الاثنين، 12 أبريل 2010

موسوعة اليهود : الصهـيونية الإثنية الدينيـة


الباب الثانى عشر: الصهـيونية الإثنية الدينيـة



الصهيونية الثقافية
Cultural Zionism
«الصهيونية الثقافية» مصطلح شـائع في الأدبيات الصهيونية. وهـو، مثل كثير من المصطلحات الصهيونية، غير دقيق ويرادف مصطلح «الصهيونية الروحية».

وتذهب الصهيونية الثقافية إلى أن المشروع الصهيوني لابد أن يكون ذا بُعْد ثقافي إثني وروحي (بالمعنى العلماني للكلمة). ونقترح اصطلاح «صهيونية إثنية علمانية» بديلاً لهذا المصطلح، لأن الصهيونية الإثنية تجعل الإثنوس اليهودي (أي الشعب اليهودي أو روحه) بمنزلة اللوجوس أو المطلق الكامن في النسق.

الصهيونية الروحيـة
Sprititual Zionism
«الصهيونية الروحية» مصطلح شائع في الأدبيات الصهيونية، وهو مرادف لمصطلح «الصهيونية الثقافية». وهو أيضاً، مثله مثل معظم المصطلحات الصهيونية، غير دقيق. وتذهب الصهيونية الروحية إلى أن المشروع الصهيوني لابد أن يعبِّر عن روح الأمة اليهودية (أي إثنيتها). ولذا، فنحن نشير إليها بمصطلح «الصهيونية الإثنية العلمانية».

الصهيونية العلمانية
Secular Zionism
نستخدم أحياناً مصطلح «الصهيونية العلمانية» بدلاً من «الصهيونية الإثنية العلمانية» من قبيل الاختصار. وما نعنيه بطبيعة الحال هو المصطلح الثاني.

الصهـيونية الدينية
Religious Zionism
«الصهيونية الدينية» مصطلح يشير إلى التيار الصهيوني الذي يرى ضرورة أن يكون المشروع الصهيوني مشروع إحياء ديني، وأن رسالة الصهيونية هي إحياء اليهودية (لا اليهود)، ونحن نفضل مصطلح «الصهيونية الإثنية الدينية» لأن هذه الصهيونية تنظر إلى الدين من منظور حلولي عضوي يساوي بين الشعب والإله، ويجعل الشعب (والإثنية اليهودية) في منزلة الإله. وعلاوة على ذلك، فإن مصطلح «الصهيونية الإثنية الدينية» يؤكد العلاقة بين هذا التيار الصهيوني وتيارالصهيونية الإثنية العلمانية، فهما تياران متشابهان في كثير من الأطروحات الجوهرية، وينحصر الاختلاف في مصدر القداسة التي يتمتع بها الإثنوس أو الشعب اليهودي. ومع هذا نستخدم مصطلح «الصهيونية الدينية» أحياناً من قبيل الاختصار. وما نعنيه بطبيعة الحال هو «الصهيونية الإثنية الدينية».

الصهـيونيـة الإثنيـة (الدينيـة والعلمانية(
Ethnic Zionism (Religious and Secular)
»الصهيونية الإثنية» تيار صهيوني يتعامل مع المادة البشرية اليهودية من منظور الهوية والوعي ومعنى الوجود. وقد ساهم هذا التيار في تهويد الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة عن طريق إسقاط المصطلحات الحلولية العضوية عليها وهي تتفرع إلى اتجاهين أو تيارين: صهيونية إثنية دينية وصهيونية إثنية علمانية. والصهيونية الإثنية الدينية تدور في إطار الحلولية في مرحلة وحدة الوجود الروحية، أما الصهيونية الإثنية العلمانية فتدور في إطار الحلولية في مرحلة وحدة الوجود المادية (فهي حلولية بدون إله(

ويرى أصحاب التيار الأول أن الدين اليهودي هو أساس القومية اليهودية ولا يمكن أن تقوم لها قائمة بدونه، أما أصحاب التيار الثاني فيذهبون إلى أن الدين اليهودي إن هو إلا أحد أبعاد القومية اليهودية. وكلا الفريقين يدعو إلى الإثنية اليهودية ولا يختلفان إلا في مصدر هذه الإثنية: أهو العقيدة اليهودية أم ما يسمونه «التاريخ اليهودي» و«الثقافة اليهودية».

ويجدر التنبيه إلى أن هناك وحدة بين تياري الصهيونية الإثنية وتماثلاً في الاتجاه، فكلاهما يجعل الشعب اليهودي شيئاً مطلقاً مقدَّساً يتسم بالوحدة العضوية. ولكن، بينما يُفسِّر التيار الإثني الديني هذا التماسك العضوي على أساس ميتافيزيقي (حلول الإله في الشعب)، يفسر الفريق العلماني التماسك على أساس مادي (العملية التاريخية) أو روح الشعب (أو ما نسميه حلولية بدون إله). وقد وصل بن جوريون فيما بعد إلى صيغة توفيقية حين صرح بأنه إذا كان الإله قد اختار الشعب فإن الشعب قد اختار الإله. وعلى كل حال، فإن الحاخام إسحق كوك كان كثيراً ما ينسى صيغته الحلولية ويستخدم الصيغة العضوية دون حياء أو ديباجات. وقد اختتم إحدى مقالاته قائلاً: "ستتحقق عودتنا فقط إذا ما رافقت عظمتنا الروحية العودة إلى الجسد من أجل خلق جسم صحيح قوي وعضلات قوية تغلف روحاً ملتهبة"، وهذه العبارات تليق بنيتشه وآحاد هعام.

ويمكن القول بأن ثمة تقسيماً واضحاً بين تيارات الصهيونية الثلاثة الأساسية. فتتركز مهمة الصهيونية الدبلوماسية ثم العامة (التوطينية) في ضمان الدعم الإمبريالي وتجنيد أعضاء الجماعات اليهودية وراء المُستوطَن الصهيوني وترحيل الفائض منهم. وكانت مهمة الصهيونية العمالية (الاستيطانية) هي توطين هذا الفائض في فلسطين من خلال مؤسسات استيطانية مختلفة ذات طابع زراعي عسكري. وعلى هذا، فإن لكل صهيونية منها برنامجاً سياسياً واقتصادياً يغطي مجالها ونشاطاتها. أما الصهيونية الإثنية، بشقيها الديني والعلماني، فلم يكن يعنيها كثيراً التوجه الاقتصادي أو السياسي، ذلك أنها كانت تتعامل مع مستوى التعبير والوعي ومعنى الوجود. وقد حدَّدت مجالها بأنه "اليهود" أينما كانوا في الداخل والخارج، فهم شعب متميِّز ذو تاريخ متميِّز، وحددت وظيفتها بأنها الإتيان بالعلاج الناجع لمشاكل اليهود الروحية (مشكلة المعنى)، وخلق الوعي اليهودي، وتطهير الفكر الصهيوني من المفاهيم الاندماجية كافة، وتعميق مفهوم الشعب اليهودي بالإصرار على هوية يهودية محددة للمشروع الصهيوني بحيث لا يكون هدفه أن يصبح اليهود شعباً مثل كل الشعوب، له دولة مثل كل الدول، وإنما يهدف إلى تعميق الهوية والوعي اليهوديين وإلى إضفاء معنى يهودي على الوجود اليهودي سواء في فلسطين أو خارجها.

والدولة التي ستُؤسَّس ـ من منظور الصهيونية الإثنية ـ يجب ألا تكون دولة يهود وحسب وإنما يجب أن تكون دولة يهودية شكلاً ومضموناً. ويهدف هذا التيار إلى فرض العزلة الإثنية على اليهود في الخارج حتى يمكن تجنيد أعضاء الجماعات اليهودية وراء المُستوطَن وإعطاء المستوطنين في الداخل إطاراً عقائدياً ذا بعد زمني بحيث يمكن إضفاء القداسة على الرموز القومية فتتحول فلسطين إلى مركز روحي (بالمعنى الإثني الديني أو بالمعنى الإثني العلماني(

كما تَجدُر ملاحظة أن دعاة الخطاب الإثني باتجاهيه الإثني الديني والإثني العلماني، نظراً لتركيزهم على مشاكل الهوية، لم يكن لهم فكر سياسي أو اقتصادي مستقل. فقد تركوا هذه الصياغات لبنسكر وهرتزل وبوروخوف وجابوتنسكي وغيرهم من الصهاينة، وركزوا هم على الديباجـات الإثنية أكثر من تركـيزهم على الأمور السياسـية أو الاقتصادية، فهم يتحدثون عن لغة الدولة القومية ونوعية القوانين التي ستسود فيها (من منظور إثني) وعلاقتها بالتراث اليهودي ومدى توافق سلوك مستوطنيها مع القيم الإثنية (الدينية أو العلمانية) اليهودية. وقد اهتموا كذلك بالمشاريع الثقافية التي تُوحِّد وعي يهود العالم، وبعلاقة يهود العالم بالدولة المزمع تشييدها.

ولا يعني هذا أنهم لم يكونوا ملتزمين بالصيغة الأساسية الشاملة (ولا بالإيمان بأزلية معاداة اليهود أو بفكرة الشعب أو الاعتماد على الدول العظمى). فكل فكرهم ينطلق منه ويفترضه ويستند إليه. وإذا كان آحاد هعام قد تَذبذَب لفترة قصيرة بشأن ضرورة إنشاء الدولة الصهيونية، إلا أن هذا التذبذب لم يَدُم طويلاً، كما أنه لم يعارض قط فكرة نَقْل الفائض اليهودي من شرق أوربا إلى فلسطين. وإذا كان ذبح العرب قد سبَّب له بعض القلق لبعض الوقت، فإنه استمر في دعم المشروع الصهيوني وإسداء النصح لوايزمان في الفترة التي سبقت وعد بلفور. وقد استوطن هو نفسه فلسطين في نهاية الأمر دون أن يبين كيف يمكن تنفيذ المشروع الصهيوني دون التخلص من العرب. أما بالنسبة إلى المتدينين، فإن الأمر لا يختلف كثيراً. وأثناء ثورة 1929 في فلسطين، اتهم كوك البريطانيين بالتقاعس عن حماية اليهود، كما اتخذ موقفاً متشدداً أثناء الانتفاضة التي قامت دفاعاً عن البراق (حائط المبكى(

وبالنظر إلى عدم تَعارُض مجال الصهيونية الإثنية مع مجالات الصياغات الصهيونية الأخرى، فإننا نجد أن معارك دعاة هذا التيار كانت تدور إما فيما بينهم، أو بينهم وبين قيادة أحباء صهيون ودعاة الصهيونية الدبلوماسية فيما يختص بالقضايا الدينية والثقافية وحدها. وقد وقع أحد التصادمات بين الإثنيين الدينيين وقيادة جماعة أحباء صهيون عام 1888 ـ 1889، وهي سنة سبتية يُحرَّم فيها على اليهود زراعة الأرض حسب التعاليم الدينية اليهودية. ولا يسري هذا التحريم إلا بعد عودة اليهود إلى أرض الميعاد واستعادتهم إياها، كما أنه لا يسري إن كانت الأرض ملكاً للأغيار. ولكن المستوطنين اليهود استمروا مع هذا في زراعتها رغم ملكيتهم لها. وقد تَطوَّع الحاخام موهيليفر وأفتى بإمكانية بيع الأرض إلى أحد الأغيار، فتعود إلى غير اليهود، ويحل لليهود بالتالي زراعتها (وهو أمر استمر حتى الوقت الحاضر إذ تقوم الدولة الصهيونية ببيع أرض إسرائيل كل ست سنوات إلى أحد المواطنين غير اليهود ثم تشتريها منه مرة أخرى بعد انتهاء السنة السبتية!). وقد حاول المتدينون عزل بنسكر في مؤتمر جماعة أحباء صهيون الذي عُقد في دروسكينكي (1887)، ففشلوا في ذلك ولكنهم نجحوا في تعيين ثلاثة حاخامات في اللجنة التنفيذية.

وقد حدث أيضاً حوار ساخن بين الإثنيين العلمانيين وصهاينة أحباء صهيون التسلليين عندما كتب آحاد هعام إحدى مقالاته "ليس هذا هو الطريق" ليبين أن المتسللين إلى فلسطين فقدوا هويتهم اليهودية واستوعبتهم عملية البقاء المادي وأهملوا عالم الروح والهوية. ثم تَحوَّل هذا الحوار الساخن إلى نقد صريح لمشروع هرتزل وفكره فيما بعد. وقد بلغ رفض آحاد هعام الصيغة الهرتزلية مداه حينما اقترح في مؤتمر منسك (الذي عقده الصهاينة الروس عام 1902) الانشقاق عن المنظمة الصهيونية لتأسيس منظمة صهيونية ثقافية مستقلة تدافع عن الخطاب الإثني بين اليهود أينما كانوا.

وقد احتدم النزاع كذلك بين دعاة اتجاهي الخطاب الإثني. ولذا، فقد اضطر العلمانيون حينما ازداد نفوذ الدينيين في مؤتمر فلنا (1889) إلى تأسيس جماعة بني موسى (على غرار المحافل الماسونية) ولكنها حُلَّت عام 1897.

وقد حُسم الصراع بين الصهاينة الإثنيين والصهاينة الذين لا يهتمون كثيراً بالإثنية مع صدور وعد بلفور. ومع استيلاء العناصر اليهودية من شرق أوربا على المنظمة، وتقسيم العمل بين التوطينيين والاستيطانيين، وقد أصبحت الهوية اليهودية الرقعة المشتركة بين الجميع، وتَقبَّل الصهاينة التوطينيون فكرة الهوية اليهودية ما دامت لا تتعارض مع ولائهم لأوطانهم. ولكن الصراع داخل التيار الإثني استمر بين الدينيين والعلمانيين (إذ أن الصراعات الأخرى بين التيارات الصهيونية الأخرى تتم على المستوىين السياسي والاقتصادي). ومن أهم الصراعات التي تدور بين الاتجاهين، الصراع بشأن الهوية اليهودية (من هو اليهودي؟).

وكما أسلفنا، فقد نشبت الخلافات عدة مرات بين الفريقين الإثني الديني والإثني العلماني، وتم تعليق الخلاف في برنامج بازل. وأثناء إعداد وثيقـة إعـلان الدولة (التي يُقال لها وثيقة «إعلان استقلال إسرائيل»)، نشب خلاف بين الصهاينة الدينيين والصهاينة العلمانيين حول عبارة "واضعين ثقتنا في الإله" التي أصر المتدينيون على ذكرها في الديباجة. وقد حُلَّ الخلاف عن طريق صياغة صهيونية مراوغة، ألا وهي عبارة «تسور يسرائيل» التي تعني حرفياً «صخرة إسرائيل»، وهي عبارة غامضة تؤدي معنى لا دينياً لللادينيين ومعنى دينياً لدعاة الصهيونية الدينية. ويبدو أن الدينيين حاولوا كذلك أن تشير الديباجة إلى الوعد الإلهي لجماعة يسرائيل ولكنهم أخفقوا. ولكي يتم إرضاؤهم، جاءت الديباجة مبهمة تحمل كل المعاني الممكنة: "إرتس يسرائيل هي المكان الذي وُلد فيه الشعب اليهودي، وهنا اكتسبت هويتهم الروحية والدينية والسياسية شكلها، وهنا شيَّدوا أول دولة لهم وخلقوا قيماً حضارية ذات مغزى قومي عالمي، وأعطوا العالم كتاب الكتب الأزلي".

والإشارة هنا إلى ميلاد الشعب اليهودي الذي يمكن تعريفه دينياً أو علمانياً، وإلى هويته التي يمكن تعريفها على أسس روحية (والكلمة تعني في الأدبيات الصهيونية «إثنية لادينية» إذ تجري الإشارة إلى صهيونية آحاد هعام على أنها «صهيونية روحية») أو على أسس دينية أو سياسية عامة. و«كتاب الكتب الأزلي» أي «الكتاب المقدَّس» يُشار إليه باعتباره الكتاب الذي أعطاه الشعب اليهودي للعالم (دون تحديد ما إذا كان جزءاً من فلكلور هذا الشعب أو مُرسَل من الإله). ونجد في برنامج القدس (1968) استمراراً للصيغ المبهمة نفسها، فإسرائيل قامت على أساس رؤية الأنبياء للعدل والسـلام التي يمـكن أن تكــون مُرسَلة من الإله أو تكون من صنع البشر. كما يشير البرنامج إلى ضرورة الحفاظ على هوية الشعب اليهودي من خلال تشجيع التربية اليهودية والعبرية والقيم الروحية والثقافية اليهودية. ولعل الإشارة إلى التربية اليهودية والعبرية هي في واقع الأمر إشارة إلى التربية الإثنية الدينية والعلمانية.

الصهيونية الإثنيـة الدينية
Religious Ethnic Zionism
»الصهيونية الإثنية الدينية» تيار صهيوني يتقبل معظم مقولات الصهيونية الأساسية الشاملة بعد إدخال ديباجة إثنية دينية عليها. وحينما ظهرت الصهيونية برفضها العميق لليهود واليهودية تَصدَّى لها كثير من المتدينين (الأرثوذكس والإصلاحيين)، باعتبارها هرطقة وكُفراً وإلحاداً ونكوصاً. وإذا كان الصهاينة قد أعلنوا عزمهم غزو الجماعات اليهودية، فإنهم قد قرروا أن يُغيِّروا اليهودية نفسها ويعلمنوها من الداخل حتى ولو لم يعلنوا عن ذلك. ولعل مما يسَّر هذه العملية عدة عوامل من أهمها أن اليهودية نفسها في أواخر القرن التاسع عشر كانت تمر بأزمة حادة بعد خروجها من الجيتو. فعالم الأغيار في الغرب قد أثبت جاذبيته الشديدة، كما أن اليهودية كانت قد أجادت التعامل مع العالم من داخل أسوار الجيتو والعزلة، ولكنها لم تكن بعد قد أجادت التعامل معه في إطار الإعتاق والاستنارة والمساواة.

ولعل زيادة علمنة المجتمع الغربي وانتشار العلم والتكنولوجيا قد جعلا استمرار اليهودية صعباً، وخصوصاً أن اليهودية الحاخامية كانت قد تجمدت وأصبحت مثل القشرة اليابسة. وقد تهاوت مع اليهودية المؤسسات التقليدية التي ساعدت الحاخامات وأثرياء اليهود على إحكام قبضتهم على جماهير اليهود، مثل القهال. وقد ساهمت حركة التنوير في خلق جيل جديد من شباب اليهود الذي كان يتحـرك بيُسر بين عالـم اليهـود وعـالم الأغيار ويجيد علوم الغـرب، وأصبحت القــيادة الحاخامية معزولة عن هذا الوضع الجديد. ومما زاد الأمور سوءاً أن اليهودية نفسها كانت منقسمة بحدة إلى المؤسسة الحاخامية التقليدية والحركة الحسيدية التي اكتسحت شرق أوربا، وهي حركة حلولية متصوفة تمثل احتجاجاً على وضع اليهود، وعلى جفاف العقيدة التلمودية. وقد أحست المؤسسة الدينية بأن الوضع آخذ في الانهيار. وربما كان أكبر دليل على ذلك انتشار اليهودية الإصلاحية وما تبع ذلك من زيجات مُختلَطة، حتى أن الحديث عن اختفاء اليهود كان مطروحاً بين علماء الاجتماع في الغرب.

في هذا السياق، كان للعقيدة الصهيونية في صياغتها المراوغة (المتمثلة في برنامج بازل) بريقها. فهي، رغم هجومها على اليهود واليهودية، قد استخدمت كل الرموز التقليدية من عودة إلى صهيون والأرض المقدَّسة والشعب المقدَّس. ودولة اليهود التي تحدَّث عنها هرتزل تُشبه في نهاية الأمر الجيتو والقهال من بعض الوجوه، فهي دولة بدون أغيار. وكان أعضاء المؤسسة الدينية يدركون مدى حدة معاداة اليهود في أوربا عامة، وأكثر من هذا مدى خطورة الاندماج والعلمانية. ولذا، فلم يكن من العسير عليهم أن يأخذوا بالصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة المُهوَّدة (بعد صهينة اليهودية(

وعلى كلٍّ، فإن هرتزل نفسه لم يمانع في إنشاء حزب ديني بل رحب به قبل فاته، وقام بتمويل حزب مزراحي، حيث أدرك أنه لا تعارض حقيقياً بين صهيونيته الدبلوماسية التي تهدف إلى إخلاء أوربا من يهودها وبين الخطاب الإثني الديني. كما أن دعاة الصهيونية الدبلوماسـية وجـدوا أنه قد يكون من المفيد اسـتخدام الدين لتجنـيد اليهود، بل إزالة الفوارق بين الصهيونية واليهودية في نهاية الأمر بحيث يتم تهويد الصهيونية وصهينة اليهودية. وقد اتخذ المؤتمر الصهيوني الخامس (1901) قراراً بتأسيس حركة دينية تُسهم في تثقيف اليهود بروح القومية اليهودية، أي تُظهر التلاحم الكامل بين القومية والدين.

وقد طوَّر الصهاينة الدينيون هذا البرنامج، فطرحوا الأفكار الدينية التقليدية كافة بعد تفريغها من بُعدها الأخلاقي وتأكيد بُعدها الإثني، فأعادوا صياغة فكرة العودة بطريقة تتفق مع متطلبات الاستيطان الصهيوني، فتم تفسير الاستيطان (أو العودة الجسدية الفعلية إلى فلسطين) الذي كان يُعَدُّ هرطقة من المنظور الديني التقليدي باعتباره مجرد إعداد لعودة الماشيَّح. بل إن فكرة القومية العضوية نفسها تم التعبير عنها من خلال الصيغة الحلولية، فالصهاينة الدينيون يرون أن اليهود أمة ولكنهم أمة تختلف عن بقية الأمم لأن الإله هو الذي أسسها بنفسه، فهم يدورون في إطار المفهوم الحلولي الخاص بوحدة التوراة والأمة وأن اليهود كشعب لا يمكنه الاستمرار بدون التوراة. وأن هذه الوحدة، مع هذا، لا يمكن أن تأخذ شكلها الكامل خارج فلسطين، أي أن عناصر الثالوث الحلولي: الأمة والكتاب والأرض لابد أن تلتحم، وبالتحامها تنبجس عبقرية الأمة كالينبوع الذي تعود له الحياة فجأة، والذي لا تملك البشرية الخلاص دون فيضه السخي. وهذه الفكرة هي فكرة القومية العضوية نفسها بعد أن اكتسبت ديباجة دينية حلولية.

بل إن مفكري الصهيونية الدينية كانوا من المؤمنين بأن علمانية الصهيونية الظاهرة هي مجرد وهم، وأنها مجرد إطار ساهم هو نفسه في إحكام قبضة القيم الإثنية الدينية على الوجدان اليهودي، وأن المشروع الصهيوني سَيسقُط في يد الصهاينة الدينيين. وبهذا، تكون الصهيونية الدينية قد سوَّغت الصهيونية للمتدينين ولكنها تكون في الوقت نفسه قد قامت بصهينة الدين اليهودي حتى أصبح لا يختلف كثيراً عن الصياغة الإثنية التي طرحها آحاد هعام والتي لا تتعارض بأي شكل مع الصياغة الدبلوماسية التي طرحها هرتزل.

وكما هو مُتوقَّع، نشب صراع حاد بين الصهاينة الإثنيين الدينيين والصهاينة الإثنيين العلمانيين، فهم يتحركون في المجال نفسه، منطقة الوعي وإدراك الهـوية ومعنى الوجود. وقـد كان الصراع حـاداً منذ البداية، منذ أحباء صهيون، واستقرت حدته بعد ظهور هرتزل داخل المؤتمرات الصهيونية المختلفة، وقد هدأت الأمور قليلاً بعد وعد بلفور وتقسيم مناطق النفوذ بين الصهيونية العمالية التي تبنت الصيغة الإثنية العلمانية والصهيونية الدينية التي مُنحت الإشراف على المدارس الدينية وعلى المحاكم وبعض المؤسسات الأخرى. ومع ظهور أزمة الصهيونية وظهور مشكلة الشرعية داخل المُستوطَن الصهيوني بعد عام 1967، بدأ الاتجاه الإثني الديني يتغلب على الاتجاه الإثني العلماني حتى بدأ كثير من أعضاء النخبة الحاكمة في إسرائيل يدَّعي التدين ويستخدم مصطلحاً إثنياً دينياً، وأخيراً ظهر مائير كهانا وهو من أكبر دعاة الصهيونية الإثنية الدينية وهي صهيونية مُفرَّغة تماماً من أي مضمون خلقي أو ديني.

