وكان بن عبّاد يقول كثيراً: ما مدحني شاعر بأوجز وأملح من أبياتٍ وافَتْني من شاعرٍ ينتسب لسجِستان؛ فإنها تدلّ على قدرة صاحبها وغزارة قائلها وحُسن تصرّفه فيها، وهي:
يا مَن أعادَ رَميمَ الملك مَنشورا ... وضَمّ بالرأيّ أمراً كان منشورا
أنتَ الوزيرُ وإِن لم تُؤتَ منشورا ... والأَمْر بَعدك إن لم يُؤتمن شُورَى
وقال ابن نباتة والخالع وابن الجَلَبات: ليس في هذه الأبيات ما وجب له هذا الإعجاب كلّه، ولكن الرجل طريف المرأى والمخبر، عجيب المبشر والمنظر؛ مَداره على الهوى، كيفما سنَح له جنح إليه، وأينما برّح به طُرح عليه.
وكان ابنُ عبّاد إذا تكلّم في مسألة ثم رأى في خصمه فتوراً نفش لحيته بأصابع يده وعبث بها، وفتل رأسه ولوى عُنقه، وشنّج أنفه، وعوّج شِدقه، وقال منشداً:
إِذا المشكِلاتُ تصَدَّين لي ... كشَفتُ حقائقها بالنظَرْ
وإِن برَزَت في مَخِيل الصَّوا ... بِ عَمياءِ لا تَجْتَليها الفِكَرْ
مُقنَّعةً بخَفِيّ الشكُّو ... كِ وضَعتُ عليها حُسَام النظرْ
لساناً كشِقْشِقَة الأَرحِبيّ أو كالحُسام اليَماني الذّكَرْ
ولستُ بذِي وقْفَةٍ في الرجا ... لِ أُسائل هذا وذا ما الخَبَرْ
ولكنَّني مِدْرَهُ الأَصغَريْ ... ن أَقيسُ بما قَدْ مَضَى ما غَبرْ
وكان لا يبعثه على هذا النمط إلا الذَّهاب بنفسه، والتّيه الذي يحول بينه وبين عقله؛ والعجيب أنه كان يعيب غيره بجزءٍ من هذا الباب لا يتجزّأ، ويقول: انظروا إلى تيههِ وصَلَفه ومدحه لنفسه واستبداده برأيه - وعلى هذا، حتّى إذا صار إلى نفسه وحديثه وخوّاص أمره جهل وذهل، وخرج في مُسْك من لم يسمع بشيءٍ من ذلك، ولم يفطن له، ولم يأبه لقبيحه، ولم يأنف من شنيعه.
وهذا من الأسرار في الأخلاق، ولهذا طال كلامُ الأوّلين في الأخلاق، وجاءت الشّريعة واللُّغة واضعة كلاً في موضعها، وناعتةً لمختارها ومرذُولها، وباعثةً على حَسَنها وجميلها، وداعيةً إلى رفض قبيحها ومُنكرها.
والكلام في هذا طويل الذَّيل ميّاس، وما أحسن ما قال الشاعر:
لا تَلُم المرءَ عَلَى فعلِهِ ... وأنتَ مَنسوبٌ إلى مِثلِهِ
من ذَمَّ شيئاً وأتَى مِثلَهُ ... فإنما يُزْرِي على عقلِهِ
والبيت السائر:
لا تَنْهَ عن خلُقٍ وتأْتي مثلَهعارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ
فهذا هذا.
حدثني العتّابيّ قال: قال قومٌ من أهل أصفهان لابن عبّاد: لو كان القرآن مخلوقاً لجاز أن يموت، ولو مات القرآن في آخر شعبان بماذا كنّا نصلّي التّراويح في رمضان؟ فقال: لو مات القرآن كان رمضان أيضاً يموت، ويقول: لا حياة بعدك، ولا نُصلَي التراويح، ونستريح.
وسأله الدّامغاني يوماً عن قوله عزّ وجلّ: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ، وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ)، أَ تقول أن يوسف همّ بالمعصية؟ فقال: الكلام معطوف بعضه على بعض بالتّقديم والتأخير، فكأنه قال: لولا أن رأى بُرهان ربّه لقد كان يَهُمُّ بها، ولكنه لم يُهمّ، وهذا كقول القائل: إني غَرقت لولا أنه خلصني فلان.
فحدّثتُ بهذه الجملة ابن المراغي ببغداد، فقال: لو سكت عن هذا كان أحسن به، هذا تقدير لاعبٍ بكتاب الله، لا يحلّ نظم الكلام على تحريفه؛ لأن ذلك جرأة؛ أما سمعت الله يقول: (لاَ تقَدَّمُوا بَيْنَ يَدَي اللهِ وَرَسُولِهِ)؟ إنما المراد به على سجية الكلام؛ ولقد همّت به همّها اللائق، وهمّ بها هَمَّ البشر الذي لا براءة له من همّة إلا بتوفيق الله، والبرهان كان ذلك التوفيق.
وما في الهمّ؟ الله أكرم من أن يؤاخذ به، وإنما ذُكر ذلك ليعلم أن النبي صلى الله عليه في نُبوّته غير مُكتفٍ بها دون أن يكنفه الله بعصمته، ويتغمّده برحمته.
وسئل ابن عباد يوماً عن قوله عزّ وجلّ: (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنْتَصِرانِ، فَبأَيّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبانِ)، فقيل: كيف يجوز أن يُعدَّ هذا في الآلاء والنِّعم، وهو إحراقٌ بالنّار، ولا ألم بعده، ولا عذاب فوقه؟
(1/50)
________________________________________
فقال: أقول ما قال شيخنا أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن البصريّ رحمه الله، فإنه قال: إن الله جعل جهنّم سوطاً ساق به عباده إلى الجنّة؛ واللّفظ عن الحسن - على ما عُنينا بجمع كلامه عن الرُّواة - : " إنَّ الله خَلق جهنّم لِيحوُش بها الخَلق إلى طاعته " .
فقال أصحابُنا: فزَعُه إلى الحكاية عن الحسن حاكم بأنه مُفلس، وقد قال العلماء في ذلك، وإنما قول الحسن ترقيق، وكلام يدخل في الوعظ ولو حُقّق لقلق.
وسأله الدّامغاني يوماً عن قوله تعالى: (وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الغَضَبُ) أي موضع هذا السكوت، والسّكوت ضد الكلام كما أن السكون ضد الحركة؟ فما أحلى ولا أمرّ، وتغافل إما كِبراً وإما جهلاً.
وسمعتُ ابن بابويه يقول في هذا؟ هو مما حُرِّف لأنه نزل: (وَلَمَّا سَكَن عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ) بالنون.
فقلت له: وما درك المحرَّف في هذا؟ فقال: هو ما قلتُ لك، وقد صحّ عندنا ذلك عن الصّادق.
فأمسكتُ عنه؛ والجوابُ أبين من ذلك.
وقال يوماً الحصيري: أيها الصاحب! ما أقول لخصمي إذا قال لي: حدُّ الظّلم وضع الشيء في غير موضعه؟ قال: قل له يجب على هذا إذا أخذ الرجل عمامته المكوَّرة فوضعها على رُكبته أن يكون ظالماً.
قال أبو سُليمان: أخطأَ، لأن العمامة قد توضع على الركبة لغرضٍ صحيح وحاجةٍ بادية، في وقتٍ مُقتضٍ لذلك، وزمانٍ يليق به ذلك، ويكون حسناً عدلاً، ويكون في مكانها؛ والرأس أيضاً جُعل مكانها لغرض معروف، والأغراض تختلف وتأتلف.
وقيل له يوماً: ما أنكرت أن يكون الرِّزق ما يأكله المرزوق دون غيره؟ فقال: على هذا لو رزقك الله خُفّاً لكنت تأكله.
حكيت هذا لأبي سليمان فصرّف القول في الرّزق وفي أقسامه وعلله وأسبابه وغرائبه؛ وقد أخَّرته لمكان آخر، فإن هذا الكتاب يضيق عنه، ويخرج عن الأمر المُتحرّى به.
وقال له أبو عاصم البصري يوماً: أَ ليس المتكبّر هو الذي يتعظّم زائداً على ما يستحقّه ويحسن به، ومن أجل ذلك ذَمّوه بهذا الاسم إذا أطلقوه؟ فقال: بلى! قال: فما معنى وصف الله نفسه بالتكبر؟ ونحن إنما نفينا عنه التكبُّر لقُبحه عندنا وعند المعروف به بيننا، فلو ساغ أن يُنعت بالتكبّر ساغ أن يُنعت بالتكذّب.
فاشتطّ وانتفخ وتربّد وجهه ودرّ وريده وكاد يزند، ثم تدفّق بكلام كثير ليس من مسألة أبي عاصم في شيء، حفظت منه قوله: أحدهم لا يعرف اللغة على طرائقها ودقائقها وحقائقها من ناحية مجازها وسعتها، ولا من ناحية سلامتها وصحّتها؛ ولا يُفرّق بين ما يجوز على الله وبين ما لا يجوز على الله؛ ويقصد إلى المسائل المُشكلة، والمعاني المُعضلة، والأبواب الغامضة، والألفاظ المتعارضة، فيسأل عنها، ويُعجب بها.
ليتك عرفت هذا بعد أن تعرف معنى قول العرب: " صابَت بقُر " ، وما المراد بقولهم: " عَوْدٌ يُعلَّم العَنْج " ، وما معنى قولهم: " لكلّ جابِةٍ جَوزةٌ ثم يُؤذَّن " ، ومَن جمَع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه، ومتى توفي المَبْرمان، وما البديع، وما بديع البديع، وما المخترع، ومَن صاحب البيت السائر:
وبي مثل الذي بك غير أَني ... أُلام عَلَى البكاءِ وتُعذَرينا
ولقد صدق الأعرابي في قوله: كُن كالضبّ الأعور يعرف قدره ولا يُفارق جُحْره؛ وأصاب عمر في قوله: لا تحملوا النَّفس على المهجور فتتركوا المفروض، ولا تتجنّبوا المأذون لكم فيه فتركبوا المنهيَّ عنه.
يحضُرنا قوم لهم دَفر كصُنان التيوس أعيا على المسك والغالية، يسألون عما لا يعنيهم ولا يليق بقدرهم، ولو سألت واحداً منهم عن كُنية أعشى هَمْدان أو عن دُعيمص الرّمل، وما ايم النموذج في كلام العرب، وكيف يُجمع العِجان، وكيف يصرف الهِجان، وما الأقذُّ والمَريش، وما الخِبَاء والعريش، وما المشوق والحريش، وما المشوف والخريش، وما الرَّثْيَة والفريش، وما الكصيصة والقصيصة، والخرْبَصيصَة والهَلْبَسيسَة، وما الفرق بين: ما أنت أخانا فنكرمَك، وبين ما أنت أخانا فنهينُك، الأول بالنصب والثاني بالرفع، ومَن الذي يقول:
فأَرميها بجُلْمودٍ ... وترميني بجُلْمود
فأرميها وتَرميني ... وكل هالك مود
(1/51)
________________________________________
ولكن صدق عمرو بن عُبيد شيخنا وشيخ الإسلام، وشيخ " العدل والتوحيد " حين قال: لن يكون العبد مستكملاً لاسم الولاية حتى يسمع الكلمة العَوراء فيجعلها دُبُرَ أُذُنه.
هذا مع قوله: تقويم الجاهل بما ينكر أيسرُ من تعريفه ما يجهل، ولولا أن عُذري في تقويمك وتأديبك وتهذيبك وتربيتك يغمُض على كثير ممن يسمع هذا الحديث لسلخت شواتك، وكسرت على رأسك دواتك، وألزمتك دكانك وأداتك وأطعمتك بولك وخِراتك. اذهب فأنتَ طليق الجهل والقلّة، عتيق الخيبة والذلة.
وكان إذا انتهى كلامه مع خصم يقول: النظر شِعاري، والجدل دِثاري، والحقّ مَناري، والبيان مَداري، والله جاري.
وقال يوماً للحسين المتكلّم: أَ لي تقول هذا، والجَدَل رِدائي، ولنظَر حِذائي، والعلم وطائي، والبلاغةُ غطائي، والذّهبُ والفضّة عَطَائي؟ وقال يوماً لأبي صادق الطّبري: أنت يا أبا صادق خفيفُ الراس، شديد الإِفلاس، إذا أبصرت النِّحار هذَيت بالوسواس، وصدَّعت رؤوس الناس، بالتَّمويه والإلباس.
وسمعته يوماً يقول لابن شاذان: يا أبا الحسن، توقّ الرسَن، وانظر إلى المسَنّ؛ فما أخوفني أن تُسن بالقبيح لا بالحسن.
فقال له: أيها الصاحب! كَرَم طبعك أمانٌ لي من بوائق سَجعك.
وقال يوماً لابن حمزة: والنظر من خَوَلي؛ هل هضبةٌ تُوفى على جَبَلي؟ فاحفظ نفسك، واعرف خصمك، وراجع فهمك، وجرِّب بختك.
وكانت له تعسات كثيرة،لكنها كانت تُدفن ولا تُذاع، رَهبةً ورغْبة.
قال يوماً: " اطَّلععليه " ، ولا يجوز " إليه " ، والمعنى يقتضي عليه لا غير.
فقال له الضرير النحوي: فما نصنع بقوله عز وجل: (لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِله مُوسَى)؟ فبرد.
ومن هذا الضرب قال يوماً: جنَّ عليه الليلُ، أي كنَّه الليل، ولا يجوز غير هذا.
فقال له أبو عمران الحسنكي: هذا لعمري في الفصيح، وإياه ذكر ثعلب واختاره، ولكن أين نحن من المرّار الفقعسيّ، وهو أفصح من عالم صاحب " الفصيح " ، فإنه قال:
آليتُ لا أُخفِي إِذا الليلُ جَنَّني ... سَنَا النّارِ عن سارٍ ولا مُتَنوِّرِ
فقال: يا أبا عمران! أنت جاهل بالعلم، ولذلك شوّه الله وجهك، ووكّل المقت والإدبارَ بك.
وأنشد يوماً لشاعر:
إذا قلتُ لها: جُودِي لَنا ... خرجَت بالصَّمت من لاَ و نَعم
قلت: أصحابنا كذا يُنشدون، ويقال فيه تصحيف.
فقال: اسلح على أصحابك.
ولو كان سأل عن وجه التّصحيف لكان أشبه بالفضل وأخلَق بأخلاق الرؤساء.
وقيل له يوماً: ما القُرحان؟ قال: الذي لم يخرج به الجُدَري.
قيل: ولم قيل ذلك؟ قال: ليُسخن الله به عين السائل، ويُسخّم وجهه، ويسمل عينه، وليُقلّ دينه، ويدُقَّ ظهره، ويسلّط عليه من يَسُدُّ دُبُرَه.
واستؤذن يوماً للورّاق الطرسوسي فقال: الطَّرُّ في لحيته، والسوس في حِنطتِه، ما أصنع بطلعته؟ وتكلم يوماً الخطيب في قول الرجل: " لا مالَ له قليلٌ ولا كثير، ولا مال له قليلاً ولا كثيراً " ، فلم يفهم عنه.
وقيل له: ما الفرق بين " با " و " تا " و " ثا " في مواضعها المخصوصة؟ فتحيّر. وكان السائل ابن المراغيّ.
وقيل له: لم جاز: إنّ زيداً منطلق وعمرو، ولم يجز: ليت زيداً منطلقٌ وعمرو، والحرفان مُتضارعان في إيجاب النصب؟ فلم يكن عنده جواب.
ولقد سهرتُ معه ليلة في معرفة الفرق بين: " زيدٌ أفضلُ إِخوته وزيدٌ أَفضَل الإِخوة " وجواز أحدهما وبُطلان الآخر، فكان كالحمار بلادة.
وقلت للحيلوهي: إنك تنال من عِرض هذا الرجل جدّا؟ فقال: قال النبي صلى الله عليه: " لَيُّ الواجِد يُحِلُّ عِرضه وظهرَه " كما قال: " مَطلُ الغَنِيّ ظُلم " .
قلت: إنما وَرد هذا في الواجب، كالدَّين والثَّمن وما أشبههما.
فقال: الأمل دَيْن، والكَرَم مطلوب، وما رأّسَ اللهُ أحداً إلا وفرض عليه الإفضالَ والإحسان.
وقيل لعقيل بن عُلَّفة: لم تهجو قومك؟ فقال: إن الشاة إذا وردت الماء فلم يُصفر لها لم تشرب، أي إذا لم يُحرِّضوا على المكارم لم يفعلوها.
قال: وأنا استحسن قول الفضل بن يحيى: ما حثّني أحد على الكرم كرجل أنشدني بيتين وهما:
عُدْ لي بعادتك التي عوَّدتَنيروحِي فداؤُك يا أَبا العبّاسِ
إن الذَّخائر إن أَردتَ ذخيرةًمِمَّن يُقلّدها رقابُ الناس
(1/52)
________________________________________
قال: وأعجبُ من ذلك قول جرير فيما رواه الصُّولي: إذا مدحتم فاختصروا، وإذا هجوتم فأطيلوا؛ فإن الناس لا يملُّون الشَّر.
ورأيته يوماً، وقد جَرَى وانقطع ظهره؛ فإنه قال: قولهم: " إنها لإبلٌ أم شاءٌ " ، معناه: بل شاءٌ.
فقال له الحَنْسكي: فما تصنع بقوله عزّ وجل: (أَمِ اتَّخَذَ مَمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ؟) أَ تُراه أراد به: بل اتّخذ مما يخلق بناتٍ، وهذا كفر؟ فما دارَ لسانُه بشيءٍ على حدّته وكثرة هَذَيانه.
وحدثني العَبسي، وقد جَرى ذكر ابن عباد:
لقد أَتانَا حديث ما نكذّبه ... عن الرَّسول روَيناه بإِسنادِ
أن تطلُب الْخيرَ ممَّن وجهُه حَسَنٌ ... فكيف تطلبه عند ابن عبَّادِ
مشوَّه الخَلْق لا دينٌ ولا حسَبٌ ... كالقِرْد ما عندَه خيرٌ لمُرتَادِ
فقلت: لمن الشّعر؟ فإنه واقع جدّاً.
فقال: هو لأدريس بن أبي حَفصَة.
قلتُ له: كأنه ما عَنَى غير صاحبنا.
وقال له يوماً ابن ثابت: روَى البخاري في " التاريخ " أن سعداً مولى أبي بكرٍ روَى أن رجلاً شكا إلى النبي صلى الله عليه صفوان بن المعَطَّل، وقال: إنه هجاني.
فقال: دَعوه، إنه خبيث اللسان طيّب القلب.
فما تأويل: " خبيث اللسان وطيّب القلب " ؟ فقال: البُخاري حشَويٌّ فُشَرِيّ، ليس عليه مُعوّل، ولا لقوله مُتأوَّل.
وسئل يوماً عن قول الله عز وجل: (فَإنْ يَشَإِ اللهَ يَختِمْ عَلى قَلْبِك وَيَمْحُ اللهُ الْبَاطِل)، كيف نَظْمه وتمامُه في المعنى واللّفظ؟ فصاح على السائل وقال: أَ تسأل عن النَّظم، وأنت لا تعرف الرّقم ولا العَقْم ولا الصَّدْم ولا الرَّدْم؟ وأوصل إليه الوّليديّ مسائل من جماعة من أهل نيسابور، كان فيها؟ ما معنى: (إِنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الذِين لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ الله وأُولاَئِكَ هُمُ الكاذِبُون)؟ قد علمنا أن من كذب فهو كاذب.
وكان فيها: ما معنى قوله تعالى: (لا تتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْن)، وقد علمنا أن إلهين لا يكونان إلا اثنين؟ ولا قناعة لنا بقول من قال: هذا توكيد؛ فإن المطالبة فوق التوكيد؛ وأضعف المتكلّمين في القرآن من زعم أن شيئاً منه زائد، وأن كذا وكذا لغوٌ، وأن هذا على وجه التوكيد، ونحن وإن كنا نعلم أن التوكيد مذهب العرب، وكذلك الزيادة والحذْف والإِضمار، فالحكمة المطلوبة غير ذلك.
وعرض عليّ الوليدي المسائل، وكان فيها: ما معنى قول الله عزّ وجلّ: (لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمينَ)؟ وما وجه قول القائل: " لا تجعَل " فيما لا يُجعل؟ أو جائز أن يقال للإنسان: لا تنظر برجلك، ولا تمش بعينك؟ فإنّ قيل: لا، لأن هذا لا يُخاف، قيل: وكذلك لا يجعل الله، أحداً مع القوم الظالمين، لأن هذا لا يُخاف.
وما معنى قوله: (مَا تَسْبقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُون)، وقوله: (ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يِا مُوسَى)، وقوله: (وأَلقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مَنّي)، وعن قوله عزّ وجل: (وَتِلْكَ الأَيامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ)؟ وما معنى قوله: (لَقَد كَان في يُوسُفَ وَإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلينَ)؟ خَبِّرنا عن الآيات، أَ كانت في أفعالهم أو في أبدانهم؟ وما معنى: (مَنْ يُرِدِ الله فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُولاَئِكَ الذِينَ لَمْ يَرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ)؟ وخبِّرنا عن قوله: (وَمَا مِن دَابَّةٍ في الأَرْضِ إلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقهَا) وعن قوله: (فإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِريّ) وما معنى: (وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِنَ إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّك، ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) أَ لِلاختلاف أم للرَّحمة؟ فإن قيل: للرحمة، قيل: فالمختلفون هم الذين خلقهم للرحمة، فما معنى: (وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفينَ إِلاَّ مَن رَحِمَ رَبُّكَ)؟ فقد أخرج من رحم من الاختلاف وللرحمة خلقهم، فإذا كان كلهم للرحمة خُلقوا فكلّهم غير مختلفين، لأنه نفى عنهم الاختلاف وهم الجميع، فأين المراد بالآية؟
(1/53)
________________________________________
وقال: (إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلا مَا رَحِمَ رَبَّي)، وقال: (فَرِيقٌ في الجَنَّةِ، وفَريقٌ في السَّعيرِ، وَلَوْ شَاءِ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ في رَحْمَتِهِ، والظَّالِمونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَليٍّ وَلاَ نَصِيرٍ). أَ فليس قد أخبر أنه لم يشأ أن يجمعهم على الهُدَى إذ أمرهم؟ وما معنى قوله: (كَذلِكَ لِنصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ)؟ فإن كان عمَّ بهذا الكُفّار والمؤمنين فما فضيلة يوسف؟ وإن كان قد خصّ يوسف فهو قَدْح في النِّحْلة.
وقال: (وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلاَّ أَنْ يَشَاء اللهُ) مما شاء الله فعله؟ فإن قيل: نعم، فكلّ ما شاء الله كان، فهذا قولنا، وإن كان مما يشاء فلا يكون، فما وجهُ إِيجاب الأمر بأن لا يقول لشيء إني فاعل؟ إذ العباد يفعلون وإن لم يشأ الله.
وما تأويل قوله: (أُولاَئِكَ الذِينَ طَبَعَ اللهُ علَى قُلُوبِهمْ وَسَمْعِهمْ وَأَبْصَارِهِمْ)، وقال: (وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ)؟ فبدأ بالطّبع، ثم ثنّى بالاتباع، وهذا يدفع تأويلكم في قوله: (فَلَمَّا زاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ).
وما تأويل قوله: (وَالذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ)، وقال: (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظةٌ للمُتَّقِينَ)؟ فهو بيان للكفّار، وهدىً وموعظةٌ للمتقين دون الكافرين، فلم تعُمُّون ما خصَّ الله، وتخصُّون ما عمّ لله؟ وما تأويل قوله: (وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنين، وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمينَ إلاَّ خَسَاراً)؟ وما تأويل قوله: (لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) فخصَّ بهدايته أهل التّقوى؟ فإن قيل: هو هُدى للكافر أيضاً، فكيف وقد ختم القصّة فقال: (إِنَّ الذِينَ كَفَرواُ سَوَاءٌ عَليْهِم أَ أنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ)، كيف يكون القرآن هدىً لمن كان سواءٌ عليه أَ أُنذِر أم لم يُنذر.
ويقال: قال الله تعالى: (خَتَمَ اللهُ على قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وعلى أَبْصَارِهِمْ)، فهل زال فرض بختمه على قلوبهم؟ فإن قالوا: لا، فقد كُلِّفوا أن يُبصروا الهدى وقد ختم الله على قلوبهم، وأزالوا الفرض عمن ختم الله على قلبه وعذروه بكفره، وحطُّوه بمنزلة الصَّبيّ والمجنون.
وإن أبوا أن يقال: لو شاء الله لم يُعصَ، لأن الله ذمّ الذين قالوا: (لَوْ شاءَ اللُه مَا أَشرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا...)، قيل: فما تصنعون بقوله: (وَآتَيْنا عِيسى ابنُ مَرْيَمَ البَيِّنَاتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ وَلَوْ شَاءِ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا) واقتتالهم معصية، ولو شاء الله ما عصوا بأن يمنعهم، إذ خلّى بينهم وبين معصيته؟ وما معنى قوله: (وَلكَنَّ اللهَ يَفعَلُ مَا يرِيدُ).
قال الوليدي: وترددتُ شهوراً ليُجيب عنه فما فعل.
وكان في المسائل أيضاً: كيف يُنفى العلم عن الله وقد أثبته لنفسه في مواضع، والنصّ لا يُحذف ولا يُتأوّل؛ قال الله تعالى: (أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ)، وقال: (فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ)، وقال: (وَأَضَلَّهُ اللهُ علَى عِلْمٍ)، وقال: (وَلَقَد اخْتَرْناهُمْ عَلَى عِلْم)، وقال: (...وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ)، وقال: (وَسِعَ رَبُّنا كلَّ شَيءٍ عِلْماً).
ومن أعرض عن التّنزيل فقد خلع ربقةَ الدين.
وكان إذا رأى كاتباً يقول له: أَ أحكمتَ " الفصيح " ؟ هات: قذَتِ العينُ ماذا؟ وهات: لَحُم الرجلُ وشَحُم وما في بابِه.
وإذا رأى صاحب لغة قال: ما معنى قول الشاعر:
وأقدَرُ مُشرِف الصّهَوات ساطٍ ... كُمَيتٌ لا أَحَقُّ وَلاَ شَئِيتُ
وإذا رأى نحوياً قال: على ماذا ينتصب (نَذِيراً لِلْبَشَرِ). فإذا أكثر من هذا وشبهه أنشد:
أَرى الناسَ أَخلاطاً جميعاً وإنهم ... عَلى ذاك شتَّى والهَوَى مُتَفرِّقُ
تَرى المرءَ إِن جالستَهُ ذا صِناعةٍ وسائرُ ما فيه على ذاكَ أخرَقُ
وتَلْقَى أَصيلَ الرأَي ليس لسانهُ ... بمُخرِج ما في قَلْبه حين يَنطِقُ
ورأيته مرةً يسأل الحسنكي:
(1/54)
________________________________________
ما الطَّاية، والثّاية، والغاية، والآية، والرّاية؟ وما الناقة القاصِية والعاصية والعاطِية؟ وكان سريع الردّ على الإنسان شديد التعجرف، وكان ذلك ربما انقلب عليه.
وقال يوماً لبعض العلماء في كلام سمعته منه: " أَصْفَيتُهُ كذا وكذا " لا يجوز، أما قرأت القرآن: (أَ فَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالبِنِينَ) إنما يجب أن تقول: أَصفيته بكذا وكذا.
فقال العالم: هذا صحيح فصيح، وغيره جائز حسن، أما قرأت في الحماسة قول الشاعر في النسيب:
لئن كُنت أوطَأْتني عَشْوَةً ... لقد كنتُ أصْفَيتك الودَّ حِينا
فقال بعجْرَفَته: الشعر موضع ضرورة.
وكذب، ليس هذا من ذلك.
وحدثني الثقة قال: قال يوماً المسيّبي في حديثه: " وكان يخفر من ذاك ويستحس " .
فقال له: سخَنت عينك، لا يقال للرجل يخفر، الخفر للنساء.
فقال المسيبي: أيها الصاحب! التؤدة خير من العجلة، أين نحن من قول الشَّمَرْدل في أَرجُوزته، رواها أبو حاتم:
لا يَسبِقُ النائلَ منه المنكَرُ ... فتىً شِتاءً يَسْتحي ويَخْفَرُ
فقال: أخذنا في الحماقة.
وقال مرّة: " ضَرَّه وأضرَّ به " ، ولا يجوز أضَرَّه، كذا لا يجوز ضرَّ به.
فقال له رجل من خُراسان: فما تقول في قوله عز وجلّ: (وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِن أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ)؟ فقال للرجل: اخسأ! أَ هذا من ذاك؟ وأخجل الرجل في صوابه، ولم يخجل هو من خطئه لسقوطه وجهله ومُكابرته وحسده.
وقال يوماً: النَّكث للعهد، والخلف للوعد؛ و لا يجوز: نكث الوَعْد، وكذا لا يجوز: أخلفتَ العهد.
وكان بيت القرآن والرواية حاضراً أبو الحسن ابن شاذان فقال: هذا مرفوض بقوله تعالى: (قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ).
فبرَد، وكان بارداً، لا رحم الله صداه ولا بلَّ ثراه.
وقال في بعض الليالي: الاقتراف لا يكون إلاّ في القبيح، أما سمعت الكلام الذي هو كالمثل: " الاعترافُ يمحُو الاقتراف " ؟ فقال له مٌقرئ قد حضر: التنزيل يأبى هذا الحُكم وينطق بغيره.
قال: وما ذاك؟ قال: قال الله تعالى: (وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيَها حُسْناً)، فخَزِي وقام.
ورأيته يناظر أبا الفرج البغداديّ الصُّوفي، وكان في أُذنه وقرٌ، في وساوس الصوفية وخطراتهم، فقال: يا أبا الفرج! إذا كانت البينونة مشعوراً بها في عرصة الحقح حيث لا عبارة للخلق، ولا أمان للجلِّ والدِّقّ، بطنت وسائل المعرفة بحقائق المراد، واشتبهتْ أعلام الحال في تثبيت الإشارة، وبقيت العبارة على إِلف الآلف، وعادة المتالف.
فأجابه أبو الفرج: لا ثبات لمناسب البينونة في نهايات الاتحاد، لزوال شرائط رسوم الخلق عند تصافي الأرواح بحقائق الحق. قال ابن عبّاد: ما أُنكر تلاشي المناسب في نهايات الاتحاد، إذا سطعت أنوار الحقيقة بالاتّقاد؛ وإنما جررت الكلام إلى غاية تزلق فيها الأفهام، وتسيخ فيها الأوهام، ولا يُشرف عليها إلا نمن خصه الحق بخصائص التّمام، ورفع معارف جملة العوامّ؛ ولولا الحال التي امتحنني الحق بها، وسحبني على غرائبها وعجائبها، في عُرض صوادقها وكواذبها، مما هو مردود إليه، ومتوكّل فيه عليه، لشققت معك جلباب صدرٍ قد حُشي ودائع، وفتحت لك أبواب خزائن قد جمعت فيها بدائع؛ ولكني بما تراني أُذَبذب عليه مأخوذ، وبما تسمعني أُدندن حوله مأخوذ. وإلى الله المشتكى، فهو الغاية والمنتهى.
