عن الفترة التى تولى فيها وزارة التموين والتجارة، خاصة أنه لم يتحدث مطلقا عن هذه الفترة ولم يجب أبدا عن سؤال: لماذا خرج من الوزارة رغم شهادة الجميع له بحسن الأداء؟! 

ورغم أن الدكتور جويلى معروف بهدوئه التام رغم الأزمات التى أثارها مع رجال الأعمال ومافيا السوق السوداء فى هذه الآونة، وبدبلوماسيته فى حديثه عن المسؤولين والكبار، ورغم أنه ليس له تصريح فيه شغب، ولا حوار فيه اعتراف، ولا تحقيق يحوى أسراراً،إلا أن كل ذلك انتفى فى هذا الحوار. 

والمعروف أن دكتور جويلى دخل الوزارة كوزير للتموين فى عهد وزارة الدكتور عاطف صدقى بعد أن كان محافظا لدمياط ثم الإسماعيلية.. واستطاع فى مدة قصيرة أن يكسب ثقة الشعب وحبهم.. عمل على ضبط السوق ومحاربة الغلاء وملاحقة الفساد وكشف الغش والتدليس، وفجأة وبعد أن زادت شعبيته للدرجة التى رشحه فيها الناس لرئاسة الوزراء فوجئ الجميع بخروجه فى أول تعديل وزارى بعدما تولى الدكتور عاطف عبيد رئاسة الوزارة.

فى هذا الحوار يكشف الدكتور جويلى لأول مرة أسباب خروجه من الوزارة، وأسرار ملف السكر الذى لا يعرف أحد عنه شيئا، ويحكى سر خلافه مع الدكتور عاطف عبيد ومافيا رجال الأعمال، ويحكى لأول مرة عن اقتحامه مصانع الشركة القابضة للسكر لمصادرة كل ما فيها.. وبدأت بسؤاله مباشرة عن السكر فأجاب بسرعة وتلقائية: السكر من السلع التى لا أحبها.

■ لأنه أخرجك من الوزارة؟

- ضحك قائلا: مشاكله كانت كثيرة، وكل يوم بسعر وسوقه غير مستقرة.

■ لدىّ معلومة تقول إن خلافك الرئيسى مع الدكتور عاطف عبيد كان بسبب ملف السكر؟

- ملف السكر كان من الملفات المعقدة جدا، نظرا لأهميته بالنسبة للمواطنين، وغلاؤه قرشا واحدا كان يتسبب فى أزمة، وكان كل همى هو المواطن الغلبان الذى أحرص على أن يحصل على السلعة بسعر جيد، وأن تكون السلعة متوافرة فى الأسواق، والأزمة الأساسية بينى وبين الدكتور عاطف عبيد، الذى كان أيامها وزيرا لقطاع الأعمال، بدأت عندما رفض رئيس الشركة القابضة لإنتاج السكر والصناعات التكاملية المصرية محمد خليف أن يعطينى حصتى الشهرية كوزارة تموين من السكر لكى أستوفى بطاقات التموين، وأخذ يماطلنى حتى تفاقمت الأزمة وأصبحت فى وضع حرج أمام مستحقى الحصة التموينية وباتت أزمة كبيرة فى البلد.

■ قاطعته: المفروض أن المصلحة واحدة، فهى شركة قطاع عام وأنت تعمل للصالح العام، فلماذا وقف رئيس الشركة القابضة ضدك؟

- رجال الأعمال اتفقوا مع «خليف» على أن يشتروا منه السكر المكرر ويصدروه للخارج فكان يحقق من وراء ذلك مكاسب كبيرة.

■ يعنى التاجر أهم من المواطن الغلبان الذى يحصل على السكر المدعوم؟

- نعم.. لذا اتصلت بالوزير المسؤول آنذاك، وهو الدكتور عاطف عبيد وزير قطاع الأعمال الذى رفض التدخل وقال لى: «منك له.. إنت حر معه» حتى تأزم الوضع واختفى السكر من السوق المحلية تماما وارتفع سعره بشكل جنونى، وظللت أستعطفهم للحصول على حصتى ولكن دون جدوى، فاتصلت بالدكتور عاطف صدقى رئيس الوزراء أشكو له الوضع لكنه لم يحرك ساكنا، واندهشت من أنه لا أحد يريد الالتزام بسياسات الدولة، فاضطررت إلى استخدام سلطاتى كوزير للتموين وهى أن أصادر أى منتج وقت وقوع الأزمة، فأحضرت جميع مفتشى التموين، فى وجه قبلى وأمرتهم بأن يتجهوا إلى كل مصانع ومخازن الشركة القابضة واقتحامها ومصادرة كل «حباية سكر» فيها وشحنها إلى القاهرة فورا.

■ ماذا لو أنهم تعرضوا للمنع من قبل أى شخص؟

- قلت لهم «من يقف أمامكم حولوه إلى النيابة بموجب الضبطية القضائية التى معكم» وقد تم بالفعل مصادرة كل السكر وشحنه إلى القاهرة، وكونت رصيداً جيداً من السكر استوفيت به كل البطاقات التموينية، والفائض طرحته فى الأسواق بسعر جيد ودون ربح.

■ ماذا كان رد فعل رئيس الشركة؟

- لم أهتم بأى رد فعل له، علمت أنه شكانى لوزيره، ولكن لم أهتم فالمهم أننى أرضيت المواطن واستوفيت بطاقات التموين.

■ وهل وصل الموضوع إلى الرئيس مبارك؟

- نعم ولكن بعد أن انتهى، فقد علم أن السوق خالية من السكر، وأن هناك أزمة سكر فى البلد، وفى أول اجتماع بعدها سألنى ما موضوع أزمة السكر فقلت له «الموضوع انتهى خلاص ياريس، ولكن المهم ألا يتكرر مرة ثانية» فسألنى «ماذا تقترح؟» قلت له «أريد مخزوناً استراتيجياً من السكر وفى حالة حدوث أى أزمة أو عدم استقرار فى السوق أستطيع تغطية العجز فورا»، واقترحت أن تكون الكمية كافية لثلاثة أشهر مقدما، وسعرها كذا مليون فأمر الدكتور عاطف صدقى بأن يعطينى المال اللازم لتحقيق هذا المخزون.

■ وهل هذه المشكلة هى السبب الرئيسى فى استبعادك من الوزارة؟

- رئيس الوزراء الجديد آنذاك الدكتور عاطف عبيد لم ينس لى العديد من المواقف معه.. فقد كان رأيى دائما من رأسى، أدرسه جيدا وأنفذه. وفى موقف آخر استوردت الشركة القابضة «سكر خام» بكميات ضخمة لتكريره وأنزلته السوق وبدأت فى بيعه بسعر عال فاعترضت، وأنزلت أنا على الجانب الآخر السكر إلى الأسواق بسعر منخفض ومن هنا ثار الخلاف، فقد طلب منى الدكتور عاطف عبيد عدم تخفيض السعر فقلت له «أنا لا أريد أن أكسب».. فأجابنى قائلا «ولكن بهذه الطريقة ستؤدى إلى خسارة الشركة القابضة»، قلت له تخسر: أنا مشكلتى هى المستهلك».. 

وكذلك مواقف كثيرة على هذه الشاكلة.. فالسكر كان إحدى الحلقات المهمة فى خروجى من الوزارة لأنى كنت حساساً جدا تجاه المستهلك ولا أريد تحميله عبئاً أكبر، ولكن كانت هناك أشياء أخرى سبب توتر العلاقة مع الدكتور عاطف عبيد، فمثلا عندما كنت أصدر قطناً خاماً لجلب العملة الصعبة كوزير للتجارة فوجئت به يطلب منى ألا أصدر القطن فرفضت وقلت له إن الشركات المحلية لديها ما يكفى من القطن الخام للتصنيع والفائض من حقى تصديره، ولم يكن محقاً ولكنه كان يحاول إرضاء الشركات التابعة له فهو كان يعمل معها.

■ ماذا عن أزمة المجمعات الاستهلاكية؟

- ضحك قائلا: «لا أعرف عم تتحدثين.. كفاية كده إنتى أخدتى أسرار كتيرة».

■ أتحدث عن المجمعات الاستهلاكية التى كانت تابعة للدكتور عاطف عبيد ثم انتقلت إليك ولا أحد يعرف السبب ولا النتيجة التى ترتبت على ذلك؟

- بعد محاولة للتهرب من الإجابة قال: المجمعات الاستهلاكية كانت تابعة لعاطف عبيد أى لوزارة قطاع الأعمال.. ولكننى ذهبت للرئيس مبارك وقلت له «أنا أريد أن تكون فى يدى أدوات أحرك بها السوق والأسعار حتى أجنب البلد أى أزمة فى التموين وأجنب السوق احتكار بعض رجال الأعمال للسلع، حيث تنبهت خاصة خلال الأزمة الشهيرة للسكر إلى دور المجمعات واعتبرتها أداة يمكن من خلالها مواجهة تلاعبات القطاع الخاص وقررت طرح السلع التى كان يحدث بها اختناقات من خلالها، فقال لى الرئيس «ماذا تريد؟» قلت له «أريد شركات المجمعات الاستهلاكية»، وقد كان.. فعلاقتى بالرئيس كانت جيدة وكان يثق بى وأمر بالفعل بنقل المجمعات الاستهلاكية لتصبح ضمن صلاحياتى، لكن الدكتور عاطف شعر أننى أخذت جزءاً من صلاحياته وصغرت وزارة قطاع الأعمال.. حيث عادت هذه المجمعات مرة أخرى إلى وزارة قطاع الأعمال بعد تولى عاطف عبيد رئاسة الوزارة وبالمناسبة أنا وقفت فيما بعد بشدة أمام فكرة بيعها.

■ عندما علمت أن الدكتور عاطف عبيد تولى رئاسة الوزارة الجديدة هل تنبأت بخروجك؟

- نعم.

■ لكن الرئيس كان يعرف كفاءتك وعلاقتك به جيدة كما قلت فلماذا لم يتمسك بك؟

- رئيس الوزراء الجديد قال له إنه لا يريدنى، وأنا لم أكن أهتم حتى بمعرفة الأسباب، أنا أرضيت ضميرى وعملت بكل اجتهاد وحاربت فساد السوق بكل ما أوتيت من قوة.

■ ما أبرز قضايا الفساد التى اشتغلت عليها أثناء وجودك فى هذا المنصب؟

- قضايا كثيرة، فلطالما عملت على قضايا الغش والتدليس فى السوق وحاربت السلع منتهية الصلاحية والسلع التى كانت تمثل خطرا على الصحة العامة.

■ وهل هذا كان سبب وقوف بعض رجال الأعمال فى وجهك؟

- نعم حتى إنهم اشتكونى لرئيس الوزارة.

■ وماذا كان رد فعل دكتور عاطف صدقى؟

- كان دائما يقولى لى «إنت مزودها شوية».

■ هل كنت توقع مخالفات على شركات القطاع الحكومى؟

- لم أكن أفرق بين القطاع الخاص والقطاع الحكومى، بل بالعكس كنت أوقع مخالفات على جميع الشركات الحكومية بما فيها المجمعات الاستهلاكية التابعة لى.. كنت أحمى المواطن من الغش والتدليس واحتكار السلع أو عدم صلاحية المنتجات للاستهلاك الآدمى، أو كونها تمثل خطراً على صحته.

■ يفترض أن حمايتك للمواطن وضبطك للسوق يسعدان رئيس الوزراء لا أن يدفعاه لأن يقول لك «إنت مزودها شوية»؟

- لا أعرف ولكن هذا كان رأيه.. الغريب أن أحد الوزراء وقتها اتهمنى قائلا: «إنت بتشوه صورة مصر.. كل يوم تطلع علينا بقضايا غش تجارى وطعام منتهى الصلاحية! أنت بهذا تؤثر بالسلب على السياحة».. فقلت له «هذه الرقابة تجعل السياح يحترموننا أكثر، وعلى أى حال أنا لا أفعل ذلك من أجل السياحة إنما من أجل المواطن المصرى»، هذه للأسف كانت طريقة التفكير!

- مازال ملف توشكى مثار الأحاديث والأقاويل ما بين نجاح المشروع وفشله، استصلاح أرضه والتفريط فيها بملاليم.. إنفاق المليارات عليه كمشروع قومى، واعتبار ما أنفق إهداراً للمال العام، والنتيجة فى النهاية واحدة: لم يكتمل المشروع بعد.. لذا كان ملف توشكى على رأس أولويات حوارى مع الدكتور جويلى، ليس فقط لكونه حاصلاً على الدكتوراه فى الاقتصاد الزراعى وأحد الخبراء فى هذا المجال، ولكن لأنه تولى عام ٢٠٠٠ وبعد خروجه من الوزارة منصب رئيس مجلس إدارة شركة المملكة للتنمية الزراعية للاستثمار فى توشكى المملوكة للأمير الوليد بن طلال.

■ دكتور أحمد منذ عام ١٩٩٨ونحن نعمل على مشروع توشكى أى حوالى ١٢عاماً ولم نزرع حتى ربع المساحة، وأخيرا ظهر ما يسمى بالتساهل مع الوليد فى العقود وبيع أراضى توشكى بملاليم، فما رأيك؟

- المشكلة ليست مشكلة الوليد إنما مشكلة الحكومة المصرية التى تخلت عن واجباتها.. كيف لى أن آخذ شخصاً أضعه فى الصحراء على بعد مسافة طويلة من القاهرة وأقول له «عليك أن تزرع الصحراء» دون أن أوفر له الطرق والمواصلات والسكن وخلافه. 

مشكلة مشروع توشكى أنه تم التعامل معه على أنه مشروع رى لا مشروع تنمية متكامل، فتم الاهتمام بحفر الترعة الرئيسية والترع الفرعية ومحطات رفع المياه والماكينات وهو جهد ضخم بلا شك وكان يفترض التعامل معه على أنه مشروع متكامل وليس زراعة فقط إنما تعمير وصناعة وطرق ومواصلات وإسكان.. أما قضية المستثمرين فهى قضية فرعية بالنسبة لمشكلة توشكى الأساسية وهى التعمير. 

■ إذن أنت تبرئ الوليد من الاتهامات التى وجهت له مؤخرا؟

- فى مثل هذه المناطق الصحراوية النائية يجب أن تقف الحكومة إلى جانب المستثمر، لأن استصلاح الأراضى هناك صعب جدا.

■ لكن الوليد حصل على الفدان بخمسين جنيهاً؟

- لكنها منطقة غير مأهولة بالسكان وبعيدة جدا وتوشكى مفتوحة للجميع بنفس الأسعار ولكن المسألة فعلا صعبة جدا.. وأعتقد أن المشكلة مع الوليد ليست فى السعر إنما فى أنه حصل على الأرض ولم يزرعها.

■ ألم يكن فى العقود ما ينص على مدة محددة للزراعة؟

- هذا خطأ الحكومة أيضا ولكن من الممكن تداركه بالجلوس مع جميع المستثمرين وإعادة صياغة العقود بوضع برامج محددة وإطار زمنى واضح للانتهاء من زراعة توشكى مقابل أن تقوم الحكومة بدورها هى الأخرى. 

■ ألا ترى أن هناك خطأ يقع على عاتق الوليد فى هذا الصدد؟

- الوليد- بمعرفتى به- رجل لا يجيد الاستثمار فى مجال الزراعة فهو ليس مجال تخصصه، والنتيجة أنه لم يحقق فيه النجاح الذى حققه فى مجالات أخرى. 

■ لا يشترط أن يفهم رجل الأعمال فى كل المجالات وإنما يكفى أن يعتمد على خبراء وقد أتى بك فى مرحلة ما كمتخصص فى مجال الاقتصاد الزراعى لإدارة ما يخصه فى مشروع توشكى؟

- أنا أمضيت فى شركة الوليد حوالى عامين وأعددت خطة محترمة وأجريت تجارب كثيرة على المحاصيل ونوع التربة وكذلك دراسة لإقامة العمال والتسويق وكل شىء، وهذه الخطة موجودة لدى الشركة ولكن بعدها تركت الشركة بعد أن عُرض علىّ رئاسة مجلس الوحدة الاقتصادية العربية، وحلت محلى شركة فرنسية.

■ هل حدث أى خلاف بينك وبين الوليد؟

- لا إطلاقا، أنا تركت الشركة بعد أن عُرضت علىّ رئاسة المجلس لأننى لا أحب الجمع بين عملين، وتولت المأمورية بعدى شركة فرنسية كما قلت. 

■ الشركة التى قلت عنها إنها السبب فى مشاكل الوليد فى توشكى؟

- نعم لأن سوء إدارة الشركة وعدم فهمها للمشروع كانا سبب التعثر حتى الآن.. وكان يفترض أن تتم الاستعانة بالخبرات المصرية ومن عملوا بتوشكى.وللخروج من هذا المأزق بشكل عام يجب أن تتم إعادة الاتفاق مع المستثمرين على جدول زمنى للتنفيذ وبرنامج محدد ووضع حوافز وعقوبات ومراجعة العقود وعلى الحكومة توفير الخدمات الأخرى.

■ كثيرا ما أعلن وزير الإسكان السابق حسب الله الكفراوى اعتراضه على موقع توشكى وقال إنه غير مدروس، ونسبة البخر فيه عالية مما يعوق الزراعة فهل تتفق مع رؤية حسب الله الكفراوى؟

- سمعت هذا الكلام كثيرا.. نعم توجد نسبة بخر إنما فى نفس الوقت المكان ليس خطأ بل على العكس الموقع ممتاز وأود أن ألفت الانتباه إلى معلومة أن أى أرض يمكن أن تزرع لو وجدت المياه، فلو وضعت المياه على حجر سيزرع والدليل أننا جميعا نلاحظ أن هناك نبتات صغيرة خضراء تنمو على مواسير الصرف طبعا بسبب وجود المياه. للأسف توشكى كانت ستكون جزءا كبيرا من تنمية مصر لو اكتمل المشروع لأنها منطقة حارة وكان سيكون بها منتجات زراعية فريدة، وكانت ستصدر لأوروبا والبلاد الباردة لكن الحكومة لم تكمل واجباتها تجاه توشكى.

■ الحكومة نفسها حملت مشروع توشكى تسببه فى أزمة السيولة بعد إنفاق حوالى٧ مليارات جنيه عليه والنتيجة غير ملموسة بعد؟

- هذا الرقم لا يعد ضخما بل بالعكس هو لا شىء فى مقابل مشروع ضخم كبرنامج تنمية جنوب الوادى فبه ٥٤٠ ألف فدان يعنى مساحته تساوى ٣ محافظات وهى مساحة ليست هينة. والغريب أن تقول الحكومة هذا عن مشروعها الذى بدأت فى الإنفاق عليه، فهذا الكلام الذى خرج على لسان الحكومة إساءة للمشروع فهى تنتقد نفسها، كيف تصرف على المشروع وهى ترى أنه سبب أزمة سيولة فى مصر!

■ من توشكى إلى ترعة السلام ما سبب توقف مشروع ترعة السلام؟

- ترعة السلام أهون كثيرا من توشكى فهى قريبة من الوادى وسهل وصول الناس إليها.

■ إذن ما هى المشكلة؟

- نفس مشكلة توشكى، أنهم تعاملوا مع ترعة السلام على أنها مشروع رى وترك لمسؤولى الرى ولم يتعاملوا معه على أنه مشروع تنموى.

■ أثيرت من قبل مسألة بيع ترعة السلام للقطاع الخاص لاستكمال حفرها فى، مقابل تملك الأراضى على جانبيها بعد عجز الحكومة عن استكمالها فما رأيك؟

- أنا ضد الفكرة لأن سيناء خط أحمر والتملك فيها يجب أن يكون للمصريين فقط، وأخشى أن يكون القطاع الخاص ينطوى على جنسيات عدة، وقد كنت محافظا للإسماعيلية وكان جزء من الترعة يقع ضمن الاسماعيلية، وكانت أراضى الترعة موزعة كالتالى: جزء لشركات القطاع العام للاستثمار، وجزء لشباب الخريجين لتوفير فرص عمل وإعانتهم على المستقبل، وجزء للفلاحين عن طريق الجمعيات التعاونية كان هذا هو المتبع، ويجب أن يكون كذلك دائما، سيناء خط احمر وممنوع تمليكها لغير المصريين.

■ لننتقل إلى أزمات التموين فى مصر، ودعنى أسألك أولا: ما رأيك فى دمج وزارة التموين فى وزارة التضامن الاجتماعى؟

- أكبر خطأ.. لأن الفلسفة القائمة على أن كلاً من التموين والتضامن تقدمان الدعم للمواطن محدود الدخل لذا يجب دمج الاثنتين تحت مظلة واحدة فلسفة غير سليمة، لأن مهمة التموين أكبر من ذلك بكثير، فهى مسؤولة عن توفير السلع وتسعيرها وتواجدها فى الأسواق وليس مجرد الدعم.

■ «الدعم والعدالة الاجتماعية» لفظان أصبح يسمعهما المواطن فقط ولا يلمسهما على أرض الواقع؟

- رغم أن العدالة الاجتماعية جاءت على رأس برنامج الرئيس الانتخابى فإن الحكومة تفهم أن التهليل بارتفاع معدل النمو يعبر عن تحسن الأوضاع الاقتصادية غير عابئة بأن هذا النمو يخفى فى طياته عدم عدالة فى توزيع العوائد. وعلى الجانب الآخر يوجد سوء توزيع للدعم فى مصر، ولا يصل لمستحقيه، وأرى أن المشكلة ناجمة عن سوء إدارة، وأنا أؤيد الدعم العينى، فله ميزات أكثر من الدعم المادى لأن الأول يصل للأسرة بينما الثانى قد لا يصل للأسر الفقيرة.

■ ما هو الحل؟

- الاقتصاد لن يتحسن والبطالة لن تقل والفقر لن ينكمش إلا فى حالة واحدة، وهى الاتجاه إلى الصناعات كثيفة العمالة وإعادة النظر فى سياسة الدعم.

■ حدثت فى عهدك أزمة فى أنبوبة البوتاجاز تشابه الأزمة الأخيرة فماذا كانت أسبابها وكيف تعاملت معها؟

- المشكلة كانت فى عدم توافر المادة الخام وسوء التوزيع وتغلبت على الجانب الأول بالاتصال الفورى بوزارة البترول والتنسيق معها لتوفير المادة الخام، أما التوزيع فقد توصلت إلى فكرة مشروعات شبابية تساهم فى توزيع أنبوبة البوتاجاز من ناحية وتوفر فرص عمل لهم من ناحية أخرى، وهى عبارة عن سيارة يتسلم فيها الشاب عدداً معيناً من أسطوانات البوتاجاز على أن يوزعها فى منطقة محددة وقد حقق هذا المشروع نتائج جيدة وساهم فى حل الأزمة.

■ هل فعلا توجد أزمة فى خام غاز البوتاجاز حاليا؟

- نعم.

■ هل أنت مع تصدير الغاز الطبيعى لإسرائيل؟

- ولم لا.. الغاز منتج فى النهاية يمكن أن أبيعه لأى جهة، المهم الفلوس.

■ لكن الحكومة تبيعه بسعر بخس؟ 

- هذا أمر آخر.. أنا لست ضد البيع لإسرائيل لكننى ضد أن يباع بسعر هزيل.. يجب أن يباع بالسعر العالمى.

■ على أثر أزمة الخبز ومن بعدها أنبوبة البوتاجاز طالب المستشار عدلى حسين محافظ القليوبية فى حوار سابق معه بأن تترك مثل هذه الأمور للمحافظين، لذا باعتبارك محافظاً أسبق لدمياط ثم الإسماعيلية ما رأيك فى هذا الاقتراح؟

- المحافظ هو القادر على حل مثل هذه الأزمات لأنه الأكثر دراية، واللامركزية فى إدارة أمور التموين أفضل من المركزية، لذا يجب إعطاء المحافظين الصلاحيات للتصرف فى هذه الأمور.

■ قال لى المستشار عدلى حسين إن توفير الخدمات فى المحافظة يتوقف على علاقة المحافظ بالوزير، فلو أن وزير الإسكان مثلا ليس على علاقة طيبة بالمحافظ لا يخصص حصة جيدة للمحافظة من الموازنة الخاصة بالطرق والكبارى ومحطات المياه وهكذا فالمسألة تتوقف على العلاقات الشخصية وليس المصلحة العامة فهل تتفق مع ذلك؟

- للأسف نعم، وهذا لا يجب أن يكون.

■ هل سبق أن حدث ذلك معك؟

- نعم أحيانا.

فى الحلقة الثانية:

لماذا لم تتقدم مصر بطلب تجديد لجويلى فى رئاسة مجلس الوحدة الاقتصادية العربية؟ ولماذا لم ترشح بديلاً مصرياً؟

أعلنت عليك الحب غادة السمان


أعلنت عليك الحب
غادة السمان





اسم الكتاب : أعلنت عليك الحب
الكاتبة : غادة السمان
الطبعة الأولى : آذار 1976
لوحة الغلاف الأول: الفنان ريتيه ماجريت رسمها عام 1952
الرسوم الفنية للكتاب تنشر لأول مرة بإذن خاص من الفنان : رفيق شرف
تصميم الغلاف والخطوط: الفنان حسين ماجد
تنفيذ الغلاف: الفنان نبيل البقيلي
الناشر : منشورات غادة السمان
جميع حقوق محفوظة للمؤلفة منشورات غادة السمان
بيروت - لبنان








الإهداء

هذه الحروف بحلوها ومرها ..
نمت في رحم حبك ...
وترعرعت في بلاط جدك...
وكبرت تحت شمس لقائك ...
وانتظمت في سطور لأجل عينيك...
لك وحدك اهديها ...
واستميحك عذراً في اطلاع الآخرين عليها ..

غادة السمان




هاتف ليلي

آه صوتك صوتك !
يأتيني مشحوناً بحنانك
وتتفجر الحياة حتى
في سماعة الهاتف القارسة.

آه صوتك صوتك !
_ ويتوقف المساء حابساً أنفاسه _
كيف تستطيع أسلاك الهاتف الرقيقة
أن تحمل كل قوافل الحب ومواكبه وأعياده
الساعية بيني وبينك
مع كل همسة شوق ؟!
كيف تحمل أسلاك الهاتف الدقيقة
هذا الزلزال كله
وطوفان الفرح وارتعاشات اللهفة
ومطر الهمس المضيء
المتساقط في هذه الأمسية النادرة ؟!



آه صوتك صوتك !
صوتك القادم من عصور الحب المنقرضة
صوتك نسمة النقاء والمحبة
في مدينة الثرثرة وأبواق السيارات الضحكة
والنكات الثقيلة كالأسنان الاصطناعية
مدينة بطاقات الدعوات إلى الحفلات
وورقات النعوة وشركات التأمين
مدينة المقاهي والتسكع والكلاب المرفهة وزيت الشعر
والتثاؤب والشتائم وحبوب منع الحمل
والسمك المتعفن على الشاطئ ...
آه صوتك صوتك !
صوتك الليلي الهامس طوق نجاة
في مستنقع الانهيار.

آه صوتك صوتك !
مسكون باللهفة كعناق
يعلقني بين الالتهاب والجنون على أسوار قلعة الليل...
وأعاني سكرات الحياة
وأنا افتقدك
وأعاني سكرات الحياة
وأنا أحبك أكثر.


آه صوتك صوتك !
ترميه من سماعة الهاتف
على طرف ليلي الشتائي
مثل خيط من اللآليء
يقود إلى غابة ...
وأركض في الغابة
اعرف انك مختبئ خلف الأشجار
واسمع ضحكتك المتخابثة
وحين ألمس طرف وجهك
توقظني السماعة القارسة.

آه صوتك صوتك !
وأدخل من جديد مدار حبك
كيف تستطيع همساتك وحدها
ان تزرع تحت جلدي
ما لم تزرعه صرخات الرجال
الراكضين خلفي بمحاريثهم ؟!


آه صوتك صوتك !
وهذا الليل الشتائي
يصير شفافاً ورقيقاً
وفي الخارج خلف النافذة
لابد ان ضباباً مضيئاً
يتصاعد من زوايا العتمة
كما في قلبي

آه صوتك صوتك !
وكل ذلك الثراء والزخم الشاب
تطمرني به
وأشتهي أن أقطف لك
كلمات وكلمات من أشجار البلاغة
ولكن ...
كل الكلمات رثة
وحبك جديد جديد ...
الكلمات كأزياء نصف مهترئة
تخرج من صناديق اللغة المليئة بالعتق
وحبك نضر وشرس وشمسي
وعبثاً أدخل في عنقه
لجام الألفاظ المحددة !


آه صوتك صوتك !
يولد منك الفرد والضوء
والفراشات الملونة والطيور
داخل أمواج المساء الهارب
لقد احكمت على نفسي
إغلاق قوقعتي
فكيف تسلل صوتك الي
ودخل منقارك الذهبي
حتى نخاع عظامي ؟!

آه صوتك صوتك !
واتوق إلى احتضانك
لكنني مقيدة إلى كرسي الزمان والمكطان
بأسلاك هاتف
ومطعونة بسماعته !


آه صوتك صوتك !
وانصت إلى قلبي ...
يا للمعجزة : انه يدق !

















صباح الحب

وتنمو بيننا يا طفل الرياح
تلك الالفة الجائعة
وذلك الشعور الكثيف الحاد
الذي لا أجد له اسماً
ومن بعض أسمائه الحب



منذ عرفتك

عادت السعادة تقطنني
لمجرد اننا نقطن كوكباً واحداً وتشرق علينا شمس واحدة
راع انني عرفتك
وأسميتك الفرح الفرح
وكل صباح انهض من رمادي
واستيقظ على صوتي وأنا اقول لك :
صباح الحب ايها الفرح




ولأني أحب

صار كل ما ألمسه بيدي
يستحيل ضوءاً
ولأني أحبك
أحب رجال العالم كله
وأحب أطفاله وأشجاره وبحاره وكائناته
وصياديه وأسماكه ومجرميه وجرحاه
وأصابع الأساتذة الملوثة بالطباشير
ونوافذ المستشفيات العارية من الستائر ...
لأني أحبك
عاد الجنون يسكنني
والفرح يشتعل
في قارات روحي المنطفئة




لأني أحبك
عادت الألوان إلى الدنيا
بعد أن كانت سوداء ورمادية
كالأفلام القديمة الصامتة والمهترئة ...
عاد الغناء إلى الحناجر والحقول
وعاد قلبي إلى الركض في الغابات
مغنياً ولاهثاً كغزال صغير متمرد ..
في شخصيتك ذات الأبعاد اللامتناهية
رجل جديد لكل يوم
ولي معك في كل يوم حب جديد
وباستمرار
أخونك معك
وأمارس لذة الخيانة بك.


كل شيء صار اسمك
صار صوتك
وحتى حينما أحاول الهرب منك
إلى براري النوم
ويتصادف أن يكون ساعدي
قرب أذني
أنصت لتكات ساعتي
فهي تردد اسمك
ثانية بثانية ..
ولم (أقع ) في الحب
لقد مشيت اليه بخطى ثابتة
مفتوحة العينين حتى أقصى مداهما
اني ( واقفة) في الحب
لا (واقعة) في الحب
أريدك

بكامل وعيي
( أو بما تبقى منه بعد أن عرفتك !)
قررت أن أحبك
فعل ارادة
لا فعل هزيمة
وها انا أجتاز نفسك المسيجة
بكل وعيي ( أو جنوني )
وأعرف سلفاً
في أي كوكب أضرم النار
وأية عاصفة أطلق من صندوق الآثام ...
وأتوق اليك
تضيع حدودي في حدودك
ونعوم معا فوق غيمة شفافة
وأناديك : يا أنا ...

وترحل داخل جسدي
كالألعاب النارية
وحين تمضي
أروح أحصي فوق جسدي
آثار لمساتك
وأعدها بفرح
كسارق يحصي غنائمه

مبارك كل جسد ضممته اليك
مباركة كل امرأة أحببتها قبلي
مباركة الشفاه التي قبلتها
والبطون التي حضنت أطفالك
مبارك كل ما تحلم به
وكل ما تنساه






لأجلك

ينمو العشب في الجبال
لأجلك
تولد الأمواج
ويرتسم البحر على الأفق
لأجلك
يضحك الأطفال في كل القرى النائية
لأجلك
تتزين النساء
لأجلك
اخترعت القبلة !...

وأنهض من رمادي لأحبك !
كل صباح
أنهض من رمادي
لأحبك أحبك أحبك
وأصرخ في وجه شرطة
( كل الناس رجال شرطة حين يتعلق الأمر بنا)
أصرخ : صباح الحب
صباح الحب أيها الفرح


لا تصدق حين يقولون لك
انك عمري
فقاعة صابون عابرة ...
لقد اخترقتني كصاعقة
وشطرتني نصفين
نصف يحبك ونصف يتعذب
لأجل النصف الذي يحبك

أقول لك نعم
وأقول لك لا
أقول لك تعال
وأقول لك اذهب
أقول لك لا ابالي
وأقولها كلها مرة واحدة في لحظة واحدة
وانت وحدك تفهم ذلك كله
ولا تجد فيه أي تناقض
وقلبك يتسع للنور والظلمة
ولكل أطياف الضوء والظل ...
لم يبق ثمة ما يقال
غير أحبك !!...





أنت

تركض كل لحظة فوق جبيبني
مثل عقرب صغير أسود
آه السعني
اشتهي سمومك كلها
انزف ظلماتك داخلي
لأضيء ...
وحينما يأتيني صوتك
تمتلك جسدي رعدة خفية
كدت أنساها
آه صوتك صوتك صوتك
الهامس الحار
صوتك الشلال الذي يغسلني
وأنا اقف تحته
عارية من الماضي والمستقبل
وقد شرعت أبوابي
حتى آخرها ...
إدخل !!!


كالمخالب
تنشب كلماتك في ذاكرتي ...
كالسجناء
نلتقي وعيوننا معلقة على الزمن الهارب
_ العائم مثل طائرة ورقية
يلهو بها طفل لا مبال _
كشجرة لبلاب جهنمية
تنمو أيامنا حول أعصابي ...
وتأتيني يا حبيبي تطالعني
مهيباً لا يقاوم كسمكة القرش
وأبحث بنفسي عن أسنانك
كي أوسدها قلبي
وأنام بطمأنينة الأطفال ... والمحتضرين ..





أمتلك

ذكرى لمساتنا المسروقة
كأني ورثت مجرة ...
اتأمل كواكبها
وانصب خيمة الشوق
بين مداراتها .. وانتظرك

لا تقل لي بعد اليوم
انني اعبث بك
كما القطة تعبث بفأر حميم
تشتهي تعذيبه
اكثر مما يمتعها قتله ...
ألا ترى معي
أن كلينا فريسة
والحياة هي القط الأسود الكبير
الذي قرر أن يلهو بنا
والقدر هو الشرك
الذي يتهددنا
وما دام لا محالة
فلنستمتع بسقوطنا !

أيقظت حواسي النائمة
وأنعشت حماسي الممطر ضجراً
وأعدت إلي الضحك
الذي عدوت خلفه طويلا في دروب العالم
ومنذ عرفتك
لم تمر لحظة لم أهتف بها باسمك
كما اتنفس
ولم تمر دقيقة لم أكن فيها ملتهبة حماسا وعملا
حتى كدت لا أجد وقتا لك
انت يا نهر الفرح
جرفتني
خذني إلى قاعك
دعني أغرق اليك ! ...

يقول غراهام غرين :
ان الفشل شكل من أشكال الموت
أقول له :
ولكن الفراق هو الموت












هاجسي

صرت هاجسي
اكتب عنك ولك
كي استحضرك
كساحرة محنية على قدرها
تخرج منه رأس حبيبها المقطوع
بك
اغادر تلك البئر السحيقة المعتمة
التي اقطنها
كن جناحي
لاطير من جديد
إلى الشمس والفرح ...
وصدرك
انها لنعمة انني أحيا
فقط لأكون قادرة على ان أحبك
ومن المؤسف ان اموت
وأنا قادرة على هذا الحب كله

اتذكر أيامي معك
كمن يرى الأشياء عبر نافذة قطار مسرع :
نائية وجميلة
والقبض عليها مستحيل

من وقت إلى أخر
فلنعد أطفالا
ولنحزن بلا كبرياء زائفة

يوم احتضر
سافكر بتلك اللحظة المضيئة
حين وقفنا في الظلمةة
على شرفة القرات
وقلت لي بحقد : أحبك
سأتذكر صوتك
وسيجيء الموت عذبا
ويضمني كرحم الفرح المنسي
وسأهمس بحقد مشابه :
آه كم أحببتك !




واعطنا حبنا كفاف يومنا

حين أفكر بفراقنا المحتوم
" يبكي البكاء طويلا
ويشهق بالحسرة"
بالحسرة بالحسرة بالحسرة


أية قوة جهنمية تشدني اليك
وأرفض التصديق انها تنبع من خارجي
وأرفض أن يقال
انه القدر يرميني اليك ...
أنا أنقذف نحوك
كوكبي يرتطم بكوكبك
أنا اخترتك
أنـــــــا ؟
أم انني لست حرة حقاً
وخيوط لا مرئية تعبث بقدري وقدرك
وبعد أن كان قطار حياة كل منا
يمضي بهدوء على سكته
تتقاطع السكك فجأة
ونرى بوضوح
أنه لا مفر من لحظة الاصطدام
والانفجار والاحتراق والدمار
وربما دمار من حولنا
ولكن
أحبك !!


لا تحدثني عن البارحة
ولا تسلني عن الغد
وربنا أعطنا حبنا كفاف يومنا
وقل لريح الفرح أن تعصف بنا
ولصواعقه أن تضربنا
دون أن تقتلنا ..
واعطنا حبنا كفاف يومنا
وكل صباح هو يوم جديد
وليس في حبنا مسلمات ولا تقاليد
وكل يوم تختارني وحدي من بين نساء العالم
وآخذك من بين رجاله
وكل يوم تاريخ مستقل بذاته
وكل ما تملكه مني ومن نفسك
هو " اللحظة "
فلنغزها بكل حواسنا
لأن الفراق واقف خلف الباب
ويد الحزن ستقرعه ذات ليلة
سنسمعه حزينا ومهيمنا كجرس كنيسة
وستدوي أصداؤه في أرجاء روحنا المكسورة ..
مادام الفراق
ضيفنا الثقيل الذي لا مفر من حلوله
تعال
ولننس كل شيء عن كل شيء
إلا " اللحظة " ... وأنا وأنت


أيها الشفاف النابض
كلهبة شمعة ...
إرم من يدك قبضة خنجرك
وخذ بيدي ..
ومد جسورك إلى لحظتي
وقل لأحلام الحب الأزلي
لا نريد غداً ولا رشاوي مستقبلية ..
نحن سكان مدن الريح والموج
كل منا جسده مدينته ...
وليحتلني جرحك
ولتنحدر دموعك من عيوني ..


إلى داخل شرايينك هاجرت
واستوطنت تحت جلدك
وصار نبضك ضربات قلبي
ولم أعد أميز بين الخيط الأبيض والأسود !

وكان جسدك بحراً
وكنت سمكة ضالة ...

ولم أكن لأعبث بك
فأنا أعرف أن من يلعب بالحب
هو كمن يلعب التنس بفنبلة يدوية ! ..




ثمينة هي لحظاتنا
كل لحظة تمضي هي شيء فريد
لن يتكرر أبداً أبداً
فأنت لن تكون قط
كما كنت في أية لحظة سابقة
ولا أنا ..
كل لحظة هي بصمة أصبع
لا تتكرر ...
كل لحطة هي كائن نادر وكالحياة
يستحيل استحضاره مرتين ...



لا أحد مثلي يستمتع بالحب
لأنه لا أحد مثلي يعرف معنى العذاب
لقد مررت بمدينة الجنون
وأقمت بمدينة الغربة
وامتلكتني مدينة الرعب زمناً
واستطعت أن اغادرها كلها من جديد
إلى مدينة الحياة اليومية المعافاة ..
ولكنني خلفت جزءاً مني
في كل مدينة مررت بها
وحملت جزءاً منها في ذاتي
وأنت كلما احتضنتني
احتضنت الجنون والغربة والرعب
ويدهشك أن ترتعد حين تكون معي ؟..

تعال يا من اجتاحني كالانتحار
وهيمن على حواسي كساحر ..
واعطنا حبنا كفاف يومنا ...








و أحبك أكثر من ... ذنوبي

وتقول شفتاك للفرح : كن
فيكون ! ...
ويغرد قلبي
يحلق بين أسلاك الشمس
طائرا من نار
لا يخشى الاحتراق بأتون الغبطة

حين مستني يدك
كيد نبي
تحولت اعماقي من سراديب
ودهاليز سرية الاوجاع
_ مسكونة بأشباح تشحذ أسنانها وأظافرها على جدران
الماضي البشع _
إلى نافذة ستائرها قوس _ قزح
مفتوحة للأفق والريح والمطر والمفاجأت
وأغاني جنيات الليل العاشقات


حين يأتيني وجهك
أصير مرهفة
كرمال شاطئ تنبض ذراته
تحت جسد ليلة صيف باهتة ..
وقرعات طبول الموج
وموسيقى النجوم الخافتة ...
وأخفق لكل ما هو طيب ونبيل
في كونك المسحور

وتندف فوق أيامي
تندف مطراً مضيئاً
يغسلني بالغبطة ..
لم أكن أدري أن الزمن
يختزن لي هذه السعادة كلها
ولا أريد أن أصدق
أن سعادتي معك الآن
هي طعم في صنارة الشقاء الآتي ...
كل هذا الحب الذي تغمرني به
أمتصه بشراهة التراب الجاف
دونما عقوقه ...



وأحبك كثيرا
أكثر حرارة من البراكين الحية
أكثر عمقا من دروب الشهب
أكثر اتساعا من خيالات سجين
أحبك كثيرا ...
أحبك حتى أكثر من عدد ذنوبي !...

وكلما ابتسمت يا غريب
أمتلىء غبطة
لأنني أعرف أنك حين تبتسم
تنبت الأزهار
في قلب الصخور بالجبال
حين تبتسم
تتناسل أسماك الشوق الملونة
وتسبح داخل شراييني ...
حين تبتسم
تنمو حقول الياسمين الدمشقي
فوق أيامي المعدنية الصدئة ...


وأتكئ على الفجر
الذي ولا بد أن يطلع
وانتظرك
وحين تمخرني
ترحل بحاري مع مركبك دونما ندم
دونما ندم

قدري ؟
أبسط لك كفي
لا لتقرأ
بل لتكتب في راحتها
ما شئت من النبوءات والكلمات
وترسم فيها
ما يحلو لك من الخطوط والدروب والرموز
بوردتك
أو بسكينك !...



أزهار الجنون الليلية

في المساء
يتفتح شوقي اليك
حقلا من أزهار الجنون الليلية ...
آه كل تلك الأسوار بيننا ..
آه بيني وبين وجهك
ليل طويل من الفراق ..
وريثما يطلع الصباح
ستلفني الكوابيس كالكفن ..
وسأستيقظ كالعادة على صوتي ..
وأنا أنادي أسمك ..
وتحلم بك أحلامي ! ؟

أيها البعيد كمنارة
أيها القريب كوشم في صدري
أيها البعيد كذكرى الطفولة
أيها القريب كأنفاسي وأفكاري
أحبك أ ح ب ك
وأصرخ بملء صمتي : أحبك
وأنت وحدك ستسمعني
من خلف كل تلك الأسوار
أصرخ وأناديك بملء صمتي ...
فالمساء حين لا أسمع صوتك :
مجزرة
الليل حين لا تعلق في شبكة أحلامي :
شهقة احتضار واحدة ...
المساء
وأنت بعيد هكذا
وأنا أقف على عتبة القلق
والمسافة بيني وبين لقائك
جسر من الليل
لم يعد بوسعي
أن أطوي الليالي بدونك
لم يعد بوسعي
أن أتابع تحريض الزمن البارد
لم يبق أمامي إلا الزلزال
وحده الزلزال
قد يمزج بقايانا ورمادنا
بعد أن حرمتنا الحياة
فرحة لقاء لا متناه


في السماء
يقرع شوقي اليك طبوله
داخل رأسي دونما توقف
يهب صوتك في حقولي
كالموسيقى النائية القادمة مع الريح
نسمعها ولا نسمعها
يهب صوتك في حقولي
واتمسك بكلماتك ووعودك
مثل طفل
يتمسك بطائرته الورقية المحلقة
إلى أين ستقذفني رياحك ؟
إلى أي شاطئ مجهول ؟
لكنني كالطفل
لن أفلت الخيط
وسأظل أركض بطائرة الحلم الورقية
وسأظل ألاحق ظلال كلماتك !..


أيها الغريب
حين أفكر بكل ما كان بيننا
أحار
هل علي أن أشكرك ؟
أم أن أغفر لك ؟ ..














حينما يكون قلبك فراشة ...

هبطت الطائرة في مطار لندن
وطار قلبي ليعود فورا إليك ...
هدأت محركاتها
وانفجرت في داخلي محركات الشوق تهدر ...
ولحظة وعيت كم أنا بعيدة
أدركت ربما للمرة الأولى
إلى أي مدى أحبك ..
وتدحرج رأسي في ممرات المطار
_ مثل كرة هوجاء _
يصطدم بكل الجدران ..

قيل أن أرحل قلت لنفسي :
لطيف وعذب أن اتذكرك وأن أشتاقك !
قبل أن أرحل قلت لي :
يكفينا أننا نقطن كوكبا واحدا
ويشرق علينا قمر واحد ..
أيها الشقي
أي جنون كان أن أرحل
فأنت لم تعد شوقا عذبا
لقد نبتت لذكراك في نفسي
أنياب ومخالب جارحة ...

طويلة ليالي الفراق
ممدودة على طول قارتين ...
والتنهدات تعوم في الظلمة الشبحية
مثل غريق شهقاته احتضار ...


ها أنا اتسلق شجرة الذكرى ..
واقتحم مدينة الحلم ..
وأضرم الحرائق في روتين الشرعية
لتحتلني رياحك ...
وأنطح صخرة الوضوح والمنطق
بخصب الشوق ...
في اصبعي ما يزال أثر حرق لفافتك
هاهو دليل محسوس على اننا كنا معا " حقاً "
اعلق مشنقة كلمة " حقاً "
حبنا فوق الأدلة المادية
وسابق لها كالايمان ! ..


الجمعة الحزينة
وأنا العاشقة الحزينة
وأنت مصلوب داخل جسدي
وأمامي في المقهى ( عاشقان ) انكليزيان جداً
وأمامهما صفحة الكلمات المتقاطعة !
وكلما انتهيا من حل كلمة
يقبلها ببرود كما ينظف أسنانه
وبعينين مفتوحتين حتى آخرهما
تتأملان التلفزيون خلفها !...
يقبلها بلا نبض
ثم يعودان إلى حل أحاجي الكلمات المتقاطعة بحماس
لو مست مست شفتاك عنقي هكذا
لانصهرت
لخرج الضوء من اصابعي
ولفاحت من جسدي
رائحة البخور ..
لو ...





جلستي هزلية

في القطار إلى اسكوتلندا ...
وجهي عكس اتجاه السير
وعيناي مثبتتان على الجنوب
على الجبال التي نخلفها وراءنا
بينما أنا امعن ابتعاداً عنك ..
راحلة إلى الغد
وجهي إلى الماضي
عيناي على أيامنا الهاربة
وظهري للمستقبل
وقد استحلت صنما من الملح !
الكاهن الذي تصادف وجوده إلى جانبي
حذرني : ستصابين بدوار
بدلي مقعدك
أيها الكاهن : فات الأوان . فات الأوان .

التقينا بعد الأوان
وافترقنا قبل الأوان
حتى موسم الهرب فات أوانه
نحن موسم الحب المجنون
المرفوض من مواسم الشرائع ...


أتذكرك في نيو كاسل
وأضواء المدينة الصناعية الصفر
الحزينة في ليل بلا قلب
تخثرني جلطة
في عروق الليل ...
لو ينفجر هذا الليل المحتقن
لو تخرج ماكينات الدينة المرعبة
عن قوانين الفيزياء
فتبكي معي وتصنع حرير القز المبلل بالدموع
شفافا كأغلال الشهوة ...
موجع أن تنام في مدينة صناعية
حين لا يكون قلبك مضخة
حين يكون قلبك فراشة
مغروزة بدبوس إلى جدار الفراق
وعبثا تخفق أجنحتها ...


وأرحل ومن أقصى الشمال أناديك
والريح تسخر بي على شواطىء الأطلسي
وأنا أعاني مخاض حبك
والفجر كسر قارورته
وظل الأطلسي مظلما وعدوانيا
يتهدد بتدمير كل قوارب نجاة العشاق ..
وكل محاولات القلب للعبور
ذلك العربي الذي أسمى الأطلسي
" بحر الظلمات "
تراه كان عاشقا مثلي ؟...

آه لو تنكسر مرآة الشوق
وتتفتت صورتك فيها ...
ليستريح قلبي _ الصخرة
من كلابات الذكرى
التي تتسلقه في عتمة الليل
برشاقة السجناء الهاربين ...
آه لو يغمى على الذاكرة ..
على شواطىء " بحر الظلمات "





عصفور على الشجرة خير من عشرة في اليد !

منذ طفولتي و " هم " عيثا يحاولون اقناعي
بأن عصفورا في اليد
خير من عشرة على الشجرة !..
ولم أصدق تلك الاكذوبة أبد !..
جلدوني بسياط الغضب الاجتماعي
وعلقوني على شجرة التشهير
وقالوا انني ساحرة من رعايا الشيطان
وانني مسكونة بالشر الغامض كعرافات دلفي
وانني لست طيبة كبقية الصغار
الذين صدقوا أن عصفورا في اليد
خير من عشرة على الشجرة !..
وأراحوا وأستراحوا ...


وكيف أصدق أيها الغريب
أن عصفورا في اليد
خير من عشرة على الشجرة
وأنا أعرف أن العصفور في اليد
هو امتلاك لحفنة رماد
والعصفور على الشجرة
نجمة فراشة حلم بلا نهاية ...



العصفور على الشجرة

هو دعوة إلى مدن الدهشة والمفأجاة
ونداء للسباحة تحت شلال الجنون المضيء ...
والعصفور في اليد
قيلولة في مستنقع الرتابة
واقامة في مدينة المقبرة
وحوار رتيب كالشخير !..


لا تصدقوا أيها العشاق الصغار
الذين لم تتشوهوا بعد
لا تصدقوا أن عصفورا في اليد
خير من عشرة على الشجرة !
بملء حنجرة أعماقي أقول لكم :
عصفور على الشجرة
خير من عشرة في اليد
فالعصفور على الشجرة هو البداية
هو دعوة للركض على قوس قزح
وانطلاقة فوق فرس بري
إلى عوالم حقيقة الذات
والعصفور في اليد هو كلمة " الخاتمة "
هو قفل في باب الخيال والهواجس
وتعايش مع قبيلة السلحفاة والنملة
وقالب معد سلفا لسجن كل ما هو نبيل وفريد فينا !..


من قال أن ريشة في مهب الرياح
ليست خيرا من حصاة مستقرة في قاع نهر راكد ؟!





أحبك أيها الغريب

أيها المشرد بين القارات
كسنونو اطلق الرصاص على الربيع
ورفض كل يد تحتويه
ورفض حتى غصنه
وسكن في الريح
وانطلق في الكون
مثل كوكب يرفض حتى مداره ...




أحبك أيها العريب
وحتى حين تأتي إلي
برقتك الشرسة العذبة
وتستقر داخل كفي
بوداعة طفل
فإني لا أطبق يدي عليك
وانما اعاود اطلاقك للريح
واعاود رحلة عشقي لجناحيك _ وجناحاك المجهول
والغرابة ...

احبك
وأطفح بالامتنان لك
فقد حولتني
من مسمار في تابوت الرتابة
إلى فراشة شفافة مسكونة بالتوقد
قبلك كنت أنام جيدا
معك صرت أحلم جيدا
قبلك كنت اشرب ولا أثمل
معك صرت أثمل ولا اشرب


معك نبتت اجنحتي
وتطرزت أيامي بخيوط الشهوة الخراء
وغسلتني امطار العنف والحنان المضيئة
وأبحرت في مدارات اللاشرعية
إلى كوكب التفاح الجهنمي
والثلج الملتهب الملون
كحريق في غابة !..

احبك أيها الغريب
بضراوة السعادة
وبرقة الحزن ...
فأنا أعرف جيدا
أن من يحب عصفورا على الشجرة
يكتشف مدى قدرته على العطاء والتوهج ...
لكنه أيضا
يكتشف مدى قدرته على الحزن
حين ترحل الشجرة بطائرها !
وأعرف أن رحيلك محتوم
كما حبك محتوم !
وأعرف أنني ذات ليلة سأبكي طويلا
بقدر ما أضحك الآن
وأن سعادتي اليوم هي حزني الآتي
ولكنني أفضل الرقص على حد شفرتك
على النوم الرتيب كمومياء
ترقد في صندوقها عصورا بلا حركة !


خذني اليك أيها الغريب
يا من صدره نقاء صحراء شاسعة ...
وعباءته الليل ...
وصوته حكايا الأساطير
ضمتني اليك
أنا كاهنة المغامرة
وسيدة الفرح _ الحزن توأم
ولنطر بعيدا عن مدينتهم
وشوارعهم وكرنفالاتهم
وغابة المهرجين والحمقى والطيور المحنطة
ولننطلق معا
مثل سهم ناري لا ينطفىء
ها هو ذئب الفراق
قابع في انتظار سقوطنا بين أنيابه
إذا سقطت
لن أشكو
أو أتلو فعل الندامة ...
المهك انني عرفت نشوة أن أطير
اغامر ... وأطير
وبك رفضت قدر ديدان الأرض !..





التقينا لنفترق ؟

فليكن !
خذني اليك الآن
وليرحل عنا الرحيل !
ضمني إلى جحيمك الرائع
وليرحل عنا الرحيل لا!
ومهما هددني الغد بالفراق
ووقف لي المستقبل بالمرصاد
متوعدا بشتاء أحزان طويل
سأظل أحبك
وبلحظتنا الكثيفة كالمعجزة
أتحدى الماضي والمستقبل
وكل صباح أقول لك :
أنا لك ...
لأنني اؤمن بأن عصفورا على الشجرة
خير من عشرة في اليد !






فراقكم مسمار في قلبي

عذاب أن أحيا من دونك
وسيكون عذابا أن أحيا نعم ..
يبقى أملي الوحيد
معلقا بتلك الممحاة السحرية
التي اسمها الزمن
والتي تمحو عن القلب
كل البصمات والطعنات
كلها ؟

اذكر بحزن عميق
أول مرة ضممتني اليك
وكنت ارتجف كلص جائع
وكنا راكعين على الأرض حين تعانقنا
كما لو كنا نصلي
اجل ! كنا نصلي ...

أذكر بحزن عميق
يوم صرخت في وجهي :
كيف دخلت حياتي ؟
آه أيها الغريب !
كنت أعرف منذ اللحظات الأولى
انني عابرة سبيل في عمرك
وانني لن املك
إلا الخروج من جناتك
حاملة في فمي إلى الأبد
طعم تفاحك وذكراه ...


أذكر بحزن عميق
انني أحببتك فوق طاقتك على التصديق
وحين تركتك
( آه كيف استطعت أن اتركك ! )
فرحت لانك لم تدر قط
مدى حبي
ولأنك بالتالي لن تتألم
ولن تعرف أبدا أي كوكب
نابض بالحب فارقت !..

فراقك مسمار في قلبي
واسمك نبض شراييني
وذكراك نزفي الداخلي السري
وها أنا أفتقدك
وأذوق طعم دمعي المختلس
في الليل المالح الطويل


لم يعد الفراق مخيفا
يوم صار اللقاء موجعا هكذا ...

وأيضا أتعذب
لما فعلته بك
بعد أن دفعتني إلى أن أفعله بك

لقد مات الأمل
ولذا تساوت الأشياء ...
واللقاء والفراق
كلاهما عذاب
و ( امران احلاهما مر ) ...


يقولون : في الليل المنخور بالوجع
تنمو بذرة النسيان
وتصير غابة تحجب وجهك عن ذاكرتي ...
لكن وجهك
يسكن داخل جفوني
وحين أغمض عيني : أراك !..

عشنا أياما مسحورة
كمن يسبح في بحيرة من زئبق وعطور
ويركب قاربا
في انهار الألوان لقوس قزح
مبحر من الأفق إلى نجمة الرعشة ...
كان ياما كان !..

كان ياما كان !..
وكانت السعادة تصيبني بالارتباك ..
وحدها تخيفني
لأنني لم اعتدها ..
فأنا امرأة ألفت الغربة
وحفظت أرصفة الوحشة والصقيع
وأتقنت أبجدية العزلة والنسيان...
وأعرف ألف وسيلة ووسيلة
لأحتمل هجرك
أو كل الألم الممكن أن تسببه لي ...
ما لا أعرف كيف أواجهه
هو سعادتي معك ...
وحينما أصير مثل آنية كريستال شفافة
ممتلئة برحيق الغيطة
وبكل الفرح الممكن
أرتجف خوفا أمام السعادة ...
مثل طفل منحوه أرنبا أبيض
ليقبض عليه للمرة الأولى في حياته !..

وكنت دوما اصلي :
رب ارحمني من سعادتي
أما تعاستي فأنا كفيلة بها ..
آه !..
كان ياما كان حب ...

وكنت بعد أن أفارقك مباشرة
يخترقني مقص الشوق اليك ...
وتزدحم في قلبي
كل سحب المخاوف والأحزان ..
وأشعر بأن البكاء لا يملك لي شيئا فأضحك !!
وتركض الي حروفي فأكتبها
وأستريح قليلا بعد أن أكتب ..
وأفكر بحنان
بملايين العشاق مثلي
الذين يتعذبون في هذه اللحظة بالذات
دون أن يملكوا لعذابهم شيئا
وأصلي لأجلي و لأجلهم
وأكتب لأجلي ولأجلهم ...
وأترك دموعهم تنهمر من عيني
وصرختهم تشرق من حنجرتي ...
وحكايتهم تنبت على حد قلمي .. مع حكايتي ..
وأقول عني وعنهم :
كان ياما كان حب ...






كلمة منسية ... لعينيك

الليلة
بحثت عن كلمة صغيرة
كلمة عذبة أخلفها على صدرك
بعد أن أرحل عنه
كلمة بلا شوك
وبلا حراشف
وبلا هياكل عظمية ..
الليلة
بحثت عن كلمة منسية في مجزرة اللغة
فيها طمأنينة همسات طفلة نائمة
وصفاء لهبة القنديل الزيتي الخافت قرب وجهها
وبراءة حرارة أنفاسها الخافتة المتلاحقة
الليلة
بحثت عن كلمة صغيرة
وخيل إلي أنني أرى ظل حروفها
فوق شفتيك
وخشيت أ أقرأها بصوت عال
فتروح في محرقة الكلمات





رافعة علم نزواتي بلا حدود

تحت الثلج الأسود
لهذا النهار المسعور ..
أعاهد الشيطان
بأن لا أحب بصدق أبدا ...

تحت المطر المسموم
لهذا النهار المسعور
أقف حاملة خطيئة الصدق
كقتيل يحمل جثة قاتلة ..
واصرخ تحت مسامير الرعد
التي تصلبني :
غفران أيها الشيطان !
أعدني إلى حظيرتك
إلى النسيان والخدر واللامبالاة
والضحك والفرح الأرعن ...
واغفر لي أن عصيتك
وأحببت بصدق
وخرجت عن سراطك غير المستقيم
وضعت في متاهة الحب الحقيقي !..


في الشوارع النازفة مطرا
لهذا النهار المسعور أدور
وأندف وأتساقط وأنتحب
ندما على خطيئتي الكبرى
خطيئة الحب الصادق ..

فلتجرف المياه الموحلة
الراكضة إلى المجارير
ذاكرتي معها !..


ليغفر لي سيدي الشيطان
الذي أطعمته دائما
ومنحني سنوات من الجنون والشبق والفوضى ...
وها أنا لأول مرة
أخرج عن طاعته
وأمنح بصدق واخلاص كجدول ...
وها هي عجلات القسوة تدوسني
أنا التي جئت حقل الحب
عارية من أسلحتي
ومن أظافري ومخالبي وأسناني المدببة
وفي فمي صلاة ولمسة حنان ..
عمدوني بماء النار
وركضوا خلفي بالحصى
كركض الأطفال خلف مجانين القرى ..


من تحت خرائب الفرح
لهذا النهار المسعور
يطلع جسدي من جديد ويتكون ..
ومن رماد الخيبة
اتشكل ثانية وأنمو ...
كل الذين ظنوا أنهم دفنوني واستراحوا
يجهلون أنني أنهض دوما من رمادي
وأركض كاهنة للشر الملون
مضمخة بعطر دمي وجرحي
شاهرة أظافري السود وجمر عيوني
في وجه الليل والغربة والوحشة
راجعة إلى حظيرة الشيطان الرحيم
مؤدية لطاعته
رقصة الشهوة المسعورة
رافعة علم نزواتي بلا حدود
مغتصبة أجمل الملاحين إلى جزري
حيث مغاور اللوتس الأسود
واللاعودة !...


أرمي برأسي على فخذ الشيطان
وأصرخ : خذني
وامسح جرحي النازف بلسانك الثعباني
وعمده باللعنة سبع مرات
واغمد اصابعك السكاكين في صدري
واستخرج قلبي المجرم بالحب الصادق
واغمسه في مستنقعات اللامسؤولية
سبع ليال
وجففه تحت النجوم السود
ولتمر به الساحرات
منشدات حوله صرخات الشؤم
ولتخرج الضفادع والحراذين
والأفاعي والسحالي من أوكارها
لتعمده بالسم والنقيق
ليصير قلبا صالحا
للعيش في هذا العالم غير الصالح !

وبعدها سأخرج من هيكلك
حاملة على جسدي بكل فخر
لعنات الرجال الذين خنتهم
والذين سأخونهم !...
والذين غدرت بهم
والذين سأغدر بهم
دونما ندم
دونما ندم

ودون أي حس بالإثم
ساتابع رقصة الحياة الغجرية
أنا الطاعنة المطعونة
المشرعة عمرها لما يأتي
رافعة علم نزواتي بلا حدود
وبلا ندم
بلا ندم


في أيام مقبلة لا ريب
بينما احيل قلوب الرجال
حقولا للانتظار والنزوات المجنونة ..
والدمع الأسود
يتفجر من وقع خطاي
كينابيع اللعنة
واللذة الحادة كطعنات سكاكين
تفرقع كالسياط على جدران معبدي
أنا كاهنة الشر الملون
في أيام كهذه مقبلة بلا ريب
حين يمر اسمك في خاطري
لن تدمع عيني ولا قلبي
ولكنني سأشهق كسمكة أخرجوها من الماء
وكوردة برية زرعوها فوق اسفلت شارع مزدحم !..


ها أنا أنساك ...
أدمر هيكل الذكرى علي وعليك ..
وأترك جثة الذاكرة مشلوحة
لصقور الزمن تنهشها وتأتي عليها ..
وأصنع من سواد عينيك
حبرا لسطوري المتوحشة

مرة
كان حبك
وكان حبك شراع مركب الفرح العتيق
ورحيلا من نهر الظلمات والدم
إلى جزر الدهشة وصحو مطر النجوم
مرة
حبك كان عبارة " ممنوع المرور " في وجه قاطرة الحزن
حبك
رغيفي في قحط التكرار والسأم ...


كان حبنا وعلا جميلا كالحرية
راكضا كسهم افريقي ملون
لكنه حين دخل غابة اشكوك والنزق
علق قرناه في أغصان الحزن الكثيفة
ورغم كل المرارة التي ما يزال طعمها في فمي
كالدم إثر لكمة متفجرة
كانت هنالك لحظات في حبنا
لحظات مضيئة عانقنا فيها الطفولة
والفرح الفرح الفرح


ومرت أيام ...
صار بيتنا الزلزال
واستحال حبنا إلى " هاراكيري " يومية ورسائلنا إلى
مجزرة
وصار حوارنا جلدا متبادلا بصواعق اللؤم
وصار صوتك يخرج إلي من الهاتف
مثل لسان أفعى تسكن سماعته !..
يلدغني
واغفر ... على أمل أن تشاركني ثقل الليل على صدري ...
وثقل الكرة الأرضية فوق رأسي ...

واذكر أيامنا :
مقهى وديعا أكل البحر أطراف أعمدته ...
يهزه صفير قطارات الوداع المتلاحقة حين جاء صفير
قطارنا
كان لامفر
ودعنا المقهى بصمت ودعنا الدرج العتيق بصمت
ورحلنا عن ذلك الربيع البحري
وفرغت الصدفة من لؤلؤتها وشرارتها
وملأها الرمل والضجر والثرثرة الدامعة

أتمدد على سريري
وأتوهم أنني نمت
وحين يغرق في النوم قناعي
يستيقظ قلبي العاري
يهرب مني راكضا في الشوارع
كزعيق سيارة الاسعاف
يركض قلبي العاري معولا
مطلقا ساقي البكاء للريح
ويغلق سكان الحي نوافذهم
ويشتمون صوت العاصفة ...
إنهم لا يعرفون أن العاصفة هي غبار القلوب
المنطفئة ...
إن العاصفة هي صوت قلب لم يثأر له !..
إن العاصفة هي صوت بكاء قلب
بدأ ينسى ينسى ينسى
وهو لا يريد أن ينسى


لا تقل لي " ماضينا " معا و " مستقبلنا " ...
ها أنا أنساك ...
وحبيبي اسمه " الآن "
" البارحة " و " الغد " كلمتان
أطلقت عليهما الرصاص
ولن أهاجر إلى الماضي لأعيش بك
فالمهجر إلى الماضي كمحاولة الآقامة في قارة الاتلنطيد
التي ابتلعها البحر منذ دهور ...
والهجرة إلى المستقبل موعد غرامي فوق سهول
القمر في " بحر الهدوء " عام 2020 !
الآن
أو أبدا ...
وها أنا أنساك ...



وأنا شريدة في وهج الربيع

نيسان يطلق في الجو صرخته :
ها هو ربيع جديد يأتي
نيسان يستعيد مملكته
صدر الأرض يخفق يتفتح
يزدهر يتنهد التراب رائحة زهر الليمون حارة كثيفة
موحية كالذكرى ...
فأتنهدك أتنهدك أيها الغريب ...

نيسان يبسط عباءته الملونة
يكسر قارورة الوجود العطرية على شواطئ لبنان
وأنا شريدة في وهج الربيع
شريدة في الليل العتيق المذهل
ليل نيسان الذي يفتح المسامات النفسية
للحب والحياة لازدهار الجسد
( ليل الطفلة محروقة الخدين
لا ليل المقاهي والأقنعة والكرنفالات الاجتماعية )
فأتنهدك وأذكرك

دوما تأتي إلي عبر إيقاع الأرض ومع غليان التراب
بالعطاء ... مع رائحة زهر الليمون رائحة الاحتضان
دوما تأتي إلي من نزيف ذاكرتي ..
وعبثا نفتح في جدار الفراق كوة ...
وعبثا ننسى أننا صنعنا الربيع ذات مرة !

أصرخ : من له قلب فليتبعني ...
ولكن حين أعانق سواك أيها الشقي
أكتشف أنني أعانق أجساد رجال مقطوعي الرؤوس
وحتى رأسي
أحسه ينفصل عني
ليعوم مقطوعا فوق بحر الليل والحزن ...

نيسان يطلق في الجو صرخته
فأتنهدك وأذكرك
وأشم رائحة أيامي معك ...
وانتثر في فضاء الليل
وأتراكم كالغبار على مرايا أيامنا القديمة
وعبثا ألتصق بصورنا الهاربة إلى داخلها ...
كيف ضيعتك أيها الشقي يا ربيع القلب ؟..

سعداء كنا
ولم نستطع أن يغفر لنا الناس ارتكابنا
جرم السعادة ... كان لنا ربيع في قحط شتائهم ...
وكان لابد من عقابنا ..
وتم اعدام قلبي _ السنونو
لأنه طار بعيدا عن قبيلة الغربان والشتاء والروتين
واحترف البحث عن الربيع والدهشة ...


لكني أتوق اليك
حين تصير الأيام مكررة وبلهاء
مثل أشرطة تعلم اللغات بالمراسلة ...
أتوق اليك
حين تصير الوجوه حولي أصناما يغطيها الجليد والرياء
وحين يصير الشوق متسولا في دروب مجهولة
وحتى الكتابة
تصير صدأ في الشرايين
أتوق اليك
لأن الشمس لفظت أنفاسها
وداست جثتها أقدام السكارى
( بالحياة الاجتماعية ) الناجحة
أتوق اليك
لأنني كلما ازددت ايغالا في أرض الشهرة
كلما اكتشفت كم أنا وحيدة وحزينة
مثل مرصد مهجور في قمة جبل ...
أتوق اليك
لأن ذئاب شتاء الحزن
انتشرت في دروب أعضائي
أتوق اليك
لأن القلب الذي عرف معنى مرورك بقريته الكئيبة مرة
مازال يتوق لبيارقك الملونة وأناشيدك
أتوق اليك
لأننا معا ربيع !..






أيها الشقي

لو تزهر جذورنا في الأرض الحرقة
لو تشق براري الركام
لو تعود الريح لتكون صوتنا
لو !..
لو أنني لم أتركك تمضي
لو أنني لم أصر على أن أمضي
لو
لو كنت أدري
أنني حين أسدل الستار نهائيا على مجزرتنا
أكون قد أغلقت أيضا كوة الربيع في عمري ..
لو !...

لو !...
لو عرفنا أننا ساعة افترقنا
تدلى ربيعنا إلى الأبد طفلا مشنوقا على شجرة
يهتز أمام أعيننا مثل ناقوس هائل في كاتدرائية
يقرع لهول عظيم ...
لو ...


هل يمكن أن ننسى
أنه كان لنا ربيع ؟
وأننا ركضنا معا فوق درب المجرة المرسوم
باللآلىء ...
وراقبنا الكون كيف يزهر الضوء والموسيقى
والضحك حين يغسله قلبان بالحب ؟
هل نستطيع أن ننسى ربيع الوجود
حين أسرجنا النجوم الملونة
وصنعنا منها مركبة للفرح المجنون
ونصبنا أرجوحة اللعب إلى الكواكب المشعة
وأرحنا خدنا إلى أبراج الأساطير
لو !...
لو لم نفترق
وتنطفئ النجوم كالفقاعات
ويعود الكون ليقذفنا من رحمه
وتبدو الكواكب من جديد محايدة ولا مبالية
وخاضعة لقوانين الفيزياء وحدها !...

آه كم افتقد حبك !
ونيسان يطلق صرخته والأرض تمارس الفرح


طويل هو شتاء الانتظار
بين الحب والموت ...
طويلة هي تلك الأيام
الممددة في غرفة الجراحة
على طاولة طبيب مجنون اسمه " القدر " ...
طويلة هي أظافر الليل السود
حين يحاصرك بالصحو
ويسيجك بالذكرى
ويستبيح حجرات النسيان
فينبش صناديقها
وبالجمر يرسم على صفحة القلب
صورة لوجه كان ربيع القلب ...
تتأمله وتشهق
ويلتحم الضحك بالبكاء
وتهرب من فراشك
وعبثا تغسل وجهك بالماء البارد ...
كيف تطفئ حريق القلب بغسل جلد الحواس ؟ ...


تعال يا من وجهك الرحيل
ونظرتك الشفرة الرجمية وصوتك الهاوية
تعال وأزهر داخل لحمي
تدفق في روحي كالنزيف
وفجر في ودياني ينابيعك
تعال واعبرني كصاعقة
وانتشر في كعروق الذهب في الصخر
واحتوني كنار تأكل بيدرا
تعال كي يزهر البرق في رماد القلب ...
أنت يا ربيع القلب ...








أعلنت عليك الحب

كانت القسوة خطيئتك ..
وكان الكبرياء خطيئتي ..
وحين التحمت الخطيئتان ..
كان الفراق مولودهما الجهنمي ..

طالما قررت : حين نفترق
سأطلق الرصاص على صوتك ..
وأربط جسد ذكراك
إلى عمود رخامي
وأضرم فيه النار
كما كانوا يحرقون السحرة وشرورهم ...
واليوم وقد افترقنا
أفكر فيك بحنان
وحزن ملئ بالصفاء
كهمس الصحراء للسراب ..





فراق أو لا فراق

إني أعلنت عليك الحب ..
إني أعلنت عليك السلام ..
إني أعلنت عليك الشوق ..
إني أعلنت عليك الغفران ..
ولست بنادمة
لأنني أنفقت عليك جسدي وروحي ..


برد برد

وسجادة النجاح من الجليد
وجوه الأصدقاء
حقل مزروع بالألغام ...
وأصابعهم خناجر ..
وحدك كنت
ملاذ القلب _ القنفذ
ولأجلك وحدك
استحالت اشواكه سنابل
ربما لذلك
كانت طعنتك الأشد حذقا ونفاذا ...

قليل من الشجار
ينعش ذاكرة الحب ...
قليل من الشجار
ينعش قلب الحب ..
لكننا شربنا من خمرة الشجار
حتى ثملنا
وقتل كل منا صاحبه
وعربد على جثته
حتى دون أن يلحظ ذلك !..

وأيضا أغفر لك
أنك حولتني من عصفور الرحيل
إلى مسمار في تابوت الغم


كنت ممتلئة بك راضية مكتفية بك
ولكن زمننا كان مثقوبا ..
يهرب منه رمل الفرح بسرعة

أتعذب ...
بسبب ما فعلته بك ...
بعد أن ارغمتني على أن أفعله بك

أعلنت عليك الحب
أإعلنت عليك السلام
أعلنت عليك الغفران
بقي أن تعلن على نفسك
السلام والغفران
أما الحب
فأنت جسده ...


تم كل شيء بسرعة الصاعقة
وامتزجت في حكاياتنا
شهقة الولادة
بشهقة الاحتضار

طويلا تعثرت
في شبكة عنكبوت الحيرة ...
وكانت كلمة وداعا
جسر الفرار الوحيد الباقي ..
وكانت كلمة وداعا
قاسية كضربة إزميل في رخام ..
وها هي ثلوج النسيان
تهطل تهطل تهطل
وعبثا تغطي معالم حديقة حبنا ...


قبل أن انام
اطرد صورتك من رأسي
بكل تعاويذ العقل
وكل القوانين الاجتماعية ..
ولكن حبك يقطن
تلك الدهاليز في اعماقي
التي لا تطالها سلطة الملك _ العقل
حبك يتكاثر
ويتناثر
ويتناثر في داخلي
ويصدعني
ويتناسل دونما مبالاة بشهادات الميلاد الرسمية ...
وهكذا
حين أظنني رحلت إلى النوم
يظل جزء مني يتابع حياته السرية
مسكونا بك ..
ممعنا في حبك ..
ويوقظني عند الفجر
بضربة من فأس الشوق
في منتصف رأسي ...
أهو صداع ؟
أم تصدع في روحي ؟..


أيها الغريب على مرمى صرخة
البعيد على مرمى عمر
إني أعلنت عليك الحب
إني أعلنت عليك السلام
إني أعلنت عليك الغفران
رغم كل ما كان
وما قد يكون !..




وحده حبيبي الحقيقي ...

لقد نضج الموت في حقولي
فمتى القطاف ؟
تنسحب الحلزونة إلى صدفتها
ينطوي الذئب الجريح على نفسه
تنحسر الخلايا داخل متاهاتها
وحتى المحيط يحشر نفسه في مغارة
والحائر يلتف في قشرة صمته
فمتى
متى يلملم قلبي الضال مواسم جنونه
ومتى تحنو القسوة على ذاتها
وترق الشراسة على جروحها ؟

كلهم يتساقطون عني
في براري الهرب والغربة يتدثرون بخدرهم
كلهم يتناثرون عن مسيرتي الأكيدة
نحو قارة الصحو اللامتناهي ...
بياض جدران المستشفى بياض أبرة المصل
بياض الصمت
تنتظم أنفاسها
متواترة مع أنفاس الليل الوديع ...
وحدها آلامي
تتلاحق نبضاتها
وتشمخ نائية
وتنتصب كعمود النار الراقص ...
وسط الغابة الساكنة ...

حين يتعب جسدي
من الرجال جميعا ...
يتسلل " السيد الحزن "
ليعانق روحي ...
يعرف جيدا رقم هاتفي ...
ويعرف طريقه إلى مخدعي ...
ويدوس بقدميه الثابتتين
جثث عشاقي المتلاشين حولي ...
و أستقبله دونما دهشة أو بكاء ..
مرصودة له ..
وتسجد الضوضاء
حين يسعى إلي حبيبي ...
ويحبس كوني أنفاسه
حين يحتويني حبيبي " السيد الحزن " ...
وتتلصص الصقور والغربان
لترى عرسي الوحيد الحقيقي ...


وحين أتأمل وجه حبيبي
" السيد الحزن "
حين أتأمل وجهه جيدا
أرى وجهي
كما لو كنت أحدق في مرآة

أتأمل عمري على شاشة الجدار الأبيض :
آه كل ذلك الضجيج لا يجدي ...
كل ذلك الصخب والعتب
ومسرحيات الوصال والشجار
وكل ذلك الركض المسعور في الليل
والأحاديث الهاتفية الصباحية المحمومة
واللمسات المختلسة
والنظرات الخجلة المشحونة بالصراخ
كل ذلك لا يجدي ...
ف " السيد الحزن "
يعرف دوما طريقه إلي ...
وحين يمد أصابعه الشفافة
تنهار كل حصون الزحام والصخب
مثل بيوت من ورق اللعب ..
هدمتها في غمضة عين رفة عصفور ...

لقد جربت كل الوصفات
ضد حبيبي الحزن ..
وحملت كل الأحاجي العتيقة ..
ولففت على جسدي كل التعاويذ ..
ومارست كل ما تعرفه المرأة
منذ أقدم العصور
وكل ما اكتشفته في آخر الزمان ..
واتخذت من أوسم الرجال دروعا
واختبأت داخل أجسادهم منه ...
لكنه يا إلهي كضبع الاساطير
وحين يهمس تحت نافذتي
لا أملك إلا أن أتبعه مسحورة منومة ..
إلى وديان الأنين الباكي ..

اسكن قصرا ؟
في الشوارع ينطلق قلبي
في الشوارع ينطلق قلبي
وحيدا تحت المطر
بلا معطف وبلا مظلة
بلا مظلة

يا حبيبي يا طفلي يا حبيبي
يا حصني ضد زحف الكوابيس
افتح عينيك
ومد اهدابك سقفا
فقلبي وحيد وحيد
كإصبع مقطوع عن جسده
وروحي شهقة
بدأت بالتلاشي
بالتلاشي ...

مغفورة خطايا كل الرجال الذين عرفت
مغفورة خطايا الذين احببت
فأنا لم أخلص لأحد منهم
وكنت باستمرار أخونهم
مع حبيبي " السيد الحزن "
حتى وأنا معهم
بل بالذات وأنا معهم ...

الليل طويل طويل
لكنه لا يتسع لتنهيدة من صدري ...
والشوارع مظلمة مظلمة
لكنها تضن بالمفاجأة أو الدهشة ...
والأبجدية شاسعة
لكن الحوار قد اهترأ ...
وحده الحزن
يطل لا متناهيا واثقا من نفسه
وحده يعرف كيف يمتلكني
وفي ملكوته وحده
أعرف شهقة التلاشي ..





معك عرفت أن الأرض مسطحة !...

يا غريب ...
لاتصدقني حين أقول لك
انني نسيتك ...
وان صدرك لم يعد وكري
وان عينيك لم تعدا أفقي
وان غضبك لم يعد مقصلتي ...
فقلبي مايزال كرة ذهبية
تتدحرج على سلالم مزاجك
وساحات الصحو والمطر في أيامك ...

ولا تصدقني
حين أقول لك : انتهينا ..
وأرمي في وجهك
كنوزي التي خزنتها كبخيل :
رسائلك وموسيقاك
وعقدا من الياسمين الجاف
وقارورة عطر فارغة
وشمعة نصف منتهية ..
لأنني بعد أن تمضي
ألملمها عن الأرض بشفتي
وأغسلها بنبيذ أساي ..
وأستحيل قصبة مثقوبة ..
تصفر فيها رياح الندم ..

مع كل فجر
أعد نفسي للفراق
كعروس تزف إلى حبيبها المرصود لها ...
وبأحزاني أطعن وجه النهار
وأعد نفسي للفراق
وأقول لك انتهينا ...
لكن حقل الجمر في وادي حبنا
مايزال يغلي تحت الرماد ...
وشوقي اليك
ما يزال مثل طيور البحيرات
يهب نحو ضفافك

قبلك ! كثيرون .. ولا أحد
بعدك ؟ انت !..
قبلك كنت امرأة تتثاءب
بينما يقبلها رجل ...
وتتابع برامج التلفزيون
بينما يحتضنها ...
قبلك كنت أحتضر ضجرا
مثل نقطة داخل دائرة !..

معك استحال جسدي
من صحراء قاحلة إلى عنقود من ضوء ...
وصار قلبي غزالا
وصارت أصابعي خمس فراشات ..
معك وحدك انصهرت رقصت تناثرت
استحلت جنية أسطورية عارية
تركب حصانا عربيا أصيلا
يعدو بها إلى فجر الفرح ..
مخلفا مقبرة الماضي خلفه ..

معك عرفت سكاكين الانتظار
والهاتف الذي يجيء ولا يجيء
( الهاتف الذي ينشر الحب في المدينة كالزكام ) ..
معك عرفت أغاني
جنيات الشك والخوف من الزمن
وكنت قبلك لامبالية كطاحونة هواء
وشاردة كسمكة ..
معك عرفت أن الأرض مسطحة
لأنها ممدودة على طول جسدك وسريرك
وتنتهي عند أصابع قدميك
معك عرفت أن الأرض لا تدور ..
وإنما تتكوم أمامي كقط وديع لاهث ...
وحينما تبتسم تستحيل الأرض حلما شفافا وتعوم
كالزورق فوق بحيرات قوس قزح ...
معك عرفت كيف تستطيع الموسيقى
أن تكون حفارة
تفجر كل لوعة القلب المرهق ..
معك صار جلدي القلق ووسادتي الوساوس ...

من سقف الصمت
يتدلى صوتك العاتب كالمصباح الشرس ..
آه لا تعتب يا غريب ..
ليس صحيحا أنني تسيتك ..
لكنني كرهت أن أغسل فراقنا المختوم
بالدمع وبقايا الكحل
وألفه بكفن كلمات الوداع التقليدية
لذا أشعلت فيه نيران الكبرياء
ورميت برماده في البحر
حفنة من الصمت واللامبالاة ...
وها هو حبي ينهض من رماده
ليحبك من جديد ...

كيف تصدقني يا غريب
حين أقول لك انني نسيت ؟..
وانني صرت استعرض أيامنا الماضية
بحياد عالم آثار أمام رف في المتحف ؟..
كل تلك اللحظات المضيئة كالشموع
هل يمكن أن تنطفئ إذا حاصرتها رياح الحزن ؟
كل تلك الأيام الجميلة
مثل سرب من الأحصنة البرية
انطلقت إلى الأبد في حقول ذكرياتنا ..
وستظل تركض
تركض داخل عيوننا
وتمنع ذاكرتنا من النوم عما كان ...

كيف تجرؤ على أن تصدقني
حين أقول لك
أن شرنقة النسيان
نبتت حول تلك اللؤلؤة الوحشية السوداء
التي كان اسمها حبنا ؟..
هل نسيت ارتجافي بين يديك
مثل عصفور لم يتعلم الطيران بعد ؟..
وساعات الهمس ؟..
ومسحوق الجنون
وسحابات انين المتعة ؟..
كيف تنسى ؟
وكيف تجرؤ على أن تصدقني
حين أقول لك أنني نسيت ؟

وكيف كيف أغفر لك
أنك صدقتني
حين قلت لك أنني نسيت ؟...






أيام بين الجمر والرماد

طويلا تمددت على الشفرة
بين قارة الحب وقارة الوداع ..
وتعذبت بصمت
وها قد هبط طائر النسيان أخيرا
واستقر فوقي كرخ اسطوري
وهيمن على جسدي وروحي
وها هو يلفني بجناحيه :
جناح النوم
وجناح السكينة
بعدما عصفت بي رياح الأرق والعذاب
وطوحتني في الفراغ ريشة دامية ..

اني لاأصدق
كيف انتقلت فجأة من مرحلة الجمر
على مرحلة الرماد
وصار اسمك نبعا للذكريات العذبة
الذكريات الذكريات
الذكريات : لاأكثر!...
وانتهت رحلة الخروج
عن منطق الزمان والمكان ...
وعاد قلبي ليدق ببطء وانتظام
وفقا لقوانين الفيزياء ...
بعد أن كانت ضرباته لك
قرعات طبل وثني في معبد للعراة والشمس ..

وانتهت مرحلة الجمر
وها أنا أعود إلى نافذتي العتيقة
أتكوم داخل جسدي العتيق
أرقب الخريف يزحف إلى الحديقة
وفي دمي صهيل أحصنة لا تتعب
تحمل إلى باستمرار
أفراح الربيع المقبل وفارسه ..


عمر الكبرياء عندي
أطول من عمر الحب
ودوما يشيع كبريائي حبي إلى قبره

ولم أدر أبدا
جلادا كنت أم ضحية !..
قاتلة أم مقتولة ؟..
في الحب يختلط الدوران

من خلف براري الحزن
يعود وجهي إلي
وقد خلف هناك جسد أيامنا الماضية
هامدا ومنسيا ومصلوبا كفزاع طيور ...


طالما استيقظت مشنوقة بحبل ياسمين
اشتريته لي في الليلة الفئتة ..
أتأرجح وأتدلى في الفجر الزجاجي الساخر
وأصرخ اسمك
بحنجرة مقطوعة !

كان من المستحيل
أن ينبت قمحي فوق صخرتك
وكنت أعرف ذلك منذ البداية ..
ولكنني نشرت فوقك سحبي
واحتضنتك كما يحتضن البحر الأفق
فالمستحيل حرفتي

ظللت زمنا طويلا
والكدمات تملأ قلبي
والمستحيل حرفتي
وأحبك !..



الآن تتناثر أيامنا الجميلة كالغبار المضيء
كل ذلك الماضي الذب
تحت عجلات قطار الزمن

لقد أحببتك زمنا
لكنني لم أفقد القدرة أبدا
على التمييز بين أعضاء جسدي
وأغلالي !..


من اليأس البارد
تشرق دوما شمسي السوداء
وأعود صلبة وكثيفة وحارة
أصير امرأة مسكونة بالآهات
التي لم تقتلها !..
تشرق شمسي السوداء
وأصير منصهرة وصلبة
لأنني أعاود طيراني
محرقة ومحترقة
دونما نهاية ...
لقد احترقت عشرات المرات
حتى غادرني غباري وبكائي
وغادرني نسيج العنكبوت
الذي تحيك منه النساء عادة
عواطفهن الميلودرامية ...
فشمسي السوداء
تشرق دوما من جرحي
تحرق رخاوة الخوف والتمهل ...
وحين تظنني قد مت
أكون قد بدأت استيقظ
مثل غابة مسكونة بالأسرار
وبأكثر مما نتوقع أو ندري ...
وحين تظن أنني قد بدأت أبكي
أكون قد اكتشفت كيف أضحك
بملء شفاه جرحي !..



أوغلنا معا في غابة الجنون
وتجاوزنا كل الأسلاك الشائكة
وضحكنا من كل لافتات " ممنوع المرور "
وها نحن اليوم نأكل جثة ذكرياتنا
على مائدة النسيان ...
مباركة كانت أيام الحب
ومباركة أيام الاحتضار
ومبارك انتحار الذاكرة ..

أودعك
وأعود إلى حروفي
ألفها جبيرة حول أعضاء أيامي
التي كسرتها الخيبة ..
وحدها عكازي
في مسيرة النسيان





كم أحب أن أحبك

ذلك الصباح حين أيقظتك
وجاءني صوتك على الهاتف
مسكونا بالنعاس والبراءة
شعرت بأنني ولثانية
لمحت وجهك الحقيقي العتيق
وكما تضيء ومضة البرق كل شيء لبرهة
شاهدت عبر صوتك الصباحي
حقولك وجبالك ووهادك
وكانت فسيحة ومترامية
وباهرة الفرادة
مثل كوكب الأمير الصغير

ذلك الصباح حين أيقظتك
كانت مخالبك ماتزال نائمة
وأنيابك ماتزال مسترخية
ومخاوفك وشكوكك وبالتالي شراستك
ماتزال تغط في النوم ...
وجاءني صوتك شهيا مسكونا بلهفة المراهقين
ينبض حرارة وأنت تقول : " صباح الخير حبيبتي " ..
وتخيلت أن جسك لابد وأن يكون في تلك اللحظة
حارا ونابضا كصوتك ...

حين تكون هكذا
لاأملك إلا أن أحبك
حين تكون نصف نائم نصف يقظان
تصير رجل الحب المثالي ...
تصير حنانا بلا شكوك
ولهفة بلا ذاكرة
وعطاء بلا مخاوف ...

ولكنك حين تستيقظ
تصير رجلين
رجل يحب وآخر يحاسب
رجل يقبل وآخر يضحك من الذي يقبل
رجل يقول أنه سيمنح إلى الأبد
وآخر يهمس ساخرا : أي أبد أيها المراهق
أنت فن والحب فان
وكل ما تقوله أو تفعله ليس جديدا
سبق لك أن قلته
وسبق للرجال أن فعلوه وكرروه نصف مليون عام !.

لا يهمني أن تقول لي كلمات مكررة
لا جديد ي اللغة
لكنني أستطيع أن أميز نبض الكلمة وشرارتها
وأستطيع أن أميز بين لغة ممدودة على أرض الصباح
مثل الأسلاك الكهربائية التي لم توصل بعد
وبين شبكة من الشرايين والأعصاب
لها شكل كلمات ...
فقل لي كلماتك القديمة كلها
قل لي كل كلمة قلتها لامرأة سواي
ولكن قلها وأنت نصف نائم نصف يقظان
وقلها بحرارة
كحرارة جسدك لحظة اليقظة الاولى ...


كم أحب أن أحبك
لايمكن لامرأة مثلي
إلا أن تحب وغدا مثلك
لحظة يكون نصف نائم ونصف يقظ
ومخالبه غارقة في ريشها كمخالب القطط
نصف الغافية نصف المتأهبة للصيد
وأنيابه ومخاوفه وشكوكه آثامه وأحقاده
لما يستحضرها عقله الواعي من مغاور الخدر ...

هل أنت قريب
على مرمى دمعة مني
وبعيد
على مرمى عمر !...

أيها الشقي كيف ضيعتك
في زحامي
أيها الشقي كيف صدقت زحامي
كيف صدقت زحامك ؟...


أيها الشقي اكرر :
الصداقة مشروع حب
والحب مشروع جرح
فهل في صدرك موضع لطعنة ؟...
بل الصداقة مشروع ضجر
والضجر يقظة ...
فهل لديك لحظات
بين النوم واليقظة بين الخدر التام والوعي التام
نعيشها معا
قبل أن نغرق من جديد في رتابة النوم أو بلادة اليقظة ؟..


أنا نهر من النزيف
عبثا يوقفون تدفقه بسدادة زجاجة نبيذ
أشتهي صخورك سدا
يوقف انهيارات الدقائق والثواني ...
ولا يهمني بعدها
إن سقطت مضرجة بالذكريات
أو سبحت في بركة من أحزاني ...
المهم أن نلتقي ثانية
في لحظتك المجيدة تلك
حين تكون نصف نائم نصف مستيقظ !...



أسافر ... وفي حقائبي ذكرياتنا

وافترقنا ..
وها أنا حفنة من الزجاج المسحوق
عبثا تستعيد صورتها كامرأة ...

واقترقنا
السفن تطلق صرخات الوداع
في مساء المرافىء ...
والطيور المهاجرة
لاتملك إلا الطيران
في مدارات رحيلها المحتوم
وزمن المد انتهى
وها هو الجزر ينحسر
عن الصخور التي طالما ملأ ثقوبها الموحشة
ماضيا عنها إلى غير رجعة ...
لا قطرة في الموج
قادرة على العودة إلى ذرة رمل سبق واحتضنتها
كل ما في الطبيعة
يستعصي على التكرار
وكذلك حبنا

وافترقنا
يا للجنون ... وأنا أحبك هكذا
وانت تحبني هكذا
أي شيطان يسكنني
ويجعلني أغمد سكيني
في جسد الحب الغض
مستبقة بذلك
سكين القدر المحتومة؟

أي شيطان يسكنني
حتى أصرخ كساحرة مجنونة :
بيدي لا بيد الزمن ...
علي وعلى احبائي يارب !..


وافترقنا
وسف تنقضي أيام طويلة
قبل أن نم في الشوارع
التي طالما احتضنتنا معا
دون أن تقفز صورة كل منا
داخل عين الآخر
واسمه ..
والحوار الذي تبادلناه هناك
وضحكاتنا المختبئة في الزوايا ...
وسوف تنقضي أيام طويلة
قبل أن ألفظ أسماء أصدقائي
الذين يحملون اسمك نفسه
دون أن أغص ويرتجف صوتي ...
وسوف تنقضي أيام طويلة
قبل أن اسمعهم يتحدثون عنك
ويلفظون اسمك
دون أن تغمد في صدري
سكين الشوق ..
وسوف تنقضي أيام طويلة
قبل أن أخط اسمك
دون أن تدمع عين قلمي !..

وافترقنا
لكن الزمن لابد وأن يمر بدواليبه
فوق جسد ذكرياتنا
ويطحنها جيئة وذهابا ...
وفي النهاية لايبقى إلا التراب ...
من الضوء وإلى التراب تلك حكايتنا ...

وافترقنا
وها أنا أرحل
وفي حقائبي الذكريات ...
آه الذكريات

اودعك
وأقف على طرف الكرة الأرضية
ثم أقفز إلى الظلام ... والمجهول


فراقك
شوكة في حلق زمني الآتي




لاجسد لهذا الحب
في فضاء الأيام
لامكان له في عمرنا المطعون
ولم يعد بوسعي أن أخطو اليك
ولم يعد بوسعي أن أخطو عنك
هذا زمن الانهيارات
والفوضى استولت على مدارات حبنا
هذا زمن الانهيارات
وارقب أنياب الخلل
تلتهم أعصابي
لم يعد بوسعي أن أصرخ
لم يعد بوسعي أن أناديك
لم يعد بوسعي أن أذكرك
ولم يعد بوسعي أن أنساك
من الضوء وإلى التراب .. تلك حكايتنا !..





عزف " غير منفرد " على عود الشوق

ذلك الالم الدقيق
الذي لا اسم له ولا تبرير
يخترقني حتى العظم
بلحظاته العابرة الكاوية ...

حين أودعك
بعد اللقاء العذب
يظل جزء مني لا يصدق
أنك بعيد ...
وحينما تصفعني
إطباقة الباب خلفك
مع رحيلك المسائي
أشعر بأنني أرحل داخل بئر ...



وحينما أسمع لحنا
أحببناه معا
يجتاحني حزن لا حدود له ...
أصير شريانا ينزف
في غابة الشوق المظلمة ..
ورغم أن اللقاء آت
لكنني عبثا أرشو الفراق
بأمل اللقاء ..

ما أسهل الحديث عن الفراق
حين تكون ثعالب الزمن الماكر نائمة
وحين يكون رأسي فوق صدرك ...
وما أصعب السكوت عن الفراق
حين تنتصب بيني وبينك
قارة من العتب ...


حين نكون معا أغلق النوافذ وأسدل الستائر
وأقفل الباب بالمفتاح مرتين ...
لأمنع الفراق
الواقف خلف الباب
من الدخول
ولأمنع الموت من التسلل
والأرواح الشريرة والحسد
ولكن ماذا تجدي اقفال العالم
وأسواره وتعاويذه وحجاباته
أمام سكين الوداع
التي يشهرها كل منا
مهددا بها جسد طفلنا : الحب ؟



حين أراك
يتنفس الحب الصعداء ...
وحين تغيب
يولي الفرح الادبار !..

حين افترقنا
صرت متسولة
على رصيف النسيان ...
وحين التقينا
عدت متسولة
على رصيف الانتظار...


... وفراقك يعذبني !
فحبك وعائي
وبدونك أنا قطرات زئبق
شاردة على سطح الليل المحايد ...
... ولقاؤك يعذبني !..
وتحت سطوة حبك الصاعق
أتقزم وأتفتت وأتلاشي ...
أ ت ل ا ش ى
وحضورك المغناطيسي الجبار
يدمر بوصلتي
ويستلب من دماغي الاتجاهات

أيها النقي
كالثلج الذي لما يهطل بعد
يا نقاء ثلج العام المقبل
أحبك
بكل اللهفة الممكنة
وكل الغصات ...






وأشهد ضدك أمام محكمة الليل !

أجلس وأتأملك
وأشهد ضدك أمام محكمة الليل
وأحاكمك
وأصدر الحكم عليك
وأنفذ بك في ساحة القلب
وأنت ماتزال تقلب صفحات مجلتك
وتتقلب فوق قرص الشمس
وترفع إلي نظراتك الاليفة
من وقت إلى آخر ...
وتحدثني عن هيلاسيلاسي !...



وأظل غارقة في صمتي
وحنجرتي مغارة ملح :
أنفذ الحكم بك !

حكمت عليك _ وشهودي النجوم _
بالحرمان مدى الحياة من حبي ...
وبالسجن إلى الأبد
في قفص حريتك ...

وها أنا أتأملك للمرة الأولى بعين محايدة ...
بعد أن كانت حواسي كلها
حليفة لك ضدي
وكانت كلها
تتفنن في أداء الشهادات الكاذبة
لمصلحتك ...


أتأملك بحياد
ولأول مرة أراك حقا !...
أنت مسكون بلا مبالاة رتيبة ..
وحتى حبنا الذي كان زلزالا
حولته أنت إلى ... هدنة !!..

أنا جمرة الحب
المتقدة في ليل الغرباء ...
وأنت تحب على طريقة الطيور ..
وها هي الرتابة
تدخل من موقدنا الصدىء
وعما قليل
ينبت فطر اللامبالاة فوق رمادنا ...


هذا الحب يحتضر
كبجعة جميلة نزفت أيامها
على شطآن الضجر ..
هذا ما تقوله أظافرنا المنكسة
وراياتنا المحترقة
وحطام مراكبنا والهشيم
وجلستنا الهادئة الفاترة
كجلسة غريبين في فندق
أجبرا على الاشتراك
في غرفة واحدة !...

كيف لا أذبحك سبع مرات
ثم أطلق الرصاص عليك
في ساحة القلب
_ بينما أتأملك بصمت _
وأنفذ حكم محكمة الليل بك ؟...

... وكيف أستطيع أن أغفر لك
أنك نقلتني من درجة الغليان إلى ما تحت الصفر ؟..
وكنت الضوء في جلدي
والشهقة الفرحة في عيوني
وكنت كل ما هو جميل ونبيل
وكل ما احترف التحدي ...


وكنت هاجسي وعقابي
وكنت أحمل لك في صدري حبا
يستطيع أن يركض به قلمي
على السطور مضيئا كمنارة ...
وها أنا أجلس صامتة
كيف استطعت اغتيال صوتي ؟..
وكل ذلك الحب الملتهب
كيف استطعت
أن تحوله في فمي
إلى قطعة ثلج متجلدة ؟...

ترفع عينيك عن مجلتك
وتنظر إلي دون أن تراني
ودون أن تدري
أن العقارب تغلي
تحت رمال ابتسامتي
وأنني أحقد عليك
حقدا شاسعا ومجيدا
لانك وحدك
وحدك استطعت
أن تقتل حبي لك !!؟



أفتقد عذابي بك ؟

لأني من أجلك وحدك
كسرت صدفتي العازلة
وجئتك جديلة من الأعصاب العارية
عن الخوف والأخرين والبارحة والغد
لأني من أجلك وحدك
ظللت صامتة ما يقارب العام
وأنا أرقبك تتحسس جدران صدفتك
التي عجزت عن كسرها بنفسك
وتشتم صدفتي أنا !..
لذا احس برغبة وحشية
في أن أقهقه معتوهة بفرح كسيح
وبشماته سرية
لأنك خسرت الحب
ولم تربح حتى الحزن !..

كان الأمر هزليا
فأنت لم تفهم قط أنني أحببتك
ولن تفهم أبدا
أنني سأظل زمنا طويلا
أسمع صوتك
فأنتفض كاصبع عازف بزق ثمل ...
ألمحك
فتستيقظ أشواقي القديمة للركض معك
في حقول شاسعة النقاء يغسلها المطر ويغسلنا
أراك
فتهب على وجهي مثل نسمة مثيرة قادمة من كوكب
غامض
وأحلم بك
وأفتقد عذابي بك ...

لما غدرت بي حزنت لأجلك
فقدرك أن تكون شفرة مقصلة
تتغذى بالدم والدمع واللعنات
فأنت لا تدير رؤوس النساء فحسب
بل وتقطعها ...

تتكوم داخل صدفتك
مثل عنكبوت محنكة ترصد ضحيتها
وقد انسحبت إلى أظلم ركن في شبكتها
حين جئتك عارية من صدفتي ودروعي وأسلحتي
ومن خبثي النسائي
ظللت مرتديا قناعك
وحين انكشف لي وجهك الحقيقي
لم أبك حزنا علينا معا ...
وحين توهمت انك انتصرت
كنت مهزوما
لأنك عاجز عن الحب !..
جرحي هو نصري
أني _ على الأقل _ ملكت الحب لثانية
والحزن ربما إلى الأبد

شيء محزن حقا
أن لا تكون ملكا لنفسك
وكل ما تفعله
مسرحية تقدمها للآخرين
لرفاق المقهى
مسرحية يحاول كل منا أن يثبت خلالها
أنه انتصر في إذلال الآخر ...

في كل الحكايا حولنا وفي الروايات العربية
وفي صفحات الجرائم اليومية
تموت باستمرار ليلى العامرية
وتجن عزة وتنتحر الخنساء
وتذبح عبلة من الوريد إلى الوريد ...
أنا من فصيلة أخرى من النساء
من جيل آخر
جيل يكره العصا والسوط والقهر والاذلال ...
فلتذهب أنت وقيس الملوح وعنترة إلى النسيان
لقد حزنت لأجلك أكثر مما يليق بانسانيتي ... وأنانيتي !


أريد أن أقول لك
أيها " القبضاي " المتخم بذكريات أجداده
أصحاب الشوارب والقبضات الضخمة
كالهراوات في وجوه نسائهن
اني كسرت خلخالي وقيدي وسجاني
والحي ليس عملية ترويض في سيرك
فدع سوطك جانيا واسمعني :
أحببتك لأني اخترت أن أحبك
وسأكف عن حبك حين يحلو لي ...
وقد كففت !.. وقد أتذكرك أحيانا ...


ها أنا أركض ... أطير كفراشة
ترسم بجناحيها خط الأفق
اشم رائحة الزعتر البري
أطير من كهوف الماضي العفن
إلى براري الحرية ...
آه كم أنا قادرة على أن أكون حرة
حرة حرة حرة
( حرة حتى العبودية للحرية ؟ )
ها أنا أطير بعيدا
افتقد عذابي بك !
لماذا ؟ وأنت هل افتقدت قط
سعادتك بي ؟..







كأني مت ... يا غريب !

كأني مت ...
فقد سكن الوجع
وتعانق الشقاء والفرح متواطئين
وخرجا من مسرحي
ولفظ الحب أنفاسه
بعد ليل احتضار طويل

ولكن كأني مت
وهذا الفجر يحيق بي
من دون أن يهمس لي بشيء
وعما قريب تتسلق الشمس جرحي
في طريقها إلى اختراع يوم جديد
كأني مت ... لا جديد


كأني مت ...
لا أترقب لقاءك
لا أترقب فراقك
لا أشتهي عناقك
لا أشتهي خصامك
لا تفسير لدي
لا تفسير لديك أشتهي سماعه
لقد ولد كبرق
ورحل كبرق


ولكن كأني مت
والعشب في الحديقة عاد عشبا
ولم يعد كونا من غابات السحر
والأشجار عادت أشجارا
ولم تعد دروبا إلى مدن العجائب
وحتى الطائر
الذي احتضر قليلا
ثم مات للتو على نافذتي
ليس أكثر من جثة طائر
ستفوح منها رائحة نتنة
حين يلتهب النهار ...


كأني مت
اقرأ صفحت الصباح بلا مبالاة
وأطالع الاعلانات عن المنشطات الجنسية
والدواليب المحروقة وصور القتلى
من دون أن يصيبني ذلك التوهج اليومي
بالسخط أو الرضى
وجسدي لم يعد أسلاكا مشدودة
تومض كل ثانية ضوءا ونارا
وتلتهب حتى الانصهار
ووجع التمزق


كأني مت
وأستطيع أن أستعيد ذكرى جسدك
عضلة عضلة
من دون أن يختلج جسدي
شهوة أو غيرة أو غضبا
وأستطيع أن أستعيد
ذكرى ضحكاتنا في الغابات
من دون أن أحن أو أغص
وكل أصواتنا وهمهماتنا القادمة من الماضي
أسمعها
كما يسمع ميت تحت التراب
ضحكات المارة المجهولين في الشارع المجاور

كأني مت
كأنك كنت حقا من بعضي
وحين قتلتك في نفسي
لم أكن أدري أنني انتحرت






حب الرجال كالماء في الغربال ؟

ها أنا أقلب الصفحة العتيقة ..
وفي صفحة جديدة
أكتب من أول السطر :
أحبك أحبك أحبك

لا تاريخ لي قبل عينيك
لا درب لي غير برقك
لا وطن لي غير جسدك
لا توقيت لي غير نبضك
لا خبز لي غير قمح راحتك


ولن أهرب من حبك المفترس ...
ولتشهد أنفاس الربيع الأولى علي :
فوق رصيف الرضى
أمد لك جسدي
وباستسلام سنبلة لحد المنجل
أمنحك !..

ولن أهرب من حبك المفترس
ولتشهد شرايينك
يتدفق دمي اليها ...

ولن أهرب من حبك المفترس
فالمسافة بين جرحي ووجهك
ليلة انتظار ...

... فارتد حبي ..
وأخلع ذاكرتك

ولن أهرب من حبك المفترس ...
تستطيع العجائز أن تثرثر :
" حب الرجال كالماء في الغربال " ...
تستطيع الأمواج أن تثرثر :
كل كلمات الهوى
تمحى _ لا محالة _ عن الرمال ..
فليكن ما يكون :
أحبك وأهلا بالزلزال

... ولن أهرب من حبك المفترس ...
وتحت شلال روحك النقية
أغسل وحل شكوكي
أنا امرأة الرفض والجنون
أخرج اليك من غابة العراء والغربة
فدثرني باليقين ..
وخذني إلى قلبك المعبد ..
وامسح عني غباري وزنزانة مخاوفي ..
فالفرح يولد على أصابعك
وغدي يشرق من ضلعك ..

... ولن أهرب من حبك المفترس
فليعتقلني حلمك
ولتطاردني رغباتك
سأشهر عليك استسلامي ..
وأطلق عليك حبي ... حبي ... حبي.




انتهى