والصهيونية الدينة في الوقت الحاضر هي العمود الفقري لليمين الصهيوني، والأرثوذكس هم طليعة الاستيطان في الضفة الغربية ودعاة صهيونية الأراضي بعد أن أصبحت الأرض هي مركز القداسة ، وأصبح التنازل عن أي شبر منها كفر وهرطقة (على عكس الأرثوذكس في الماضي الذين كانوا يرون العودة للأرض باعتبارها كفراً وهرطقة(

وأهم مفكري الصهيونية الإثنية الدينية هما موهيليفر وكوك. وتسيطر المؤسسة الصهيونية الدينية الآن على جمهور ثابت في الشارع الإسرائيلي عن طريق توليها شئون الدين والزواج والطلاق وشبكة واسعة من المدارس والمعاهد الدينية والمؤسسات المالية وحركات الاستيطان التابعة لها.

والمشكلة الكبرى التي تواجهها الصهيونية الإثنية الدينية الآن أن أغلبية يهود العالم الساحقة ليست أرثوذكسية، كما أنها تعيش في مجتمعات علمانية تحقق لها قسطاً كبيراً من الحرية، ولذلك يصدمهم سلوك هذه المؤسسة التي تصر على الخطاب الإثني الديني وعلى تطبيق مقولاته، وتظهر المشكلة دائماً في شكل سؤال: من هو اليهودي؟
مزراحي (حركة(
Mizrahi
»مزراحي» هو مزج لكلمتي «مركز» و«روحاني»، وهما كلمتان عبريتان تطابقان في النطق والمعنى مثيلتيهما العربيتين. وقد طرحت الحركة شعار "أرض يسرائيل لشعب يسرائيل حسب شريعة وتوراة يسرائيل"، كما لُخِّص الشعار في عبارة «توراه وعفوداه»، أي «التوراة والعمل»، ومعناها أن على الصهيوني الحق المتدين أن يتعلم الشـريعة اليهـودية وأن يعمل بنشـاط من أجــل إعادة بناء إسرائيل.

وقد أُثيرت قضية الدين في المؤتمر الصهيوني الثاني (1898). وكان رد القيادة السياسية (العلمانية) هو أن الدين مسألة شخصية وأن المنظمة الصهيونية العالمية ليس لديها موقف رسمي منه. وقد كان هذا الموقف مقبولاً من المتدينين طالما لم يتوجه المشروع الصهيوني إلا للقضايا السياسية والاقتصادية، وهي قضايا تقع خارج نطاق الإثنية والعقيدة. ولكن حينما تَقرَّر (بناءً على طلب العصبة الديموقراطية) في المؤتمر الخامس (1901) أن تُشرف المنظمة على برنامج تربوي يقوم بعملية تعليم اليهود روح القومية (الإثنية) اليهودية بالمعنى العلماني الذي حدده آحاد هعام ودعاة الصهيونية الإثنية العلمانية، شعر المتدينون بأن هذا قد يؤدي إلى القضاء على اليهودية. وهنا قرر الحاخام يعقوب راينس عام 1902 تأسيس حزب ديني قوي داخل المنظمة الصهيونية.

وفي العام نفسه، عُقد مؤتمر منسك الذي نظمه اليهود الروس وقد تم فيه الاعتراف بالاتجاهين الإثنيين: الديني والعلماني. وحينما اندلع الخلاف بينهما، تم حسمه عن طريق إقامة لجنتين متوازيتين إحداهما إثنية دينية والأخرى إثنية علمانية. وعندئذ قرَّر الصهاينة المتدينون إنشاء منظمة تُدعَى مزراحي. وقد قرَّرت مزراحي القيام بنشاط ديني داخل المنظمة وفي إطار الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة المتهودة (برنامج بازل)، وهذا بمقتضى القرار الذي صدر في المؤتمر الخامس الذي سمح بتكوين اتحادات مستقلة داخل المنظمة. وعقدت منظمة مزراحي أول مؤتمر لها عام 1903، وعبَّر فيه بعض المتدينين عن اعتراضهم على قرارات منسك التي تضمنت الاعتراف بالصهيونية الإثنية العلمانية.

وفي عام 1904، عُقد أول مؤتمر عالمي لحركة مزراحي ضم 100 مندوب، وهناك تمت صياغة برنامج الحركة الذي نص على الالتزام ببرنامج بازل وبالتوراة وبتنفيذ الأوامر والنواهي والعودة إلى أرض الآباء والبقاء داخل المنظمة الصهيونية ونشر الوعي الديني الإثني. ثم تم نقل مقر الرئاسة إلى فرانكفورت عام 1905، وهو العام الذي تم فيه الاعتراف بالمزراحي كتنظيم مستقل داخل المنظمة الصهيونية.

وقد بدأت مزراحي نشاطها التثقيفي الواسع فنقلت نشاطها إلى فلسطين، وأنشأت أول مدرسة دينية عام 1908. وحينما أُثيرت قضية النشاط الصهيوني الثقافي في المؤتمر العاشر (1911)، انسحب وفد مزراحي منه، ولكن تقرَّر بعد ذلك معارضة النشاط الثقافي دون الانسحاب من المنظمة.

وانتقل مركز مزراحي إلى الولايات المتحدة عام 1913 ـ 1914، فتَوقَّف نشاطها لبعض الوقت في أوربا ولكنها عاودت النشاط مرة أخرى بعد وعد بلفور وأصبح لها فرع استيطاني. وقد تم تنظيم دار الحاخامية الأساسية والمحاكم الدينية اليهودية التي تسيطر عليها مزراحي، ثم تم تأسيس عمال مزراحي (هابوعيل هامزراحي) في القدس عام 1921، وأصبح للحركة بالتالي منظمتها الاستيطانية فأقامت أول مستوطنة تعاونية (موشاف) تابعة للحركة عام 1925 وأول مستوطنة جماعية (كيبوتس) عام 1930. وتمكنت الحركة من مد نفوذها عن طريق استيعاب أولاد المهاجرين وإيوائهم في المدارس الفنية والزراعية التابعة للحركة. وتتميَّز حركة مزراحي بالمقدرة على التنازل في الأمور الدينية، وهو ما أتاح التعاون بسهولة بينها وبين الصهيونية العمالية.

ولحركة مزراحي فروع في كل العالم، ولها تنظيم نسائي وآخر شبابي. وترجمت الحركة نفسها في الداخل إلى أحزاب دينية تتبعها منظمات شبابية ونسائية. والمؤتمر العام للحركة يتكون من مجلس مزراحي العالمي (الذي يمثل يهود الخارج) واللجنة التنفيذية المشتركة لمزراحي وهابوعيل هامزراحي (الذي يمثل يهود الداخل). ويتبع الحركة في الداخل عدة مدارس ومعاهد تعليمية وجامعة بار إيلان وعدد من المزارع الجماعية ومذابح شرعية ومؤسسات مالية مثل بنك هامزراحي وبنك هابوعيل هامزراحي وشركات بناء مساكن.

وقد اندمج حزبا مزراحي وهابوعيل هامزراحي وكونا حزب المفدال (الحزب الديني القومي) الذي اشترك في كل الحكومات الائتلافية في إسرائيل. وكان الحزب،حتى عام 1967، قد حصر اهتمامه في استصدار التشريعات التي تمس الجوانب الدينية وحسب. ولكن بعد ذلك التاريخ سيطرت عليه تلك العناصر التي تدافع عن الاحتفاظ بأرض إسرائيل الكاملة، وهو الأمر الذي أدى إلى توسيع نطاق اهتمام الحزب بحيث أصبح يشمل كل السياسات الداخلية والخارجية.وقد انضم الحزب إلى وزارة الليكود عام 1977 و1981 وأيَّد سياسات مناحم بيجين،أي أن الحزب القومي الديني أصبح عنصراً أساسياً في اليمين الديني.

أجودات إسرائيل
Agudat Israel
تأسَّست حركة أجودات إسرائيل عام 1912 كتنظيم ديني يضم جميع الجماعات الدينية الأرثوذكسية في ألمانيا وبولندا وليتوانيا (كمجموعة متحدة) ضد الحركة الصهيونية لمحاولة تغيير بنية ومضمون الحياة اليهودية. كما تصدَّت الحركة للحركات العلمانية الأخرى كافة، مثل البوند واليهودية الإصلاحية. وبعد بداية متعثرة اتخذ المؤتمر الصهيوني العاشر (1911) قراراً بضم مشاريع ثقافية (علمانية) ضمن برامجها، مما أدى إلى انسحاب بعض المندوبين الألمان وانضموا لجماعـة أجودات إسـرائيل، الأمر الذي أعطاها قوة دفع شديدة.

وقد تكونت الحركة من خلال ثلاثة عناصر أساسية:

1 ـ الأرثوذكسية الجديدة الألمانيةمن أتباع سمسون هيرش،وهؤلاء كانوا يحاولون تنفيذ كل التعاليم الدينية وإقامة كل الشعائر مع شيء من التكيف مع البيئة غير اليهودية التي يعيش فيهااليهود.

2 ـ الأرثوذكسية المجرية.

3 ـ الأرثوذكسية البولندية.

وهذان الفريقان الأخيران كانا يضمان العناصر الحسيدية وحاخامات الأكاديميات الليتوانية،وكانا يعارضان تبني المعارف الغربية . وكان أتباع الأرثوذكسية الألمانية والمجرية يرون أن الجماعات الأرثوذكسية يجب أن تفصل نفسها تماماً عن الجماعات اليهودية غير الأرثوذكسية، على عكس أتباع الأرثوذكسية البولندية وبعض قيادات الأرثوذكسية الألمانية فكانوا يرفضون هذا الموقف.

وقد أعلنت الحركة أن برنامجها هو توحيد شعب إسرائيل حسب تعاليم التوراة بجميع مظاهر الحياة الاقتصادية والسياسية والروحية. وقد أسس المؤتمر التأسيسي ما يُسمَّى مجلس القيادات التوراتية، مهمته التأكد من عدم جنوح تنظيم أجودات إسرائيل عن تعاليم التوراة. وأقامت الجمعية فرعاً لها في فلسطين عام 1919، كما أقامت عام 1922 حركة عمالية في بولندا لمنع العمال من الانضمام للأحزاب الصهيونية. وقد أخذت الحركة شكلاً عالمياً عام 1927 حين افتتحت فروعاً في نيويورك ولندن والقدس. كما عارضت الحركة الاستيطان في فلسطين باعتباره تحدياً للأوامر الإلهية، ذلك أن تجميع المنفيين لا يمكن أن يتم إلا بمشيئة الإله وفي الوقت الذي يحدده.

وقد قامت الجمعية بنشاط ضد الاستعمار الصهيوني والإنجليزي بالاشتراك مع العرب والمستوطنين اليهود المتدينين، وقامت بحملة إعلامية ضد الاستعمار الصهيوني إلى أن سقط أحد قوادها (جيكوب دي هان) صريعاً برصاص الصهاينة.

ولم تـعترف المنظمة بالمُسـتوطَن الصهيوني ولا بالحاخاميـة الأساسية، وكان لها محاكمها الحاخامية الخاصة، وطالبت السلطات البريطانية بالاعتراف بها كجماعة دينية يهودية مستقلة ولكن رُفض هذا الطلب.

ومع الثلاثينيات، شهدت فلسطين وصول أعداد كبيرة من أعضاء الجمعية من بولندا. وقد وجد هؤلاء أن من الصعب عدم الاشتراك في النشاطات الصهيونية السياسية والاقتصادية، كما وصل يهود من الأرثوذكس الجدد ومن العناصر العلمانية من ألمانيا.

وقد تم التحول عام 1937 في مؤتمر الجمعية إذ تَغلَّب التيار الصهيوني الذي يعارض عودة اليهود إسماً ولكنه يرى مع هذا ضرورة العودة لفلسطين للإعداد لمقدم الماشيَّح. وتعاونت حركة أجودات مع المنظمة الصهيونية، فظهر مندوبوها أمام اللجنة الملكية (لجنة بيل وشو) وصرحوا بأن وعد بلفور والانتداب يتفقان مع روح الوعد الإلهي بالخلاص، أي أنها تبنت الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة بعد إلباسها الديباجة الأرثوذكسية.

وفي عام 1944، أقام حزب أجودات إسرائيل مزرعة جماعية (كيبوتس) بأموال الصندوق القومي اليهودي، وانضم أعضاء الحزب إلى منظمة الهاجاناه. ثم تعمَّقت العلاقة بهذا الاتفاق الذي صاغه بن جوريون وهو الاتفاق المعروف باسم «اتفاق الوضع الراهن» الذي بموجبه حصلت الحركة الصهيونية على تأييد الصهاينة المتدينين شريطة أن تحافظ الدولة الصهيونية الجديدة على "الوضع الراهن" كما هو في الأمور الدينية. وعشية قرار التقسيم بدأت أصوات مؤيدة لقيام إسرائيل ترتفع أكثر وأكثر داخل معسكر الأجوداه. وقد فسرت قرارات الأمم المتحدة وتعاطف المجتمع الدولي مع اليهود بأنها من مظاهر العناية الإلهية. وبدأ التوجه العام في أوساط اليهودية الأرثوذكسية ينتقل بالتدريج إلى موقف متوازن: الاعتراف الواقعي «دي فاكتو de facto» بالدولة بدون منحها اعترافاً قانونياً «دي جوري de jure»، أي الرفض الأيديولوجي للدولة والتعامل مع مؤسساتها في آن واحد، أي أن الدولة الصهيونية لم تعد لها أية دلالة دينية خاصة، فهي مجرد مؤسسة يحكم عليها بمقدار ما تقرب الشعب إلى الإله والتوراة. واشترك حزب أجودات في المجلس المؤقت وفي العملية السياسية. ومع هذا، استمرت أجودات إسرائيل في التمحك بالمصطلح الديني الرافض للصهيونية، ورفضت التحدث عن الدولة فكانت تشير لها بأنها «السلطات اليهودية في فلسطين».

ويشير عزمي بشارة إلى أنه عندما ثار نقاش بين قيادة أجودات إسرائيل في فلسطين وقيادتها في الولايات المتحدة، التي عارضت الانضمام إلى الحكومة المؤقتة، كان تبرير القيادة المحلية لمشاركتها منطلقاً من موقف الضعف، موقف الأقلية المضطرة إلى الانضمام إلى الحكومة لتأمين مصالحها ـ لكن التطور استبدل منطق الضعف بمنطق القوة،منطق السلطة والتأثير فيها فيما بعد، لا لتأمين الحريات الدينية وإنما من أجل فرض الشرائع الدينية على الحياة اليومية للأكثرية العلمانية، ومن أجل تأمين المصادر المالية لمؤسسات الحركات الدينية من مدارس دينية وجمعيات خيرية ومراكز صحية وغير ذلك.

ثم تزايدت معدلات الصهينة بعد عام 1967 حينما أصبح اليهود الأرثوذكس من غلاة المدافعين عن الاحتفاظ بأرض إسرائيل الكاملة ومن دعاة صهيونية الأراضي (انظر: «صهينة العناصر الدينية الأرثوذكسية بعد عام 1967»)

وقد ترجمت الحركة نفسها إلى حزب أجودات إسرائيل وعمال أجودات إسرائيل في الداخل، وينصب اهتمامها على الشئون الثقافية والتربوية. وقد شهد التيار الديني الصهيوني بعض الانقسامات داخل الدولة الصهيونية فتم تأسيس حزب ديغل هتوراه (لواء التوراة) الذي يمثل الطوائف اللتوانية (المتنجديم)، ويوجد كذلك حزب شاس الذي يمثل السفارد. وقد تحوَّلت حركة أجودات إسرائيل المناوئة للصهيونية إلى حركة عنصرية ذات ديباجة دينية تلعب دوراً خطيراً في تنشئة الأجيال الجديدة في إسرائيل على كره العرب وتفرض عليها الخطاب الإثني الديني. ولا يزال هناك جناح صغير من أجودات إسرائيل يتمسك بموقفه الديني القديم ويناوئ الصهيونية ألا وهو جماعة الناطوري كارتا.

إلياهــو جوتماخــر (1795-1874(Elijah Guttmacher
حاخام صهيوني وُلد في بوزن. درس القبَّالاه وعمل كحاخام في عـدة أماكـن من بينها جراتز في النمسـا (منذ عام 1840 إلى تاريخ وفاته)، حتى أن العديد من اليهود كانوا يحجون إليه. وقد كان جوتماخر من الحاخامات القلائل الذين قاموا بصهينة الفكرة المشيحانية.

رفض جوتماخر فكرة انتظار الماشيَّح، ودعا إلى توجيه كل الجهود من أجل الإسراع بالخلاص وذلك عن طريق العمل البناء في أرض إسرائيل تمهيداً لمجئ الماشيَّح. وقد أعلن أنه "يجب على الأغنياء من شعبنا أن يشتروا الأرض في فلسطين لتوطين فقراء اليهود هناك، فتلك المسألة هي حجر الأساس للخلاص الكامل". وقد كانت فكرة استخدام أموال الأغنياء اليهود لتوطين فقراء اليهود في فلسطين هي الفكرة التي بُنيت عليها جمعية أحباء صهيون التي عارضت الحاخامات الأرثوذكسيين الاندماجيين.

تسـفي كاليشـر (1795-1874(Tzvi Kalischer
حاخام بولندي روسي، ومن أوائل دعاة الصهيونية. وُلد في مدينة ليسا، وهي مدينة بولندية ضمتها بروسيا. ومع أن غالبية السكان كانت تتحدث البولندية، فإن الأقلية الألمانية كانت مهيمنة. وكانت السلطات البروسية تصنف اليهود الذين يتحدثون اليديشية على أنهم ألمان لزيادة عدد الأقلية الألمانية. وكان هذا مصدر غبطة لليهود الذين كانوا ينظرون إلى ألمانيا باعتبارها وطنهم الروحي، وقد أدَّى ذلك إلى التوتر بين اليهود والبولنديين، ولذا فقد كانت حركات التحرير البولندية القومية تنظر إلى اليهود باعتبارهم أقلية عميلة. وكانت المقاطعة أيضاً في منطقة حدودية بين يهود ألمانيا المندمجين ويهود اليديشية، ولذا فقد كانت حياة أعضاء الجماعة اليهودية فيها خليطاً من الحياة التقليدية السائدة في شرق أوربا والحياة اليهودية العصرية السائدة في غرب أوربا. وقد بدأت الحياة الفكرية عند كاليشر مع بدايات اليهودية الإصلاحية، فهاجمها مدافعاً عن القيم التقليدية، وخصوصاً فكرة الماشيَّح وأرض الميعاد.

وكتاب كاليشر السعي لصهيون (1862) هو أول كتاب ظهر في شرق أوربا عن موضوع الاستيطان الزراعي وفلسطين، وهو مكتوب بالعبرية التقليدية الجامدة.

ينطلق كاليشر من الرؤية الحلولية العضوية، فيقترح على اليهـود أن يطـرحوا الفكرة الدينية التقليدية جانباً ويأخذوا بزمام الأمور. وبدلاً من الانتظار السلبي للماشيَّح عليهم أن يعودوا بأنفسهم، فالعودة لن تتم بهجرة فجائية وخلاص إسرائيل سيأتي بأناة. والخلاص على الطريقة الحديثة سيبدأ بعودة بعض اليهود واستيطانهم الأرض المقدَّسة، على أن يتم ذلك بدعم الأمم وبموافقتها وبدعم المحسنين من أثرياء الغرب الذي سيحاولون الحصول على براءة من السلطان العثماني. ويمكن أن تُرسَل الصدقات (حالوقاه) لليشوف (المُستوطَن الديني التقليدي في فلسطين)، ولكن يجب أن تتكون مؤسسة هدفها تشجيع الاستيطان في الأرض المقدَّسة يمولها أثرياء اليهود وتقوم بشراء المزارع والكروم وجني ثمارها.

ويثير كاليشر قضية تطبيع الشخصية اليهودية ودمج اليهود في مجتمع الأمم. فبعد الاستيطان سيتحمس المستوطنون للعمل في الأرض بأيديهم، كما ستعمل سياسة الاستيطان على كسب احترام الأمم الأخرى لليهود، فهم سيقولون إن أعضاء جماعة يسرائيل لديهم الإرادة أن ينقذوا أرض أجدادهم التي أصبحت قاحلة ومهجورة. ثم يطلب كاليشر في نهاية المقال من اليهود أن يقتدوا بالأغيار "لماذا يضحي شعب إيطاليا وشعوب العالم من أجل أرض آبائهم ونحن لا نعمل شيئاً؟ لنقتد بالإيطاليين والبولونيين والمجريين [أصحاب القوميات العضوية] الذين ضحوا بكل شيء من أجل الاستقلال".

إن الإطار هنا زماني دنيوي، فالعودة ستتم في الزمان وستستخدم آليات زمانية لتحقيق أهداف زمانية كتطبيع اليهود، وتحسين صورتهم، والحصول على أرض الأجداد. ولكن كاليشر، على طريقة الصهاينة الدينيين، يتدارك ويضيف ديباجة إثنية دينية، فاليهود يجب أن يكافحوا من أجل أرضهم لأن هدفهم ليس إحياء مجد الأسلاف وحسب وإنما العمل على إحياء مجد الإله الذي اختار صهيون.

ويقول كاليشر أيضاً: "إذا قدَّمنا الخلاص للأرض بهذه الطريقة الدنيوية، فسوف تظهر لنا علامات الخلاص تدريجياً وسيسمع الإله للمستوطنين وسيسرع بيوم خلاصهم". وقد تَوصَّل كاليشر إلى صيغة الصهيونيتين، فقد أدرك من البداية أنه لن يهاجر سوى بعض اليهود وسيبقى الكثيرون في الخارج، وسيقوم المحسنون الأثرياء منهم بدعم المستوطنين. بل يبدو أن كاليشر اكتشف أيضاً الديباجات العمالية إذ يقول: "وشكل الاستيطان سيكون تعاونياً إذ سيتجمع يهود من روسيا وبولندا وألمانيا [وليس من الغرب المندمج] ويتلقون أجورهم من الشركة اليهودية ويتعلمون الزراعة تحت إشراف معلمين تعينهم الشركة. وبعد أن يتعلم الفرد منهم الزراعة سيُعطَى قطعة من الأرض يزرعـها وسـتموله الشــركة وستمول العملية كلها".

وكتاب كاليشر من الوثائق الصهيونية الأولى التي حاولت تغييب العرب. فبعد أن استوطن فلسطين، اقترح أن يقوم المستوطنون بتنظيم جماعات حراسة تجمع بين العمل الزراعي والعسكري للدفاع عن النفس. ونجد في كتابات كاليشر الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة ونجد الملامح الأساسية للديباجة الإثنية الدينية والعلمانية بل العمالية، ولكن المشكلة الأساسية بالنسبة له (وبالنسبة لكل الرواد الصهاينة) أنهم كانوا يخلطون بين المشروع الذي يقترحونه، وهو مشروع استعماري، وبين مشاريع يهود الغرب لتوطين اليهود. فيهود الغرب لم يكونوا مهتمين بالمشروع الصهيوني إلا كمشروع لإنقاذ شرق أوربا والتخلص منهم. أما المضمون السياسي لهذا المشروع، فقد كانوا يرفضونه تماماً. كما أن كاليشر لم يدرك حدود الحركة، فأثرياء الغرب يمكنهم التوسط لدى حكوماتهم أو لدى الدولة العثمانية للإفراج عن اليهود أو رعاية أحوالهم، ولكنهم لم يكن في مقدورهم أن يطلبوا من حكوماتهم أن تتوسط لدى الباب العالي ليأذن لليهود باستيطان فلسطين.

وقد وقع هرتزل في هذا الخطأ في البداية، ولكنه تدارك الأمر وطرح مشروعه على الدول الاستعمارية مباشرةً. وقد ساعدته الظروف التاريخية إذ أن الدولة العثمانية كان قد تقرَّر تقسيمها. وقد قرأ هس عن كتاب كاليـشر، بعد أن كان قد فــرغ من مؤلفـه، فنوَّه بــه.

بدأ النشاط العملي عند كاليشر عام 1836 بالكتابة إلى عميد الأثرياء اليهود في العالم (روتشيلد) في برلين ليشرح له نظريته الجديدة عن الخلاص دون انتظار الماشيَّح. وحين تأسست جمعية رعاية الاستيطان اليهودي في فلسطين في ألمانيا، انضم إليها. وفي عام 1864، كان كاليشر المسئول عن تأسيس اللجنة المركزية لاستعمار فلسطين في برلين. ثم ساهم في إقامة بعض الجمعيات الزراعية الاستيطانية، كما ساهم في توجيه نشاط الأليانس نحو إنشاء مدرسة زراعية (مكفاه إسرائيل) في فلسطين عام 1870.