ثم قال: يا أبا الفرج! هل تعرف من أصحابك من يقول:
بُليتُ بما لو يُبتَلَى أحد به ... لأَصبَحَ كالعِهْنِ النَّفِيش يَطيشُ
بِعِشْقٍ وإِعراضٍ وشَوقٍ وغُربة ... ومَحْك الذي أَهوى فكيف أَعيشُ
وأَعجَبُ مِن ذا أَنّني متصَوّف ... ولكنّ صُوفَ العاشِقين حَشيشُ
وقلت لأبي السلم نجبة بن عليّ القحطاني الشاعر: قد لقيتَ ابن العميد، وها أنت تُشاهد ابن عبّاد، فصفهما لي؛ فإنك رجل بدويّ، وتنظر إلى كلّ شيءٍ بفطرتك، وتنطق عن كل شيءٍ بسابق فِطنتك.
فقال: أما ابن العميد - يعني أبا الفضل - فكان بحره لا يُنزف وبرُّه لا ينسف، وغُباره لا يُشقّ، ونسيمه لا يُنشَق، وحبّه لا يفرك وأديمه لا يُعرك؛ على بُخلٍ كان به أحال نهاره ليلاً، وألصق به ثبوراً وويلا.
(1/55)
________________________________________
وأما هذا - يعني ابن عباد - فليس في استحسانه لإحسانه فضل لاستحسانه لإحسان غيره، قد غرق في بحر نفسه، فليس يرفع طرفه إلى أحد من بني جنسه؛ وهذا الذي يدل على غاية نقصه.
وقلت للحيلوهي يوماً: كيف ترى ابن عباد؟ فقال: كما قال الشاعر:
كَبَرْقٍ لاَحَ يُعْجِبُ مَنْ رَآهُ ... وَلاَ يَسْقي الحَوَائِمَ مِن لَمَاقِ
ونظر إليه يوماً وقد طلع في موكبه فتمثّل بقول الشاعر:
وَأنتَ كَغَيْث السُّوء مَن يَرَ بَرقَهُ ... يَشِمْه ومن يَحلُل به فهو جادِبهْ
ومن شعر ابن عباد، وهو يتملّح به عند نفسه، قوله في رجل تزوّجت أمُّه:
عذَلتُ لِتزويجه أُمَّه ... فقال: فعلتُ حلالاً يجوزْ
فقلتُ: حلالٌ كما قد زعم ... تَ ولكن سَمحتَ بصَدع العجُوزْ
وقال أيضاً:
زوَّجتَ أُمَّك يا أَخِي ... فكسَوتَني ثوبَ القلَقْ
والحرُّ لا يُهدِي الحُرُ ... مُ إلى الرجال عَلَى طبَقْ
وقلت لأبي الفرج الصوفي البغدادي: أنت شيخ صوفي، ولك ذكر جميل، لمَ تتعاطى لهذا الرجل - أعني ابن عباد - الكلام في الزُّهد والدَّقائق والأضْمار والوَساوس وتصفية الأعمال؟ هذا علم يُذاكر به أصحاب الحُرَق، وأرباب الخِرق.
فقال: هذا رجل رقيع رفيع، وله جاه ومالٌ وهو مُطاع، ولست أصل إلى ما في يده إلا بالرَّقاعة، وأنا ثقيل الظَّهر بالعيال محتاج إلى القوت، فأحمق له ساعة حتى أنال منه هذا الحُطام الذي قد تهالك عليه الخاصّ والعام، وقد قال الأول:
فحامَقْتُهُ حتى يقال سَجِيةٌ ... ولو كان ذا عَقلٍ لكنت أُعاقِلُهْ
وسمعته يقول، وقد جرى حديث ابن العميد أبي الفضل، فقال: لم يكن له - مع فضله الشائع، وأدبه ابارع - علم الدين، ولا كان عنده شيء من الشريعة؛ كان لا يعرف القرآن وأحكامه وغريبه وإعرابه، واختلاف العلماء فيه بضروب التأويل وغرائب التفسير؛ والرئيس إذا عري من هذا السِّربال فهو ممقوت عند الله تعالى، مقلي عند الناس. وكان إذا سمع كلاماً في الدين ثقُل عليه، وخنس عنه، وقطع على الخائض فيه، وكان إذا احتفل في العلم والحكمة وما يدل على الخصوصية قال: لمَ صارت الأشياء المتعادية في حياتها تتعادى بعد مماتها أيضاً وتتنافر؟ كَمِعَى الذّئب وجلد الشاة، وكسنّ السِّنَّوْر وعظْم الفارة.
ولمَ الصبيُّ إذا ولد أزرق فأرضعته حبشيةٌ عاد أشْهِل، فإن دامت عليه عادَ أكحل؟ ولم لا يتغلغل شعره كما اسودّت حدقته؟ ولم يُنسب الضَّب إلى العقوق، والهرَّة إلى البرّ، وهما يتشابهان في أكل أولادهما؟ قال: ويقول في دقيق علمه وغامض حكمته: قيل لسِّنَّورة: لم تأكلين جراءك على فرطِ حُبّك لها؟ قالت: يُخيل إلينا أكبادنا أولى بأن تكون فيها، من الأماكن التي تحويها.
قال: ومن جُملة ذلك أيضاً: لمَ يكوت السِّعلاة من الضَّربة الأُولى، وتعيش بالضّربة الثّانية؟ ولم صار الفرس لا طحال له، والبعير لا مرارة له، والظَليم لا مخَ لعظمه؟ ولم ليس في السّباع أطيب أفواهاً من الكلاب، وليس في الوحش أطيب أفواهاً من الظّباء؟ وكيف صار الأسد أشدّ الحيوان بَخَرا وكذلك الصقر؟ ولم صار الكلب أسبح من سائر السّباع؟ ولم صار حيتان البحر لا ألسنة لها ولا أدمغة؟ ولم صار صَفَن البعير لا بيضة فيه؟ ولم صارت السّمكة لا رئة لها؟ ولم صار في فؤاد الثّور عظم؟ ولم صارت البراغيث تجتمع على السّوط متى دُهن بشحم قُنفذ أو مُسح بمُصران ابن عُرس؟ ولم صار الزّنبور يموت في الزّيت ويعيش في الخلّ، كما تموت الخُنفساء في الورد وتعيش في الرّوث؟ ولم صار الضَّب يأكل الجراد ويسالم العقارب، وهي " أشبه بها من الماء بالماء " ؟ - في حماقات كثيرة، الجهل بها أحمد من العلم بها.
هذا من تشنيعه على أبي الفضل، وكان مع ذلك ربما قال: كان واحد الدنيا؛ وهذا كما ترى، وهو يدخل في باب المناقضة.
(1/56)
________________________________________
والأمر الذي تشدّد فيه - أعني ابن عباد - وبلَغ الحدّ الأبعد منه، وزاد على جميع الناس فيه: باب المخاطبات، وأنه كان يطالب أصناف الناس بما ليس في الطّاقة ولم تجرِ به عادة، وكان يقول: هذا الذي به أجد طعم ولايتي، ولولا هذه اللّذة والشهوة ما باليتُ أن أتقلّب في مُرقَّعة خلق، وثوب رثٍ بال، أجوبُ بلاد الله، وألقى عباد الله، وآكل رِزق الله.
ولقد خُدع في هذا عن أموال خطيرة اختلست فتغافل عنها، إما عن جهلٍ وجنون، لأنه كان يسوم كلّ من كتب إليه أن يُكنِّي عن نفسه بالعبودية، وعنه بالمولوية، ثم يعرض في هاتين الكنايتين، وكناية الحديث والشأن، ومن الحديث عنه، أو له، أو فيه، فربما تشاجرت كنايات وتداعت معانيها على الكاتب فلا يخلص إلى تحقيق مراد، واستبانة وجه، وهذا الذي أقوله يعرفه الذي دُفع إليه ودُهي به.
وقال لي ابن ثابت: قلت له: كيف كان الخليفة يرضى بأن يقال له: أعزّه الله، وكذلك وليُّ العهد، والوزير، ومن قاد الجيش وأغنى في الهبوة، ومن أمر على شطْر الدنيا؟ وكان ابن الزيات يقال له يا أبا جعفر، وابن أبي دُوَاد يقال له: يا أبا عبد الله.
فقال: كان الناس في ذلك الوقت ضِعاف العقول صغار الهِمم، ولم تكن لهم مَرائر مُغارة، ولا نفوس فيها غزارة.
هكذا قال. وهذا - حفظك الله - كلام جاهلٍ لا خبرة له بشيء من أمور الدنيا والدين، وهو مع ذلك دليل على النَّذالة والسقوط.
وجرى يوماً حديث المخاطبات عند القاضي أبي حامد المرورّرذي والترتيب فيها، وامتعاض الناس من التصارف الجاري بين أهلها، فقال: سبب هذا كلّه إحساس الناس بنقصهم القائم بهم، الرّاكد عليهم، النّابت فيهم؛ وطلب دفع ذلك بالترتيب، ونفيه بالخطاب؛ وليس الطّريق إلى هذا، بل الطريق إليه الأخذ بأخلاق من سَلف: من الحياء والكرم والدين والمروة. انظر إلى السلف الصالح كيف كانوا، هل خاطبوا رسول الله - صّلى الله عليه - إلاّ بيا رسول الله؟ وبعدُ فهل يخاطب ربنا إلا بالتاء وإلاّ بالكاف؟ وهل سمعت عبداً لله قد أخلص دينه له قال: إن رأى ربنا فعل بعبده كذا وكذا؟ وهل الخير كله إلا فيما خص الله به نبيّه وأُمته، وأشاع فيهم حكمته وبركته.
ثم قال أبو حامد: وينبغي أن لا يكون بينك وبين أصدقائك صرف، لأنّ الصداقة فوق ذلك، بل المصارفة فيها تُقذيها وتفسدها، وتحيل نضارتها، وتبدّل غضارتها، وقد تستحيل الصداقة بالمصارفة عداوة، لأنّ التجني والاستزادة يَعتَوِرانها، والاعتداد والاحتجاج يَمحقانها؛ فأما النُّظراء والأكفاء فيكفي معهم أن يكون الجواب كالابتداء، والآخر كالأول.
وكان أبو محمد النُّباتي يقول في هذا الباب كلاماً طيباً، وأنا أحكيه لأنه موضعه وإن تنفَّست الرسالة، فالغرض فائدة، وإن كان سبب إنشائها الغيظ الذي فاض الصّدر به، ومرح اللسان بوصفه، وقد قال ابن الرومي:
وَمَا الحِقْدُ إلا تَوءَمُ الشُّكْرِ في الفتَى ... وبعضُ السَّجايا ينتَسِبْن إلى بَعْضِ
فحيْثُ تَرى حِقداً عَلَى ذِي إسَاءَةٍ ... فَثَمّ تَرى شُكراً على حَسَن القَرْضِ
إذا الأَرضُ أدَّت رَيْعَ ما أنتَ زارِعٌ ... من البَذْر فيها فهْي ناهِيك من أَرض
فهذا هذا.
قال: جميع ما يتقلّب فيه من هذه الأمور الفاسدة والأحوال الرديّة، يرجع إلى أصول أربعة، وهي: الحماقة والرّقاعة والرُّعونة والجنون.
فأما الحماقة فما عليه الكتاب من المخاطبات المختلفة التي ليس فيها حقيقة، ولا ترجع إلى صحّة، لا من جهة الديانة ولا من جهة رسم الأولين السّادة، وإنما هو شيء يؤدّي إلى القال والقيل وإلى العداوة والمغالبة، ويبعث على الوحشة الشديدة بالاستشعار الرديّ، والوسواس الموديّ؛ لأن الترتيب إن كان بينك وبين من هو دونك فهو على الدلالة على محلك،وإن كان إلى نظيرك، فهو على غاية المماثلة بينه وبينك، وإن كان إلى من فوقك فهو على توفية ما يستحقه منك.
قيل له: ها هنا قسم آخر، والدّاهية كلها منه.
قال: وما هو؟ قيل: الذي يدّعي أنه نظير لك وهو دونك، والذي هو فوقك وتدّعي أنه في حدّك، وها هنا يشتدّ النّزاع والفراع، وتتحطّم القنا ويتطاير الشّرر، ويجد الشيطان مدخلاً منه، وتسويلاً به.
فقال: هذا من فقد التناصف في الأصل، وإلا فالحال مُفضية في التحقيق إلى الكلام الأول.
(1/57)
________________________________________
ثم قال: وأما الرقاعة فانتفاش القُضاة والشهود، ألا تراهم كيف يوسّعون أكمامهم، ويعرّضون جيوبهم، ويُرخون أطواقهم، وينظرون إلى الأرض تعظُّماً على من يُكلِّمهم، وتبرّؤا ممن يخالفهم؟ ألا ترى إلى دنياتهم وقرامعتهم وقلانسهم وعمائمهم وتحنبُلهم وتقتُّلهم؟ فهم كما قال الشاعر:
وأَنت باللّيل ذِئبٌ لا حريمَ لَهُ ... وبالنّهار عَلَى سمت ابن سِيرينِ
وإذا تكلم أحدهم خفض صوته، وقطّع حروفه، وسبّح في خلال ذلك، وقال: عافاك الله اسمع! ويا هذا أصلحك الله! ويا عبد الله الصالح! قُل خيراً، ولا قليل من الله، ويا فُلان! اتّق ربك الذي إليه معادك، أما عليك حفظة من قِبَل الله؟ أما للإسلام عندك حُرمة؟ أما تؤمن بالله؟ أما تؤمن بيوم الحساب؟ قال: وأما الرّعونة فما عليه الشُّطّار من هؤلاء الشباب الجلد الذين يرفعون الحجر، ويدّعون الفتوّة، ويُكثرون ذكرها ويحلفون بها، ويسمّونها " الجوامَرْدِية " ، ترى أحدهم يضيّق الأكمام ويحلّ الأزرار، ويفتُل السِّبال، ويمشي متحاملاً، ويتكلم متصاوِلاً.
قال: وأما الجنون فما تجد عليه هؤلاء الذين يتنازعون بينهم قولهم: أبو بكر خير من عليّ، وعليٌّ خير من أبي بكر؛ وإذا حلفوا قالوا: وقدر عليّ، وحقّ الصدّيق؛ ويقولون: بغداد أطيب من البصرة، وبادية البصرة أخف من بادية الكوفة، والرّازقي خير من البارقيّ، والسُّونائي أحلى من الكرخي، وسامَرَّة فوق " إِرَمَ ذاتِ العِماد " ، وفلان فضلي، وفلان مرعوشي؛ وترى لهم في هذا الطريق اهتماماً وإنفاقاً وقوة ومغالبة ومشاغبة ومحاكمة وملاطمة؛ وهكذا إذا جرى حديث الشاعر والشاعر، كالعوفي والنّاشي، والامح، والقاصّ كالبربهاري والقسري.
وقد صدق هذا الشيخ، فقد سمعنا من هذا ما لا يطمع في إحصائه.
وقال الزّعفراني الشاعر: كيف يكون هذا الرجل - يعني ابن عباد - دياناً ومتألّهاً، وهو يبتذل العلوية والأشراف، ويٌهينهم أعوانه، وهم يعدون بين يديه فلا ينكر ذلك منهم؛ ولقد فال يوماً، وهو يريد الركوب لبعض حُجّابه: نظف الطريق من هذه الخنافس والجُعْلان والحرابي والغِربان.
فقلت لبعض من كان إلى جانبي: من يعني؟ فقال: يعني هؤلاء الواردين من الحجاز لسواد ألوانهم وتفلفل شعورهم، ودَمامة وجوههم وانحطاط قدودهم، وقلة دَماثتهم واختلاف حركاتهم وشَمائلهم.
قال: أَ فهذا من التشيّع والولاء وما يجب لهذا البيت؟ ثم يدّعي أنه زيدي، فإذا قرض قصيدة غلاَ، وزاد على العَوْفي والنَّاشِي.
وأما أنا فما رأيت أحداً من خلق الله في حدّته سفه لسانه؛ خرج يوماً من دار مؤيد الدولة من باب غامض هرباً من قوم كانوا يرقبونه على الباب المشهور من السَّحَر الأعلى، وهو وحده بين يديه رِكابي، فعرفته عجوز فقامت في وجهه ودعت له، ومدّت يدها بقصعةٍ معها فقال: ما تريدين يا بظراء يا بخراء يا عَفلاء يا فقماء؟ على هذا إلى تباعد، فبقيت العجوز مبهوتة، وقالت: مسكين هذا الرجل، قد جُنّ.
فقلت لبعض أصحابه: ما هذا النّذل والفُحش والخِفّة والطّيش؟ فقال: هذا دأبه إذا جاع.
فقلت: أجاع الله كبده وسلبه نعمته! وحدثني العتّابي قال: الرجل لا دين له؛ سمعته يقول في الخلوة، وقد جرى حديث المذهب: كيف أنزل عن هذا المذهب، يعني الاعتزال، وقد نصرته وشهرت به نفسي، وعاديت الصغير والكبير، وانقضى عمري فيه؟ قلت للعتابي: ومن أين وقع في هذا الإلحاد؟ فقال: لم يزل مترجّحاً قليل الطُّمأنينة سيءَ اليقين، ولكن أهلكه مُقعدة الذي يقال له النَّصيبي أبو إسحق.
وصدق هذا الشيخ؛ كان أبو إسحق شاكاً في النبوّات، وكان يُصادقبهذا من صافاه ووثق به، وهو الذي قال بنكده وخُبثه: لو ظفر يوم الجمل طلحة والزُّبير وعائشة بعليّ بن أبي طالب، دار الخلاف بينهما، وكان لا يعوّل أحدهما في الاستظهار على صاحبه إلا بأن يتزوج عائشة، ثم يكافح صاحبه بها وبشيعتها الذين فتُّوا بعر جَملها وتشافوا به، وتحاثّوا عليه، وكنا نحن نكوّر عمائمنا ونرفع طيالسنا ونسرّح لحانا ونكتحل ونحتفل، ثم نجلس في المساجد والجوامع ونحتّج لذلك التّزويج، ونتأول كلّ قولٍ، ونخرّج كلّ خبر، ونبلغ كل غاية بكل حيلة.
(1/58)
________________________________________
وحديث التاجر المصري من الطرائف؛ قدم شيخ له هيئة ومعه ثياب مصر، فدعا به، واشترى منه، وتقدّم بإكرامه، ورفع الحجاب عنه، وقال له: أهل مصر، أي شيء يغلب عليهم من فنون العلم، وبرسائل من يشغفون؟ فقال التاجر: لهم حرص على كل علم، ونصيب من كل أدب، وأما الرسائل فإنهم لا يؤثرون على ما لابن عبد كان الكاتب أبي جعفر شيئاً؛ وكان نجاح الخادم قائماً؛ فأومى إلى المصري بأن قل: رسائلك هي المطلوبة والغريبة، وهي المُشتهاة والمستعملة، وكان إيماؤه باليد، والإصبع، والحاجب، والشَّفة، وهذا كله لا يُفصح عن حرف، فلم يكن يفهم التاجر لشقائه معنى الإشارة؛ وانقبض عنه ابن عباد ولم يحاوره، وقام ذاك على حالةٍ قد ناله فيها فتور لا يدري ما سببه.
فلما كان بعد أيام حضر أيضاً وأعاد القول على الوجه، فأعاد المصري الجواب المتقدّم، ونجاح الخادم على رسمه قائم يُشير بمثل ما أشار إليه في المجلس الأول، وهذا لا يفطن، وفي أهل مصر سلامة صدرٍ شبيهة بغباوة طَبْع.
فالتفت ابن عباد إلى الخادم وقال: إذا كان صاحبك سخين العين قطيع الظَّهر، ابن بظْراء، إيش يمكنك أن تعمل؟ وطرد المصري.
أَ فهل هذا إلا رقاعة تحتها جنون صرف، وسرطان في الدّماغ، وعلّة في العقل، وفساد في المزاج؟ واسمع ما هو أعجب من هذا! ناظر بالريّ اليهودي رأس الجالوت في إعجاز القرآن، فراجعه اليهودي فيه طويلاً، وثابته قليلاً، وتنَّد عليه حتى احتدّ وكاد ينقدّ؛ فلما علم أنه سَجَر تنُّوره وأسعط أنفه، احتال طلباً لمُصاداته، ورفقاً به في مُخاتلته، فقال: أيها الصاحب! ولك تتقد وتشتط، ولم تلتهب وتختلط؟ كيف يكون القرآن عندي آيةً ودلالةً على النبوّة، ومعجزة من جهة نظمه وتأليفه؟ وإن كان النظم والتأليف بديعين غريبين، وكان البُلغاء، فيما تدّعي، عنه عاجزين، وله مُذعنين، وها أنا أُصدق عن نفسي وأقول: عندي أن رسائلك وكلامك وفقرك وما تؤلفه وتباده به نظماً ونثراً هو فوق ذلك أو مثل ذلك، أو قريب منه؛ وعلى كل حال فليس يظهر لي أنه دونه، وأن ذلك يستعلي عليه بوجه من وجوه الكلام، أو بمرتبة من مراتب البلاغة.
فلما سمع ابن عباد هذا فتر وخَمد، وسكن عن حركته، وانخمص ورمُه به وقال: ولا هكذا أيضاً يا شيخ، كلامنا حسن وبليغ، وقد أخذ من الجزالة حظّاً وافراً، ومن البيان نصيباً ظاهراً؛ ولكن القرآن له المزية التي لا تُجهل، والشرف الذي يُخمل؛ وأين ما خلقه الله تعالى على أتمّ حُسن وبهاء، مما يخلقه العبيد بتطلُّب وتكلُّف؟ هذا كله يقوله، وقد خبأ حميُّه، وتراجع مزاجه، وصارت ناره رماداً؛ مع إعجاب شديد قد شاع في أعطافه، وفرح غالبٍ قد دبَّ في أسارير وجهه؛ لأنه رأى كلامه شُبهةً على اليهود وعلى عالمهم وحَبرهم، مع سعة حيلهم وشدّة جدالهم، وطول نظرهم وثباتهم لخصومهم.
فكيف لا يكون شُبهةً على النصارى، وهم ألين من اليهود عريكةً، وأطفؤهم نائرة، وأقلّهم مِراء، وأكثرهم تسليماً؛ وأنه إن جاز هذا على اليهود والنّصارى، وهم دهماء الناس، فما ظنّك بالمجوس ونصيبهم من الجدل أقلّ، وهم عن النّظر أعجز، وعادتهم في المحاجَّة أفسد؛ وهكذا الصابئون؟ انظر - أكرمك الله - إلى هذا الرجل العظيم الطّاق الفسيح الرِّواق، الذي لا يرضى أحداً، كم ينخدع وكم يذوب! مرةً للشاذياشي، ومرة لليهودي، ومرة للتاجر المصري، ومرةً للخُراساني، ومرةً للبغدادي.
فهل هذا إلاّ النّوك والرَّكاكة، وضعف النَّحيزة، وسوء التخيّل، وقرب الغَور، وقلة العقل؟ قال أبو سليمان المنطقي: وعنده يومئذٍ أبو زكرياء الصَّيمري، وقد قرأت عليه هذه الأحاديث: هذا رجل قد سعد في الدنيا سعادة عجيبة مُذ ولي إلى الغاية، وهي شُقّة عمره وآخر أمره، لم يُشك بشوكة،ولم ينكب بنكبة، ولم يسمع من أحد كلمةً عَوراء، ولم يدفع في حالةٍ إلى آبدة، وقد بلغ في حياته ما شاء.
(1/59)
________________________________________
فقال أبو زكرياء: النّحس الذي لحقه في عقله حتى صار لذلك رقيقاً أهوج سيّء الأدب، حديداً كثير الكذب، شديد التلوّن، عسير المأتى، ممقوت العُجب، عظيم الكبر، طويل الخُصومة، دائم المِراء، وقَّاعة في أهل الفضل، حاسداً لذوي الأدب، مغتاظاً على ذوي المروءات، مناناً بالقليل، معظّماً للتافه النزْر، وذوي الدين، مقروناً بالأُبَن - هو أعظم من جميع ما أُعطيه من المال الكثير، والمرتبة العالية، ومن الخيل المَسوَّمة، ومن الدّور والقصور، وما فيها من العين الحور، والخزائن والذخائر، والفضّة والذهب، والجواهر والخدم والعبيد؛ لأن العقل إذا صحّ فهو المنيحة التي لا يوازيها شيء، وإذا اختلّ فهو البَلوى التي لا يتلافاها شيء؛ ولو كان مع هذا العقل عارياً من جميع ما عددناه، لعلاه بعض العامّة بكيسه ولُطفه، ولبرز عليه بعض أصحاب الخُلقان بمروّته وظرفه، " وَلَكِنّ الغِنَى رَبٌّ غَفُورُ " . ولهذا أحسن الذي يقول:
ذَرِيني للغِنَى أَسْعَى فإِنِّي ... رأَيتُ النَاسَ شَرُّهم الفقيرُ
وأَبعدُهم وأَهونُهم علَيْهم ... وإِن أَمسَى له كَرَمٌ وخِيرُ
ويُقْصِيه النَّدِيُّ وتَزدريه ... حَليلَتُه، وينهرُه الصّغيرُ
وتلقَى ذا الغِنَى وله جَلالٌ ... يَكادُ فؤادُ صاحِبهِ يَطيرُ
قليلٌ ذَنبُه والذَّنبُ جَمٌّ ... ولكنَّ الغِنَى ربٌّ غَفُورُ
وله مع الغنى أمر ونهي، وقوة سلطان، وجد ودولة؛ فكل عيبه مستور، وكل فضله منشور.
قال له أبو سليمان: صدقت، وهذا لأن الإنسان لا يكون في هذا العالم مالكاً للتمام، جامعاً لأدوات الكمال؛ وسببه أنه نتيجة للكواكب العالية، والأجرام الشريفة، من المواد المختلفة، والعناصر الصافية والكدرة؛ فمتى نالته سعادة بالمُشتري، وصل إليه نحس من زُحل، وكذلك الزُّهرة والمرِّيخ؛ والعلماء المتقدمون يقولون: المشتري والزهرة سعدا الفلك، والزُّهرة مخصوصة بالسعادة العاجلة، والمُشتري مخصوص بالسعادة الآجلة.
قال: وهذا وإن كان في الجملة كما قاولوا، فلالتباس الدنيا بالآخرة، فما يُستفاد من المشتري كثير من حظوظ الدنيا، ويستفاد من الزهرة كثير من حظوظ الآخرة.
ومن أسرار الزهرة أنها ربما هيّأت الوحي، ومن أسرار المشتري أنه ربما هيّأ اللّهو.
ومرّ له في هذا لفن كلام كثير مفيد ندَّ عنّي، ولم يصحب ذهني إلا ما تسمع.
قال: ولهذا كان نحس ابن العميد في بدنه، لأنه فقد الصحة في وسط عمره، وحين الحال حويل، والمال مويل، والعلم نزر، والقهم ناقص، والبلاغة خلق، والكتابة شمطاء؛ فلما أخذت أحواله تتّسق، وأسباب فضله تستوسق ضُرب في بدنه بالعلل الشديدة، والأمراض المختلفة، وسُلب لذّة المطعم والمشرب، وبقيت حسرة النّعمة في نفسه إلى أن عطب؛ وقلة حظه منها هو الذي كان يبعثه على قلة الإنعام منها.
قال: ولهذا تجد آخر جيد العقل، صحيح البدن، محمود البيان، ولكنك تجده مع ذلك شديد الفقر، سيء الحال، مرحوم الجملة. وعلى هذه الجديلة كل من اعتبرت حاله، وعرفت ما سلبه مما وُهب له، وما أُعطيه مما حُرمه، وهذا ليكون العبد أبداً في منزلةٍ من النقص، وحالٍ من العجز يكون بهما ضارعاً إلى خالقة، طالباً لعنايته من مالكه، وليكون بين العبد المعجون من الطّين وبين الله مُدبّر الخلق فرق.
وذهب في هذا الفضل كل مذهب، وشفى كل غليل، وأبكى كل عين، وكان ذا قوة عجيبة في هذه الطّريقة، وذا اطّلاع إلى أسرار الخافية.
فأما حديثي معه، فإن حين وصلت إليه قال لي: أبو مَن؟ قلت: أبو حيّان.
قال: بلغتي أنك تتأدّب.
قلت: تأدُّب أهل الزمان.
قال: فقل لي، أبو حيان ينصرف أولاً؟ قلت: إن قِبله مولانا لا ينصرف، فلما سمع هذا تنمّر وكأنه لم يعجبه، وأقبل على واحدٍ إلى جانبه فقال له بالفارسية سفهاً، على ما فُسِّر لي.
ثم قال لي: أنا سامع مُطيع.
ثم قلت في الدّار لبعض الناس مُسترسلاً: إنما توجّهت إلى العراق إلى هذا الباب، وزاحمت منتجعي هذا الرّبع، لأتخلّص من خرزة الشُّؤم؛ فإن الوراقة لم تكن ببغداد كاسدة.
(1/60)
________________________________________
فنُمي إليه هذا أو بعضه، أو على غير وجهه، فزاده تنكُّراً؛ وكان الرجل خفيف الدماغ، لا يعرف الحلم إلا بالاسم؛ والسُّؤدد لا يكون ولا يكمل ولا يتم إلا بعد أن يُنسى جميع ما يُسمع، ويتأول ما يكره، ويؤخذ بالأسَدّ فالأسَدّ.
وقال أبو سعيد السيرافي: الحِلْم مشارك لمعنى الحُلُم؛ فصاحب الحِلم هو الذي يُعرض عما يرى ويسمع كالحالم، واللفظ إذا واخى اللفظ كان معناه قريباً من معناه، وهذا الخَلْق والخُلُق، والعَدْل والعِدْل، وسست الرجل، وسست المرأة.
وقال لي يوماً آخر، أعني ابن عباد: يا أبا حيّان! من كنّاك أبا حيان؟ قلت: أجلّ الناس في زمانه، وأكبرهم في وقته.
قال: من هو ويلك؟ قلت: أنت.
قال: ومتى كان ذلك؟ قلت: حين قلت لي: يا أبا حيان.
فأضرب عن هذا الحديث وأخذ في غيره على كراهة ظهرت عليه.
وقال لي يوماً آخر، وهو قائم في صحن داره، والجماعة قيام: منهم الزُّعفراني، وكان شيخاً كثير الفضل، جيد الشعر، مُمتع الحديث؛ والنّميمي المعروف بسَبطل وكان من مصر؛ والأقطع، وصالح الورّاق، وابن ثابت، وغيرهم من الكتّاب والنّدماء: يا أبا حيّان! هل تعرف فيمن تقدّم من يُكنّى بهذه الكُنية؟ قلت: نعم، من أقرب ذلك إلى أبو حيّان الدّارمي.
حدثنا أبو بكر القاضي محمد بن محمد الدقاق، قال: حدثنا ابن الأنباري، قال: حدثنا ابن ناصح، قال: دخل أبو الهُذيل العَلاّف على الواثق، فقال له الواثق: لمن تعرف هذا الشعر:
سَباكَ من هاشمٍ سليلُ ... ليسَ إلى وصْله سبيلُ
من يتّعاطى الصّفاتِ فيه ... فالقولُ في وصفه فُضول
للحُسْن في وجهه هِلالٌ ... لأَعْيُنِ الخلق ما يَزُولُ
وطُرّة لا يزالُ فيها ... لنُور بَدْر الدُّجَى مَقيلُ
ما اختالَ في صحْن قَصْر أَوسٍ ... إلا تسَجَّى له قَتيلُ
فإِن يَقِفْ فالعيون نُصْبٌ ... وإِن تولَّى فهُنَّ حولُ
فقال أبو الهذيل: يا أمير المؤمنين! هذا لرجل من أهل البصرة يُعرف بأبي حيان الدّارمي، وكان يقول بإِمامة المفضول. وله من كلمة يقول فيها:
أَفضّله والله قدَّمه على ... صَحابته بعد النّبي المكرَّمِ
بلا بِغْضَةٍ والله مني لغيرهولكنّه أولاهم بالتقدُّمِ
وجماعة من أصحابنا قالوا: أنشدنا أبو قِلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي لأبي حيان البصري:
يا صاحبيَّ دعَا الملامةَ واقصُرا ... تَركُ الهَوى يا صاحبيَّ خسارة
كم لمتُ قلبي كي يُفيقَ فقال لي: ... لَجَّتْ يمينٌ ما لهَا كفّارَه
أَن لا أُفيقَ ولا أُفتّر لحظةً ... إِن أَنت لم تعشق فأَنتَ حجاره
الحبّ أوَّل ما يكون بنظرةٍ ... وكذا الحريق بداؤه بِشَرَاره
يا مَن أُحبّ ولا أُسمّي باسمها ... إِياكِ أَعني واسمعي يا جارَه
فلما رويتُ الإسناد، وأنشدت الشعر، وريقي بليل، ولساني طَلق، ووجهي متهلل، وقد تكلّفت ذلك وأنا في بقيّة من غَرر الشباب وبعض ريعانه، فملأتُ الدار صياحاً بالرواية والقافية، فحين انتهيت أنكرت طرفه، وعلمتُ سوء موقع ما رويت عنده.
قال: ومن تعرف أيضاً؟ قلت: روى الصُّولي - فيما حدثنا عنه المرزباني: أن معاوية لما حُضِر أنشد يزيد عند رأسه متمثلاً:
لو أن حيّاً نَجَا لفَاتَ أبو ... حيّان لا عاجزٌ ولا وكلُ
الحُوَّلُ القُلَّب الأَريب وهل ... تَدفع صَرفَ المنية الحِيَلُ
قال الصّولي: هذا من المعمّرين المعَقّلين.
وانتهى الحديث من غير هَشاشة منه عليه، ولا هزّةٍ ولا أريحية، بل على اكفهرار الوجه، ونُبوّ الطَّرْف، وقلّة التقبُّل. وجرت أشياء أُخر، وكان عُقباها أنني فارقتُ بابه سنة سبعين وثلاثمائة راجعاً إلى مدينة السلام، بغير زادٍ ولا راحلة، ولم يعطني في مدّة ثلاث سنين درهماً واحداً، ولا ما قيمته درهم واحد. فاحمل هذا ما أردت.
(1/61)
________________________________________
ولما نالني منه هذا الحرمان الذي قصدني به، وأحفَظَني عليه، وجعَلني من بين جميع غاشية وِرْدِه فرداً، أخذت أتلافى ذلك بصدق القول عنه، في سوء الثّناء عليه، والبادي أظلم، وللأمور أسباب، وللأسباب أسرار، والغيب لا يُطّلع عليه، ولا قارع لبابه.
وسألت العماري عنه فقال: الرجل ذو خَلَّة، ولقد سأله ليلةً شيخ من خُراسان في الموسم عن قوله عزّ وجلّ: (وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ في الدُّنْيَا، وإِنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) ما مرتبة الصّلاح المذكور في الثاني من النبوّة الثابتة في الدنيا؟ فأضْرَب عن المسألة ودافع بصدرها، ولم يُجْرِ كلمةً فيها.
وسأله هذا الشيخ ليلةً أخرى عن قوله عزّ وجلّ: (وَوَاعَدْنا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ)، وعن الفرق بين هذا الاقتصاص وبين قوله: (وَوَاعَدْنا مُوسَى أرْبَعِينَ لَيْلَةً)، فما أعاد ولا أبدى.
ولما عاد من همذان، قيل له: كيف رأيت أبا الوَفاء؟ قال: سَراباً بِقِيعة.
قيل: فكيف مجدت عبد العزيز بن يوسف؟ فقال: نكَداً وخديعة.
قيل: فكيف وجدت المجوسي؟ قال: تمثالاً في كنيسة أو بِيعة.
قيل: فابن سَعدان؟ قال: ضخم الدَّسيعة، له من نفسه حَرىً وسيعة.
هذا حديثه في دينة، ورأيه وعلمه وعقله ومروّته وصناعته ومذهبه. وقد طال وكثُر، ولعلّ التقصّي لو وقع لازداد طولاً، فإنه تنفّست أيامه وتردّدت أحاديثه.
سألت ابن الجلباب الشاعر عنه، فقال: ما أدري ما أقول في رجلٍ من قرنه إلى قدمه عيب وخزيٌ ونذالة ورقاعة، على أن الطبع النكد أملَكُ له، والعادة القبيحة أغلب عليه؛ والإقلاع عن المنشأ المُعان بالطِّباع صعب وعر، ولعلّه مُمتنع.
وسألت الحاتمي عنه، فقال: رأيت رجلاً مدخولاً في جميع الفضائل، مردوداً على كل التأويلات؛ لتِيهه وإعجابه، وحسده ولوثته، وقلّة مصافاته، وسوء رعايته، وفساد دُخلته، ووقاحة وجهه، وشدّة تعييره، وفشوّ أُبنَته، وقُبح سيرته في مذهبه، ونُصرته لما يعتقد بقلبه.
وسألت البديهي عنه، فقال: خذ حديثه بما تسمع مني، وقس عليه؛ رأيت يوماً على بابه شيخاً من أهل الكتاب والأدب ذكر أنه وَرد من مصر، وأنه أقام بها زمناً، وأن أصله من بلاد العجم؛ فلما خرج إليه رفع قصّةً كتب على رأسها: عبّاد بن أحمد، فأخذ ونظر، ثم قال: من سمّاك عباداً باسم الأمين رضي الله عنه؟ ومن يقول إن هذا اسمك الذي اختِير لك عند الولادة؟ وما هذا التقرّب بالتكذيب؟ وما بينكم وبين أسماء السّادة الذين بانوا بها كالسّماء بكواكبها، والأفلاك بعجائبها؟ أما كان لك بغير هذا الاسم الذي ادّعيته دَرْك؟ ولا كان لك دون التكثّر به سبب؟ ما أحوجك إلى نقاف يوجع يافوخَكَ، ونتّاف يقلع شاموخك؟ وسألت الصابيّ أبا إسحق عنه فقال: إن صدقتُ في وصفه ساء قوماً، وإن كذبت في وصفه ساءني؛ ولأن أنفرد بالمساءة أحبّ إليّ؛ وبعدُ فنحن معه كما قال الشاعر:
ونعتب أَحياناً عليهِ ولو مضَى ... لكنّا عَلَى الباقي من الناس أعتَبَا
وقلت للضبعي: كيف ترى هذا الرجل وقد خبرته؟ فقال: أما جَدّه فيُريني أنه واحد الدنيا، وأما جِدّه فينطق بأنه أنذل من في هذا الورى.
وبعد:
نِعْمةُ اللهِ لا تُعَابُ ولكِن ... ربما استُقْبِحَتْ عَلَى أَقوامِ
وقلت للمأموني: اصدقني عن هذا الرجل، فقد عرفت ليله ونهاره، والليل أصدق عن خبايا الإنسان من النّهار.
فقال: في الجملة الرجل بلا دين، لفِسقه في العمل وارتيابه في العلم.
وسألت أبا صادق الطبري عنه فقال: سل عن البَخْت، والله ما له سمتٌ يُتوجّه إليه منه، ولا باب يُعتمد منه عليه؛ بينا هو لك، إذ صار لعدوّك، حاله أحوال، وشأنه شؤون، وكل ذلك جارٍ على الجنون.
وقلت لابن المراغي: كيف تراه؟ قال: والله ما يشفي الغليل منه هجْوٌ ولا مَلام، ولا ما هو معروف به بين الخاص والعام، إلا أن يسقط من ذروته فيُرى في حال سِقطته متردّداً بين خطبته وورطته.
وقلت للشيخ العالم: أما أنت من بين الناس فقد حظيت عنده، ونلتَ منه.
فقال: لو عرفت ما يتّقد على فُؤادي من الغيظ عليه لرحمتني في بَلائي بأكبر مما تحسدني عليه في ظاهر أمري.
قلت: وما تنكر منه؟ قال: لستُ أنكر منه شيئاً واحداً، وإنما أُنكره كله.
(1/62)
________________________________________
وقلتلأبي جعفر الورّاق: ما أراك تخرج من حضرة هذا الرجل إلا وأنت ساهم الوجه، مغيظ النفس؛ كأنك لست تخرج من عند من كل أحدٍ يتمنّى أن يصل إليه، وأن ينطق بين يديه، وأن يصنع به حاله؟ فقال: والله لولا التحرج لوصفته بكلامٍ كان فيه برد حرارة صدري، ولكن التحرّج مانع من ذلك، هذا، والخوف أيضاً عامل عمله، وآخر ما أقول: أنه ساقطٌ من عين الله عزّ وجلّ، والويل له من الله يوم التَّجازي والقصاص.
وقلت لأبي الفضل الهروي: كيف ترى هذا الرجل؟ قال: أراه - والله - عقوبة من الله نازلة بأهل الفضل والتكرم، وليتنا علمنا بأي ذنبٍ عُوقبنا فكُنّا ننتهي عنه ولا نُصرّ عليه، فما عندي أن الله يبتلي عبداً من عباده بخدمته والتعلُّق به بعد أن ينزع عنه العصمة، ويوكِّل به النِّقمة، ويحرِّم عليه الرّحمة.
وقلت للزّعفراني الشاعر: بالله صِف لي هذا الرجل.
فقال: لو أمكنني الوصف بالنظم كان أعجب إليّ؛ فإني رجل شاعر، ولكن الخوف من ذلك حائل.
وقلت للتميمي: أما أصحابك فقد عرفت عقائد قلوبهم في هذا الرجل. فأين أنت منه؟ فقال: أحرى اعتقادي فيه أنه خنزير قد أُعطي قوة أسد؛ فهو يفترس يمنةً وشآمة، وكنت أرى فيما مضى أن الشرّ مكسوب بالقصد حتى شاهدتُ هذا فتحولت عن الرأي الأول، وقلتُ: بل السرّ في بعض الناس لاصق بالطّبع.
وقلت لأبي سعيد الأبهري: بيّن لي أمر هذا الرجل، ففي نفسي أن أعمل كتاباً في أخلاقه.
فقال لي: لقد حاولت عسيراً. أَ تستطيع أن تصف إبليس بجميع ما هو فيه؟ قلت: لا والله، إنما أعوذ بالله منه فقط.
قال: فعُذْ بالله من هذا قبل أن تعوذ بالله من إبليس؛ فإن إبليس - وإن كان شريراً - فهو عاقل، وهذا يزيد عليه لأنه شرير وهو أحمق.
وقلت لأبي طاهر الأنماطي: كل أحد له على هذا الرجل كلام، وفي نفسه مَوجدة سِواك؛ فإنك واصل إليه إذا أردت ونائل من ماله وجاهه إذا أحببت، فما قولك فيه؟ فقال: صبري على رقاعته قد نغَّص عليّ جميع ما أنا عليه معه، على أن رقاعته مُرشحة بجنون، وجنونه صادر عن قدرة، فالرّهبة منه قد كدّرت عين الرّغبة فيه، والغيظ عليه قد منع من الاستمتاع به.
وسألت ابن زرعة الفقيه فقلت: ما أحوجني إلى فُتياك في هذا الرجل! فقال: قد - والله - جُبْتُ الآفاق، ولقيتُ أصناف الناس في الشرق والغرب، فما رأيت رجلاً في جنونه أعقل منه، ولا في عقله أجنّ منه، وإنه لأعجوبة؛ عدوّه هالك لسلطانه، ووليّه خائف من كثرة ألوانه؛ لا عهد له ولا وفاء، ولا صدق ولا لطف، كله هزْل، وجميعه جهل.
وقلت لابن فارس صاحب اللغة: بِم تحكم على هذا الإنسان؟ فقال: بأنه لله عدوّ، وللأحرار مُهين، ولأهل الفضل حاسد، وللعامّة مُحبّ، وللخاصّة مُبغض.
فأما عداوته لله فلقلّة دينه.
وأما إهانته للأحرار فهي شهيرة كهذا النّهار.
وأما حسده لأهل الفضل جرِّب ذلك بكلمة تُبديها.
وأما حبُّه للعامّة فبمناظرته لهم وإقباله عليهم.
وأما بغضه للخاصة فلإذلاله لهم وإقصائه إياهم.
**** فأما ابن العميد أبو الفضل، فإنه كان باباً آخر، وطامّة أخرى، وكان فضله من جنس ليس لابن عباد فيه نصيب، ونقصه من ضرب لم يكن له فيه ضريب، كان يُظهر حلماً تحته سفه، ويدّعي علماً هو به جاهل، ويُري أنه شجاع وهو " أجبن من المَنْزُوف ضَرْطاً " ، وكان يدّعي المنطق وهو لا يفي بشيء منه، ولم يقرأ حرفاً على أحد، ويتشبّع بالهندسة وهو منها بعيد، ولم يكن معه من صناعة الكتابة الأصل وهو الحساب، وكان أجهل الناس بالدّخل والخرج، ولقد بقي ما بقي في أيامه فما قعد يوماً في الديوان ناظراً في عمل، أو فاصلاً لحكم، أو مخلصاً لمشكل، وكان قد وضع في نفسه - بالحيل الدقيقة، والأسباب الخافية - أنه واحد الدنيا، وأن ملوك الأرض يحسدونه عليه، وأنه لسان الزمان، وخطيب الدهر؛ وأن قلمه فوق السّيف، وتدبيره فوق الجيش، ونظره في الدّولة والمملكة وأحوال الأولياء وذوي النصيحة كالوحي والنبوّة. وكان مُعَوَّله في الأعمال على أبي علي البيّع؛ وكان مع هذا شيّء السيرة، قليل الرحمة، شديد القسوة، وارم الأنف، عظيم التيه، شديد الحسد لمن نطق ببيان، أو أفصح بالعربية وسيتبيّن بعض هذا بما أذكره لك بشاهد عدل، وراوٍ ثقة.
(1/63)
________________________________________
ورد أبو طالب الجرّاحي الكاتب بالريّ من العراق، ولم يكن في عصره أنطق منه لساناً وقلماً، وهو من بيت علي بن عيسى الوزير، فعرض نفسه عليه، فلما رأى بسطته ولسانه وخطّه وطلاقته ولطافته وأُبوّته وصناعته، حسده واغتاظ منه، وضاقت الدنيا به، وعمل على أن يسمّه، ففطن أبو طالب وكان فطناً، فطوى الأرض، ووقع إلى آذربيجان، وصار إلى ملك الدّيلم المرزبان بن محمد، فعرف قدره، وبسط يده، وأعلى كعبه، ونوّه باسمه، واستطال على ملوك النواحي بمكانه.
ثم انظر إلى ما جرّ أبو طالب عليه لخسّته ولؤمه ونقصه وسُقوطه، وهكذا يفعل من انصرف من باب عزيز ذليلاً ومن فناء موسر مذموماً؛ وقد كان يمكنه اصطناعه وتقديمه وإكرامه واستخدامه بأسهل غرامة وأيسر مؤونة، وأهون مرزية؛ ولكنه حسده وأبعده، وليته مع ذلك زوّده ما يوجب شكراً، ويكون بلاغاً، ويبقى حديثاً مأثوراً وذكراً جميلاً.
ولقد كتب إليه أبو طالب بعد هذا الحديث كتاباً قرأتُ فصلاً منه يقول فيه: " حدِّثني بأيّ شيءٍ تحتجّ إذا طولبت بشرائط الرياسة التي انتحلتها وأكرهت الناس على تسميتك بها؟ أَ تدري ما الرياسة؟ الرياسة أو يكون باب الرئيس مفتوحاً، ومجلسه مَغشياً، وخيره مُدْرَكاً، وإحسانه فائضاً، ووجهه مبسوطاً، وكنفه مزوراً، وخادمه مُؤدَّباً، وحاجبه كريماً، وبوّابه رفيقاً، ودِرهمه مبذولاً، وخُبزه مأكولاً، وجاهه معرَّضاً، وتذكرته مسوَّدة بالصلات والجوائز، وعلامات قضي الحوائج.
وأنت! فبابك مقفل، ومجلسك خال، وخيرك مقنوط منه، وإحسانك منصرف عنه، ووجهك عابس، وبنانُك يابس، وكَنفك حرِج، وخادمك مذموم، وحاجبك هَرّار، وبوابك كلب، ودرهمك في العَيُّوق، ورغيفك في منقطع التراب، وجاهك موفور عليك، وتذكرتك محشوو بالقبض على فلان، وباستئصال فلان وبنفي فلان، وبسم فلان، وبالدّس على فلان، وبحطّ مرتبة فلان.
هل عندك أيها الرجل المدعي للعقل، المفتخر بالمال، والمتعاطي للحكمة، إلا الحسد والنذالة، وإلا الجهالة والضّلالة؟ تزعم أنك من شيعة أفلاطون وسُقراط وأرسطوطاليس، أَوَ كان هؤلاء يضعون الدّرهم على الدّرهم، والدينار على الدينار، أو أشاروا في كتبهم بالجمع والمنْع، ومطالبة الضّعيف والأرملة بالعسف والظلم؟ فيا مسكين استحي، فإنك لا مع الشريعة ولا مع الفلسفة، وقد خسرت الدنيا والآخرة.
هذا عقلك الذي يخاطب الناس برفعك التراب على رأسك والسّخام في وجهك.
أَ من كرمك وحزمك أن يفِدَ عليك مثلي؛ رجل من آل الجرّاح بيت الوزارة والسؤدد، ينبري لمعروفك، ويخطب الخدمة بين يديك، والقيام بأمرك ونهيك؛ بحظٍ ميسور، ونائل مَنزور، فتحسده وتبعده، وتُخمله وتهمله، وتواطيءَ على سمّه وقتله؟ يا ويلك! فمتى كنت أنت وآباؤك تستحقّون خدمة رجلٍ من آل الجرّاح؟ كأنّ بيتك بقُمّ ما سألنا عنه، ولا وقفنا عليه؟ أَ ليس أبوك كان قوّاداً، وأبوه كان نَخّالاً؟ ها أنا قد انقلبتُ عنك خائباً، أَ فضِعت وبُرتُ وكسدت؟ لا والله، بل قيَّضَ الله لي مُلكاً من ملوك الدنيا حتى اشتمل عليّ، ونظر بعين الكفاية إلي، وأهلّني لمحلٍّ زائد عن محلّك، ورتّبني في حالٍ هي أشرف من رُتبتك، والله أكرم من أن يُضيع مثلي أو يُحْوجني إلى مثلك.
فبُؤ الآن بخساستك، والصق بالدَّقعاء ندماً على فعلك، وثق بأن لساني وقلمي لا يزالان يبريان عرضك، ويخطبان بذمّك، ويلهجان بهتْ: سترك، ويبعثان الناس على معرفة خزيك وسقوطك؛ أَ تظنّ - يا جاهل أنه إذا ركب قُدّامك حاجب، وسار معك راكب، وقال الناس: أيها الرئيس - أنك قد ملكت الكمال، واستحققت خدمة الرجال، من غير إسعاف ولا إفضال؟ هيهات! المجدُ أخشن مسّاً من ذاك. وسأشقّ النظم والنثر في أكناف الأرض بما ينكشف به للصغير والكبير نقصك، وتزول الشبهة عن القلوب في أمرك إن شاء الله.
هذا أفادنيه، وكان شاعراً من آذربيجان. فهذا هذا.
قلت للخليلي: لِمَ كان يصبر أبو الفضل على ابن ثابت الكاتب الهمذاني وهو آفة ونكال، لا حظَّ ولا معرفة ولا أدب ولا صناعة؟ فقال: لأنه علم أن غيره لا يصبر على ذلك الرِّزق الوَتْحِ، والجدوَى القليلة، ومن أجل ذلك قال مِسكويه:
يقولون إِنّ ابن العميد محمداً ... يؤول إلى رأَيٍ وثيق المنابتِ
فقلتُ: دَعُوه قد عرفتُ مكانَه ... بطلْعَةِ منصورٍ وحَظّ ابن ثابت
(1/64)
________________________________________
ومنصور هذا خادم رأيته، كان من أقبح الناس وجهاً كثير الهذر، سيّء الأدب، وكان من قُمّ من الأحرار؛ ولما ذمّه صاحبه ووليّ نعمته بسبب هذا الخادم للشُّهرة الفاضحة، والتهتُّك الشائع. قال أبو الفضل بحكمته: ما أصنع؟ والله ما وجدت في هذه المدة لا يري غلافاً مثله، ولا بدّ لي منه، فليلم من شاء، والهوى لا يحلو إلا مع العذل.
انظر بالله إلى هذا الحكيم بزعمه، واسمع قوله، وهو يزعم مع هذا أن أرسطاطاليس لو رآه لرجع عن آراء كثيرة ببيانه، ولغيّر كثيراً من كتبه بمشورته.
وكان يقول بقحته وقلة اكتراثه وتهاونه بمن حوله: أما الموسيقى فإنه يموت بموتي ويفقد بفقدي، هذا وهو لم يقرأ حرفاً منه على أحد من خلق الله، وما أُوحي إليه به، ولا يجوز أن ينفتح مغلقه جُزافاً عليه أو على غيره؛ وإنما كان يستجيز هذا القول في الموسيقى خاصّة لأنه لم يبق منذ دهرٍ من يدلّ من هذه الصناعة على حرف بتحقيق، أو يأتي فيها بوصف تام، لذهابه ودروسه.
والعلم كلّه - أبقاك الله - قد دخله الضّيم، وغلب عليه الذّهاب لقلّة الراغبين، وفقد الطالبين، وإعراض الناس عنه أجمعين. والموسيقى من بين أجزاء الفلسفة فُقِد حمله، لأنه لا يوجد علمه إلا بعمل، ولا يكمل عمله إلا بعلم، والعلم والعمل في صناعة واحدةٍ قلّما يجتمعان على التناسب الصحيح.
وكان يعمل كتاباً سماه: " الخلق والخلق " فمات سنة ستين وهو في المسودَّة، وقد رأيت ورقات منه وتقلتُ إلى " البصائر " حروفاً كانت فيه أفادنيها أبو طاهر الورّاق. ولم يكن الكتاب بذاك، ولكن جَعْس الرؤساء خبيص، وصُنان الاغنياء نَدّ، وخنفساء أصحاب الدولة رامُسنَّة.
وقلت للغويري: حدِّثني عن ابن عبّاد، فإنك قد عرفت ليله ونهاره وخافيه وباديه، وعن ابن العميد فقد اختبطت ورقه،وانتجعت صوبه.
فقال: في ابن عبّاد قِحة مأبون، ولوثة مأفون، وهو ابن وقته معك، ونتيجة ساعته لك، لا يعرفك إلا عند امتلاء العين بك، ولا يُعطيك شيئاً إلا إذا أخذ أكثر منه منك، يشتري عرضك، ولا يوليك حقك، ويبلغ بلسانه ما لا يسمح لك بعُشره من فعله، ثم الويل لك إن أصبت في كلامك، والويل لك إن أخطأت، على أن الخطأ يعطفه عليك بالرحمة، والصواب يحمله في معاملتك على الحسد والانتقام؛ يريد منك أن لا تذكر فاضلاً عنده وإن ذكرته فضّلته عليه. وإن ذُكر الشِّعر فقل: أين مسلم بن الوليد منك؟ وإن ذُكر النّحو فقل: وصلت إلى ما لم يصل إليه سيبوية، وإن ذكر البيان فقل: فيك أعراق متواشجة من قُسّ بن ساعدة، أو لعلّه كان في قس عرقٌمن آبائك الفرس، وإن ذُكر الكلام فقل: لو رآك النَّظَّام للزِم بابك وحمل عاشيتك، وإن ذُكر الفقه فقل: أين أبو حنيفة عن هذا التحقيق والتدقيق؟ وأين صاحباه: محمد، وأبو يوسف عن هذا التطبيق ولتعميق؟ فأما الجاحظ فما وزنه عند مثقالك؟ وأين شراره من نارك؟ وهل يسبح في بحرك؟ وهل يتطاول إلى سمائك. لو رآك لرشاك، ولو شاهدك لما انتسب إلا إليك.
وأما إبراهيم بن العباس الصُّولي فأحسن ما يختاره له أن يكون من المختلفين إليك، ومن الحاذين على مثالك، والآخذين عنك. وأما الدَّواوين فالكَلْواذي يسلّمها لك، ويتبرّأ من الأعمال بسببك، ويطّرح الرسوم القديمة معك، ويأخذ فيما تبتدعه وتضعه، لأنه إن نازعك افتضح على يدك، والعاقل لا يُلقي بيده إلى التّهلكة، ولو وثق أنك تقبل مصانعته لصانعك، ولو علم أنك تُبقي عليه لخَدَمك.
وأما الخطّ فابن مُقلة وابن أبي خالد والبربري ومن تقدّم وتأخر أعطوك الضمة فيه، وأظهروا لك الانقياد به.
قال: ومن مناقبه في مثالبه أنه يقنع منك في مدحك بالنفاق، وفي ثنائك عليه بالرياء، وفي نُصرة سيرته بالحيلة، ويرضى في هذا كله بعفوك دون جَهدك، وبما يخفّ دون ما يثقل؛ وليس كذلك ابن العميد؛ فإنه لا يحب أن تمدحه إلا بأكرم الخِصال، وأشرف الفعال، وأن يكون قولك عن عقد، ووصفك عن يقين، وإخبارك عن تعجّب، وتعجُبك عن استبصار، واستبصارك عن مُعاينة، وفيه مع ذلك كِياد مُخنّث مَجْفوّ، وسفه ضرَّةٍ رعناء، ونميمة كُنَّةٍ سليطة.
وحدثنا القاضي ابن عبد الرحيم، وكان خصيصاً به، وقهرمان داره ومُشرفاً على غوامض أمره، قال: قصده شاعر في بعض الأيام ووصل إليه، وأنشده وأصغى إليه، وانصرف بأمل، وتردد على ذلك فلم ير ما يحبّ، وتعلّق بي.
(1/65)
________________________________________
فقلت له: صاحبه روبين أغلب الناس عليه، وأوجههم عنده، فلو لُذتَ به رجوتُ لك، فلزمه وسأله الكلام في أمره، فوعده بذلك.
قال روبين فقلت له - يعني ابن العميد - : هذا الشاعر البائس قد سمعت منه شعراً، وأسمنت أمله، وهو على ذلك يغدو ويروح ويشكو وينوح، فلو أمرت له بشيء كان أقطع لشغبه وأجلَب لشكره، وأدعى إلى السلامة من عتبه؛ وهؤلاء يردون الآفاق، ولهم الإلحاح والطّلب والتذرُّع باللسان، والتوصّل إلى كل حال بكل حيلة.
فقال: وما يُريد؟ إن شاء الله أجبته عن قصيدته في رويّها بعدد أبياته وعَروضه وأعيان معانيه، وأزيد. وإذا وردت شعراً بشعرٍ فليس علي بعد ذلك لوم ولا أنا مقصّر ولا ظالم.
فقال: فقلت له: هذا سمج شنيع، والناس لا يقارّون عليه، ولا يرضون به ولو ذهبت أرواحهم وتلفت أنفسهم.
فقال: يا هذا! هوّن عليك، وأقلل من حديثك، فقد ضيّعنا في هذا مالاً، وإنا بعدُ في لذع الحسرة على ذلك، لأن الشباب له عُرام، ولم يكن لي في تلك الحال تجربة، ولا يقظة، ولا معرفة بحق المال والقيام بحفظه إذا حصل، والشّغل بجمعه إذا انتقل، ونعوذ بالله من الحَوْر بعد الكَوْر.
المال - عافاك الله - عديل الروح، كمال الحياة، وقوام الظهر، وسرور القلب، وزينة العيش، ومِجنّ الحوادث، وحبل اللّذات، ومُتعة الإنسان، ومادّة البقاء؛ ومن لا مال له لا عقل له، ومن لا عقل له فلا حياة له، ومن لا حياة له فلا لذّة له، ومن لا لذة له فهو في قبيل المعدوم.
قال روبين: فعلمت أن بعد هذه الخطبة لا يسمح بدرهم واحد. فوصلت الرجل من مالي بشيء واعتذرت إليه؛ وبلغني أن ذلك الشاعر مزّق عِرضه، وهتك ستره.
ولقد شاهدت في مجلسه شاعراً من الكرخ يعرف بمويه، وكان جيّد اللسان، يقول له: أيها الرئيس! قد لزمتُ فناءك لزوم الظل، وذللت لك ذُكّ النعل، وخدمت أملي فيك خدمة ناصح لنفسي فيما التمست من الصلة والجائزة.
ولك فيما أوفدت عليك من الثناء والمدحة، وما بي - والله - ألم الحرمان، ولكن شماتة قوم صدقوني فاتّهمتهم، ونصحوني فاغتششتهم؛ بأي وجهٍ ألقاهم، وبأيّة حجة أُدافعهم؟ وهل حصلت من مديح بعد مديح، ومن نظم بعد نثر، ومن رواح بعد بكور، ومن غسل أطمار وإخلاق سِربال، ومن تأفُّف لازم، وضجر دائم إلا على ندم مُؤلم ويأسٍ مُسقم؟ فإن كان للنجاح علامة فما هي، وأين هي؟ قد - والله - طالت غيبتي عن أهلي، وعن السائلين عن حالي، في هذه المعاملة التي عاقبتها الخيبة بعد المطل، والحرمان بعد الإطماع، والتحسُّر بعد الوعد؛ وقد بسط الله كفّك، وجعل الخير والجود والكرم جاريةً في أسرارها ونابعةً من جوانبها. ففِض أيها الرئيس فإنما أنت بحر، واسكب فإنما أنت سحاب، واطلع فإنما أنت شمس، واتّقد فإنما أنت نجم، ومُر فإنما أنت مُطاع، وهَب فإنما أنت واجِد، واهتزّ فإنما أنت ماجد، وصِل فإنك جَواد.
واللهما يقعد بك خَور في الطباع، ولا نَغَل في العِرق، ولا قدحٌ في الأصل. المُخُّ قصيد والحبل حصيد، والزَّندُ وارٍ، والفَروة خضراء، والعُودُ مُورق، والمال جمٌّ، والأمر أجمّ، والسلك دقيق، والنسيج صفيق، والطِّراز أنيق؛ وما هو إلا أن تقول حتى تُسمع، وما هو إلا أن تأمر حتى يُمتثل، لأن أمرك على الفور، وحكمك ماضٍ بالعدل والجَوْر؛ فما الذي يثني عزمك عن الكرم؟ ويفُلُّ حدَّك في الجود؟ ويُقصِر باعك عن المجد؟ ويسدّ أُذنك عن أحاديث غد؟ إن الذين تكره لهم ما هُجوا به كانوا مثلك، وإن الذين تحسدهم على ما مُدِحوا به كانوا من طينتك؛ فزاحم بمنكبك أضخمهم سَناماً، وزد على من كان أكبرهم كاهلاً، وأعلاهم يفاعاً، وأسطعهم شُعاعاً، وأزهرهم ناراً، وأكثرهم زواراً! فلما بهَره هذا الكلام الشَّهيّ في ذلك المجلس البهيّ شُدِه وعلِه ولم يدر ما يقول، وأطرق هُنيهةً، ثم قال: هذا وقت يضيق عن الإطالة منك في الاستزادة، وعن الإطالة منّي في المعذرة؛ فإذا تواهبنا في الحال ما قد دُفعنا إليه، استأنفنا في الثّاني ما نتحامد عليه.
(1/66)
________________________________________
فقال الشاعر: أيها الرئيس! هذه نُفاثة صدرٍ قد جوي منذ سنة، وفضلةُ لسانٍ قد فَدُم منذ زمان؛ وقد تقدّم العمل، والجزاء موقوف، والرّجاء عليل، والأمل غادر، والحال بعرض سوء، والشّامت قد شمّر للتأنيب، ولا صبر لمُقلّ على مدلّ إلا على وجه يُحتمل؛ فإن رأيت قدمت المتأخر، وقربت المتأخّر، وقربت الشّاسع، وجعلت إجزال العطية في تعجيلها، وإكرام طالبها في تسهيلها، فلا مانع إن لم يكن ذلك من سدّة جد، أو تقاعس جَدّ.
فقال: يا هذا قد كررت العتب، واجتررت الملام، وما أستوجب هذا من أحد من خلق الله؛ ولقد نافرت العميد بدون هذا حتى ثار من ذلك عجَاج قاتم، وانتهينا منه إلى قَرِيٍّ عاتم؛ ولست وليّ نعمتي فأحتملك، ولا صنيعتي فأغضي عليك؛ وإن بعض ما قررته في أُذني لمما ينقض مِرَّة الحلم، ويُبدد شمل الصّبر؛ ولستُ ممن يطيش لأدنى سانح، ويتطيّر لأوّل بارح؛ والله ما دعوتك إليّ، ولا أغريتك بي، ولا سألتك تقريظي، ولا أتعبتُك في قصدي؛ وإن الظُّلم منك، وكذاك العتب منك؛ وأنا على كلّ حالٍ مالي؟ فلا تجمع بين الظلم والتظلّم، والجناية والتَّجنِّي، وخُذ نفسك بالنزاهة والعَفاف فإنهما لا يقفانك هذا الموقف، ولا يعرضانك على هذا المجلس، ورزق الله مُنتاب وغاد، واطلب الغنى منك فإنه عندك أكثر منه عند من تظلمه وهو لم يظلم، وتعاقبه وهو لم يُجرِم.
فقال الرجل: ما كرّرت العتب حتى أكلت النّوى المُحرَّق في انتظار صِلتك، ولا اجتررتُ الملام حتى خانني صبري في توقّع جائزتك؛ والغضنيُّ إذا مَطَل ظلَم، والواجِد إذا لوى أثِم، والجواد إذا منعَ لِيم.
ولَعَمري ما دعوتني إليك، ولا أغريتني بك بكتابٍ خصصتني ورتّبتني فيه، ولا سألتني تقريظك، ولا أبغيتني في قصدك برسول أرسلته إليّ؛ ولكن لما جلست في صدر هذا الإيوان بأُبّهتك وعظمتك وكبريائك وجَبَروتك؛ وقلت: لا يخاطبني أحد إلا بالرياسة، ولا يُنازعني أحد في حقوق السياسة؛ فإني كاتب ركن الدولة، وزعيم الأولياء بالحضرة، والقيّم بمصالح المملكة - فقد أهبت الناس إلى بابك، وأغريتهم بخدمتك، وأطعمتهم في مالك، وكأنك قد خاطبتهم بلسان الحال، وإن لم تكن خاطبتهم بلسان المقال. فأنا ذلك السّامع برياستك، والشاهد بفضلك، والراغب في خدمتك، والراجي لخيرك؛ سمعتُ فأجبت، وحضرت فمدحت، ووقفتُ أثنيت؛ وأصغيتَ فقبلت؛ وأدّيتَ فاستحسنت؛ ولم يبق بعد هذا كله إلا أن لا يكون عطاؤك حرماناً، ولا جودك انتحالاً، ولا فُتوّتك اقتيالاً، ولا ماؤك سراباً، ولا جَودك ضباباً؛ ولا خدمتك مندمة، ولا الحاصل من معاملتك مظلمة.
وإن الرجل الحُرّ متى علم أن صاحبه لئيم الطِباع، خسيس الخُلُق، مرقَّع المنصب، ملبوس المحتد، وأن الله تعالى لم يجعله من معادن الرّزق، ولا من أبواب النّجاح، فإنه لا يطمع فيه، ولا يتواضع له، ولا يعدّه فيمن يُعد، ولا يشغل لسانه بمدحه، ولا يُعقُّ أمله بقصده، ولا يُضيع قوله في وصفه؛ بل يرى أن اقتحام الجمر، وسفّ التراب، ونزع الرُّوح أهون من ذاك وأعزّ.
ولعن الله الأدب إذا كان بائعه مُذيلاً له، ومشتريه مُهيناً لقدره، ومُماكِساً فيه.
وتقوّض المجلس، وقام الناس، ونصرف الشاعر.
فحدّثني شمسويه أنه طلبه بعد ذلك ليصله، فرجع إليه أنه ذهب بين سمع الأرض وبصرها.
وسألت الجُرجانيَّ عن ابن عبّاد وابن العميد.
فقال: ما يبينان بكرم كبير، وفعال مشهور؛ ولا فائدة في نشر لؤمهما وخساسة طباعهما؛ بلغ من فلسفة هذا أنه أمر بقطع لسان رجل شتم بلد قُمّ غضباً لبله، وتيهاً بوطنه، وشدّ آخر في داره إلى شجرة وما زال يُضرب إلى أن مات، وطرحه في جَوْبةٍ حتى أكلته الكلاب؛ فقال صاحبه: انظروا إلى هذا الذي قُلنا إنه أعقل الناس.
حدّثني بهذا الهرويّ.
(1/67)
________________________________________
ثم قال: وكان ابن عبّاد - كما قال أصحابنا - هو ابن سجب ليس عنده إلا القال والقيل، والكِبر والتخييل؛ يحبّ العامّة ويرفع نفسه عنها، ويحسد الخاصّة ويجعل نفسه منها، ويستطيل بالعلم وهو قريب القَعْر فيه، ويدّعي الردّ على الأوائل وهو لا يعرف حرفاً من نمطهم، ويتحلّى بالعدل والتّوحيد، قولاً ويتحلى بالجّور فعلاً، ويتشبّع بالأدب وهو سيء الأدب؛ يتهكّم بلسانه مُستطيلاً، ويتقحّم الجراثيم مُستهيناً، لو وقع عليه الخصم لجرده للناس، وأظهره للصّغار والكبار، لكنه في خفارة جدّه، وحصن دولته؛ على أن الجهابذة قد نقدوه وبهْرَجوه وتركوا التعامل به، وإنما هو وميض برق وهبوب ريح، وخفق راية؛ قإذا قرّت الأمور قرارها، وعطفت الفروع على أصولها ألفيته مُطِّرحاً مع نظائره، خامل الذكر، وضيع القدر، قصير الشِّبْر، مهتوك السّتر.
قال: وجملة الأمر أن ابن العميد كان حسن الكتابة، غزير الإنشاء، جيد الحفظ، ولم يكن له في كتابته حساب ولا تحصيل لوجوه الأموال، ولا معرفة بالدواوين، ولكنه كان بفضل الكيس يتأتّى له ويتلطّف.
قال: وله شعر صالح في الغزل والمعاتبة؛ ولأنه مشهور لا طائل في روايته، ومن ذلك قوله:
قَلبِيَ دامٍ به نُدوبُ ... يكادُ ممَا بِه يَذوبُ
قد كنتُ أُخفي الوشاة جهدي ... فنمَّ مني به الوجيبُ
فهل سمِعتُم بمستهامٍ ... عليه من قلبِه رقيبُ
يَعمِد ما سَاءني ضراراً ... ما هكذا تفعل القلوبُ
يقتادني للصِّبا غَرير ... كأنه شادن ربيبُ
جرَى مع الدّهر في عنانٍ ... فهو لأحكامه نسيبُ
فكلُّ محبوبه بعيدٌ ... وكلُّ مكروهِه قريبُ
وكيف يُرجَى بقاء صَبٍّ ... ناكده الدَّهرُ والحبيبُ
وكان ابنه أبو الفتح أشعر منه وأحسن حظاً، واستفاد بدخول بغداد شيئاً فاتَ والده.
وكان لذلك يغمز على البغداديين ويتعنّتهم، وكان نزر العطاء شديد المنع لا يقبل صنفاً من الناس، وإنما غرم شيئاً يسيراً على العامري، لأن العامري خدعه وطلاه وصبغه ودخل من بابٍ غامضٍ عليه وقال: لقد قصدتُك من خُراسان لأقرأ عليك علم الحيل وجرّ الثقيل، ومراكز الأثقال، وهو في أواخر علم الهندسة. بهذه الدعوى وبخلابته أيضاً، وبعصر عينيه عند سماع كلامه، وكان يقول له: ضاع عمري ولم أُوفّق لرُشدي في أول أمري، ولو وُفّقتُ لوقعت إلى كنز علمك وروضة بيانك قبل هذه السنين.
ولما رآه أبو الفضل على هذا، قال: لست في قراءتك جرّ الثقيل عليَّ بأحوج مني في قراءة الإلهيات عليك، فإنك في هذا الفن بحر لا يتغلغل إلى قعره، وجبل لا يتوقّل إلى مَصاده.
وكان هذا تساخُراً منهما، وتكاذُباً بينهما، لأنهما كانا لا يعرفان من هذين العِلمين لا قليلاً ولا كثيراً.
وما ينقضي عجبي من تكاذب العُقلاء، ومن تجاذب الجهّال.
وخبُّ هذا الإنسان خِبٌّ فائت، والإحاطة به ممتنعة.
وأما الهرويّ فإنه ارتبطه بأمر ركن الدولة، وكان يمدّه من ناله، لأنه حُمِد في طبّه الذي كان يتكثّر به بعد هندسته التي كان فيها أبرع، وبها أعرف.
وأما مسكويه فإنه اتخذه خازناً لكتبه، وأراد أيضاً أن يقدح ابنه به، ولم يكن من الصنائع المقصودة والمهمّات اللازمة؛ وكان أيضاً ما يُقيم عليه شيئاً نزراً لا يقنع به إلا من لا نفس له ولا همّة، وكان يحتمل ذلك لبعض العزازة بظلّه والتظاهر بجاهه.
وأما ما تكلّفه لأبي جعفر الخازن فإنه كان لأسباب طويلة؛ منها أن رُكن الدّولة أعظمه، فلزمه أن يقتدي به.
ومنها أنه طمع في اقتباس علمه.
ومنها أن العيون كانت تنظر إليه في أمره، والناس يحسبون ما يأتيه في بابه، لأنه وقع إلى الرّيّ مع صاحبه الصّاغاني أبي عليّ حين طلب الأمان، والحديث معروف.
فأما ابن فارس فإنه استخدمه ليعلّم ولده.
وأما ابن أبي الثيّاب البغدادي فإنه قرّبه ليسترق منه المنطق، فلما علم بذلك أبو محمد نفس بما معه، وتكاسل؛ وقيل له: كيف تعاصيت؟ فقال: كان سيء الانبعاث في هذه الفنون، وكان شديد التشبّع بها، يُحبّ أن يختلس الحكمة، ويمتهن أربابها بفضل المقدرة.
وأنشدني في هذه القصّة:
(1/68)
________________________________________
إلى الله أشكو رَيبَ دهرٍ كأنّما ... يَرَى كلّ ما يَجرِي بمَكْرُوهنا فَرْضَا
يُؤمِّل مِنّي أن أَذِلَّ لمُوسِرٍ ... لَئِيمٍ ونفسُ الحُرّ بِالذُّلِّ لا تَرضَى
قلت: لمن الشعر؟ قال: أنشدني ابن أبي البغل لنفسه.
وأراغه أبو الفضل على المنادمة فأنف، وما زال يترصّد وقتاً ينفلت فيه حتى كان من أمر ابن العميد ما كان من خروجه إلى أرَّجان، فطوى فجاج الأرض، وجابَ البلاد إلى بُخارى، وولي بها البريد إلى أن قضى.
وأما أبو طاهر الورّاق فإنه رتّبه في النسخ، وكان قوي الخطّ كثير الصبر على النقل، ولم يكن من الصنائع ولا من حملة النّعمة، ولا ممن يطالب بالحمد ويُبعث على الشُّكر.
وأما ابنُ بُنْدار فإنه كان فَدْماً غليظاً، غليظ الكلام جافياً جاسياً مقيتاً، وكان وزر بأذربيجان لجُسْتان، فأحبّ أن يُري من نفسه أنه على مائدته من وزر.
فأين الصّنائع والمدّاح؟ وأين المنتجعون والزائرون؟ وأين من مرَّ به محتاجاً إلى زاد ونفقة فطلبه وقرّبه، وأعطاه ووصله، وأضافه وأكرمه، وتصفّح ما معه واقتبس ما معه واقتبس مما عنده؟ سقى الله ابن عباد! فإنه وقف نفسه على الغرباء وطلبهم بأكثر مما تعرّضوا له، وسأل عنهم بأكبر مما رجوه فيه؛ ولولا أنه كان يفسد هذه الأفعال بالرّقاعة والتخيل والعجب والتطاول، وذكر الطعام والمائدة، وما يعطي ويهبُ، لكان قليله أكثر من قليل ذاك، وصغيره أكبر من كبيره؛ ولكن لكل حسن مقبّح، ولكلّ عزيز مذلل، ولكلّ جديد مبلٍ.
وحدثني ابن عبد الرحيم القاضي قال: قال يوماً لصاحب طعامه حدثني عن هذا الخبز المكسّر على الطبق، والملوّث، وما تتجافى عنه الأيدي، وما يصيبه اللحم والمرق والثريد - ما تصنعون به؟ وابتدأ هذا القول وهو في جوف خَرْكَاه، وظنّ أن لا أُذن هناك.
فقال له الرجل في جوابه، بعد أن تكرر قوله، وقد حال عن مزاجه لغيظه في سؤاله: نَدسُّه في حر امرأة من يسأل عنه.
قال: وهذا بالفارسيّة قاله، وهذا تفسيره.
قال: فانكسر وانخزل، وعلم أنه قد باء بالخزي، وعاصَ على سواده، وأن الخطأ منه في أفحش من الخطأ عليه في الجواب.
فقال له: أنت مجنون، اخرج لا بارك الله فيك.
وهذا كما تسمع. والموت بهذا الرئيس على الخشبة صلباً أحسن من هذا الحديث؛ وكان الرجل من فرط كيسِه لا يقع إلا مكبوباً، ولا يُذكر إلا مسبوباً.
ولقد بلغ من لؤمه وشؤمه أنه قتل من أكل عنده؛ وذلك أن أبا المحاوش ورد إلى الرّيّ، وكان بدوياً، أو من هذه المزالف مُتبادياً، وشُهر بشدّة الضرس وكثرة الأكل، وتكرر حديثه عنده، وما وُصف به من طِيب كلامه، وحُسن وصفه للقِدر والطّبيخ والألوان، فدعا به، وتقدّم بإحضار شيءٍ كثير من الخبز والحلوى، فاكتسحه كله، وطلب الزيادة، وكشر أبو الفضل في وجهه، وأظهر استملاحه على تقفُّؤ فؤاده ونار صدره؛ ثم وهب له دريهمات وخُريقات وشملة؛ وقال: اكثُر عندنا واقترح ما في نفسك على صاحبنا المطبخي. فكان المسكين يحضر في الفَرْط، فيطلب شيئاً ويأكل وينصرف.
فطال ذلك على أبي الفضل، واغتاظ منه، وغلب طباعه، فقال لصاحب مطبخه، اجمع هذا الذي يقال له لالكات التي قد أخلقت وتقطّعت، وقطّعها صِغاراً كالبنادق، وقدّمها إليه في عجّةٍ وافرة، بيضٍ كثير، وسَمْنٍ وافر، حتى ننظر إلى أكله، وهل يفطن؟ وإنما كان كيداً، ففعل وأُحضر؛ وأقبل أبو المحاوش عليها وتذرّع في أكلها، وأعظم اللُّقمة، ودارَك الرَّفع والوَضع، ووجدها وطِيةً ناعمة، فلما أقلع عنها وانصرف، وشرب الماء وجاء وقتُ الثَّلْط، انقدَّ بطنه فخرج فيه نفسه.
فهذا لما تكرّم بالإطعام، وحثَّ على الأكل، ورغَّب في الرغيب. وهذا الفعل يجمع إلى النّذالة قلّة الدِّين، وإلى اللُّؤم سُخف العقل. فالويل ثم الويل له.
وكان إذا رأى ابن بندار يقول: جاءكم أسد الغَريف على الرَّغيف.
والرَّيّ جادة الدنيا، ومنهج المشرق والمغرب والجوّالين في الآفاق، فكان يكثر أهل الانتجاعمن كل صُقع، فلم يكن لأحد منهم عنده مَقيلُ ساعةٍ ولا مبيتُ ليلة، ولا زادُ مرحلةٍ ولا هشاشةٌ ولا بشاشة.
(1/69)
________________________________________
وقد اجتاز به أبو إسحاق الفارسيّ، وكان من غلمان أبي سعيد السّيرافيّ، وكان قيّماً بالكتاب، وقرضِ الشّعر، وصنَّف وأملَى وشرَح، وتكلّم في العَروض والقوافي والمعَمَّى، وناقَضَ المتنبي، وحفظ الطِّم والرِّم فما زوَّده درهماً، ولا افتقده برغيف بعد أن أذِن له حتى حضره وسمِع كلامه وعرف فضله، واستبان سعته.
قال الخليلي: وكيف يُرجى خيرُه، أو يُؤمَّل رُشده، أو يُساق طمعٌ إليه، أو يُوفَد ثناءٌ عليه، أو يُشَامُ له بَرق، أو يقطع دونه خَرْق، وقد عقَّ أباه، وسعى في أول أيامه، حتى تبرّأَ منه ذلك الشِّيخ وهرب إلى خُراسان، واستُكْتِب هناك، ولُقّب بالعميد.
وكتب إلى القاضي أصبهان كتاباً برئ منه فيه.
وأما أروي قصّته في هذا المكان ليكون أذهَبَ في العجب.
وكان عقوقه في وجه عجيب؛ جاء إلى ذخيراتٍ في مواضع ووضع يده عليها، وعرَّف صاحبه مكانها، وخطَّ خطوه عليها، وزَوَى ذلك كلّه عن شيخه وعن جميع كم كان له فيه نصيب، إما بحقّ الإرث أو بحقّ الهبة، حتى قامت قيامة ذلك الشيخ، فدعا عليه، وفضحه عند النّاس، وبَرِئ منه، وقدح في ولادته.
والرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم القاضي، أطال الله بقاه، وأدام نعماه، أجلُّ محلٍّ من مواهب الله فيه وعوائده عنده، في الدّين والدنيا والعِصمة والخير والفضيلة، وحسن التأتي في كل فضيلة، وجميل اللفظ في جميع الحكومة؛ ولي في الشكوى إليه ومُباثَّته، وذمّ الزمان عنده والاستعداء عليه لديه، استراحة وتخفيف للثقل، وتفرُّج من حَرَج الصّدر؛ وأنا المُتمسّك به تمسُّكي - كان - بالوالد والعمّ، واثق بأن نصيبي من شفقته تام، ومن مشاركته وافر، والله لا يُعْد مُنِيه، ويحفظني بمواصلة النِّعم عنده إليه بقُدرته.
والكُلومُ - أعزَّ الله القاضي - ضُرُوب، والنّدوب فنون؛ وأعسَرها برءاً وأصعبها داء، وأعزّها دواء، ما جرحته يدُ القريب، وجلَبَته أفعال الأهل؛ فإن ذلك يصلِ إلى حبّة القلب، وصميم الفؤاد، ويصير قذَىً في إنسان العين، وشَجىً مُعترضاً في الحَلْق، ويتراكم على الأيام، ويتثكاثف على الدّهر، فيكون نَكْءُ القَرح بالقَرح أوجَع، ومتى تنفّس الممنوّ، وشكا المملوّ غيظاً وحَنَقاً اجتمع إليه من عشيرته وأُسرته شيخ ضعيف، أو طفل صغير، أو امرأة باكية، أو عورة بادية، أو ذو قرابة؛ فاستغفر هذا واستفصَح، وسأل وتشفّع. ثم رُويت أخبار في قطيعة الرحم، وعُدّت آثار في صلة القُربى، فضاق النَّفَس، واشتدّ الحنق، وتجرّع هذا المظلوم الغيظ وصبر، وأَنِف واحتمل، واحتسب وعفّا وغفَر، والشرُّ عتيد، والبلاء يزيد، والطّبع أغلب، والعادة لا تنزع، والجاهل يُقلع.
فهل دواءُ هذا، إذا اتصل وطال، وامتدّ وتتابع، وزاد وتضاعف، إلا الصَّريمة والإعراض، والقطيعة والانقباض؟ فدواءُ ما لا تشتهيه النّفس تعجيل الفِراق.
وأنا - جعلني الله فِداء القاضي - ذلك الملآن المغتاظ الذي قد عِيلَ صبره وضاع حلمه، وضاقت نفسه، وقرحَ قلبه، ونضِجت كبِده، وقلَّت حيلته، وعظُمت بليته.
وهذا الجاهل ابني، وما هو بابني، من انتهى بي إلى هذه الشكوى، وقصدني بهذه البلوى، وعقّني وخالفني، وبغى عليّ وباغضَني؛ وارتكب معي ما لا يحلّ، بعد أن ربّيته صغيراً، وأعززته كبيراً، وأوليته جميلاً، وأمْلَيته جسيماً، وصُنتُه شديداً، وحُطتُه دهراً طويلا؛ وخضتُ دونه الأهوال، وقاسيت في حمايته الأغوال؛ أُجِمُّه وأتعب، وأُقلّده وأتعطَّل، وأُعزّه وأُذلّ، وأغتَرب ليُقيم، وأُنعمه وأشقى، وأتحمّل عنه ليرضى؛ فما يعرف لي حقاً ولا يتأتى، ولا يرعى ذِماماً ولا يهدي، ويتهنأُ مُتعرّضاً مستخفّاً بي، ولو أمنتُ ملال القاضي - أدام الله أيامه - لعددتُ مقابحه، وذكرتُ مساويه، ووصفتُ ما يرتكبه من عظائم، هي به متصلة وإليّ منسُوبة، أن أفزع من يسيرها، وأجزع من قليلها، ولا أُحب أن أراها وأُعاينها في جارٍ أو قريب.
وقد زَجَرتُ ووعظتُ، وقلت وراسلت، وكاتبت وشافهت، وعاتبتُ وخاطبتُ، وشدّدت وهوّلت، ورغبت وأوجعت؛ وضربت الأمثال، وذكرت السِّير، وخوفت وحذّرت، فما انتفعت؛ وجرائمه تكثر، وجَرائره تغلُظ؛ ولا فضل فيّ، ولا احتمال معي، ولا بقية للإغضاء عِندي.
(1/70)
________________________________________
وغرضي في هذه المخاطبة، ومَغزاي من هذه الشكوى والمباثّة، أن يشهد القاضي أني بريء منه، قاطع له، عادل عنه، غير راضٍ بقوله ولا فعله، نازعُ ما ألبسته من بُنوّة، مُطَّرح له ديناً ودُنيا؛ ليس منّي ولا إليّ، قد تبَرّأتُ منه وصَرمته، ووكلته إلى اختياره، ورفعت عنه يدي، وأسلمته إلى الله ليأخذه بحقي، ويقبل به دعائي، ولا يحفظ عليه ما لم يحفظه عليَّ.
اللهمَ اسمع واشهد، وكُن حسيب الظّالم، واحكم بيني وبينه، يا خير حاكم. وهذه شهادة لي عند القاضي يحفظها كما يحفظ إليه من حقوق عمله، فإنّي مُطالبه بها (يَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ) وكفى بالله العليّ شهيداً.
وهذه - أبقاك الله - رسالة تدلّ على قُرحةٍ دامية، وعين باكية هامية، ونفسٍ قد ولهت عمّا حلّ بها؛ وإن غُلاماً يُحوِج أباه إلى مثل هذه البَراءة والشكوى منه والتأَلُّم، لَغُلام سوء، والله أكرم من أن يحبره في الدنيا، وأن يُسعده في الآخرة.
وكل هذا دليل على أنه عارٍ من الديانة، سليب المُروَّة، وقد رضي بظاهر حاله وإن لم تدم له، ولها عن عاقبة أمره وإن لم يَنجُ منها.
وحدثني أبو العادي الصوفي قال: كنت عند العميد ببُخارا، وقد جرى ذكرُ ابنه أبي الفضل فقال: كنتُ أشكّ في ولادته قبل هذا. والآن فقد تحقّق عندي ما كان يُريبني منه؛ فإنَّ الإناء رشّاحٌ بما فيه.
ثم أفادنا حمزة المصنّف جواب القاضي للعميد، وذلك أنه كتب: بسم الله الرحمن الرحيم وصل كتاب العميد، أعزّ الله جلالته، ووفّر عليه كرامته، وأدام له نعمته وحياطته؛ وأنَّس وصوله، وأوحش محصوله؛ ويعزُّ عليّ أن أقرأ كتابه بعد عهد دارس ودهرٍ مُتقادم - مُنبئاً عن قرائح صدره، وجرائح فؤاده؛ وقد - والله - زاد عجبي من هذا الحديث كله، وشَرَكتُه في جميعه، وسألتُ الله اللّ " يف فيئةَ هذا الغلام إلى حظّه، ونظراً إلى قلبٍ قد أضرم فيه نار العُقوق، وأفرجَ لوازم الحقوق؛ فإنه إذا وُفّق لذاك كان فيه صلاح معاشه الذي هو عاجلته، وسلامة مَعاده الذي هو آجلته؛ هذا مع الذّكر الجميل الذي ينتشر له، وبركة دُعاء شيخه إذا عادت عليه.
وقد كتبتُ إلى الفتى - أكرمه الله - بما إن هُدِي لرُشده ووُفّق لحظّه غُبط واغتبط، وإن كثُر منه اللّجاج والمحك خبط واختبط؛ والله يفتح بصره، ويأخذ بيده فيعلم ما في البراءة من البُنوّة والتّعرّي من الأُبوّة من الهُجنة الشَّنيعة والفضيحة الفظيعة.
ولم أقنع بالكتاب، وبما تصرَّفت فيه من لواذع العتاب، حتى كتبتُ إلى أبي الحريش، وسألته إحضاره ومناظرته، واستخراج ما عنده مع التّهجين الشديد، وشوب ذلك بالوعد والوعيد، وغالب ظّني أن تلك القسوة تحولُ رِقّة، وتلك الفظاظة تعود ليناً؛ ولو كنت في مقرّه، أو كان في صُقعي لكان لي في هذه القصّة جدٌّ وانكماش يحمدني عليهما العميد، ولكنّي منه بعيد؛ وإن - وعائذ بالله - تقاعسَ وعْظي عنه، ونبا نُصحي دونه، بعد التلطُّف والاجتهاد، فالأسى والأسف أعزّ من أن يُرسلا وراءه، أو يُقاما إزاءه؛ والولد قد يموت بارّاً ويفوت عاقاً، فليطب قلب العميد عنه فائتاً، كما تسلو النّفس عن العزيز مائتاً، ولعلّ العتب يُسفر عنه بما يسرُّ منه؛ فللزمان في تقلّبه غرائب، وللدّهر في تصرّفه عجائب.
وأنا أسأل الله أن لا يُخليني من العميد عُمدة، ولا يُريني فيه ومنه سُوءاً وغُمّة؛ ورأيه في مواصلتي بكُتُبه المتحمِّلة برَّه وتفضّله بمباثَّتي وتصريفي على تكاليفه - مُتوقَّع مشكور، وأنا عليه حامدٌ شكور.
ثم قال الخليلي: وجدّه - مع هذا - ساقط يُلقّب بكُلَهْ، وهو كناية عن شيء قبيح على زعمه، كان نخّالاً في سوق الحنّاطين، أو حمّالاً أو منقّياً، وكان يحرس السوق أيضاً بالليل، والعِرق لا ينام ولا بدَّ من أمارة في الفرع، كما لا بدَّ في الفرع من إشارة إلى الأصل، والأصل والفرع متشابهان، إلا أن هذا الخافي ينطق عند ذلك البادي، وذلك البادي يشهد له هذا الخافي؛ ولهذا قالت العرب: لكُلّ إناءٍ رَشْحٌ، ولكل سِقاءٌ نَضْح، ولِكلّ شجرة سُوس، ولكل دَوحةٍ عِيص.
وكنتَ إذا نظرتَ إلى أبي الفضل تجده غضبان من غير مُغضب، شَنِج الأنف متخَازِر الطّرْف، كالِح الوَجْه، " كأنَّما وَجْهُهُ بالخَل مَنْضوحُ "
(1/71)
يا مَن أعادَ رَميمَ الملك مَنشورا ... وضَمّ بالرأيّ أمراً كان منشورا
أنتَ الوزيرُ وإِن لم تُؤتَ منشورا ... والأَمْر بَعدك إن لم يُؤتمن شُورَى
وقال ابن نباتة والخالع وابن الجَلَبات: ليس في هذه الأبيات ما وجب له هذا الإعجاب كلّه، ولكن الرجل طريف المرأى والمخبر، عجيب المبشر والمنظر؛ مَداره على الهوى، كيفما سنَح له جنح إليه، وأينما برّح به طُرح عليه.
وكان ابنُ عبّاد إذا تكلّم في مسألة ثم رأى في خصمه فتوراً نفش لحيته بأصابع يده وعبث بها، وفتل رأسه ولوى عُنقه، وشنّج أنفه، وعوّج شِدقه، وقال منشداً:
إِذا المشكِلاتُ تصَدَّين لي ... كشَفتُ حقائقها بالنظَرْ
وإِن برَزَت في مَخِيل الصَّوا ... بِ عَمياءِ لا تَجْتَليها الفِكَرْ
مُقنَّعةً بخَفِيّ الشكُّو ... كِ وضَعتُ عليها حُسَام النظرْ
لساناً كشِقْشِقَة الأَرحِبيّ أو كالحُسام اليَماني الذّكَرْ
ولستُ بذِي وقْفَةٍ في الرجا ... لِ أُسائل هذا وذا ما الخَبَرْ
ولكنَّني مِدْرَهُ الأَصغَريْ ... ن أَقيسُ بما قَدْ مَضَى ما غَبرْ
وكان لا يبعثه على هذا النمط إلا الذَّهاب بنفسه، والتّيه الذي يحول بينه وبين عقله؛ والعجيب أنه كان يعيب غيره بجزءٍ من هذا الباب لا يتجزّأ، ويقول: انظروا إلى تيههِ وصَلَفه ومدحه لنفسه واستبداده برأيه - وعلى هذا، حتّى إذا صار إلى نفسه وحديثه وخوّاص أمره جهل وذهل، وخرج في مُسْك من لم يسمع بشيءٍ من ذلك، ولم يفطن له، ولم يأبه لقبيحه، ولم يأنف من شنيعه.
وهذا من الأسرار في الأخلاق، ولهذا طال كلامُ الأوّلين في الأخلاق، وجاءت الشّريعة واللُّغة واضعة كلاً في موضعها، وناعتةً لمختارها ومرذُولها، وباعثةً على حَسَنها وجميلها، وداعيةً إلى رفض قبيحها ومُنكرها.
والكلام في هذا طويل الذَّيل ميّاس، وما أحسن ما قال الشاعر:
لا تَلُم المرءَ عَلَى فعلِهِ ... وأنتَ مَنسوبٌ إلى مِثلِهِ
من ذَمَّ شيئاً وأتَى مِثلَهُ ... فإنما يُزْرِي على عقلِهِ
والبيت السائر:
لا تَنْهَ عن خلُقٍ وتأْتي مثلَهعارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ
فهذا هذا.
حدثني العتّابيّ قال: قال قومٌ من أهل أصفهان لابن عبّاد: لو كان القرآن مخلوقاً لجاز أن يموت، ولو مات القرآن في آخر شعبان بماذا كنّا نصلّي التّراويح في رمضان؟ فقال: لو مات القرآن كان رمضان أيضاً يموت، ويقول: لا حياة بعدك، ولا نُصلَي التراويح، ونستريح.
وسأله الدّامغاني يوماً عن قوله عزّ وجلّ: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ، وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ)، أَ تقول أن يوسف همّ بالمعصية؟ فقال: الكلام معطوف بعضه على بعض بالتّقديم والتأخير، فكأنه قال: لولا أن رأى بُرهان ربّه لقد كان يَهُمُّ بها، ولكنه لم يُهمّ، وهذا كقول القائل: إني غَرقت لولا أنه خلصني فلان.
فحدّثتُ بهذه الجملة ابن المراغي ببغداد، فقال: لو سكت عن هذا كان أحسن به، هذا تقدير لاعبٍ بكتاب الله، لا يحلّ نظم الكلام على تحريفه؛ لأن ذلك جرأة؛ أما سمعت الله يقول: (لاَ تقَدَّمُوا بَيْنَ يَدَي اللهِ وَرَسُولِهِ)؟ إنما المراد به على سجية الكلام؛ ولقد همّت به همّها اللائق، وهمّ بها هَمَّ البشر الذي لا براءة له من همّة إلا بتوفيق الله، والبرهان كان ذلك التوفيق.
وما في الهمّ؟ الله أكرم من أن يؤاخذ به، وإنما ذُكر ذلك ليعلم أن النبي صلى الله عليه في نُبوّته غير مُكتفٍ بها دون أن يكنفه الله بعصمته، ويتغمّده برحمته.
وسئل ابن عباد يوماً عن قوله عزّ وجلّ: (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنْتَصِرانِ، فَبأَيّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبانِ)، فقيل: كيف يجوز أن يُعدَّ هذا في الآلاء والنِّعم، وهو إحراقٌ بالنّار، ولا ألم بعده، ولا عذاب فوقه؟
(1/50)
________________________________________
فقال: أقول ما قال شيخنا أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن البصريّ رحمه الله، فإنه قال: إن الله جعل جهنّم سوطاً ساق به عباده إلى الجنّة؛ واللّفظ عن الحسن - على ما عُنينا بجمع كلامه عن الرُّواة - : " إنَّ الله خَلق جهنّم لِيحوُش بها الخَلق إلى طاعته " .
فقال أصحابُنا: فزَعُه إلى الحكاية عن الحسن حاكم بأنه مُفلس، وقد قال العلماء في ذلك، وإنما قول الحسن ترقيق، وكلام يدخل في الوعظ ولو حُقّق لقلق.
وسأله الدّامغاني يوماً عن قوله تعالى: (وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الغَضَبُ) أي موضع هذا السكوت، والسّكوت ضد الكلام كما أن السكون ضد الحركة؟ فما أحلى ولا أمرّ، وتغافل إما كِبراً وإما جهلاً.
وسمعتُ ابن بابويه يقول في هذا؟ هو مما حُرِّف لأنه نزل: (وَلَمَّا سَكَن عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ) بالنون.
فقلت له: وما درك المحرَّف في هذا؟ فقال: هو ما قلتُ لك، وقد صحّ عندنا ذلك عن الصّادق.
فأمسكتُ عنه؛ والجوابُ أبين من ذلك.
وقال يوماً الحصيري: أيها الصاحب! ما أقول لخصمي إذا قال لي: حدُّ الظّلم وضع الشيء في غير موضعه؟ قال: قل له يجب على هذا إذا أخذ الرجل عمامته المكوَّرة فوضعها على رُكبته أن يكون ظالماً.
قال أبو سُليمان: أخطأَ، لأن العمامة قد توضع على الركبة لغرضٍ صحيح وحاجةٍ بادية، في وقتٍ مُقتضٍ لذلك، وزمانٍ يليق به ذلك، ويكون حسناً عدلاً، ويكون في مكانها؛ والرأس أيضاً جُعل مكانها لغرض معروف، والأغراض تختلف وتأتلف.
وقيل له يوماً: ما أنكرت أن يكون الرِّزق ما يأكله المرزوق دون غيره؟ فقال: على هذا لو رزقك الله خُفّاً لكنت تأكله.
حكيت هذا لأبي سليمان فصرّف القول في الرّزق وفي أقسامه وعلله وأسبابه وغرائبه؛ وقد أخَّرته لمكان آخر، فإن هذا الكتاب يضيق عنه، ويخرج عن الأمر المُتحرّى به.
وقال له أبو عاصم البصري يوماً: أَ ليس المتكبّر هو الذي يتعظّم زائداً على ما يستحقّه ويحسن به، ومن أجل ذلك ذَمّوه بهذا الاسم إذا أطلقوه؟ فقال: بلى! قال: فما معنى وصف الله نفسه بالتكبر؟ ونحن إنما نفينا عنه التكبُّر لقُبحه عندنا وعند المعروف به بيننا، فلو ساغ أن يُنعت بالتكبّر ساغ أن يُنعت بالتكذّب.
فاشتطّ وانتفخ وتربّد وجهه ودرّ وريده وكاد يزند، ثم تدفّق بكلام كثير ليس من مسألة أبي عاصم في شيء، حفظت منه قوله: أحدهم لا يعرف اللغة على طرائقها ودقائقها وحقائقها من ناحية مجازها وسعتها، ولا من ناحية سلامتها وصحّتها؛ ولا يُفرّق بين ما يجوز على الله وبين ما لا يجوز على الله؛ ويقصد إلى المسائل المُشكلة، والمعاني المُعضلة، والأبواب الغامضة، والألفاظ المتعارضة، فيسأل عنها، ويُعجب بها.
ليتك عرفت هذا بعد أن تعرف معنى قول العرب: " صابَت بقُر " ، وما المراد بقولهم: " عَوْدٌ يُعلَّم العَنْج " ، وما معنى قولهم: " لكلّ جابِةٍ جَوزةٌ ثم يُؤذَّن " ، ومَن جمَع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه، ومتى توفي المَبْرمان، وما البديع، وما بديع البديع، وما المخترع، ومَن صاحب البيت السائر:
وبي مثل الذي بك غير أَني ... أُلام عَلَى البكاءِ وتُعذَرينا
ولقد صدق الأعرابي في قوله: كُن كالضبّ الأعور يعرف قدره ولا يُفارق جُحْره؛ وأصاب عمر في قوله: لا تحملوا النَّفس على المهجور فتتركوا المفروض، ولا تتجنّبوا المأذون لكم فيه فتركبوا المنهيَّ عنه.
يحضُرنا قوم لهم دَفر كصُنان التيوس أعيا على المسك والغالية، يسألون عما لا يعنيهم ولا يليق بقدرهم، ولو سألت واحداً منهم عن كُنية أعشى هَمْدان أو عن دُعيمص الرّمل، وما ايم النموذج في كلام العرب، وكيف يُجمع العِجان، وكيف يصرف الهِجان، وما الأقذُّ والمَريش، وما الخِبَاء والعريش، وما المشوق والحريش، وما المشوف والخريش، وما الرَّثْيَة والفريش، وما الكصيصة والقصيصة، والخرْبَصيصَة والهَلْبَسيسَة، وما الفرق بين: ما أنت أخانا فنكرمَك، وبين ما أنت أخانا فنهينُك، الأول بالنصب والثاني بالرفع، ومَن الذي يقول:
فأَرميها بجُلْمودٍ ... وترميني بجُلْمود
فأرميها وتَرميني ... وكل هالك مود
(1/51)
________________________________________
ولكن صدق عمرو بن عُبيد شيخنا وشيخ الإسلام، وشيخ " العدل والتوحيد " حين قال: لن يكون العبد مستكملاً لاسم الولاية حتى يسمع الكلمة العَوراء فيجعلها دُبُرَ أُذُنه.
هذا مع قوله: تقويم الجاهل بما ينكر أيسرُ من تعريفه ما يجهل، ولولا أن عُذري في تقويمك وتأديبك وتهذيبك وتربيتك يغمُض على كثير ممن يسمع هذا الحديث لسلخت شواتك، وكسرت على رأسك دواتك، وألزمتك دكانك وأداتك وأطعمتك بولك وخِراتك. اذهب فأنتَ طليق الجهل والقلّة، عتيق الخيبة والذلة.
وكان إذا انتهى كلامه مع خصم يقول: النظر شِعاري، والجدل دِثاري، والحقّ مَناري، والبيان مَداري، والله جاري.
وقال يوماً للحسين المتكلّم: أَ لي تقول هذا، والجَدَل رِدائي، ولنظَر حِذائي، والعلم وطائي، والبلاغةُ غطائي، والذّهبُ والفضّة عَطَائي؟ وقال يوماً لأبي صادق الطّبري: أنت يا أبا صادق خفيفُ الراس، شديد الإِفلاس، إذا أبصرت النِّحار هذَيت بالوسواس، وصدَّعت رؤوس الناس، بالتَّمويه والإلباس.
وسمعته يوماً يقول لابن شاذان: يا أبا الحسن، توقّ الرسَن، وانظر إلى المسَنّ؛ فما أخوفني أن تُسن بالقبيح لا بالحسن.
فقال له: أيها الصاحب! كَرَم طبعك أمانٌ لي من بوائق سَجعك.
وقال يوماً لابن حمزة: والنظر من خَوَلي؛ هل هضبةٌ تُوفى على جَبَلي؟ فاحفظ نفسك، واعرف خصمك، وراجع فهمك، وجرِّب بختك.
وكانت له تعسات كثيرة،لكنها كانت تُدفن ولا تُذاع، رَهبةً ورغْبة.
قال يوماً: " اطَّلععليه " ، ولا يجوز " إليه " ، والمعنى يقتضي عليه لا غير.
فقال له الضرير النحوي: فما نصنع بقوله عز وجل: (لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِله مُوسَى)؟ فبرد.
ومن هذا الضرب قال يوماً: جنَّ عليه الليلُ، أي كنَّه الليل، ولا يجوز غير هذا.
فقال له أبو عمران الحسنكي: هذا لعمري في الفصيح، وإياه ذكر ثعلب واختاره، ولكن أين نحن من المرّار الفقعسيّ، وهو أفصح من عالم صاحب " الفصيح " ، فإنه قال:
آليتُ لا أُخفِي إِذا الليلُ جَنَّني ... سَنَا النّارِ عن سارٍ ولا مُتَنوِّرِ
فقال: يا أبا عمران! أنت جاهل بالعلم، ولذلك شوّه الله وجهك، ووكّل المقت والإدبارَ بك.
وأنشد يوماً لشاعر:
إذا قلتُ لها: جُودِي لَنا ... خرجَت بالصَّمت من لاَ و نَعم
قلت: أصحابنا كذا يُنشدون، ويقال فيه تصحيف.
فقال: اسلح على أصحابك.
ولو كان سأل عن وجه التّصحيف لكان أشبه بالفضل وأخلَق بأخلاق الرؤساء.
وقيل له يوماً: ما القُرحان؟ قال: الذي لم يخرج به الجُدَري.
قيل: ولم قيل ذلك؟ قال: ليُسخن الله به عين السائل، ويُسخّم وجهه، ويسمل عينه، وليُقلّ دينه، ويدُقَّ ظهره، ويسلّط عليه من يَسُدُّ دُبُرَه.
واستؤذن يوماً للورّاق الطرسوسي فقال: الطَّرُّ في لحيته، والسوس في حِنطتِه، ما أصنع بطلعته؟ وتكلم يوماً الخطيب في قول الرجل: " لا مالَ له قليلٌ ولا كثير، ولا مال له قليلاً ولا كثيراً " ، فلم يفهم عنه.
وقيل له: ما الفرق بين " با " و " تا " و " ثا " في مواضعها المخصوصة؟ فتحيّر. وكان السائل ابن المراغيّ.
وقيل له: لم جاز: إنّ زيداً منطلق وعمرو، ولم يجز: ليت زيداً منطلقٌ وعمرو، والحرفان مُتضارعان في إيجاب النصب؟ فلم يكن عنده جواب.
ولقد سهرتُ معه ليلة في معرفة الفرق بين: " زيدٌ أفضلُ إِخوته وزيدٌ أَفضَل الإِخوة " وجواز أحدهما وبُطلان الآخر، فكان كالحمار بلادة.
وقلت للحيلوهي: إنك تنال من عِرض هذا الرجل جدّا؟ فقال: قال النبي صلى الله عليه: " لَيُّ الواجِد يُحِلُّ عِرضه وظهرَه " كما قال: " مَطلُ الغَنِيّ ظُلم " .
قلت: إنما وَرد هذا في الواجب، كالدَّين والثَّمن وما أشبههما.
فقال: الأمل دَيْن، والكَرَم مطلوب، وما رأّسَ اللهُ أحداً إلا وفرض عليه الإفضالَ والإحسان.
وقيل لعقيل بن عُلَّفة: لم تهجو قومك؟ فقال: إن الشاة إذا وردت الماء فلم يُصفر لها لم تشرب، أي إذا لم يُحرِّضوا على المكارم لم يفعلوها.
قال: وأنا استحسن قول الفضل بن يحيى: ما حثّني أحد على الكرم كرجل أنشدني بيتين وهما:
عُدْ لي بعادتك التي عوَّدتَنيروحِي فداؤُك يا أَبا العبّاسِ
إن الذَّخائر إن أَردتَ ذخيرةًمِمَّن يُقلّدها رقابُ الناس
(1/52)
________________________________________
قال: وأعجبُ من ذلك قول جرير فيما رواه الصُّولي: إذا مدحتم فاختصروا، وإذا هجوتم فأطيلوا؛ فإن الناس لا يملُّون الشَّر.
ورأيته يوماً، وقد جَرَى وانقطع ظهره؛ فإنه قال: قولهم: " إنها لإبلٌ أم شاءٌ " ، معناه: بل شاءٌ.
فقال له الحَنْسكي: فما تصنع بقوله عزّ وجل: (أَمِ اتَّخَذَ مَمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ؟) أَ تُراه أراد به: بل اتّخذ مما يخلق بناتٍ، وهذا كفر؟ فما دارَ لسانُه بشيءٍ على حدّته وكثرة هَذَيانه.
وحدثني العَبسي، وقد جَرى ذكر ابن عباد:
لقد أَتانَا حديث ما نكذّبه ... عن الرَّسول روَيناه بإِسنادِ
أن تطلُب الْخيرَ ممَّن وجهُه حَسَنٌ ... فكيف تطلبه عند ابن عبَّادِ
مشوَّه الخَلْق لا دينٌ ولا حسَبٌ ... كالقِرْد ما عندَه خيرٌ لمُرتَادِ
فقلت: لمن الشّعر؟ فإنه واقع جدّاً.
فقال: هو لأدريس بن أبي حَفصَة.
قلتُ له: كأنه ما عَنَى غير صاحبنا.
وقال له يوماً ابن ثابت: روَى البخاري في " التاريخ " أن سعداً مولى أبي بكرٍ روَى أن رجلاً شكا إلى النبي صلى الله عليه صفوان بن المعَطَّل، وقال: إنه هجاني.
فقال: دَعوه، إنه خبيث اللسان طيّب القلب.
فما تأويل: " خبيث اللسان وطيّب القلب " ؟ فقال: البُخاري حشَويٌّ فُشَرِيّ، ليس عليه مُعوّل، ولا لقوله مُتأوَّل.
وسئل يوماً عن قول الله عز وجل: (فَإنْ يَشَإِ اللهَ يَختِمْ عَلى قَلْبِك وَيَمْحُ اللهُ الْبَاطِل)، كيف نَظْمه وتمامُه في المعنى واللّفظ؟ فصاح على السائل وقال: أَ تسأل عن النَّظم، وأنت لا تعرف الرّقم ولا العَقْم ولا الصَّدْم ولا الرَّدْم؟ وأوصل إليه الوّليديّ مسائل من جماعة من أهل نيسابور، كان فيها؟ ما معنى: (إِنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الذِين لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ الله وأُولاَئِكَ هُمُ الكاذِبُون)؟ قد علمنا أن من كذب فهو كاذب.
وكان فيها: ما معنى قوله تعالى: (لا تتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْن)، وقد علمنا أن إلهين لا يكونان إلا اثنين؟ ولا قناعة لنا بقول من قال: هذا توكيد؛ فإن المطالبة فوق التوكيد؛ وأضعف المتكلّمين في القرآن من زعم أن شيئاً منه زائد، وأن كذا وكذا لغوٌ، وأن هذا على وجه التوكيد، ونحن وإن كنا نعلم أن التوكيد مذهب العرب، وكذلك الزيادة والحذْف والإِضمار، فالحكمة المطلوبة غير ذلك.
وعرض عليّ الوليدي المسائل، وكان فيها: ما معنى قول الله عزّ وجلّ: (لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمينَ)؟ وما وجه قول القائل: " لا تجعَل " فيما لا يُجعل؟ أو جائز أن يقال للإنسان: لا تنظر برجلك، ولا تمش بعينك؟ فإنّ قيل: لا، لأن هذا لا يُخاف، قيل: وكذلك لا يجعل الله، أحداً مع القوم الظالمين، لأن هذا لا يُخاف.
وما معنى قوله: (مَا تَسْبقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُون)، وقوله: (ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يِا مُوسَى)، وقوله: (وأَلقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مَنّي)، وعن قوله عزّ وجل: (وَتِلْكَ الأَيامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ)؟ وما معنى قوله: (لَقَد كَان في يُوسُفَ وَإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلينَ)؟ خَبِّرنا عن الآيات، أَ كانت في أفعالهم أو في أبدانهم؟ وما معنى: (مَنْ يُرِدِ الله فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُولاَئِكَ الذِينَ لَمْ يَرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ)؟ وخبِّرنا عن قوله: (وَمَا مِن دَابَّةٍ في الأَرْضِ إلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقهَا) وعن قوله: (فإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِريّ) وما معنى: (وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِنَ إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّك، ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) أَ لِلاختلاف أم للرَّحمة؟ فإن قيل: للرحمة، قيل: فالمختلفون هم الذين خلقهم للرحمة، فما معنى: (وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفينَ إِلاَّ مَن رَحِمَ رَبُّكَ)؟ فقد أخرج من رحم من الاختلاف وللرحمة خلقهم، فإذا كان كلهم للرحمة خُلقوا فكلّهم غير مختلفين، لأنه نفى عنهم الاختلاف وهم الجميع، فأين المراد بالآية؟
(1/53)
________________________________________
وقال: (إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلا مَا رَحِمَ رَبَّي)، وقال: (فَرِيقٌ في الجَنَّةِ، وفَريقٌ في السَّعيرِ، وَلَوْ شَاءِ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ في رَحْمَتِهِ، والظَّالِمونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَليٍّ وَلاَ نَصِيرٍ). أَ فليس قد أخبر أنه لم يشأ أن يجمعهم على الهُدَى إذ أمرهم؟ وما معنى قوله: (كَذلِكَ لِنصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ)؟ فإن كان عمَّ بهذا الكُفّار والمؤمنين فما فضيلة يوسف؟ وإن كان قد خصّ يوسف فهو قَدْح في النِّحْلة.
وقال: (وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلاَّ أَنْ يَشَاء اللهُ) مما شاء الله فعله؟ فإن قيل: نعم، فكلّ ما شاء الله كان، فهذا قولنا، وإن كان مما يشاء فلا يكون، فما وجهُ إِيجاب الأمر بأن لا يقول لشيء إني فاعل؟ إذ العباد يفعلون وإن لم يشأ الله.
وما تأويل قوله: (أُولاَئِكَ الذِينَ طَبَعَ اللهُ علَى قُلُوبِهمْ وَسَمْعِهمْ وَأَبْصَارِهِمْ)، وقال: (وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ)؟ فبدأ بالطّبع، ثم ثنّى بالاتباع، وهذا يدفع تأويلكم في قوله: (فَلَمَّا زاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ).
وما تأويل قوله: (وَالذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ)، وقال: (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظةٌ للمُتَّقِينَ)؟ فهو بيان للكفّار، وهدىً وموعظةٌ للمتقين دون الكافرين، فلم تعُمُّون ما خصَّ الله، وتخصُّون ما عمّ لله؟ وما تأويل قوله: (وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنين، وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمينَ إلاَّ خَسَاراً)؟ وما تأويل قوله: (لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) فخصَّ بهدايته أهل التّقوى؟ فإن قيل: هو هُدى للكافر أيضاً، فكيف وقد ختم القصّة فقال: (إِنَّ الذِينَ كَفَرواُ سَوَاءٌ عَليْهِم أَ أنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ)، كيف يكون القرآن هدىً لمن كان سواءٌ عليه أَ أُنذِر أم لم يُنذر.
ويقال: قال الله تعالى: (خَتَمَ اللهُ على قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وعلى أَبْصَارِهِمْ)، فهل زال فرض بختمه على قلوبهم؟ فإن قالوا: لا، فقد كُلِّفوا أن يُبصروا الهدى وقد ختم الله على قلوبهم، وأزالوا الفرض عمن ختم الله على قلبه وعذروه بكفره، وحطُّوه بمنزلة الصَّبيّ والمجنون.
وإن أبوا أن يقال: لو شاء الله لم يُعصَ، لأن الله ذمّ الذين قالوا: (لَوْ شاءَ اللُه مَا أَشرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا...)، قيل: فما تصنعون بقوله: (وَآتَيْنا عِيسى ابنُ مَرْيَمَ البَيِّنَاتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ وَلَوْ شَاءِ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا) واقتتالهم معصية، ولو شاء الله ما عصوا بأن يمنعهم، إذ خلّى بينهم وبين معصيته؟ وما معنى قوله: (وَلكَنَّ اللهَ يَفعَلُ مَا يرِيدُ).
قال الوليدي: وترددتُ شهوراً ليُجيب عنه فما فعل.
وكان في المسائل أيضاً: كيف يُنفى العلم عن الله وقد أثبته لنفسه في مواضع، والنصّ لا يُحذف ولا يُتأوّل؛ قال الله تعالى: (أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ)، وقال: (فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ)، وقال: (وَأَضَلَّهُ اللهُ علَى عِلْمٍ)، وقال: (وَلَقَد اخْتَرْناهُمْ عَلَى عِلْم)، وقال: (...وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ)، وقال: (وَسِعَ رَبُّنا كلَّ شَيءٍ عِلْماً).
ومن أعرض عن التّنزيل فقد خلع ربقةَ الدين.
وكان إذا رأى كاتباً يقول له: أَ أحكمتَ " الفصيح " ؟ هات: قذَتِ العينُ ماذا؟ وهات: لَحُم الرجلُ وشَحُم وما في بابِه.
وإذا رأى صاحب لغة قال: ما معنى قول الشاعر:
وأقدَرُ مُشرِف الصّهَوات ساطٍ ... كُمَيتٌ لا أَحَقُّ وَلاَ شَئِيتُ
وإذا رأى نحوياً قال: على ماذا ينتصب (نَذِيراً لِلْبَشَرِ). فإذا أكثر من هذا وشبهه أنشد:
أَرى الناسَ أَخلاطاً جميعاً وإنهم ... عَلى ذاك شتَّى والهَوَى مُتَفرِّقُ
تَرى المرءَ إِن جالستَهُ ذا صِناعةٍ وسائرُ ما فيه على ذاكَ أخرَقُ
وتَلْقَى أَصيلَ الرأَي ليس لسانهُ ... بمُخرِج ما في قَلْبه حين يَنطِقُ
ورأيته مرةً يسأل الحسنكي:
(1/54)
________________________________________
ما الطَّاية، والثّاية، والغاية، والآية، والرّاية؟ وما الناقة القاصِية والعاصية والعاطِية؟ وكان سريع الردّ على الإنسان شديد التعجرف، وكان ذلك ربما انقلب عليه.
وقال يوماً لبعض العلماء في كلام سمعته منه: " أَصْفَيتُهُ كذا وكذا " لا يجوز، أما قرأت القرآن: (أَ فَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالبِنِينَ) إنما يجب أن تقول: أَصفيته بكذا وكذا.
فقال العالم: هذا صحيح فصيح، وغيره جائز حسن، أما قرأت في الحماسة قول الشاعر في النسيب:
لئن كُنت أوطَأْتني عَشْوَةً ... لقد كنتُ أصْفَيتك الودَّ حِينا
فقال بعجْرَفَته: الشعر موضع ضرورة.
وكذب، ليس هذا من ذلك.
وحدثني الثقة قال: قال يوماً المسيّبي في حديثه: " وكان يخفر من ذاك ويستحس " .
فقال له: سخَنت عينك، لا يقال للرجل يخفر، الخفر للنساء.
فقال المسيبي: أيها الصاحب! التؤدة خير من العجلة، أين نحن من قول الشَّمَرْدل في أَرجُوزته، رواها أبو حاتم:
لا يَسبِقُ النائلَ منه المنكَرُ ... فتىً شِتاءً يَسْتحي ويَخْفَرُ
فقال: أخذنا في الحماقة.
وقال مرّة: " ضَرَّه وأضرَّ به " ، ولا يجوز أضَرَّه، كذا لا يجوز ضرَّ به.
فقال له رجل من خُراسان: فما تقول في قوله عز وجلّ: (وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِن أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ)؟ فقال للرجل: اخسأ! أَ هذا من ذاك؟ وأخجل الرجل في صوابه، ولم يخجل هو من خطئه لسقوطه وجهله ومُكابرته وحسده.
وقال يوماً: النَّكث للعهد، والخلف للوعد؛ و لا يجوز: نكث الوَعْد، وكذا لا يجوز: أخلفتَ العهد.
وكان بيت القرآن والرواية حاضراً أبو الحسن ابن شاذان فقال: هذا مرفوض بقوله تعالى: (قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ).
فبرَد، وكان بارداً، لا رحم الله صداه ولا بلَّ ثراه.
وقال في بعض الليالي: الاقتراف لا يكون إلاّ في القبيح، أما سمعت الكلام الذي هو كالمثل: " الاعترافُ يمحُو الاقتراف " ؟ فقال له مٌقرئ قد حضر: التنزيل يأبى هذا الحُكم وينطق بغيره.
قال: وما ذاك؟ قال: قال الله تعالى: (وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيَها حُسْناً)، فخَزِي وقام.
ورأيته يناظر أبا الفرج البغداديّ الصُّوفي، وكان في أُذنه وقرٌ، في وساوس الصوفية وخطراتهم، فقال: يا أبا الفرج! إذا كانت البينونة مشعوراً بها في عرصة الحقح حيث لا عبارة للخلق، ولا أمان للجلِّ والدِّقّ، بطنت وسائل المعرفة بحقائق المراد، واشتبهتْ أعلام الحال في تثبيت الإشارة، وبقيت العبارة على إِلف الآلف، وعادة المتالف.
فأجابه أبو الفرج: لا ثبات لمناسب البينونة في نهايات الاتحاد، لزوال شرائط رسوم الخلق عند تصافي الأرواح بحقائق الحق. قال ابن عبّاد: ما أُنكر تلاشي المناسب في نهايات الاتحاد، إذا سطعت أنوار الحقيقة بالاتّقاد؛ وإنما جررت الكلام إلى غاية تزلق فيها الأفهام، وتسيخ فيها الأوهام، ولا يُشرف عليها إلا نمن خصه الحق بخصائص التّمام، ورفع معارف جملة العوامّ؛ ولولا الحال التي امتحنني الحق بها، وسحبني على غرائبها وعجائبها، في عُرض صوادقها وكواذبها، مما هو مردود إليه، ومتوكّل فيه عليه، لشققت معك جلباب صدرٍ قد حُشي ودائع، وفتحت لك أبواب خزائن قد جمعت فيها بدائع؛ ولكني بما تراني أُذَبذب عليه مأخوذ، وبما تسمعني أُدندن حوله مأخوذ. وإلى الله المشتكى، فهو الغاية والمنتهى.
ثم قال: يا أبا الفرج! هل تعرف من أصحابك من يقول:
بُليتُ بما لو يُبتَلَى أحد به ... لأَصبَحَ كالعِهْنِ النَّفِيش يَطيشُ
بِعِشْقٍ وإِعراضٍ وشَوقٍ وغُربة ... ومَحْك الذي أَهوى فكيف أَعيشُ
وأَعجَبُ مِن ذا أَنّني متصَوّف ... ولكنّ صُوفَ العاشِقين حَشيشُ
وقلت لأبي السلم نجبة بن عليّ القحطاني الشاعر: قد لقيتَ ابن العميد، وها أنت تُشاهد ابن عبّاد، فصفهما لي؛ فإنك رجل بدويّ، وتنظر إلى كلّ شيءٍ بفطرتك، وتنطق عن كل شيءٍ بسابق فِطنتك.
فقال: أما ابن العميد - يعني أبا الفضل - فكان بحره لا يُنزف وبرُّه لا ينسف، وغُباره لا يُشقّ، ونسيمه لا يُنشَق، وحبّه لا يفرك وأديمه لا يُعرك؛ على بُخلٍ كان به أحال نهاره ليلاً، وألصق به ثبوراً وويلا.
(1/55)
________________________________________
وأما هذا - يعني ابن عباد - فليس في استحسانه لإحسانه فضل لاستحسانه لإحسان غيره، قد غرق في بحر نفسه، فليس يرفع طرفه إلى أحد من بني جنسه؛ وهذا الذي يدل على غاية نقصه.
وقلت للحيلوهي يوماً: كيف ترى ابن عباد؟ فقال: كما قال الشاعر:
كَبَرْقٍ لاَحَ يُعْجِبُ مَنْ رَآهُ ... وَلاَ يَسْقي الحَوَائِمَ مِن لَمَاقِ
ونظر إليه يوماً وقد طلع في موكبه فتمثّل بقول الشاعر:
وَأنتَ كَغَيْث السُّوء مَن يَرَ بَرقَهُ ... يَشِمْه ومن يَحلُل به فهو جادِبهْ
ومن شعر ابن عباد، وهو يتملّح به عند نفسه، قوله في رجل تزوّجت أمُّه:
عذَلتُ لِتزويجه أُمَّه ... فقال: فعلتُ حلالاً يجوزْ
فقلتُ: حلالٌ كما قد زعم ... تَ ولكن سَمحتَ بصَدع العجُوزْ
وقال أيضاً:
زوَّجتَ أُمَّك يا أَخِي ... فكسَوتَني ثوبَ القلَقْ
والحرُّ لا يُهدِي الحُرُ ... مُ إلى الرجال عَلَى طبَقْ
وقلت لأبي الفرج الصوفي البغدادي: أنت شيخ صوفي، ولك ذكر جميل، لمَ تتعاطى لهذا الرجل - أعني ابن عباد - الكلام في الزُّهد والدَّقائق والأضْمار والوَساوس وتصفية الأعمال؟ هذا علم يُذاكر به أصحاب الحُرَق، وأرباب الخِرق.
فقال: هذا رجل رقيع رفيع، وله جاه ومالٌ وهو مُطاع، ولست أصل إلى ما في يده إلا بالرَّقاعة، وأنا ثقيل الظَّهر بالعيال محتاج إلى القوت، فأحمق له ساعة حتى أنال منه هذا الحُطام الذي قد تهالك عليه الخاصّ والعام، وقد قال الأول:
فحامَقْتُهُ حتى يقال سَجِيةٌ ... ولو كان ذا عَقلٍ لكنت أُعاقِلُهْ
وسمعته يقول، وقد جرى حديث ابن العميد أبي الفضل، فقال: لم يكن له - مع فضله الشائع، وأدبه ابارع - علم الدين، ولا كان عنده شيء من الشريعة؛ كان لا يعرف القرآن وأحكامه وغريبه وإعرابه، واختلاف العلماء فيه بضروب التأويل وغرائب التفسير؛ والرئيس إذا عري من هذا السِّربال فهو ممقوت عند الله تعالى، مقلي عند الناس. وكان إذا سمع كلاماً في الدين ثقُل عليه، وخنس عنه، وقطع على الخائض فيه، وكان إذا احتفل في العلم والحكمة وما يدل على الخصوصية قال: لمَ صارت الأشياء المتعادية في حياتها تتعادى بعد مماتها أيضاً وتتنافر؟ كَمِعَى الذّئب وجلد الشاة، وكسنّ السِّنَّوْر وعظْم الفارة.
ولمَ الصبيُّ إذا ولد أزرق فأرضعته حبشيةٌ عاد أشْهِل، فإن دامت عليه عادَ أكحل؟ ولم لا يتغلغل شعره كما اسودّت حدقته؟ ولم يُنسب الضَّب إلى العقوق، والهرَّة إلى البرّ، وهما يتشابهان في أكل أولادهما؟ قال: ويقول في دقيق علمه وغامض حكمته: قيل لسِّنَّورة: لم تأكلين جراءك على فرطِ حُبّك لها؟ قالت: يُخيل إلينا أكبادنا أولى بأن تكون فيها، من الأماكن التي تحويها.
قال: ومن جُملة ذلك أيضاً: لمَ يكوت السِّعلاة من الضَّربة الأُولى، وتعيش بالضّربة الثّانية؟ ولم صار الفرس لا طحال له، والبعير لا مرارة له، والظَليم لا مخَ لعظمه؟ ولم ليس في السّباع أطيب أفواهاً من الكلاب، وليس في الوحش أطيب أفواهاً من الظّباء؟ وكيف صار الأسد أشدّ الحيوان بَخَرا وكذلك الصقر؟ ولم صار الكلب أسبح من سائر السّباع؟ ولم صار حيتان البحر لا ألسنة لها ولا أدمغة؟ ولم صار صَفَن البعير لا بيضة فيه؟ ولم صارت السّمكة لا رئة لها؟ ولم صار في فؤاد الثّور عظم؟ ولم صارت البراغيث تجتمع على السّوط متى دُهن بشحم قُنفذ أو مُسح بمُصران ابن عُرس؟ ولم صار الزّنبور يموت في الزّيت ويعيش في الخلّ، كما تموت الخُنفساء في الورد وتعيش في الرّوث؟ ولم صار الضَّب يأكل الجراد ويسالم العقارب، وهي " أشبه بها من الماء بالماء " ؟ - في حماقات كثيرة، الجهل بها أحمد من العلم بها.
هذا من تشنيعه على أبي الفضل، وكان مع ذلك ربما قال: كان واحد الدنيا؛ وهذا كما ترى، وهو يدخل في باب المناقضة.
(1/56)
________________________________________
والأمر الذي تشدّد فيه - أعني ابن عباد - وبلَغ الحدّ الأبعد منه، وزاد على جميع الناس فيه: باب المخاطبات، وأنه كان يطالب أصناف الناس بما ليس في الطّاقة ولم تجرِ به عادة، وكان يقول: هذا الذي به أجد طعم ولايتي، ولولا هذه اللّذة والشهوة ما باليتُ أن أتقلّب في مُرقَّعة خلق، وثوب رثٍ بال، أجوبُ بلاد الله، وألقى عباد الله، وآكل رِزق الله.
ولقد خُدع في هذا عن أموال خطيرة اختلست فتغافل عنها، إما عن جهلٍ وجنون، لأنه كان يسوم كلّ من كتب إليه أن يُكنِّي عن نفسه بالعبودية، وعنه بالمولوية، ثم يعرض في هاتين الكنايتين، وكناية الحديث والشأن، ومن الحديث عنه، أو له، أو فيه، فربما تشاجرت كنايات وتداعت معانيها على الكاتب فلا يخلص إلى تحقيق مراد، واستبانة وجه، وهذا الذي أقوله يعرفه الذي دُفع إليه ودُهي به.
وقال لي ابن ثابت: قلت له: كيف كان الخليفة يرضى بأن يقال له: أعزّه الله، وكذلك وليُّ العهد، والوزير، ومن قاد الجيش وأغنى في الهبوة، ومن أمر على شطْر الدنيا؟ وكان ابن الزيات يقال له يا أبا جعفر، وابن أبي دُوَاد يقال له: يا أبا عبد الله.
فقال: كان الناس في ذلك الوقت ضِعاف العقول صغار الهِمم، ولم تكن لهم مَرائر مُغارة، ولا نفوس فيها غزارة.
هكذا قال. وهذا - حفظك الله - كلام جاهلٍ لا خبرة له بشيء من أمور الدنيا والدين، وهو مع ذلك دليل على النَّذالة والسقوط.
وجرى يوماً حديث المخاطبات عند القاضي أبي حامد المرورّرذي والترتيب فيها، وامتعاض الناس من التصارف الجاري بين أهلها، فقال: سبب هذا كلّه إحساس الناس بنقصهم القائم بهم، الرّاكد عليهم، النّابت فيهم؛ وطلب دفع ذلك بالترتيب، ونفيه بالخطاب؛ وليس الطّريق إلى هذا، بل الطريق إليه الأخذ بأخلاق من سَلف: من الحياء والكرم والدين والمروة. انظر إلى السلف الصالح كيف كانوا، هل خاطبوا رسول الله - صّلى الله عليه - إلاّ بيا رسول الله؟ وبعدُ فهل يخاطب ربنا إلا بالتاء وإلاّ بالكاف؟ وهل سمعت عبداً لله قد أخلص دينه له قال: إن رأى ربنا فعل بعبده كذا وكذا؟ وهل الخير كله إلا فيما خص الله به نبيّه وأُمته، وأشاع فيهم حكمته وبركته.
ثم قال أبو حامد: وينبغي أن لا يكون بينك وبين أصدقائك صرف، لأنّ الصداقة فوق ذلك، بل المصارفة فيها تُقذيها وتفسدها، وتحيل نضارتها، وتبدّل غضارتها، وقد تستحيل الصداقة بالمصارفة عداوة، لأنّ التجني والاستزادة يَعتَوِرانها، والاعتداد والاحتجاج يَمحقانها؛ فأما النُّظراء والأكفاء فيكفي معهم أن يكون الجواب كالابتداء، والآخر كالأول.
وكان أبو محمد النُّباتي يقول في هذا الباب كلاماً طيباً، وأنا أحكيه لأنه موضعه وإن تنفَّست الرسالة، فالغرض فائدة، وإن كان سبب إنشائها الغيظ الذي فاض الصّدر به، ومرح اللسان بوصفه، وقد قال ابن الرومي:
وَمَا الحِقْدُ إلا تَوءَمُ الشُّكْرِ في الفتَى ... وبعضُ السَّجايا ينتَسِبْن إلى بَعْضِ
فحيْثُ تَرى حِقداً عَلَى ذِي إسَاءَةٍ ... فَثَمّ تَرى شُكراً على حَسَن القَرْضِ
إذا الأَرضُ أدَّت رَيْعَ ما أنتَ زارِعٌ ... من البَذْر فيها فهْي ناهِيك من أَرض
فهذا هذا.
قال: جميع ما يتقلّب فيه من هذه الأمور الفاسدة والأحوال الرديّة، يرجع إلى أصول أربعة، وهي: الحماقة والرّقاعة والرُّعونة والجنون.
فأما الحماقة فما عليه الكتاب من المخاطبات المختلفة التي ليس فيها حقيقة، ولا ترجع إلى صحّة، لا من جهة الديانة ولا من جهة رسم الأولين السّادة، وإنما هو شيء يؤدّي إلى القال والقيل وإلى العداوة والمغالبة، ويبعث على الوحشة الشديدة بالاستشعار الرديّ، والوسواس الموديّ؛ لأن الترتيب إن كان بينك وبين من هو دونك فهو على الدلالة على محلك،وإن كان إلى نظيرك، فهو على غاية المماثلة بينه وبينك، وإن كان إلى من فوقك فهو على توفية ما يستحقه منك.
قيل له: ها هنا قسم آخر، والدّاهية كلها منه.
قال: وما هو؟ قيل: الذي يدّعي أنه نظير لك وهو دونك، والذي هو فوقك وتدّعي أنه في حدّك، وها هنا يشتدّ النّزاع والفراع، وتتحطّم القنا ويتطاير الشّرر، ويجد الشيطان مدخلاً منه، وتسويلاً به.
فقال: هذا من فقد التناصف في الأصل، وإلا فالحال مُفضية في التحقيق إلى الكلام الأول.
(1/57)
________________________________________
ثم قال: وأما الرقاعة فانتفاش القُضاة والشهود، ألا تراهم كيف يوسّعون أكمامهم، ويعرّضون جيوبهم، ويُرخون أطواقهم، وينظرون إلى الأرض تعظُّماً على من يُكلِّمهم، وتبرّؤا ممن يخالفهم؟ ألا ترى إلى دنياتهم وقرامعتهم وقلانسهم وعمائمهم وتحنبُلهم وتقتُّلهم؟ فهم كما قال الشاعر:
وأَنت باللّيل ذِئبٌ لا حريمَ لَهُ ... وبالنّهار عَلَى سمت ابن سِيرينِ
وإذا تكلم أحدهم خفض صوته، وقطّع حروفه، وسبّح في خلال ذلك، وقال: عافاك الله اسمع! ويا هذا أصلحك الله! ويا عبد الله الصالح! قُل خيراً، ولا قليل من الله، ويا فُلان! اتّق ربك الذي إليه معادك، أما عليك حفظة من قِبَل الله؟ أما للإسلام عندك حُرمة؟ أما تؤمن بالله؟ أما تؤمن بيوم الحساب؟ قال: وأما الرّعونة فما عليه الشُّطّار من هؤلاء الشباب الجلد الذين يرفعون الحجر، ويدّعون الفتوّة، ويُكثرون ذكرها ويحلفون بها، ويسمّونها " الجوامَرْدِية " ، ترى أحدهم يضيّق الأكمام ويحلّ الأزرار، ويفتُل السِّبال، ويمشي متحاملاً، ويتكلم متصاوِلاً.
قال: وأما الجنون فما تجد عليه هؤلاء الذين يتنازعون بينهم قولهم: أبو بكر خير من عليّ، وعليٌّ خير من أبي بكر؛ وإذا حلفوا قالوا: وقدر عليّ، وحقّ الصدّيق؛ ويقولون: بغداد أطيب من البصرة، وبادية البصرة أخف من بادية الكوفة، والرّازقي خير من البارقيّ، والسُّونائي أحلى من الكرخي، وسامَرَّة فوق " إِرَمَ ذاتِ العِماد " ، وفلان فضلي، وفلان مرعوشي؛ وترى لهم في هذا الطريق اهتماماً وإنفاقاً وقوة ومغالبة ومشاغبة ومحاكمة وملاطمة؛ وهكذا إذا جرى حديث الشاعر والشاعر، كالعوفي والنّاشي، والامح، والقاصّ كالبربهاري والقسري.
وقد صدق هذا الشيخ، فقد سمعنا من هذا ما لا يطمع في إحصائه.
وقال الزّعفراني الشاعر: كيف يكون هذا الرجل - يعني ابن عباد - دياناً ومتألّهاً، وهو يبتذل العلوية والأشراف، ويٌهينهم أعوانه، وهم يعدون بين يديه فلا ينكر ذلك منهم؛ ولقد فال يوماً، وهو يريد الركوب لبعض حُجّابه: نظف الطريق من هذه الخنافس والجُعْلان والحرابي والغِربان.
فقلت لبعض من كان إلى جانبي: من يعني؟ فقال: يعني هؤلاء الواردين من الحجاز لسواد ألوانهم وتفلفل شعورهم، ودَمامة وجوههم وانحطاط قدودهم، وقلة دَماثتهم واختلاف حركاتهم وشَمائلهم.
قال: أَ فهذا من التشيّع والولاء وما يجب لهذا البيت؟ ثم يدّعي أنه زيدي، فإذا قرض قصيدة غلاَ، وزاد على العَوْفي والنَّاشِي.
وأما أنا فما رأيت أحداً من خلق الله في حدّته سفه لسانه؛ خرج يوماً من دار مؤيد الدولة من باب غامض هرباً من قوم كانوا يرقبونه على الباب المشهور من السَّحَر الأعلى، وهو وحده بين يديه رِكابي، فعرفته عجوز فقامت في وجهه ودعت له، ومدّت يدها بقصعةٍ معها فقال: ما تريدين يا بظراء يا بخراء يا عَفلاء يا فقماء؟ على هذا إلى تباعد، فبقيت العجوز مبهوتة، وقالت: مسكين هذا الرجل، قد جُنّ.
فقلت لبعض أصحابه: ما هذا النّذل والفُحش والخِفّة والطّيش؟ فقال: هذا دأبه إذا جاع.
فقلت: أجاع الله كبده وسلبه نعمته! وحدثني العتّابي قال: الرجل لا دين له؛ سمعته يقول في الخلوة، وقد جرى حديث المذهب: كيف أنزل عن هذا المذهب، يعني الاعتزال، وقد نصرته وشهرت به نفسي، وعاديت الصغير والكبير، وانقضى عمري فيه؟ قلت للعتابي: ومن أين وقع في هذا الإلحاد؟ فقال: لم يزل مترجّحاً قليل الطُّمأنينة سيءَ اليقين، ولكن أهلكه مُقعدة الذي يقال له النَّصيبي أبو إسحق.
وصدق هذا الشيخ؛ كان أبو إسحق شاكاً في النبوّات، وكان يُصادقبهذا من صافاه ووثق به، وهو الذي قال بنكده وخُبثه: لو ظفر يوم الجمل طلحة والزُّبير وعائشة بعليّ بن أبي طالب، دار الخلاف بينهما، وكان لا يعوّل أحدهما في الاستظهار على صاحبه إلا بأن يتزوج عائشة، ثم يكافح صاحبه بها وبشيعتها الذين فتُّوا بعر جَملها وتشافوا به، وتحاثّوا عليه، وكنا نحن نكوّر عمائمنا ونرفع طيالسنا ونسرّح لحانا ونكتحل ونحتفل، ثم نجلس في المساجد والجوامع ونحتّج لذلك التّزويج، ونتأول كلّ قولٍ، ونخرّج كلّ خبر، ونبلغ كل غاية بكل حيلة.
(1/58)
________________________________________
وحديث التاجر المصري من الطرائف؛ قدم شيخ له هيئة ومعه ثياب مصر، فدعا به، واشترى منه، وتقدّم بإكرامه، ورفع الحجاب عنه، وقال له: أهل مصر، أي شيء يغلب عليهم من فنون العلم، وبرسائل من يشغفون؟ فقال التاجر: لهم حرص على كل علم، ونصيب من كل أدب، وأما الرسائل فإنهم لا يؤثرون على ما لابن عبد كان الكاتب أبي جعفر شيئاً؛ وكان نجاح الخادم قائماً؛ فأومى إلى المصري بأن قل: رسائلك هي المطلوبة والغريبة، وهي المُشتهاة والمستعملة، وكان إيماؤه باليد، والإصبع، والحاجب، والشَّفة، وهذا كله لا يُفصح عن حرف، فلم يكن يفهم التاجر لشقائه معنى الإشارة؛ وانقبض عنه ابن عباد ولم يحاوره، وقام ذاك على حالةٍ قد ناله فيها فتور لا يدري ما سببه.
فلما كان بعد أيام حضر أيضاً وأعاد القول على الوجه، فأعاد المصري الجواب المتقدّم، ونجاح الخادم على رسمه قائم يُشير بمثل ما أشار إليه في المجلس الأول، وهذا لا يفطن، وفي أهل مصر سلامة صدرٍ شبيهة بغباوة طَبْع.
فالتفت ابن عباد إلى الخادم وقال: إذا كان صاحبك سخين العين قطيع الظَّهر، ابن بظْراء، إيش يمكنك أن تعمل؟ وطرد المصري.
أَ فهل هذا إلا رقاعة تحتها جنون صرف، وسرطان في الدّماغ، وعلّة في العقل، وفساد في المزاج؟ واسمع ما هو أعجب من هذا! ناظر بالريّ اليهودي رأس الجالوت في إعجاز القرآن، فراجعه اليهودي فيه طويلاً، وثابته قليلاً، وتنَّد عليه حتى احتدّ وكاد ينقدّ؛ فلما علم أنه سَجَر تنُّوره وأسعط أنفه، احتال طلباً لمُصاداته، ورفقاً به في مُخاتلته، فقال: أيها الصاحب! ولك تتقد وتشتط، ولم تلتهب وتختلط؟ كيف يكون القرآن عندي آيةً ودلالةً على النبوّة، ومعجزة من جهة نظمه وتأليفه؟ وإن كان النظم والتأليف بديعين غريبين، وكان البُلغاء، فيما تدّعي، عنه عاجزين، وله مُذعنين، وها أنا أُصدق عن نفسي وأقول: عندي أن رسائلك وكلامك وفقرك وما تؤلفه وتباده به نظماً ونثراً هو فوق ذلك أو مثل ذلك، أو قريب منه؛ وعلى كل حال فليس يظهر لي أنه دونه، وأن ذلك يستعلي عليه بوجه من وجوه الكلام، أو بمرتبة من مراتب البلاغة.
فلما سمع ابن عباد هذا فتر وخَمد، وسكن عن حركته، وانخمص ورمُه به وقال: ولا هكذا أيضاً يا شيخ، كلامنا حسن وبليغ، وقد أخذ من الجزالة حظّاً وافراً، ومن البيان نصيباً ظاهراً؛ ولكن القرآن له المزية التي لا تُجهل، والشرف الذي يُخمل؛ وأين ما خلقه الله تعالى على أتمّ حُسن وبهاء، مما يخلقه العبيد بتطلُّب وتكلُّف؟ هذا كله يقوله، وقد خبأ حميُّه، وتراجع مزاجه، وصارت ناره رماداً؛ مع إعجاب شديد قد شاع في أعطافه، وفرح غالبٍ قد دبَّ في أسارير وجهه؛ لأنه رأى كلامه شُبهةً على اليهود وعلى عالمهم وحَبرهم، مع سعة حيلهم وشدّة جدالهم، وطول نظرهم وثباتهم لخصومهم.
فكيف لا يكون شُبهةً على النصارى، وهم ألين من اليهود عريكةً، وأطفؤهم نائرة، وأقلّهم مِراء، وأكثرهم تسليماً؛ وأنه إن جاز هذا على اليهود والنّصارى، وهم دهماء الناس، فما ظنّك بالمجوس ونصيبهم من الجدل أقلّ، وهم عن النّظر أعجز، وعادتهم في المحاجَّة أفسد؛ وهكذا الصابئون؟ انظر - أكرمك الله - إلى هذا الرجل العظيم الطّاق الفسيح الرِّواق، الذي لا يرضى أحداً، كم ينخدع وكم يذوب! مرةً للشاذياشي، ومرة لليهودي، ومرة للتاجر المصري، ومرةً للخُراساني، ومرةً للبغدادي.
فهل هذا إلاّ النّوك والرَّكاكة، وضعف النَّحيزة، وسوء التخيّل، وقرب الغَور، وقلة العقل؟ قال أبو سليمان المنطقي: وعنده يومئذٍ أبو زكرياء الصَّيمري، وقد قرأت عليه هذه الأحاديث: هذا رجل قد سعد في الدنيا سعادة عجيبة مُذ ولي إلى الغاية، وهي شُقّة عمره وآخر أمره، لم يُشك بشوكة،ولم ينكب بنكبة، ولم يسمع من أحد كلمةً عَوراء، ولم يدفع في حالةٍ إلى آبدة، وقد بلغ في حياته ما شاء.
(1/59)
________________________________________
فقال أبو زكرياء: النّحس الذي لحقه في عقله حتى صار لذلك رقيقاً أهوج سيّء الأدب، حديداً كثير الكذب، شديد التلوّن، عسير المأتى، ممقوت العُجب، عظيم الكبر، طويل الخُصومة، دائم المِراء، وقَّاعة في أهل الفضل، حاسداً لذوي الأدب، مغتاظاً على ذوي المروءات، مناناً بالقليل، معظّماً للتافه النزْر، وذوي الدين، مقروناً بالأُبَن - هو أعظم من جميع ما أُعطيه من المال الكثير، والمرتبة العالية، ومن الخيل المَسوَّمة، ومن الدّور والقصور، وما فيها من العين الحور، والخزائن والذخائر، والفضّة والذهب، والجواهر والخدم والعبيد؛ لأن العقل إذا صحّ فهو المنيحة التي لا يوازيها شيء، وإذا اختلّ فهو البَلوى التي لا يتلافاها شيء؛ ولو كان مع هذا العقل عارياً من جميع ما عددناه، لعلاه بعض العامّة بكيسه ولُطفه، ولبرز عليه بعض أصحاب الخُلقان بمروّته وظرفه، " وَلَكِنّ الغِنَى رَبٌّ غَفُورُ " . ولهذا أحسن الذي يقول:
ذَرِيني للغِنَى أَسْعَى فإِنِّي ... رأَيتُ النَاسَ شَرُّهم الفقيرُ
وأَبعدُهم وأَهونُهم علَيْهم ... وإِن أَمسَى له كَرَمٌ وخِيرُ
ويُقْصِيه النَّدِيُّ وتَزدريه ... حَليلَتُه، وينهرُه الصّغيرُ
وتلقَى ذا الغِنَى وله جَلالٌ ... يَكادُ فؤادُ صاحِبهِ يَطيرُ
قليلٌ ذَنبُه والذَّنبُ جَمٌّ ... ولكنَّ الغِنَى ربٌّ غَفُورُ
وله مع الغنى أمر ونهي، وقوة سلطان، وجد ودولة؛ فكل عيبه مستور، وكل فضله منشور.
قال له أبو سليمان: صدقت، وهذا لأن الإنسان لا يكون في هذا العالم مالكاً للتمام، جامعاً لأدوات الكمال؛ وسببه أنه نتيجة للكواكب العالية، والأجرام الشريفة، من المواد المختلفة، والعناصر الصافية والكدرة؛ فمتى نالته سعادة بالمُشتري، وصل إليه نحس من زُحل، وكذلك الزُّهرة والمرِّيخ؛ والعلماء المتقدمون يقولون: المشتري والزهرة سعدا الفلك، والزُّهرة مخصوصة بالسعادة العاجلة، والمُشتري مخصوص بالسعادة الآجلة.
قال: وهذا وإن كان في الجملة كما قاولوا، فلالتباس الدنيا بالآخرة، فما يُستفاد من المشتري كثير من حظوظ الدنيا، ويستفاد من الزهرة كثير من حظوظ الآخرة.
ومن أسرار الزهرة أنها ربما هيّأت الوحي، ومن أسرار المشتري أنه ربما هيّأ اللّهو.
ومرّ له في هذا لفن كلام كثير مفيد ندَّ عنّي، ولم يصحب ذهني إلا ما تسمع.
قال: ولهذا كان نحس ابن العميد في بدنه، لأنه فقد الصحة في وسط عمره، وحين الحال حويل، والمال مويل، والعلم نزر، والقهم ناقص، والبلاغة خلق، والكتابة شمطاء؛ فلما أخذت أحواله تتّسق، وأسباب فضله تستوسق ضُرب في بدنه بالعلل الشديدة، والأمراض المختلفة، وسُلب لذّة المطعم والمشرب، وبقيت حسرة النّعمة في نفسه إلى أن عطب؛ وقلة حظه منها هو الذي كان يبعثه على قلة الإنعام منها.
قال: ولهذا تجد آخر جيد العقل، صحيح البدن، محمود البيان، ولكنك تجده مع ذلك شديد الفقر، سيء الحال، مرحوم الجملة. وعلى هذه الجديلة كل من اعتبرت حاله، وعرفت ما سلبه مما وُهب له، وما أُعطيه مما حُرمه، وهذا ليكون العبد أبداً في منزلةٍ من النقص، وحالٍ من العجز يكون بهما ضارعاً إلى خالقة، طالباً لعنايته من مالكه، وليكون بين العبد المعجون من الطّين وبين الله مُدبّر الخلق فرق.
وذهب في هذا الفضل كل مذهب، وشفى كل غليل، وأبكى كل عين، وكان ذا قوة عجيبة في هذه الطّريقة، وذا اطّلاع إلى أسرار الخافية.
فأما حديثي معه، فإن حين وصلت إليه قال لي: أبو مَن؟ قلت: أبو حيّان.
قال: بلغتي أنك تتأدّب.
قلت: تأدُّب أهل الزمان.
قال: فقل لي، أبو حيان ينصرف أولاً؟ قلت: إن قِبله مولانا لا ينصرف، فلما سمع هذا تنمّر وكأنه لم يعجبه، وأقبل على واحدٍ إلى جانبه فقال له بالفارسية سفهاً، على ما فُسِّر لي.
ثم قال لي: أنا سامع مُطيع.
ثم قلت في الدّار لبعض الناس مُسترسلاً: إنما توجّهت إلى العراق إلى هذا الباب، وزاحمت منتجعي هذا الرّبع، لأتخلّص من خرزة الشُّؤم؛ فإن الوراقة لم تكن ببغداد كاسدة.
(1/60)
________________________________________
فنُمي إليه هذا أو بعضه، أو على غير وجهه، فزاده تنكُّراً؛ وكان الرجل خفيف الدماغ، لا يعرف الحلم إلا بالاسم؛ والسُّؤدد لا يكون ولا يكمل ولا يتم إلا بعد أن يُنسى جميع ما يُسمع، ويتأول ما يكره، ويؤخذ بالأسَدّ فالأسَدّ.
وقال أبو سعيد السيرافي: الحِلْم مشارك لمعنى الحُلُم؛ فصاحب الحِلم هو الذي يُعرض عما يرى ويسمع كالحالم، واللفظ إذا واخى اللفظ كان معناه قريباً من معناه، وهذا الخَلْق والخُلُق، والعَدْل والعِدْل، وسست الرجل، وسست المرأة.
وقال لي يوماً آخر، أعني ابن عباد: يا أبا حيّان! من كنّاك أبا حيان؟ قلت: أجلّ الناس في زمانه، وأكبرهم في وقته.
قال: من هو ويلك؟ قلت: أنت.
قال: ومتى كان ذلك؟ قلت: حين قلت لي: يا أبا حيان.
فأضرب عن هذا الحديث وأخذ في غيره على كراهة ظهرت عليه.
وقال لي يوماً آخر، وهو قائم في صحن داره، والجماعة قيام: منهم الزُّعفراني، وكان شيخاً كثير الفضل، جيد الشعر، مُمتع الحديث؛ والنّميمي المعروف بسَبطل وكان من مصر؛ والأقطع، وصالح الورّاق، وابن ثابت، وغيرهم من الكتّاب والنّدماء: يا أبا حيّان! هل تعرف فيمن تقدّم من يُكنّى بهذه الكُنية؟ قلت: نعم، من أقرب ذلك إلى أبو حيّان الدّارمي.
حدثنا أبو بكر القاضي محمد بن محمد الدقاق، قال: حدثنا ابن الأنباري، قال: حدثنا ابن ناصح، قال: دخل أبو الهُذيل العَلاّف على الواثق، فقال له الواثق: لمن تعرف هذا الشعر:
سَباكَ من هاشمٍ سليلُ ... ليسَ إلى وصْله سبيلُ
من يتّعاطى الصّفاتِ فيه ... فالقولُ في وصفه فُضول
للحُسْن في وجهه هِلالٌ ... لأَعْيُنِ الخلق ما يَزُولُ
وطُرّة لا يزالُ فيها ... لنُور بَدْر الدُّجَى مَقيلُ
ما اختالَ في صحْن قَصْر أَوسٍ ... إلا تسَجَّى له قَتيلُ
فإِن يَقِفْ فالعيون نُصْبٌ ... وإِن تولَّى فهُنَّ حولُ
فقال أبو الهذيل: يا أمير المؤمنين! هذا لرجل من أهل البصرة يُعرف بأبي حيان الدّارمي، وكان يقول بإِمامة المفضول. وله من كلمة يقول فيها:
أَفضّله والله قدَّمه على ... صَحابته بعد النّبي المكرَّمِ
بلا بِغْضَةٍ والله مني لغيرهولكنّه أولاهم بالتقدُّمِ
وجماعة من أصحابنا قالوا: أنشدنا أبو قِلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي لأبي حيان البصري:
يا صاحبيَّ دعَا الملامةَ واقصُرا ... تَركُ الهَوى يا صاحبيَّ خسارة
كم لمتُ قلبي كي يُفيقَ فقال لي: ... لَجَّتْ يمينٌ ما لهَا كفّارَه
أَن لا أُفيقَ ولا أُفتّر لحظةً ... إِن أَنت لم تعشق فأَنتَ حجاره
الحبّ أوَّل ما يكون بنظرةٍ ... وكذا الحريق بداؤه بِشَرَاره
يا مَن أُحبّ ولا أُسمّي باسمها ... إِياكِ أَعني واسمعي يا جارَه
فلما رويتُ الإسناد، وأنشدت الشعر، وريقي بليل، ولساني طَلق، ووجهي متهلل، وقد تكلّفت ذلك وأنا في بقيّة من غَرر الشباب وبعض ريعانه، فملأتُ الدار صياحاً بالرواية والقافية، فحين انتهيت أنكرت طرفه، وعلمتُ سوء موقع ما رويت عنده.
قال: ومن تعرف أيضاً؟ قلت: روى الصُّولي - فيما حدثنا عنه المرزباني: أن معاوية لما حُضِر أنشد يزيد عند رأسه متمثلاً:
لو أن حيّاً نَجَا لفَاتَ أبو ... حيّان لا عاجزٌ ولا وكلُ
الحُوَّلُ القُلَّب الأَريب وهل ... تَدفع صَرفَ المنية الحِيَلُ
قال الصّولي: هذا من المعمّرين المعَقّلين.
وانتهى الحديث من غير هَشاشة منه عليه، ولا هزّةٍ ولا أريحية، بل على اكفهرار الوجه، ونُبوّ الطَّرْف، وقلّة التقبُّل. وجرت أشياء أُخر، وكان عُقباها أنني فارقتُ بابه سنة سبعين وثلاثمائة راجعاً إلى مدينة السلام، بغير زادٍ ولا راحلة، ولم يعطني في مدّة ثلاث سنين درهماً واحداً، ولا ما قيمته درهم واحد. فاحمل هذا ما أردت.
(1/61)
________________________________________
ولما نالني منه هذا الحرمان الذي قصدني به، وأحفَظَني عليه، وجعَلني من بين جميع غاشية وِرْدِه فرداً، أخذت أتلافى ذلك بصدق القول عنه، في سوء الثّناء عليه، والبادي أظلم، وللأمور أسباب، وللأسباب أسرار، والغيب لا يُطّلع عليه، ولا قارع لبابه.
وسألت العماري عنه فقال: الرجل ذو خَلَّة، ولقد سأله ليلةً شيخ من خُراسان في الموسم عن قوله عزّ وجلّ: (وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ في الدُّنْيَا، وإِنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) ما مرتبة الصّلاح المذكور في الثاني من النبوّة الثابتة في الدنيا؟ فأضْرَب عن المسألة ودافع بصدرها، ولم يُجْرِ كلمةً فيها.
وسأله هذا الشيخ ليلةً أخرى عن قوله عزّ وجلّ: (وَوَاعَدْنا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ)، وعن الفرق بين هذا الاقتصاص وبين قوله: (وَوَاعَدْنا مُوسَى أرْبَعِينَ لَيْلَةً)، فما أعاد ولا أبدى.
ولما عاد من همذان، قيل له: كيف رأيت أبا الوَفاء؟ قال: سَراباً بِقِيعة.
قيل: فكيف مجدت عبد العزيز بن يوسف؟ فقال: نكَداً وخديعة.
قيل: فكيف وجدت المجوسي؟ قال: تمثالاً في كنيسة أو بِيعة.
قيل: فابن سَعدان؟ قال: ضخم الدَّسيعة، له من نفسه حَرىً وسيعة.
هذا حديثه في دينة، ورأيه وعلمه وعقله ومروّته وصناعته ومذهبه. وقد طال وكثُر، ولعلّ التقصّي لو وقع لازداد طولاً، فإنه تنفّست أيامه وتردّدت أحاديثه.
سألت ابن الجلباب الشاعر عنه، فقال: ما أدري ما أقول في رجلٍ من قرنه إلى قدمه عيب وخزيٌ ونذالة ورقاعة، على أن الطبع النكد أملَكُ له، والعادة القبيحة أغلب عليه؛ والإقلاع عن المنشأ المُعان بالطِّباع صعب وعر، ولعلّه مُمتنع.
وسألت الحاتمي عنه، فقال: رأيت رجلاً مدخولاً في جميع الفضائل، مردوداً على كل التأويلات؛ لتِيهه وإعجابه، وحسده ولوثته، وقلّة مصافاته، وسوء رعايته، وفساد دُخلته، ووقاحة وجهه، وشدّة تعييره، وفشوّ أُبنَته، وقُبح سيرته في مذهبه، ونُصرته لما يعتقد بقلبه.
وسألت البديهي عنه، فقال: خذ حديثه بما تسمع مني، وقس عليه؛ رأيت يوماً على بابه شيخاً من أهل الكتاب والأدب ذكر أنه وَرد من مصر، وأنه أقام بها زمناً، وأن أصله من بلاد العجم؛ فلما خرج إليه رفع قصّةً كتب على رأسها: عبّاد بن أحمد، فأخذ ونظر، ثم قال: من سمّاك عباداً باسم الأمين رضي الله عنه؟ ومن يقول إن هذا اسمك الذي اختِير لك عند الولادة؟ وما هذا التقرّب بالتكذيب؟ وما بينكم وبين أسماء السّادة الذين بانوا بها كالسّماء بكواكبها، والأفلاك بعجائبها؟ أما كان لك بغير هذا الاسم الذي ادّعيته دَرْك؟ ولا كان لك دون التكثّر به سبب؟ ما أحوجك إلى نقاف يوجع يافوخَكَ، ونتّاف يقلع شاموخك؟ وسألت الصابيّ أبا إسحق عنه فقال: إن صدقتُ في وصفه ساء قوماً، وإن كذبت في وصفه ساءني؛ ولأن أنفرد بالمساءة أحبّ إليّ؛ وبعدُ فنحن معه كما قال الشاعر:
ونعتب أَحياناً عليهِ ولو مضَى ... لكنّا عَلَى الباقي من الناس أعتَبَا
وقلت للضبعي: كيف ترى هذا الرجل وقد خبرته؟ فقال: أما جَدّه فيُريني أنه واحد الدنيا، وأما جِدّه فينطق بأنه أنذل من في هذا الورى.
وبعد:
نِعْمةُ اللهِ لا تُعَابُ ولكِن ... ربما استُقْبِحَتْ عَلَى أَقوامِ
وقلت للمأموني: اصدقني عن هذا الرجل، فقد عرفت ليله ونهاره، والليل أصدق عن خبايا الإنسان من النّهار.
فقال: في الجملة الرجل بلا دين، لفِسقه في العمل وارتيابه في العلم.
وسألت أبا صادق الطبري عنه فقال: سل عن البَخْت، والله ما له سمتٌ يُتوجّه إليه منه، ولا باب يُعتمد منه عليه؛ بينا هو لك، إذ صار لعدوّك، حاله أحوال، وشأنه شؤون، وكل ذلك جارٍ على الجنون.
وقلت لابن المراغي: كيف تراه؟ قال: والله ما يشفي الغليل منه هجْوٌ ولا مَلام، ولا ما هو معروف به بين الخاص والعام، إلا أن يسقط من ذروته فيُرى في حال سِقطته متردّداً بين خطبته وورطته.
وقلت للشيخ العالم: أما أنت من بين الناس فقد حظيت عنده، ونلتَ منه.
فقال: لو عرفت ما يتّقد على فُؤادي من الغيظ عليه لرحمتني في بَلائي بأكبر مما تحسدني عليه في ظاهر أمري.
قلت: وما تنكر منه؟ قال: لستُ أنكر منه شيئاً واحداً، وإنما أُنكره كله.
(1/62)
________________________________________
وقلتلأبي جعفر الورّاق: ما أراك تخرج من حضرة هذا الرجل إلا وأنت ساهم الوجه، مغيظ النفس؛ كأنك لست تخرج من عند من كل أحدٍ يتمنّى أن يصل إليه، وأن ينطق بين يديه، وأن يصنع به حاله؟ فقال: والله لولا التحرج لوصفته بكلامٍ كان فيه برد حرارة صدري، ولكن التحرّج مانع من ذلك، هذا، والخوف أيضاً عامل عمله، وآخر ما أقول: أنه ساقطٌ من عين الله عزّ وجلّ، والويل له من الله يوم التَّجازي والقصاص.
وقلت لأبي الفضل الهروي: كيف ترى هذا الرجل؟ قال: أراه - والله - عقوبة من الله نازلة بأهل الفضل والتكرم، وليتنا علمنا بأي ذنبٍ عُوقبنا فكُنّا ننتهي عنه ولا نُصرّ عليه، فما عندي أن الله يبتلي عبداً من عباده بخدمته والتعلُّق به بعد أن ينزع عنه العصمة، ويوكِّل به النِّقمة، ويحرِّم عليه الرّحمة.
وقلت للزّعفراني الشاعر: بالله صِف لي هذا الرجل.
فقال: لو أمكنني الوصف بالنظم كان أعجب إليّ؛ فإني رجل شاعر، ولكن الخوف من ذلك حائل.
وقلت للتميمي: أما أصحابك فقد عرفت عقائد قلوبهم في هذا الرجل. فأين أنت منه؟ فقال: أحرى اعتقادي فيه أنه خنزير قد أُعطي قوة أسد؛ فهو يفترس يمنةً وشآمة، وكنت أرى فيما مضى أن الشرّ مكسوب بالقصد حتى شاهدتُ هذا فتحولت عن الرأي الأول، وقلتُ: بل السرّ في بعض الناس لاصق بالطّبع.
وقلت لأبي سعيد الأبهري: بيّن لي أمر هذا الرجل، ففي نفسي أن أعمل كتاباً في أخلاقه.
فقال لي: لقد حاولت عسيراً. أَ تستطيع أن تصف إبليس بجميع ما هو فيه؟ قلت: لا والله، إنما أعوذ بالله منه فقط.
قال: فعُذْ بالله من هذا قبل أن تعوذ بالله من إبليس؛ فإن إبليس - وإن كان شريراً - فهو عاقل، وهذا يزيد عليه لأنه شرير وهو أحمق.
وقلت لأبي طاهر الأنماطي: كل أحد له على هذا الرجل كلام، وفي نفسه مَوجدة سِواك؛ فإنك واصل إليه إذا أردت ونائل من ماله وجاهه إذا أحببت، فما قولك فيه؟ فقال: صبري على رقاعته قد نغَّص عليّ جميع ما أنا عليه معه، على أن رقاعته مُرشحة بجنون، وجنونه صادر عن قدرة، فالرّهبة منه قد كدّرت عين الرّغبة فيه، والغيظ عليه قد منع من الاستمتاع به.
وسألت ابن زرعة الفقيه فقلت: ما أحوجني إلى فُتياك في هذا الرجل! فقال: قد - والله - جُبْتُ الآفاق، ولقيتُ أصناف الناس في الشرق والغرب، فما رأيت رجلاً في جنونه أعقل منه، ولا في عقله أجنّ منه، وإنه لأعجوبة؛ عدوّه هالك لسلطانه، ووليّه خائف من كثرة ألوانه؛ لا عهد له ولا وفاء، ولا صدق ولا لطف، كله هزْل، وجميعه جهل.
وقلت لابن فارس صاحب اللغة: بِم تحكم على هذا الإنسان؟ فقال: بأنه لله عدوّ، وللأحرار مُهين، ولأهل الفضل حاسد، وللعامّة مُحبّ، وللخاصّة مُبغض.
فأما عداوته لله فلقلّة دينه.
وأما إهانته للأحرار فهي شهيرة كهذا النّهار.
وأما حسده لأهل الفضل جرِّب ذلك بكلمة تُبديها.
وأما حبُّه للعامّة فبمناظرته لهم وإقباله عليهم.
وأما بغضه للخاصة فلإذلاله لهم وإقصائه إياهم.
**** فأما ابن العميد أبو الفضل، فإنه كان باباً آخر، وطامّة أخرى، وكان فضله من جنس ليس لابن عباد فيه نصيب، ونقصه من ضرب لم يكن له فيه ضريب، كان يُظهر حلماً تحته سفه، ويدّعي علماً هو به جاهل، ويُري أنه شجاع وهو " أجبن من المَنْزُوف ضَرْطاً " ، وكان يدّعي المنطق وهو لا يفي بشيء منه، ولم يقرأ حرفاً على أحد، ويتشبّع بالهندسة وهو منها بعيد، ولم يكن معه من صناعة الكتابة الأصل وهو الحساب، وكان أجهل الناس بالدّخل والخرج، ولقد بقي ما بقي في أيامه فما قعد يوماً في الديوان ناظراً في عمل، أو فاصلاً لحكم، أو مخلصاً لمشكل، وكان قد وضع في نفسه - بالحيل الدقيقة، والأسباب الخافية - أنه واحد الدنيا، وأن ملوك الأرض يحسدونه عليه، وأنه لسان الزمان، وخطيب الدهر؛ وأن قلمه فوق السّيف، وتدبيره فوق الجيش، ونظره في الدّولة والمملكة وأحوال الأولياء وذوي النصيحة كالوحي والنبوّة. وكان مُعَوَّله في الأعمال على أبي علي البيّع؛ وكان مع هذا شيّء السيرة، قليل الرحمة، شديد القسوة، وارم الأنف، عظيم التيه، شديد الحسد لمن نطق ببيان، أو أفصح بالعربية وسيتبيّن بعض هذا بما أذكره لك بشاهد عدل، وراوٍ ثقة.
(1/63)
________________________________________
ورد أبو طالب الجرّاحي الكاتب بالريّ من العراق، ولم يكن في عصره أنطق منه لساناً وقلماً، وهو من بيت علي بن عيسى الوزير، فعرض نفسه عليه، فلما رأى بسطته ولسانه وخطّه وطلاقته ولطافته وأُبوّته وصناعته، حسده واغتاظ منه، وضاقت الدنيا به، وعمل على أن يسمّه، ففطن أبو طالب وكان فطناً، فطوى الأرض، ووقع إلى آذربيجان، وصار إلى ملك الدّيلم المرزبان بن محمد، فعرف قدره، وبسط يده، وأعلى كعبه، ونوّه باسمه، واستطال على ملوك النواحي بمكانه.
ثم انظر إلى ما جرّ أبو طالب عليه لخسّته ولؤمه ونقصه وسُقوطه، وهكذا يفعل من انصرف من باب عزيز ذليلاً ومن فناء موسر مذموماً؛ وقد كان يمكنه اصطناعه وتقديمه وإكرامه واستخدامه بأسهل غرامة وأيسر مؤونة، وأهون مرزية؛ ولكنه حسده وأبعده، وليته مع ذلك زوّده ما يوجب شكراً، ويكون بلاغاً، ويبقى حديثاً مأثوراً وذكراً جميلاً.
ولقد كتب إليه أبو طالب بعد هذا الحديث كتاباً قرأتُ فصلاً منه يقول فيه: " حدِّثني بأيّ شيءٍ تحتجّ إذا طولبت بشرائط الرياسة التي انتحلتها وأكرهت الناس على تسميتك بها؟ أَ تدري ما الرياسة؟ الرياسة أو يكون باب الرئيس مفتوحاً، ومجلسه مَغشياً، وخيره مُدْرَكاً، وإحسانه فائضاً، ووجهه مبسوطاً، وكنفه مزوراً، وخادمه مُؤدَّباً، وحاجبه كريماً، وبوّابه رفيقاً، ودِرهمه مبذولاً، وخُبزه مأكولاً، وجاهه معرَّضاً، وتذكرته مسوَّدة بالصلات والجوائز، وعلامات قضي الحوائج.
وأنت! فبابك مقفل، ومجلسك خال، وخيرك مقنوط منه، وإحسانك منصرف عنه، ووجهك عابس، وبنانُك يابس، وكَنفك حرِج، وخادمك مذموم، وحاجبك هَرّار، وبوابك كلب، ودرهمك في العَيُّوق، ورغيفك في منقطع التراب، وجاهك موفور عليك، وتذكرتك محشوو بالقبض على فلان، وباستئصال فلان وبنفي فلان، وبسم فلان، وبالدّس على فلان، وبحطّ مرتبة فلان.
هل عندك أيها الرجل المدعي للعقل، المفتخر بالمال، والمتعاطي للحكمة، إلا الحسد والنذالة، وإلا الجهالة والضّلالة؟ تزعم أنك من شيعة أفلاطون وسُقراط وأرسطوطاليس، أَوَ كان هؤلاء يضعون الدّرهم على الدّرهم، والدينار على الدينار، أو أشاروا في كتبهم بالجمع والمنْع، ومطالبة الضّعيف والأرملة بالعسف والظلم؟ فيا مسكين استحي، فإنك لا مع الشريعة ولا مع الفلسفة، وقد خسرت الدنيا والآخرة.
هذا عقلك الذي يخاطب الناس برفعك التراب على رأسك والسّخام في وجهك.
أَ من كرمك وحزمك أن يفِدَ عليك مثلي؛ رجل من آل الجرّاح بيت الوزارة والسؤدد، ينبري لمعروفك، ويخطب الخدمة بين يديك، والقيام بأمرك ونهيك؛ بحظٍ ميسور، ونائل مَنزور، فتحسده وتبعده، وتُخمله وتهمله، وتواطيءَ على سمّه وقتله؟ يا ويلك! فمتى كنت أنت وآباؤك تستحقّون خدمة رجلٍ من آل الجرّاح؟ كأنّ بيتك بقُمّ ما سألنا عنه، ولا وقفنا عليه؟ أَ ليس أبوك كان قوّاداً، وأبوه كان نَخّالاً؟ ها أنا قد انقلبتُ عنك خائباً، أَ فضِعت وبُرتُ وكسدت؟ لا والله، بل قيَّضَ الله لي مُلكاً من ملوك الدنيا حتى اشتمل عليّ، ونظر بعين الكفاية إلي، وأهلّني لمحلٍّ زائد عن محلّك، ورتّبني في حالٍ هي أشرف من رُتبتك، والله أكرم من أن يُضيع مثلي أو يُحْوجني إلى مثلك.
فبُؤ الآن بخساستك، والصق بالدَّقعاء ندماً على فعلك، وثق بأن لساني وقلمي لا يزالان يبريان عرضك، ويخطبان بذمّك، ويلهجان بهتْ: سترك، ويبعثان الناس على معرفة خزيك وسقوطك؛ أَ تظنّ - يا جاهل أنه إذا ركب قُدّامك حاجب، وسار معك راكب، وقال الناس: أيها الرئيس - أنك قد ملكت الكمال، واستحققت خدمة الرجال، من غير إسعاف ولا إفضال؟ هيهات! المجدُ أخشن مسّاً من ذاك. وسأشقّ النظم والنثر في أكناف الأرض بما ينكشف به للصغير والكبير نقصك، وتزول الشبهة عن القلوب في أمرك إن شاء الله.
هذا أفادنيه، وكان شاعراً من آذربيجان. فهذا هذا.
قلت للخليلي: لِمَ كان يصبر أبو الفضل على ابن ثابت الكاتب الهمذاني وهو آفة ونكال، لا حظَّ ولا معرفة ولا أدب ولا صناعة؟ فقال: لأنه علم أن غيره لا يصبر على ذلك الرِّزق الوَتْحِ، والجدوَى القليلة، ومن أجل ذلك قال مِسكويه:
يقولون إِنّ ابن العميد محمداً ... يؤول إلى رأَيٍ وثيق المنابتِ
فقلتُ: دَعُوه قد عرفتُ مكانَه ... بطلْعَةِ منصورٍ وحَظّ ابن ثابت
(1/64)
________________________________________
ومنصور هذا خادم رأيته، كان من أقبح الناس وجهاً كثير الهذر، سيّء الأدب، وكان من قُمّ من الأحرار؛ ولما ذمّه صاحبه ووليّ نعمته بسبب هذا الخادم للشُّهرة الفاضحة، والتهتُّك الشائع. قال أبو الفضل بحكمته: ما أصنع؟ والله ما وجدت في هذه المدة لا يري غلافاً مثله، ولا بدّ لي منه، فليلم من شاء، والهوى لا يحلو إلا مع العذل.
انظر بالله إلى هذا الحكيم بزعمه، واسمع قوله، وهو يزعم مع هذا أن أرسطاطاليس لو رآه لرجع عن آراء كثيرة ببيانه، ولغيّر كثيراً من كتبه بمشورته.
وكان يقول بقحته وقلة اكتراثه وتهاونه بمن حوله: أما الموسيقى فإنه يموت بموتي ويفقد بفقدي، هذا وهو لم يقرأ حرفاً منه على أحد من خلق الله، وما أُوحي إليه به، ولا يجوز أن ينفتح مغلقه جُزافاً عليه أو على غيره؛ وإنما كان يستجيز هذا القول في الموسيقى خاصّة لأنه لم يبق منذ دهرٍ من يدلّ من هذه الصناعة على حرف بتحقيق، أو يأتي فيها بوصف تام، لذهابه ودروسه.
والعلم كلّه - أبقاك الله - قد دخله الضّيم، وغلب عليه الذّهاب لقلّة الراغبين، وفقد الطالبين، وإعراض الناس عنه أجمعين. والموسيقى من بين أجزاء الفلسفة فُقِد حمله، لأنه لا يوجد علمه إلا بعمل، ولا يكمل عمله إلا بعلم، والعلم والعمل في صناعة واحدةٍ قلّما يجتمعان على التناسب الصحيح.
وكان يعمل كتاباً سماه: " الخلق والخلق " فمات سنة ستين وهو في المسودَّة، وقد رأيت ورقات منه وتقلتُ إلى " البصائر " حروفاً كانت فيه أفادنيها أبو طاهر الورّاق. ولم يكن الكتاب بذاك، ولكن جَعْس الرؤساء خبيص، وصُنان الاغنياء نَدّ، وخنفساء أصحاب الدولة رامُسنَّة.
وقلت للغويري: حدِّثني عن ابن عبّاد، فإنك قد عرفت ليله ونهاره وخافيه وباديه، وعن ابن العميد فقد اختبطت ورقه،وانتجعت صوبه.
فقال: في ابن عبّاد قِحة مأبون، ولوثة مأفون، وهو ابن وقته معك، ونتيجة ساعته لك، لا يعرفك إلا عند امتلاء العين بك، ولا يُعطيك شيئاً إلا إذا أخذ أكثر منه منك، يشتري عرضك، ولا يوليك حقك، ويبلغ بلسانه ما لا يسمح لك بعُشره من فعله، ثم الويل لك إن أصبت في كلامك، والويل لك إن أخطأت، على أن الخطأ يعطفه عليك بالرحمة، والصواب يحمله في معاملتك على الحسد والانتقام؛ يريد منك أن لا تذكر فاضلاً عنده وإن ذكرته فضّلته عليه. وإن ذُكر الشِّعر فقل: أين مسلم بن الوليد منك؟ وإن ذُكر النّحو فقل: وصلت إلى ما لم يصل إليه سيبوية، وإن ذكر البيان فقل: فيك أعراق متواشجة من قُسّ بن ساعدة، أو لعلّه كان في قس عرقٌمن آبائك الفرس، وإن ذُكر الكلام فقل: لو رآك النَّظَّام للزِم بابك وحمل عاشيتك، وإن ذُكر الفقه فقل: أين أبو حنيفة عن هذا التحقيق والتدقيق؟ وأين صاحباه: محمد، وأبو يوسف عن هذا التطبيق ولتعميق؟ فأما الجاحظ فما وزنه عند مثقالك؟ وأين شراره من نارك؟ وهل يسبح في بحرك؟ وهل يتطاول إلى سمائك. لو رآك لرشاك، ولو شاهدك لما انتسب إلا إليك.
وأما إبراهيم بن العباس الصُّولي فأحسن ما يختاره له أن يكون من المختلفين إليك، ومن الحاذين على مثالك، والآخذين عنك. وأما الدَّواوين فالكَلْواذي يسلّمها لك، ويتبرّأ من الأعمال بسببك، ويطّرح الرسوم القديمة معك، ويأخذ فيما تبتدعه وتضعه، لأنه إن نازعك افتضح على يدك، والعاقل لا يُلقي بيده إلى التّهلكة، ولو وثق أنك تقبل مصانعته لصانعك، ولو علم أنك تُبقي عليه لخَدَمك.
وأما الخطّ فابن مُقلة وابن أبي خالد والبربري ومن تقدّم وتأخر أعطوك الضمة فيه، وأظهروا لك الانقياد به.
قال: ومن مناقبه في مثالبه أنه يقنع منك في مدحك بالنفاق، وفي ثنائك عليه بالرياء، وفي نُصرة سيرته بالحيلة، ويرضى في هذا كله بعفوك دون جَهدك، وبما يخفّ دون ما يثقل؛ وليس كذلك ابن العميد؛ فإنه لا يحب أن تمدحه إلا بأكرم الخِصال، وأشرف الفعال، وأن يكون قولك عن عقد، ووصفك عن يقين، وإخبارك عن تعجّب، وتعجُبك عن استبصار، واستبصارك عن مُعاينة، وفيه مع ذلك كِياد مُخنّث مَجْفوّ، وسفه ضرَّةٍ رعناء، ونميمة كُنَّةٍ سليطة.
وحدثنا القاضي ابن عبد الرحيم، وكان خصيصاً به، وقهرمان داره ومُشرفاً على غوامض أمره، قال: قصده شاعر في بعض الأيام ووصل إليه، وأنشده وأصغى إليه، وانصرف بأمل، وتردد على ذلك فلم ير ما يحبّ، وتعلّق بي.
(1/65)
________________________________________
فقلت له: صاحبه روبين أغلب الناس عليه، وأوجههم عنده، فلو لُذتَ به رجوتُ لك، فلزمه وسأله الكلام في أمره، فوعده بذلك.
قال روبين فقلت له - يعني ابن العميد - : هذا الشاعر البائس قد سمعت منه شعراً، وأسمنت أمله، وهو على ذلك يغدو ويروح ويشكو وينوح، فلو أمرت له بشيء كان أقطع لشغبه وأجلَب لشكره، وأدعى إلى السلامة من عتبه؛ وهؤلاء يردون الآفاق، ولهم الإلحاح والطّلب والتذرُّع باللسان، والتوصّل إلى كل حال بكل حيلة.
فقال: وما يُريد؟ إن شاء الله أجبته عن قصيدته في رويّها بعدد أبياته وعَروضه وأعيان معانيه، وأزيد. وإذا وردت شعراً بشعرٍ فليس علي بعد ذلك لوم ولا أنا مقصّر ولا ظالم.
فقال: فقلت له: هذا سمج شنيع، والناس لا يقارّون عليه، ولا يرضون به ولو ذهبت أرواحهم وتلفت أنفسهم.
فقال: يا هذا! هوّن عليك، وأقلل من حديثك، فقد ضيّعنا في هذا مالاً، وإنا بعدُ في لذع الحسرة على ذلك، لأن الشباب له عُرام، ولم يكن لي في تلك الحال تجربة، ولا يقظة، ولا معرفة بحق المال والقيام بحفظه إذا حصل، والشّغل بجمعه إذا انتقل، ونعوذ بالله من الحَوْر بعد الكَوْر.
المال - عافاك الله - عديل الروح، كمال الحياة، وقوام الظهر، وسرور القلب، وزينة العيش، ومِجنّ الحوادث، وحبل اللّذات، ومُتعة الإنسان، ومادّة البقاء؛ ومن لا مال له لا عقل له، ومن لا عقل له فلا حياة له، ومن لا حياة له فلا لذّة له، ومن لا لذة له فهو في قبيل المعدوم.
قال روبين: فعلمت أن بعد هذه الخطبة لا يسمح بدرهم واحد. فوصلت الرجل من مالي بشيء واعتذرت إليه؛ وبلغني أن ذلك الشاعر مزّق عِرضه، وهتك ستره.
ولقد شاهدت في مجلسه شاعراً من الكرخ يعرف بمويه، وكان جيّد اللسان، يقول له: أيها الرئيس! قد لزمتُ فناءك لزوم الظل، وذللت لك ذُكّ النعل، وخدمت أملي فيك خدمة ناصح لنفسي فيما التمست من الصلة والجائزة.
ولك فيما أوفدت عليك من الثناء والمدحة، وما بي - والله - ألم الحرمان، ولكن شماتة قوم صدقوني فاتّهمتهم، ونصحوني فاغتششتهم؛ بأي وجهٍ ألقاهم، وبأيّة حجة أُدافعهم؟ وهل حصلت من مديح بعد مديح، ومن نظم بعد نثر، ومن رواح بعد بكور، ومن غسل أطمار وإخلاق سِربال، ومن تأفُّف لازم، وضجر دائم إلا على ندم مُؤلم ويأسٍ مُسقم؟ فإن كان للنجاح علامة فما هي، وأين هي؟ قد - والله - طالت غيبتي عن أهلي، وعن السائلين عن حالي، في هذه المعاملة التي عاقبتها الخيبة بعد المطل، والحرمان بعد الإطماع، والتحسُّر بعد الوعد؛ وقد بسط الله كفّك، وجعل الخير والجود والكرم جاريةً في أسرارها ونابعةً من جوانبها. ففِض أيها الرئيس فإنما أنت بحر، واسكب فإنما أنت سحاب، واطلع فإنما أنت شمس، واتّقد فإنما أنت نجم، ومُر فإنما أنت مُطاع، وهَب فإنما أنت واجِد، واهتزّ فإنما أنت ماجد، وصِل فإنك جَواد.
واللهما يقعد بك خَور في الطباع، ولا نَغَل في العِرق، ولا قدحٌ في الأصل. المُخُّ قصيد والحبل حصيد، والزَّندُ وارٍ، والفَروة خضراء، والعُودُ مُورق، والمال جمٌّ، والأمر أجمّ، والسلك دقيق، والنسيج صفيق، والطِّراز أنيق؛ وما هو إلا أن تقول حتى تُسمع، وما هو إلا أن تأمر حتى يُمتثل، لأن أمرك على الفور، وحكمك ماضٍ بالعدل والجَوْر؛ فما الذي يثني عزمك عن الكرم؟ ويفُلُّ حدَّك في الجود؟ ويُقصِر باعك عن المجد؟ ويسدّ أُذنك عن أحاديث غد؟ إن الذين تكره لهم ما هُجوا به كانوا مثلك، وإن الذين تحسدهم على ما مُدِحوا به كانوا من طينتك؛ فزاحم بمنكبك أضخمهم سَناماً، وزد على من كان أكبرهم كاهلاً، وأعلاهم يفاعاً، وأسطعهم شُعاعاً، وأزهرهم ناراً، وأكثرهم زواراً! فلما بهَره هذا الكلام الشَّهيّ في ذلك المجلس البهيّ شُدِه وعلِه ولم يدر ما يقول، وأطرق هُنيهةً، ثم قال: هذا وقت يضيق عن الإطالة منك في الاستزادة، وعن الإطالة منّي في المعذرة؛ فإذا تواهبنا في الحال ما قد دُفعنا إليه، استأنفنا في الثّاني ما نتحامد عليه.
(1/66)
________________________________________
فقال الشاعر: أيها الرئيس! هذه نُفاثة صدرٍ قد جوي منذ سنة، وفضلةُ لسانٍ قد فَدُم منذ زمان؛ وقد تقدّم العمل، والجزاء موقوف، والرّجاء عليل، والأمل غادر، والحال بعرض سوء، والشّامت قد شمّر للتأنيب، ولا صبر لمُقلّ على مدلّ إلا على وجه يُحتمل؛ فإن رأيت قدمت المتأخر، وقربت المتأخّر، وقربت الشّاسع، وجعلت إجزال العطية في تعجيلها، وإكرام طالبها في تسهيلها، فلا مانع إن لم يكن ذلك من سدّة جد، أو تقاعس جَدّ.
فقال: يا هذا قد كررت العتب، واجتررت الملام، وما أستوجب هذا من أحد من خلق الله؛ ولقد نافرت العميد بدون هذا حتى ثار من ذلك عجَاج قاتم، وانتهينا منه إلى قَرِيٍّ عاتم؛ ولست وليّ نعمتي فأحتملك، ولا صنيعتي فأغضي عليك؛ وإن بعض ما قررته في أُذني لمما ينقض مِرَّة الحلم، ويُبدد شمل الصّبر؛ ولستُ ممن يطيش لأدنى سانح، ويتطيّر لأوّل بارح؛ والله ما دعوتك إليّ، ولا أغريتك بي، ولا سألتك تقريظي، ولا أتعبتُك في قصدي؛ وإن الظُّلم منك، وكذاك العتب منك؛ وأنا على كلّ حالٍ مالي؟ فلا تجمع بين الظلم والتظلّم، والجناية والتَّجنِّي، وخُذ نفسك بالنزاهة والعَفاف فإنهما لا يقفانك هذا الموقف، ولا يعرضانك على هذا المجلس، ورزق الله مُنتاب وغاد، واطلب الغنى منك فإنه عندك أكثر منه عند من تظلمه وهو لم يظلم، وتعاقبه وهو لم يُجرِم.
فقال الرجل: ما كرّرت العتب حتى أكلت النّوى المُحرَّق في انتظار صِلتك، ولا اجتررتُ الملام حتى خانني صبري في توقّع جائزتك؛ والغضنيُّ إذا مَطَل ظلَم، والواجِد إذا لوى أثِم، والجواد إذا منعَ لِيم.
ولَعَمري ما دعوتني إليك، ولا أغريتني بك بكتابٍ خصصتني ورتّبتني فيه، ولا سألتني تقريظك، ولا أبغيتني في قصدك برسول أرسلته إليّ؛ ولكن لما جلست في صدر هذا الإيوان بأُبّهتك وعظمتك وكبريائك وجَبَروتك؛ وقلت: لا يخاطبني أحد إلا بالرياسة، ولا يُنازعني أحد في حقوق السياسة؛ فإني كاتب ركن الدولة، وزعيم الأولياء بالحضرة، والقيّم بمصالح المملكة - فقد أهبت الناس إلى بابك، وأغريتهم بخدمتك، وأطعمتهم في مالك، وكأنك قد خاطبتهم بلسان الحال، وإن لم تكن خاطبتهم بلسان المقال. فأنا ذلك السّامع برياستك، والشاهد بفضلك، والراغب في خدمتك، والراجي لخيرك؛ سمعتُ فأجبت، وحضرت فمدحت، ووقفتُ أثنيت؛ وأصغيتَ فقبلت؛ وأدّيتَ فاستحسنت؛ ولم يبق بعد هذا كله إلا أن لا يكون عطاؤك حرماناً، ولا جودك انتحالاً، ولا فُتوّتك اقتيالاً، ولا ماؤك سراباً، ولا جَودك ضباباً؛ ولا خدمتك مندمة، ولا الحاصل من معاملتك مظلمة.
وإن الرجل الحُرّ متى علم أن صاحبه لئيم الطِباع، خسيس الخُلُق، مرقَّع المنصب، ملبوس المحتد، وأن الله تعالى لم يجعله من معادن الرّزق، ولا من أبواب النّجاح، فإنه لا يطمع فيه، ولا يتواضع له، ولا يعدّه فيمن يُعد، ولا يشغل لسانه بمدحه، ولا يُعقُّ أمله بقصده، ولا يُضيع قوله في وصفه؛ بل يرى أن اقتحام الجمر، وسفّ التراب، ونزع الرُّوح أهون من ذاك وأعزّ.
ولعن الله الأدب إذا كان بائعه مُذيلاً له، ومشتريه مُهيناً لقدره، ومُماكِساً فيه.
وتقوّض المجلس، وقام الناس، ونصرف الشاعر.
فحدّثني شمسويه أنه طلبه بعد ذلك ليصله، فرجع إليه أنه ذهب بين سمع الأرض وبصرها.
وسألت الجُرجانيَّ عن ابن عبّاد وابن العميد.
فقال: ما يبينان بكرم كبير، وفعال مشهور؛ ولا فائدة في نشر لؤمهما وخساسة طباعهما؛ بلغ من فلسفة هذا أنه أمر بقطع لسان رجل شتم بلد قُمّ غضباً لبله، وتيهاً بوطنه، وشدّ آخر في داره إلى شجرة وما زال يُضرب إلى أن مات، وطرحه في جَوْبةٍ حتى أكلته الكلاب؛ فقال صاحبه: انظروا إلى هذا الذي قُلنا إنه أعقل الناس.
حدّثني بهذا الهرويّ.
(1/67)
________________________________________
ثم قال: وكان ابن عبّاد - كما قال أصحابنا - هو ابن سجب ليس عنده إلا القال والقيل، والكِبر والتخييل؛ يحبّ العامّة ويرفع نفسه عنها، ويحسد الخاصّة ويجعل نفسه منها، ويستطيل بالعلم وهو قريب القَعْر فيه، ويدّعي الردّ على الأوائل وهو لا يعرف حرفاً من نمطهم، ويتحلّى بالعدل والتّوحيد، قولاً ويتحلى بالجّور فعلاً، ويتشبّع بالأدب وهو سيء الأدب؛ يتهكّم بلسانه مُستطيلاً، ويتقحّم الجراثيم مُستهيناً، لو وقع عليه الخصم لجرده للناس، وأظهره للصّغار والكبار، لكنه في خفارة جدّه، وحصن دولته؛ على أن الجهابذة قد نقدوه وبهْرَجوه وتركوا التعامل به، وإنما هو وميض برق وهبوب ريح، وخفق راية؛ قإذا قرّت الأمور قرارها، وعطفت الفروع على أصولها ألفيته مُطِّرحاً مع نظائره، خامل الذكر، وضيع القدر، قصير الشِّبْر، مهتوك السّتر.
قال: وجملة الأمر أن ابن العميد كان حسن الكتابة، غزير الإنشاء، جيد الحفظ، ولم يكن له في كتابته حساب ولا تحصيل لوجوه الأموال، ولا معرفة بالدواوين، ولكنه كان بفضل الكيس يتأتّى له ويتلطّف.
قال: وله شعر صالح في الغزل والمعاتبة؛ ولأنه مشهور لا طائل في روايته، ومن ذلك قوله:
قَلبِيَ دامٍ به نُدوبُ ... يكادُ ممَا بِه يَذوبُ
قد كنتُ أُخفي الوشاة جهدي ... فنمَّ مني به الوجيبُ
فهل سمِعتُم بمستهامٍ ... عليه من قلبِه رقيبُ
يَعمِد ما سَاءني ضراراً ... ما هكذا تفعل القلوبُ
يقتادني للصِّبا غَرير ... كأنه شادن ربيبُ
جرَى مع الدّهر في عنانٍ ... فهو لأحكامه نسيبُ
فكلُّ محبوبه بعيدٌ ... وكلُّ مكروهِه قريبُ
وكيف يُرجَى بقاء صَبٍّ ... ناكده الدَّهرُ والحبيبُ
وكان ابنه أبو الفتح أشعر منه وأحسن حظاً، واستفاد بدخول بغداد شيئاً فاتَ والده.
وكان لذلك يغمز على البغداديين ويتعنّتهم، وكان نزر العطاء شديد المنع لا يقبل صنفاً من الناس، وإنما غرم شيئاً يسيراً على العامري، لأن العامري خدعه وطلاه وصبغه ودخل من بابٍ غامضٍ عليه وقال: لقد قصدتُك من خُراسان لأقرأ عليك علم الحيل وجرّ الثقيل، ومراكز الأثقال، وهو في أواخر علم الهندسة. بهذه الدعوى وبخلابته أيضاً، وبعصر عينيه عند سماع كلامه، وكان يقول له: ضاع عمري ولم أُوفّق لرُشدي في أول أمري، ولو وُفّقتُ لوقعت إلى كنز علمك وروضة بيانك قبل هذه السنين.
ولما رآه أبو الفضل على هذا، قال: لست في قراءتك جرّ الثقيل عليَّ بأحوج مني في قراءة الإلهيات عليك، فإنك في هذا الفن بحر لا يتغلغل إلى قعره، وجبل لا يتوقّل إلى مَصاده.
وكان هذا تساخُراً منهما، وتكاذُباً بينهما، لأنهما كانا لا يعرفان من هذين العِلمين لا قليلاً ولا كثيراً.
وما ينقضي عجبي من تكاذب العُقلاء، ومن تجاذب الجهّال.
وخبُّ هذا الإنسان خِبٌّ فائت، والإحاطة به ممتنعة.
وأما الهرويّ فإنه ارتبطه بأمر ركن الدولة، وكان يمدّه من ناله، لأنه حُمِد في طبّه الذي كان يتكثّر به بعد هندسته التي كان فيها أبرع، وبها أعرف.
وأما مسكويه فإنه اتخذه خازناً لكتبه، وأراد أيضاً أن يقدح ابنه به، ولم يكن من الصنائع المقصودة والمهمّات اللازمة؛ وكان أيضاً ما يُقيم عليه شيئاً نزراً لا يقنع به إلا من لا نفس له ولا همّة، وكان يحتمل ذلك لبعض العزازة بظلّه والتظاهر بجاهه.
وأما ما تكلّفه لأبي جعفر الخازن فإنه كان لأسباب طويلة؛ منها أن رُكن الدّولة أعظمه، فلزمه أن يقتدي به.
ومنها أنه طمع في اقتباس علمه.
ومنها أن العيون كانت تنظر إليه في أمره، والناس يحسبون ما يأتيه في بابه، لأنه وقع إلى الرّيّ مع صاحبه الصّاغاني أبي عليّ حين طلب الأمان، والحديث معروف.
فأما ابن فارس فإنه استخدمه ليعلّم ولده.
وأما ابن أبي الثيّاب البغدادي فإنه قرّبه ليسترق منه المنطق، فلما علم بذلك أبو محمد نفس بما معه، وتكاسل؛ وقيل له: كيف تعاصيت؟ فقال: كان سيء الانبعاث في هذه الفنون، وكان شديد التشبّع بها، يُحبّ أن يختلس الحكمة، ويمتهن أربابها بفضل المقدرة.
وأنشدني في هذه القصّة:
(1/68)
________________________________________
إلى الله أشكو رَيبَ دهرٍ كأنّما ... يَرَى كلّ ما يَجرِي بمَكْرُوهنا فَرْضَا
يُؤمِّل مِنّي أن أَذِلَّ لمُوسِرٍ ... لَئِيمٍ ونفسُ الحُرّ بِالذُّلِّ لا تَرضَى
قلت: لمن الشعر؟ قال: أنشدني ابن أبي البغل لنفسه.
وأراغه أبو الفضل على المنادمة فأنف، وما زال يترصّد وقتاً ينفلت فيه حتى كان من أمر ابن العميد ما كان من خروجه إلى أرَّجان، فطوى فجاج الأرض، وجابَ البلاد إلى بُخارى، وولي بها البريد إلى أن قضى.
وأما أبو طاهر الورّاق فإنه رتّبه في النسخ، وكان قوي الخطّ كثير الصبر على النقل، ولم يكن من الصنائع ولا من حملة النّعمة، ولا ممن يطالب بالحمد ويُبعث على الشُّكر.
وأما ابنُ بُنْدار فإنه كان فَدْماً غليظاً، غليظ الكلام جافياً جاسياً مقيتاً، وكان وزر بأذربيجان لجُسْتان، فأحبّ أن يُري من نفسه أنه على مائدته من وزر.
فأين الصّنائع والمدّاح؟ وأين المنتجعون والزائرون؟ وأين من مرَّ به محتاجاً إلى زاد ونفقة فطلبه وقرّبه، وأعطاه ووصله، وأضافه وأكرمه، وتصفّح ما معه واقتبس ما معه واقتبس مما عنده؟ سقى الله ابن عباد! فإنه وقف نفسه على الغرباء وطلبهم بأكثر مما تعرّضوا له، وسأل عنهم بأكبر مما رجوه فيه؛ ولولا أنه كان يفسد هذه الأفعال بالرّقاعة والتخيل والعجب والتطاول، وذكر الطعام والمائدة، وما يعطي ويهبُ، لكان قليله أكثر من قليل ذاك، وصغيره أكبر من كبيره؛ ولكن لكل حسن مقبّح، ولكلّ عزيز مذلل، ولكلّ جديد مبلٍ.
وحدثني ابن عبد الرحيم القاضي قال: قال يوماً لصاحب طعامه حدثني عن هذا الخبز المكسّر على الطبق، والملوّث، وما تتجافى عنه الأيدي، وما يصيبه اللحم والمرق والثريد - ما تصنعون به؟ وابتدأ هذا القول وهو في جوف خَرْكَاه، وظنّ أن لا أُذن هناك.
فقال له الرجل في جوابه، بعد أن تكرر قوله، وقد حال عن مزاجه لغيظه في سؤاله: نَدسُّه في حر امرأة من يسأل عنه.
قال: وهذا بالفارسيّة قاله، وهذا تفسيره.
قال: فانكسر وانخزل، وعلم أنه قد باء بالخزي، وعاصَ على سواده، وأن الخطأ منه في أفحش من الخطأ عليه في الجواب.
فقال له: أنت مجنون، اخرج لا بارك الله فيك.
وهذا كما تسمع. والموت بهذا الرئيس على الخشبة صلباً أحسن من هذا الحديث؛ وكان الرجل من فرط كيسِه لا يقع إلا مكبوباً، ولا يُذكر إلا مسبوباً.
ولقد بلغ من لؤمه وشؤمه أنه قتل من أكل عنده؛ وذلك أن أبا المحاوش ورد إلى الرّيّ، وكان بدوياً، أو من هذه المزالف مُتبادياً، وشُهر بشدّة الضرس وكثرة الأكل، وتكرر حديثه عنده، وما وُصف به من طِيب كلامه، وحُسن وصفه للقِدر والطّبيخ والألوان، فدعا به، وتقدّم بإحضار شيءٍ كثير من الخبز والحلوى، فاكتسحه كله، وطلب الزيادة، وكشر أبو الفضل في وجهه، وأظهر استملاحه على تقفُّؤ فؤاده ونار صدره؛ ثم وهب له دريهمات وخُريقات وشملة؛ وقال: اكثُر عندنا واقترح ما في نفسك على صاحبنا المطبخي. فكان المسكين يحضر في الفَرْط، فيطلب شيئاً ويأكل وينصرف.
فطال ذلك على أبي الفضل، واغتاظ منه، وغلب طباعه، فقال لصاحب مطبخه، اجمع هذا الذي يقال له لالكات التي قد أخلقت وتقطّعت، وقطّعها صِغاراً كالبنادق، وقدّمها إليه في عجّةٍ وافرة، بيضٍ كثير، وسَمْنٍ وافر، حتى ننظر إلى أكله، وهل يفطن؟ وإنما كان كيداً، ففعل وأُحضر؛ وأقبل أبو المحاوش عليها وتذرّع في أكلها، وأعظم اللُّقمة، ودارَك الرَّفع والوَضع، ووجدها وطِيةً ناعمة، فلما أقلع عنها وانصرف، وشرب الماء وجاء وقتُ الثَّلْط، انقدَّ بطنه فخرج فيه نفسه.
فهذا لما تكرّم بالإطعام، وحثَّ على الأكل، ورغَّب في الرغيب. وهذا الفعل يجمع إلى النّذالة قلّة الدِّين، وإلى اللُّؤم سُخف العقل. فالويل ثم الويل له.
وكان إذا رأى ابن بندار يقول: جاءكم أسد الغَريف على الرَّغيف.
والرَّيّ جادة الدنيا، ومنهج المشرق والمغرب والجوّالين في الآفاق، فكان يكثر أهل الانتجاعمن كل صُقع، فلم يكن لأحد منهم عنده مَقيلُ ساعةٍ ولا مبيتُ ليلة، ولا زادُ مرحلةٍ ولا هشاشةٌ ولا بشاشة.
(1/69)
________________________________________
وقد اجتاز به أبو إسحاق الفارسيّ، وكان من غلمان أبي سعيد السّيرافيّ، وكان قيّماً بالكتاب، وقرضِ الشّعر، وصنَّف وأملَى وشرَح، وتكلّم في العَروض والقوافي والمعَمَّى، وناقَضَ المتنبي، وحفظ الطِّم والرِّم فما زوَّده درهماً، ولا افتقده برغيف بعد أن أذِن له حتى حضره وسمِع كلامه وعرف فضله، واستبان سعته.
قال الخليلي: وكيف يُرجى خيرُه، أو يُؤمَّل رُشده، أو يُساق طمعٌ إليه، أو يُوفَد ثناءٌ عليه، أو يُشَامُ له بَرق، أو يقطع دونه خَرْق، وقد عقَّ أباه، وسعى في أول أيامه، حتى تبرّأَ منه ذلك الشِّيخ وهرب إلى خُراسان، واستُكْتِب هناك، ولُقّب بالعميد.
وكتب إلى القاضي أصبهان كتاباً برئ منه فيه.
وأما أروي قصّته في هذا المكان ليكون أذهَبَ في العجب.
وكان عقوقه في وجه عجيب؛ جاء إلى ذخيراتٍ في مواضع ووضع يده عليها، وعرَّف صاحبه مكانها، وخطَّ خطوه عليها، وزَوَى ذلك كلّه عن شيخه وعن جميع كم كان له فيه نصيب، إما بحقّ الإرث أو بحقّ الهبة، حتى قامت قيامة ذلك الشيخ، فدعا عليه، وفضحه عند النّاس، وبَرِئ منه، وقدح في ولادته.
والرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم القاضي، أطال الله بقاه، وأدام نعماه، أجلُّ محلٍّ من مواهب الله فيه وعوائده عنده، في الدّين والدنيا والعِصمة والخير والفضيلة، وحسن التأتي في كل فضيلة، وجميل اللفظ في جميع الحكومة؛ ولي في الشكوى إليه ومُباثَّته، وذمّ الزمان عنده والاستعداء عليه لديه، استراحة وتخفيف للثقل، وتفرُّج من حَرَج الصّدر؛ وأنا المُتمسّك به تمسُّكي - كان - بالوالد والعمّ، واثق بأن نصيبي من شفقته تام، ومن مشاركته وافر، والله لا يُعْد مُنِيه، ويحفظني بمواصلة النِّعم عنده إليه بقُدرته.
والكُلومُ - أعزَّ الله القاضي - ضُرُوب، والنّدوب فنون؛ وأعسَرها برءاً وأصعبها داء، وأعزّها دواء، ما جرحته يدُ القريب، وجلَبَته أفعال الأهل؛ فإن ذلك يصلِ إلى حبّة القلب، وصميم الفؤاد، ويصير قذَىً في إنسان العين، وشَجىً مُعترضاً في الحَلْق، ويتراكم على الأيام، ويتثكاثف على الدّهر، فيكون نَكْءُ القَرح بالقَرح أوجَع، ومتى تنفّس الممنوّ، وشكا المملوّ غيظاً وحَنَقاً اجتمع إليه من عشيرته وأُسرته شيخ ضعيف، أو طفل صغير، أو امرأة باكية، أو عورة بادية، أو ذو قرابة؛ فاستغفر هذا واستفصَح، وسأل وتشفّع. ثم رُويت أخبار في قطيعة الرحم، وعُدّت آثار في صلة القُربى، فضاق النَّفَس، واشتدّ الحنق، وتجرّع هذا المظلوم الغيظ وصبر، وأَنِف واحتمل، واحتسب وعفّا وغفَر، والشرُّ عتيد، والبلاء يزيد، والطّبع أغلب، والعادة لا تنزع، والجاهل يُقلع.
فهل دواءُ هذا، إذا اتصل وطال، وامتدّ وتتابع، وزاد وتضاعف، إلا الصَّريمة والإعراض، والقطيعة والانقباض؟ فدواءُ ما لا تشتهيه النّفس تعجيل الفِراق.
وأنا - جعلني الله فِداء القاضي - ذلك الملآن المغتاظ الذي قد عِيلَ صبره وضاع حلمه، وضاقت نفسه، وقرحَ قلبه، ونضِجت كبِده، وقلَّت حيلته، وعظُمت بليته.
وهذا الجاهل ابني، وما هو بابني، من انتهى بي إلى هذه الشكوى، وقصدني بهذه البلوى، وعقّني وخالفني، وبغى عليّ وباغضَني؛ وارتكب معي ما لا يحلّ، بعد أن ربّيته صغيراً، وأعززته كبيراً، وأوليته جميلاً، وأمْلَيته جسيماً، وصُنتُه شديداً، وحُطتُه دهراً طويلا؛ وخضتُ دونه الأهوال، وقاسيت في حمايته الأغوال؛ أُجِمُّه وأتعب، وأُقلّده وأتعطَّل، وأُعزّه وأُذلّ، وأغتَرب ليُقيم، وأُنعمه وأشقى، وأتحمّل عنه ليرضى؛ فما يعرف لي حقاً ولا يتأتى، ولا يرعى ذِماماً ولا يهدي، ويتهنأُ مُتعرّضاً مستخفّاً بي، ولو أمنتُ ملال القاضي - أدام الله أيامه - لعددتُ مقابحه، وذكرتُ مساويه، ووصفتُ ما يرتكبه من عظائم، هي به متصلة وإليّ منسُوبة، أن أفزع من يسيرها، وأجزع من قليلها، ولا أُحب أن أراها وأُعاينها في جارٍ أو قريب.
وقد زَجَرتُ ووعظتُ، وقلت وراسلت، وكاتبت وشافهت، وعاتبتُ وخاطبتُ، وشدّدت وهوّلت، ورغبت وأوجعت؛ وضربت الأمثال، وذكرت السِّير، وخوفت وحذّرت، فما انتفعت؛ وجرائمه تكثر، وجَرائره تغلُظ؛ ولا فضل فيّ، ولا احتمال معي، ولا بقية للإغضاء عِندي.
(1/70)
________________________________________
وغرضي في هذه المخاطبة، ومَغزاي من هذه الشكوى والمباثّة، أن يشهد القاضي أني بريء منه، قاطع له، عادل عنه، غير راضٍ بقوله ولا فعله، نازعُ ما ألبسته من بُنوّة، مُطَّرح له ديناً ودُنيا؛ ليس منّي ولا إليّ، قد تبَرّأتُ منه وصَرمته، ووكلته إلى اختياره، ورفعت عنه يدي، وأسلمته إلى الله ليأخذه بحقي، ويقبل به دعائي، ولا يحفظ عليه ما لم يحفظه عليَّ.
اللهمَ اسمع واشهد، وكُن حسيب الظّالم، واحكم بيني وبينه، يا خير حاكم. وهذه شهادة لي عند القاضي يحفظها كما يحفظ إليه من حقوق عمله، فإنّي مُطالبه بها (يَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ) وكفى بالله العليّ شهيداً.
وهذه - أبقاك الله - رسالة تدلّ على قُرحةٍ دامية، وعين باكية هامية، ونفسٍ قد ولهت عمّا حلّ بها؛ وإن غُلاماً يُحوِج أباه إلى مثل هذه البَراءة والشكوى منه والتأَلُّم، لَغُلام سوء، والله أكرم من أن يحبره في الدنيا، وأن يُسعده في الآخرة.
وكل هذا دليل على أنه عارٍ من الديانة، سليب المُروَّة، وقد رضي بظاهر حاله وإن لم تدم له، ولها عن عاقبة أمره وإن لم يَنجُ منها.
وحدثني أبو العادي الصوفي قال: كنت عند العميد ببُخارا، وقد جرى ذكرُ ابنه أبي الفضل فقال: كنتُ أشكّ في ولادته قبل هذا. والآن فقد تحقّق عندي ما كان يُريبني منه؛ فإنَّ الإناء رشّاحٌ بما فيه.
ثم أفادنا حمزة المصنّف جواب القاضي للعميد، وذلك أنه كتب: بسم الله الرحمن الرحيم وصل كتاب العميد، أعزّ الله جلالته، ووفّر عليه كرامته، وأدام له نعمته وحياطته؛ وأنَّس وصوله، وأوحش محصوله؛ ويعزُّ عليّ أن أقرأ كتابه بعد عهد دارس ودهرٍ مُتقادم - مُنبئاً عن قرائح صدره، وجرائح فؤاده؛ وقد - والله - زاد عجبي من هذا الحديث كله، وشَرَكتُه في جميعه، وسألتُ الله اللّ " يف فيئةَ هذا الغلام إلى حظّه، ونظراً إلى قلبٍ قد أضرم فيه نار العُقوق، وأفرجَ لوازم الحقوق؛ فإنه إذا وُفّق لذاك كان فيه صلاح معاشه الذي هو عاجلته، وسلامة مَعاده الذي هو آجلته؛ هذا مع الذّكر الجميل الذي ينتشر له، وبركة دُعاء شيخه إذا عادت عليه.
وقد كتبتُ إلى الفتى - أكرمه الله - بما إن هُدِي لرُشده ووُفّق لحظّه غُبط واغتبط، وإن كثُر منه اللّجاج والمحك خبط واختبط؛ والله يفتح بصره، ويأخذ بيده فيعلم ما في البراءة من البُنوّة والتّعرّي من الأُبوّة من الهُجنة الشَّنيعة والفضيحة الفظيعة.
ولم أقنع بالكتاب، وبما تصرَّفت فيه من لواذع العتاب، حتى كتبتُ إلى أبي الحريش، وسألته إحضاره ومناظرته، واستخراج ما عنده مع التّهجين الشديد، وشوب ذلك بالوعد والوعيد، وغالب ظّني أن تلك القسوة تحولُ رِقّة، وتلك الفظاظة تعود ليناً؛ ولو كنت في مقرّه، أو كان في صُقعي لكان لي في هذه القصّة جدٌّ وانكماش يحمدني عليهما العميد، ولكنّي منه بعيد؛ وإن - وعائذ بالله - تقاعسَ وعْظي عنه، ونبا نُصحي دونه، بعد التلطُّف والاجتهاد، فالأسى والأسف أعزّ من أن يُرسلا وراءه، أو يُقاما إزاءه؛ والولد قد يموت بارّاً ويفوت عاقاً، فليطب قلب العميد عنه فائتاً، كما تسلو النّفس عن العزيز مائتاً، ولعلّ العتب يُسفر عنه بما يسرُّ منه؛ فللزمان في تقلّبه غرائب، وللدّهر في تصرّفه عجائب.
وأنا أسأل الله أن لا يُخليني من العميد عُمدة، ولا يُريني فيه ومنه سُوءاً وغُمّة؛ ورأيه في مواصلتي بكُتُبه المتحمِّلة برَّه وتفضّله بمباثَّتي وتصريفي على تكاليفه - مُتوقَّع مشكور، وأنا عليه حامدٌ شكور.
ثم قال الخليلي: وجدّه - مع هذا - ساقط يُلقّب بكُلَهْ، وهو كناية عن شيء قبيح على زعمه، كان نخّالاً في سوق الحنّاطين، أو حمّالاً أو منقّياً، وكان يحرس السوق أيضاً بالليل، والعِرق لا ينام ولا بدَّ من أمارة في الفرع، كما لا بدَّ في الفرع من إشارة إلى الأصل، والأصل والفرع متشابهان، إلا أن هذا الخافي ينطق عند ذلك البادي، وذلك البادي يشهد له هذا الخافي؛ ولهذا قالت العرب: لكُلّ إناءٍ رَشْحٌ، ولكل سِقاءٌ نَضْح، ولِكلّ شجرة سُوس، ولكل دَوحةٍ عِيص.
وكنتَ إذا نظرتَ إلى أبي الفضل تجده غضبان من غير مُغضب، شَنِج الأنف متخَازِر الطّرْف، كالِح الوَجْه، " كأنَّما وَجْهُهُ بالخَل مَنْضوحُ "
(1/71)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق