راي برادبيري /Ray Bradbury.. كاتب أمريكي متخصص في أدب الخيال العلمي.. هو الآن على أعتاب التسعين من عمره تقريباً.وهو كاتب عالمي اشتهر بكتابيْه: «451 فهرنهايت» و«مَرِّيخيَّات أَبَديَّات» نسبة إلى كوكب المريخ.
ما زال رغم هذا العمر يحتفظ بتفاؤله المعهود..وهو يقول على أسوأ الحالات: (لو اختفت الحياة من على سطح الأرض..سنستطيع أن نعثر عليها فوق كواكب أخرى، كما أن رحلاتنا إلى الفضاء تجعلنا كائنات أبدية).
وبمناسبة صدور كتابين له نهاية العام الماضي.. كان لجريدة «لوموند» الفرنسية معه هذا الحوار:
** هل تعتبر كتابك «451 فهرنهايت» والذي حقق أفضل مبيعات قد فُسِّر خطأً؟
*لقد رأيت بعض اليابانيين يندفعون إليَّ ويضعون «الوكمان» على أذنيّ قائلين لي: «أنت الذي اخترع هذا يا سيد برادبيري بكتابك «451 فهرنهايت»! فكنت أجيبهم: لا.. شكرا. نحن مُحاطون بالكثير من الألعاب التكنولوجية.. وبصحبة الإنترنت والـوسائل التكنولوجية الأخرى يخطئ الناس. أنا لم أحاول أن أتنبأ.. لكنني حاولت أن أُنَبِّه إلى المستقبل. لم أُرِدْ أن أتحدث عن الرقابة.. ولكن عن التعليم الذي يحتاجه العالم كله.نحن نستطيع أن ننقذ أمريكا بفضل الأطفال..إذا ما علمناهم كيف يقرأون وكيف يكتبون منذ سن 3 و4 و5 سنين حتى يصلوا إلى المدرسة الابتدائية وهم يعرفون القراءة. لقد تعلمتُ شخصياً القراءة وأنا عمري ثلاث سنوات لكي أقرأ «كارتون الأحد».
** في كتابك «451 فهرنهايت» هناك من يقوم بدور إنقاذ الكتب ويحفظها عن ظهر قلب.. هل تتمكن الكتابة الرقمية من أن تؤدي هذا الدور؟
* الرقمية في حد ذاتها ليست هي الحل..القضية تتمثل في طريقة الاستخدام نفسها.فإن شجع ذلك على القراءة فهذا شيء ممتاز..وإلا ما جدوى ذلك؟!
من جهةٍ أخرى..لقد رفضتُ أن تتحول كتبي إلى كتب رقمية.أنا أحب أن أحتضن الكتاب..أن أتنفسه..أن أحس به..أن أحمله..وجهاز الكمبيوتر لن يقدم لك شيئاً من كل هذا.
** بعد الانتهاء من كتابك «عاد من التراب» عام 2001 قلت: كن «تيموثي».. الشخصية المحورية.فهل أنت «دوجلاس سبولدينج» بطل «وداعاً أيها الصيف» التابع الكلاسيكي لـ «دانديليون وين» الذي خرج من الولايات المتحدة الأمريكية منذ وقت قصير؟
* بكل تأكيد..أنا دوجلاس! من جهة أخرى.. كانت لديَّ انتقادات ممتازة حررها رجال في سن الكهولة.. مازال يختبئ الصبي الصغير داخلهم!
هذا الكتاب هو بمنزلة محادثة بين صبي في الثانية عشرة من عمره ورجل يبلغ السابعة والثمانين عاماً.. وأنا الاثنان معا..ألم يصلك هذا؟!
أيَّاً كان الأمر أنا كاتب هجين كَبُرَ في صحبة الكتب والسينما.
لقد شاهدت فيلم «نوتر دام دي باريس» وعمري ثلاث سنوات..وتمنيت أن أكون أحدباً.
وشاهدتُ «شبح الأوبرا» عندما كان عندي ست سنين..وفي تلك السن أيضاً شاهدتُ «العالم المفقود».. كان هذا بفضل حب الديناصورات.
** أما زالتْ أعمالك تُحوَّل سينمائياً؟
* صديقي «فرانك دارابونت» يُعّد معالجة جديدة لكتابي «451 فهرنهايت».. لقد كتب بالفعل سيناريو جيداً جداً.أما أنا فلديَّ تجارب سيئة جداً مع هوليوود ..خاصة عندما سَطَا وكيل عقاري على السيناريو الذي أعددته لكتاب «the illustrated Man» ..لكن «وارنر» أعاد لي حقوقي.
هذه المرة..أكتب السيناريو وسوف ينتجه «فرانك دارابونت» وربما يقوم بإخراجه أيضاً.
أما أفضل معالجة لأعمالي فقد كانت لكتابي «The wonderful ice cream suit» ..التي قامت بها «ديزني» عام 1998 مع «چو مانتيجنا و إدوارد چيمس أولمس»، لقد احترموا السيناريو الذي أعددته..قصة رجل فقير يحلم ببذلة بيضاء. أيضا تقوم مؤسسة «Universel» بإعداد معالجة لكتابي «مريخيات أبديات» لقد تعهدوا من قبل بعشرين سيناريو منها خمسة لي..غير أنهم يعتقدون أنني لا أعرف أن أكتب (يقهقه). سوف يُسْتوطن المريخ قبل أن ينتهوا من هذا الفيلم! أما كيرك دوجلاس فقد موَّل معالجة تلفزيونية لكتابي «مريخيات أبديات» لكن قنوات التليفزيون الأمريكي لا تريد عرضها.
** جزءٌ من وقتكَ مُكرس لتشجيع شباب الكُتَّاب.. فما نصائحك لهم؟
*أي كتابة تتأسس على الحب..على فعل ما تحبه..على حب ما تفعله.. إضافة إلى نسيان النقود. لقد كنتُ في بداياتي أحصل على ثلاثين دولاراً في الأسبوع.. أما خطيبتي فكانت ثرية.. لكنني طلبت منها أن تنذر للفقر نفسها حتى تقترن بي.لم تكن لدينا سيارة ولا تلفون.. وكنا نعيش في شقة صغيرة في فينيسيا.. كم كنا فقراء! أما شباب الكُتَّاب فأقول لهم: أحيطوا أنفسكم بأناس يحبونكم..وإن لم يحبوكم فطاردوهم.. ما من حاجة للذهاب إلى الجامعة حيث لا أحد يتعلم الكتابة. الأَوْلى أن تذهبوا إلى المكتبات وأن تمتزجوا بها..أحيطوا أنفسكم بكل الكتب التي تموج داخلكم وتؤثر فيكم وتتماس معكم.
لقد كتبت «451 فهرنهايت» لأنني سمعتُ كلاماً عن حريق مكتبة الإسكندرية وعن الكتب التي أحرقها هتلر في برلين.
** هل أنت مشغول بمشكلات البيئة؟
* لا بد أن نستعين ضد التلوث بالفرنسيين الذين جاءوا من قبل لينقذوا ثورتنا.ثم إنكم أنتم الفرنسيون الأمة الوحيدة التي تعتمد على الطاقة النووية ولديكم القدرة على أن تعلمونا كيف نبني المراكز النووية في كل الولايات المتحدة الأمريكيةـ الأقل تلوثاً من وسائلنا الحالية البترول والفحم.
إذن.. أنقذوا حياتنا..ووقتها تستطيع أمريكا وفرنسا أن تكونا دولتين متحابتين.
** أنت مفتون بالاستكشافات الخاصة..خاصة المريخ.
* الليلة التي هبطنا فيها على سطح القمر كانت ليلة افتتان بالنسبة لي.. وكان واجباً ألا نتركه أبداً! خذ صورة..حسناً..لكن ذلك لن ينقذ البشرية.لو اختفت الحياة من على ظهر الأرض نستطيع أن نعثر عليها على كواكب أخرى.. ورحلاتنا إلى الفضاء تجعلنا كائنات أبدية.يجب أن نعود مرة أخرى إلى القمر ونقيم هناك قاعدتنا لكي نتمكن من غزو المريخ في العشرين أو الثلاثين عاماً القادمة لكنني يومها لن أكون موجوداً في هذا العالم وهذا ما يؤلمني بدرجة كبيرة.غير أنني سوف أُدْفَنُ في المريخ في حفرة «شيكاغو أبيس».. لقد تركتُ وصيةً لعائلتي بهذا.سأكون أول من يموت فوق سطح المريخ..باستثناء أنني ليست لديَّ نية في الموت قريباً. مازلتُ أريد أن أظل حياً لمدة خمسة عشر عاماً على الأقل ..سأنتظر حتى أُكْملَ عامي المائة!
** هل أنتَ كائن متفائل دائماً؟
* لمَ لا؟! حياتي على ما يرام..وأنا مستمر في الازدهار..إنه لشيء رائع! إذا ما فعلتَ الشيء الذي تحبه فأنت سعيد. بعض المُحللين النفسيين سألوني كيف أفعل هذا..أنا لستُ مكتئباً ولا قلِقاً فيما عدا عندما يقترب الموت.حينما ماتت زوجتي «مارجريت» كتبتُ قصيدة في ذكراها..في الزواج تَحْدُث أشياء غامضة. لقد أرادت زوجتي أن تتركني لأننا أنجبنا الكثير من الأطفال واعتقدَتْ أن هذه غلطتي! أما أنا فلم أُرِدْ الانفصال حتى لا أبتعد عن أطفالي.. وبقينا معاً كأب وأم.
الحب هو كل شيء في الوجود..فإذا أردت أن تكون حياً فأبدع في الحب .. وستأتي الأشياء الجيدة بشكل طبيعي.