يهــودا القلعـــي (1798-1878(Yehudah Alkalai
حاخام ورائد من رواد الفكر الصهيوني. وُلد في سيراييفو (في البوسـنة والهرسـك) والتي كانت جــزءاً من الدولة العثمانية آنذاك، وفي وقت كانت فيه شبه جزيرة البلقان تمور بالصراعات القومية الحادة بين الصرب والبلغار والرومانيين. وكانت يوغسلافيا تُعَدُّ النقطة التي يلتقي فيها السفارد بالإشكناز، وتقع داخل الدولة العثمانية على مقربة من الإمبراطورية النمساوية وكلتاهما كانت إمبراطوريات تتعدد فيها الجماعات الإثنية والدينية.

عمل حاخاماً للسفارد في ريمون، وكان متأثراً منذ صباه بالنزعات الصوفية القبَّالية، فكان من المؤمنين بأن عام 1840، وهو عام مؤتمر لندن الذي وضع حداً لآمال محمد علي في الاستقلال، سيكون بداية الخلاص المشيحاني. ولكن النبوءة لم تتحقق، فاضطر إلى أن يُعدِّل من موقفه من فكرة الماشيَّح.

ولا تتسم كتابات القلعي بالتماسك أو التحدد أو التبلور، فقد كان يكتب بالعبرية التقليدية، وهي لغة شديدة الجمود، كما أن إطاره الفكري كان تقليدياً إلى أقصى حد. ومع هذا، فإن كتاباته هذه تشكل جزءاً من التراث الفكري الصهيوني في مرحلته الجنينية.

إن نقطة انطلاقه، شأنه شأن كل الصهاينة الإثنيين الدينيين، هي رؤية حلولية عضوية تجعل الإله يحل في الشعب والأرض ومؤسساته القومية بحيث يصبح هو مصدر التماسك العضوي بينهما. فاليهود لا يليق بهم أن يُلقَّبوا «يسرائيل» إلا إذا كانوا في أرض يسرائيل، وبذلك تكون الرؤية الحلولية قد اقترنت بفكرة القومية العضوية السائدة في أوربا خارج إنجلترا وفرنسا.

لهذا، لم يجد القلعي صعوبة كبيرة في المزاوجة بين الرؤية العضوية العلمانية والرؤية الحلولية الدينية. يذهب القلعي إلى أن اليهود يجب أن يتدخلوا بأنفسهم في مسار الأحداث بدلاً من انتظار عودة الماشيَّح، ويقوموا بتحديد الطريقة المناسبة للعودة وزمانها. واستناداً إلى بعض النصوص الحلولية وطرق التأويل المختلفة مثل الجماتريا، يقول القلعي إنه كخطوة أولى "يجب أن نعمل على إعادة اثنين وعشرين ألفاً إلى الأرض المقدَّسة. فهذه تهيئة ضرورية لحلول دلالات أخرى". فالخلاص لا يمكن أن يتم فجأة، والأرض يجب أن تُبنَى وتُعَدُّ وتُجَهَّز بالتدريج. وحتى يضفي شرعية على رؤيته الجديدة، فإنه يشير إلى عقيدة الماشيَّح الأول (المسيح بن يوسف) الذي سيشترك في حرب يأجوج ومأجوج وسيحاول تحرير أرض يسرائيل من الكفرة ولكنه سيَسقُط في المعركة، وبعد هذا سيأتي الماشيَّح الثاني والنهائي (المسيح بن داود). وهو يفسر وجود الماشيَّح الأول بأنه يعني ضرورة أن يسبق العصر المشيحاني النهائي إعداد دنيوي إنساني. ثم يضيف أنه يجب النظر لرؤية الماشيَّح بن داود على أنها مجــاز، فهي عملية ستأخذ في الأزمنة الحديثة شكل قيادة سياسية، ولذا سيبدأ الخلاص باليهود أنفسهم، هؤلاء الذين يجب أن يملكوا زمام أمورهم بأنفسهم ويُعجِّلوا بالنهاية (وهذا الموقف يُعَدُّ من المنظـور الحاخــامي التقليدي شكلاً من أشكال الهرطقة والتجديف(

وعملية تغيير متتالية الخلاص التقليدية (الماشيَّح ـ العودة ـ الخلاص) إلى متتالية جديدة (العودة للإعداد لوصول الماشيَّح ـ الماشيًَّح ـ الخلاص) هي الطريقة التي لجأت إليها الصهيونية الإثنية الدينية لصهينة أو تحديث اليهودية، ومن ثم أصبح بإمكان الصهاينة الملحدين أن يُسمُّوا أنفسهم يهوداً إذ أنهم يشاركون في عملية الاستيطان الصهيوني التي أصبحت عملية دينية هدفها الإعداد لمقدم الماشيَّح.

وقد تَوصَّل القلعي لفكرة الصهيونيتين، فبيَّن أن بعض اليهود الفقراء سيهاجرون إلى فلسطين (صهيونية استيطانية) وسيبقى يهود عديدون في الخارج في أرض الشتات بعض الوقت "لمساعدة المستوطنين الأوائل في فلسطين"، أي أنه قام بتقسيم يهود العالم حسب الدور الذي سيلعبونه في الحركة الصهيونية. كما أنه تَوصَّل إلى أهمية إدخال الصيغة الإثنية على الصيغة الصهيونية. ويواكب ذلك بعث اللغة العبرية، فكـل جاليـة يهودية تتكلم لغة تختـلف عن الأخرى ولكل منها عادات مختلفة. وهو يرى أن العبرية يجب أن تكون أساس عملنا التعليمي بمعنى أنها ستكون لغة الدنيا لا لغة الدين كما كان يصر المتدينون.

ثم يقترح القلعي تعيين مجلس من الوجهاء أو الحكماء يأخذ شكل مجلس يهودي عالمي أو منظمة يهودية عالمية للإشراف على عملية الهجرة وللحصول على تصريح من السلطان. ويقترح أيضاً تنظيم شركة على غرار شركات التأمين وشركات السكك الحديدية لاستئجار فلسطين من السلطان. ولا شك في أن هذه الشركة، بعد أن يعاد تسمية فلسطين باسم «إسرائيل»، ستثير حماس يهود العالم فيساعدون هذه الشركة بكل وسيلة.

وبعد إدراك ضرورة الحصول على التأييد المالي والسياسي لمشروعه، سافر القلعي إلى العواصم الأوربية (1851 ـ 1852) ووجَّه النداءات إلى كبار المموِّلين اليهود أمثال مونتفيوري وأدولف كريمييه، ونشر في لندن كتيباً يحمل أفكاره وأسس فيها أيضاً جمعية استيطانية لم تُعمَّر طويلاً.

والتحق القلعي بجمعية استيطان فلسطين التي أسَّسها لورج في ألمانيا وقام بنشاط بارز في صفوفها. وفي عام 1871، زار فلسطين وأسَّس هناك جمعية استيطانية ما لبثت أن توقفت. ثم استقر نهائياً في فلسطين عام 1874. وقد قام بعض أتباعه بعد وفاته مباشرة بشراء أرض بتاح تكفا حيث أُقيمت أول مستعمرة يهودية زراعية في فلسطين. ويُلاحَظ أن القلعي تَوصَّل إلى الصيغة الصهيونية الأساسية، وإلى معظم الديباجـات الإثنية الدينية والعلمـانية، ولكن فكره لم يكـن حديثاً بقدر كاف، فلم يكتشف حتمية الاستعانة بالإمبريالية الغربية لوضع الفكرة الصهيونية موضع التنفيذ، ولذا، فقد تَحرَّك داخل نطاق الجماعات اليهودية وحسب، كما توجَّه إلى أثرياء اليهود وبعض الساسة اليهود في الغرب.

صمــويل موهيليفـر (1824-1898(Samuel Mohilever
حاخام روسي، وأحد مؤسسي حركة أحباء صهيون. تلقَّى ثقافة دينية. وتعمَّق في دراسـة القبَّالاه والحسـيدية وتـواريخ الجماعات اليهودية، كما كانت له معرفة أيضاً بالرياضيات واللغات الروسية والألمانية والبولندية. وقد اشتغل بالتجارة بعض الوقت قبل قيامه بأعماله ومهامه الدينية التي قَبلْها كارهاً، ثم ذاع صيته كعالم تلمودي. وهو من أهم المدافعين عن التعليم اليهودي وممارسة الأعمال اليدوية والزراعة. وقد ساهم موهيليفر في تنظيم الهجرة إلى فلسطين، وأقنع كلاًّ من هيرش وروتشيلد بأن يساهما في تمويل ومساعدة الاستيطان اليهودي لفلسطين (التوجُّه إلى أغنياء اليهود هو دائماً الخطوة الأولى في أي عمل صهيوني(

وقد استمر موهيليفر نشيطاً في حركة أحباء صهيون رغم علمانيتها الواضحة، وحينما نشب الخلاف بين العلمانيين من أحباء صهيون ومناوئيهم، عُهد إليه بأن يعمل في أوساط المتدينين، وسمَّى مكتبه آنذاك «المركز الروحاني» ومنه جاءت كلمة «مزراحي». وقد كان من الداعين لمؤتمر كاتوفيتش، وحاول أكثر من مرة الاستيلاء على قيادة أحباء صهيون دون جدوى.

لم يتمكن موهيليفر من حضور المؤتمر الصهيوني الأول (1897) ولكنه بعث رسالة تؤيد برنامج المؤتمر وتَوجُّهه الدبلوماسي. ويبدو أنه لم يكن يدرك أن الصهيونية قد تَحوَّلت من مجرد حركة استيطانية لإنقاذ بعض اليهود إلى حركة استعمارية استيطانية، أي جزء من المشروع الاستعماري الغربي. ولذلك، فإن خطابه يتحدث عن ضرورة التدخل لدى الحكومة التركية " لكي تسمح لشعبنا بأن يشتري الأرض ويبني البيوت". وهو يرى ضرورة التعاون مع العلمانيين لأن وضع اليهود يشبه حال من تلتهم النيران بيته. ولذا، فهو يَقْبل مساعدة كل من يمد له يد العون. وقد طلب من المؤتمر تقديم الشكر "للمحسن الكبير البارون إدموند دي روتشيلد" الذي أنفق عشرة ملايين فرنك على الاستيطان. وطالب المؤتمر بألا يمس أموال الصدقة التي تُعطَى لفقراء اليهود والقدس بدافع التقوى الدينية. وهو، بموقفه هذا، كان يعبِّر تعبيراً دقيقاً عن مشاكل حركة أحباء صهيون التي لم تدرك قط حتمية الاعتماد على الإمبريالية الغربية لوضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ.

ولكنه، مع هذا، بدأ يساهم في عملية التحديث بترويض اليهودية، فطالب بالتعاون مع اللادينيين ودعا إلى العودة للإقامة في فلسطين وشراء الأراضي وتعمير البيوت وزَرْع البساتين وفلاحة الأرض، بل يشير إلى أن العودة إحدى الوصايا الأساسية في التوراة وأن الحكماء اعتبروا هذه العودة بمنزلة الناموس الإلهي. وقد وجد موهيليفر سنداً لرؤيته التوفيقية هذه في التلمود الذي جاء فيه أن الإله يفضل أن يعيش أبناؤه في أرضهم، حتى ولو لم يُنفِّذوا تعاليم التوراة، على أن يعيشوا في المنفى ويُنفِّذوا تعاليمها (ولم يذكر الحاخام الصهيوني أن عكس هذا القول أيضاً ورد في التلمود(

ويذكر في خطابه كذلك أن القومية لا تتناقض مع عقيدة الماشيَّح، فالماشيَّح سيأتي ويجمع إسرائيل المشتتة ليسكن أبناؤها في بلدهم بدلاً من أن يظلوا هائمين على وجه الأرض يتنقلون من مكان إلى آخر.

وقد بدأ موهيليفر تلك السلسلة الطويلة من الحاخامات الصهاينة الذين أصدروا الفتاوى لتذليل الصعاب أمام عملية الاستيطان. وحينما واجه المستوطنون اليهود مشكلة حلول السنة السبتية، كان موهيليفر ضمن الحاخامات "التقدميين" الذين أفتوا بإباحة بيع الأرض للأغيار بيعاً صورياً حتى يتمكن اليهود من زراعتها.

موسى جلازنــر (1856-1924(Moses Glazner
حاخام صهيوني أرثوذكسي وأحد القادة المؤسسين لحركة مزراحي في المجر ورومانيا. هاجم الأرثوذكس بشدة في المؤتمر التأسيسي لحركة مزراحي، كما نشر الأفكار الصهيونية بين الدوائر الأرثوذكسية، وألَّف عدة كتب في الشريعة اليهودية.

هاجر إلى القدس عام 1923 ليشارك في النشاطات التعاونية والتربوية لحركة مزراحي، وتُوفي هناك عام 1924.

أبراهــام كــوك (1865-1924(Abraham Kook
أهم مفكري الصهيونية الإثنية الدينية وأول حاخام أكبر لليهود الإشكناز في فلسطين. وُلد في شمال روسيا، وتلقى تعليمه الديني في إحدى المدارس التلمودية العليا، ثم هاجر إلى فلسطين عام 1904 واستقر فيها. وقد تَعرَّف كوك إلى تقاليد القبَّالاه وسعى وراء تجارب الإشراق الداخلية، والواقع أن كتاباته كلها مفعمة بروح قبَّالية وإيمان بالحلول الرباني في الشعب اليهودي. وتتلخص سيرة حياته ونشاطاته القومية الدينية في محاولة تقريب الصهيونية إلى المتدينين وتقريب المتدينين من الصهيونية.

ويأخذ كوك بالصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة ويقوم بتهويدها تماماً من خلال ديباجته الدينية الصوفية الحلولية. فهو أولاً يرى أن المنفى حالة غير طبيعية، على عكس الرؤية التقليدية التي ترى المنفى جزءاً لا يتجزأ من التجربة الدينية عند اليهود فهي أمر الإله والعقاب الذي حاق باليهود نتيجة الذنوب التي اقترفوها. وحسب تصوُّره، لا يستطيع اليهودي أن يكون مخلصاً وصادقاً في أفكاره وعواطفه وخيالاته في أرض الشتات. فاليهودية في أرض الشتات ليس لها وجود حقيقي.

وكما هو متوقَّع، لا يرفض كوك اليهودية التقليدية بشكل صريح، فهو يقوم بترويضها وتحديثها وعلمنتها من الداخل من خلال الديباجات الدينية وذلك عن طريق تغليب الطبقة الحلولية داخل تركيب اليهودية الجيولوجي التراكمي وتجَاهُل الطبقة التوحيدية تماماً حتى تتفق اليهودية قلباً وربما قالباً مع الصهيونية. ويطرح كوك رؤية حلولية للأمة اليهودية (حلولية بدون إله تقترب إلى حدٍّ كبير من فكرة القومية العضوية بل تترادف معها)، فالإله يحل في الإنسان والمادة (الشعب اليهودي والأرض اليهودية) فيوحدهما في وحدة حلولية عضوية، والقومية الدينــية والدين القومي هما في واقع الأمر القومية العضوية بعد أن يحل الإله في المادة ويصبح كامناً فيها تماماً.
يؤكد كوك أن اليهود شعب، شعب واحد، واحد كوحدانية الكون (واحدية كونية). ولكنه شعب من نوع خاص، فاليهودية دين قومي وقومية دينية. ولذا، فهو يهاجم دعاة العضوية الذين يتحدثون عن "روح الأمة" أو "روح الشعب العضوي" (بالألمانية: فولكس جايست Volksgeist ، وبالعبرية: رواح ها أما) ويقول إنهم يخدعون أنفسهم، فما يـسري في الأمة ليـس قوة طبيعيـة عضوية وحسـب، وإنما روح الإله نفسه. ولكن كوك يهاجم أيضاً المتدينين التقليديين الذين ينادون بأن مفهوم الأمة حسب العقيدة اليهودية لا علاقة له بالتعريفات القومية العلمانية الغربية الجديدة. يُسمِّي كوك هؤلاء «الانشطاريين»، فريق منهم يحاول إسقاط العنصر الديني تماماً، والثاني يحاول إسقاط العنصر القومي تماماً أيضاً، أما كوك نفسه فيزيل كل الثنائيات ويرى أن ثمة تمازجاً كاملاً بين المطلق والنسبي وبين الخالق والمخلوق وبين القومية والدين، فكل عامل من عوامل الروح اليهودية يضم بشكل حتمي جميع جوانب نفسية الشعب اليهودي. ومن ثم، فإن فصل القومية عن الدين تزييف لكليهما، فثمة مادة إلهية تسري في جماعة يسرائيل تجعل روحها ملتصقة بروح الإله، بل إن روح يسرائيل وروح الإله شيء واحد (فهما من مادة واحدة). هذا الإله الذي يكمن داخل الشعب هو مصدر روحهم القومية. ولذا، يجب على أعضاء هذا الشعب أن يدركوا حقيقة الإله الموجود داخلهم، ويدركوا من ثم حقيقة قوميتهم، فروح الإله تسري في الأرض سريانها في الشعب (وهنا يكتمل الثالوث الحلولي وهو نفسه الثالوث العضوي: الأرض والشعب والرابطة العضوية بينهما). وكل ممتلكات اليهود القومية من أرض ولغة وتقاليد وتاريخ هي عروق تجري فيها روح الإله. ولذا، فإن أرض إسرائيل ليست شيئاً منفصلاً عن روح الشعب اليهودي، إنها جزء من جوهر الوجود اليهودي القومي ومرتبطة بحياة الوجود وبكيانه الداخلي ارتباطاً حلولياً عضوياً.

والوحي المقدَّس لا يمكن أن يكون نقياً إلا في أرض إسرائيل (أما خارجها، في المنفى، فهو مُشوَّش ومُلوَّث وغير نقي). فالتجسد الإلهي من خلال الشعب لا يمكن أن يتم إلا على الأرض المقدَّسة (وفي هذا عودة للوثنية القديمة وللعبادة القربانية المركزية)، وكلما ازداد تعلُّق الشخص بأرض إسرائيل، زادت أفكاره طهارة، والطهارة هنا هي نتيجة التعلق بشيء مادي وهو الأرض وليس نتيجة فعل الخير.

لكل هذا، تصبح العودة إلى الأرض المقدَّسة هي حل المسألة اليهودية، فهذا هو مصدر تميُّز اليهودية ولا أمل ليهود المنفى إلا بإعادة زَرْع أنفسهم في فلسطين والاعتماد على ينبوع الحياة الحقيقي المقدَّس الموجود في أرض إسرائيل وحدها. وإن عاد هذا الشعب ظهرت قدسيته الحقيقية، فهذا هو الطريق الوحيد لإعادة ولادة هذا الشعب (وهكذا يتحول الخطاب الاسترجاعي البروتستانتي والخطاب الاستيطاني الإمبريالي إلى خطاب صهيوني حلولي تجسدي)
وكما هو الحال مع المنظومات الحلولية، فبعد أن يتعادل المطلق والنسبي، والكل والجزء، والخالق والمخلوقات، تَرجَح كفة المخلوقات المادية على الخالق، فينسى كوك الروح الإلهية ويتحدث بدلاً من ذلك عن القومية العضوية دون أية إشارة إلى إله أو دين. ولذلك فهو يشير إلى اليهود في أرض الشتات باعتبارهم جماعة أدارت ظهورها للحياة الطبيعية ولتطوير الأحاسيس، وأهملت كل ما له علاقة حسية بحقيقة الجسد، ينقصها الإيمان بقدسية الأرض التي لا تختلف عن قدسية الجسد، فأخذوا يتحللون بشكل مخيف (وليُلاحَظ أن المرجعية النهائية هنا هي الطبيعة والجسد). والبعث القومي (الصهيوني) هو الحل، وبعدها ستقوم الحياة الحسية (الطبيعية) مرة أخرى، وسينشط الحلم الذي بدأ ينال منه التعب.

ولكن القداسة هنا قداسة كامنة في المادة لا تتجاوزها، ومن ثم فهي لا تختلف عن القداسة التي يبحث عنها أهارون جوردون وغيره من الصهاينة العمـاليين الملحدين. ويقتبـس كوك من المشـناه العبارة التالية: "إن الإيمان يمكن التعبير عنه بقوة الحياة في الزرع، فالإنسان يمكن أن يبرهن على إيمانه بالحياة الأزلية عن طريق الزراعة". ثم ينهي كوك مقاله بعبارة دالة: "ستتحقق عودتنا فقط إذا ما رافقت عظمتنا الروحية عودة إلى الجسد من أجل جسم صحيح قوي وعضلات قوية تُغلِّف روحاً ملتهبة". وهذا الحديث لا يختلف البتة عن حديث داروين أو نيتشه، كما أنه لا يختلف عن الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية. وفي مثل هذه الأنساق، تتحول وحدة الوجود إلى علمانية إلحادية صريحة.

في هذا الإطار الحلولي المادي التجسيدي، يصبح البعث السياسي وإنشاء الدولة اليهودية هو نفسه العصر المشيحاني. ويقدم كوك تاريخاً للدولة اليهودية ولاشتراك اليهود في معترك السياسة الدولية (وهي إشكالية العجز وانعدام السيادة)، فيلاحظ أن قوى خارجية (وليس الإله) جعلت اليهود يضطرون إلى ترك هذه الحلبة، ولكن يبدو أن الانسحاب تم أيضاً برضاً تلقائي فقد كان العالم آثماً وقذراً ويتخلل الحياة السياسية فيه الكثير من الآثام. ولكن اليوم الذي سيصبح فيه العالم أكثر لطفاً قد دنا، ولذا يجب على اليهود أن يهيئوا أنفسهم ليحكموا دولة خاصة بهم. ثم يعطي كوك هذه الدولة طابعاً مشيحانياً حين يقـول: "إن تأمين نـظام العـالم الذي تمزقـه الحروب اليهـودية يتطلب بناء الدولة اليهودية. وجميع الحضارات ستتجدد بولادة شعبنا من جديد".

 ومن الواضح أن هذه الأفكار إعادة إنتاج لفكرة مشاركة الشعب اليهودي للخالق في إصلاح الكون (تيقون) وفي استعادة الخالق لوجوده وكليته الروحية.

وبعد ترويض اليهودية على هذا النحو، وبعد توليد الإلحاد من وحدة الوجود، لم يَعُد من الصعب تَبنِّي الصهيونية كعقيدة، وعقد الزواج بينها وبين اليهودية، مع افتراض أن اليهودية الحلولية هي التي ستحقق الانتصار النهائي. وقد كان كوك على يقين من أن جيل المستوطنين الصهاينة في فلسطين هو الجيل الذي تتحدث النبوءة عنه وعن أنه ينتمي إلى عصر الماشيَّح، وأن الرواد (بغض النظر عن علمانيتهم) كانوا ينفذون تعاليم الدين باستيطانهم الأرض في فلسطين. ولتسهيل مهمة الرواد، حاول كوك أن يصل إلى صيغ دينية يمكن أن تتسع للمتدينين والعلمانيين، وحاول أن يصبغ الصهيونية بالشرعية الدينية التي كانت تفتـقر إليهـا في نظر الأرثوذكـس على الأقـل. وقـد نادى بالتحـالف مع "اللادينيين" لأنه كان على ثقة من أن جميع المستوطنين، الديني منهم والعلماني، سيرضخون في نهاية الأمر للصيغة الحلولية، لأن القومية اليهودية (على حد قوله) قومية مقدَّسة لا يستطيع العلمانيون مقاومة تيارها الأساسي. كما أنه كان يرى أن كل اليهود، ومنهم العلمانيون، تسري فيهم روح القداسة رغماً عنهم.

وقد شرح كوك موقفه وتصوُّره في صورة مجازية تفسيرية شهيرة قال فيها: حينما كان الهيكل المقدَّس قائماً، كان محظوراً على الأجانب أو حتى على أي يهودي عادي أن يدخل قدس الأقداس، وكان الكاهن الأكبر وحده هو المُصرَّح له بالدخول مرة واحدة في يوم الغفران. ومع هذا، فحينما كان الهيكل في دور التشييد، كان بإمكان أي عامل مشترك في البناء أن يدخل الحجرة الداخلية مرتدياً الملابس العادية.

 ومن الواضح أن الهيكل في هذا التشبيه هو الدولة الصهيونية، والرواد هم العمال (أو لعلهم الصهاينة العماليون)، أما الكهنة الحقيقيون فهم ولا شك اليهود الأرثوذكس الذين سيسيطرون على الهيكل بعد بنائه.

 ولتسهيل مهمة البناء، حاول كوك أن يزيل المصاعب التي تقف في طريق النشاط الاستيطاني ويذللها للمستوطنين اليهود، فأصدر فتاوى متسامحة تُسهِّل لهم الحياة في فلسطين. وعلى سبيل المثال أصدر فتوى تبيح زراعة الأرض في سنة شميطاه أو السنة السبتية على أن تباع أرض الميعاد بشكل صوري للأغيار، كما صرَّح بلعب كرة القدم يوم السبت على أن تُباع التذاكر يوم الجمعة.

ويبدو أن كوك، انطلاقاً من رؤيته العضوية الحلولية، كان لا يرى مكاناً للعرب، فهـم يقفـون خارج دائرة القداسـة. فأثناء ثورة عام 1929، اتهم كوك البريطانيين بالتقاعس عن حماية اليهود، واتخذ موقفاً متشدِّداً أثناء المعركة التي دارت حول حائط المبكى. وكان كوك قريباً من حركة مزراحي، ومع هذا فقد حضر مؤتمراً من مؤتمرات أجودات إسرائيل ليعرض وجهة النظر الصهيونية الدينية.

وسافر كوك إلى أوربا عام 1914، لكن الحرب حالت دون رجوعه فعمل حاخاماً في سويسرا ثم في لندن، وعاد إلى فلسطين عام 1917 حيث أسَّس مدرسة تلمودية لغة الدراسة فيها هي العبرية وكان يُدرِّس فيها ما يُسمَّى «الفلسفة اليهودية» إلى جانب الشريعة اليهودية. وقد نشر كوك بحوثاً في كل جوانب المعرفة الحاخامية والتصوف اليهودي والفلسفة والشعر، ونُشرت رسائله في عدة مجلدات، كما أن له العديد من الفتاوى.

ويمكننا أن نقول إن اليهودية الحاخامية الأرثوذكسية تختفي تقريباً في أعمال كوك وتصبح صهيونية حلولية عضوية تطالب بضم كل أرض إسرائيل وبطرد العرب وبالحد الأقصى الصهيوني. وقد نجحت صيغته في الهيمنة على اليهودية الأرثوذكسية بحيث لم يبق سـوى أقلية أرثوذكسـية (الناطـوري كارتا) هي التي تعارض الصهيونية.

مـائير بـار إيـلان (برلين (1880-1949)(
Meir Bar Ilan (Berlin)
زعيم صهيوني ديني، من عائلة برلين، غيَّر اسمه بعد قيام إسرائيل فصار يُعرَف باسم «بار إيلان». وُلد في فولوجن (روسيا) وتلقَّى تعليمه الديني هناك، وساهم في إنشاء حركة مزراحي. وفي عام 1905، شارك للمرة الأولى كمندوب في المؤتمر الصهيوني السابع. ومنذ 1910، استقر في برلين وأسس مجلة أسبوعية بالعبرية. وفي عام 1911، اختير عضواً باللجنة التنفيذية لحركة مزراحي العالمية ثم سكرتيراً عاماً لها عام 1912 بعد أن افتتحت مكتبها المركزي بالعاصمة الألمانية.

وأثناء الحرب العالمية الأولى، سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وهناك قام بدور بارز في النشاط الصهيوني وفي الأوساط اليهودية، فساهم في تطوير المجموعات المحلية لمزراحي وتولى رئاسة منظمة مزراحي من عام 1916 إلى عام 1926 حيث أصبح رئيساً شرفياً لها. وعمل بار إيلان بنشاط من خلال اللجنة اليهودية الأمريكية المشتركة للتوزيع وغيرها من المنظمات التي عملت على مساعدة اليهود من لاجئي الحرب في شرق أوربا. ثم استقر في فلسطين عام 1926، وتزعَّم حركة مزراحي العالمية منذ ذلك الحين وحتى وفاته، فيما عدا بعض الانقطاعات القصيرة. كما شغل عدة مناصب قيادية في المنظمة الصهيونية العالمية، وكان من دعاة التشدد مع العرب والبريطانيين، فعارض عام 1937 المشروع البريطاني لتقسيم فلسطين، وانسحب من مؤتمر سان جيمس بلندن عام 1939 عندما ظهرت بوادر خطط بريطانية معارضة للصـهيونية في نظـره. وبعد نشـر الكتاب الأبيض عـام 1939، نادى بسياسة المواجهة مع السلطات البريطانية في فلسطين ورفض أي تعاون معها. كما كان بار إيلان من أنصار الحرب على مظاهر عدم التدين بين المستوطنين الصهاينة.

وبوصفه خطيباً مُفوَّهاً، قام بار إيلان بعدة جولات وزيارات للمراكز اليهودية في أنحاء العالم من أجل إلقاء الخطب وعقد الندوات التي تدور حول الدعوة للأفكار الصهيونية. وقد نشر عدة مقالات صحفية، وألف عدة كتب من بينها: من فولوجن إلى القدس، وهو سيرة ذاتية في جزءين، و معلم في إسرائيل. وقد أسَّس بار إيلان صحيفة هاتسوفيه وكان أول رئيس لتحريرها. وقد أُطلق اسمه على إحدى الجامعات في إسرائيل.

صمويل لانــداو (1892-1928(Samuel Landau
حاخام بولندي الأصل، وزعيم صهيوني ديني، ومؤسِّس جماعة عمال مزراحي. نشأ في بيئة حسيدية في بولندا حيث تلقَّى تعليماً دينياً تقليدياً في المدرسة التلمودية وأصبح حاخاماً في سن الثامنة عشرة، ثم قرأ بنفسه الكتب غير الدينية وانخرط في سلك حركة مزراحي في بولندا بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى. وكتب لانداو عدة مقالات هاجم فيها موقف اليهود الأرثوذكس السلبي من الصهيونية. وفي عام 1926، هاجر إلى فلسطين حيث تابع نشاطه الصهيوني.

وينطلق لانداو من رؤية حلولية عضوية، ولذا فإنه يشدِّد في كتاباته على أهمية الاستيطان في الأرض، فالإقامة في الأرض المقدَّسة هي أحد الأوامر والنواهي (متسفوت) لأن القبس الإلهي لا يؤثر في الشعب اليهودي إلا وهو في أرضه، أي أنه يدور في إطار الثالوث الحلولي العضوي (الإله ـ الأرض ـ الشعب). وهو يُطعِّم هذه الفكرة الحلولية العضوية بفكرة العمل وزراعة الأرض وبالديباجات الصهيونية العمالية الأخرى، ولكنه يبيِّن أنها قيَم مرتبطة في نهاية الأمر بالتوراة والوجود اليهودي المنفصل.

 كما أنه يشير إلى أن هذه القيم العمالية اليهودية لا علاقة لها بمسألة النظام الاقتصادي أو بالعدالة الاجتماعية وإنما ترمي إلى خلق البدايات الأولى للحياة القومية، فالبعث القومي هو القيمة المطلقة الحاكمة وما عدا ذلك مجرد تجليات لها.



الباب الثالث عشر: الصهيونية الإثنية العلمانية



الصهيونية الإثنية العلمانية
Secular Ethnic Zionism
»الصهيونية االإثنية العلمانية» هي «الصهيونية الثقافية» أو «الصهيونية الروحية» ونشير لها أحياناً بـ «الصهيونية العلمانية». وهي اتجاه صهيوني في تيار الصهيونية الإثنية ينطلق من الصيغة الصهيونية الأساسية ويهتم بقضايا الهوية والوعي ومعنى الوجود، ويرى أن المشروع الصهيوني مهما كان توجُّهه السياسي الاقتصادي لابد أن يكون ذا بُعْد إثني يهودي. ومجال الصهيونية الإثنية العلمانية هو كل يهود العالم، ولذا فهي لا تُفرِّق بين المستوطنين الصهاينة ويهود العالم. وتنادي الصهيونية الإثنية العلمانية بأن يتحول المُستوطَن الصهيوني إلى مركز لإحياء الإثنية اليهودية، وترى أن الثقافة اليهودية لا يمكن أن تستمر دون هذا المركز. وفيما يتصل بالعقيدة اليهودية، فإن الصهيونية الإثنية العلمانية ترى أنها قضت نحبها، وأن ما يمكن أن يحقق الاستمرار هو الإثنية اليهودية التي يمكن أن تصبح موضع المطلقية ومصدر القداسة. وخلفية الصهيونية الإثنية هي نفسها خلفية الصهيونية على وجه العموم من تعثُّر عملية التحديث في شرق أوربا إلى وصولها إلى طريق مغلق عام 1880، الأمر الذي جعل استمرار حركة التنوير اليهودية صعباً. ويُضاف إلى هذا، الوضع الإثني الخاص ليهود شرق أوربا المتمثل في ثقافتهم اليديشية القديمة نوعاً ما وفي ثقافتهم العبرية الجديدة. ويضاف إلى ذلك أيضاً وضعهم الاقتصادي الوظيفي المتميِّز. كما يجب أن نضع في الاعتبار فكرة القومية العضوية والشعب العضوي (الفولك) التي أثرت في اليهود تأثيراً سلبياً عميقاً بنبذهم، وتأثيراً عميقاً إيجابياً بطرح نموذج الحركة لهم.

ويُعَدُّ المفكر اليهودي الروسي آحاد هعام أهم المفكرين في هذا التيار، كما تعد أفكاره الأفكار الأساسية لهذه المدرسة. ويمكن أن نضم إليه أليعازر بن يهودا (1858 ـ 1922). كما يُصنَّف مارتن بوبر (1878 ـ 1965) ضمن أتباع هذا الاتجاه بسبب تقديسه للشعب اليهودي، وبسبب رؤيته الحوارية الحلولية، ولاستخدامه مصطلح الفكر القومي العضوي.

وبسبب اختلاف المستويات، لا يوجد تناقض بين الصهيونية الإثنية العلمانية والتيارات الصهيونية الأخرى، كما أن الصراع لا ينشب إلا بينها وبين أتباع الصهيونية الإثنية الدينية. ويمثل فكر الصهيونية الإثنية العلمانية فريقان، أحدهما في إسرائيل والآخر خارجها. أما الفريق الإسرائيلي فيؤكد مركزية (أو أرستقراطية) الدولة الصهيونية في حياة الدياسبورا بل يتخطى أحياناً حدود الصيغة الآحاد هعامية وينادي بإلغاء أو «نفي» الدياسبورا أو اعتبارها مجرد جسر أو قنطرة. أما الفريق الثاني فهم صهيونيو الدياسبورا (الصهاينة التوطينيون في الخارج)، وهم أكثر اقتراباً من الصيغة الأصلية. وهؤلاء يرون ضرورة وجود مركز ثقافي في إسرائيل حتى يستمد التراث اليهودي أسباب الحياة والاستمرار فيدعم هويتهم اليهودية الآخذة في التآكل في مجتمعاتهم العلمانية، ولكنهم لا يرون أية ضرورة للاستيطان في إسرائيل. والمشكلة بالنسبة إليهم هي، إذن، مشكلة يهودية وليست مشكلة يهود، كما أن الدولة بالنسبة إليهم وسيلة ثقافية وليست غاية، تماماً كما كان الحال مع آحاد هعام.

والواقع أن أغلبية يهود المُستوطَن الصهيوني الساحقة (من أقـصى اليمين حتى أقـصى اليسـار) من أتباع الصهيونية الإثنية العلمانية. وكذلك غالبية أعضاء الجماعات اليهودية في العالم ممن يناصرون الصهيونية هم من أتباع هذا التيار، وخصوصاً في صياغته التي تتركهم وشأنهم في أوطانهم ولا تطلب منهم الهجرة.

جمعية بني موسى
Bene Moses
»بني موسى» تقابلها في العبرية «بني موشيه». وبني موسى جمعية صهيونية سرية(أسست على غرار المحافل الماسوننة) تشكل إحدى جمعيات أحباء صهيون، أُسِّست في روسيا عام 1889 في 7 آذار (تاريخ مولد موسى بحسـب تقاليد فلكلور بعض الجماعات اليهودية) واستمرت في نشاطها حتى عام 1897. ويعود الفضل في تأسيسها إلى يهوشاوا بارزيلاي الذي عاد من فلسطين وقد امتلأ استياءً من أحوال المستوطنين من الناحيتين الثقافية والإثنية، إذ يبدو أنهم كانوا مُستوعَبين تماماً في الأعمال الاستيطانية ولم يطوروا الطابع اليهودي الإثني في المستوطنات. وتعود سرية الجمعية إلى تفكير آحاد هعام النخبوي (الذي تولَّى رئاسة الجمعية). فآحاد هعام كان متأثراً تماماً بنيتشه وإن كان الخطاب النيتشوي يكتسب مصطلحات ونبرة يهودية في حالته. ولذا، فقد وجد أن هذا البعث الثقافي لا يمكن أن يتم إلا على يد مجموعة من الكهنة التي تكرس حياتها لتحقيق هذا الهدف سواء داخل فلسطين أو خارجها. وهذه المجموعة من الكهنة تصبح بمنزلة المرشدين للأمة بأسرها سواء داخل فلسطين (بين المستوطنين) أو خارجها لتثقيف الأجيال الصاعدة (من التوطينيين).

وكان كل فرع من فروع الجمعية يتكون من خمسة أشخاص على الأقل، كما كانت معرفة العبرية أحد شروط الالتحاق بالجمعية. وقد ووُجهت الجمعية بمعارضة من جانبين: الصهاينة العمليين (التسلليين) بزعامة ليلينبلوم وكانوا يرون أن الهدف المباشر والعامل الأساسي هو نقل اليهود وتوطينهم، وتأتي الأمور الثقافية في المرتبة الثانية. أما الجانب الآخر من جماعات المعارضة، فقد كانت تشكلها الأوساط الأرثوذكسية إذ عرَّفت الانتماء اليهودي باعتباره انتماءً إثنياً دينياً وليس إثنياً علمانياً (كما فعلت الجمعية). وقد أسست الجمعية مدارس لتعليم العبرية وداراً للنشر في وارسو وأصدرت مجلة (عبرية) هاشيلواح.

وبعد تأسـيس المنظـمة الصهـيونية، انحـلت الجمــعية. ومع هذا، فقد استمر آحاد هعام في التعبير عن فكرها وفي معارضة الصهاينة الذين رفضوا تهويد الصيغة الصهيونية الأساسية بدرجة كافية وتركوها عارية من الديباجات بحيث ظلت الحركة مجرد حركة تنقل اليهود من أوربا.

العصبة الديموقراطية
Democratic Faction
جماعة من المثقفين الصهاينة في المنظمة الصهيونية في الفترة بين 1901 و1903. وجدوا أن هرتزل ركَّز السلطة كلها في يده وأنه لا يهتم إلا بالأمور السياسية وحدها، وطالبوا بتوسيع نطاق العضوية والقيادة، كما طالبوا بالاهتمام بالجوانب الثقافية والاجتماعية. وكان معظم أعضاء هذه العصبة من الطلبة اليهود الذين جاءوا من شرق أوربا وكانوا يدرسون في ألمانيا وسويسرا. وقد تأثر هؤلاء جميعاً بآراء آحاد هعام وبصهيونيته الإثنية العلمـانية وبالأفكـار الديموقراطية الشـائعة آنذاك. وقد كان أعضاء العصبة يدركون التحدي الذي تشكله الحركات الثورية، ولذا فقد وجدوا أن الحركة الصهيونية لابد أن توسِّع قاعدتها الديموقراطية حتى تستجيب لهذا التحدي. وقد بدأت العصبة بعد المؤتمر الصهيوني الرابع (1900) الذي حدث فيه التصادم بين الصهاينة الإثنيين الدينيين والصهاينة الإثنيين العلمانيين، حيث عارض الدينيون قيام المنظمة بأي نشاط ثقافي (باعتبار أنه سيكون نشاطاً علمانياً). وقد عقد أعضاء العصبة مؤتمراً عاماً في أبريل 1901 عشية المؤتمر الصهيوني الخامس في بازل واشترك فيه حاييم وايزمان وليو موتزكين حيث وجه المشاركون النقد لهرتزل بسبب أسلوبه التسلطي وتركيزه السلطة في دائرته الداخلية وتعامله مع الأثرياء والطبقات الحاكمة بين اليهود وغير اليهود، كما أشاروا إلى إهمال هرتزل الجوانب العملية (الاستيطانية) والجوانب التربوية (الإثنية) في النشاط الصهيوني. وقد تحاشى هرتزل المواجهة معهم لأنه كان يدرك منذ البداية ما لا يدركونه، وهو أن الصهيونية لن تقوم لها قائمة بالاعتماد على الجهود الذاتية وأنه لابد من الاعتماد على الإمبريالية، ومن ثم لابد من التفاوض والسعي المستمرين، ويتطلب هذا بالضرورة تركيز السلطة في يد شخص أو مجموعة صغيرة تتحرك بكفاءة وسرية لعقد الصفقة مع الحضارة الغربية. وفيما يتصل بالجوانب الإثنية، فإن هرتزل لم يكن يكترث بها لأنه لم يكن يعرف عنها الكثير، ولذا فإنه لم يمانع فيها ولم يشجعها. والواقع أن صياغته المراوغة ساعدت كثيراً على تَقبُّل الإثنية، ولكن كان لابد من التخفف منها قليلاً في البداية حتى لا يَفزَع يهود الغرب المندمجون. وقد حاول هرتزل منع مناقشة برنامج العصبة، ولكنه طرح البرنامج للنقاش بعد أن هدد أعضاء العصبة بالانسحاب من المؤتمر. وحينما تمت مناقشة البرنامج، صوَّت هرتزل شخصياً لصالحه وتم تبنيه من قبَل المؤتمر. وحين نُشر البرنامج في صيف عام 1902، فإنه كان يتضمن الدعوة إلى الدراسة العلمية للأحوال الطبيعية في فلسطين وإلى العمل النشيط وأن يكرس الصهاينة أنفسهم للمشروع الصهيوني بكل إخلاص، وهي قرارات أقل ما توصف به أنها مضحكة إذ لا تمس العملية الأساسية في هذه المرحلة وهي التفاوض مع الدولة العظمى الراعية. وبعد أن عقد الصهاينة الروس مؤتمر منسك (1902) واعترفوا بوجود تيارين لهما حقوق متساوية (أحدهما ديني والآخر علماني)، فقدت العصبة قوتها الدافعة. والخلاف بين هرتزل والعصبة الديموقراطية خلاف صهيوني نماذجي، أي أنه اختـلاف بين تيـارات لا توجـد بينها أية خلافـات حقيقية، وتظل الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة كامنة بشكلٍّ صلب في كل رؤاهم وأقوالهم.

آحاد هعام (1856-1927(
Ahad Ha-am
»آحاد هعام» عبارة عبرية تعني «أحد العامة». و«آحاد هعام» هو الاسم الذي اشتهر به الكاتب الروسي (وكان يكتب بالعبرية) آشر جينزبرج. ويُعَدُّ آحاد هعام من أهم الكُتَّاب والمفكرين في أدب العبرية الحديث، كما يُعَدُّ فيلسوف الصهيونية الثقافية ( أى الصهيونية الاثنية العلمانية) بل المؤسس الحقيقي للفكر الصهيوني والذي خرج من تحت عباءته كل المفكرين الصهاينة، خصوصاً العلمانيين، ابتداءً من مارتن بوبر وانتهاءً إلى هارولد فيش. وقد نشـأ آحاد هعام في عائلة حسـيدية في قرية صغيرة بالقرب من كييف، وكان أبوه عضواً في حركة حبد. تلقَّى تعليماً يهودياً تقليدياً حتى أن معلمه منعه من تعلم الألفبائية الروسية لأن هذا كان يُعَدُّ ضرباً من الهرطقة. ولكنه، مع هذا، التحق في نهاية الأمر بمدرسة ثانوية في روسيا. وقد دفعته دراسته الجديدة إلى هَجْر الحسيدية، ثم تخلَّى بعد ذلك عن كل إيمان ديني وإن كان قد عبَّر عن إعجابه بالحسيدية في إحدى مقالاته، وذلك بسبب طابعها اليهودي الإثني (أي اليهودية كفلكلور). ولا شك في أن النزعة الحلولية المتطرفة في الحسيدية قد تركت أثرها فيه وفي بنيان فكره.

وقد استقر آحاد هـعام عام 1886 في أوديسـا للعمل في التجارة، وأوديسا إحدى المدن الجديدة التي أنشأها القياصرة على البحر الأسود بعد ضمها من الدولة العثمانية في نهاية القرن الثامن عشر وقد أصبحت مركزاً تجارياً مهماً ونشيطاً. وقد تم توطين أعضاء الجماعة اليهودية، مع غيرهم من الروس البيض، كعنصر استيطاني يخلق وجوداً أو كثافة سـكانية روسـية بيضاء، أي أن اليهـود تم توطينهم كروس، ولذا فقد مُنحوا حقوقاً ومزايا كثيرة. وكانت أوديسا تختلف كثيراً عن جو الشـتتل، كما كانت بعـيدة عن مراكز الدراسـة الأرثوذكسية، وكانت مركزاً مهماً لأدب العبرية والفكر الصهيوني في روسيا.

ثقَّف آحاد هعام نفسه بنفسه، فدرس العلوم وقرأ أدب حركة التنوير وتعلَّم بعض اللغات الأوربية ودرس الفلسفة. فتأثر بالفلسفة الوضعية في روسيا من خلال أعمال المفكر الروسي بيساريف الذي عرَّفه على أعـمال جـون ســتيورات ميل. وقد تأثر كذلك بفلسفة لوك، ولكن هربرت سبنسر (المفكر الاختزالى التبسيطى) وفلسفته العضوية الداروينية كان لهما أبعد الأثر في تفكيره، وكان هو نفسـه يَعُد سبنسر (المفكر الاختزالى التبسيطى) أقرب المفكرين إلى قلبه. كما تأثر بفلسفة نيتشه وهردر تأثراً عميقاً، شأنه في هذا شأن كثير من المفكرين والمثقفين اليهود في عصره. ويتجلى عمق تأثر آحاد هعام بنيتشه في زعمه أن النيتشوية واليهودية صنوان.

ذهب آحاد هعام إلى أن الذي خرج من الجيتو ليس اليهود وحسب وإنما اليهودية نفسها. لقد خرجت إلى عالم حديث يمثل قوة جذب هائلة بهرت اليهود، الأمر الذي يشكل خطراً حقيقياً على الاستمرارية اليهودية وعلى الهوية اليهودية، كما يؤدي إلى فقدان اليهود إحساسهم بالوحدة والترابط وإلى ضعف تمسُّكهم بقيمهم وتقاليدهم.

كما خرجت اليهودية، علاوة على ذلك، إلى عالم مُشبَّع بالروح القومية العضوية حيث يتعيَّن على الغريب الذي يريد أن يندمج في مثل هذه الحضارة أن يطمس شخصيته وينغمس في التيار الغالب. ولذا، فإن الاندماج حل أتى من الخارج يهدف إلى خَلْق حياة جديدة تماماً لا علاقة لها بالهوية اليهودية، وبالتالي فإن الوحدة اليهودية ستتفتت وتنقسم اليهودية إلى أكثر من نوع واحد، يختلف كل نوع منها باختلاف البلد الذي ينتمي إليه اليهودي. وفي الواقع، فإن القومية العضوية ترفض الآخر حتى لو أراد الاندماج والذوبان فيها، ولذا فإن حل الذوبان لم يكن مطروحاً أصلاً في الوسط السلافي أو الجرماني الذي كان يتحرك فيه اليهود (أي أن فكرة الشعب العضوي تُصنِّف الآخر على أنه عضو في الشعب العضوي المنبوذ، والآخر هنا هو اليهود في المحيط الجرماني والسلافي أي في كل أوربا(

وقد خرج اليهود واليهودية من الجيتو في لحظة كان الدين اليهودي فيها قد تحوَّل إلى عبء حقيقي، فأهل الكتاب قد أصبحوا عبيداً للكتاب حتى أصبح عمل هذا الكتاب هو أن يُضعف كل قوى الإبداع الذاتي والعاطفي لدى اليهود ويحطمها. وتحوَّل القانون إلى قانون مكتوب جامد، وتَوقَّف تَطوُّر اليهود، واختفى العالم الداخلي تماماً، وأصيب اليهود بالشلل الحضاري. ولذا، كان السؤال هو: هل يمكن تطبيع اليهود وتحرير الروح اليهودية من أغلالها لتعود إلى الاندماج في مجرى الحياة الإنسانية دون أن تضحي بالهوية اليهودية وبالطابع الخاص لها؟

حسب تصوُّر آحاد هعام، تأخذ المسألة اليهودية شكلين: أحدهما في الشرق، وثانيهما في الغرب. وقد نجحت المسألة اليهـودية في الغـرب في إعـتاق اليهــود ثم في إفقادهم هويتهم اليهودية، كما نجحت في تعريضهم لمسألة معاداة اليهود الأمر الذي أعاد اليهودي لعالمه اليهودي لا حباً فيه وإنما هرباً من معاداة اليهود. ولكنه عند عـودته وجـد العـــالم اليهودي ضيقاً لا يُشبع حاجاته الثقافية، بل إن العالم اليهودي لم يَعُد جزءاً من ثقافته (فهو يهودي غير يهودي). ولذا، فهو يصبو إلى إنشاء دولة يهودية يستطيع أن يعيش فيها حياة تشبه حياة الأغيار التي يحبها ويحقق فيها لنفسه كل ما يريد من أشياء يراها الآن أمامه ولا يستطيع الوصول إليها. وهو إن لم يستوطنها بنفسه وبقى حيثما يكون، فإن مجرد وجودها على الأقل سوف يرفع مكانته أينما كان، فلن يُنظَر إليه نظرة احتقار باعتباره عـبداً يعتـمد على استـضافة أهـل البلاد له. إن الدولة اليهودية، بل مجرد التفكير فيها، هو شيء يشفيه من مرض نفسي هو الشعور بالضعة، فمحور المشكلة في الغرب هو الفرد اليهودي المندمج الذي تُسبِّب له معاداة اليهود شيئاً من الإحباط والإحساس بالضعة. أما يهود الشرق فهم على عكس ذلك، فالمشكلة بالنسبة إليهم ذات شقين: شق مادي وشق ثقافي. لكن دولة هرتزل لن تَحُل أياً من المشكلتين، فهي لا تكترث أصلاً بالجانب الثقافي. أما فيما يتعلق بالجانب المادي، فإن آحاد هعام كان يرى استحالة إخلاء أوربا من اليهود الفائضين، فالدولة اليهودية لن تُوطِّن سوى قسم من اليهود في فلسطين، وبالتالي فإن حل المشكلة حلاًّ كلياً أمر غير ممكن. وسيظل الاعتماد على الحلول الأخرى المطروحة ضرورياً (مثلاً: زيادة عدد المزارعين والعاملين بالمهن اليدوية من اليهود). وفي نهاية الأمر، فإن حل الشق المادي سيعتمد في الأساس على الحالة الاقتصادية وعلى المستوى الثقافي للأمم المختلفة التي تُوجَد فيها أقليات يهودية.

وإذا كانت الحلـول المطـروحة لا تُجـــدي ومحكوماً عليها بالفشل، فما الحل إذن؟ يجد آحاد هعام أن الدواء يوجد في الداء نفسه، أي القومية العضوية بعد تهويدها. ويرى آحاد هعام أن الدين اليهودي رغم جموده الذي سقط فيه كان مهيئاً أكثر من أي دين آخر لعملية التحديث، فهو دين عقلاني جماعي يؤكد أهمية العقل والجماعـة (وليـس كالدين المسـيحي الذي يؤكــد أهمـية الإيمان والفرد). كما أن عقيدة التوحيد في نظره هي في جوهرها اكتشاف مبكر لوحدة الطبيعة ولفكرة القانون العلمي والمعرفة العلمية التي تتجاوز الإحساس المباشر. (وما يتحدث عنه آحاد هعام هو في واقع الأمر الواحدية الكونية)، فهو يشير إلى أن الفريسيين الذين صاغوا اليهودية الحاخامية رفضوا كلاًّ من الأسينيين (دعاة الروح) والصدوقيين (دعاة المادة) وزاوجوا بينهما (أي وحدوا الروح والمادة وألغوا الثنائية التي تسم الأنساق التوحيدية وأحلوا محلها الواحدية الحلولية الكونية الكامنة في كلٍّ من العبادات الوثنية القديمة والعلمانية الحديثة)، وهذا هو إنجاز يفنه الأكبر وهو أيضاً ما حفظ اليهودية على مر العصور.

لكن هذا لا يعني بطبيعة الحال العودة إلى الدين، فآحاد هعام كان ملحداً، وقد سماه آرثر هرتزبرج «الحاخام اللا أدري» (وهذه مفارقة لا يمكن أن يُوجَد لها مثيل في المسيحية أو في الإسلام، ولكن التركيب الجيولوجي لليهودية يسمح بها). وحينما ذهب آحاد هعام إلى فلسطين ورأى أحجار حائط المبكى، لم تتحرك أية مشاعر دينية داخله، بل وجدها رمزاً للخراب الذي حاق بالشعب اليهودي. ولم يكن الدين بالنسبة إليه سوى شكل من أشكال التعبير عن الروح القومية اليهودية الأزلية المتجسدة في التاريخ، وهو وعاء كامن في الذات وليس مقياساً مطلقاً خارجاً عنها، فالدين اليهودي مجموعة من الأفكار اليهودية تضرب بجذورها في الطبيعة (اليهودية) أو التاريخ (اليهودي). ولذا، فإن العودة تكون لهذا المطلق ولهذا المطلق وحده، أي للذات الإثنية اليهودية مصدر الدين اليهودي والتي ستحل محله، والتي سيخلع القداسة عليها تماماً كما فعل مفكرو ودعاة القومية العضوية في ألمانيا وشرق أوربا. وهو، في هذا، كان متأثراً بهيجل وهردر والمفكرين السلاف والألمان الذين كانوا يرون الإثنية مطلقاً، وقيمة في حد ذاتها. وكما هو واضح، فإن آحاد هعام يقف في هذا على الطرف النقيض من التراث الديني اليهودي. وعلى سبيل المثال، فإن سعيد بن يوسف الفيومي ذكر أن اليهود شعب من أجل التوراة أو بسببها، وبذلك جعل الشعب أداة، أما آحاد هعام فيرى أن كل شيء أداة لتأكيد هوية الشعب حتى الدين نفسه.

ويذهب آحاد هعام إلى أن ثمة اتجاهاً عاماً نحو القومية العضوية بدأ يسود بين اليهود في شرق أوربا. فاللغة العبرية لم تَعُد اللسان المقدَّس لليهود وإنما أصبحت لغة الأدب العبري العلماني وبدأت تحل محل الدين كإطار للوحدة. وقد ساهم هو نفسه في هذا التيار وأضفى صبغة علمانية على مفاهيم دينية، مثل الشعب المختار، لتصبح مصطلحاً نيتشوياً يُسمَّى «السوبر أمة» أو «الأمة المتفوقة»، التي تُعلي شأن القوة والإرادة.

وانطلاقاً من هذه المفاهيم العضوية، طرح آحاد هعام نظريته الخاصة بما يُسمَّى «الصهيونية الثقافية» التي تهدف إلى بَعْث أو تحـديث الثقافة اليهودية التقليدية حتى يمكنها التعايش مع العصـر الحديث. ويمكن إنجاز ذلك من خلال إطار القومية العضوية. ولذلك، اقترح آحاد هعام إنشاء مركز ثقافي في فلسطين يسبق تأسيس الدولة اليهودية يكون بمنزلة مركز عضوي للفولك (أو الشعب العضوي) اليهودي يمكن أن تؤكد الهوية اليهودية نفسها من خلاله على أسس عصرية. ففي فلسطين يستطيع اليهود أن يستوطنوا وأن يعملوا في شتى فروع الحياة من زراعة وأعمال يدوية إلى علوم طبيعية. ومثل هذا المركز العضوي سيصبح مع مرور الزمن مركزاً للأمة تستطيع روحها أن تظهر وتتطور من خلاله إلى أعلى درجات الكمال التي بوسعها الوصول إليها بشكل مستقل. ومن هذا المركز ستُشع الروح القومية اليهودية العضوية إلى سائر الجماعات اليهودية في العالم فتبعث فيهم حياة جديدة تُقوِّي وعيهم القومي وتُوطِّد أواصر الوحدة بينهم. ومن خلال هذا المركز ستنمو الشخصية اليهودية وستُزال منها الشوائب التي عَلقت بها نتيجة سنوات طويلة من الشتات وستُولِّد شخصية جديدة فخورة بهويتها اليهودية. لكن عملية البعث العضوي هذه لا يمكن أن تتم دفعة واحدة، وبعملية سياسية بسيطة، فهي عملية حضارية طويلة بطيئة بطء النمو العضوي. ولا يعترض آحاد هعام على تأسيس دولة يهودية في فلسطين تضم أغلبية يهودية، ولكنه يرى أن الدولة ستكون تتويجاً لعملية النمو العضوية البطيئة والثمرة النهائية وليس بذرة البدء. بل إن المركز الثقافي سيؤدي إلى قيام رجال في أرض إسرائيل نفسها يستطيعون، متى حان الوقت، أن يؤسسوا دولة هناك، لا تكون دولة يهود وإنما دولة يهودية بالمعنى الحلولي للكلمة؛ دولة عبرية علمانية. والدولة في هذا الإطار ليسـت نهاية في ذاتها، وإنما وسيلة للتعبير عن الذات القومية، وهي نتاج فعل حضاري بطيء وليس انقلاباً سياسياً مفاجئاً.

وقد كان موقف آحاد هعام من الجماعات اليهودية في العالم ينبع من موقفه العضوي نفسه، فقد رفض الحل الدبنوفي ورفض فكرة البعث اليهودي في أنحاء العالم المختلفة أينما وُجدت جماعات يهودية (مع تغيُّر مركز اليهودية من بابل إلى الأندلس إلى نيويورك)، فمثل هذا الرأي تعددي تنوعي. وفي الوقت نفسه، لم يأخذ آحاد هعام بالموقف الصهيوني المتطرف المبني على تصفية الجماعات، فقد رأى أن مركزه الروحي، ودولته اليهودية داخل الإطار العضوي، ستعمق الوعي الإثني عند أعضاء الجماعات اليهودية وتزيد الفواصل بينهم وبين جيرانهم الأغيار.

ويثير البرنامج الثقافي عند آحاد هعام مشكلتين أساسيتين:

1 ـ فهو لم يتحـدث قـط عن آليات إنشـاء المركز الروحي (الدولة اليهودية)، كما لم يطرح برنامجاً سياسياً، بل ترك المسألة غامضة. ولعله ترك هذه الأمور لدعاة الصهيونية العملية والصهيونية الاستيطانية الذين كانوا سيتكفلون بالإجراءات كافة، وضمنها الاستيلاء على الأرض وطرد سكانها. وعلى كلٍّ كان نيتشه (وكذلك داروين) رابضاً وراء كل سطور كتاباته.

2 ـ وهناك مشكلة الثقافة التي يطرحها: فقد رفض كل ثقافات اليهود الموجودة بالفعل، سواء الثقافة اليديشية في شرق أوربا أو التراث السفاردي الذي كان لا يجهله. ولكن هذا أمر لم يسبب له أرقاً، فقد كان يطرح ما سماه «الثقافة اليهودية» الخالصة بديلاً لكل هذه الثقافات المتعينة.

وقد نزل آحاد هعام إلى ميدان النشاط الصهيوني، فانضم إلى جماعة أحباء صهيون وأصبح مفكرها الأساسي، لكنه ما لبث أن انتقد سياسة هذه الجمعية الداعية إلى الاستيطان التسللي في فلسطين وذلك في مقال بعنوان "ليس هذا هو الطريق". وقد عزَّز مقاله الأول بدراستين نقديتين كتبهما بعد زيارتيه لفلسطين عامي 1891 و1893. ومن أهم مقالاته الأخرى، "الدولة اليهودية والمسألة اليهودية" (1897) و"الجسد والروح" (1904).

برتولد فايفــــل (1875-1937(
Bertold Feiwel
زعيم صهيوني وُلد في مورافيا ودرس القانون في فيينا. تعرَّف إلى هرتزل (وكان أحد الذين عاونوه على تنظيم المؤتمر الصهيوني الأول (1897). وأصبح فايفل رئيس تحرير مجلة دي فيلت عام 1901، وقد أكد في مقالاته أن الصهيونية يجب ألا تَحصُر نفسها في النشاط الدبلوماسي، وإنما يجب أن تعمل على تجديد الحياة الفكرية والروحية للدياسبورا (الجماعات اليهودية في العالم). وأسَّس في العام نفسه مع آخرين، من بينهم مارتن بوبر وليو موتزكين وحاييم وايزمان، العصبة الديموقراطية، وذلك إبان المؤتمر الخامس (1901).

وأسَّس فايفل، مع بوبر وتريتش وآخرين، دار نشر يهودية أصدرت كتاباً عن مذبحة اليهود في كيشينيف عام 1903. وقد قام بترجمة عدة كتب لمؤلفين يهود من وسط أوربا، من بينها مختارات من الشعر اليديشي نشرت بعنوان التقويم اليديشي، ويُعَدُّ أول من ترجم الشـعر اليــديشي إلى الألمانية. ثم دخل فايفل عالم المال والبنوك. وقد أمضى فترة الحرب الأولى في سويسرا، ثم انتقل إلى إنجلترا حيث أصبح من مستشاري وايزمان. وقد ترأس مجلس مديري الصندوق القومي (كيرين هايسود) من 1919 حتى 1921. ولكنه استقال من منصبه بسبب المرض ثم ارتحل عام 1933 إلى فلسطين حيث تُوفي.

ليون سـيمون (1881-1965(
Leon Simon
رجل دولة بريطاني، وقائد صهيوني توطيني. كان من تلاميذ آحاد هعام ومن دعاة الصهيونية الإثنية العلمانية، وهو الذي كتب سيرة حياة آحاد هعام وترجم أعماله إلى الإنجليزية. وكان مسئولاً عن الدعاية الصهيونية في بريطانيا. زار فلسطين عام 1918، واشترك في إصـدار عدة صـحف صهيونية في بريطانيا مع هاري ساخر، واهتم بالجامعة العبرية. استقر في القدس منذ عام 1946. وبعد عام 1953، غادر إسرائيل، ثم استقر في لندن حيث تُوفي عام 1965.

لويــس نامييـر (1888-1960(
Lewis Namier
صهيوني ومؤرخ بريطاني من دعاة الصهيونية الإثنية العلمانية. وُلد في جاليشيا الشرقية واستقر في إنجلترا منذ عام 1907. التحق بالجيش البريطاني مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، وعمل في قسم الدعـاية بين عامي 1915 و1917، وفي الإعـلان بين عامي 1917 و1918، وفي الاستخبارات بين عامي 1918 و1920. وعُيِّن عام 1920 محاضراً في التاريخ الحديث في أكسفورد. وقد اهتم ناميير بالدراسات التاريخية حتى عام 1929. وفي هذا العام، أصبح الأمين السياسي للوكالة اليهودية وهو الموقع الذي احتفظ به حتى عــام 1931. وقد تَسـنَّى له أن يعمـل مع وايزمـان. عــاد إلى التــدريس في مانشــستر بين عامي 1931 و1938 ثم أخذ إجازة بدون مرتب حتى 1945 ليعمل مستشاراً سياسياً للمكتب التنفيذي للوكالة اليهودية في لندن. زار فلسطين وإسرائيل عدة مرات، وقد طرح نفسه غير مرة بوصفه يهودياً قومياً. لقد كان الشعب اليهودي بالنسبة إليه أمة، كما كان يعتبر الدين مسألة شخصية لا علاقة لها بالولاء للشعب (اليهودي) ولم يكن ناميير متديناً على الإطلاق فقد كان صهيونياً علمانياً، وقد نال لقب فارس عام 1952.


الباب الرابع عشر: الصهيونية الإقليمية



محـــاولات تضييـق نطــاق المشروع الصهيـونى
Attempts at Setting Limits to the Zionise Project
في باب سابق بيَّنا أن ثمة صراعاً أساسياً بين شرق أوربا (يهود اليديشية والفائض البشري) وغربها (اليهود المندمجون). ومع تدفُّق يهود اليديشية على وسط وغرب أوربا، ظهر المشروع الصهيوني لتحويل سيل الهجرة، ثم ترجم الصراع نفسه إلى الصهيونيتين: الاستيطانية والتوطينية. والصهيونية التوطينية شكل من أشكال التملص من الصهيونية عن طريق تضييق نطاقها بحيث تصبح مجرد دعم الدولة الصهيونية سياسياً واقتصادياً دون الاستيطان في فلسطين.

والصهيونية التوطينية لم تكن المحاولة الوحيدة لتضييق نطاق الصهيونية، فهناك محاولتان أخريان: كانت الأولى تهدف إلى الإسراع بعملية تخليص أوربا من فائضها اليهودي عن طريق توطينهم في أي أرض، دون أي اعتبار للديباجات الصهيونية. أما الثانية فكانت تهدف إلى تخفيف حدة المواجهة مع السكان الأصليين عن طريق تأسيس دولة ثنائية القومية. ويُلاحَظ أن محاولات تضييق نطاق الصهيونية كان يعني التخلي عن بعض عناصر الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة.

الصهيونية الإقليمية
Territorial Zionism
»الصهيونية الإقليمية» ضرب من ضروب الصيغة الصهيونية الأساسية قبل أن تتحوَّل إلى الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة وقبل أن تدخلها أية ديباجات إثنية أو دينية أو أيديولوجية، فهي تذهب إلى ضرورة تهجير الفائض البشري اليهودي في أوربا إلى أي مكان في العالم حلاًّ للمسألة اليهودية، فهي إذن شكل من أشكال الصهيونية التوطينية. وكان الصهاينة الإقليميون يرون اليهود عنصراً استيطانياً أبيض يُوطَّن في أي مكان، وكانوا يرون المشروع الصهيوني مشروعاً غربياً تماماً وجزءاً لا يتجزأ من التشكيل الاستعماري الاستيطاني الغربي الذي يرمي إلى خلق مناطق نفوذ غربية في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية يَبسُط من خلالها سيطرته الكاملة على العالم، كما يرمي إلى خلق بقع استيطانية تستوعب الفائض البشري اليهودي. وكان العنصر الحاسم في اختيار هذا المكان أو ذاك هو مدى أهميته في سياق المصالح الاستعمارية للدولة الراعية للمشروع التوطيني. ولذا، فإنهم لم يطالبوا بدولة يهودية مستقلة ذات سيادة، وتركوا هذه النقطة لتقررها الدولة الراعية التي ستقوم بعملية نقل الفائض البشري. لكل هذا، كان الصهاينة الإقليميون لا يرون ضرورة تحتم إنشاء هذا الجيب الاستيطاني اليهودي في فلسطين، بل إن بعضهم كان يشير إلى أن فلسطين بالذات غير مناسبة بسبب وجود العرب فيها.

وقد كان دعاة المشاريع المختلفة لتوطين اليهود خارج أوربا على وعي تام باستحالة تحقيق أيٍّ من هذه المشاريع إلا إذا حظي برعاية قوة استعمارية كبرى تجد فيه فرصتها لتحقيق مصالحها الاستعمارية بشكل أو آخر، ومن ثم كان هؤلاء الدعاة يحرصون على السعي لدى هذه القوة العظمى أو تلك لضمان أن يتم المشروع التوطيني بموافقتها وتحت رعايتها، ولم يكن يعنيهم في كثير أو قليل أن يحظى المشروع بموافقة أعضاء الجماعات اليهودية (المادة البشرية المُستهدَفة) ممن كان يُرجَى توطينهم.

ودعاة الصهيونية الإقليمية التوطينية، من أمثال دي هيرش وترييتش وزانجويل وأضرابهم، هم في الغالب من اليهود غير اليهود الذين فَقَدوا هويتهم الدينية والإثنية. ولذا، فإنهم لم يعودوا يشعرون بأي ضرورة لمسألة الحفاظ على ما يُسمَّى «الإثنية اليهودية». كما أن يهود الغرب بينهم كانوا يرغبون في تحويل سيل الهجرة اليهودية من بولندا وروسيا بشكل فوري لأي مكان لأنه يهز مواقعهم الطبقية ومكانتهم الاجتماعية الجديدة ويهدد وجودهم كجزء من النخب المتميِّزة اقتصادياً وسياسياً وحضارياً في مجتمعاتهم الأوربية.

وإصرار هؤلاء الصهاينة على بقعة ما دون غيرها كان دائماً في إطار محاولتهم تأكيد ولائهم لأوطانهم ولمصالحه الاستعمارية. فزانجويل البريطاني (صاحب مشروع شرق أفريقيا)، كان يدافع في واقع الأمر عن المصالح الإمبريالية الإنجليزية التي كانت تبحث عن مواطنين بيض لتوطينهم في جزء من الإمبراطورية. ولقد انصرف اهتمام زانجويل والإقليميين عن فلسطين لأن بريطانيا كانت قد احتلت مصر في مطلع القرن العشرين، ولم تكن تستطيع في ظروف التوازن الدولي الدقيق أن تخطط للاستيلاء على فلسطين، فكان اهتمامها بالمنظمة الصهيونية قائماً على رغبتها في تسخيرها لتنظيم استيطان استعماري في بعض أنحاء الإمبراطورية وحسب. ولكن بتغيُّر الأوضاع في العالم إبان الحرب العالمية الأولى، وسنوح فرصة تقسيم ممتلكات الإمبراطورية العثمانية، وقيام الثورة العربية التي هددت المصالح الإمبريالية البريطانية، بُعث مشروع توطين اليهود في فلسطين ومُنح وايزمان وعد بلفور، وتَحوَّل الإقليميون عن موقفهم وعادوا إلى صفوف المنظمة الصهيونية بعد أن كانوا قد انسحبوا منها في المؤتمر الصهيوني السابع (1905) بعد أن أصبحت مصالحها متفقة مع مصالح الإمبريالية البريطانية.

ومن الأمور الجديرة بالذكر أن بنسكر في كتابه الانعتاق الذاتي وهرتزل في كتاب دولة اليهود لم يتقيدا ببقعة معينة لإقامة الدولة المقترحة. ويظهر في يوميات هرتزل أنه لم يكن يتحمس كثيراً في أواخر حياته لفكرة الدولة اليهودية في فلسطين، خشية أن يثير هذا المكان، المشحون بالدلالات الدينية والتاريخية، رغبة لدى المستوطنين في العودة إلى صُوَر الحياة اليهودية التقليدية التي كانت موضع ازدراء من جانب هرتزل، وهو الأمر الذي قد يبتعد بهم عن أساليب الحياة العلمانية "الحديثة".

مشـاريع صهيونيـة اسـتيطانية خـارج فلســطين
Zionist Settlement Projects outside Palestine
ظهرت مشروعات عديدة لتوطين اليهود خارج فلسطين، وقد ظهرت هذه المشاريع مع التشكيل الاستعماري الاستيطاني الغربي. وكان أول المشاريع التوطينية هو مشروع نونيزدا فونسيكا عام 1625 لتأسيس مستعمرة يهودية في كوراساو، وقد وافق مجلس هولندا على المشروع. وتم توطين اليهود في سورينام في إطار مماثل، وقد نجحوا في تكوين جيب استيطاني شبه مستقل قضى عليه الثوار من السود والسكان الأصليين. وفي عام 1659، منحت شركة الهند الغربية (الفرنسية) تصريحاً لديفيد ناسي لتأسيس مستعمرة يهودية في كايين.

وفي عام 1790، اقترح كاتب بولندي توطين اليهود في أوكرانيا (التابعة لبولندا ـ وكان هذا أحد المطالب الأساسية للحركة الفرانكية). وفي عام 1815، قدَّم القس البولندي شاتوفسكي اقتراحاً بأن يُوطَّن اليهود في جيب يهودي صغير في آسيا الصغرى يكون قاعدة للدولة الروسية ضد الخلافة العثمانية.

وظهرت مشروعات توطينية أخرى في الولايات المتحدة من أهمها مشروع موردكاي نواه المعروف بمشروع جبل أرارات (1826). وهناك مشروعات صهيونية إقليمية كثيرة مثل مشروع العريش وقبرص ومدين وأنجولا وموزمبيق والكونغو والأحساء والأرجنتين، ولكن أهمها كان مشروع شرق أفريقيا الذي كان يهدف إلى إنشاء محمية إنجليزية يهودية في شرق أفريقيا كان من المفترض أن تكون تابعة تماماً، على مستوى الأيديولوجية والديباجة، اسماً وفعلاً، للإمبراطورية البريطانية.

وقد ظهرت جماعات صهيونية إقليمية أخرى، منها جماعة قامت في ألمانيا للاستيطان في الجزء البرتغالي من أنجولا عام 1931، ولكن المشروع فشل لأن الحكومة البرتغالية لم توافق عليه. وقد قُدِّم اقتراح في مؤتمر إفيان (1938) لتوطين 100 ألف يهودي في جمهورية الدومينكان، ولكن الصهاينة أجهضوا العملية بعد البدء فيها بالفعل. ويمكن أن نضع مشروع بيرو بيجان السوفييتي في هذا الإطار. وقد كان للنازيين في ألمانيا والفاشيين في إيطاليا مشاريعهم التوطينية خارج فلسطين. كما قامت جمعية أخرى في نيويورك وظلت باقية حتى بعد إنشاء الدولة، وذلك لأنها لم تجرؤ على أن تترك مستقبل "الشعب اليهودي" متوقفاً على إسرائيل وحدها وذلك بسبب صغر مساحتها وموقف جيرانها المعادي منها. ولا توجد بطبيعة الحال أحزاب صهيونية إقليمية في إسرائيل. وقد أصبح مصطلح «تيريتوريال زايونيزم Territorial Zionism» يعني في الوقت الحاضر «صهيونية الأراضي»، وهي صهيونية من يرفض الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة بعد عام 1967، ويرفض مقايضة السلام بالأرض.

مشروع شرق أفريقيا
East Africa Project
يُعرَف «مشروع شرق أفريقيا» أيضاً باسم «مشروع أوغندا» وهو الاسم الذي يُطلَق عادةً على الاقتراح الذي تقدمت به الحكومة البريطانية عام 1903 لليهود لتنشئ لهم مقاطعة صهيونية في شرق أفريقيا البريطانية (كينيا الآن، وليس أوغندا كما هو شائع) في هضبة وعرة مساحتها 18 ألف ميل مربع ليست صالحة للزراعة.

ويبدو أن الخطأ في التسمية يعود إلى أن تشامبرلين، أشار أثناء حديثه عن المشروع مع هرتزل إلى سكة حديد أوغندا، فتَصوَّر هرتزل أن أوغندا هي الموقع المقترح للاستيطان. وقد تقدَّمت الحكومة البريطانية بالاقتراح في وقت تزايد فيه النشاط الاستعماري الألماني والإيطالي، وكان الخط الحديدي الذي يربط الساحل الأفريقي وبحيرة فيكتوريا على وشك الانتهاء، وفي وقت تزايدت فيه هجرة يهود اليديشية إلى إنجلترا. ومن ثم، سنحت الفرصة لوضع الصيغة الصهيونية الأساسية موضع التنفيذ بتحويل المهاجرين إلى مادة استيطانية تُوطَّن داخل محمية إنجليزية تقوم بحماية الموقع الإستراتيجي الجديد. وقد عرض البريطانيون شرق أفريقيا لا فلسطين، مكاناً للاستيطان، لأن الدولة العثمانية كانت حليفة لبريطانيا التي قررت الحفاظ على وحدة الدولة العثمانية لتقف ضد الزحف الروسي، أي أن تقسيم الدولة العثمانية لم يكن قد تقرَّر بعد. وقد كان المفترض أن تكون المقاطعة محمية خاضعة للتاج البريطاني يحكمها حاكم يهودي، وكانت ستُسمَّى «فلسطين الجديدة». وقد أعد مكتب لويد جورج براءة الشركة التي ستقوم بتنمية المنطقة. وكان هرتزل من بين الموافقين على المشروع، كما أيده نوردو الذي وصـف المشـروع بأنه "ملجـأ ليلي"، وتزعَّم إسرائيل زانجويل الحركة.

وقد كتبت مجلة جويش كرونيكل في ذلك الوقت أن المشروع كان يحظى بتأييد اليهود الروس بدرجة تفوق كثيراً تأييد قيادتهم الصهيونية له، كما يُلاحَظ أن المستوطنين الصهاينة في فلسطين كانوا من أشد المتحمسين للمشروع. ولكن المندوبين الروس عارضوا المشروع بشدة حينما عُرض على المؤتمر الصهيوني السادس (1903)، وكان من المعارضين أيضاً وايزمان وأوسيشكين. وقد سُمِّي المعارضون «صهاينة صهيون» لإصرارهم على تشييد الدولة الصهيونية في صهيون نفسها، أي فلسطين.

وقد أيَّد اليهود الأرثوذكس المشروع لأن العودة إلى فلسطين شكل من أشكال الهرطقة. وعلى عكس ما يرد دائماً في المصادر والمراجع الصهيونية، وافق المؤتمر في نهاية الأمر على الاقتراح بأغلبية 295 مؤيداً مقابل 178 معارضاً، وامتنع 143 عن التصويت، فأحدث ذلك صدعاً في الحركة الصهيونية، وحاول شاب يهودي اغتيال نوردو "الشرق أفريقي" في باريس.

وقد تشكَّلت لجنة استطلاعية مُكوَّنة من بريطاني مسيحي ومهندس روسي وصحفي سويسري (اعتنق الإسلام فيما بعد). وحينما وصلت اللجنة ضللهم المستوطنون البيض وزودوهم بمعلومات خاطئة، ووجهوهم إلى أراض غير صالحة، ولذا فقد كان تقرير اللجنة غير إيجابي. وقد حُسم الصراع بأن سحبت الحكومة البريطانية اقتراحها في العام نفسه بسبب معارضة المستوطنين البريطانيين في شرق أفريقيا، فقد أرسلوا عدة رسائل إلى الصحف والمجلات البريطانية، من بينها برقية اتحاد المزارعين وملاك البساتين، وأخرى من لجنة المستوطنين في نيروبي، وعريضة من أسقف مومباسا، يحتجون فيها على إدخال اليهود الأجانب "منحطي المنزلة" الذين سيكون لهم أثر سيئ من الناحية الأخلاقية والدينية والسياسية على القبائل الأفريقية! وقد قام خبراء الشئون الأفريقية (وعلى رأسهم السير هاري جونسون) بشن حملة ضد المشروع، مبينين أن هذه الأرض ثمينة مُدَّت عليها سكة حديدية. وقد تَطوَّع بعض معارضي المشروع بالإشارة إلى فلسطين كمكان منطقي للاستيطان اليهودي! ومما هو جدير بالذكر أن بعض اليهود الاندماجيين في بريطانيا عارضوا المشروع أيضاً بسبب دلالته السياسية وبسبب تأكيده مقولة ازدواج الولاء. وحينما انعقد المؤتمر الصهيوني السابع (1905)، رفضت كل مشروعات التوطين خارج فلسطين، فانشق زانجويل (ومعه أربعون مندوباً)، وأسَّس الحركة الصهيونية الإقليمية.

ويُعَدُّ مشروع شرق أفريقيا أول بلورة للمشكلة التي تواجهها الجماعات اليهودية في علاقتها بالصهاينة وهو ما يمكن صياغته في الأسئلة التالية: هل أُسِّست الدولة الصهيونية لخدمة اليهود أم أن اليهود في كل مكان هم الذين يجب وضعهم في خدمة الدولة؟ هل الصهيونية بالفعل حركة إنقاذ ليهود أوربا وغيرهم أم رؤية أيديولوجية لا علاقة لها بإغاثة اليهود أو إنقاذهم؟ فبينما كانت القاعدة الصهيونية نفسها في شرق أوربا، بل المستوطنون الصهاينة أنفسهم في فلسطين، يؤيدون مشروع أفريقيا، كانت أقلية من الصهاينة تُصر على فلسطين دون غيرها لاعتبارات عقائدية إثنية.

وتشير التواريخ الصهيونية أن مشروع شرق أفريقيا فيه اعتراف ضمني بالهوية المستقلة للشعب اليهودي وأن المشروع كان سيؤدي إلى إنشاء دولة يهودية. ولكن هذه النقطة لم تكن موضع جدال على الإطلاق. وقد جاء في مسودة اتفاقية مشروع الاستعمار اليهودي المقدمة من قبَل الصهاينة صياغات غامضة قد يُفهَم منها أن المقصود إنشاء دولة يهودية، فكتب أحد موظفي وزارة الخارجية البريطانية على هامش المادة المقدمة: "إذا تَملَّك اليهود المنطقة فسيعني ذلك عملياً إعطاءهم حكماً ذاتياً محلياً كاملاً بشرط أن يبقى تحت سيطرة التاج البريطاني تماماً". كما أشار وزير الخارجية البريطاني إلى أن انتخاب رئيس بلدية يهودي لكل مدينة هو أقصى ما يمكن إجراؤه. ولم تذكر المذكرة أي شيء عن منح الجنسية البريطانية لسكان هذه المقاطعة إذ يبدو أن وزارة الخارجية كانت قلقة من أن يستغلها اليهود الروس الذين سيستوطنون شرق أفريقيا كنقطة انطلاق وحسب، يقفزون منها وبواسطتها إلى بريطانيا بجوازات سفر بريطانية يحصلون عليها في المستعمرة.

وقد حدَّد زانجويل بوضوح شديد الطبيعة الحقيقية لمشروع شرق أفريقيا بقوله: "إن الاستيطان الصهيوني في شرق أفريقيا سيكون وسيلة لمضاعفة عدد السكان البيض التابعين لبريطانيا هناك".

صهاينة صهيون
Zionei Zion
»صهاينة صهيون» اصطلاح يُستخدَم للإشارة للصهاينة الذين رفضوا مشروع شرق أفريقيا وأصروا على فلسطين (صهيون) باعتبار استحالة وجود صهيونية خارج صهيون.

جوزيــف تشـامبرلين (1836-1914(Joseph Chamberlain
رجل سياسة بريطاني، والمُنظِّر الحقيقي لمشروع شرق أفريقيا، ومن ثم فهو صاحب أول وعد بلفوري محدد. والواقع أن جوزيف تشامبرلين هو الذي اختار لنفسه منصب وزير المستعمرات عام 1895 وظـل فيه حتى عام 1903، فكانـت أطول مـدة لأي وزير في هـذا المنصـب.

وقد كان جوزيف تشامبرلين يتميَّز بسعة الخيال والقدرة على الابتكار، وقد حاول أن يُخرج إنجلترا من عزلتها الدبلوماسية وأن يُقوِّي الإمبراطورية بحيث تصبح مهيمنة كقوة، وأن يزيد نفوذها تجاه القوى العظمى الأخرى. ولذا، مدَّ السكك الحديدية، وحاول إقامة الزراعة في المستعمرات على أساس علمي، ونظَّم إدارة الإمبراطورية، واتجه نحو زيادة العنصر البشري الغربي بسبب ما تَصوَّره من التفوق العرْقي عند الغربيين.

وكان تشامبرلين عنصرياً حتى النخاع، يؤمن بالنظرية الداروينية (مثل معظم أعضاء النخبة السياسية في العالم الغربي في أواخر القرن التاسع عشر). فكان مؤمناً بأهمية العرْق، وبأنه يُحدِّد السمات الأساسية للحضارات (أي أنه كان يؤمن بالقومية العضـوية)، ولــذا فقـد كان يــرى ضــرورة وضع السـياسة الخارجية على أُسس عرْقية علمية واضحة، وأن تستند إليها التحالفات.

كانت رؤية تشامبرلين للعرْق هرمية. وعلى قمة الهرم كان يتربع الأنجلوـ ساكسون (الإنجليز والأمريكان)، يليهم التيوتون، أما اليهود فكانوا بطبيعة الحال في قاع الهرم. ومع هذا، كان تشامبرلين يرى أن بعض الأجنـاس الدنيئـة أقل دناءة من غيرها. فالهنود، على سبيل المثال، من الأجناس الدنيئة، ولكنهم أقل دناءة من السود، ولذا يمكن تطوير الزنوج وإدخال الحضارة بينهم عن طريق عنصر أجنبي وسيط، ومن ثم تستفيد الأطراف كافة، إذ يستفيد الغرب ويستفيد الوسيط الهندي، بل يستفيد المواطن الأصلي الأسود نفسه! كما لاحَظ تشامبرلين أن الجو لم يكن مواتياً في كثير من المستعمرات لاستخدام الإنسان الأبيض في بناء السكك الحديدية، ولذا تم استخدام الهنود كمادة بشرية وظيفية في بنائها. وأخيراً، لاحَظ تشامبرلين أن العنصر الأوربي غير الإنجليزي قد لا يكون مطيعاً بالقدر الكافي ولا يمكن أن ينضوي تحت لواء الإمبراطورية البريطانية كما فعل الأفريكانز (المسـتوطنون البيـض من أصل هولندي في جنوب أفريقيا). وكان الوضع، من منظور العنصر البشري الغربي، سيئاً جداً، ولذا اكتشف تشامبرلين أن اليهود قد يكونون العنصر الذي يحل محل الهنود في عملية الاستيطان كعنصر وسيط، فهم عنصر أوربي ولكنهم لا يسببون القلاقل مثل الأفريكانز.

وفي عام 1902، دُعي هرتزل ليدلي بشهادته أمام اللجنة البريطانية للغرباء التي أُنشئت للنظر في مشكلة هجرة يهود اليديشية إلى إنجلترا. فاقترح تحويل الهجرة إلى وطن يهودي مُعترَف به قانوناً، وكان الشاهد الوحيد الذي قدَّم حلاًّ صهيونياً للمشكلة، وقد ترك ذلك أثراً عميقاً في السامعين. وبعد عدة أشهر دُعي هرتزل لمقابلة تشامبرلين الذي استمع لوجهة نظره وأدرك إمكانية توظيف الشعب العضوي المنبوذ في المشاريع السياسية والإقليمية الخارجية للحكومة البريطانية، وطرح عليهم كلاًّ من قبرص والعريش. ولم يكن اسم هرتزل معروفاً، فقابل لورد لاندسدون الذي كتب تقريراً عن مشروع العريش الذي اقترحه هرتزل باعتبارها البقعة التي يمكن أن "يُلقى فيها" بيهود أوديسا والإيست إند في لندن، ولكن كرومر رفض المشروع.

زار تشامبرلين أفريقيا عام 1902، ثم استقبل هرتزل مرة أخرى وعرض عليه إنشاء مُستوطَن يهودي مستقل في شرق أفريقيا، وقد تم ذلك بموافقة بلفور الذي كان رئيساً للوزراء آنذاك والذي سُمِّي وعد بلفور باسمه.

إسرائيل زانجويل (1864-1926)
Israel Zangwill
روائي إنجليزي وزعيم الصهيونية الإقليمية. وُلد في لندن وكان على رأس النشاط الصهيوني في إنجلترا حينما زارها هرتزل واتصل به ليرتب له اجتماعاً مع قادة الأقلية اليهودية فيها. وكان زانجويل يدرك أن اليهودية ستتحوَّل إذا خرجت من الجيتو، وأن من غير المعقول الاستمرار في الادعاء بأن الأمور ستسير على منوالها القديم. وتعالج كثير من أعماله الأدبية هذه القضية، فكتاب أطفال الجيتو (1892) هو تاريخ أسرة يهودية، وهو في واقع الأمر تاريخ أسرته هو، وهي رواية بانورامية تتناول شخصيات يهودية عديدة كلها تبغي الهروب من الجيتو. ومن أهم الشخصيات الشاعر بنحاس، وهو في الواقع صورة كاريكاتورية ساخرة للشاعر نفتالي إمبر مؤلف نشيد الهاتيكفاه.

من أهم أعمال زانجويل الأخرى أبناء الجيتو (1892) الذي يُصوِّر بعض الشخصيات التي يمزقها ازدواج الانتماء لعالم الجيتو اليهودي وعالم الأغيار المعاصر. والكتاب دراسات في شخصيات يهودية تترك العقيدة اليهودية، مثل: دزرائيلي وهايني ولاسال وشبتاي تسفي. وتعالج رواية حالمو الجيتو (1898) الموضوع نفسه، فهي تزخر بشخصيات تبحث عن مهرب من الجيتو والقيم الدينية العتيقة التي تهيمن عليه. أما رواية مآس جيتوية (1893) فتحكي قصة يهودي تزوج من امرأة مسيحية ولكنه لا يملك إلا أن يبقى يهودياً في الخفاء. أما روايته ملك الشحاذين (1894) فتتناول اليهود السفارد في لندن قبل صول يهود اليديشية. ومن رواياته الأخرى كوميديات جيتوية (1907)

ويتميَّز موقف زانجويل تجاه اليهود بازدواجية غريبة، فهو من ناحية معجب إلى حدٍّ ما بالجيتو وبشخصياته، ولكنه من ناحية أخرى يجدها شخصيات ضيقة ومائلة للذوبان في العصر الحديث، وهو فخور ببعض الجوانب اليهودية في حياته ولكنه يشعر بالخجل تجاه البعض الآخر. ويمكن القول بأن رفضه لليهود واليهودية أكثر عمقاً بكثير من إعجابه ببعض جوانب الشخصية اليديشية.

ورفضه اليهود واليهودية يتجلى في كتابه الدين المقبل حيث يعبِّر عن أمله في ظهور ديانة جديدة تمزج الديانتين اليهودية والمسيحية والحضارتين العبرية والمسيحية. وله كتاب آخر ألفه في أخريات حياته هو عقيدتي (1925) يطالب فيه بيهودية غير يهودية، حتى يتم التوصل إلى عقيدة عالمية لكل البشر.

ومن أهم مسرحياته، مسرحية آتون الصهر التي يتصور فيها الولايات المتحدة على أنها آتون إلهي للصهر ستذوب فيه كل أجناس أوربا وتندمج، وتختفي فيه كل الخصوصيات، وضمن ذلك الخصوصية اليهودية. ومن أهم آليات الصهر، الزواج المُختلَط (وقد كان زانجويل نفسه متزوجاً من مسيحية). فكأن الولايات المتحدة هي الترجمة التاريخية النهائية لمثُل عصر الاستنارة التي ستريح الإنسان من عبء التاريخ وتريح اليهود من عبء الهوية. وقد صدرت لزانجويل عدة روايات أخرى ليس لها علاقة كبيرة بالموضوع اليهودي مثل السيد (1895) وهي قصة صبي مهاجر من كندا ينجح في أن يصبح فناناً شهيراً، وله أيضاً عباءة إلياهو (1900) عن أحداث حرب البوير.

وموقف زانجويل يشبه تماماً موقف هرتزل ونوردو ويهود غرب أوربا عامة، وهو أن اليهود واليهودية يمثلان بالنسبة له مشكلة تتطلب حلاًّ لا انتماءً إيجابياً يرحب به المرء. وقد ترجم هذا الموقف نفسه إلى صهيونية توطينية، فقام زانجويل بتقديم هرتزل لاجتماع المكابيين عام 1896 في لندن، وذهب إلى فلسطين عام 1897 وحضر المؤتمر الصهيوني الأول في العام نفسه. ولكن توطينية زانجويل كانت عميقة جداً، ورغبته في التخلص من الفائض اليهودي كانت متبلورة، ولذا فقد ألقى بكل ثقله خلف مشروع شرق أفريقيا الذي وصفه بأنه سيكون وسيلة لمضاعفة عدد السكان البيض التابعين لبريطانيا. فالاستعمار الاستيطاني بالنسبة إليه يشبه الزواج المُختلَط، وسيلة للتخلص من اليهود ولتذويبهم في التشكيل الحضاري الغربي. ولذا، حين رفض المؤتمر السابع (1905) المشروع، انشق زانجويل على المنظمة الصهيونية وأسَّس المنظمة الصهيونية الإقليمية التي كانت تهدف إلى تأسيس إقليم يهودي (ليس بالضرورة في فلسطين) بهدف إنقاذ وإغاثة اليهود خارج أية تصورات قومية يهودية. وقد تحرك زانجويل بحماس في إطار صهيونيته التوطينية، فطلب العون من أثرياء الغرب المندمجين (لورد روتشيلد ويعقوب شيف) وحاول توطين بعض المهاجرين اليهود، ولكنه لم ينجـح إلا في توطـين بضع عائلات في تكسـاس. وحينـما أُعلن وعد بلفور، أصبح زانجويل من كبار المتحمسين له. والواقع أن هذا الوعد جعل المشروع الصهيوني جزءاً من التشكيل الحضاري أو على وجه الدقة التشكيل الإمبريالي الغربي. وطالب زانجويل بتفريغ فلسطين من سكانها في أسرع وقت، فهو مثل نوردو وجابوتنسكي في عجلة من أمره ويتمنى اختفاء اليهود حتى يستأنف حياته في غرب أوربا كمواطن عادي. وقد وجَّه زانجويل النقد اللاذع للحكومة البريطانية لفشلها في تنفيذ ما جاء في الوعد بسرعة. ولكنه، مع هذا، عاد واكتشف حقيقة الموقف في فلسطين، ووجد أن المشروع الصهيوني سيرتطم بالسكان الأصليين. ولهذا، فقد عاد مرة أخرى للحل الإقليمي.

من أهم كتبه التي تضم مقالاته صوت القدس (1920)، خُطب ومقالات وخطابات (1937)، لكن هذه الكتابات نُشرت بعد موته. وقد قام زانجويل بترجمة أعمال ابن جبيرول من العبرية إلى الإنجليزية.

مشـروع قـبرص
Cyprus Project
انطلقت الدعوة الأولى لتوطين اليهود في قبرص في عام 1878، عندما فرضت بريطانيا سيطرتها على الجزيرة رغم إبقائها، من الناحية الاسمية، تابعة للدولة العثمانية. فقد نشرت صحيفة الجويش كرونيكل آنذاك مقالاً أبرزت فيه المزايا التي تتمتع بها قبرص والتي تجعلها مكاناً ملائماً لتوطين اليهود يكون بمنزلة قاعدة تحظى بالحماية البريطانية.

ومع تزايد حدة النزاع بين بريطانيا والدولة العثمانية حول الجزيرة عام 1895، ارتفعت في بريطانيا أصوات تدعو إلى إنشاء كيان يهودي في قبرص يكون خاضعاً للحماية البريطانية وخادماً للمصالح الاستعمارية البريطانية في البحر الأبيض المتوسط. ولقيت هذه الدعوة قبولاً لدى الداعية الصهيوني ديفيز ترييتش، الذي سعى إلى عرض الفكرة في المؤتمر الصهيوني الأول (1897) ثم في المؤتمر الثاني (1898)، ولكن هرتزل، الذي كان متحمساً للمشروع من حيث المبدأ، نصحه بالتريث حتى تحين فرصة مواتية للبدء في الخطوات العملية، وأشار عليه بعرض الأمر على جمعية الاستعمار اليهودي، التي لم تتحمس هي الأخرى للمشروع. إلا أن ذلك لم يثن ترييتش عن مسعاه، فطرح الفكرة مجدداً في المؤتمر الصهيوني الثالث (1899)، حيث قوبلت بمعارضة شديدة، على أساس أن الانشغال بتوطين اليهود في قبرص قد يعرقل مشاريع الاستيطان في فلسطين. أما هرتزل فلم يجاهر بتأييده للمشروع خوفاً من استفزاز حركة أحباء صهيون، التي كانت تصر على الاستيطان في فلسطين.

وكان من شأن هذه المعارضة أن تدفع ترييتش إلى الاعتماد على جهوده الشخصية، فألف في برلين عام 1899 لجنة لرعاية المشروع كان من بين أعضائها ديفيد ولفسون وأوتو واربورج، وسافر في العام نفسه إلى قبرص لدراسة الأوضاع هناك، كما قدَّم مذكرة بالمشروع إلى المندوب السامي البريطاني في الجزيرة، ركز فيها على المكاسب التي ستجنيها بريطانيا سياسياً واقتصادياً من وراء دعمها للمشروع والدور الذي سيقوم به المستوطنون اليهود في خدمة المصالح البريطانية في منطقة شرق البحر المتوسط.

وفي عام 1900، نجح ترييتش، بالتعاون مع جمعية الاستعمار اليهودي، وصندوق الائتمان اليهودي للاستعمار، في تهجير نحو 250 من اليهود الرومانيين والروس إلى قبرص. ولكنهم لم يَطُل بهم المقام هناك، فسرعان ما سرى التذمر في صفوفهم نظراً لغياب التجانس بينهم وإحساسهم بأنهم أصبحوا أشبه ما يكونون بالعبيد في ظل نظام السخرة الذي فرضه عليهم ترييتش دون أدنى اعتبار لآدميتهم أو لتقاليدهم الدينية أو الثقافية، وهو ما جعلهم يفضلون العودة إلى ديارهم والعدول عن الاستيطان في قبرص. وأثار فشل المحاولة عاصفة من الهجوم على ترييتش حيث اتهمه خصومه بالتغرير بالمهاجرين اليهود لتحقيق مآرب شخصية والإقدام على مغامرة غير مدروسة.

إلا أن هذا الفشـل لم يقـض على المشـروع تماماً. ففي عام 1901، طُرحت مجدداً فكرة توطين بعض اليهود في قبرص، وجاءت المبادرة هذه المرة من جانب هرتزل، الذي كان يرقب باهتمام مساعي ترييتش دون أن يورط نفسه في تأييدها أو معارضتها علناً، ولكنه وجد فرصة سانحة بعد ما سرت شائعات عن أن بريطانيا تنوي التخلي لألمانيا عن قبرص مقابل الحصول على بعض المستعمرات الألمانية في شرق أفريقيا، فسارع بإجراء اتصالات مع الحكومة الألمانية لإقناعها بالمنافع التي ستعود عليها من جراء توطين اليهود في قبرص، حيث إن المستوطنين سيوفرون لألمانيا قاعدة للتوسع الاستعماري في المنطقة العربية، وسيضمنون تأمين الطريق إلى مستعمراتها في آسيا، فضلاً عن استعدادهم للقيام بعمليات عسكرية للدفاع عن المصالح الألمانية إذا دعت الحاجة إلى ذلك.

ولكن هرتزل لم يلبث أن تراجع عن هذا العرض بعدما تبين أن بريطانيا لن تتخلى عن قبرص، فاتجه بمساعيه مرة أخرى إلى الحكومة البريطانية التي حرص دائماً على إبقاء الأبواب مواربة معها، وأسفرت هذه المساعي عن عقد اجتماع في عام 1902 بينه وبين جوزيف تشامبرلين، وزير المستعمرات البريطاني آنذاك، نوقشت خلاله خطط توطين اليهود في قبرص أو العريش. إلا أن الوزير البريطاني أبدى تَخوُّفه من أن الاستيطان اليهودي في قبرص قد يثير حفيظة سكان الجزيرة، وأغلبهم مسيحيون أرثوذكس ذوو أصول يونانية، وهو الأمر الذي قد يُفجِّر بدوره مشاكل مع كل من اليونان، التي تربطها بسكان الجزيرة وشائج قومية وتاريخية، وروسيا التي تُعَدُّ كنيستها الأرثوذكسية المرجع الروحي لهؤلاء السكان. وقد ألمح تشامبرلين إلى أن حكومته لا تقبل إحلال اليهود محل سكان مسيحيين لهم ارتباطات وثيقة بالعالم الأوربي، واقترح بدلاً من ذلك أن يكون توطين اليهود في "بقعة أخرى من الممتلكات البريطانية لا يوجد بها سكان مسيحيون بيض". ولا تخلو هذه النظرة العنصرية الصريحة من مغزى، فإذا كان فقراء اليهود في أوربا يشكلون فائضاً بشرياً ينبغي التخلص منه بتهجيره، فإن هذه العملية ينبغي ألا تتم على حساب أحد أطراف العالم الأوربي "الحديث"، بل يلزم البحث عن كبش فداء من الشعوب الأخرى "المتخلفة" لكي تُصدَّر إليه أزمات أوربا.

ورغم أن بريطانيا رفضت عرض هرتزل، إلا أن الاتصالات بين هرتزل وتشامبرلين شجعت ترييتش على إحياء مشروعه، فبادر في مطلع عام 1903 إلى السعي لدى المندوب السامي البريطاني في قبرص للموافقة على توطين بعض اليهود في الجزيرة، ولكن بريطانيا كررت رفضها وأكدت مجدداً أن أقصى ما يمكن قبوله هو السماح لليهود بشراء مساحات محددة من الأراضي في قبرص، على أن يتم ذلك بشكل فردي وبرضا سكان الجزيرة، وهو ما دفع ترييتش، والحركة الصهيونية عموماً، إلى صرف الأنظار عن مشروع توطين اليهود في قبرص.

ديفـيز ترييتــش (1870ـ1935(avis Trietsch
صهيوني توطيني إقليمي. وُلد في درسدن بألمانيا، وهاجر إلى نيويورك في الثالثة والعشرين من عمره، وأقام بالولايات المتحدة الأمريكية حتى عام 1899 حيث حصل على الجنسية الأمريكية. ثم انتقل إلى ألمانيا وساهم بحماس في الأنشطة الصهيونية، فشارك منذ عام 1901 في تحرير المجلة الشهيرة الشرق والغرب التي كانت تُعنَى بقضايا اليهودية المعاصرة. وأتاح له مارتن بوبر ـ من خلال رئاسته لصحيفة دي فيلت ـ فرصة التعبير عن آرائه ومشاريعه. كما ساهم مع بوبر وآخرين في تأسيس دار نشر صهيونية في برلين عام 1902.

اشترك ترييتش في المؤتمر الصهيوني الأول (1897)، وارتبط اسمه بجهوده الكبيرة في هذا المؤتمر وفي المؤتمرات التالية، لحمل الحركة الصهيونية على تبنِّي مشروع قبرص الذي كان قد بدأ الدعوة له منذ عام 1895 حيث رأى فيه مقدمة لتحقيق هدفه الأعظم وهو مشروع فلسطين الكبرى التي تضم قبرص والعريش فضلاً عن فلسطين. كما دعا ترييتش لتعديل برنامج بازل وتوسيعه ليتمشى مع مفهومه الخاص عن هدف الصهيونية، ولكنه قوبل بمعارضة شديدة، وهو ما دعاه إلى مواصلة مساعيه اعتماداً على جهوده الشخصية.

وعلى الصعيد النظري، كرس ترييتش عدداً كبيراً من المقالات والدراسات لبسط مشروع فلسطين الكبرى. وعلى الصعيد العملي، سعى ترييتش إلى عرض مشروع توطين اليهود في قبرص على الحكومة البريطانية التي لم تُبد حماساً كبيراً في ذلك الوقت، فاتجه إلى طلب المعونة من أثرياء اليهود، أمثال البارون دي هيرش، وجمعية الاستعمار اليهودي وصندوق الائتمان اليهودي للاستعمار، ولكنه لم يلق استجابة تُذكَر. ورغم أنه نجح عام 1900في تهجير حوالي 250 من يهود روسيا ورومانيا إلى قبرص. إلا أن المحاولة لم تلبث أن منيت بفشل ذريع، نظراً لعدم تجانس المهاجرين وإحجام بريطانيا وأثرياء اليهود عن دعم المشروع، وهو ما عرَّض ترييتش لهجوم عنيف حدا به إلى الابتعاد عن الساحة السياسية والانصراف إلى العمل الصحفي بل التنصل من مسئولية المغامرة الفاشلة.

ولكنه بادر عام 1903، بالتعاون مع فرانز أوبنهايمر، بتأسيس الشركة اليهودية لاستعمار الشرق في برلين. كما أسَّس مع نوسيج مجلة فلسطين لتكون لسان حال الشركة. كما واصل، من جهة أخرى، اتصالاته بالمسئولين البريطانيين لإقناعهم بتبنِّي مشروع استيطان قبرص، إلا أن بريطانيا رفضت المشروع خوفاً من إثارة مشاعر المواطنين في قبرص.

وفي عام 1905، أسَّس ترييتش مكتب معلومات الهجرة في يافا لجمع المعلومات عن الهجرة اليهودية والمناطق الملائمة للاستيطان، إلا أنه لم يستمر طويلاً في عمله هذا. وفي عام 1906، سافر إلى العريش ضمن بعثة شكَّلها لاكتشاف المنطقة ودراسة إمكانية توطين اليهود فيها تمهيداً للتفاوض من جديد مع الحكومة البريطانية للحصول على دعمها وتأييدها للمشروع، ولكن جهوده هذه آلت هي الأخرى إلى الفشل.

وعندما اندلعت الحرب العالمية الأولى، عمل ترييتش في قسم الإحصاء في الجيش الألماني. وفي عام 1915، نشر عدة كتيبات تدعو إلى تعزيز التعاون بين ألمانيا والحركة الصهيونية، وكان من شأن دعوة كتلك أن تُصعِّد حملة الهجوم عليه من جانب خصومه في الحركة الصهيونية الذين كانوا يرون بريطانيا الحليف الأساسي للحركة.

وقد ظل ترييتش حتى نهاية حياته متمسكاً بآرائه الرامية إلى التعجيل بتهجير أعداد كبيرة من اليهود إلى فلسطين وإقامة مشاريع صناعية هناك بدلاً من المشاريع الزراعية التي كانت تنفذها المنظمة الصهيونية، وذلك لوضع أسس صلبة لقيام فلسطين الكبرى.

ويُعتبَر ترييتش مثالاً واضحاً للصهيوني التوطيني الذي كان يرغب في حل مشاكل إخوانه اليهود. وعلى حد تعبيره، فإن "على الأغنياء من اليهود أن يبحثوا عن مكان ليستقر فيه إخوانهم الفقراء". وهو ينطلق أساساً من خوفه من موجات هجرة اليهود الفقراء والعمال إلى موطنه الذي اختاره للاندماج، وبالتالي من خوفه من تَفجُّر موجة عداء ضد اليهود قد تؤثر فيه هو شخصياً، فكأن صهيونيته دفاع عن اندماجيته الحقيقية. والواقع أن ترييتش لم يفكر قط في الاستقرار في أي من مشاريعه. كذلك لا يمكن إغفال دافع الربح، فقد كان ترييتش صهيونياً نفعياً يرى مشاريعه الصهيونية وسيلة لكسب المال وزيادة ثروته. ومن ثم، كان تركيزه على أن يكون اليهود والمستوطنون من العمال القادرين.

مشــروع مـديـن
Midian Project
في سياق تطبيق الصيغة الصهيونية الأساسية المتمثلة في حل ما يُسمَّى «المسألة اليهودية» عن طريق نقل اليهود إلى بقعة خارج أوربا لإقامة دولة يهودية فيها تحت رعاية إحدى القوى الاستعمارية، سعى الرحالة الصهيوني بول فريدمان إلى البحث عن بلاد ضئيلة السكان لتكون مسرحاً لعملية الاستيطان اليهودي، واختار لهذا الغرض ما يُسمَّى «إقليم مدين» الواقع شمال غربي الجزيرة العربية، والمتاخم لمدينة العقبة الأردنية، وعمل على الاتصال بالزعماء اليهود والحاخامات والشخصيات البارزة لتدعيم المشروع. كما تقرَّب إلى جمعية قديما والجمعية الأنجلو يهودية وجمعية الأليانس في باريس وفيينا، وحاول استمالة البارون دي هيرش لتمويل المشروع. ومن ناحية أخرى، سعى فريدمان إلى توفير مظلة دولية لمشروعه فقابل اللورد كرومر في لندن عام 1889 وأكد له الأخير أن الحكومة البريطانية لن تعرقل خطواته.

وفي عام 1890، قام بزيارة مصر لدراسة أوضاع أرض مدين والحصول على موافقة الحكومة المصرية على المشروع حيث كان الإقليم خاضعاً لإشراف حاكم مصري في السويس. وبعد عودته إلى برلين، نشر عام 1891 كتيباً بعنوان أرض مدين وصف فيه أحوال الإقليم واقتصادياته وطبيعة السكان والمناخ، وعدَّد مزايا الاستيطان اليهودي في تلك الأرض التي زعم أنها كانت في الماضي جزءاً من المملكة اليهودية القديمة. وعمل فريدمان على إرسال الكتيب إلى عدد من السياسيين ورجال الدولة في أوربا لحثهم على ممارسة نفوذهم لإقناع أكبر عدد من اليهود بالهجرة إلى مدين.

وفي عام 1891 أيضاً، بدأ فريدمان جهوده العملية لتحويل المشروع إلى واقع، فقام بتجنيد عدد من اليهود الروس في فرقة عسكرية لتكون نواة لجيش المستوطنين. وابتاع يختاً بحرياً أطلق عليه اسم «إسرائيل»، وأبحر في نوفمبر من العام نفسه مع المجندين المسلحين الذين بلغ عددهم نحو خمسين شخصاً بالإضافة إلى بحارة اليخت التسعة، وكان معظم هؤلاء من أعضاء حركة أحباء صهيون.

وما أن وصل فريدمان وجيشه إلى مدين حتى بدأت المشاكل، إذ ظهرت معارضة شـديدة في أوسـاط الحركة الصهيونية. وفي الوقـت نفسه، اندلع التمرد في صفوف المستوطنين من جراء النظام الصارم الذي فرضه فريدمان. وازدادت حدة الغضب بعد العثور على جثة أحد المستوطنين ملقاة في الصحراء، فجرى طرد المتمردين من الفرقة، حيث تاهوا في الصحراء ولقي بعضهم حتفه. وفي آخر الأمر، لم يتبق من الأتباع سوى تسعة أشخاص. ومع ذلك، كان يحلو لفريدمان أن يرتدي الزي العسكري ويضع على رأسه التاج الذهبي ويزين صدره بالأوسمة والنياشين ممثلاً دور ملك اليهود في مدين (!). وتضاعفت المشاكل عندما قرَّرت الحكومة الروسية مقاضاة فريدمان أمام محكمة قنصلية ألمانيا في القاهرة بتهمة التسبب في وفاة أحد رعاياها خلال هذه المغامرة. وقد لجأ فريدمان إزاء ذلك كله إلى محاولة تجنيد بعض اليهود المصريين وإغراء بعض الجنود السودانيين، إلا أن محاولته لم تُحقِّق نجاحاً يُذكَر. وفي نهاية الأمر، تدخلت الحكومة العثمانية لتضع حداً للمغامرة الاستعمارية إذ تحسَّست الخطر من هذا المشروع الذي يتم تحت الحماية البريطانية. وهكذا تحركت قوة عسكرية تركية لطرده من الإقليم. وقد فشلت مساعيه لتحريض السكان على القتال ضد الأتراك، كما فشلت المساعي البريطانية لحمل تركيا على الانسحاب. وطُلب من فريدمان مغادرة البلاد فعاد إلى برلين عام 1895.

وقد زاد فشل المغامرة من هجوم الحركة الصهيونية على فريدمان. والملاحَظ أن هذه الانتقادات انصبت على شخص فريدمان ولم تتعرض لعملية الاستيطان نفسها أو لفكرة اغتصاب أرض يملكها الغير. وكان هؤلاء المعارضون هم أنفسهم الذين أعطوا هرتزل فيما بعد كل تأييدهم حين بدأ الدعوة لمغامرة مماثلة تهدف لاستعمار فلسطين وإقامة "الوطن القومي اليهودي" على أرضها.

بـــول فريدمــان (1840-1900(Paul Friedmann
صهيوني توطيني. وُلد في ألمانيا لعائلة يهودية كان أحد أفرادها زعيـماً للطائفة اليهـودية في برلين. وقد اعتنـق المذهـب البروتستانتي حيناً، ولكنه عاد إلى اعتناق اليهودية مرة أخرى. قام برحلات متعددة إلى العواصم الأوربية، واهتم بأحوال أعضاء الجماعات اليهودية في هذه البلدان ولا سيما اليهود الروس، وتوصَّـل إلى الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة ومؤداها أن حل ما يُسمَّى المسألة اليهودية لن يتم إلا عن طريق نقل اليهود (باعتبارهم شعباً عضوياً منبوذاً) إلى بقعة خارج أوربا لإقامة دولة يهودية فيها تحت رعاية دولة غربية. ثم مضى إلى أبعد من ذلك، فقاد في عام 1891 مغامرة لتوطين عدد من اليهود الروس في «إقليم مدين» الواقع على الشاطئ الغربي لشبه الجزيرة العربية وإقامة دولة يهودية هناك، فيما عرف باسم «مشروع مدين». إلا أن المغامرة مُنيت بالفشل الذريع نظراً لمعارضة الدولة العثمانية للمشروع خوفاً من عواقبه الوخيمة على مصالحها، وإحجام زعماء الحركة الصهيونية والأثرياء اليهود عن دعم المشروع لتشككهم في جديته، فضلاً عن انفراط عقد المستوطنين أنفسهم من جراء النظام الصارم الذي فرضه فريدمان عليهم، وهو ما أدَّى إلى مصرع بعضهم، وكذلك إلى عدم اقتناعهم بشخصية فريدمان نفسه الذي كان يَغلب عليه الإحساس بجنون العظمة.

والواقع أن بول فريدمان يشبه لورانس أوليفانت في كثير من النواحي، فكلاهما يدور داخل نطاق الفكر الاسترجاعي بعد علمنته تماماً وبعد أن تحوَّل المشروع الاسترجاعي شبه الديني إلى مشروع استيطاني علماني تماماً. وكلاهما صهيوني عملي لا يَقنَع بالتوصُّل للصيغ النظرية وإنما يحاول وضعها موضع التطبيق. وكلاهما يسعى إلى تجنيد المادة البشرية اليهودية (اليديشية) التي كانت لا تزال تفتقد القيادة اليهودية وإدراك حقيقة الإمبريالية الغربية كظاهرة عالمية.

مشــروع أنجـولا
Angola Project
بعد فشل مشروع الاستيطان اليهودي في ليبيا، إثر وقوعها في قبضة الاستعمار الإيطالي، تطلعت المنظمة الصهيونية الإقليمية إلى مناطق أخرى تَصلُح لتوطين اليهود فيها وسعت للبحث عن قوة استعمارية كبرى تتولَّى توفير الحماية والرعاية لمشاريع الاستيطان. وفي عام 1912، اقترح إسرائيل زانجويل على الحكومة البرتغالية توطين عدد من يهود روسيا وأوربا الشرقية في مستعمرة أنجولا، ووافق البرلمان البرتغالي على الاقتراح بالإجماع، إذ رأى فيه فرصة لتوطيد النفوذ الاستعماري في تلك المنطقة التي كان المستوطنون البرتغاليون يحجمون عن الاستقرار فيها رغم أهميتها الحيوية بحكم موقعها المجاور لمناطق النفوذ الألماني والبريطاني. ولكن البرلمان اشترط أن يتوافد المستوطنون اليهود فرادي وليس جماعات، وأن تظل الحكومة البرتغالية صاحبة اليد العليا في كل ما يتعلق بأمور المنطقة.

وفي عام 1913، أوفدت المنظمة الصهيونية الإقليمية بعثة من الخبراء إلى أنجولا لدراسة الأوضاع فيها ومدى قدرة المستعمرة على استيعاب مستوطنين يهود. وأعدت البعثة تقريراً لعرضه على المؤتمر العام للمنظمة الذي كان مقرراً عقده في سويسرا في عام 1914، إلا أن اندلاع الحرب العالمية الأولى أدَّى إلى إرجاء المؤتمر، كما أدَّت التطورات اللاحقة على الصعيد العالمي إلى صرف النظر عن المشروع برمته.

مشـروع ليبيــا
Libya Project
يرجع الاهتمام الصهيوني بتوطين اليهود في ليبيا إلى مطلع القرن العشرين، عندما اكتشف هرتزل ما كانت تبيته إيطاليا من نوايا استعمارية إزاء ليبيا، في إطار مساعيها للحصول على نصيب من تركة الدولة العثمانية في شمال أفريقيا وإيجاد موضع لقدمها هناك، وبخاصة بعد سقوط تونس والجزائر في قبضة الاستعمار الفرنسي عامي 1830 و1881، ثم وقوع مصر تحت الاحتلال البريطاني عام 1882.

وبادر هرتزل عام 1904 بتقديم اقتراح إلى ملك إيطاليا، يرمي إلى تهجير عدد من يهود شرق أوربا إلى طرابلس الغرب لكي يقيموا فيها حكماً ذاتياً في "ظل القوانين والمؤسسات الليبرالية الإيطالية". وأفاض هرتزل، كدأبه مع زعماء القوى الاستعمارية الكبرى، في ذكر المنافع التي ستعود على إيطاليا من جراء هذا المشروع والخدمات التي يمكن أن تؤديها الحركة الصهيونية لإيطاليا، إلا أن الملك الإيطالي آثر عدم الاستجابة للاقتراح خشية افتضاح أمر الأطماع الإيطالية في ليبيا وما يمكن أن يسببه هذا من مشاكل مع بريطانيا وفرنسا والدولة العثمانية، فرد على هرتزل بما يفيد عدم قدرة إيطاليا على تقديم الدعم للمنظمة الصهيونية العالمية في هذا الصدد، واحتج بأن "طرابلس الغرب وطن للآخرين" ولا سلطان لإيطاليا عليها.

وفي أعقاب وفاة هرتزل، جددت المنظمة الصيهونية الإقليمية بزعامة إسرائيل زانجويل مشروع توطين اليهود في ليبيا. ففي عام 1906 أوفد زانجويل لجنة من الخبراء الصهاينة إلى طرابلس الغرب لبحث إمكانية توطين اليهود هناك. وعادت اللجنة بانطباعات إيجابية ضمنتها تقريرها إلى زانجويل الذي أشارت فيه إلى استعداد السلطات العثمانية في ليبيا لقبول فكرة إنشاء مستوطنات يهودية في منطقة الجبل الأخضر بولاية برقة. وفي الوقت نفسه، أوعزت الحكومة البريطانية إلى قنصلها العام في مدينة تونس، السير هاري جونستون، بأن يقترح على زانجويل فكرة إنشاء وطن قومي لليهود في منطقة الجبل الأخضر وإرسال بعثة لدراسة أحوال المنطقة، مؤكداً له استعداد والي ليبيا العثماني رجب باشا (1904 ـ 1909) لتقديم سائر التسهيلات لأعضاء البعثة.

وكانت بريطانيا ترمي من وراء ذلك إلى إيجاد قوة تستطيع مواجهة خطر التدخل الإيطالي المحتمل في ليبيا، بينما وجد الوالي العثماني في الاستيطان اليهودي فرصة لتحسين الأوضاع الاقتصادية السيئة في ليبيا. أما المنظمة الصهيونية الإقليمية، فقد نظرت إلى اقتراح توطين اليهود في برقة بوصفه مشروعاً مربحاً من الوجوه كافة، فهو أولاً مشروع يحظى بتأييد اثنتين من القوى الكبرى، وهما بريطانيا والدولة العثمانية، وهو ما يضمن له الحماية والتمويل اللازمين لنجاحه. كما أن المنطقة المقترحة للاستيطان في برقة تكاد تخلو من السكان الأصليين، وهو ما يجعل غلبة النفوذ اليهودي فيها أمراً يسيراً، وذلك عن طريق جلب أعداد كبيرة من اليهود إلى المنطقة وإجبار السكان الأصليين على الهجرة باتجاه الصحراء، وخصوصاً أن المنطقة تقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وهو ما يُسهِّل عملية جلب اليهود من روسيا ورومانيا. وفضلاً عن هذا، من الممكن على المستوى الدعائي إيجاد ذرائع لجذب اليهود إلى الاستقرار في برقة حيث كانت هذه المنطقة مأوى لعدد كبير من اليهود في عصر الإسكندر المقدوني والبطالمة. ثم إن هذه العناصر مجتمعة تجعل المشروع أمراً ممكناً على عكس مشاريع الاستيطان الأخرى التي كانت مطروحـة آنذاك، مثل مشـروع قبرص ومشـروع أوغندا.

وقد سعت المنظمة الصهيونية الإقليمية، منذ البداية، إلى تقديم نفسها بوصفها الحارس لمصالح الدولة العثمانية في المنطقة وأبدت استعدادها للقيام "بكل ما فيه خير البلاد العثمانية"، فعرضت أن يَحصُل المستوطنون اليهود على الجنسية العثمانية وأن يقوموا بدفع ما يلزم من ضرائب ورسوم بشكل جماعي، وأن تتولى المنظمة إقامة ميناء على الساحل الليبي وإنشاء سكة حديدية وتأسيس ملاحة، على أن تعمل هذه المؤسسات جميعها تحت سيطرة الدولة العثمانية وفي خدمتها.

وفي عام 1908، أوفدت المنظمة بعثة من الخبراء الصهاينة إلى طرابلس الغرب حيث التقى أعضاؤها بالوالي العثماني الذي رحب بهم وكلف أحد معاونيه بمصاحبتهم إلى برقة لتذليل أية صعوبات قد تواجههم. وأمضت البعثة ثلاثة أسابيع في برقة أجرت خلالها أبحاثاً مكثفة تركزت على أوضاع المنطقة ومواردها المائية وفرص إقامة مشاريع زراعية بها. وأدرجت البعثة خلاصة بحوثها تلك في تقرير صدر في مطلع عام 1909 وأُطلق عليه اسم الكتاب الأزرق تضمن عدداً من المقترحات العملية التي تهدف إلى توفير احتياجات المنطقة من المياه، وإنشاء شبكة مواصلات حديثة تربط برقة بغيرها من مدن ليبيا، وتنظيم الاستيطان اليهودي هناك. وشدد التقرير على ضرورة تحاشي كل ما من شأنه إحراج السلطات العثمانية الراعية للمشروع أو تعكير صفو العلاقات معها، فاقترح أن يتم جلب اليهود على مراحل وبأعداد صغيرة في أول الأمر، وعدم المطالبة بالحكم الذاتي منذ البداية. بيد أن الأوضـاع العالميـة آنذاك سـارت على غير ما كان يشـتهي واضعو المشروع. فقد شهد عام 1909 وقوع انقلاب في الدولة العثمانية أطاح بالسلطان عبد الحميد الثاني ودفع الدولة إلى دوامة من الصراعات والمشاكل الداخلية الحادة التي شغلتها عن الاهتمام بمشروع الاستيطان اليهودي، فضلاً عن وفاة والي ليبيا العثماني الذي كان من مؤيدي المشروع. وزاد الموقف تعقيداً إقدام إيطاليا عام 1911 على غزو ليبيا واحتلالها، ولم يلبث العالم بأسره أن اندفع في غمار الحرب العالمية الأولى، وكان من شأن هذا كله أن يؤدي إلى القضاء على المشروع في مهده.

مشـروع الخليـج العـربي (البحـرين والأحسـاء(
Arab Gulf Project (Al-Bahrain and Al-Ahsaa)
طُرح هذا المشروع عام 1917 في سياق رسالة وجهها إلى الحكومة البريطانية طبيب يهودي روسي مقيم في باريس، ويُدعَى م. ل. روثشتاين، حيث اقترح إقامة دولة يهودية في الجزء الشمالي من منطقة الخليج العربي تشمل البحرين والأحساء، وذلك عن طريق تشكيل جيش يهودي قوامه 30 ألف مقاتل يتم اختيارهم من شباب اليهود في شرق أوربا، ويتخذ من البحرين قاعدة له، وتتولَّى بريطانيا بالتعاون مع حليفتيها فرنسا وروسيا تدريب الجيش وإمداده بالعتاد والأموال والمستشارين العسكريين الأكفاء، بالقدر الذي يؤهله للانقضاض على منطقة الإحساء وفرض السيطرة عليها وإقامة نواة الدولة اليهودية فيها. وشدد روثشتاين على ضرورة إعداد الجيش في سرية تامة دون أن يعلم أحد حتى أفراده بحقيقة المهام المنوطة به، وأن ينهض بتسيير أمور الدولة المقترحة مَجْمَع من الحاخامات.

ولم يدخر روثشتاين وسعاً في إبداء فروض الطاعة والولاء لبريطانيا، فأشار إلى أن الجيش اليهودي المقترح سيتولى حماية منطقة الخليج من أي خطر يتهددها، سواءٌ تمثَّل ذلك في شكل هجمات عسكرية تشنها الدولة العثمانية أو ألمانيا أو تمثَّل في شكل ثورات يقوم بها سكان المنطقة العرب، وعرض روثشتاين استعداد الجيش للمشاركة في القتال خلال الحرب العالمية الأولى إلى جانب بريطانيا وحلفائها والنهوض بأية مهمة توكل إليه. كما أكد أن قيام هذه الدولة يضمن لبريطانيا ولاء يهود العالم أجمع ويهود الدولة العثمانية وألمانيا على وجه الخصوص بحيث يكون هؤلاء عملاء مخلصين يسعون إلى تفتيت جبهة الأعداء من الداخل. وأوضح روثشتاين في الختام أن نفقات إعداد الجيش اليهودي تُعتبَر ديناً تلتزم الدولة اليهودية بسداده فور قيامها وأنه يتعهد شخصياً بذلك.

ورغم هذه الإغراءات المثيرة، قوبل المشروع بالرفض التام من جانب بريطانيا، حيث ساق إدوين مونتاجو، وزير شئون المستعمرات في الحكومة البريطانية الذي كُلِّف بدراسة الموضوع، عدداً من الاعتبارات التي تدفع بريطانيا إلى عدم تحبيذ الفكرة، من بينها أن توطين اليهود في منطقة الجزيرة العربية لن يكون موضع ترحيب من جانب السكان العرب، وهو ما قد يؤدي إلى إثارة مشاكل معقدة لبريطانيا، فضلاً عن عدم ملاءمة الأماكن المقترحة لإقامة الدولة، حيث كانت البحرين خاضعة للنفوذ البريطاني ومرتبطة بمعاهدة معها منذ عام 1820. كما كانت الأحساء منذ عام 1913 تحت سيطرة عبد العزيز بن سعود أمير نجد الذي بادر عام 1915 بعقد معاهدة تَحالُف مع بريطانيا تعهدت بمقتضاها بحماية بلاده في حالة تعرضها لأي هجوم خارجي.

إلا أن هذه الاعتبارات التي أفصحت عنها بريطانيا كانت تخفي أسباباً أعمق للرفض. فقد أدَّت تطورات الحرب العالمية الأولى آنذاك إلى تفتيت الدولة العثمانية وإبعاد خطر الغزو الألماني عن المنطقة، ومن ثم فَقَد مشروع الاستيطان اليهودي أحد مبرراته الأساسية، حيث لم تَعُد بريطانيا في حاجة إلى حارس لمصالحها في المنطقة بعد أن أحكمت هي سيطرتها عليها. كما أن بريطانيا كانت تتوجس خيفة من مغبة الاستعانة بفرنسا وروسيا في تدريب الجيش اليهودي المقترح، وهو ما قد يؤدي إلى فتح أبواب المنطقة للمنافسة الاستعمارية من جديد. وفضلاً عن هذا وذاك، فقد كان اهتمام بريطانيا آنذاك منصباً على فلسطين بوصفها مكاناً مقترحاً لإقامة "وطن قومي" لليهود يكون قاعدة استعمارية في تلك المنطقة الحيوية، وهو ما تمثَّل في صدور وعد بلفور في نوفمبر 1917، والذي كان إعلاناً حاسماً صَرَف النظر نهائياً عن مشروع روثشتاين.

مشـــروع مـوزمبيــق
Mozambique Project
بينما كانت المشاريع الصهيونية الرامية إلى توطين اليهود في العريش أو شرق أفريقيا تواجه صعوبات جمة، كان هرتزل يسعى بدأب للبحث عن مناطق أخرى للاستيطان من خلال عرض خدمات الحركة الصهيونية على القوى الاستعمارية المختلفة لضمان تأييدها للمشروع الصهيوني. ففي عام 1903 أجرى هرتزل اتصالات مع رئيس وزراء النمسا، عن طريق صديقه وليام هشلر، بغية التوسط لدى الحكومة البرتغالية للسماح بتوطين اليهود في موزمبيق، وبالفعل عقد هرتزل اجتماعاً مع السفير البرتغالي في فيينا عرض خلاله اقتراحاً بإنشاء شركة استثمارية يهودية تعمل على مساعدة البرتغال في التغلب على أزمتها الاقتصادية وتلتزم بتقديم معونة سنوية لها مقابل حصولها على حق استثمار أراضي موزمبيق وتوطين أعداد من يهود شرق أوربا فيها.

ورغم حدة الضائقة المالية التي كانت تعاني منها البرتغال آنذاك، فقد آثرت تجاهل الاقتراح خوفاً من عواقب التورط علناً في مشاريع مشتركة مع المنظمة الصهيونية العالمية التي كانت تربطها علاقة وثيقة ببريطانيا، وهي إحدى القوى الكبرى المنافسة للبرتغال في مجال الاستعمار.

ومن الواضح أن هرتزل لم يكن ينظر إلى مشروع موزمبيق إلا بوصفه إحدى الأوراق التي يمكن استخدامها لحث بريطانيا على تقديم مزيد من الدعم لمخططات الاستيطان الأخرى في قبرص والعريش على المـدى القـريب، ولمخطـط إقامة دولة يهودية في فلسـطين على المدى البعيد. فقد ألمح هرتزل في مذكراته، في معرض حديثه عن مشروع موزمبيق، إلى اعتزامه التنازل عنها للحكومة البريطانية نظير "الحصول" على شبه جزيرة سيناء بأكملها مع مياه النيل صيفاً وشتاءً، وربما معها قبرص، "وذلك كله بلا مقابل".

مشروع الكونغو
Congo Project
في إطار مساعي المنظمة الصهيونية العالمية لتنفيذ مشاريع الاستيطان اليهودي في ظل حماية إحدى القوى الاستعمارية الكبرى، وبعد تعثُّر مشاريع التوطين في العريش وشرق أفريقيا وأنجولا وغيرها، بادر هرتزل في يوليه عام 1903 بإجراء اتصالات مع فرانتز فيليبسون، وهو مستثمر يهودي بلجيكي كان يمتلك احتكارات كبيرة في الكونغو، بغرض استمالته لتأييد فكرة إقامة دولة يهودية في الكونغو والتوسط لدى ملك بلجيكا لكي تتبنَّى بلاده المشروع. وكعادته في المفاوضات مع قادة القوى الاستعمارية الكبرى، عرض هرتزل أن تقوم المنظمة الصهيونية العالمية بدفع "جزية سنوية للحكومة البلجيكية" والمشاركة في تخفيف أعبائها المالية مقابل السماح بتوطين عدد من اليهود في الكونغو واستثمار خيرات المنطقة في إطار حكم ذاتي يخضع لإشراف بلجيكا.

ورغم حماس فيليبسون لمشاريع الاستيطان اليهودي عموماً، إلا أنه رفض اقتراح هرتزل وأحجم عن القيام بأي دور في هذ الصدد. ويرجع ذلك، فيما يبدو، إلى تخوفه من أن يؤدي قدوم مستثمرين يهود إلى بروز منافسة تؤثر على مصالحه الواسعة في الكونغو.

مشـروع الأرجـنتين
Argentina Project
وقع الاختيار على الأرجنتين لتكون البقعة التي تقام عليها أول مستوطنة يهودية في سياق جهود جمعية الاستيطان اليهودي (إيكا) التي أسَّسها المموِّل اليهودي البارون دي هيرش من أجل إعادة توطين يهود أوربا الشرقية في أماكن شتى من القارتين الأمريكيتين، وتحويلهم إلى قطاع اقتصادي منتج من خلال تعليمهم الزراعة والحرف المختلفة.

وقد بدأ المشروع عام 1891 بشراء حوالي 750 ألف هكتار من أراضي الأرجنتين، وجلب ما يقرب من 3500 أسرة يهودية للاستيطان هناك، مع إمدادهم بالآلات الزراعية والخبراء اللازمين لتدريبهم. وأوكلت إلى الكولونيل جولد سميد مهمة الإشراف على تلك المستعمرات اليهودية، رغم أنـه لم يكن يُخفي تحفُّظه على مشـاريع توطـين اليهود خارج فلسطين، وكان ينظر إليها بوصفها مجرد خطوات تمهيدية لإقامة الدولة اليهودية على أرض فلسطين.

وقد مرت هذه المستوطنات بفترات من الازدهار، ولا سيما في عقد الثلاثينيات الذي بلغ فيه الاستيطان اليهودي في الأرجنتين ذروته، حيث كان هناك حوالي 20 ألف مستوطن يزرعون حوالي 500 ألف هكتار من الأراضي الزراعية. إلا أن العقود التالية شهدت تدهور أوضاع المستوطنات نتيجة نقص مساحات الأراضي الصالحة للزراعة وسوء إدارة ممثلي جمعية إيكا وتزايد أعباء الديون على المستوطنين، وهو ما دفع أغلبهم إلى هجرة المستعمرات والاتجاه إلى الاستقرار في المدن الأرجنتينية الكبرى.

مشــاريع توطينيــة أخـرى
Other Settlement Projects
إلى جانب مشاريع التوطين الرئيسية، مثل تلك التي استهدفت قبرص والعريـش وشرق أفريـقيا والأرجنتين، تعدَّدت المسـاعي الصهيونية، قبيل عقد المؤتمر الصهيوني الأول (1897)، وفي أعقابه، من أجل توطين اليهود في بقاع شتى تحت حماية هذه القوى الاستعمارية أو تلك.

ففي عام 1891، وجَّه ماكس بودنهايمر نداء إلى أثرياء اليهود لإنشاء شركة تعمل على توطين يهود شرق أوربا في منطقة سهل البقاع في شمال لبنان. وقد أدرك بودنهايمر مدى اهتمام بريطانيا بهذه المنطقة، فتوجه إليها طالباً توفير الدعم والتأييد لهذا المشروع مقابل قيام المستوطنين اليهود بحماية مصالح بريطانيا الحيوية وتأمين مواصلاتها المؤدية إلى مستعمراتها في الهند. ولكن بريطانيا لم تُلق بالاً للمشروع خشية أن يؤدي إلى مواجهة لا مبرر لها مع الدولة العثمانية.

وفي عام 1893، قام هنري دي أفيجدور بمحاولة أخرى لشراء مساحات من الأراضي في منطقة حوران لتكون قاعدة للاستيطان اليهودي، ولكن المحاولة مُنيت بالفشل نتيجة معارضة الدولة العثمانية وعدم تحمُّس الزعماء اليهود بالتالي لمشروع لا يحظى بحماية قوة كبرى.

وفي العام نفسه، قدَّم أفيجدور التماساً إلى السلطان عبد الحميد نيابة عن جمعية أحباء صهيون، للسماح بتوطين اليهود في منطقة شرق الأردن، وذلك بعد أن قامت السلطات العثمانية بمنع أعضاء الجمعية من شراء الأراضي في فلسطين أو الاستقرار فيها بشكل دائم. وفي الوقت نفسه، قام العلامة بوهلندورف، وهو صهيوني ألماني، بوضع خطة لتجميع أكبر عدد ممكن من اليهود في شرق الأردن للاستقرار فيها وشن غارات منظمة على سكان المنطقة لحملهم على الرحيل تمهيداً لوضع أساس دولة يهودية هناك. إلا أن هذه المحاولات الثلاث لم تحظ بقبول الدولة العثمانية التي كانت تساورها مخاوف عميقة من عواقب توطين اليهود في المحيط العربي وما قد يجره ذلك من صراعات لا طائل من ورائها.

ومع تأسيس المنظمة الصهيونية العالمية، تسارعت وتيرة المساعي التوطينية الصهيونية وتعدَّدت وجهاتها. فخلال عامي 1903 و1904، حاول هرتزل إقناع السلطان العثماني، عن طريق مستشاره، بالموافقة على توطين عدد من اليهود في جنوب العراق، مقابل ضع الحركة الصهيونية في خدمة مصالح الدولة العثمانية والمساهمة في حل أزمتها المالية. إلا أن السلطان رفض فكرة الاستيطان الجماعي، لما يمكن أن تجره من عواقب وخيمة على علاقات الدولة ببريطانيا والعرب على حدٍّ سواء، ولكنه أبدى موافقته على الاستيطان اليهودي بشكل فردي وفي مناطق مختلفة داخل العراق أو خارجها بشرط حصول المستوطنين على الجنسية العثمانية، الأمر الذي لم يلق ترحيباً في أوساط الصهاينة الذين كانوا يتطلعون إلى إقامة دولة يهودية وليس مجرد توطين عدة أفراد.

وفي عام 1905، واصل ديفيز ترييتش محاولاته الاستيطانية، بعد فشل مشروعي قبرص والعريش، فطلب من السلطان العثماني السماح لليهود بالاستيطان في القطاع الساحلي من منطقة أضنه الذي يتاخم الشاطئ السوري. بيد أن السلطان العثماني رفض الفكرة استناداً للمبررات نفسها التي دفعته إلى رفض مشروع جنوب العراق، وهو ما حدا بترييتش إلى التفكير في جزيرة رودس، التي كانت تبدو بقعة ملائمة للمشروع الصهيوني نظراً لموقعها على الطريق البحري بين شرق أوربا وفلسطين، فضلاً عن وجود حوالي خمسة آلاف يهودي في تلك الجزيرة من مجموع سكانها الذي كان يبلغ آنذاك حوالي 30 ألف نسمة. غير أن هذه الفكرة قوبلت مثل سابقتيها بالرفض والتجاهل.

ولابد من الإشارة إلى مشاريع توطين بعض اليهود في أمريكا الشمالية، وكانت جميعها مشاريع عاطفية، إذ أن الولايات المتحدة كانت التجربة الاستيطانية الكبرى للإنسان الغربي، وكانت في حاجة إلى المهاجرين، ولم يكن هناك أي مبرر لأن تمنح المهاجرين من أعضاء الجماعات اليهودية أرضاً خاصة بهم لإقامة دولة.

ومن أهم مشاريع الاستيطان في الولايات المتحدة تجربة موردكاي نواه المسماة «جبل أرارات». وهي تجربة لم يبق منها سوى حجر الأساس الموجود في متحف في مدينة بافالو الأمريكية، في ولاية نيويورك.

مشـروع جبــل أرارات
Ararat Mount Project
انظر: «موردكاي مائويل نواه».

موردكــاي نــواه (1785-1851(Mordecai Noah
دبلوماسي أمريكي يهودي من رواد الفكر الصهيوني من أصل سفاردي، وكان أبوه تاجراً جوالاً مفلساً. وقد تيتم وهو بعد طفل، ولكنه علَّم نفسه بنفسه عن طريق القراءة كما تعلَّم حرفة النحت والتنكيل (أي كسوة المعادن بالنيكل) فعُيِّن في وزارة المالية الأمريكية. وفي عام 1800، بدأ نواه يعمل بالصحافة وأصبح محرراً في جريدة في تشارلستـون كتب فيها سلسـلة مقالات يحض فيها على الحرب مع إنجلترا.

عُيِّن نواه عام 1812 قنصلاً في تونس، وذلك بهدف محاولة تحرير الجنود الأمريكيين الذين أسرهم القراصنة في البحر الأبيض المتوسط ولتقوية مكانة أمريكا في بلاد الشرق. وأثناء خدمته الدبلوماسية، أرسلت إنجلترا رسالة احتجاج إلى الولايات المتحدة لأنها قامت ببيع بعض الغنائم التي حصلت عليها من إنجلترا في إحدى موانئ الجزائر. وقد بيَّنت الرسالة أن هذا أمر لا يليق بأمة مسيحية، فكان رد نواه أن الولايات المتحدة لا يمكن تصنيفها على أنها أمة مسيحية، وتُعَد هذه سابقة لا مثيل لها. استُدعي إلى الولايات المتحدة بسبب بعض المخالفات المالية. وعند عودته إلى الولايات المتحدة، عمل نواه في الصحافة كما شغل عدة مناصب في ميناء نيويورك، وضابطاً في ميليشيا نيويورك. وكتب عدة مقالات ومسرحيات أحرز بعضها نجاحاً كبيراً. وأيَّد نواه ضم المكسيك إلى الولايات المتحدة، وهاجم الدعوة إلى إلغاء الرقيق.

يرتبط اسم نواه بمشروع صهيوني سماه «أرارات» يُقام في جراند أيلاند في شلالات نياجارا لتوطين اليهود. وقد قدم التماسه هذا عام 1820 للمجلس التشريعي الخاص بالولاية. وفي عام 1825، أرسل نداءه ليهود العالم بأن يتبعوه إلى جبل أرارات («نواه» هو النطق الإنجليزي لكلمة «نوح»، ومن ثم فإن نواه هو نوح الذي سيقود البقية الصالحة إلى جبل أرارات بعد أن يجتاح الطوفان العالم(

ومما له دلالته أن الالتماس الذي قدَّمه للسلطات الأمريكية يسبق النداء الذي أطلقه ليهود العالم، فنواه كان يعرف الأولويات جيداً. فقد كان يدرك أن المشروع الصهيوني لا يمكن أن تقوم له قائمة بدون معونة المسيحيين، ولكن المسيحيين في معجمه هم القوة الأمريكية الصاعدة. ولذا، فقد كان دائماً يتحدث عن ضرورة أن يدرك الأمريكيون أهمية مشروعه وأن يعرفوا أن النبوءات الإنجيلية لا تشير إلى العودة الروحية لليهود وإنما تشير إلى عودتهم الفعلية والحرفية. وفي عام 1825، قام نواه بوضع حجر الأساس في كنيسة سان بول في بافالو (وليس في أي معبد يهودي)، ولم يضع حجر الأساس في الجزيرة نفسها لأنه لم يتمكن من توفير عدد من القوارب يحمله إلى هناك. ولكن دعوته لم تجد أي صدى بين الجماهير اليهودية، ولم يبق من مشـروعه سـوى حجر الأساس الذي يوجد الآن في جمعية بافالو التاريخية.

ولم يتوقف نواه عن نشاطه، إذ ألقى محاضرة عام 1844 يطالب فيها بإنشاء دولة يهودية في فلسطين. وقد أرسل الرئيس الأمريكي جون أدامز (1797 ـ 1801) رسالة إلى نواه عبَّر فيها عن أمله في أن يعود اليهود إلى فلسطين. ولكنه أحس أن أمنية صهيونية كهذه قد يُشتمُّ منها أنها معادية لليهود، ولذا فإنه أضاف قائلاً أنه يتمنى أن يرى اليهود مواطنين في كل مكان في العالم (وهذه دعوة معادية للصهيونية)

إسحق ستاينبرج (1888-1957(Isaac Steinberg
كاتب وسياسي روسي، وأحـد قادة تيار «الصــهيونية الإقليمية». وُلد في لاتفيا لعائلة تجمع بين المحافظة على التقاليد اليهودية والتحمس لأفكار حركة التنوير. تلقَّى في صباه تعليماً دينياً تقليدياً، ثم درس القانون في جامعة موسكو ولكنه فُصل منها لانخراطه في أنشطة اشتراكية ثورية، فتَوجَّه إلى ألمانيا وأكمل دراسته في جامعة هايدلبرج حيث حصل على درجة الدكتوراه في القانون وكان موضوع أطروحته «قانون العقوبات في التلمود».

وترجع علاقة ستاينبرج بالحركة الاشتراكية الروسية إلى عام 1906 عندما انضم وهو طالب إلى الحزب الاشتراكي الثوري الذي تَركَّز نشاطه في أوساط الفلاحين الروس. وقد تَبنَّى ستاينبرج الدعوة إلى استخدام العنف الفردي لمواجهة القيصرية انطلاقاً من رفض المفاهيم الماركسية التقليدية بشأن الدور القيادي للطبقة العاملة والشروط الموضوعية للثورة. وبسبب أنشطته في صفوف هذا الحزب، تَعرَّض ستاينبرج للسجن والنفي خارج روسيا حتى عام 1910. وبعد عودته، واصل أنشطته السياسية والصحفية فكان يشارك في العديد من الدوريات العامة والقانونية فضلاً عن المطبوعات الاشتراكية. وبعد ثورة أكتوبر 1917، شغل ستاينبرج منصب مفوض القانون (وزير العدل)، إلا أن ذلك لم يَدُم طويلاً حيث أُقصى من منصبه إثر احتدام الصراع بين الاشتراكيين الثوريين والبلاشفة، كما تَعرَّض للسجن عدة مرات، وهو ما دفعه إلى الرحيل عن روسيا عام 1923. وفي الخارج، استمر ستاينبرج في أنشطته متنقلاً بين برلين ولندن حتى استقر به المقام في نيويورك عام 1943. وقد وضع ستاينبرج عدة مؤلفات عن دوره في الحركة الاشتراكية الروسية وتقييمه للثورة، وأبرزها كتاب الجانب الأخلاقي للثورة (باليديشية ـ 1925)، وكتاب ذكريات أحد مفوضي الشعب (بالألمانية، 1929)، وكتاب في ورشة الثورة (بالإنجليزية، 1953 ـ 1955(

أما اهتمام ستاينبرج بحركة «الصهيونية الإقليمية» فيعود إلى الفترة التي شهدت وصول الحزب النازي بزعامة هتلر إلى السلطة في ألمانيا، حيث كان يرى أن حماية يهود أوربا أمر لا يحتمل التأجيل إلى أن تتغيَّر السياسة البريطانية بشأن فلسطين. ولذلك، بادر عام 1933 بتشكيل عصبة الأرض الحرة التي تبنَّت فكرة إقامة وطن قومي لليهود في أي مكان خارج فلسطين. وقد سعى ستاينبرج إلى إقناع الحكومة الأسترالية بإقامة مستعمرة يهودية تتمتع بالحكم الذاتي في شمال غربي أستراليا، إلا أن مساعيه باءت بالفشل فتقدم بخطة مماثلة إلى سلطات سورينام قوبلت هي الأخرى بالرفض التام. وكان من شأن هذه الإخفاقات المتتالية أن ابتعد ستاينبرج تدريجياً عن العمل العام وتَفرَّغ للكتابة. وقد سرد تفاصيل مساعيه هذه في كتابه أستراليا: الأرض غير الموعودة (باليديشية ـ 1945(

والواقع أن سيرة ستاينبرج تقدِّم نموذجاً فريداً لتَجاوُر المتناقضات الصارخة، فهو يهودي أرثوذكسي لم ينج من تأثيرات خلفيته التقليدية المحافظة طوال حياته، وهو في الوقت نفسه اشتراكي ثوري يشارك بحماس لما يقرب من ثلاثة عقود في حركة سياسية ذات منطلقات علمانية جذرية، وهو بعد ذلك من أشد أنصار دعوى ما يُسمَّى «لقومية اليهودية» بما تنطوي عليه من مضامين عنصرية رجعية. وليس هناك ما يشير إلى تَراجُعه عن أيٍّ من تلك الانتماءات المتضاربة.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق