السبت، 10 أبريل 2010

موسوعة اليهود واليهوديه :لإمبراطورية البيزنطية المسيحية

الباب الثالث: الإمبراطورية البيزنطية المسيحية وإسبانيا المسيحية



الإمبراطورية البيزنطيـة
The Byzantine Empire
«الإمبراطورية البيزنطية» هو الاسم الذي يُطلَق على القسم الشرقي من الإمبراطورية الرومانية بعد انقسامها عام 395 ثم سقوط الإمبراطورية الغربية عام 475. والقسطنطينية هي العاصمة القديمة لبيزنطة (إستنبول فيما بعد). وكانت تُوجَد جماعات يهودية في الإمبراطورية البيزنطية عبر تاريخها، من أهمها جماعة الرومانيوت (أو الجريجوس) في المدن التي كانت تتحدث اليونانية. وكانت الإمبراطورية البيزنطية تضم أعداداً كبيرة من السامريين ثم القرّائين، وكان لكل جماعة يهودية تنظيمها الإداري والقضائي المستقل وهو النظام الذي ورثته الدولة العثمانية واستمر العمل به.

ويرتبط تاريخ الجماعات اليهودية بتاريخ الإمبراطورية الذي يمكن تقسيمه إلى فترتين:

الفترة الأولى وتمتد من عهد قسطنطين الأول حتى فترة تحطيم الأيقونات (حوالى عام 720)، وكانت توجد في هذه الفترة جماعات يهودية كثيرة لا تتَّسم بأي تجانس حضاري في شرق حوض البحر الأبيض المتوسط (في شبه جزيرة البلقان وآسيا الصغرى وسوريا وفلسطين ومصر).

وقد شجعت الإمبراطورية سكانها على تبنِّي المسيحية باعتبارها دين الدولة وأيديولوجيا الحكم فيها. ولذا، اعتُبر التهود جريمة يعاقب عليها القانون، ومُنع التجار اليهود من ختان عبيدهم. وحُرِّم الزواج المختلط بين اليهود والمسيحيين، كما مُنع الآباء اليهود من حرمان أولادهم الذين يتنصرون من الميراث. وقد حدث تمرُّد صغير في فلسطين في عهد الحاكم البيزنطي جالوس عام 351 ولكنه أُخمد بسهولة.

وشهدت هذه الفترة اختفاء مجموعات المزارعين اليهود المتحدثين بالآرامية في ريف فلسطين بشكل شبه تام، وتَحوُّل أعضاء الجماعات اليهودية إلى التجارة. كما أن عدد اليهود الكلي في فلسطين تَناقَص بشكل حاد، فيُقال إن عدد اليهود إبان التمرد اليهودي الثاني ضد الرومان (132 ـ 135)، كان يتراوح بين 750 ألفاً و800 ألف، ولكنه انخفض في أوائل القرن السابع، أي عند دخول الفرس إلى فلسطين، إلى نحو 150 ـ 200 ألف.

كما شهدت هذه الفترة ثورات اليهود السامريين في عامي 484 و529 حيث تركزت معظم هذه الثورات في نيابوليس (نابلس). ونجح الثوار السامريون في الاستيلاء على بعض المدن وفي إقامة ما يشبه الإدارة الحكومية، كما قاموا بجمع الضرائب بل عيَّنوا ملكاً من بينهم إلى أن جاءت قوات الإمبراطورية وأخمدت التمرد. ويُلاحَظ أن أعضاء الجماعة اليهودية من أتباع اليهودية الحاخامية لم يتعاونوا مع السامريين في التمرد، وقد ألغت الإمبراطورية منصب أمير اليهود (ناسي أو بطريرك) في فلسطين عام 425، وهو بذلك آخر تعبير رمزي عن مركزية فلسطين في حياة يهود العالم. وبإلغاء هذا المنصب، استقلت الجماعات اليهودية كافة وأصبح لكلٍّ مسارها وقيادتها وخطابه الحضاري.

ومن أهم الأحداث في هذه الفترة وقوع فلسطين لفترة وجيزة في يد الفرس (عام 614). ويبدو أن هجوم القوات الفارسية كان يمثل بارقة أمل للجماعات اليهودية في الإمبراطورية لتحسين أحوالهم، فتعاونوا مع القوات الغازية (التي كانت تضم جنوداً يهوداً) وانخرطوا في سلكها مقاتلين وجواسـيس، واشـتركوا معها في فتـح المدن الأخرى للإمبراطورية، مثل صور وقيصرية بمساعدة السكان اليهود داخل هذه المدن. ويبدو أن ارتباط الفرس في الوجدان اليهودي بالعودة من بابل واسترجاع العبادة القربانية في الهيكل الثاني (بمقتضى مرسوم قورش) أحييا الآمال المشيحانية في استرجاع قدر من استقلال اليهود الإداري في فلسطين. ويبدو أن الفرس سايروا الجماعة اليهودية في ذلك لاستخدامها في عملية الغزو. وما إن تحققت الأهداف وظنوا أن حكمهم قد استقر حتى قرروا التخلي عن الجماعة اليهودية التي كانت تشكل أقلية منبتة الصلة بالجماهير المسيحية أو الريف. كما قرروا التعاون مع المسيحيين في فلسطين وقياداتهم والتضحية بالجماعة اليهودية (ولا يختلف هذا كثيراً عما حدث في شبه جزيرة أيبريا حينما تحالف أعضاء الجماعة اليهودية، كعناصر استيطانية وكمموِّلين، مع القوات المسيحية التي قضت على الحكم الإسلامي فيها. ولكن، بعد أن حقق الغزو المسيحي مآربه، طُرد أعضاء الجماعة اليهودية بعد ستة شهور).

ويبدو أن الإمبراطورية البيزنطية أدركت أهمية الجماعات اليهودية كجماعة وظيفية استيطانية ومالية، ولم تُطبِّق على اليهود النافعين وظيفياً ما طبقته على يهود فلسطين. ويُلاحَظ، على سبيل المثال، أن ضابطاً فارسياً احتل جزيرة بالقرب من خليج العقبة وطرد ممثلي الإمبراطورية البيزنطية وبدأ يجمع الضرائب لحسابه. ويبدو أنه كان هناك جماعة استيطانية يهودية شرقي خليج العقبة (في جزيرة جوباكابا) تعمل بالتجارة وتتمتع باستقلال إداري. ولكن، حينما قامت قوات الدولة البيزنطية بطرد الضابط الفارسي عام 498، فإنها لم تتعرض للجماعة اليهودية التي ظلت تمارس نشاطها وتتمتع باستقلالها الإداري في هذه المنطقة الحدودية التي لم يستقر فيها حكم الإمبراطورية. ولكن الإمبراطورية البيزنطية اتجهت في فترة لاحقة نحو توسيع رقعة تجارتها الدولية، وحاولت السيطرة على مداخل البحر الأحمر الجنوبية (باب المندب)، وذلك حتى يتسنى لها الوصول إلى الهند بالالتفاف حول الدولة الفارسية التي كانت تسد الطريق البري. واصطدم البيزنطيون بالنخبة اليهودية الحاكمة في حمير (في اليمن)، وتحالفت الإمبراطورية البيزنطية مع الأسرة الحاكمة القبطية في إثيوبيا. أما ذو النواس، ملك حمير اليهودي، فتحالف مع الفرس، كما أرسل رسله إلى المنذر، حاكم الحيرة العربي الذي كان يدور في فلك الفرس. ولكن الفرس لم يرسلوا قواتهم، وسقط ذو النواس عام 525 أمام هجمات الإثيوبيين، ومن ثم أصبح مضيق باب المندب ضمن النفوذ البيزنطي. وحتى تُحكم قبضتها على البحر الأحمر، قامت الإمبراطورية البيزنطية بتصفية الجيب الاستيطاني اليهودي في جزيرة جوباكابا في خليج العقبة إذ لم يَعُد له نفع كبير سواء كعنصر استيطاني أو كعنصر تجاري.

وتمتد الفترة الثانية من تاريخ الجماعات اليهودية في الدولة البيزنطية من فترة تحطيم الأيقونات (720) حتى الفتح العثماني للقسطنطينية (1453). وُجِّه الاتهام لدعاة تحطيم الأيقونات باعتبارهم يهوداً. ويبدو أن لهذا الاتهام أساساً من الصحة، إذ تشير المراجع إلى أن الإمبراطور ليو الخامس (الأرمني) وميخائيل الثاني (من فريجيا) كلاهما تَعلَّم على يد يهود، ولكن الأرجح أن المصدر الأكبر لهذه الحركة هو المد الإسلامي الذي لم يكن بُدٌ من أن يكون له صداه داخل الإمبراطورية. ويُقال إن أعداداً كبيرة من اليهود هربت في هذه الفترة إلى دولة الخزر اليهودية، وازداد اشتغال أعضاء الجماعة اليهودية بالتجارة وبعدد من الحرف مثل الصباغة وغزل الحرير.

ومع الفتح الإسلامي للقسطنطينية، سقطت الإمبراطورية البيزنطية في يد المسلمين، ودخلت الجماعات اليهودية في فلك الدولة العثمانية.

إسبانيا المسيحية
Christian Spain
يعود وجود أعضاء الجماعة اليهودية في إسبانيا إلى القرن الأول الميلادي، واستمر وجودهم فيها، إلى ما بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية، تحت حكم القوط. ويبدو أن وضعهم كان مستقراً هادئاً حتى عام 589 حينما تَحول القوط عن مذهبهم المسيحي الآريوسي واعتنقوا الكاثوليكية وأصبحت إسبانيا جزءاً من التشـكيل الكاثوليـكي في العصـر الوسيط. وتدهور وضع اليهود تماماً، ولم يحسِّن وضعهم إلا وصول العرب مع الفتح الإسلامي (711). وكان أعضاء الجماعات اليهودية قد تحولوا حينذاك إلى جماعة وظيفية وسيطة.

ومع هذا، كانت هناك جماعة يهودية في جبال البرانس (في الشمال) سمح لهم شارلمان (771 ـ 814) بالإقامة ليكونوا حاجزاً ضد التوسع الإسلامي في المنطقة التي كانت تُسمَّى «ماركا هسبانيكا». كما سُمح لهم بامتلاك الأراضي في هذه المنطقة، ومُنحوا حقوقاً كثيرة لتشجيعهم على الاستيطان والبقاء في هذا الجيب المسيحي والمنطقة الحدودية، أي أنهم كانوا جماعة وظيفية قتالية تعمل بالزراعة.

وكان بعض أعضاء الجماعة اليهودية يشكلون جزءاً من عملية الغزو المسيحي لاستعادة إسبانيا، سواء كعنصر قتالي أو كعنصر زراعي أو إداري، كانت الجيوش المسيحية تضم في صفوفها أعداداً من اليهود. وحينما كانت المدن الإسلامية تقع في قبضة الجيوش الغازية، فإن حقوق سكانها من المسلمين واليهود كانت تُصان من الناحية النظرية سواء بسواء. أما من الناحية العملية، فكان أعضاء الجماعة اليهودية مُفضَّلين على أعضاء الجماعة الإسلامية، حيث كان يُسمَح لليهود بالاستمرار في سكنى منازلهم بينما كان المسلمون يضطرون إلى السكنى خارج المدينة كما حدث في توديللا عام 1115 وسرقسطة عام 1118. وكان يُسمَح لأعضاء الجماعة اليهودية ببناء معابدهم. وشَكَّل اليهود عنصراً استفاد منه الحكام المسيحيون الجدد في بناء المجتمع الجديد إذ استخدموهم دبلوماسيين ومترجمين للتراث العربي وغيره. ولكن الاستفادة منهم كانت أساساً كجماعة وظيفية استيطانية يُوطَّن أعضاؤها في المناطق المفتوحة وموظفين لتنميتها كما حدث في مورشيا وبلنسية ولامنشا والأندلس وغيرها. وكانوا يُمنحون الأراضي ليزرعوها. فعلى سبيل المثال، كان اليهود في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين يملكون ثُلث الأراضي في مقاطعة برشلونة. كما كانوا يُعطَون حق فتح المحال التجارية شريطة أن يستوطنوا هم وأسرهم فيها، وكانت حقوقهم تزيد أحياناً على حقوق السكان العاديين من المسيحيين. وابتداءً من القرن الحادي عشر الميلادي بدأ أعضاء الجماعة اليهودية في الانتقال من إسـبانيا الإسـلامية إلى إسـبانيا المسـيحية بأعداد متزايدة.

ولعب أعضاء الجماعة اليهودية دوراً أساسياً في النظام المالي وفي تزويد الحكام الجدد بما يريدون من أموال إما بشكل مباشر أو غير مباشر (عن طريق الإشراف على جمع الضرائب). وعلى سبيل المثال، كانت مملكة قشطالة تحصل عام 1294 على 22% من دخلها من الضرائب المفروضة على اليهود. وكان لكل بلاط ملكي يهوديِّه الخاص الذي كان يشرف على هذه العمليات. ويمكن أن نسمِّي هؤلاء «يهود البلاط» مع أن المصطلح لم يظهر إلا في القرن السابع عشر الميلادي في ألمانيا. وأدَّى هذا الوضع إلى ارتباط اليهود بالمطالب الظالمة والأعباء المالية التي كان يفرضها التاج. ومن ثم حينما طُرد اليهود من إسبانيا، كان من الضروري البحث عن بديل لهم للقيام بمهمة ملتزمي الضرائب.

والواقع أن اختيارهم كيهود بلاط، وكعنصر استيطاني زراعي، يرجع إلى أنهم كانوا لا يطمحون للاستيلاء على السلطة السياسية، فهو أمر غير مطروح بالنسبة لهم نظراً لعدم إمكان التحالف بينهم وبين أية طبقات أخرى مثل الفلاحين أو النبلاء أو القساوسة بسبب العداوة بين أعضاء هذه الطبقات وأعضاء الجماعة. وعلاوة على هذا، لم يكن أعضاء الجماعة يملكون أية قوة عسكرية، الأمر الذي يعني إمكانية التخلص منهم بسهولة. كما أن تَوزُّعهم على هيئة وحدات بشرية صغيرة منعزلة كان يُيسِّر عملية التخلص منهم إن نشأت حاجة إلى ذلك. أما قوتهم المالية، فلم يكن عائدها يفيدهم كثيراً حيث كان يَصبُّ في خزائن الملك الذي كان له مطلق الحرية في مصادرة أموالهم والاستيلاء على ثرواتهم. أما أوضاع أعضاء الجماعة المسلمة فكانت مختلفة تماماً حيث كان عددهم كبيراً كما كانوا يُعتبَرون جماهير بمعنى الكلمة. بل ويُقال إن الموريسكيين (المسلمين المتنصِّرين) كانوا يشكلون بعد استعادة إسبانيا نحو 60% من عدد السكان، كما كانوا آخذين في التكاثر بسبب عدم وجود مقاتلين بينهم (ولذا لم تكن أعدادهم تَنقُص أثناء الحروب) كما لم يكن بينهم رهبان أو راهبات. وأثناء الغزو المسيحي، كان العنصر الإسلامي أو العربي المتنصِّر (الموريسكيون) مشكوكاً فيه، فالدويلات الإسلامية كانت تشكل مركزاً لولائهم العاطفي إن لم يكن الفعلي. وحتى بعد اكتمال الغزو وتنصُّر المسلمين، ظل الموريسكيون موضع شك السلطات المسيحية لأن الدول الإسلامية المحيطة كانت تشكل عمقاً إستراتيجياً بالنسبة إليهم، وكان من الممكن أن تزودهم هذه الدول بالمساعدات لاستعادة السلطة، وخصوصاً أن القوة العثمانية الصاعدة كانت تشكل أملاً إسلامياً جديداً. كان هذا الأمر محتمل الوقوع بل كاد يتحقق مع ثورة البشارات الثانية. وعلى أساس من كل هذا، يمكن فهم سبب تحوَّل أعضاء الجماعة اليهودية إلى جماعة وظيفية وسيطة على يد المسيحيين، كما يمكن فهم سبب استبعاد جماهير المسلمين أو الموريسكيين أو أعضاء النخبة بينهم.

تمتع أعضاء الجماعة اليهودية بقسط كبير من الإدارة الذاتية داخل تنظيم الجماعـة وتحـت قيادة رئيسـها الذي كان يُعرَف باسـم «المقدَّم»، وظل يُعرَف باسمه العربي كما هو الحال في كثير من المؤسسات الإسبانية المسيحية. وكان للجماعة استقلالها الإداري والقضائي، وكان يشرف عليها موظف ملكي هو حاخام البلاط (بالإسبانية: «راب دي لاكورتي rab de la corté»).

وكان لأعضاء الجماعة مجالسهم المستقلة التي كان يتم انتخاب أعضائها. وإلى جانب هذه المجالس المنتخبة، كانت تُوجَد مجالس أخرى مغلقة في بعض الدويلات لا تضم سوى الوجهاء والأثرياء. وبطبيعة الحال، كان الملك يساند هذه المجالس باعتبارها وسيلته للتحكم في أعضاء الجماعة الوسيطة. ولذا، فقد كان يمنحها سلطات كاملة. وكان يتبع هذه المجالس ما يُسمَّى بقضاة الذنوب (بوليس آداب وأخلاق عامة) تُوكَل إليهم مهمة القبض على أي يهودي يخرق الشريعة، كما كان يتبعها قضاة شرعيون (بالعبرية: ديانيم). وكان لبعض هذه المحاكم صلاحية الحكم بالإعدام على أي عضو من أعضاء الجماعة بل وصلاحية تنفيذ هذه الأحكام.

ولم يكن أعضاء الجماعة اليهودية (كجماعة وظيفية وسيطة) يُكوِّنون جزءاً عضوياً من المجتمع الإسباني المسيحي الإقطاعي، وإنما كانوا يتبعون الملك مباشرة حيث كانوا يدينون له وحده بالولاء ويؤدون له الضرائب، بل إنهم كانوا يُعدون ملكية خاصة له أي أقنان بلاط. وحينما كان حكم الإعدام ينفذ في يهودي، كانت الجماعة اليهودية تُلزَم بدفع ثمنه للملك.

ويشكل هذا الوضع المتميز الهامشي أساس الصراع الذي لم يهدأ بين أعضاء الجماعة وبقية أعضاء المجتمع، وخصوصاً سكان المدن . فالجماعة كانت توجد بجوار البلدية المسيحية، ولكنها كانت غير خاضعة لنفوذها بسبب علاقتها الخاصة مع الملك. ولذا، لم يكن من الممكن إخضاعها للنظم أو للأعراف المعمول بها.

ويمكن التعرف على وضع اليهود الخاص بالرجوع إلى مرسوم ألفونس العاشر الصادر عام 1263 حيث حدَّد حقوق أعضاء الجماعة ومنحهم حريتهم الدينية الكاملة شريطة ألا يهاجموا المسيحيين، كما حرَّم تهمة الدم ومنع مضايقة اليهود في يوم السبت أو تعطيلهم عن أداء شعائره حتى لو وُجدت أسباب قانونية شرعية لذلك، وحرم كذلك استخدام القوة لتنصيرهم. وكانت غرامة قتل اليهودي تعادل الغرامة التي تُدفَع عن قتل فارس أو قس. ولقد حاول بعض سكان المدن أن يخفضوا الغرامة لتعادل الغرامة التي تدفع دية لفلاح عادي. وتتبدَّى المساواة بين اليهود والمسيحيين في قبول القَسَم اليهودي أمام المحاكم المسيحية.

ثم ظهرت، في مرحلة متأخرة، مجموعة مختلفة من القوانين تعبِّر عن تَحيُّز واضح ضد أعضاء الجماعة اليهودية الذين كانوا قد بدأوا يفقدون شيئاً من أهميتهم الوظيفية. وتعكس هذه القوانين بدايات التدهور حيث حُرِّم على اليهود مغادرة منازلهم في عيد القيامة، أو أن يكونوا في أي مركز يسمح لهم بالسيطرة على المسيحيين، كما حدد عدد المعابد اليهودية. ولكن، ورغم التدهور النسبي، ظل لأعضاء الجماعة وظائفهم المحدَّدة التي يضطلعون بها ودورهم المميز الذي يلعبونه. ولذا، حينما أصدرت المجامع اللاترانية (الثالث عام 1179 والرابع عام 1215) القوانين التي حدَّت من حرية اليهود، لم تُطبَّق هذه القوانين في إسبانيا تطبيقاً تاماً. وقد طُبِّقت هذه القوانين، في بداية الأمر، بصورة مخففة جداً بسبب الضرورات الناجمة عن إعادة فتح الأندلس. ولكن، مع استكمال الغزو، لم تَعُد هناك ضرورة أو نفع لليهود، بل أصبح من الضروري التخلص منهم. وقد كانت حتى حياة اليهود الروحية آخذة في التحلل. بل كان رفض القيم اليهودية الدينية منتشراً بين عناصر القيادة اليهودية نتيجة انتشار فلسفة ابن رشد العقلانية التي كان لها أثر مدمر في الإيمان الديني للنخبة. وقد كان يهود البلاط يقومون بحماية بني ملتهم في معظم الأحيان، ولكنهم كانوا يقفون ضدهم في أحيان أخرى بسبب تَماثُل مصالحهم وثقافتهم مع مصالح البلاط وثقافته. كما كانوا يقلدون المسيحيين في ردائهم وحديثهم، وتَنصَّر كثير منهم في نهاية الأمر. وحيث إنهم كانوا يشكلون النخبة القائدة، فإن اندماجهم وانصهارهم كان يعني اهتزاز الهوية اليهودية.

وازداد اليهود هامشيةً وأصبحوا عديمي الجدوى بازدياد التغلغل المسيحي في شبه الجزيرة، وهي عملية كانت بطيئة جداً، ومع هذا بدأت آثارها تظهر واضحة مع القرن الثالث عشر الميلادي، وهي أيضاً المرحلة التي ظهرت فيها القبَّالاه إذ ظهر الزوهار بين عامي 1280 و1290. وبدأت الجماعة تتقوقع على نفسها وتحارب الفلسفة الإسلامية العقلانية وتقف ضد تغلغلها في صفوف المفكرين اليهود، فحُرِّمت كتابات موسى بن ميمون.

وبدأت الاضطرابات ضد أعضاء الجماعة اليهودية في إسبانيا المسيحية على نطاق واسع عام 1391، ثم انتشرت في كل أرجائها وتَنصَّر الألوف من اليهود، وهو ما سبب مشكلة للحكم إذ كان فصل المتنصرين عن بقية اليهود أمراً لا مفر منه، وكذلك التأكد من جدية وولاء المتنصرين حتى لا يتظاهر بعضهم بالمسيحية لتحقيق الحراك الاجتماعي وهم يبطنون اليهودية، وسُمِّي هؤلاء «المارانو». ومن ثم أقيمت محاكم التفتيش. وفي عام 1412، صدرت قوانين فالادوليد التي حرَّمت على اليهود الاشتغال بالطب أو الحرف أو الاتجار مع المسيحيين، كما ألغت محاكم اليهود الخاصة.

وتصاعدت عملية الغزو المسيحي لشبه جزيرة أيبريا بزواج فرديناند وإيزابيلا عام 1469. واستفاد الملكان من القروض التي دبرها لهم الصيرفي اليهودي دون إبراهام سنيور في حروبهما ضد المسلمين وفي فتح غرناطة. وقد أصبح سنيور جامعاً للضرائب وحاخاماً لليهود. وبعد أن بسطت السلطة المسيحية الجديدة هيمنتها على شبه جزيرة أيبريا بأسرها عام 1492، بدأ فرديناند وإيزابيلا في تأسيس ما يَعُدُّه بعض المؤرخين أول دولة قومية حديثة في أوربا تتمتع بسلطة مركزية. كان التأكد من ولاء السكان أمراً ضرورياً، فبعد أن تنصرت أعداد كبيرة من المسلمين واليهود كانت ثمة أعداد منهم لا تزال تمارس دينها سراً (وكان يُطلَق على المسلمين المتنصرين «الموريسكيين»، لكن هذا المصطلح كان يُطلَق أحياناً على كل المسلمين). وكانت العناصر التي حافظت على عقيدتها تشكل عوامل جذب لهؤلاء، ولذا فقد صدر قرار بطرد اليهود والمسلمين على حدٍّ سواء. وبلغ عدد المطرودين من المسلمين حسب بعض الإحصاءات ثلاثة ملايين. أما اليهود، فقد طُردوا بعد سبعة شهور من قيامهم بتمويل حملة الدولة الإسبانية الكاثوليكية على الجيب الإسلامي المتبقي ونجاحها في تصفيته، وقُدِّر عدد المطرودين من اليهود بين مائة وخمسين ألفاً وربع المليون. وقد استقرت أعداد كبيرة من اليهود الذين كانوا يُعرَفون بالسفارد في الدولة العثمانية، ولكن العدد الأكبر منهم هاجر إلى وسط أوربا وهولندا وموانئ فرنسا. وقد ألحق قرار الطرد الضرر بإسبانيا من الناحية السكانية، إذ أدَّى ذلك إلى إفراغ مناطق بأكملها من سكانها في وقت لم يكن هناك مصدر آخر للطاقة البشرية.

ومن الناحية الرسمية، كانت شبه جزيرة أيبريا خالية من اليهود، أما من الناحية الفعلية فقد كان هناك يهود المارانو المتخفون الذين كانت تربطهم علاقة بجماعات يهود السفارد في الخارج. وقد كوَّن هؤلاء فيما بينهم شبكة تجارية مالية مهمة. كما كان بعض يهود السفارد يمثلون مصالح إسبانيا والبرتغال في الخارج وكانوا بمنزلة سفراء وملحقين تجاريين لها.

وسُمح لبعض أعضاء الجماعة اليهودية بالهجرة إلى إسبانيا في القرن التاسع عشر الميلادي، كما سُمح لهم ببناء معابد خاصة. ثم أُلغي قرار طرد اليهود عام 1931. وتُوجَد هناك، في الوقت الحالي، جماعة يهودية صغيرة ليست لها أهمية تذكر، كما لا تزال تُوجَد بقايا يهود المارانو في البرتغال. وقد بدأت الدولة الصهيونية بتهجير البقية الباقية من يهود المارانو إليها.

إسبانيا
Spain
انظر: «إسبانيا المسيحية».

البرتغال
Portugal
انظر: «إسبانيا المسيحية».

فرديناند (1452-1516) وإيزابيلا (1451-1504)
Ferdinand and Isabella
ملك وملكة إسبانيا اللذان قاما بتوحيدها وكانا يُسمَّيان «الملكين الكاثوليكيين». وقد بدأت محاكم التفتيش نشاطها إبّان حكمهما، وفي هذه الفترة أيضاً اكتُشفت أمريكا.

أما فرديناند، فهو فرديناند الخامس المعروف بالكاثوليكي ملك أراجون. كانت أمه حفيدة امرأة يهودية، وربما يفسر هذا قرب فرديناند من اليهود المتنصرين الذين شغلوا وظائف مهمة وحساسة في بلاطه. وكان عديد من أسرة لاكابالريا، وهم من اليهود المتنصرين، أعضاء في المجلس الملكي. وكان سكرتيره وكثير من كبار المسئولين عن الأمور المالية في مملكته، وكذا قائد أسطوله البحري بل كثير من أعضاء النخبة الدينية المسيحية، من اليهود المتنصرين. ونجح فرديناند في مساعيه لخطب ود إيزابيلا من خلال أحد أعضاء أسرة لاكابالريا بالاشتراك مع يهوديين آخرين لم يتنصرا. ونجح لاكابالريا في الحصول على موافقة أسقف طليطلة على الزواج، وقام دون أبراهام سنيور، وهو يهودي، باستضافة فرديناند حينما كان يزور إيزابيلا سراً، إذ كان أبواها يفضلان أن تتزوج أحد أعضاء الأسرة المالكة في البرتغال أو فرنسا. وقام دون سنيور بتقديم هدية فرديناند إلى إيزابيلا وهي عقد ذهب اشتراه بنقود استدانها من صديقه العزيز ياييم رام وهو ابن حاخام. ومعنى هذا أن فرديناند كان دائماً محاطاً بيهود أو يهود تنصروا. وقد تزوج إيزابيلا في نهاية الأمر عام 1469.

وكانت إيزابيلا (ملكة قشطالة) محاطة هي الأخرى بيهود أو يهود متنصرين، فكان سكرتيرها يهودياً، وقام بكتابة سيرة حياتها يهودي آخر متنصر. وكان كثير من مستشاريها من اليهود، بل إن القس الذي كانت تعترف له كان من أصل يهودي. وكان دون إسحق أبرابانيل، الذي لم يتحول عن عقيدته اليهودية، من أوفى أصدقائها. كما كانت صديقتها الماركيزة دي مويا زوجة أندريس كابريرا وهو من اليهود المتنصرين.

ونجح فرديناند وإيزابيلا في طرد المسلمين نهائياً من شبه جزيرة أيبريا عام 1492. وقام إسحق أبرابانيل وشريكه أبراهام سنيور بتمويل حروب الملكية الكاثوليكية ضد المسلمين. ويمكننا أن نقول، إن أردنا استخدام المصطلح المعاصر، إن اللوبي اليهودي كان قوياً للغاية في الدولة المسيحية الجديدة. ومع هذا، قام الملكان بطرد اليهود من مملكتهما وسمحا لمحاكم التفتيش بمطاردتهم. ولتفسير هذا، يجب أن ننسى العلاقات الشخصية قليلاً ونركز على بعض التحولات البنيوية في الدولة الإسبانية، ومن أهم هذه التحولات وحدة إسبانيا نتيجة الزواج الملكي بين إيزابيلا وفرديناند. والواقع أن هذا الزواج الذي موَّله بعض الممولين اليهود هو نفسه ما جعل اليهود كجماعة وظيفية وسيطة بدون أهمية كبيرة. كما أن الدولة الإسبانية كانت تواجه أزمة سكانية حادة كالأزمة التي تواجهها الدولة الصهيونية في الوقت الحالي، إذ كان الموريسكيون (المسلمون المتنصرون) يتكاثرون بسرعة وزاد عددهم عن 60% من مجموع السكان وبعضهم كان من المسلمين المتخفين. وكانت الدولة الإسـبانية في حاجة شـديدة إلى مادة بشرية تدين لها وحـدها بالولاء، ولكن ثبت أن كثيراً من اليهود المتنصرين هم في الواقع مارانو أي يهود متخفون. وقد بذل الملكان جهوداً غير عادية لإقناع اليهود والمسلمين المتنصرين بالاندماج، ونجحا في إقناع روما بتعيين بعض هؤلاء في وظائف كنسية رفيعة من بينها وظيفة أسقف في إسبانيا. ولكن الشبهات ظلت تحيط بالمتنصرين، فقررت إيزابيلا إقامة محاكم التفتيش. وقد وافقها على ذلك كل من كاتب سيرتها وقسيسها (اليهوديان المتنصران) وتم طرد اليهود بعد سبعة شهور من القضاء على الجيب الإسلامي المتبقي. ومع أن استرجاع شبه جزيرة أيبريا تم بمساعدة بعض القيادات اليهودية، فإن ذلك جعل الجماعة اليهودية ككل أداة عديمة الفائدة، وخصوصاً أن أعضاء الجماعة اليهودية لم يتمكنوا من التحول إلى جماعة وظيفية استيطانية يمكن الركون إليها.

محاكم التفتيش
Inquisitions
توجد ثلاثة أنواع من محاكم التفتيش:

1 ـ محاكم التفتيش الوسيطة التي أسسها البابا جريجوري التاسع عام 1233 وكانت مهمتها التفتيش والبحث عن الهرطقات الدينية بين المسيحيين بعد انتشارها في جنوب فرنسا وشمال إيطاليا مثل الكاثاري والوالدينيز. وكان قضاة هذه المحكمة من رجال الدين الدومينيكان، وكان المتهم المذنب يُسلَّم إلى السلطات الدنيوية لمعاقبته. ورغم أن الحرق كان العقوبة النهائية، فإنه لم يُمارَس إلا في النادر، وعادةً كان الحكم يُلزم المتهم بالتوبة ودفع غرامة والتكفير عن ذنبه بالقيام بأعمال معيَّنة.

2 ـ محاكم التفتيش الإسبانية التي أسسها البابا في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي (عام1471) بناء على طلب الملك فرديناند والملكة إيزابيلا، وللتأكد من إيمان مواطني إسبانيا من المسلمين واليهود الذين اعتنقوا عقيدة الدولة، أي المسيحية الكاثوليكية، ولتَعقُّب السحرة. ومما يجدر ذكره أن هذه المحاكم كانت محاكم «قومية» تابعة للدولة الإسبانية رغم أنها صدرت بمرسوم من الكنيسة الكاثوليكية، ورغم وجود رجال دين مُمثَلين فيها كان من أشهرهم توماس دي تروكيمادا وهو من أصل ماراني وأصبح رمزاً لقاضي محاكم التفتيش الذي يستخدم أدوات التعذيب لإرهاب ضحاياه. وكانت نتائج المحاكمات تُعلَن فيما يُسمَّى «أوتو دي في auto de fé» وهو الاحتفال العام الذي يتم فيه النطق بالأحكام. وكان نفوذ محاكم التفتيش لا يمتد إلى غير المسيحيين. ثم صدر مرسوم في 31 مارس عام 1492 خُيِّر أعضاء الجماعة اليهودية في إسبانيا بمقتضاه بين النفي والتعميد (وقد طُبِّق هذا المرسوم على المسلمين عام 1502). فغادرت أعداد كبيرة من اليهود والمسلمين (نحو ثلاثة ملايين مسلم وما بين 150 إلى 250 ألف يهودي) شبه جزيرة أيبريا. وقد صدر المرسومان بضغط من محاكم التفتيش التي كانت تهدف إلى حماية اليهود والمسلمين المتنصرين من التأثير السلبي لإخوانهم السابقين في الدين. ثم وضعت محاكم التفتيش هؤلاء المتنصرين تحت الرقابة الشديدة للتأكد من صدق إيمانهـم وولائهم للدولة وكانوا يمارسون شعائر دينهم الأصلي في السر. وكان اليهود المتخفون يُسمَّون «المارانو»، أما المسلمون فكانوا يُسمَّون «الموريسكيين».

وتعقبت محاكم التفتيش أعضاء المارانو في البرتغال بل وفي المستعمرات الإسبانية والبرتغالية في جميع أنحاء العالم. ومع ظهور الإصلاح الديني، طاردت محاكم التفتيش العناصر البروتستانتية، ونجحت في القضاء عليهم في شبه جزيرة أيبريا ولكنها فشلت في ذلك في هولندا.

وقد ارتكبت محاكم التفتيش كثيراً من الفظائع، الأمر الذي دفع البابوات إلى التدخل لإيقافها عند حدها. وقد أُلغيت هذه المحاكم في القرن الثامن عشر الميلادي في البرتغال وفي التاسع عشر الميلادي في إسبانيا. ومما يجدر ذكره أن يهود بروفنس قدموا شكوى لمحاكم التفتيش ضد كتابات موسى بن ميمون بسبب هرطقتها، وأمرت المحكمة بحرق كتبه بناء على طلبهم هذا.

3 ـ محاكم التفتيش الرومانية. وهي محاكم كنسية أسسها البابا بول الثالث عام 1542 ليحارب البروتستانتية، واستمرت هذه المحاكم حتى عام 1908 حيث تم تغيير اسمها. وهي تُعدُّ استمراراً لمحاكم التفتيش الرومانية الوسيطة.



الباب الرابع: فرنسـا



فرنســـا من العصــور الوســـطى حتى الثورة الفرنسـية
France from the Middle Ages to the French Revolution
يبدو أن اليهود قد استوطنوا في فرنسا (بلاد الغال) مع القوات الرومانية وأصبحوا مواطنين رومانيين عام 212 ميلادية. وقد تأثر وضعهم حينما تبنَّت الإمبراطورية الرومانية المسيحية ديناً رسمياً عام 340 ميلادية. وكان أعضاء الجماعة اليهودية يعملون في جميع الوظائف والحرف والمهن، مثل الزراعة والتجارة والحرف اليدوية، ولكنهم بدأوا يتحولون إلى جماعة وظيفية وسيطة (يهود بلاط) للحكام والأساقفة في الإمبراطورية الفرانكية. وكان أعضاء الجماعة اليهودية يقومون كذلك بتجارة الرقيق التي كانت تشكل نقطة احتكاك بينهم وبين الكنيسة التي منعت التجارة اليهودية للعبيد في باريس عام 614، بل ومُنع أعضاء الجماعة اليهودية من الاحتفاظ بالعبيد المسيحيين. وتَعمَّق هذا الاتجاه في عهد الأسرة الكارولنجية. ففي عهدي شارلمان (768 ـ 814) ولويس الأول (814 ـ 840)، أصبح أعضاء الجماعة اليهودية جماعة وسيطة تجارية ومالية مهمة، وُضعت تحت حماية الإمبراطور. وهيمنوا على تجارة الاستيراد والتصدير نظير إعطاء عُشر أرباحهم للخزانة الإمبراطورية (مقابل جزء من أحد عشر جزءاً يدفعه التجار المسيحيون). وكانت هناك جماعة يهودية في ليون مركز تلاقي الطرق بين إسبانيا وألمانيا وإيطاليا. ومُنح أعضاء الجماعة اليهودية مواثيق تنص على حماية أملاكهم وعلى إعفائهم من المكوس، وتمنحهم المزايا كأن يعيشوا حسب قوانينهم ويستأجروا المسيحيين، ويشتروا العبيد غير المسيحيين. لكن تنصير مثل هؤلاء العبيد تم حظره لأن هذا من قبيل مصادرتهم. وكان أعضاء الجماعة يمتلكون الأراضي ويعملون بالزراعة، وخصوصاً زراعة الكروم. ولذا، احتكروا تجارة الخمور (وضمن ذلك الخمور التي كانت تستعملها الكنيسة في القُدّاس). وعمل أعضاء الجماعة اليهودية كذلك أطباء وجامعي ضرائب وسفراء. وكان من يُلحق باليهود أي أذى يُنزَل به أشد العقاب. وأُعفيَ أعضاء الجماعة اليهودية من الاستجواب عن طريق التعذيب وهي طريقة للاستجواب كان معمولاً بها في المحاكمات، وعُيِّن قاض لليهود مهمته الدفاع عن المزايا التي اكتسبوها. وفي القرن التاسع، تركز أعضاء الجماعة اليهودية بوادي الرون ومقاطعة شامبين. ولكن، في القرن الحادي عشر، كان شمال فرنسا أكثر المراكز كثافة من ناحية التركز اليهودي. وطُرد أعضاء الجماعة اليهودية من الحـرف المخـتلفة في ذلك التاريخ وبدأوا في احتراف الربا، وتعرضوا لعمليات اعتصار من قبَل النخبة الحاكمة التي كانت تحميهم في تلك الفترة، وخصوصاً من هجمات الصليبيين (الفرنجة في المصطلح العربي)، فكانت تفرض عليهم الضرائب والإتاوات. كما كانت تُلغي ديون من يتطوع للاشتراك في حملات الصليبيين كطريقة للتعبئة. وقد حارب لويس التاسع (1226 ـ 1270) ضد المرابين اليهود، فأعفى رعاياه من ثُلث ديونهم، وتم تضييق الخناق على أعضاء الجماعة اليهودية بموجب قرارات المجمع اللاتراني الرابع (1215)، إلى أن طردهم فيليب الرابع (الذي دأب على نهب طبقات المجتمع كافة) عام 1306 وصادر ممتلكاتهم وحَوَّل الديون التي يستحقونها والتي لم تكن قد سُددت بعد إلى الخزانة الملكية. واستقر اليهود المطرودون في اللورين وبرجندي وسـافوي والمناطق غـير الخاضعة لحكم الفرنسـيين في بروفانـس.

وبعد أن اشتكى الناس من المرابين المسيحيين الذين حلوا محل المرابين اليهود، تم استرجاعهم حيث صُرح لهم بأخذ فائدة مقدارها 43 %، كما سُمح لهم بتحصيل تلك الديون التي لم يحصلوها عند طردهم والتي لم يكن الملك قد حصلها بعد، شريطة أن يدفعوا ثلثي المبلغ للخزانة الملكية. وأخيراً سُمح لهم بشراء معبدهم اليهودي ومقبرتهم وكل كتبهم المصادرة (ما عدا التلمود).

ولكن الأحوال ساءت مرة أخرى في جنوب فرنسا، وخصوصاً مع انتفاضة الرعاة عام 1317. وتم طرد اليهود عام 1322، ولكنهم أعيدوا مرة أخرى عام 1359 إلى أن طردهم شارلز السادس عام 1394 نهائياً. ومع هذا، سُمح لليهود بالبقاء في المقاطعات البابوية في أفنيون.

وشهدت هذه الفترة ازدهار الدراسات التلمودية، حيث كتب راشي تعليقه الشهير على التلمود. وانتشرت أفكار موسى بن ميمون بين بعض المفكرين الدينيين من أعضاء الجماعات اليهودية، الأمر الذي جعل قادة الجماعة اليهودية يشون بهم إلى محاكم التفتيش التي قامت بإحرق كتب ابن ميمون.

وظلت فرنسا خالية تقريباً من اليهود حتى أواخر القرن السادس عشر حيث بدأت جماعات المارانو في الاستيطان بمقاطعتي بوردو وبايون. وكانت أعداد المستوطنين صغيرة لا تتعدى بضعة آلاف، وكانت أكبر الجماعات تُوجَد في بوردو حيث تَمتَّع أعضاء الجماعة بمكانة اقتصاديـة عاليـة، فكانوا يعملـون بالتجارة الدولية والأعمال المالية المتقدمة، كما كانوا يمتلكون رؤوس أموال كبيرة نسبياً وسفناً تجارية. ولذا، اشتركوا في التجارة المثلثة الزوايا: شحن البضائع الأوربية الرخيصة إلى الساحل الأفريقي، وتحميل هذه السفن بالعبيد الذين كانوا يُباعون في المزارع الأمريكية والكاريبية، ثم عودتها من العالم الجديد لأسواق أوربا حاملة المنتوجات الاستوائية كالسكر والنيلة والتبغ وغيرها من السلع. وفي القرن الثامن عشر، تم الاعتراف بيهود المارانو المتخفين كيهود، وذلك بعد أن كان القانون يعتبرهم مسيحيين رغم علم السلطات بأنهم يهود. وابتداءً من عام 1552، بدأت الصبغة الإثنية والثقافية لأعضاء الجماعة اليهودية في التغير إذ ضمت فرنسا مدينة متز في ذلك العام وتم ضم الألزاس (1648) واللورين (1733)، وأدَّى هذا إلى زيادة عدد اليهود الإشكناز زيادة كبيرة، وقد كان يبلغ عددهم في هاتين المقاطعتين نحو 20 ألفاً، وتم وضعهم تحت الحماية الملكية. وكان الإشكناز متخلفين ومختلفين من الناحية الحضارية، ومنعزلين ثقافياً. ومن ثم، بدأت المسألة اليهودية تطل برأسها، وخصوصاً بعد اكتشاف تَلاعُب بعض أعضاء الجماعة في الأعمال التجارية. وطُرحـت قضيـة إصـلاح اليهود، وبُذلت عدة محاولات لتطبيعهم، وأعلنت أكاديمية متز عن مسابقة لكتابة دراسة عن السبل الممكنة لإصلاح اليهود عام 1785. وتم تشكيل لجنة لإصلاح يهود الألزاس، كان من بين أعضائها قيادات الجماعة السفاردية في جنوب فرنسا.

فرنســـــا منــــذ الثـــــورة
France since the Revolution
كان عدد أعضاء الجماعات اليهودية في فرنسا عند نشوب الثورة الفرنسية لا يزيد على 40 ألفاً، تُوجَد أغلبيتهم الساحقة (نحو 20 ـ 25 ألفاً) في الألزاس، ونحو 3500 في متز وضواحيها، ونحو 4000 في اللورين. وفي إحصاء آخر، قيل إن عدد يهود الألزاس واللورين وحدهـم كان نحـو 40 ألفـاً، وأن هؤلاء كانوا من الإشـكناز ويهود اليديشية. ولم يكن يُوجَد سوى 3300 (سفارد) منهم 2300 في بوردو و1000 في بايون. كما كان يوجد حوالي 2500 يهودي في المقاطعات البابوية (يهود أفنيون) وحوالي 500 في باريس (وكانوا خليطاً من الإشـكناز والسـفارد). وكانت نسـبة اليهود إلى عـدد السـكان صغيرة للغاية، إذ كانت لا تزيد على 0.5%.

وحينما اندلعت الثورة الفرنسية، لم تجر إثارة أي جدل بشأن اليهود السفارد الذين كانوا يشكلون جزءاً عضوياً من المجتمع الفرنسي والذين كانوا يتحدثون إما اللغة الفرنسية أو اللادينو وهي رطانة إسبانية قرىبة الشبه بالفرنسية، وكانوا يعملون في التجارة الدولية بل وفي الصناعة ويتمتعون بمعظم حقوق المواطنين الفرنسيين ويعيشون في المناطق الساحلية. وكان نظامهم التعليمي متطوراً، فعلى سبيل المثال قاموا هم أنفسهم بحظر تدريس التلمود في مدارسهم منذ عام 1760. وكانوا قد حصلوا على حق السكنى في أي مكان بفرنسا، وحق إقامة شعائرهم بحرية كاملة. ولكل هذا، فإن منح اليهود السفارد في جنوب فرنسا وفي أفينيون، حقوقهم المدنية بالكامل، كانت مسألة شكلية تمت دون مناقشة في يناير عام 1790. أما اليهود الإشكناز، في الألزاس واللورين وغيرهما من المناطق، فكانوا محور المناقشة بسبب تَميُّزهم الوظيفي والثقافي، كما كانوا محط احتقار إخوانهم من السفارد. فكان الزواج المختلط بين الفريقين محظوراً، بل إن السفارد منعوا الإشكناز من الاستقرار في مقاطعة بوردو التي كان السفارد يوجدون فيها بأعداد كبيرة. وإلى جانب هذا، كان اليهود الإشكناز محط كراهية عميقة من الجماهير المسيحية. وعشية الثورة الفرنسية نوقشت المسألة اليهودية الإشكنازية، والتي تم طرحها على النحو التالي: هل اليهود فرنسيون أم أنهم أمة داخل أمة؟ وعزف أعداء اليهود على نغمة «الخطر اليهودي» وأشاروا إلى أن اليهود جسم متماسك غريب منبوذ، ولذا فلابد من التخلص منه (وهي نفسها الفكرة التي عبَّرنا عنها بعبارة الشعب العضوي المنبوذ). أما العقلانيون، فكانوا يطرحون الخط الاندماجي الذي يرى أن مشكلة اليهود الإشكناز ليست مسألة كامنة في طبيعتهم وإنما تنبع من وضعهم الشاذ ومن إنكار حقوقهم السياسية والمدنية، وأن الحل يكمن في تحديث اليهود وإعتاقهم، أي إعطائهم حقوقهم كاملة وتشجيعهم على الاندماج مقابل أن يتخلى اليهود (وكل أعضاء الأقليات الأخرى) عن خصوصيتهم اللغوية والثقافية والإثنية في الحياة العامة. وهذا هو المعنى الذي تضمنته عبارة « أن يصبح اليهودي مواطناً في الشارع، يهودياً في منزله ». وقد وصل هذا الخط قمته إبّان حكم الإرهاب (1793 ـ 1794) وهي المرحلة التي وصلت فيها عبادة العقل ذروتها، والتي شارك فيها أعضاء من الجماعة اليهودية، فأُغلقت كل دور العبادة المسيحية واليهودية باعتبارها تعبيراً عن خصوصيات غير طبيعية وانحرافاً عن فكرة الإنسان الطبيعي. ومُنعت الجماعة اليهودية من ممارسة بعض شعائرها باعتبار أنها لا تتفق مع العقل، وإن كان لم يرسل أي يهودي للمقصلة بسبب عقيدته.

ومَنحت الثورة أعضاء الجماعات اليهودية كل حقوق المواطنين، وحاولت دمجهم في المجتمع عن طريق فتح المدارس لأبنائهم، وتشجيعهم على التخلي عن تميزهم الوظيفي. وجاء في أحد قرارات الثورة « إن الحقوق هي حقوق تمنح للأفراد من أتباع العقيدة اليهودية، وليست للأقلية اليهودية باعتبارها جماعة متماسكـة »، وهـو ما عبَّر عنه شـعار « لليهود أفراداً كل شيء، ولليهود جماعة لا شيء ». وحاول الإشكناز من جانبهم الإبقاء على عزلتهم المتمثلة في القهال وفي رفض المؤسسات الحديثة التي أنشأتها الثورة. ففي عام 1808، كان عدد الأطفال اليهود في اللورين والألزاس الذين يذهبون إلى المدارس الحكومية لا يزيد على 10%. ومما زاد المسألة اليهودية الإشكنازية تفاقماً، أن كثيراً من الفلاحين الفرنسيين (نحو 400 ألف) الذين اشتروا أراضي كبار الملاك التي صادرتها الثورة اقترضوا الأموال اللازمة لإتمام هذه العملية من المرابين اليهود الذين بلغ عددهم ثلاثة أو أربعة آلاف مراب. ولكنهم عجزوا عن تأدية ديونهم، وهو ما جعل أعضاء الجماعة اليهودية محط السخط الشعبي في الفترة ما بين 1802 و1805. ومن هنا طرحت المسألة اليهودية نفسها على نابليون.

وقد كان لدى نابليون بعض الخبرة بشأن أبعاد المسألة اليهودية بسبب احتكاكه ببولندا، بعد أن أعاد تنظيم مركز بولندا في شكل دوقية وارسو. وكان قد انتهى لتوه من تنظيم علاقة الدولة بالكنيسة الكاثوليكية والكنيسة البروتستانتية، ولم يبق سوى تنظيم علاقتها باليهودية. فأوقف كل الديون، ثم دعا عام 1806 إلى عقد مجلس ضم مائة عضو من وجهاء اليهود في الأراضي الخاضعة لحكم فرنسا. وترأس مجلس الوجهاء يهودي سفاردي من بوردو، وطرح عليهم اثنى عشر سؤالاً عن موقف اليهود من بعض القضايا الاجتماعية والاقتصادية والدينية المهمة المتعلقة بعلاقتهم بوطنهم، وهل يعتبرون أنفسهم أجانب أم فرنسيين؟ وهل هم على استعداد للدفاع عن الوطن؟ وهل تشجع اليهودية على الربا الفاحش أم لا؟ وهل هناك تناقض بين الإجراءات اليهودية والقانون الفرنسي بشأن الزواج والطلاق؟ وهل يُسمَح لليهود بالزواج من المسيحيين؟ وكانت الإجابات في معظمها إما بالإيجاب وإما بالمراوغة. وقرر المجلس أن اليهودي يتعيَّن عليه أن يعتبر الأرض التي وُلد عليها وطنه، وعليه أن يدافـع عنهـا، كما يتعيَّن على كل يهــودي أن يعتبر بقية المواطنين إخوته. كما أكد المجلس أن الشريعة اليهودية وقوانينها لا تتناقض البتة مع القانون الفرنسي المدني، فاليهودية تَحظُر تعدد الزوجات، وقرر أن الطلاق (بحسب الشريعة اليهودية) لا يصبح شرعياً إلا بعد الطلاق المدني، وأن الزواج (بحسب الشريعة اليهودية) لا يصبح شرعياً إلا إذا سبقه زواج مدني. وبينت قرارات المجلس أن اليهودية لا تُحرِّم أية حرف يدوية أو وظائف وأن من المحبب لليهودي أن يعمـل في الزراعـة والأعمال اليدوية كما كان يفعل أسلافه في فلسطين. كما بيَّنت أن اليهودية تحرم على اليهودي أخذ فائدة ربوية من المسيحي أو اليهودي. ثم دعا نابليون في فبراير 1807 إلى مؤتمر أطلق عليه «السنهدرين الأكبر» يضم الحاخامات وبعض اليهود من غير رجال الدين ليؤكد القرارات التي توَّصل إليها هؤلاء الوجهاء. وقد أعلن السنهدرين ولاءه الكامل للإمبراطور، وبطلان أية جوانب في التراث اليهودي تتناقض مع ما يتطلبه واجب المواطنة. وصدَّق السنهدرين على قرارات مجلس الوجهاء، كما أصدر قوانين تمنع تعدد الزوجات والربا وأخرى تحتم إجراء الطلاق المدني.

وأصدر نابليون بعد ذلك قراراته الخاصة بتنظيم علاقة اليهودية بالدولة الفرنسية. ففي عام 1808، أصدر مرسومين تم بمقتضى الأول إقامة نظام من المجالس الكنسية (بالفرنسية: كونسيستوار Consistoire)، وهي لجان من الحاخامات والرجال العاديين للإشراف على الشئون اليهودية تحت إشراف مجلس كنسي مركزي. وكان من مهام هذه المجالس أن ترعى معابد اليهود وغيرها من المؤسسات الدينية، وتنفذ قوانين التجنيد وتشجع اليهود على تغيير المهن التي يشتغلون بها. أما المرسوم الثاني، فقد اعترف باليهودية ديناً كما ألغى (أو أنقص أو أجل) الديون اليهودية المستحقة للمرابين الإشكناز، وأُعفي السفارد من ذلك المرسوم. وأصبح الحاخامات مندوبين للدولة مهمتهم تعليم أعضاء الجماعات اليهودية تعاليم دينهم وتلقينهم الولاء للدولة وأن الخدمة العسكرية واجب مقدَّس. وكان على الحاخامات توجيه أعضاء الجماعات اليهودية إلى الوظائف النافعة. وقد اعترفت الحكومة الفرنسية باليهود بوصفهم أقلية، وأصبح لهم كيان رسمي داخل الدولة، فحصلوا على حقوقهم ومُنحوا شرف الجندية ولم يعد يُسمح لهم بدفع بدل نقدي، وشُجعوا على الاشتغال بالزراعة. وحرَّم نابليون على اليهود الإشكناز الاشتغال بالتجارة دون الحصول على رخصة بذلك، ولم تكن الرخصة تُجدَّد إلا بعـد التأكـد من مدى إحسـاس التـاجر اليهودي بالمسئولية الخلقية. كما طُلب إلى أعضاء الجماعات اليهودية أن يتخذوا أسماء أعلام وأسماء أسر دائمة على الطريقة الغربية. ورغم أن الأدبيات اليهودية والصهيونية تطلق على هذه القرارات اسم «القرار المشين»، فإنه كان قراراً مرحلياً يهدف إلى تحديث اليهود (ولذا، فإنه لم يُطبَّق على السفارد). وقد نجح بالفعل في دمجهم بالمجتمع الفرنسي. وبحلول عام 1811، كانت أعداد كبيرة من اليهود تعمل بتجارة الجملة والحرف وكان قد تم تطبيعهم إلى حدٍّ كبير. وبعد مرور الفترة الانتقالية التي حددها القرار، لم تنشأ أية حاجة إلى فترة انتقالية أخرى.

ومما يجدر ذكره أن نابليون تبنَّى، في إطار محاولته تأسيس الدولة الفرنسية الحديثة، سياسة تهدف إلى دمج أعضاء الجماعات اليهودية، كما دعاهم إلى نبذ خصوصيتهم. ولكنه تبنَّى سياسة مغايرة تماماً في إطار سياسته الإمبريالية، إذ دعاهم للعودة إلى فلسطين لإحياء تراثهم العبري القديم مستخدماً ديباجات صهيونية تؤكد أن اليهود ليسوا أقليات دينية تندمج في أوطانها وإنما شعب عضوي يجب أن يُرحَّل إلى فلسطين. وبهذا، فإن نابليون كان يهدف إلى تصفية اليهود بوصفهم جماعة وظيفية تجارية داخل فرنسا ثم توظيفهم كجماعة استيطانية قتالية خارجها (وهذا هو جوهر الحل الصهيوني للمسألة اليهودية).

وبعد عودة الملكية، استمرت سياسة إعتاق أعضاء الجماعات اليهودية ودمجهم بشكل يكاد يكون كاملاً، فبرز كثير من أعضاء الجماعات اليهودية في الحياة العامة، بل تَنصَّرت أعداد كبيرة من أعضاء النخبة اليهودية، وبدأت أعداد منهم تدخل النخبة الحاكمة. ولم تتوقف هذه العملية مع الإمبراطورية الثانية، فانتُخب أول نائب يهودي في البرلمان عام 1834 وعُيِّن أدولف كريميه وزيراً. وحققت أسرتا روتشيلد وبريير صعوداً في عالم المال. والتحق كثير من أعضاء الجماعات اليهودية بالقوات العسكرية، ورُقي الضباط منهم إلى أعلى الرتب. ومُنح يهود الجزائر الجنسية الفرنسية عام 1870، ومن ثم تم تحويلهم إلى مادة بشرية استيطانية دمجت في الجماعة الاستيطانية البيضاء. ويمكن القول بأن مصير يهود فرنسا ارتبط تماماً بمصير فرنسا والفرنسيين، أي أنهم حققوا درجة عالية من الاندماج. وبرغم كل التعثرات فيما بعد، فإن فرنسا أثبتت قدرة غير عادية على استيعاب اليهود بل وهضمهم حتى أن يهود اليديشية كانوا يعبِّرون عن دهشتهم لهذه المقدرة، فكانـوا يشــيرون إلى فرنسـا بأنها « البلد الذي يأكل اليهود ».

ومع هذا، ظهرت موجة معاداة اليهود ابتداءً من منتصف القرن التاسع عشر. ويمكن إرجاع هذه الموجة إلى الأسباب التالية:

1 ـ يُلاحَظ أن منتصف القرن التاسع عشر شهد بدايات وفود عمالة أجنبية يهودية إلى فرنسا، وقد تزايدت معدلات الهجرة منذ عام 1881. وساهمت هذه العمالة الأجنبية اليهودية في خلخلة وضع أعضاء الجماعة اليهودية وفصلهم عن مجتمعاتهم إذ بدأ يتم الربط بين اليهودي المحلي المندمج واليهودي الوافد، بحيث يصبح الجميع «يهوداً غرباء» دون تمييز أو تفرقة أو تخصيص (وهذه هي طبيعة الفكر العنصري دائماً). ومما زاد الطين بلة أن معظم الوافدين كانوا من شرق أوربا ووسطها ويتحدثون اليديشية (وهي رطانة ألمانية) أو الألمانية نفسها. وكانت ألمانيا عدو فرنسا الأكبر في ذلك الوقت. ويُلاحَظ أنه، في عام 1880، كان 90% من يهود فرنسا يهوداً أصليين منحدرين من يهود العصور الوسطى، أي أنهم كانوا فرنسيين. ولكن بسبب الهجرة، أخذت النسبة تتناقص حتى وصلت عام 1940 إلى 15%.

واستمر هذا التيار دون توقُّف، فكلما كان أعضاء الجماعات اليهودية يحققون معدلات عالية من الاندماج في محيطهم الحضاري كانت تأتي موجة جديدة وافدة فيعاد تصنيفهم لا على أساس ما حققوه من اندماج وإنما على أساس الهوية الأجنبية للوافدين. وهذا ما حدث مرة أخرى في الستينيات، حينما هاجر يهود المغرب العربي إلى فرنسا، فدعموا الخصوصية الإثنية اليهودية على حساب الاندماج، وأصبحوا يشكلون أغلبية يهود فرنسا. ومع هذا، يجب التمييز بين يهود شرق أوربا ويهود المغرب العربي، فمعظم الوافدين من شرق أوربا ووسطها كانوا يتحدثون اليديشـية، ولذا لم يمكنهـم تحقيق الاندمـاج اللغوي بسرعة، كما أنهم كانوا يعملون بمهن مشينة مثل الربا والبـغاء، ويعيشـون على هامـش المجتـمع اقتصادياً وحضارياً. هذا على عكس يهود العالم العربي الذين كانت تتحدث أغلبيتهم الساحقة بالفرنسية وكانت أعداد كبيرة منهم تحمل الجنسية الفرنسية بالفعل (مثل يهود الجزائر) كما أنهم كانوا يحملون خبرات يحتـاج إليها المجتـمع الفرنسـي. ولذا، لم تكن عمـلية دمجـهم صعبة.

2 ـ لم يكن قد تم بعد دمج يهود الألزاس واللورين الذين كانوا مرتبطين بالتراث الألماني أيضاً. كما أن أعداداً منهم كانت تقوم بالتجسس لحساب كل من الألمان والفرنسيين، الأمر الذي كان يزيد شكوك أعضاء الأغلبية منهم. وتنبه يهود فرنسا إلى خطورة الوضع فأسَّسوا عام 1860 جماعة الأليانس، وهي جماعة توطينية تهدف إلى تحويل الهجرة اليهودية عن فرنسا وإلى دمج العناصر اليهودية الوافدة، كما لعبت دوراً مهماً في فرنسة يهود البلاد العربية والإسلامية التي احتلتها فرنسا.

3 ـ يُلاحَظ أن عملية إعتاق أعضاء الجماعات اليهودية ودمجهم، جعلتهم يتحركون من الهامش الاقتصادي إلى المركز، فبدأوا يحققون حراكاً اجتماعياً غير عادي يجعلهم مركزاً للحقد والحسد. والعمالة الوافدة عادةً ما تكون لديها مقدرة عالية على التنافس مع العمالة المحلية إذ تقنع بمستوى معيشي أقل، ومن ثم بأجور أقل، ولم يكن العمال من يهود اليديشية استثناء من القاعدة. وأدَّى الكساد الاقتصادي الذي كان سائداً آنذاك إلى تَفاقُم الأزمة وتَزايُد الحقد ضد الوافدين الأكفاء.

4 ـ كان معظم يهود فرنسا مُركَّزين في باريس، وهو ما جعل لهم وجوداً ملحوظاً كعنصر اقتصادي ناجح. وشهدت الفترة صعود أسرتي روتشيلد وبريير، الأمر الذي ربط في الذهن الشعبي بين اليهود والرأسمالية والمضاربات والإحساس بأن ثمة هيمنة مالية يهودية على الرأسمال، وهو موضوع نجده بشكل أساسي في كتابات كثير من الاشتراكيين الفرنسيين والمعادين لليهود. ومما قوى هذا الإحساس فضيحة قناة بنما التي ألحقـت الضرر بكـثير من أعضـاء الطبقـة الوسطى. وكان بعض المموِّلين اليهود متورطين في هذه الفضيحة. كما أن إفلاس بنك يونيون جنرال، وهو بنك كاثوليكي، جعل الكثيرين يشيرون بأصابع الاتهام إلى اليهود.

5 ـ كانت تُوجَد عناصر يهودية كثيرة في صفوف الحركات الثورية في أوربا، كما أن أعضاء الجماعات اليهودية كانوا يمثلون عنصراً بارزاً في الصراع بين العلمانيين والكنيسة الكاثوليكية، الأمر الذي ربط في الذهن الشعبي بين اليهود والثورة.

6 ـ أشرنا من قبل إلى أن ثمة خطابين فرنسيين تجاه اليهود، أحدهما اندماجي والآخر صهيوني. وقد تصاعدت حدة الخطاب الصهيوني مع تزايد اهتمام فرنسا بالشرق، وخصوصاً لبنان. ونشر إرنست لاهاران (سكرتير نابليون الثالث) كتيباً صهيونياً يدعو إلى توطين اليهود في فلسطين. ووفدت الصهيونية أيضاً مع المهاجرين من يهود اليديشية. وهي تساهم ولا شك في خلق فجوة بين أعضاء الجماعة اليهودية والمجتمع.

7 ـ يُلاحَظ تركز أعضاء الجماعات اليهودية في العاصمة. فبعد أن ضمت ألمانيا الألزاس واللورين، بلغ عدد يهود فرنسا ستين ألفاً، منهم أربعون ألفاً في باريس. ومع نهاية القرن التاسع عشر، كان 60% من جملة يهود فرنسا في باريس والبقية في مدن أخرى، أي خارج القرى والمناطق الزراعية. وعلى كلٍّ، فإن هذا هو النمط السائد بين أعضاء الجماعات اليهودية في العصر الحديث. وما يهمنا هنا هو أن الأغلبية الساحقة من الشعب الفرنسي لم يكن لها أي احتكاك بأعضاء الجماعة اليهودية، وأنها حينما كانت تحتك بهم كانت تتعرف على أقلية أجنبية حضرية لا يجيد كثير من أعضائها الحديث بالفرنسية، ولا يعرف الكثير منهم شيئاً عن الحضارة الفرنسية، الأمر الذي كان يؤدي إلى ترسيخ الأنماط الإدراكية السائدة الثابتة المتصلة بتَميُّز اليهود وعزلتهم.

لكل ما تقدَّم، شهدت أواخر القرن التاسع عشر تَعاظُم الاتجاه نحو معاداة اليهود، وانفجر ذلك في قضية دريفوس. ويجب التأكيد على أن العداء لدريفوس، الذي جاء من الألزاس، كان جزءاً من عداء عام تجاه الأجانب مثل الإيطاليين، بل والأقليات الفرنسية مثل الأوكستينيان والأوفيرنيان، كما يجب التأكيد على أن الصراع كان يدور لا بين اليهود والأغيار وإنما بين العلمانيين والمتدينين. ولذا، فحينما حُسمت القضية عام 1905، اتخذ العلمانيون إجراءات مشددة وتم فصل الدين عن الدولة تماماً.

واستمرت عملية الدمج بعد ذلك التاريخ. وأثناء احتلال الألمان لفرنسا، تعرَّض المجتمع الفرنسي لإرهاب قوات الاحتلال النازية الذي لحق بأعضاء الجماعات اليهودية مثلما لحق بالشيوعيين وأعضاء المقاومة والكنيسة. وتم ترحيل آلاف اليهود الفرنسيين إلى معسكرات الاعتقال ضمن الألوف التي رُحِّلت من أعضاء المقاومة والشيوعيين وغيرهم من العناصر غير المرغوب فيها. وبلغ عدد المرحَّلين من اليهود خمسة وسبعين ألفاً، الأمر الذي يعني أن الشعب الفرنسي حمى ما يزيد على ثلثي يهود فرنسا البالغ عددهم 260 ألفاً (عام 1936).

فرنسا في الوقت الحاضر
France at the Present
استقرت في فرنسا، بعد الحرب العالمية الثانية، أعداد من المهاجرين اليهود الذين قدموا من التجمعات اليهودية الأخرى التي اقتلعها النازيون. وفي الستينيات، هاجرت أعداد كبيرة من العالم العربي فوصل إلى إسرائيل نحو مائة ألف يهودي من مصر والمغرب وتونس في الفترة 1954 ـ 1961، كما هاجر يهود الجزائر البالغ عددهم 110 آلاف عام 1963. ثم انضم إليهم آخرون حتى أصبحوا يشكلون أغلبية يهود فرنسا البالغين نحو 535 ألفاً عام 1967. ويُقال إن نسبة السفارد هي 54%، إن قمنا بضم أعضاء الجيلين الأول والثاني من أبناء المهاجرين. ولكن إن استبعدناهم، فإن غالبية يهود فرنسا وُلدوا فيها، و95% من يهود فرنسا ممن هم تحت سن العشرين من مواليدها.

وفيما يلي جدول يبيِّن تعداد اليهود في فرنسا:

السنة /عدد أعضاء الجماعة اليهودية /نسبتهم إلى عدد السكان

1851 / 73.975 / 0.2

1900 / 80.000 / 0.25

1914 / 100.000 / 0.25

1933 / 240.000 / 0.57

1939 / 300.000 / 0.6

1945 / 180.000 / 0.4

1950 / 235.000 / 0.6

1955 / 300.000 / 0.7

1961 / 350.000 / 0.8

1963 / 500.000 / 1.1

1966 / 520.000 / 1.08

1968 / 535.000 / 1.07

وقد استقر عددهم عند تلك النقطة.

ويُلاحَظ أنه، في عام 1870، زاد عدد يهود فرنسا إلى 40 ألفاً بسبب منح يهود الجزائر الجنسية الفرنسية. ولكن عددهم نقص حينما ضمت ألمانيا الألزاس واللورين اللتين كانتا تضمان 30 ألف يهودي.

ويمكننا الآن تناول إشكالية موت الشعب اليهودي في فرنسا. فرغم تَزايُد عدد يهود فرنسا، فإن هذا التزايد لم يتم من خلال التكاثر الطبيعي وإنما من خلال عملية هجرة من الخارج، وقد بدأت هذه الهجرة تفقد مفعولها. ويتنبأ الدارسون بأن يأخذ عدد يهود فرنسا في التناقص، وأنه قد لا يتجاوز 200 ألف مع بداية القرن القادم. والأسباب التي ستؤدي إلى ذلك هي الأسباب المألوفة في مثل هذه الظاهرة. ومن أهم هذه الأسباب تَميُّز البناء الوظيفي والمهني لليهود. ويتوزع يهود فرنسا في الوظائف والمهن التالية:

21% في وظائف إدارية عليا.

47% في وظائف إدارية متوسطة وكتابية.

10% عمال صناعيون ويدويون.

16% تجار.

كما أن مستواهم التعليمي عال للغاية، إذ حصل 25% من جملة يهود فرنسا على تعليم عال. وتصل النسبة إلى 50% من المرحلة العمرية 25 ـ 30، وهذا ينطبق على أولاد المهاجرين المغاربة، وهذا يعني أنهم حققوا حراكاً اجتماعياً سريعاً وبدأوا يتحولون إلى طبقة وسطى شأنهم في هذا شأن بقية يهود فرنسا. فبعد أن اختفى العمال اليهود من أصل أوربي، وحل محلهم العمال اليهود من أصل مغربي، نجد أن هؤلاء أيضاً في طريقهم إلى الاختفاء لأن أبناء العمال المغاربة المهاجرين يدخلون المدارس ليحققوا حراكاً اجتماعياً عن طريق الحصول على وظائف إدارية راقية والانخراط في مهنة من المهن الممتازة كالطب والتدريس في الجامعة أو في قطاع من القطاعات المتميِّزة كالعلماء. وتزايد معدل التعليم بين أبناء المهاجرين الذين يدخلون الجامعات ثم يعملون بعد ذلك في قطاع التأمين والبنوك وقطاع الخدمات. وتُوجَد أعداد كبيرة من اليهود المغاربة والجزائريين في الوظائف الحكومية، وربما كان هذا جزءاً من ميراثهم الاقتصادي بوصفهم جماعة وظيفية وسيطة بين الاستعمار الفرنسي والسكان العرب المحليين. ولكن، مهما يكن الأمر، فإن هذا يعني أن اليهود يتحولون إلى مهنيين. والمهني يرتبط بعملائه ويقبل قيمهم، الأمر الذي يجعل عنده قابلية أعلى للاندماج والانصهار.

والبناء الوظيفي والمهني لليهود يعني أن الريف الفرنسي لا يزال خالياً تماماً من اليهود وأنهم لا يزالون في العاصمة، وفي مدن مثل مارسيليا وليون وتولوز ونيس وستراسبورج. ويبدو أن أعداداً كبيرة من المهاجرين من العالم العربي آثرت الاستقرار في جنوب فرنسا لأن الجو والطبيعة يذكرانهم بأوطانهم السابقة وهذا يفسر ظهور الجماعات اليهودية في مدن الجنوب: نيس وتولوز وليون ومارسيليا. هذا على عكس المهاجرين من أوربا الشرقية الذين يفضلون الاستقرار في الألزاس واللورين. ومن المعروف أن سكان المدن عادةً لا يتكاثرون بوتائر عالية.

ويُلاحَظ أن معدل إنجاب المرأة الفرنسية اليهودية هو 2.4 لكل امرأة، وهي نسـبة عاليـة إلى حـد ما وتفوق النسـبة العالمية للمرأة اليهودية. ولكن يُلاحَظ أن معدل إنجاب المرأة اليهودية الفرنسية من أصل غربي هو 1.7 طفل، وهو ما يعني أنه مع تزايد معدلات الاندماج سـتتناقص الخصـوبة وتختفي الأنماط التي أحضرها اليهود المغاربة معهم. والجماعة اليهودية في فرنسا جماعة مسنة، ذلك أن نحو 37% منهم فوق سن 45، وستتزايد كل هذه الظواهر وتتفاقم حدتها مع تَصاعُد معدلات الاندماج والعلمنة.

ورغم ضخامة حجم الجماعة اليهودية، فلا يوجد في أية مدينة من مدن فرنسا أي حي يهودي يشكل إطاراً للحفاظ على الهوية اليهودية، كما كان يوجد في شمال أفريقيا وكما يوجد حالياً في الولايات المتحدة (ومع هذا، فإن أحياء اليهود في الولايات المتحدة هي نفسها تعبير عن الاندماج في مجتمع فيدرالي يسمح للأقليات والجماعات أن تحتفظ بتلك الأبعاد من هويتها وهو ما لا يتنافى مع الولاء القومي).

ولكن مشكلة الهوية اليهودية في فرنسا مشكلة خاصة إلى أقصى حد ومتداخلة. فهناك اليهود من أصل إشكنازي. وهؤلاء، مثل اليهود الأصليين، اندمجوا تماماً في المجتمع الفرنسي الذي يوشك أن يهضمهم كما هضم الألوف غيرهم من قبل. بقي بعد ذلك هوية اليهود المغاربة الذين يُقال لهم «السفارد». ويُلاحَظ أن أغلبية يهود العالم العربي سفارد بمعنى خاص جداً. فهم ليسوا من السفارد الأصليين، بمعنى أنهم لا يتحدثون اللادينو ولا يشاركون في التراث الحضاري الثري ليهود إسبانيا. وكثير من يهود المغرب من أصل بربري واكتسبوا الصفة السفاردية من المهاجرين من إسبانيا في القرن السادس عشر. ولذا، فهم يهود مغاربة يتحدثون العربية ويكتسبون إثنيتهم من تفاعلهم مع التراث العربي ومن خلاله، ويتعبدون على الطريقة السفاردية، وأغلبيتهم الساحقـة تعرف الفرنسـية كما هـو الحال مع كثير من أهـل المغرب العربي. ويبدو أن جماعة الأليانس لعبت دوراً أساسياً في إعدادهم ثقافياً للاندماج في المجتمع الفرنسي. فالأليانس مؤسسة فرنسية يهودية. لكن يُلاحَظ أنه بينما لم تهتم الأليانس بالدراسات اليهودية في فرنسا نفسها، فإن مناهج الدراسة التابعة لها، في بلاد مثل المغرب وتونس ولبنان وسوريا مختلطة، أي فرنسية ويهودية. ولتفسير هذا التناقض، يمكننا أن نقول إن هذه المدارس باعتبارها ممثلة للثقافة والاستعمار الفرنسيين، كانت تريد أن تصبغ اليهود بصبغة فرنسية كي يقوموا بدور الجماعة الوظيفية الاستيطانية والوسيطة. ولكن تَوجُّه يهود البلاد العربية كان توجهاً دينياً، ولذا، لم يكن ثمة مفر أن تضم المناهج بعض المواد الدينية لتكون وسيلة جذب لليهود حتى لا ينفروا من المدارس الجديدة ولا يدركوا الهدف الحقيقي منها. وهذه على كلٍّ هي الطريقة المثلى للتحديث والعلمنة في المراحل الانتقالية، أي أن تتم العلمنة من خلال الخطاب الديني لا على الرغم منه. وكان هناك 19.570 ألف طالب في مدارس الأليانس في الشرق العربي والبلاد الإسلامية حتى عام 1969 ـ 1970.

ومع هذا، تجب الإشارة إلى أن يهود البلاد الإسلامية انجذبوا بشكـل غـير عــادي للثقافــة الفرنســية. فمــع أن يهود مصر كان من الممكن أن يدرسوا الإنجليزية، ويهود ليبيا الإيطالية، فإن معظمهم آثر أن يتعلم الفرنسية، ولعل هذا يعود إلى الخلفية السفاردية.

وقد أكد المهاجرون اليهود، من المغرب بالذات، خصوصيتهم اليهودية التي اكتسبوها من مجتمعهم العربي. وهنا تكمن المفارقة، ذلك أن عملية دمجهم في المجتمع الفرنسي تنتهي بهم إلى فقدان تراثهم الشعبي ذي الأصول العربية، وتراثهم ذي النكهة العربية الذي يشكل مصدر خصوصيتهم المغربية اليهودية. فيهوديتهم كامنة في انتمائهم المغربي. ولم يستقبل يهودُ فرنسا يهودَ العالم العربي بكثير من الترحاب بل قابلوهم بشيء من العداء (تماماً كما حدث مع يهود اليديشية من قبل). وهم يُطلقون على اليهود المغاربة «كوشر كُسْكُسْ»، الأمر الذي يبيِّن مدى تَداخُل خصوصيتهم اليهودية بإثنيتهم العربية. فكلمة «كوشر» تعني الطعام المباح شرعاً (حسب الشريعة اليهـودية)، و«كُسْـكُسْ» هو بطبيـعة الحـال الطعـام المغــربي الشهير، وهما في حالة يهود المغرب مرتبطان ارتباطاً عضـوياً بحيث يكــون الواحـد منهمـا كامنــاً تماماً في الآخر ولا يمكن فصلهما. ولذا، فمن المتوقع أن يؤدي تَزايُد فرنسة المهاجرين المغاربة إلى تَزايُد درجة انصهارهم (وليس اندماجهم)، فمع أن لهم هويتهم الواضحة إلا أن قابليتهم لمثل هذا الانصهار واضحة بسـبب حرصهم الشـديد على الانتماء للمجتمع الجديـد. ولذا، فإن المتوقع أن تقوم فرنسا بهضم اليهود المغاربة أيضاً ضمن من هضمت من أجانب.

أما فيما يتصل بالعقيدة اليهودية، فقد خلقت الإصلاحات النابليونية الإطار اللازم لتحديث اليهودية من الخارج، وذلك من خلال المجالس الكنسية وتحويل الحاخامات إلى موظفين في الحكومة ومن خلال إشراف الحكومة على تدريب الحاخامات واختيار الحاخام الأكبر وخلاف هذه الوسائل. ثم نشأت محاولة للإصلاح من الداخل. ولكن اليهودية الإصلاحية مرتبطة بالتراث البروتستانتي الألماني، ولذا جرت مقاومتها (بسبب العداء الفرنسي التقليدي للثقافة الألمانية). ومع هذا، أدخلت بعض الإصلاحات على الشعائر مثل إنقاص عدد قصائد البيوط في الصلوات، وتقليل مدة الصلوات نفسها، كما تقرَّر استخدام الأرغن على أن يقوم بالعزف عليه يوم السبت شخص غير يهودي. ولم تكن هذه القرارات ملزمة للجميع إذ تُرك لكل مجلس كنسي حرية تطبيق ما يراه مناسباً من إصلاحات. ومع هزيمة فرنسا على يد ألمانيا عام 1871، توقَّف الإصلاح تماماً بسبب الأصل الألماني لحركة الإصلاح. وهكذا تحوَّلت اليهودية الفرنسية بعيداً عن الأرثوذكسية دون أن تصل إلى صيغة إصلاحية، ومن ثم أصبحت كياناً غير متماسك يسمح بدرجة من التطور واستيعاب عناصر تجديدية تؤدي إلى مزيد من التنوع وعدم التجانس. وأدَّى تَوقُّف حركة الإصلاح الديني إلى تَصاعُد معدلات الاندماج. ففي البلاد البروتستانتية التي انتشرت فيها اليهودية الإصلاحية والمحافظة، يمكن لليهودي أن يُعدِّل شعائر دينه، بل وأن يسقط كثيراً منها ويظل يهودياً. أما في فرنسا، فإن فعل ذلك فليس أمامه سوى التخلي تماماً عن دينه الذي يشكل جزءاً مهماً من هويته، وخصوصاً أن العقيدة العلمانية في المجتمع الفرنسي تتسم بدرجة عالية من التبلور والاتساق. ومن ثم، فيمكن لمن يشاء أن يتفرنس تماماً. وقد كان لهذا الوضع أثره العميق في اليهود المغاربة الذين تستند هويتهم أساساً إلى عنصرين: أولهما شعائرهم الدينية، والآخر فلكلورهم العربي. ومع فقدانهم كلا العنصرين، لم يبق لهم شيء. ومعظم يهود فرنسا، نحو 350 ألفاً، تمت علمنتهم ودمجهم إلى درجة أصبح من الصعب معها تمييزهم عن غير اليهود بأي شيء. أما البــاقون (200 ألف)، فمنهــم 25 ألفاً فقط هم الذين ينفذون الشعائر بطريقة مستمرة و100 ألف يأكلون الطعـام المباح شرعاً، و75 ألفاً يكتفون بالاحتفال بعيـد يوم الغـفران ويحرمـون أكــل الخنـزير أحياناً. وكثـير ممن يقيمـون بعض الشعــائر يفعلــون ذلك باعتبــاره تعبيراً عن الانتماء الإثني لا الديني. ويُلاحَظ أن أكثر معدلات العلمنة تُوجَـد بين المهنيين، وتُوجَد أكثر العناصر تديناً بين يهود شمال أفريقيا، ولكن يُلاحَظ أن تَديُّن هؤلاء ليس تعبيراً عن إيمان ديني بمقدار ما هو تعبير عن انتماء إثني تصاعدت حدته بعد الهجرة كما يحدث عادة بين المهاجرين. كما أن الانتماء الديني ليس مهماً إلى هذه الدرجة في المجتمع الفرنسي، وشبه ماكسيم رودونسون ذلك بالانتماء إلى ناد للعب الشطرنج وهو انتماء لا يحدِّد سلوك الفرد. وقد أعلن 25% من يهود فرنسا في الوقت الحاضر أنهم أعضاء في هذه الجمـاعة الدينية اليهودية أو تلك، مقــابل 50% في الولايات المتحدة. ولكن إعلان شخـص عن انتمائه إلى جماعة دينية، لا يعني بالضرورة أنه متدين. وكما أسلفنا فأغلبية يهود فرنسا الساحقة لا تمارس أية شعائر دينية. وقد اكتسبت المجامع الكنسية نبرة إثنية برغم أرثوذكسيتها. وفي باريس، حيث يعيش نحو نصف يهود فرنسا، لا يوجد سوى تسعة آلاف عضو في المجمع الكنسي. ويُلاحَظ أن الجيل الجديد من الشباب اليهودي في أوربا يبتعد عن التقاليد والمؤسسات الدينية بل وغير الدينية اليهودية، وينخرط بأعداد متزايدة في صفوف اليسار، فالانتماء الإثني نفسه آخذ في التآكل.

وحتى تتضح الصورة العامة والاتجاه العام نحو الاندماج، بل وربما الانصهار، يمكن أن نشير إلى أن معظم المرموقين من أعضاء النخبة اليهودية ما عادوا يُكنِّون أي احترام لتراثهم اليهودي. وتتضح معدلات الاندماج العالية في الزواج المُختلَط الذي كان قد انخفض بعض الوقت بعد وصول يهود المغرب العربي وتزاوجهم مع اليهود الفرنسيين. ففي عام 1962، بلغت نسبة الزواج بين اليهود من أصل فرنسي واليهود من أصل مغربي جزائري 42%، و32% بين اليهود من أصل مغربي جزائري واليهود من شرق أوربا. وبلغت نسبة الزيجات المُختلَطة بين يهود المغرب والجزائر ويهود ليسوا من نفس الأصل 44% ـ وهذه نسبة عالية إذا ما قارناها بإسرائيل، ففي عام 1960 كان نصف عدد السكان من يهود الشرق أو اليهود السفارد والنصف الآخر يهوداً غربيين. ورغم أن كلا الفريقين كان يعيش في إسرائيل منذ عام 1952، إلا أن نسبة الزواج بينهم لم تزد على 15% حتى عام 1965. ولكن الزواج المُختلَط في فرنسا تعدَّى الشرقيين والغربيين وأصبح مرة أخرى زواجاً مُختلَطاً مع غير اليهود، الأمر الذي يؤدي إلى ذوبان الهوية.

وقد كانت نسبة الزواج المُختلَط نحو واحد من ثمانية من جملة الزيجات عام 1935، ثم أصبحت واحداً من ستة من الزيجات في الفترة من 1936 إلى 1955، وزادت إلى واحد بين كل ثلاثة في الفترة من 1956 إلى 1965، ووصلت إلى واحد من كل زيجتين في الفترة من 1966 إلى 1975. أما في منتصف الثمانينيات، فكان حوالي 60% من جملة الزيجات مختلطة، وهذا يبيِّن مدى تفاقم الظاهرة رغم أنها لم تصل إلى ذروتها بعد. ويُلاحَظ انتشار ظاهرة التعايش المؤقت، أي أن يعيش شخصان سوياً دون أن يتزوجا. والواقع أن أعضاء مثل هذه الترتيبات المؤقتة لا يكترثون بالانتماء الديني للطرف الآخر، الأمر الذي يعني أن مثل هـذه الزيجات في الغـالب لابد أن تُدرَج في حساب الزيجات المُختلَطة. كما أن أبناء مثل هذه الزيجات أو هذه الترتيبات يفقدون صلتهم تماماً بالجماعة اليهودية.

ويظهر الاندماج، كذلك، في انصراف أعضاء الجماعة اليهودية عن المؤسسات اليهودية، إذ لا يهتم بها سوى يهودي واحد بين كل ثمانية يهود، كما لا يتبرع للصندوق الاجتماعي اليهودي الموحد سوى 20 ألف شخص.

ورغم الحديث عن التفاف يهود فرنسا حول المُثُل الصهيونية، ورغم حديث يهود المغرب العربي عن الدولة الصهيونية باعتبارها تحقيقاً لنبوءة الأنبياء، إلى آخر هذه الديباجات الدينية، فإن ثمة انصرافاً فعلياً عن الصهيونية يناقض حماس اللفظ والتهاب القول. ولعل أكبر دليل على انصراف يهود فرنسا عن الصهيونية هو هذا الوجود الملحوظ ليهود المغرب العربي في فرنسا إذ فضلوها على الدولة الصهيونية. وقد لاحظ بن جوريون أن صهيونية يهود الولايات المتحدة عالية الصوت إنما هي تعبير عن تَزايُد اندماجهم الفعلي ونفس القول ينطبق على صهيونية يهود فرنسا. وعلق أحد المثقفين الفرنسيين على إيمان يهود المغرب بإسرائيل، باعتبارها تحقيقاً للنبوءات المشيحانية، بقوله: إن هذا الإيمان يجعل التعلق الرومانسي بإسرائيل بديلاً للصهيونية (الاستيطانية) بما تتطلبه من هجرة واليهودية بما تتطلبه من ضبط للنفس وطاعة للقانون. وشبَّه أحد المثقفين الفرنسيين موقف يهود فرنسا من الهجرة بأنهم مثل أعضاء فرق الإنشاد العسكرية التي ينشد أعضاؤها « تقدموا... تقدموا » مع أنهم واقفون لا يتحركون خطوة واحدة أبداً.

وعدد يهود فرنسا، في الوقت الحاضر (1992) ، هو 530 ألفاً، أي 4% من يهود العالم وأقل من 1% من سكان فرنسا البالغ عددهم 57.379.000 (بيَّن مصدر إحصائي آخر أن عددهم عام 1995 هو 600.000). وهذا يعني أنه لا يوجد صوت يهودي، وقد صَوَّت يهود فرنسا في انتخابات عام 1988 للرئاسة على النحو التالي: 44.5% لميتران، و44.4% لشيراك أو ريمون بار، و6.1% للحزب الشيوعي، و2% لجان ماري لوبان. لكن هذا لا يعني أنه لا يوجد نفوذ يهودي على الإطلاق، فهو موجود إذ توجد أعداد كبيرة من يهود فرنسا أعضاءً في النخبة الحاكمة يشاركون في صنع القرار، ولكنهم لا يشاركون بوصفهم يهوداً وإنما بوصفهم فرنسيين يهوداً حققوا درجة كاملة من الاندماج، ويتضح هذا الاندماج في أشكال كثيرة من سلوكهم. كما يمارس أعضاء الجماعـة نفوذاً قوياً داخل أجهزة الإعـلام لا يتناسـب مع نسـبتهم العدديـة.

ومنذ عام 1948، حجز أقل من ستين ألف يهودي أماكن للسفر من فرنسا إلى الدولة الصهيونية، وعاد منهم خمسة وعشرون ألفاً. فمعظم يهود فرنسا من أتباع الصهيونية التوطينية التي تهدف إلى توطين اليهود الآخرين، حيث يكتفي المؤمن بها بإحداث أصوات تأييد صارمة عالية، وقد يرسل بعض المال ذراً للرماد في العيون. ولكن، حتى على هذا المستوى، أثبت يهود فرنسا انصرافهم عن الصهيونية. ويظهر هذا الانصراف في أن المساعدات التي تتلقاها الدولة الصهوينة من يهود سويسرا، الذين لا يزيد عددهم على 19 ألفاً، أكثر من تلك التي يمدها بها يهود فرنسا الذين يقترب عددهم من ستمائة ألف، إن لم يكن قد وصل إلى هذا العدد بالفعل بحسب إحدى الإحصاءات.

وأهم المؤسسات التنظيمية للجماعات اليهودية في فرنسا هي ما يلي:

1ـ المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا Conseil Representatif des Institutions Juives de France واختصاره CRJF. تأسَّس عام 1944، وهو الجهة الممثلة ليهود فرنسا لدى المؤتمر اليهودي العالمي. ويضم المجلس ممثلين لنحو 50 منظمة يهودية فرنسية تمثل القيادات السياسية والأيديولوجية المختلفة داخل الجماعة اليهودية، ويُعتبَر رئيسها الممثل السياسي للجماعة في فرنسا والمُخوَّل للتفاوض باسمها مع الحكومة الفرنسية. ويعمل المجلس بشكل نشيط في محـاربة معـاداة اليهـود والدفــاع عن المصــالح الإسرائيلية، وفي القضايا الخاصة باليهود السوفييت. ومن ناحية أخرى، يعـاني المجلس من بعض الأزمات في وظائفه الداخلية نتيجة تعدُّد الاتجاهات السياسية والأيديولوجية للمنظمات الممثلة داخله.

2 ـ الصندوق الاجتماعي اليهودي الموحَّد Fonds Social Juif Unifie، واختصاره FSJU. تأسَّس عام 1949 لتخطيط وتنسيق النشاطات الاجتماعية والثقافية والتعليمية للجماعة اليهودية في فرنسا بصرف النظر عن الانتماءات السياسية أو الدينية لأعضاء الجماعة أو موقفهم تجاه إسرائيل، ولعب الصندوق دوراً مهماً في إعادة بناء وتنظيم حياة الجماعة اليهودية في فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية وفي استقبال واستيعاب المهاجرين اليهود من شمال أفريقيا. وموَّل الصندوق نشاطه بفضل المساهمات المالية للجنة التوزيع الأمريكية المشتركة والتعويضات الألمانية للمنظمات اليهودية الفرنسية. وبعد حرب 1967، نسَّق الصندوق نشاطه مع النداء الإسرائيلي الموحَّد، وأسسا النداء اليهودي الموحَّد لفرنسا Appel Unifie Juif de France واختصاره AUJF والتي أصبحت الجهة المختصة بجمع التبرعات وتدبير الموارد المالية اللازمة لميزانية الصندوق. وتوزع حصيلة التبرعات بين الصندوق من ناحية والمنظمة الصهيونية العالمية والوكالة اليهودية من ناحية أخرى. ويُعتبَر الصندوق المؤسسة المركزية في حياة الجماعة اليهودية في فرنسا ولديه فروع عديدة في الأقاليم لخدمة التجمعات اليهودية، كما يشرف على شبكة اتصالات واسعة تشمل الصحافة والإذاعة وقناة تليفزيونية من المقرر افتتاحها قريباً.

3 ـ الأليانس إسرائيليت يونيفرسل Alliance Israelite Universelle، وهي إحدى أكبر المنظمات اليهودية في فرنسا. تأسَّست عام 1860، وتركَّز نشاطها في مجال التعليم فأسست شبكة من المدارس اليهودية في العالم العربي والإسلامي. أما اليوم، فيتركز نشاطها بالدرجة الأولى في مجال التعليم في فرنسـا، وتُعَـدُّ مكتبة الأليانـس أهـم المكتبات اليهودية في أوربا.

4 ـ كما توجد العديد من حركات الشبيبة. وينظم القسم التعليمي للشباب اليهودي نشاط الشباب في المراكز الاجتماعية.

5 ـ وهناك العديد من المنظمات اليهودية في المجالات الخيرية والخدمة الاجتماعية من أهمها:

ـ اللجنة الأمريكية المشتركة للتوزيع.

ـ لجنة باريس اليهودية للعمل من أجل الرفاهية الاجتماعية (CASIP).

ـ اللجنة اليهودية للعمل من أجل الرفاهية الاجتماعية وإعادة البناء (COJASOR).

وتوجد أيضاً عدة منظمات صهيونية محلية فرنسية وفروع للمنظمات الصهيونية واليهودية العالية مثل ويزو. وأغلب الأحزاب الإسرائيلية لها فروع تابعة في فرنسا. أما الحركة الصهيوني الفرنسية Mouvement Sioniste de France فلا تزيد عضويتها عن بضعة آلاف. كما أن جمعـية أبناء العهد (بناي بريت) تحتفظ بمحافل عديدة في فرنسا. وكذلك يوجد المقر الرئيسي للمؤتمر اليهودي الأوربي في باريس.



الباب الخامس: إنجلترا



إنجـلترا من العصــور الوســطى حتى عصـر النهضــة
England from the Middle Ages to the Renaissance
كان اقتصاد إنجلترا عشية الغزو النورماندي عام 1066 بسيطاً جداً، مبنياً على المقايضة وحسب. وكان وليام الأول، أو الفاتح، يود أن يحصل على ريعه من الأرض التي فتحها نقداً، ولذا قرر إدخال عنصر رأسمالي تجاري مالي. ووجد ضالته في أعضاء الجماعات اليهودية بسبب فائدتهم ونفعهم، وخصوصاً في تشجيع تداول العملات. ومن ثم شجع اليهود (كجماعة وظيفية استيطانية نافعة) على الاستقرار ليقوموا بدور الوسيط التجاري في هذه المنطقة الجديدة، وبدور محصلي أموال التاج. فاستوطن اليهود في إنجلترا وأسسوا جماعات في لنــدن وبريسـتول وكانـتربري، ووُضـعوا تحت حماية التاج ليعملوا في التجارة والربا، وإن كان قد تم استبـعادهم عن نقــابات الحـرفيين، أي أنهم أصبحوا جماعة وظيفية وسيطة في المجتمع الإقطاعي. ويُلاحَظ أن يهود إنجلترا لم يكونوا إنجليــزيين، إذ كانـوا جــزءاً من الثقـافة الألمانــية والفرنسية المجــاورة، وكانــوا يتحـدثون الفرنسية فيما بينهم ويتسمون بأسماء فرنسية. وهذه العزلة الإثنية سمة أساسية للجماعة الوظيفية الوسيطة.

ومع بداية القرن الثاني عشر، بدأ وضعهم في التدهور نظراً للهجوم عليهم من قبل الكنيسة والبارونات، ثم أخيراً من قبل العناصر الشعبية في المدينة. وكان أعضاء الجماعة اليهودية محط كراهية خاصة لارتباطهم بالملك كأقنان بلاط، بل أصبحوا جزءاً أساسياً من الصراع الأساسي في العصور الوسطى في الغرب (أي الصراع بين الملك وبقية الفئات والطبقات في المجتمع). وتم الهجوم عليهم بشكل مخفف أثناء حملتي الفرنجة الأولى والثانية، وتزامن اعتلاء ريتشارد الأول (قلب الأسد) عام 1189 العرش مع تَصاعُد الحملة ضد الجماعة الوظيفية التجارية الوسيطة اليهودية. وحينما سافر مع حملة الفرنجة الثالثة، انتهزت القوى المعادية الفرصة وهاجمت أعضاء الجماعة اليهودية في أماكن عدة من أهمها يورك، وهو ما كان يمثل خسارة مالية فادحة للملك على وجه الخصوص. كما قامت هذه العناصر بحرق صكوك الديون. وثأر الملك لنفسه، فأرسل إلى يورك أحد الأساقفة، فقام بمصادرة أموال زعماء الهجوم، وأقال حاكم القلعة والشريف.وحينما عاد الملك نفسه عام 1194، طلب إجراء تحقيق في الموضوع برمته،وقرر تنظيم علاقة العنصر التجاري اليهودي ببقية المجتمع. فتم تأسيس نظام لتسجيل ديون اليهود تم بمقتضاه وضع صناديق في بلديات المدن الإنجليزية الرئيسـية، وأُودعـت فيها نسـخ من كل الوثائق الخاصـة بالديون، وعُيِّن أربعة موظفين (مسيحيان ويهوديان) مسئولين عن هذا الصندوق. وأُسِّست سبعة وعشرون صندوقاً في كل إنجلترا، تحت إشراف سلطة مركزية من أربعة موظفين أوصياء أو قضاة اليهود (بالإنجليزية: كاستوديانز أور جستيسز أوف ذا جوز Custodians or Justices of the Jews) تحت رئاسة خازن بيت المال اليهودي (بالإنجليزية: إكستشكر أوف ذا جوز Exchequer of the Jews). وسهَّل هذا الهيكل التنظيمي عملية حوسلة اليهود، لصالح الملك، من خلال الضرائب المفروضة عليهم ومن خلال الضرائب والفوائد التي يجمعونها.

واتَّسم حكم الملك جون (1199 ـ 1216) بالصراع بينه وبين الكنيسة والبارونات، فأصدر الملك قراراً بوضع أعضاء الجماعة اليهودية تحت سلطته القانونية المباشرة أو تحت سلطة الحكام المحليين، الأمر الذي كان يعني إنهاء أية سيطرة للبارونات أو الكنيسة علىهم. وضمنت هذه التنظيمات كثيراً من حقوق أعضاء الجماعة اليهودية وضمن ذلك حق القَسَم على التوراة، وأن يكون لهم محاكمهم الخاصة لفض المنازعات التي تقوم فيما بينهم.

ويتبدَّى وضع أعضاء الجماعة اليهودية المتميِّز في الأمر الصادر للشرفاء والموظفين المحليين عام 1217 بانتخاب أربعة وعشرين شخصاً من سكان المدن لحماية السكان اليهود فيها. كما طُلب إلى أعضاء الجماعة اليهودية ارتداء شارة خاصة (عبارة عن شريطين أبيضين) لحمايتهم. وأدَّى هذا إلى ازدهارهم، فرغم أنهم كانوا أقلية صغيرة لا يزيد عدد أعضائها (بحسب أحد التقديرات) على أربعة آلاف، فإن أموالهم وممتلكاتهم كانت كبيرة. وتتضح ضخامة حجم هذه الممتلكات إذا عرفنا أن أعضاء الجماعة كانوا يؤدون نحو 8% من جملة الضرائب التي تجمعها الدولة.

ولكن وضع أعضاء الجماعة اليهودية أخـذ في التدهـور لعـدة أسباب:

1 ـ أدَّى تَزايُد نفوذ أعضاء الجماعة إلى تَزايُـد سـخط البارونـات عليهم.

2 ـ كانت المدن الإنجليزية في تلك الآونة قد بدأت تزداد قوة وبدأ إسهامها في الخزانة الملكية في التَزايُد، فأخذت تطالب بضرورة التخلص من أعضاء الجماعة اليهودية.

3 ـ أدَّى تَزايُد الجهد الذي يبذله أعضاء الجماعة اليهودية في جمع مستحقاتهم إلى تَزايُد السخط عليهم. وفي الوقت نفسه، فإنهم هم أنفسهم كانوا يزدادون فقراً بسبب تَزايُد الضرائب عليهم من قبل البلاط.

4 ـ شهدت هذه الفترة بداية ظهور بيوتات المال الإيطالية والفرنسية، مثل اللومبارد والكوهارسين، التي جعلت الاستغناء عن رأس المال اليهودي ممكناً. أما بالنسبة للأعمال التجارية، فقد حل التجار الفلمنكيون والفرنسيون والألمان والإيطاليون محل التجار اليهود.

وهكذا، تحالفت عدة عناصر في جعل أعضاء الجماعة الوظيفية اليهودية عنصراً لا نفع له، وصدرت القوانين التي حدَّت من حقوقهم ومن المناطق التي يحق لهم السكنى فيها. وبالتدريج أخذت الكنيسة والبارونات في تحقيق المزيد من الانتصارات في معركتهم مع الملك جون الذي اضطر إلى قبول سيادة الكنيسة عام 1213 وإلى الاعتراف بحقوق البارونات حينما وقَّع الماجنا كارتا عام 1215. لكن تردِّي وضع الملك كان يعني، بطبيعة الحال، تردِّي وضع اليهود. وقد تردت حالتهم إلى درجة أنهم طلبوا عام 1255 الرحيل عن إنجلترا. لكن الملك رفض طلبهم ثم قام ببيعهم ووضعهم بعض الوقت تحت حماية أخيه الذي قام بتزويدهم بالحماية المطلوبة أثناء تهمة الدم التي وجهت ضدهم (عام 1255) كما قام بتوظيفهم لحسابه. وأثناء حرب البارونات (1264 ـ 1267) ضد هنري الثالث (1216 ـ 1272)، شُنَّت هجمات على أعضاء الجماعة اليهودية. وقد حاول إدوارد الأول، بعد اعتلائه العرش عام 1272، أن يجد حلاً لمسألة يهود إنجلترا. فكان يرى أن أعضاء الجماعة اليهودية أصبحوا مجموعة بشرية صغيرة لم تَعُد تؤدي وظيفة اقتصادية، ومن ثم حاول توجيههم للعمل بالزراعة والتجارة والحرف ومنعهم من الاشتغال بالربا، فأصدر قانون اليهودية عام 1275. ولكن هذه المحاولة كان محكوماً عليها بالفشل بسبب طبيعة المجتمع الغربي في العصر الوسيط وتقسيمه الهرمي الصارم. وإذا كان الأثرياء من أعضاء الجماعة اليهودية قد أمكنهم شراء الأرض، فإن الفقراء اضطروا إلى السبل غير الشريفة للعيش مثل برد حواف العملات الذهبية وهو ما كان يُنقص قيمتها. وحينما اكتُشف أمر بعضهم بعد عام 1278، أمر الملك بتفتيش بيوتهم كما أمر بسجنهم وشنق 239 يهودياً.

واضطر الملك في نهاية الأمر إلى إصدار أمر بطرد اليهود من مقاطعة جاسكوني، ولكن رجال الكنيسة والبارونات كانوا يعرفون أن سر احتفاظ الملك بأعضاء الجماعة اليهودية هو أنه يوظفهم لحسابه ويحقق الأرباح من خلالهم، فقرروا إعطاءه عُشر الأملاك المنقولة إن هو طرد رعاياه اليهود. وبالفعل، تم طردهم نهائياً عام 1290، ولم يكن عددهم يزيد على أربعة آلاف، وإن كانت بعض المراجع تذكر أن عددهم كان 12 ألفاً، بل 16 ألفاً.

وحيث إن أعضاء الجماعة اليهودية كانوا يُعدّون عنصراً فرنسياً، سمح لهم ملك فرنسا في بداية الأمر بالاستقرار فيها. ولكنه سحب تصريحه إثر ضغوط من الكنيسة، فاستقروا في الفلاندرز، ويُقال أيضاً في إسكتلندا. ويُلاحَظ أن كره الإنجليز لليهود هو كره تكنه المجتمعات كافة لأعضاء الجماعة الوظيفية الوسيطة لا لليهود وحدهم. فحينما حل الفلمنكيون والإيطاليون والألمان من أعضاء العصبة الهانسية محل يهود إنجلترا، أصبحوا محط كراهية بعض قطاعات المجتمع رغم أنهم مسيحيون. وفي عام 1381، ثار العمال الإنجليز ضد التجار الأجانب، وطاردوا كل المنضمين إلى العصبة الهانسية واقتفوا آثارهم في أماكن العبادة داخل الكنائس، وقتلوا كل من لم يستطع النطق بلفظتي «الخبز والجبن» بلهجة إنجليزية. وفي عام 1457، وبعد أن احتل الإنجليز أنفسهم مواقع مهمة في التجارة الخارجية والنقل البحري وأخذت المزاحمة بينهم وبين التجار الأجانب تزداد بشدة، تَعرَّض جميع تجار جنوا في لندن للاعتقال والسجن كما صودرت بضائعهم.

إنجلــترا منــذ عصـــر النهضــة
England since the Renaissance
ظلت إنجلترا خالية من اليهود تقريباً حتى نهاية القرن السادس عشر. ومع بداية القرن السابع عشر، ساد إنجلترا (بعد ظهور الحركة البيوريتانية) جو استرجاعي قوي يستند إلى أسطورة عودة المسيح. وظهر فكر مسيحي صهيوني يدعو إلى ضرورة تَواجُد اليهود في كل أنحاء الأرض وضرورة هدايتهم، أي تنصيرهم كشرط أساسي للخلاص. ولا شك في أن هذه الفرق الاسترجاعية المسيحانية (مقابل المشيحانية) تعود في جانب منها إلى تطلعات المجتمع الإنجليزي التجارية الاستعمارية. وقد لعب التجار من يهود المارانو (برتغاليين وإسباناً)، الذين استقرت أعداد كبيرة منهم في لندن، دوراً مهماً في الحرب مع إسبانيا سواء من الناحية المالية أم الناحية الاستخبارية (قام أنطونيو فرنانديز بجمع المعلومات عن القوات الإسبانية وتوصيلها للإنجليز). ومن ثم، بدأ التفكير في الأوساط البيوريتانية في الاستفادة من خبرات اليهود التجارية واتصالاتهم الدولية. وكان كرومويل شخصياً من أكبر المتحمسين لذلك، وخصوصاً أنه كان يرى إمكانية استخدام اليهود كجواسيس له. وتَقدَّم منَسَّى بن إسرائيل، عام 1655، بطلب السماح لليهود بالاستيطان. كما أن بعض أثرياء اليهود المارانو قدَّموا إلتماساً عام 1656 لإقامة مقبرة خاصة بهم وطالبوا بتوفير الحماية لهم عند ممارستهم شعائرهم الدينية باعتبارهم يهوداً. ومع أن الطلب لم يُقبَل ولم يُرفَض رسمياً، فإن الاعتراف بالمارانو كيهود كان في حد ذاته اعترافاً بحق اليهود في الاستقرار في إنجلترا، ولذا أصدر كرومويل قراراً لسلطات لندن بأن تزيح جميع الحواجز من طريق استقرار الجماعة اليهودية، بل سمح لهم بإنشاء معبد يهودي ثم مقبرة خاصة بهم. وتم الاعتراف بالجماعات اليهودية في عصر تشارلز الثاني (عام 1664). وأُعيدت أملاكهم التي صودرت أثناء الحرب مع إسبانيا (لأنهم كانوا يُعتبَرون حتى ذلك الوقـت مسـيحيين إسـبان أمـام القانون). وفي عام 1673، حصلوا على وعد بحرية العبادة وأُعيد تأكيد هذا الوعد عام 1685. وفي عام 1698 تم تقنين ممارسة الديانة اليهودية من خلال تشريع برلماني.وبالتدريج، ازداد يهود إنجلترا أهمية بتزايد أهمية لندن ـ قياساً إلى أمـستردام ـ كمركز للتجــارة العالمية.

واستقرت أعداد صغيرة من اليهود الإشكناز (ممن أتوا من ألمانيا ووسط أوربا) في إنجلترا، ولكن ظلت الأغلبية العظمى من أعضاء الجماعة اليهودية فيها من السفارد. ولم يُفرَض على أعضاء الجماعة اليهودية السكنى في جيتو خاص بهم، بل ألغيت معظم القيود المفروضة عليهم، كما حصلوا على حقوق المواطنة بالتدريج ابتداءً من عام 1718 حينما صدر قرار بالسماح لليهود المولودين في إنجلترا، حتى لو كانوا من أبوين أجنبيين، بأن يمتلكوا الأراضي الزراعية. ولم تقم ضد يهود إنجلترا أية حركات شعبية عنيفة. ولعل هذا يعود إلى أنه حينما أُعيد توطين اليهود، تم توطينهم كعنصر تجاري مُستوعَب في التشكيل التجاري الأكبر. ولذا، فإنهم لم يكونوا متميِّزين وظيفياً، ولم يكن لهم حقوق خاصة، كما لم يكونوا موضوعين تحت حماية الملك أو غيره من السلطات، وإنما كانوا جزءاً لا يتجزأ من المجتمع.

وساعد كل ذلك على نمو الجماعة اليهودية في إنجلترا وعلى تزايد حجم المهاجرين اليهود القادمين من أمستردام وإسبانيا والبرتغال. كما ازداد هؤلاء ثراءً وأهمية بتزايُد أهمية لندن (قياساً إلى أمستردام) كمركز للتجارة العالمية. وعمل أثرياء اليهود في السمسرة والتجارة الخارجية، وكانوا مُمثَّلين بشكل كبير في مستعمرات الإمبراطورية البريطانية المتنامية، وخصوصاً في نيويورك وبومباي وجزر الهند الغربية. ومن الشخصيات اليهودية البارزة في تلك الفترة سامسون جدعون ويوسف سالفادور اللذان قدما استشارتهما المالية المهمة للوزارات الإنجليزية المتعاقبة.

وظلت الجماعة اليهودية في إنجلترا مُشكَّلة في أغلبها من السفارد وإن بدأت بعض الجماعات الصغيرة من اليهود الإشكناز القادمين من أمستردام وهامبورج ثم ألمانيا وشرق أوربا الاستقرار في إنجلترا في أواخر القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر. وكان أغلب اليهود الإشكناز أقل في المرتبة الاجتماعية من السفارد، وعمل قطاع كبير منهم كباعة متجولين في القرى والمناطق الريفية، وبالتالي نمت تجمعات من يهود الإشكناز في كثير من المدن الريفية والموانئ والمراكز الصناعية. وأسَّس الإشكناز المعبد الكبير في لندن عام 1722.

وبدأت حركة حصل بموجبها أعضاء الجماعة اليهودية على حقوقهم المدنية في القرن الثامن عشر حيث صدر عام 1718 قرار بالسماح لليهود المولودين في إنجلترا حتى لو كانوا من أبوين أجنبيين بأن يمتلكوا الأراضي الزراعية. وفي عام 1753، قُدِّم مشروع للبرلمان البريطاني يطالب بمنح اليهود المولودين خارج البلاد حقوق المواطنة نفسها الممنوحة لأبنائهم. لكن هذا المشروع سرعان ما فشل، الأمر الذي دفع كثيراً من أثرياء اليهود إلى التخلي عن اليهودية واعتناق المسيحية. وتذهب بعض التقديرات إلى أن عدد المتنصِّرين من اليهود في القرن التاسع عشر بلغ 29 ألفاً، أي نحو ثُلث يهود إنجلترا. وهذا الرقم دليل أيضاً على تَزايُد اندماج اليهود في المجتمع البريطاني.

وأتاحت الحروب النابليونية لبعض العائلات اليهودية الإشكنازية، مثل عائلتي روتشيلد وجولدسميد، احتلال مواقع مرموقة في المجتمع الإنجليزي بفضل خدماتهم المالية المهمة، الأمر الذي أعطى ثقلاً للحركة المطالبة بانعتاق اليهود. وفي الثلاثينيات من القرن التاسع عشر، سُمح لليهود بالعمل في وظائف مدنية، وعُيِّن أول شريف يهودي عام 1835. ووصلت هذه الحركة إلى قمتها بدخول ليونيل دي روتشيلد البرلمان عام 1858. كما أصبح ابنه ناثانيل دي روتشيلد أول يهودي بريطاني يحصل على لقب لورد عام 1885. وفي عام 1890، تم إلغاء آخر القيود الدينية على اعتلاء مناصب ووظائف سياسية، وبالتالي أصبح انعتاق اليهود كاملاً. واحتل بعض أعضاء الجماعة مواقع ومراكز مهمة في الإدارات والوزارات البريطانية اللاحقة.

ولكن، مع نهاية القرن التاسع عشر، تغيَّر التكوين الإثني ليهود إنجلترا نتيجة تَدفُّق جحافل يهود اليديشية من شرق أوربا ووسطها على إنجلترا، وغيرها من الدول، بسبب تَعثُّر التحديث. وفيما يلي إحصاء بعدد يهود إنجلترا من عام 1690 حتى عام 1985:

السنة / عدد أعضاء الجماعة اليهودية

1690 / 350 - 400

1734 / 6000

1753 / 8000

1800 / 20.000

1830 / 27.000

1845 / 35.000

1849 / 40.000

1851 / 35.000

1853 / 25.000

1880 / 60.000

1890 / 100.000

1900 / 160.000

1910 / 242.000

1920 / 297.000

1930 / 333.000

1940 / 385000

1950 / 450.000

1960 / 450.000

1970 / 410.000

1985 / 330.000


وهكذا، فبينما كان يوجد في عام 1853 نحو 25 ألف يهودي في إنجلترا، وصل عددهم إلى 242 ألفاً عام 1910، أي بزيادة نحو عشرة أضعاف خلال ستين عاماً في مجتمع متجانس مثل المجتمع الإنجليزي. ورغم صدور تشريعات تَحُد من هجرتهم، فإن عدد يهود إنجلترا وصل عام 1914، أي عشية وعد بلفور، إلى ما بين 250 ألفاً وإلى 300 ألف نصفهم من يهود اليديشية، أي أن عدد يهود إنجلترا من يهود اليديشية زاد خمسة عشر ضعفاً فيما يقارب أربعين عاماً. وخلق هذا جواً من القلق في إنجلترا، وسادت شائعات تقول إن عدد المهاجرين بلغ 750 ألفاً.

وكان يهود اليديشية تجاراً صغاراً متخلفين يحملون معهم إحساساً جيتوياً عميقاً بعدم الأمن والطمأنينة. وأدَّى تواجدهم بهذه الأعداد الضخمة إلى ازدياد البطالة وازدحام المدن والجريمة. وفي بداية الأمر انخرط يهود اليديشية في الأعمال اليدوية شبه الماهرة، وخصوصاً في مجال صناعة الملابس الجاهزة. وكان الطلب على الملابس الجاهزة الرخيصة قد بدأ يزداد نسبياً في إنجلترا وغيرها من الدول الصناعية الغربية مع تنامي الطبقات المتوسطة في هذه البلاد. وكان ميراث يهود اليديشية، باعتبارهم جماعة وظيفية وسيطة، يؤهلهم لدخول هذه المجالات الجديدة والهامشية والتي كانت مازالت تتَّسم بقدر من المخاطرة وتحتاج إلى خبرات تجارية. فعملوا في «ورش العرْق»، وهي مصانع لم تكن ظروف العمل فيها إنسانية وكان العمال يعملون فيها ساعات طويلة. وأحضروا معهم أطفالهم الذين كانوا يشكِّلون عبئاً ضخماً على المؤسسات الصحية والتعليمية. وكانت ثقافتهم يديشية أساساً ويتحدثون هذه اللغة في الشوارع، كما كانت لهم مطابعهم وجرائدهم ومعابدهم وحاخاماتهم. ولم تكن لهم هوية سياسية أو وضع قانوني محدَّد. كل هذا يناقض وضع يهود إنجلترا السفارد، أو حتى الإشكناز الذين تم صبغهم بالصبغة الإنجليزية والذين كانوا جزءاً من الأرستقراطية المالية وكانت أعدادهم صغيرة وكانوا مندمجين في مجتمعهم الإنجليزي يتحدثون بلغته، ويتمتعون بحقوقهم السياسية والمدنية والدينية الكاملة. وأدَّى هذا الوضع إلى توتر العلاقات بين الفريقين، إذ كان اليهود الإنجليز يعتبرون اليهود المتحدثين باليديشية عنصراً غريباً متخلفاً وعنصرياً يهدد مواقعهم الطبقية ومكانتهم الاجتماعية. ويضاف إلى هذا أنهم أحضروا معهم المسألة اليهودية من شرق أوربا. وكان يهود اليديشية بدورهم ينظرون إلى اليهود الإنجليز باعتبارهم باردين ومندمجين في مجتمعهم، منعزلين تماماً عن الحركات السائدة بين أعضاء الجماعات اليهودية في شرق أوربا (الصهيونية والحسيدية والتنويرية) بين يهود الشرق. ولذا، ظل الفريقان كلٌّ منهما بمعزل عن الآخر، كما أنهم لم يتزاوجوا فيما بينهم.

وأدَّى وفود العناصر اليديشية إلى قيام محاولات لوقف سيل الهجرة عن طريق تأليف لجنة ملكية لدراسة القضية. ومما زاد الجو توتراً، بالنسبة إلى الجماعة اليهودية، ظهور إحساس بين العناصر الاشتراكية الراديكالية بأن اليهود يشكلون جزءاً مهماً من السياسة الإمبريالية الإنجليزية، ومن هنا كان أعداء الإمبريالية أعداء لليهود. وكان عدد اليهود بين المستوطنين الإنجليز في جنوب أفريقيا كبيراً، وبعضهم كان على علاقة قوية بملنر ورودس. وقد تحدث جـ.أ. هوبسون (الزعيم الاشتراكي وأهم المثقفين الإنجليز المعارضين للإمبريالية) عن مجموعة صغيرة من الممولين الدوليين « ألمان في أصلهم ويهود في عنصرهم » حققوا نفوذاً قوياً في جوهانسبرج. وقد وصفهم بأنهم الحثالة الحقيقية لأوربا، يسيطرون على حقول الذهب ويحتكرون صناعة الديناميت وتجارة الكحول السرية. كما يتحكمون مع سيسل رودس في الصحافة، ويتلاعبون بسوق الرقيق، ويديرون الأعمال التجارية الأساسية في كل من جوهانسبرج وبريتوريا. ويُلاحَظ أن أعداداً كبيرة أيضاً من يهود إنجلترا، وخصوصاً يهود اليديشية، انخرطوا في صفوف الحركات اليسارية والعمالية والعدمية. وأدَّى هذا إلى ارتباط أعضاء الجماعات اليهودية بأقصى اليمين والرجعية، وبأقصى اليسار والثورية، في وقت واحد.

في هذا الجو، شُكلت لجنة خاصة لمناقشة هجرة يهود شرق أوربا. وقدمت حكومة بلفور، الذي كان يشغل منصب رئيس الوزراء آنذاك، مشروع قانون عام 1902 يُسمَّى «قانون الغرباء» الذي ووفق عليه عام 1905. ودافع رئيس الوزراء عن المشروع فأشار إلى أنه لا يمكن تَجاهُل مسألة العرْق بأية حال في أمور الهجرة، كما أشار إلى المشاكل التي حاقت بإنجلترا نتيجة الهجرة اليهودية مؤكداً ضرورة الحد منها.

وفي هذا الإطار، طُرحت الفكرة الصهيونية، فعارضها اليهود الإنجليز وأيدها يهود اليديشية. وزار هرتزل إنجلترا لأول مرة عام 1895 وألقى خطبة في حيّ إيست إند عن موضوع الهجرة، وكانت هذه أول مواجهة حقيقية بينه وبين يهود اليديشية.

ثم عُقد المؤتمر الصهيوني الرابع (1900) في لندن. وحيث إن يهود إنجلترا الأصليين كانوا من كبار معارضي المشروع الصهيوني، توجه هرتزل أساساً إلى يهود اليديشية، كما وضع نصب عينيه الوصول إلى السلطات الحاكمة مباشرة لعرض المشروع الصهيوني كرقعة تلتقي فيها المصالح العنصرية والاستعمارية بالرؤية الصهيونية. وفي عام 1902، نجح أحد أصدقاء هرتزل في دعوته للمثول أمام اللجنة الملكية، حيث قدَّم حلاًّ صهيونياً مفاده تحويل الهجرة من إنجلترا إلى أية بقعة أخرى خارج أوربا. وانطلاقاً من هذا، عُرض مشروع شرق أفريقيا، ثم صدر وعد بلفور الذي جاء انتصاراً للمنظمة الصهيونية على يهود إنجلترا.

وبعد صدور وعد بلفور، تغيَّرت الأوضاع كثيراً، ذلك أن تأييد الصهيونية لم يَعُد تأييداً لحركة قومية غربية وإنما أصبح تأييداً للمصالح الإمبريالية البريطانية. وبذا، اختفت معارضة الصهيونية بين صفوف اليهود الإنجليز، كما أن العناصر اليديشية نفسها بدأت تصطبغ بالصبغة البريطانية، وخصوصاً أنهم لم يجدوا أية عراقيل قانونية تقف في طريقهم نحو الاندماج.

ومع صعود النازية في ألمانيا، هاجر ما بين 40 و50 ألف يهودي من ألمانيا ووسط أوربا إلى إنجلترا. ورغم أن هذه الهجرة كانت أقل في حجمهـا من هـجرة يهود اليديشية إلا أن المهاجرين الألمان كانوا أكثر ثراء، وتشير التقديرات إلى أنه تم تحويل مبالغ ضخمة من ألمانيا إلى بريطانيا. كما أعاد المهاجرون تأسيس أعمالهم المالية والتجارية في إنجلترا، وخصوصاً في مجالات المنتجات الصيدلية والملابس الثمينة وبعض الصناعات الخفيفة الأخرى، وأصبحت لندن مركز تجارة الفراء بدلاً من ليبزيج.

إنجلترا في الوقت الحاضر
England at the Present
كان يهود إنجلترا آخذين في التناقص بسبب الاندماج والهجرة رغم وصول أعداد كبيرة من يهود ألمانيا إلى إنجلترا في فترة الحرب العالمية الثانية. وبلغ عدد يهود إنجلترا 430 ألفاً في أوائل الخمسينيات ولكنه تناقص إلى 320 ألفاً عام 1989 (من مجموع عدد السكان البالغ 65.861.000)، وكان معظمهم يتركز في لندن (بنسبة 60%) والبقية في مانشستر وليدز وجلاسجو. وفي عام 1992 بلغ عدد يهود إنجلترا 298.000 يوجد 200 ألف منهم في لندن.

ومما يُذكَر أن السفارة الإسرائيلية في بريطانيا أشارت عام 1988 إلى أن هناك حوالي 30 ألف إسرائيلي مقيم في إنجلترا، خمسة آلاف منهم مسجلون كاحتياطيّ في الجيش البريطاني، أي أنهم اكتسبوا المواطنة البريطانية. وبهذا المعنى يمكن الحديث عن «دياسبورا إسرائيلية» في إنجلترا، وأن عدد الهاربين من صهيون لا يقل كثيراً عن عدد الهاربين من جحيم النازية.

ويعاني يهود إنجلترا من ظاهرة موت الشعب اليهودي، أي تَناقُص عددهم مع احتمال اختفائهم. وفي حالة إنجلترا، يتبدَّى هذا في تَزايُد متوسط الأعمار بين أعضاء الجماعة اليهودية عنه على المستوى القومي وتَزايُد نسـبة الوفيات بينهم عن نسـبة الوفيات على المستوي القومي أيضاً. ففي عام 1984، كان معدل الوفيات بين اليهود 15 من كل ألف مقابل 11.8 لكل السكان. ويزيد عدد الوفيات على عدد المواليد بمعدل 1300 حالة سنوياً. ويبدو أن ظاهرة الإحجام عن الإنجاب، وكذلك عدم الخصوبة التي يتسم بها يهود العالم (الغربي بالذات) سائدة في إنجلترا. ولذا، فإن الزيادة الطبيعية لا تؤدي إلى تعويض الأعداد التي تفقد، كما أن عدد اليهود يتناقص بسبب تَصاعُد معدلات العلمنة والاندماج، وهما أمران مرتبطان أحدهما بالآخر تماماً. ونسبة الزواج المختلط مرتفعة إلى حد يصل إلى 40 ـ 50%. كما أن عدد الزيجات اليهودية أخذ في التناقص، إذ سُجِّل في عام 1960 نحو 3664 حالة زواج، ثم تناقص العدد ليصبح 1153 عام 1984 ثم 1.031 فقط عام 1992. ويُلاحَظ تَزايُد نسبة الطلاق بين أعضاء الجماعة اليهودية إذ بلغت نحو 35%. وربما كانت النسبة العامة في إنجلترا لا تختلف عن ذلك كثيراً، ولكنها تكتسب دلالة خاصة بالنسبة إلى عدد يهود إنجلترا إذ أن الطلاق مؤشر على تَفسُّخ الأسرة اليهودية وهي الإطار الذي احتفظ من خلاله أعضاء الجماعات اليهودية المختلفة بهوياتهم. ويعتبر يهود إنجلترا أنفسـهم يهـوداً من الناحية الدينية وحسب، وبريطانيين من الناحية العرْقية. ومن المفارقات أن هذا التصور يساعد على تَزايُد الاندماج لأن الأمور الدينية، في المجتمعات العلمانية، تُعتبَر أموراً خاصة للغاية لا تحدد سلوك الأفراد إلا في أضيق الحدود ولقد شبهها ماكسيم رودنسون بالانضمام إلى ناد للعب الشطرنج. وبالتالي، تصبح هوية اليهودي البريطاني هوية بريطانية بالدرجة الأولى. ومن بين العناصر الأخرى التي تساهم في تناقص عدد يهود إنجلترا هجرتهم خارجها. ففي عام 1971، كان يوجد 44 ألف يهودي، أي 12% من جملة يهود إنجلترا، خارجها. وكان هؤلاء المهاجرون من مواليد إنجلترا، ولم يكونوا من العناصر المهاجرة حديثاً التي تستقر بعض الوقت ثم تستأنف الهجرة بعد فترة وجيزة.

وقد تغيَّر البناء الوظيفي والمهني ليهود إنجلترا، فتركت أعداد كبيرة منهم الأعمال اليدوية شبه الماهرة، وبدأوا ينخرطون بأعداد متزايدة في الوظائف والمهن التي يصبح اليهودي هو صاحب العمل فيها (مثل أصحاب المحال الصغيرة ومصففي الشعر وسائقي التاكسيات). وبلغت نسبة أعضاء الجماعة اليهودية العاملين في مثل هذه المهن نحو 15% من جملة أعضاء الجماعة اليهودية في إنجلترا (6% على المستوى القومي). وبطبيعة الحال، زاد عدد اليهود الذين يدخلون المهن والوظائف الإدارية، كما هو الحال مع الجيل الثالث من المهاجرين في كل أنحاء العالم الغربي. وتناقص عدد اليهود في قطاع المال، وزاد عددهم في قطاع الصناعات الاستهلاكية، مثل الخياطة والملابس، بسبب الميراث الاقتصادي الشرق أوربي. وفي الستينيات، تَركَّز 20% من جملة الذكور اليهود العاملين في صناعة النسيج، و7 ـ 8% في قطاع الملابس الجاهزة والأثاث و22% في المهن. وهذا هو النمط العام السائد في الولايات المتحدة وكندا وأستراليا وفرنسا. وكل هذا يعني أن عدد العمال اليهود آخذ في التناقص وأنهم لم يعودوا جماعة وظيفية وسيطة وإنما بدأوا يتحولون إلى طبقة وسطى، وهذا أمر يصاحبه تزايد في نسبة الاندماج.

وتناقص عدد أعضاء الجماعة اليهودية الذين يعلنون ارتباطهم بالعقيدة اليهودية، فقد ذكر 110 آلاف يهودي عام 1977 أنهم أعضاء في هذا المعبد اليهودي أو ذاك (أي ثلث أعضاء الجماعة اليهودية مقابل النصف في الولايات المتحدة). وتناقص العدد في التسعينيات بسبب تَزايُد معدلات العلمنة وعناصر أخرى. وينقسم اليهود، من الناحية الدينية، إلى سفارد وإشكناز، وإلى أرثوذكس (معتدلين ومتطرفين) وإصلاحيين. والتنظيم الديني للسفارد هو أبرشية اليهود الأسبان والبرتغاليين، وهي أقدم التنظيمات (أُسِّست عام 1657). يضم هذا التنظيم الأرستقراطية السفاردية القديمة التي كانت تمنع الإشكناز من الانضمام إليها. أما الأغلبية الإشكنازية، فنظمت نفسها بطريقة إنجليزية يهودية أنجليكانية، فلم تظهر حركة إصلاح ديني جذرية على الطريقة الألمانية، وإنما ظل الإصلاح الديني على الطريقة الإنجليزية الأنجليكانية، فتم تعديل الطقوس حتى تصبح أكثر لياقة وفخامة من منظور بريطاني، وظل اليهود هناك يهوداً أرثوذكس، ولكن معتدلين، تماماً كالكنيسة الأنجليكانية، أي كاثوليكية بدون البابا. وثمرة هذه العملية هو ظهور جماعة يهودية تتخذ شكل هيئة أرثوذكسية رسمية تتبع مؤسسة رسمية هي المعـبد الموحَّد ومركزها لندن، وهـي التي تُعيِّن الحاخام الأكبر لبريطانيا. والمعبد الموحَّد هيئة أرثوذكسية معتدلة، فهي تتبع المعايير الأرثوذكسية داخل المعبد ولكنها لا تطبقها خارجها. ولا يصاحب هذه الهـوية أي تعبير حيـوي عنها في المجـالات الاجتماعية أو الثقافية. ولم تَعُد هذه المواقف المعتدلة تُرضي اليمين أو اليسار، ولذا أسس الأرثوذكس الحقيقيون هيئاتهم الدينية المستقلة. فأسس المهاجرون من يهود اليديشية اتحاد المعابد (1887). والاتحاد له محكمته الشرعية (بيت دين) الخاصة. ولكن هناك اتحاد أكثر أرثوذكسية وهو اتحاد الأبرشيات الأرثوذكسية العبرية الذي أُسِّس عام 1916. ولكن لا ينتمي سوى 3.5% من يهود إنجلترا لهذين الاتحادين، فالغالبية العظمى تنضم إلى المعبد الموحَّد (34018 عام 1992) أو إلى الاتحادين الإصلاحيين، وهما معابد بريطانيا العظمى الإصلاحية واتحـاد المعـابد الليبــرالية والتقـدمية (26 ألفاً عام 1992).

ولا يمكن الحديث عن صوت يهودي في إنجلترا، فعدد أعضاء الجماعة اليهودية لا يزيد على 0.6% من عدد السكان، أي أنهم لا يشكِّلون جماعة ضغط من الناحية العددية أو حتى من الناحية الاقتصادية بحيث يمكنهم التأثير في مسار الانتخابات، كما أن أصواتهم موزعة بين عدة دوائر. والدائرة الوحيدة التي يُوجَد فيها تَركُّز يهودي نوعاً ما هي دائرة هندون الشمالية التي لم تنتخب مرشحاً يهودياً وإنما انتخبت مارجريت تاتشر. ويبلغ عدد الأعضاء اليهود في البرلمان الإنجليزي (عام 1974) ستة وأربعين عضواً وانخفض إلى ثمانية وعشرين عام 1983 من أصل 650 عضواً. والنواب اليهود يمثلون دوائر انتخابية لا يُلاحَظ فيها وجود يهودي غير عادي.

وقد يتوهم البعض أن انخفاض عدد النواب اليهود في البرلمان الإنجليزي سيؤدي حتماً إلى ضعف النفوذ الصهيوني أو اليهودي، ولكن هذا مناف للحقيقة. فزيادة أو نقصان عدد النواب اليهود لا يؤثر من قريب أو بعيد على سياسـة المملكة المتحـدة تجاه العـالم العربي. وكما قال أحد المعلقين اليهود البريطانيين، فإن أعضاء الجماعة اليهودية في إنجلترا مندمجون في الطبقة الوسطى ويصوتون مثلها، وبالتالي لا يمكن الحديث عن صوت يهودي. ومن ثم، فإننا نجد أن أعداداً متزايدة بين يهود إنجلترا تنضم لحزب المحافظين وتؤيد سياسته، شأنهم في هذا شأن أعضاء الطبقة الوسطى في المجتمع البريطاني. ومن المعروف أن أغلبية يهود إنجلترا الساحقة كانت معادية للصهيونية في بداية القرن، ومع هذا أصدرت وزارة لويد جورج وعد بلفور في عام 1917. بل إن الحكومة البريطانية نصحت أعضاء الجماعة اليهودية بعدم التهييج ضد الصهيونية التي أصبحت مصالحها من مصالح الدولة الإمبراطورية العليا.

وأهم المؤسسات التنظيمية للجماعة اليهودية في إنجلترا هي مـا يلي:

1 ـ مجلس النواب The Board of Deputies واسمه الكامل هو: لجنة لندن للنواب اليهود البريطانيين London Committee of Deputies of British Jews. وهو ممثل الجماعة اليهودية في بريطانيا، وأصبح منذ عام 1975 الجهة الممثلة ليهود إنجلترا لدى المؤتمر اليهودي العالمي. وتأسس هذا المجلس بشكله الحالي في منتصف القرن التاسع عشر، ويضم 600 نائب منتخبين من قبَل المعابد اليهودية وبعض المنظمات التي لها الحق في تعيين النواب.

ويضم المجلس عدة أقسام تتولى رعاية شئون الجماعة اليهودية في إنجلترا،وتشمل:الدفاع،والعلاقات مع إسرائيل،والشئون الخارجية،والتعليم، والشئون القانونية والبرلمانية، والعلاقات العامة والمحاضرات، والذبح الشرعي، ووحدة أبحاث مخصصة لجمع البيانات الإحصائية والسكانية الخاصة بالجماعة اليهودية في إنجلترا.

2 ـ الجمعية الإنجليزية اليهودية Anglo Jewish Association. تأسست في عام 1871، وتركز نشاطها في الشئون الخارجية حيث عملت على دعم نشاط الأليانس إسرائيليت، وشكَّلت بالتعاون مع مجلس النواب (عام 1878) اللجنة الخارجية لرعاية المصالح اليهودية في الخارج التي تم حلها بعد وصول عناصر مؤيدة للصهيونية إلى رئاسة مجلس النواب عام 1943.

وظلت هذه المنظمة معارضة للصهيونية باعتبار أن أعضاء الجماعة اليهودية في بريطانيا مواطنون بريطانيون بالدرجة الأولى يتجه ولاؤهم لدولتهم القومية التي يعيشون فيها. وظل هذا تَوجُّهها رغم تبنيها سياسة ودية تجاه إسرائيل بعد تأسيسها.

3 ـ المجلس اليهودي لخدمات الرفاه الاجتماعي Jewish Welfare Board. تأسَّس عام 1859 تحت اسم مجلس الأوصياء Board of Gaurdians. وهو الجهة اليهودية الأساسية العاملة في المجالات الخيرية ومجال الخدمة الاجتماعية.

4 ـ جمعية الشباب اليهودي Association of Jewish Youth وهي المنظمة الشبابية الأساسية للجماعة اليهودية في إنجلترا.

5 ـ المنظمات الخاصة بجمع التبرعات وتدبير الموارد المالية:

ـ الصندوق القومي اليهودي The Jewish National Fund.
ـ النداء الإسرائيلي الموحَّد Joint Israel Appeal.
وتحتفظ جماعة أبناء العهد (بناي بريت) بشبكة من المحافل في إنجلترا وأيرلندا.

أما المنظمات الصهيونية، فهي:

1 ـ الاتحاد الصهيوني لبريطانيا العظمى وأيرلندا The Zionist Feder ation of Great Britain and Ireland.

تأسَّس الاتحاد الصهيوني في 6 مارس عام 1898 في مؤتمر كلاركويل Clerkwell Conference وهو يشارك بشكل مباشر في جميع الأنشطة الصهيونية، كما لعب دوراً كبيراً في تأسيس دولة إسرائيل. ويضم الاتحاد نحو 700 جمعية ومؤسسة مشتركة في عضويته، كما أنه يمارس أنشطته من خلال مجموعة من اللجان التي تعالج النواحي المختلفة للحياة الصهيونية العليا. وتنسق بين أعمال هذه اللجان جميعاً لجنة تنفيذية قومية ولجنة أخرى تتكون من أعضاء مشرفين يتم اختيارهم من بين كبار اليهود في بريطانيا.

ورئيس الاتحاد الصهيوني هو جـ. إدوارد سيف J. Edward Sieff وهو من الأسرة التي تملك محلات «ماركس آند سبنسر Marks and Spencer». وبالإضافة إلى ذلك، فإن هناك لجنة عليا خاصة هي اللجنة الاقتصادية لإسرائيل، وتهدف تلك اللجنة إلى تنظيم جمع المعونات المالية لإسرائيل.

2 ـ المنظمات الصهيونية المحلية: وتتوزع المنظمات الصهيونية المحلية والإقليمية على النحو التالي:

ـ منظمات اجتماعية يهودية.
ـ المنظمات الصهيونية في منطقة لندن.
ـ منظمات صهيونية إقليمية أخرى.

ويُلاحظ المراقب لأنشطة المنظمات الصهيونية في بريطانيا أنها تتركز في مدينة لندن بالأساس، ويرجع ذلك إلى ضخامة عدد اليهود في المدينة.



الباب السادس: ألمانيا



ألمانيــا من العصــور الوســطى حتى عصــر النهضــة
Germany from the Middle Ages to the Renaissance
يعود استقرار بعض أعضاء الجماعات اليهودية في ألمانيا إلى الحملات الرومانية، وكوَّنت الجماعات اليهودية الأولى جزءاً من المـدن الرومانية العسـكرية على نهري الراين والدانوب (وورمز وسبير). وكان أول وأهم هذه المعسكرات معسكر كولونيا (وهي من كلمة لاتينية تعني مستعمرة، وكلمة «كولونيالية» أي «استعمار» مشتقة من الكلمة نفسها). ثم استوطن يهود آخرون في ألمانيا أثناء حكم شارلمان والإمبراطورية الكارولنجية. ويَرد في القرن العاشر الميلادي ذكر تجمعات يهودية في مدن مثل كولون. كما كانت تُوجَد تجمعات في أوجسبرج وورمز ومينز.

وقد كان أعضاء الجماعات اليهودية إبّان حكم الإمبراطورية الكارولنجية تحت حماية الإمبراطور، يتبعونه ويقدم هو لهم المواثيق والحماية والمزايا. وكانت علاقة الكنيسة بهم، وخصوصاً الأساقفة، طيبة على وجه العموم. وكان لليهود رئيسهم الديني الدنيوي الذي كان يُسمَّى «الآرش سينا جوجوس» أو رئيس المعبد، كما كان يُطلَق عليه «ابيسكوبوس جيود وروم» أو «أسقف اليهود».

وأثناء حملة الفرنجة الأولى قام الأساقفة والملوك بحماية أعضاء الجماعات اليهودية من السخط الشعبي عليهم، فأصدر هنري الرابع عدة مواثيق عام 1090 تؤكد الحقوق التي حصلوا عليها في العصر الكارولينجي بشأن حماية ممتلكاتهم وأرواحهم والتي تؤكد أيضاً حرية السفر والعبادة بالنسبة لهم. وكان أعضاء الجماعات اليهودية مُعْفَيْنَ من المكوس والضرائب التي تُفرَض على المسافرين، وكان لهم حق التقاضي فيما بينهم وحق الفصل في الأمور اليهودية المختلفة مثل الزواج والطلاق والتعليم، أي كانت لهم إدارتهم الذاتية. وسُمح لهم بالاستمرار في تجارة الرقيق وأن يقيموا في أماكن خاصة بهم كما هو الحال مع الغرباء كافة. وعادةً ما كانت هذه الأماكن في أحسن موقع بالمدن على الشارع الرئيسي أو بجوار الكوبري الذي يؤدي إلى المدينة والذي يمثل عصبها التجاري. وكان أعضاء الجماعات اليهودية يُعَدُّون عنصراً بالغ الفائدة والنفع للحكام والأمراء والأساقفة والأباطرة. ويظهر ذلك عام 1084 في واحدة من أولى الوثائق التي ضمنت لليهود حقوقهم وامتيازاتهم، وهي خطاب الأسقف الأمير حاكم سبير، الذي دعا اليهود إلى الاستيطان في مدينته كجماعة وظيفية استيطانية، حتى يمكنه أن يحوِّلها من قرية إلى مدينة وأن يخرجها من الاقتصاد الزراعي ويدخلها الاقتصاد التجاري. وأُعطي اليهود الحق في أن يتحصنوا داخل المدينة منعاً لأية هجمات قد تقع عليهم. وحينما اندلعت الاضطرابات ضد أعضاء الجماعة، إبّان حملة الفرنجة، أرسلوا إلى هنري الرابع الذي كان في زيارة إلى إيطاليا، فأصدر أمره إلى الأدواق والأساقفة في ألمانيا بحمايتهم. ومع هذا، استمرت الاضطرابات، وذبح المتظاهرون أحد عشر يهودياً في سبتمبر 1096، فتدخَّل الأسقف واتخذ إجراءات مضادة. ويُقال إن عدد اليهود الذين ذُبحوا في ألمانيا أساساً، وكذلك في غيرها من بلاد أوربا إبّان هذه الحملة، بلغ اثنى عشر ألف يهودي. وهو عدد مُبالَغ فيه. وحينما عاد هنري الرابع من إيطاليا، سُمح لليهود الذين تنصروا عنوة بالعودة إلى دينهم، وأمر بمعاقبة أحد الأساقفة ممن صادروا ممتلكاتهم. كما أصدر قراراً عام 1103 بأن عقوبة الهجوم على أعضاء الجماعات اليهودية أو ممتلكاتهم هي الإعدام، وأن هدنة الرب التي أُعلنت في ذلك الوقت تنطبق على اليهود انطباقها على المسيحيين، وأن اليهود يتمتعون بالحماية نفسها التي يتمتع بها القساوسة.

ولا يُعرَف عدد يهود ألمانيا في هذه الفترة على وجه الدقة، ولكن من المعروف أن بعض الجماعات كان يصل عددها إلى ألفين وأنهم تركزوا أساساً على الشاطئ الغربي لنهر الراين في منطقة اللورين، وفي المراكز التجارية مثل كولونيا ومينز وسبير وورمز، وفي المراكز الدينية والسياسية المسيحية مثل براغ. وكانوا يعملون أساساً بالتجارة الدولية، ولكنهم بدأوا في هذه الفترة بالعمل في الربا أيضاً. وتمكنت السلطات الحاكمة من حماية اليهود إبّان حملة الفرنجة الثانية.

وأصبحت حماية أعضاء الجماعة اليهودية جزءاً من القانون العام، فنعموا بشيء من السلام تحت حماية الإمبراطور، ومنح فريدريك الأول اليهود ميثاقاً لحماية إحدى الجماعات اليهودية عام 1157 استُخدم فيه مصطلح «أقنان بلاط» لأول مرة (وإن كان المفهوم قد ظهر قبل ذلك التاريخ). وأدَّى هذا الوضع إلى ازدياد التصاق أعضاء الجماعة اليهودية بالسلطة الحاكمة. ولكن حمايتهم بشكل كامل لم تكن أمراً ممكناً لأن العداوة ضدهم كانت مسألة متأصلة ذات طابع جماهيري عام، فاليهودي هو الممثل المباشر الواضح للسلطة، كما أن إبهام وضعه جعل منه فريسة سهلة. وهو إلى جانب ذلك يقطن بين الجماهير ويتحرك بينها (على عكس أعضاء الأرستقراطية). ومن ثم، كان اليهودي أضعف الحلقات في سلسلة القمع. وقد اشتغل أعضاء الجماعة اليهودية بالربا، وحدد مرسوم الدوق فريدريك الثاني في النمسا عام 1244 الفائدة على القروض بنحو 173.5%. وكانت القروض تُمنَح بضمان رهونات يستولى عليها المرابي عند فشل المدين في الدفع، الأمر الذي جعل الجـماهير تتهمـهم بامتصاص دم الشـعب، ومن هنا جـاءت تهمة الدم. ولم يكن حق المرابي يسقط في السلعة المرهونة لديه إن ثبت أنها مسروقة، شريطة أن يثبت أنه لم يكن يعرف أنها مسروقة، مع أن هذا مناف للقانون الألماني. ومن ثم، ارتبط أعضاء الجماعة اليهودية باللصوص والتجارة غير الشرعية.

وظهرت في هذه الفترة بيوتات المال الإيطالية والقوى التجارية المحلية التي زاحمت اليهود. فبدأ وضعهم في التدهور، وخصوصاً أن الكنيسة بدأت هي الأخرى في محاربة "المرض اليهودي"، أي الربا. وعُقد المجمع اللاتراني الرابع عام 1215، وهو المجلس الذي حرَّم الربا وفرض على اليهود ارتداء زي خاص بهم وتعليق الشارة اليهودية.

ومع بداية الحملة الثالثة من حملات الفرنجة، بدأ التهييج ضد أعضاء الجماعة اليهودية. فبذل فريدريك الأول قصارى جهده لوقف الثورة الشعبية، وأعلن أن جريمة قتل اليهودي عقوبتها الإعدام، أما إلحاق الأذي به فعقوبته قطع الذراع.

وأخذ الاحتجاج الشعبي شكل تهمة الدم واتهام اليهود بتسميم الآبار. أما تهمة الدم، فهي ولا شك تعبير عن إحساس الجماهير بأن اليهود يمتصون دم ضحاياهم، أي ثروتهم. أما تسميم الآبار، فعلَّق عليها أحد المؤرخين المعاصرين بقوله: « إن السم اليهودي الحقيقي هو ثروتهم »، وهو ما يبيِّن الطابع الشعبوي لهذه الاتهامات. ولعبت الكنيسة دوراً مهماً في حماية اليهود، كما قام الإمبراطور فريدريك الثاني بالتحقيق في إحدى تهم الدم المنسوبة لأعضاء الجماعة اليهودية، وأصدر عام 1236 حكماً ببراءة المتهمين، وأُلحق بحكم البراءة قراراً يجدد الحقوق الممنوحة لليهود بمقتضى قرارات هنري الرابع. ولم يكن القرار يشير إلى يهود إمارة أو اثنتين وإنما كان يشير إلى يهود ألمانيا كافة باعتبارهم أقنان بلاط. وهذا يعني أن اليهود، وكل ما يملكون، أصبحوا من الناحية القانونية ملكاً للإمبراطور وغير خاضعين لأية سلطة أخرى داخل المجتمع. ولخَّص أحد اليهود وضع اليهود كعنصر مالي تجاري حر تابع للإمبراطور بقوله: "إن اليهود غير مرتبطين بأي مكان خاص مثل غير اليهود، وهم فقراء ولكنهم مع هذا لا يباعون كعبيد". ويظهر مدى نفع اليهود في أنهم ساهموا بما يزيد على 12% من دخل الخزانة الإمبراطورية كله عام 1238، و20% من الضرائب التي حصلت في المدن الألمانية، وذلك رغم قلة أعدادهم، إذ كانوا لا يزيدون على 1% أو أقل من مجموع السكان.

وتغيَّر الوضع بعد القرن الرابع عشر، فبعد أن كان أعضاء الجماعات اليهودية يعملون أساساً في التجارة، بدأوا يتوجهون إلى الربا بشكل أكثر وضوحاً. فبعد إصلاح كلوني الذي حرَّم على الأديرة ورجال الدين أن يشتركوا في أعمال الصيرفة والربا، اتسع نطاق اشتغال أعضاء الجماعات اليهودية بهذه الوظيفة وأصبحوا عنصراً مهماً كمرابين يتقاضون فائدة تصل أحياناً إلى 43.5 %. ويُلاحَظ أن الإمبراطور تشارلز الرابع قد نقل عام 1356 حقه في حماية اليهود إلى الأمراء المنتخبين (أي الذين لهم حق انتخاب الإمبراطـور) وأصدر مرسوماً آخر عام 1548 يمنح جميع الأمراء ومدن الراين حق حماية اليهود (أي حق امتلاكهم في واقع الأمر). وبدأ الأمراء والأساقفة يُعيِّنون اليهود للقيام بالأعمال المصرفية. وصاحب ذلك تَصاعُد الهجمات الشعبية على أعضاء الجماعات اليهودية. وقامت ثورات الفـلاحين ضـدهم (1335 ـ 1337) في عـدة مقاطــعات ألمانية. وكانت هذه إرهاصات الثورة الكبرى التي اندلعت ضدهم مع انتشـار الطـاعون أو المـوت الأسود في الفترة من 1341 إلى 1349، وهي فترة انتشر فيها أيضاً توجيه تهمتي الدم وتسميم الآبار إليهم. وقامت بعض الجماعات الألمانية بدفع تعويض للإمبراطـور نظـير السـماح لهم بالتخلص من اليهود. وبدأت في تلك المرحلة هجرة يهود ألمانيا إلى بولندا. وشهد القرن الخامس عشر استمراراً للعلاقة الوثيقة (علاقة الملكية) بين الإمبراطور والأمراء من جهة وأعضاء الجماعة اليهودية من جهة أخرى، بما يتضمنه ذلك من حق الملك في حمايتهم أو استغلالهم. ودافع الملك عن حقه هذا فأصدر مراسيم مختلفة، كما فعل الإمبراطور تشارلز الخامس (1519 - 1556) الذي زاد الضرائب المفروضة عليهم، ولكنه في الوقت نفسه سمح لهم بزيادة الفائدة التي يتقاضونها.

ألمانيـــا منــذ عصـــر النهضــة
Germany since the Renaissance
بحلول القرن السادس عشر، كانت السلطة المركزية في ألمانيا قد اختفت تقريباً، فتم عزل أعضاء الجماعات اليهودية داخل الجيتوات، وفرضـت عليهـم قوانين مهينـة وطُردوا من كثير من المدن والإمارات الألمانية. ولكن، مع هذا، لم يتم طردهم تماماً من كل ألمانيا. فكان بوسعهم الانتقال إلى إحدى الإمارات التي تحتاج إلى خدمتهم.

وشهدت هذه الفترة بدايات ظهور الرأسمالية التجارية التي سبَّبت شقاء للجماهير لم يدركوا مصدره. وكان اليهودي هو الرمز الواضح مرة أخرى لهذا الشقاء. كما أن الطبقات التجارية الصاعدة من سكان المدن دخلت في صراع مع الأمراء ورجال الكنيسة. وكان اليهودي هو حلبة الصراع، فحاول كل طرف الاستفادة من اليهود باعتبارهم عنصراً تجارياً. وكانت العناصر التجارية المحلية ترى في اليهودي غريماً لها، وخصوصـاً أنـه كان أداة في يـد النبلاء. وظهر مارتن لوثر في تلك المرحلة، فطرح رؤيته الخاصة بضرورة تنصير اليهود. ومع نهاية القرن السادس عشر، لم يبق سوى بضع جماعات يهودية في فرانكفورت وورمز وفيينا وبراغ.

وتركت حرب الثلاثين عاماً (1618 ـ 1648) أثرها العميق في يهود ألمانيا، فبعد انتهائها، أصبحت ألمانيا مجموعة غير متماسكة من الدويلات المستقلة تحت حكم حكام مطلقين في حاجة إلى السكان والمال، وهي دويلات (إمارات ودوقيات) ذات تَوجُّه مركنتالي ترى أن مصلحة الدولة هي المصلحة العليا التي تَجب القيم والمثل الأخرى كافة. وكان أعضاء الجماعة اليهودية عنصراً أساسياً في عملية إعادة البناء والبعث التجاري ومصدراً أساسياً للضرائب، كما أصبحوا جزءاً لا يتجزأ من النظام الاقتصادي الجديد.

وشهد القرن السابع عشر كذلك استقرار يهود المارانو في هامبورج حيث أسسوا بنك هامبورج، وبدأت هجرة يهود شرق أوربا من بولندا، بعد هجمات شميلنكي، حيث استوطنت أعداد منهم في هامبورج وغيرها من المدن.
وظهرت تجمعات يهودية في داساو ومانهايم وليبزيج ودرسدن. وفي داخل هذا الإطار، ظهر يهود البلاط الذين ساعدوا الدويلات والإمارات التي كانوا يتبعونها على تنظيم أمورها المالية واستثماراتها، ورتبوا لها الاعتمادات اللازمة لمشاريعها وحروبها ولتمويل مظاهر الترف التي كانت تُشكِّل عنصراً أساسياً بالنسبة للحكام المطلقين. وكان يهود البلاط في منزلة وزير الخارجية والمالية ورئيس المخابرات. فكانوا يقومون بجمع المعلومات، كما كانوا أداة مهمة في يد الحكام المطلقين الألمان لابتزاز جماهيرهم وزيادة ريع الدولة. وكان يهودي البلاط (وهو عادةً قائد الجماعة اليهودية) يُعَدُّ عنصراً موالياً للدولة مكروهاً من جماهيرها، وهو ما جعل وضع الجماعة ككل محفوفاً بالمخاطر.

ومع بدايات القرن الثامن عشر، وظهور جهاز الدولة القوي، لم تَعُد هناك حاجة إلى يهود البلاط ولا إلى الجماعات اليهودية كجماعة وظيفية وسيطة. وبدأت محاولات ضبط اليهود وتحديثهم، فأصدرت الدويلات الألمانية المطلقة، وبروسيا، نظماً مختلفة للإشراف على اليهود لتنظيم سائر تفاصيل حياتهم ولاستغلالهم. وكانت هذه القوانين تنظم حقوقهم وامتيازاتهم كما تحدد دخولهم، ومدى أحقيتهم في الاستيطان، ومدة بقائهم، وعدد الزيجات التي يمكن أن تتم، وعدد الأطفال المصرح لهم بإنجابهم، ومسائل الوراثة وطرق إدارة الأعمال، وسلوكهم، وضرائبهم، وحتى السلع التي يحق لهم شراؤها. ولعل القوانين التي صدرت في بروسيا هي خير مثل على ذلك، إذ تم تقسيم أعضاء الجماعة حسـب مرسـوم فريدريك الثاني (الأكبر)، الصـادر عـام 1750، إلى أقسام حسب وضعهم في المجتمع. وكانت أعلى الطبقات طبقة اليهود المتميِّزين بشكل عام الذين يتمتعون بكل الحقوق التي يتمتع بها المواطنون، تليها طبقة المتمتعين بحماية عامة، وهؤلاء كانوا يتمتعون بكثير من الحقوق ولكنهم لم يكن من حقهم توريثها إلا للابن الأكبر دون بقية الأولاد، ثم طبقة اليهود المتمتعين بحماية خاصة ولا يمكنهم توريث حقوقهم لأحد. أما اليهود الذين كانوا يتمتعون بتسامح الدولة، فكان لا يُسمح لهم بالزواج وكان عليهم ترك بروسيا عند رغبتهم في الزواج.

وبدأت الدويـلات الألمانية في تلك المرحلـة محـاولة دمـج وتحديث أعضاء الجماعة اليهودية، فأصدر فريدريك الأكبر ميثاقاً يضمن لهم حق العبادة. وشجع كثير من الإمارات أعضاء الجماعات اليهودية، وخصوصاً المارانو، على الاستيطان فيها لتنشيط التجار. وصاحب ذلك استصدار قوانين تحمي حقوقهم الاقتصادية والسياسية والدينية.

وتأثر وضع يهود ألمانيا بالثورة الفرنسية التي عَجَّلت بعملية إعتاقهم. وبعد سقوط نابليون، تقهقر وضعهم قليلاً. ولكنهم مُنحوا حقوقهم إبّان القرن التاسع عشر، وزاد اندماجهم بدرجة كبيرة. وظهرت بعد ذلك حركة التنوير، واليهودية الإصلاحية، والاتجاهات اليهودية الأخرى. ومع منتصف القرن، كان اليهود قد حصلوا على معظم حقوقهم. وفي الفترة من 1871 إلى 1914، كانوا قد حصلوا على حقوقهم كاملة واندمجوا في المحيط الثقافي تماماً، فتنصرت نسبة عالية من مثقفيهم، مثل هايني ووالد كارل ماركس وأولاد مندلسون وغيرهم، واختفت أعداد كبيرة منهم عن طريق الزواج المختلط.

وكان إتمام دمج يهود ألمانيا وتحديثهم على نمط يهود الغرب ممكناً. فيهود ألمانيا كانوا يعتبرون أنفسهم من يهود الغرب باعتبار أن يهود شرق أوربا هم يهود الشرق، كما أن ارتباط يهود أوربا بالثقافة الألمانية كان أمراً واضحاً. ولكن ثمة ظروفاً خاصة بهم وببنية المجتمع الألماني أدَّت في نهاية الأمر إلى تصفيتهم وتصفية يهود أوربا خارج الاتحاد السوفيتي، وهي الظروف التي أدَّت إلى الإبادة.

وفي عام 1948، كان عدد أعضاء الجماعة اليهودية في ألمانيا عشرين ألفاً فقط، بلغ عام 1992 نحو 50.000 من مجموع عدد السكان البالغ 80.606.000. ويبدو أن الزيادة ناجمة عن هجرة أعداد كبيرة من اليهود مرة أخرى إلى ألمانيا، من بينهم أعداد كبيرة من الإسـرائيليين الذين تركَّزوا في مهن مشـينة مثـل الاتجار بالمخدرات والبغـاء.

ونشير هنا إلى بعض التنظيمات والمؤسسات الخاصة بأعضاء الجماعة اليهودية في ألمانيا:

أ) المجلس المركزي لليهود في ألمانيا. وهي المنظمة المركزية للجماعة اليهودية في ألمانيا والجهة التي تمثلهم لدى المؤتمر اليهودي العالمي ومقرها دوسلدورف. وتقوم برعاية المصالح السياسية للجماعة ورعاية المسائل الخاصة بالتعويضات، كما تهتم بمراقبة أي علامات قد تشير إلى احتمال بعث النازية.

ب) النداء اليهودي الموحَّد. وهي المنظمة الأساسية المسئولة عن جمع التبرعات وتدبير الموارد المالية ومقرها فرانكفورت.

جـ) المجلس المركزي لخدمات الرفاه الاجتماعي ليهود ألمانيا، ومقرها فرانكفورت. وهي المنظمة الأساسية العاملة في المجالات الخيرية ومجال الخدمة الاجتماعية.

د) مؤتمر حاخامات ألمانيا الغربية. وهو الإطار الذي يضم الحاخامات الذين يقومون بمهامهم الدينية بين أعضاء الجماعة اليهودية في تجمعاتهم المختلفة.

أوتـو فــون بســمارك (1815-1898)
Otto (Von) Bismark
رجل دولة بروسي، موحِّد ومؤسس الإمبراطورية الألمانية وأول رئيس وزراء لها. اتسم بسمارك بدهائه السياسي وبقدراته الفائقة على المناورة السياسية، سواء في الداخل أو الخارج. وكانت الدولة في نظر بسمارك هي القوة، كما أن الحرب (على حدّ قول القائد والكاتب الحربي البروسي كلاوزفتز) ما هي إلا استمرار للسياسة بأشكال أخرى. فكلما ازدادت أطماع السياسة ازداد نطاق التسلُّح، وكلما ازداد نطاق التسلح اتسعت مجالات السياسة. وكان بسمارك يسعى إلى توحيد الولايات الألمانية المختلفة في إطار دولة ألمانية حديثــة موحَّدة تضـم الشـعب الألماني. وكانت جذوره الإقطاعية، وميراثه من المبادئ المحافظة القوية، تضعه على نقيض التيارات الليبرالية، وإن تحالف معها لفترة لاستيعاب خطرها من جهة ولتحقيق أغراضه السياسية من جهة أخرى. وظل بسمارك مؤمناً بأن مستقبل الدولة الألمانية سيتشكل في ظل نظام عسكري صارم، ورفض أن يكون للبرلمان أية سلطة حقيقية على الجيش أو أن يشارك البرلمان في وضع سياسة الدولة. وخاضت بروسيا تحت قيادته عدة حروب أثبتت من خلالها إمكان تحقيق نتائج إيجابية من خلال تطبيق العلوم والأساليب البروسية في فن الحرب، كما أنذرت هذه الحرب بظهور عصر تتقرر فيه أحداث التاريخ العظمى بالقدرة النسبية للدول على استخدام مواردها الفنية والعلمية، فيكون تسيير دفة الحرب شبيهاً أكثر فأكثر بإدارة عمل صناعي واسع النطاق متشعب الفروع.

أسَّس بسمارك عام 1866، بمقتضى الدستور الجديد لذلك العام، مجلس نواب سُمي «الرايخستاج». وحقق الليبراليون الوطنيون الأغلبية في البرلمان. لكنه، ورغم معاداته لليبرالية، تَعاوَن معهم مقابل مساندتهم له ولسياسته الخارجية والداخلية، وخصوصاً سياسته ضد الكنيسة الكاثوليكية. وتزايدت مخاوف بسمارك من الكاثوليك بعد أن حصل حزب ديني كاثوليكي معاد لبسمارك على 58 مقعداً في البرلمان. وانتهج بسمارك سياسة معادية لهم فيما عرف بالكولتوركامبف Kulturkampf، أي الصراع الحضاري، حيث اشتد الصراع بين الدولة من جهة ورجال الدين الكاثوليك من جهة أخرى حول السيطرة على التعليم. وكان لهذا الصراع غرض آخر أيضاً بالنسبة لبسمارك وهو تعزيز وحدة الإمبراطورية الجديدة من خلال خلق عدو مشترك، وخصوصاً في غياب العدو الخارجي. وكان من بين الليبراليين الذين أيَّدوا بسمارك في سنواته الأولى نواب يهود أمثال إدوارد لاسكر ولودفيج بامبرجر وغيرهما. وقد كان لهذا الأخير دور مهم في السياسات المالية للحكومة الألمانية ودور مهم في تطوير البنك المركزي.

ورغم أن بسمارك كان يُتَّهم أحياناً بمعاداة اليهود، إلا أن جميع مواقفه تجاه اليهود وعلاقاته بالشخصيات اليهودية ارتبطت باعتبارات المصالح السياسية أو الاقتصادية المتبادلة. وربطته صداقة بأحد أفراد أسرة روتشيلد، كما كانت له علاقة خاصة مع المفكر الاشتراكي الألماني فرديناند لاسال نظراً لموقفهما المشترك المعارض لليبرالية. ولكن أهم علاقات بسمارك المالية كانت مع المموِّل الألماني اليهودي جيرسون بليخرودر الذي استفاد بخبراته المالية إلى درجة أنه اتُهم عام 1875، بسبب صداقته هذه، بأنه "جعل اليهود وشركاءهم الطبقة الحاكمة في ألمانيا". وقد حصل أعضاء الجماعة اليهودية في ألمانيا على كامل حقوقهم المدنية في ظل رئاسة بسمارك للحكومة. كما أيَّد بسمارك في مؤتمر برلين (1878) القرارات الرامية لحماية حقوق أعضاء الجماعات اليهودية في دول البلقان، وتم ذلك في إطار اعتبارات العلاقات والمصالح الدولية. كان بسمارك يستاء من يهود بولندا (وهو شعور شاركه فيه يهود ألمانيا تجاه يهود شرق أوربا ذوي الثقافة اليديشية المغايرة). إلا أن موقفه هذا نبع من استيائه من كل ما هو بولندي. وكان بسمارك مؤمناً بأن الطموحات القومية البولندية تشكل التهديد الأكبر لوجود بروسيا ووحدة ألمانيا، ولكن ابتداءً من عام 1878 فَقَد بسمارك تأييد الليبراليين له ومن بينهم أعضاء الجماعة اليهودية بعد أن بدأ في انتهاج سياسة محافظة، وخصوصاً في مجال التجارة الخارجية، حيث أقر عام 1879 مبدأ الحماية الجمركية على السلع الزراعية والصناعية. وكان تدهور أسعار السلع الزراعية يهدد مكانة الطبقة الأرستقراطية الريفية التي ينتمي إليها بسمارك والتي كان يريد الحفاظ على سيادتها، كما كان يريد الحفاظ على العمال الزراعيين الذين كانوا يشكِّلون المصدر الأساسي لخيرة جنود الجيش الألماني، وذلك بالإضافة إلى أن الصناعة في ألمانيا كانت قد تطوَّرت إلى حدٍّ كبير، وبالتالي، ارتفعت الأصوات المطالبة بالحماية. واستغل بسمارك محاولة اغتيال وليام الأول عام 1878 لشن سياسة قمعية ضد الاشتراكيين، وللقيام بمحاولة لتدمير الليبراليين الوطنيين كقوة سياسية. فوضع قانوناً صارماً معادياً للاشتراكيين يضعهم تحت رحمة الشرطة، كما بدأ في التعاون مع الحزب الديني الكاثوليكي وفي رفع الإجراءات السابقة التي اتُخذت ضد الكاثوليك، وخصوصاً أن قاعدة هذا الحزب من الفلاحين الألمان كانت معادية لليبرالية ومعادية للتجارة الحرة. وتحول الاشتراكيون في ظل التوجه الجديد إلى العدو المشترك الذي وُجِّه إليه السخط الشعبي. ولم يعتمد بسمارك على القمع فقط لضرب الحزب الديموقراطي الاشتراكي، بل كان أول رجل دولة أوربي يطور نظاماً شاملاً للتأمين الاجتماعي، وبالتالي حرم الحزب الذي كان ينمو نمواً مطرداً من مقدرته على إثارة الفقراء وإذكاء سخط المحرومين. وبالإضافة إلى ذلك، كان بسمارك يعي أنه إذا أراد الإبقـاء على بنَى نظمه ومؤسـساته سلمياً، فإن عليه تخفيف معاناة الطبقات العـاملة، وقد كان ذلك يتفـق مع رؤيته الأبـوية لـدور الدولة.
صاحب توسع ألمانيا الصناعي والتجاري تَزايُد المطامع الاستعمارية، وتكوَّنت عام 1883 الشعبة الاستعمارية في الرايخستاج، ونجح بسمارك خلال عام واحد فقط في الحصول لألمانيا على مستعمرات في مناطق عديدة من أفريقيا. ولكن، مع دخول ألمانيا حلبة الاستعمار، تضاعفت فرص الاحتكاك بينها وبين إنجلترا التي كانت تمتلك العديد من المستعمرات في أنحاء العالم. وقد استغل بسمارك هذه الخلافات مع إنجلترا كقضية محورية لانتخابات عام 1884. وفي هذه الفترة، بدأت تُطرَح حلول للمســألة اليهودية داخل التشكيل الاستعماري، ومن ثم بدأ الحديث عن فلسـطين باعتبارهـا مجالاً حيوياً لأوربا يمكن إلقـاء اليهود فيه.

أقام بسمارك عام 1872 التحالف الإمبراطوري الثلاثي مع روسيا والإمبراطورية النمساوية المجرية. وفي عام 1879، أبرم معاهدة سرية مع النمسا، وانضمت إليها إيطاليا عام 1882، ثم أبرم معاهدة سرية أخرى مع روسيا عام 1887. وكانت هذه التحالفات تهدف إلى منع اندلاع حرب بين روسيا والإمبراطورية النمساوية المجرية حول دول البلقان قد تتورط فيها ألمانيا، كما كانت موجهة أيضاً إلى فرنسا التي اعتبرها بسمارك عدو ألمانيا الأخطر، نظراً لرغبتها في الانتقام لهزيمتها أمام ألمانيا. وانتهج بسمارك سياسة تهدف إلى عزل فرنسا في أوربا، واستغل المطامع الاستعمارية الأوربية كأداة لدبلوماسيته المعادية لفرنسا، فشجع فرنسا على استعمار تونس لتحتك بإيطاليا، وشجع إنجلترا على استعمار مصر كي تدخل في صراع مع فرنسا. ورغم أنه كان ملكياً في ألمانيا، إلا أنه شجع النظام الجمهوري في فرنسا حيث كان يراه أضعف جميع أشكال الحكم وأسوأها، وأنه سيخلق فجوة عقائدية بين فرنسا من جهة وبين الإمبراطوريتين الروسية والنمساوية المجرية من جهة، الأمر الذي يُضعف احتمالات تحالفهما معها ضد ألمانيا.

وقد أقيل بسمارك من منصبه عام 1890 بعد أن جاء الإمبراطور الشاب وليام الثاني الذي قال:"ليس هناك غير سيد واحد في هذه المملكة هو أنا". ولا شك في أن بسمارك كان شخصية فذة، رسَّخ،خلال ثمان وعشرين سنة من إدارته الدولة بنجاح، قواعد مهمة في السياسة والعلاقات الدولية شكلت ميراث الدول الأوربية والغربية بصفة عامة. فقد أشعل الحروب ودبر المؤامرات وأقام التحالفات وأبرم المعاهدات وآمن بالقوة باعتبارها أساساً في العلاقات الدولية وآمن بسياسة الخداع والمناورة بعيداً عن اعتبارات الحق والأخلاق، إلا أنه آمن في الوقت نفسه بفن الممكن فلم يسع إلى السيطرة على أوربا ولكن إلى تحقيق التوازن بين القوى الكبرى واللعب على التناقضات فيما بينها بمهارة فائقة بما يحقق في نهاية الأمر مصالح الإمبراطورية الألمانية.




الباب السابع: النمسا وهولندا وإيطاليا



النمـسـا
Austria
يعود استقرار أعضاء الجماعات اليهودية في النمسا إلى أيام الغزو الروماني. ومع العصور الوسطى، أصبح تاريخ يهود النمسا هو تاريخ يهود فيينا. وتحدَّد ووضع اليهود بوصفهم أقنان بلاط وجماعة وظيفية وسيطة في تلك الآونة شأنهم في هذا شأن كل الجماعات اليهودية في أوربا. وقد أصدر الدوق فريدريك الثاني (عام 1244) ميثاقاً يمنح اليهود مزايا ويحدد حقوقهم كيهود بلاط، وأصبح هذا الميثاق نموذجاً للمواثيق المماثلة في المجر وبوهيميا وسيليزيا وبولندا.

ومع صدور الفرمان الذهبي عام 1356، وُضع اليهود تحت حماية الحكام الإمبراطوريين المنتخبين «إليكتورز Electors»، فأصبح لهم حق فرض الضرائب على أعضاء الجماعات اليهودية وحمايتهم أو طردهم دون تَدخُّل الإمبراطور. وطُرد اليهود جميعاً من النمسا عام 1421، ولكنهم مع هذا لم يختفوا تماماً.

سمح فريدريك الثالث (1440 ـ 1493) لليهود بالعودة، ولذا سُمِّي «ملك اليهود».ولكن ماكسيميليان الأول (1493 ـ 1519) أصدر أمراً بطردهم،وخصوصاً أن بعض المقاطعات وعدت بتعويض الإمبراطور عما سيحيق به من خسائر مالية نتيجة لذلك، وظل هذا هو النمط العام السائد:يُطرَد أعضاء الجماعات اليهودية من بعض المقاطعات فيدخلون غيرها،ثم يُسمَح لهم بالعودة، وهكذا.

وفي القرن السابع عشر، ظهر يهود البلاط ومن أهمهم سامسون فرتايمر وصموئيل أوبنهايمر. وظل وضع الجماعة اليهودية كجماعة وظيفية وسيطة قائماً ولكن قلقاً، وقد وصفتهم الإمبراطورة ماريا تريزا بأنهم « وباء » وبأنهم « مرابون غشاشون »، وفرضت عليهم ضرائب ثقيلة. كما أصدرت عام 1744 أمراً بطردهم من بوهيميا حينما انتشرت شائعة بأنهم خانوا النمسا أثناء حربها مع فريدريك الأكبر إمبراطور بروسيا. ولكن السلطات المحلية وجدت أن لليهود نفعاً كبيراً، فتوسطت لإلغاء قرار الطرد، وتم ذلك فعلاً عام 1748.

وفي عام 1760، أصدرت ماريا تريزا مرسوماً بأن يرتدي اليهـود غير الملتحـين شـارة اليهود ولكنهـا منعـت تعميد الأطفال بالقوة. ويبدو أن محاولة إصلاح اليهود بدأت في عهدها، فأصدرت أمراً بتيسير عملهم كصباغين وجواهرجية وبائعي ملابس يصنعونها بأنفسهم، وإن كان من الواضح أن هذه هي بعض الحرف التي عملوا فيها نظراً لارتباطها بالوظائف التي تضطلع بها الجماعة الوظيفية الوسيطة.

وبدأت المحاولات الجادة لدمج اليهود والقضاء على عزلتهم وخصوصيتهم في عهد جوزيف الثاني الذي أصدر عام 1782 براءة التسامح، وهي من أهم الوثائق في تواريخ الجماعات اليهودية في الغرب والتي تهدف إلى تحويل اليهود إلى عنصر نافع للدولة. وقد مُنح اليهود بالفعل حقوقهم الكاملة عام 1867، فأُتيحت لهم فرص التعليم والحراك الاجتماعي. ثم تصاعد دمج اليهود في المجتمع النمساوي وفي كل أرجاء الإمبراطورية النمساوية المجرية، فاشترك كبار المموِّلين اليهود ومن بينهم أسرة روتشيلد في عملية التصنيع، وانتُخب أعضاء يهود في المجالس النيابية، وأُعيد تنظيم الجماعة اليهودية بحيث أصبح لكل منطقة جماعة يهودية واحدة بغض النظر عن الخلافات الدينية بين أعضائها.

ووصلت أعداد كبيرة من يهود اليديشية من المجر وجاليشيا وبكوفينا إلى النمسا، واستوطنوا فيينا التي تزايد عدد سكانها من اليهود لهذا السبب. وقد كان عدد يهود فيينا عام 1846 نحو 3.739، زاد إلى 9.731 عام 1850 وإلى 15.000 عام 1854. وفي عام 1923، كان عددهم 201.513. وساعد هذا الوضع على ظهور الصهيونية التوطينية. وكانت فيينا المدينة التي يعمل فيها هرتزل مؤسِّس الصهيونية، والتي قضى فيها معظم حياته. كما أدَّى تزايد اليهود إلى تزايد معدلات معاداة اليهود، فظهرت أحزاب معادية لليهودية مثل الحزب الاجتماعي المسيحي الذي كان زعيمه كارل ليوجر. ولكن الحكومة اتخذت موقفاً معادياً لهذه الأحزاب.

وبعد الحرب العالمية الأولى، كان عدد اليهود 300 ألف منهم 201.011 في فيينا. وكان أعضاء الجماعة اليهودية يشكلون الأغلبية في عدة قطاعات استهلاكية، فكانت نسبتهم تتراوح بين 100% و65% من مالكي المصارف والمطاعم وتجارة الخمور والأحذية والفراء والمنسوجات والأخشاب وصناعة الأثاث والصحف وشركات الإعلانات ومحطات الإذاعة وقطاع السينما وصالونات التجميل. وتركزوا كذلك في تجارة البترول والزيوت والقبعات. وكانت النسبة تصل أحياناً إلى 94% (المطاعم) بل إلى 100% (تجارة الخردة). وتركزوا كذلك في مهن بعينها دون غيرها، فكانوا يشكِّلون 70% من جملة العلماء و51% من جراحي الأسنان والأطباء و23% من أساتذة الجامعة (منهم 45% في كليات الطب) و62% من جملة المحامين و55% من جملة الصاغة.

كان هذا هو الوضع الاقتصادي الذي تَحدَّث عنه هرتزل حينما وصف اليهود بأنهم طبقة وسطى ومثقفون، وهو ما يبين جهله الشديد بوضع يهود شرق أوربا أي يهود اليديشية. وقد بيَّن إحصاء عام 1923 أن عدد اليهود في النمسا هو 220.208، أما إحصاء عام 1934 فيبين أن عددهم هو 191.481، أي 2.8% من جملة السكان، أي أن عدد اليهود نقص 28.727 في نحو عشرة أعوام. ولعل هذا كان بسبب تناقص نسبة المواليد. وكان عدد المواليد في فيينا 2.733 نسمة عام 1923، هبط إلى 1.362 عام 1928 ثم إلى 900 عام 1933 وإلى 757 عام 1936. وفي الوقت نفسه، زاد معدل الوفيات، ففي عام 1923 كان عدد الوفيات 2.571 في فيينا، زاد إلى 2.669 عام 1928 وإلى 2.689 عام 1933 وإلى 2.751 عام 1936، أي أن عدد الوفيات زاد عن عدد المواليد بنحو ألفي نسمة عام 1936. وهذه الأرقام قد تفيد في تحديد عدد ضحايا الإبادة الحقيقي.

وبعـد الحـرب العـالمية الثانية، بلغ عدد يهود النمسا نحو 12 ألفاً. ويبلغ عددهم في الوقت الحاضر 3000 من مجموع السكان البالغ عددهم 7.805.000، وهم مندمجون تماماً في مجتمعهم. ومن أهم يهود النمسا المستشار كرايسكي، وهو يهودي معاد للصهيونية. ويقوم كثير من يهود الاتحاد السوفيتي بالتوقف في النمسا وتغيير مسارهم، فيتجهون إلى الولايات المتحدة بدلاً من إسرائيل.

وتضم النمسا تنظيمات ومؤسسات ينتظم فيها أعضاء الجماعة اليهودية من أهمها: اتحاد الجماعات اليهودية في النمسا. وهي المنظمة المركزية التي تمثل الجماعات اليهودية المختلفة في النمسا، والجهة التي تمثلهم لدى المؤتمر اليهـودي العالمي. كما تُوجَد منظمـات صهيونية مختلفـة.

وتضم فيينا المعبد اليهودي الأساسي، كما توجد حجرات مخصصة للعبادة للجماعة السفاردية والجماعات الأرثوذكسية. كما توجد معابد أخرى في مدن بادن ولنز وسالزبورج. ويترأس الجماعة اليهودية من الناحية الدينية كبير الحاخامات، إلا أنه لا يحظى باعتراف الجماعة الأرثوذكسية.

هولنــدا
Holland
كانت هولندا في العصور الوسطى في الغرب جزءاً من الإمبراطورية الرومانية المقدَّسة. ولذا، كان وضع أعضاء الجماعة اليهودية فيها يشبه وضعهم في مختلف أرجاء أوربا، أي أقنان بلاط وجماعة وظيفية وسيطة. ويبدأ التاريخ الحقيقي للجماعة اليهودية بوصول يهود المارانو (السفارد) مع نهاية القرن السادس عشر الميلادي. وقد استقرت أغلبية المارانو في أمستردام، ولم يتم الاعتراف بهم كمواطنين هولنديين في بادئ الأمر. إلا أنهم، بعد قليل، أُعطوا حقوقهم كافة وتمتعوا بدعم هولندا خارج حدودها. بل إن السلطات الهولندية كانت تفضل اليهود على الكاثوليك، ولذا سُمِّيت أمستردام «القدس الثانية». ولحق بالسفارد أعداد من الإشكناز ابتداءً من عام 1620 إلى أن فاقوهم عدداً وإن ظلوا في الوضع الأدنى طبقياً واجتماعياً وفكرياً. وأصبحت الجماعة اليهودية في أمستردام أكبر جماعة يهودية في غرب أوربا، بلغ عددها عشرة آلاف، وكان ثقلها الاقتصادي يفوق ثقلها العددي. وكان يهود المارانو، رغم طردهم من شبه جزيرة أيبريا، تربطهم علاقة قوية بوطنهم الأم، وكانوا يجيدون الإسبانية والبرتغالية وبعض اللغات الأوربية الأخرى. ولذا، كانوا يتاجرون مع إسبانيا والبرتغال ويمثلونهما في كثير من أنحاء أوربا، ويشكلون حلقة اتصال مهمة بين شقي أوربا البروتستانتي والكاثوليكي، بل كانت شبكة التجارة اليهودية تمتد لتشمل الدولة العثمانية وموانئ البحر الأبيض المتوسط التي كان فيها عنصر سفاردي ماراني قوي. كما كان يوجد يهود سفارد في العالم الجديد، في البرازيل وسورينام وغيرهما، وكذلك في جزر الهند الغربية وفي أجزاء من أفريقيا، وهو ما وسع نطاق الشبكة. كما ازدادت الحلقة اتساعاًً من خلال يهود الأرندا في بولندا ويهود البلاط في وسط أوربا. لكل هذا، لعب أعضاء الجماعة اليهودية دوراً اقتصادياً مهماً تميل بعض الدراسات إلى المبالغة في أهميته. وكان من بين اليهود من يعمل بالربا وتجارة الجملة والتجارة الدولية، وكذلك تجارة الماس والتبغ والحرير والرقيق. وقد أصبحت أمستردام مركزاً للتجارة بسبب عدة عناصر من بينها وجود عدد كبير من اليهود السفارد فيها. كما كانوا يشتغلون بالشئون المالية في شركات تأمين ومصارف، وكسماسرة ويهود بلاط (وحينما ذهب وليام الثالث ليعتلي عرش إنجلترا، اقترض نحو مليوني جلدر من أحد يهود البلاط السفارد). وكان بينهم طابعو كتب وأصحاب معامل تكرير سكر. كما كان منهم الأطباء والصيادلة. وبلغ نفوذ أعضاء الجماعة المالي من قوته حد أن سوق الأسهم كانت تغلق يوم السبت. ولذا، أصبحت المضاربة في الأسهم من أهم نشاطاتهم، حتى أن أحد اليهود وصف النبي أيوب بأنه أول من تاجر بالأسهم، فالأسهم تصعد أسعارها وتهبط دائماً دون سبب واضح، ولذا كان عليه التحلي بالصبر والإذعان لقوانين لا يفهمها (وهذا يشبه إلى حدٍّ كبير حديث إسبينوزا، ابن مدينة أمستردام، عن الضرورة ووهم الحرية، وعن تحقيق الحرية من خلال الإذعان لقوانين الطبيعة الصارمة).

ولكن الإحصاءات تبيِّن أن قوتهم كانت محدودة فهم لم يمتلكوا سوى 2% من مجموع الثروات التي كان يمتلكها أثرياء هولندا آنذاك. ومن أشهر يهود السفارد منَسَّى بن إسرائيل وديفيد دي بنتو أكبر المساهمين في شركة الهند الشرقية الهولندية والذي اشتهر بكتاباته عن الاقتصاد والمال التي سماها سومبارت "نشيد الأنشاد الخاص بنظام الدين العام والملكية". وقد أسس سومبارت نظريته عن علاقة اليهود بنشأة الرأسمالية، بدراسته لدور يهود السفارد (المارانو) في أوربا على وجه العموم وهولندا على وجه التحديد.

وكان للإشكناز دور اقتصادي أيضاً، ولكنه مختلف بعض الشيء. فلم تكن لهم علاقات دولية مثل السفارد، ولم تكن لديهم الخبرات أو رءوس الأموال المطلوبة، فكانوا تجار عملة ووسطاء. ونشطوا في صناعة الحرير وتجارة التبغ والماس وتجارة القطاعي إذ كانوا يشترون بضائع شركة الهند الشرقية وأصبحوا من أهم مستوردي الماس، وكان من بينهم طابعو وموزعو الكتب. وتزايدت ثروة الإشكناز واتسع نطاق تجارتهم في العملة والسلع. ولكن السفارد ظلوا، مع هذا، يتمتعون بالثروات الكبيرة والمستوى الثقافي الرفيع والمكانة الاجتماعية. وكان يهود هولندا من أكثر اليهود حداثة في العالم، فكان هناك تَزايُد في الزواج المُختلَط بالهولنديات. ويُلاحَظ أن رؤساء الجماعة اليهودية كانوا يرتدون أزياء الهولنديين نفسها بل ويسمحون لهم برسمهم. وحينما سمح إسبينوزا لرمبرانت بأن يرسمه، لم يكن إسبينوزا يقوم بفعل غير عادي من منظور الجماعة اليهودية. ومن الواضح أن يهود أمستردام كانوا قد استوعبوا التراث الحضـاري الهولنـدي في عصرهم وتمثلـوه واسـتوعبوه واستوعبهم، وهي ظاهرة عامة بين أعضاء الجماعات اليهودية في كثير من الحقب التاريخية. وكان يهود هولندا يتحدثون الهولندية إلى جانب لغات أخرى (الإسبانية والبرتغالية بالنسبة للسفارد، واليديشية بالنسبة للإشكناز). وقام اليهود السفارد بنقل الأعمال الأدبية والفكرية الغربية إلى اللغات واللهجات التي يتحدثون بها. كما شكلوا نخبة تجارية مالية دولية تحتفظ بمسافة بينها وبين الإشكناز (من شرق أوربا). وكان الإشكناز والسفارد لا يتزاوجون فيما بينهم. ولم يكن بمقدور الإشكناز الحصول على مقاعد دائمة في المعبد السفاردي، بل كان معظمهم يعملون خدماً وكانت تُوجَد بطبيعة الحال نسبة من الفقراء السفارد.

ويُلاحَظ كذلك أن اليهودية، كنسق ديني وكمؤسسة، كانت في حالة تَراجُع وتآكُل، فالقبَّالاه اللوريانية كانت قد سيطرت على معظم يهود أوربا، وهي صيغة حلولية مادية استوعبها يهود هولندا، وخصوصاً السفارد (ومن بينهم إسبينوزا)، فأثرت في رؤيتهم للعالم بشكل عميق. ولكن مع تدهور وضع هولندا الاقتصادي (بظهور القوة الإنجليزية)، تدهور وضعهم أيضاً. وازداد التدهور مع الأزمة الاقتصادية في الفترة 1772 ـ 1773. وتسبَّبت الحرب مع إنجلترا في دمار شركة الهند الشرقية الهولندية التي كان كثير من اليهود يمتلكون أسهماً فيها. وتزايد الانهيار مع حرب الثلاثين عاماً. وفي نهاية الأمر، أدَّى وصول قوات فرنسا الثورية إلى قطع علاقة يهود هولندا مع الشبكة التجارية اليهودية، وهو ما أدَّى إلى دمارهم تماماً. وعلى كلٍّ، كانت التجارة الدولية في أوربا قد بدأت تأخذ شكلاً ضخماً ومركباً تجاوز قدرات الشبكة اليهودية التي لم يكن بمقدورها أن تستوعب حركة البضائع على هذا النطاق الضخم.

وكان يرأس الجماعة اليهودية السفاردية مجلس الماهاماد الذي سيطر على اليهود بيد من حديد، حيث كانت له صلاحيات مثل تلك التي كانت تتمتع بها محاكم التفتيش بل كان يسلك سلوكها، وربما تكون خلفية السفارد الإسبانية قد لعبت دوراً في ذلك. ويُلاحَظ انتشار القبَّالاه اللوريانية في هولندا. ولذا، حينما ظهر الماشيَّح الدجال (شبتاي تسفي) تبعته أعداد كبيرة من السفارد، وأدَّى فشل حركته إلى خيبة الأمل وإلى المزيد من التفسخ. ويمكن القول بأن انتشار الفكر القبَّالي الحلولي وثراء يهود أمستردام هو الخلفية الاجتماعية والفكرية لفلسفة إسبينوزا، وهو أول مفكر غربي في العصر الحديث من أصل يهودي ترك اليهودية ولم يتبن ديناً آخر. وبذا، فإنه يعد أول يهودي علماني بل أول فيلسوف علماني. وحينما وصلت جيوش فرنسا الثورية عام 1796 وأسَّست الجمهورية الباتفية، لم يتغير وضع أعضاء الجماعة اليهودية الذين كانوا يتمتعون بكل حقوقهم.

وفي أوائل القرن التاسع عشر، لم يكن الوضع الاقتصادي في هولندا مستقراً، فتدهور حال أعضاء الجماعة. ومما يدل على هذا التدهور أن كثيراً من اليهود السفارد (في أمستردام) صُنِّفوا باعتبارهم فقراء. ويمكن افتراض أن الصورة العامة في بقية هولندا لم تكن مختلفة كثيراً إن لم تكن أسوأ. وكان عدد اليهود في هولندا عام 1780 ثلاثين ألفاً، منهم ثلاثة آلاف سفاردي، زاد إلى ثلاثة وخمسين ألفاً عام 1810، وكانت الزيادة كلها إشكنازية. ومع عام 1889، وصل عدد يهود هولندا إلى ثلاثة وثمانين ألفاً، منهم 5.070 من السفارد. وبلغ عددهم 106.409عام 1909، منهم 6624 من السفارد. وبلغ عددهم 139.687 عام 1941. أما في عام 1946، أي بعد الحرب، فبلغ عدد اليهود ثلاثين ألفاً من بينهم ثمانية آلاف ممن تزوجوا زيجات مُختلَطة. وانخفض عددهم إلى 26.623 عام 1954، أي خلال ثمانية أعوام. كان يعيش منهم 14.068، أي أكثر من نصفهم، في أمستردام. ويُعزَى النقص إلى العزوف عن الإنجاب وإلى انخفاض عدد المواليد وارتفاع نسبة الوفيات. كما يُعزَى هذا النقص إلى الهجرة، إذ هاجر خلال هذه الفترة 4492 يهودياً من هولندا (لم يهاجر منهم سوى 1399 إلى إسرائيل). وأدَّت التعويضات الألمانية إلى تغيير البناء الطبقي ليهود هولندا تماماً، إذ تحوَّل أعضاء الطبقة العاملة منهم إلى أثرياء، وهذا ما أدَّى إلى تزايد معدل الاندماج والعلمنة.

وبلغ عدد اليهود عام 1968 اثنين وعشرين ألف يهودي، أغلبيتهم في أمستردام. أما في عام 1992، فبلغ عددهم نحو خمسة وعشرين ألفاً من مجموع السكان البالغ 15.270.000 نسمة. وهم يُعتبَرون، بهذا، أقلية صغيرة لا وزن لها ولا نفوذ وفي طريقها إلى الاختفاء.

وتوجد في هولندا بعض التنظيمات والمؤسسات التي ينتظم فيها أعضاء الجماعة اليهودية من أهمها:

ـ الجماعة اليهودية الإشكنازية.
ـ الجماعة اليهودية السفاردية.
ـ اتحاد الجماعات اليهودية التقدمية.
ـ منظمة العمل الاجتماعي اليهودي التي تعمل في المجالات الصحية والخدمة الاجتماعية.

وتتبع كل من الجماعتين (الإشكنازية والسفاردية) الحاخامية الكبرى. وأغلب المعابد اليهودية موجودة في أمستردام، منها معابد أرثوذكسية إشكنازية ومعبد سفاردي ومعبد ليبرالي إصلاحي.

إيطاليا
Italy
يعود تاريخ أعضاء الجماعة اليهودية في إيطاليا إلى الفترة الرومانية القديمة. إذ كانت تُوجَد فيها جماعة يهودية منذ القرن الثاني قبل الميلاد، قبل أن يقوم تيتوس بهدم الهيكل عام 70 ميلادية. وكان أعضاء هذه الجماعة يتحدثون اليونانية، ولكنهم اصطبغوا مع بداية العصور الوسطى بالصبغة اللاتينية. ويرد ذكر اليهود في الأدب اللاتيني وفي بعض كتابات المؤرخين الرومان. ولم تتأثر الجماعة اليهودية في روما كثيراً بما حدث في فلسطين ولكنها تأثرت حين قامت الإمبراطورية الرومانية بتبني المسيحية ديناً في القرن الرابع الميلادي، فتحولت إلى جماعة وظيفية وسيطة، وعُرِّف وضع أعضائها بأنهم " أقنان بلاط تحت الحماية الملكية " أو تحت حماية الأفراد، واضطلعوا بوظيفة التجار والمرابين في كثير من المدن الإيطالية مثل نابولي. وتدهور وضعهم في القرن العاشر الميلادي بظهور المدن/الدول البحرية الإيطالية (مثل البندقية وجنوة)، وبيوت المال المسيحية القوية (مثل اللومبارد والكوهارسين) التي كانت تتمتع بدعم السلطات الحاكمة.

ومع هذا، كانت للجماعة اليهودية في إيطاليا خصائص فريدة تميزها عن بقية الجماعات اليهودية في الغرب. فهناك، أولاً، الوجود المستمر وغير المنقطع لليهود في داخل إيطاليا، كما استوعب أعضاؤها اللغة الإيطالية والحضارة السائدة. ولم يُطرَد يهود إيطاليا كما حدث ليهود إنجلترا أو فرنسا إذ كانوا حينما يُطرَدون من مدينة إيطالية يجدون مدناً أخرى ترحب بهم. ومع هذا كانوا يُطرَدون من المناطق الإيطالية الخاضعة لحكم الأجانب (الفرنسيين والأسبان)، كما حدث ليهود صقلية التي خضعت لحكم الأسبان. ولم تتسم الحياة اليومية لأعضاء الجماعة بالاضطهاد أو التمييز الذي كان يسم الحياة في العصور الوسطى، بل كانت العلاقة مع السكان طيبة على وجه العموم. ومن الطريف أن إيطاليا هي مركز البابوية، ومع هذا لم تنجح السلطة البابوية في تنفيذ سياستها تجاه اليهود. بل إن محاكم التفتيش التي تأسست في روما لم يكن تعقبها لليهود داخل إيطاليا محموماً كما كان الحال أحياناً خارجها. ولذا، اندمـج أعضاء الجماعـة اليهودية في محيطهم الحضاري الكاثوليكي، وأصبحت لغة العبادة في المعبد هي الإيطالية المطعمة بكلمات عبرية منذ عام 1200. ومن ثم يُعتبَر أعضاء الجماعة اليهودية في إيطاليا جماعة مستقلة بذاتها ولا تُصنَّف ضمن الكتل اليهودية الثلاث الأساسية: الإشكناز، والسفارد، ويهود العالم الإسلامي وضمن ذلك اليهود المستعربة، وإنما يُنظَر إليها باعتبارها كتلة مستقلة.

اجتذبت إيطاليا كثيراً من أعضاء الكتل الكبرى، فهاجر إليها الإشكناز، حيث وصلت حركة الهجرة إلى الذروة عام 1400، واستقروا في شمالها. وهاجر إليها السفارد بعد عام 1391، ووصلت حركة الهجرة ذروتها عام 1492. كما استقر بعض اليهود المستعربة في صقلية. ولم يندمج هؤلاء على الفور بل احتفظ كل بخصائصه. وقد كانوا يكرهون بعضهم بعضاً كراهية المسيحيين لليهود والأتراك (أي المسلمين) على حد قول ليو دي مودينا، ولذا كان يُشار إلى اليهود بأنهم « تراي ناسيوني» أي الأمم الثلاث. وبلغت العداوة درجة أن اليهود الأصليين كانوا أحياناً يستعْدون السلطات على المهاجرين الجدد ويطلبون طردهم (وهذا نمط تكرَّر في كل الجماعات اليهودية، وآخر تعبير عنه هو الحركة الصهيونية التي أسسها يهود الغرب المندمجون لترحيل يهود اليديشية بعيداً عنهم). ولكن، بعد عصر النهضة، اندمجت الجماعات اليهودية كافة في جماعة واحدة واصطبغوا بالصبغة الإيطالية.

ظهر بين يهود إيطاليا أدباء يكتبون بالإيطالية والعبرية متأثرين تماماً بمحيطهم الحضاري، من بينهم عمانوئيل هارومي أي «الرومي» (1270 ـ 1330) والذي كان يُعرَف أيضاً باسم عمانوئيل داجوبيو الذي كتب أشعاراً بالإيطالية وتعليقات على التوراة. وبعد عصر النهضة، ظهر عدد من الكُتَّاب من بينهم يهودا ابرابانيل المعروف باسم ليو هبرايوس أو ليو العبراني، وكان شاعراً وفيلسوفاً وعالماً كتب عدة كتب بالإيطالية من أهمها حوار عن الحب وهو كتاب ينتمي إلى كتب الحب (قواعده وطرقه) التي انتشرت إبان عصر النهضة في أوربا. وقد أحرز كتاب ليو العبراني شعبية غير عادية، فتُرجم إلى عدة لغات.

ويتجلى اندماج يهود إيطاليا الكامل في محيطهم الحضاري في انصرافهم عن العقيدة اليهودية وفي تعديلها وإصلاحها بما يتفق مع معايير الحضارة المحيطة بهم. فنجد أن معمار المعبد اليهودي في روما كان يشبه معمار الكنائس، وكان يزينه تمثال نصفي لموسى وصور للملائكة والحيوانات والأشخاص. وكانت المواعظ تُعطَى بالإيطالية تقليداً للمواعظ المسيحية ومتأثرة بها أكثر من تأثرها بالتلمود. كما كان الحاخامات يشيرون في مواعظهم إلى المؤلفين الكلاسيكيين الوثنيين مثل أرسطو وشيشرون. وتُرجم كتاب الصلوات إلى الإيطالية. بل كانت بعض المعابد تغني القصائد الدينية اليهودية فيها على ألحان إيطالية. وتحوَّل عيد النصيب إلى الكرنفال الإيطالي، فكان اليهود يلبسون الأقنعة ويتمتعون بالحريات المتطرفة التي كان يتمتع بها الإيطاليون في مثل هذه المناسبات، كما كانوا يعرضون مسرحيات على النمط الإيطالي داخل الجيتو. وانتشرت الحرية الجنسية بينهم، وزاد عدد الأطفال غير الشرعيين والزيجات المُختلَطة. وأصبح كثير من نساء اليهود إما عشيقات لأعضاء النخبة الحاكمة المسيحية أو عاهرات. وحتى نبيِّن مدى انتشار الإباحية بين أعضاء الجماعة، يمكن أن نشير إلى فلورنسا التي كان عدد أعضاء الجماعة فيها لا يزيد على مائة أسرة. ومع هذا كان عدد القضايا التي رُفعت ضدهم ثمان وثمانون قضية من بينها أربع وثلاثون قضية لها علاقة بالسلوك الأخلاقي والآداب، وسبع عشرة قضية لها صلة بالمقامرة. ولابد أن هذه الإحصاءات لا تبين الصورة الحقيقية، إذ تُوجَد ولا شك حالات لم يتم الإبلاغ عنها. ويمكن القول بأن المجتمع اليهودي الصغير في إيطاليا كان انعكاساً كاملاً للمجتمع الكبير، كما أن الأنماط الاجتماعية والأخلاقية السائدة بين الجماعة اليهودية لم تختلف كثيراً عن تلك السائدة في المجتمع.

ومع عام 1545، وبداية الإصلاح المضاد الذي قامت به الكنيسة الكاثوليكية، فُرض على اليهود في روما ملازمة الجيتو (بعد أن كان الجيتو ميزة يتمتعون بها). ويُطلَق على هذه الفترة «فترة الجيتو». ولكن، مع هذا، استمر المؤلفون اليهود في وضع مؤلفاتهم الدينية والدنيوية بالعبرية والإيطالية. ومن أهم المؤلفين اليهود ليو دي مودينا وسيمون لوتساتو الذي يَعُده بعض المؤرخين مؤسس الأدب المكتوب بالعبرية. ولكن يُلاحَظ أن هذه المؤلفات ليست لها أهمية كبيرة من منظور غربي أو إنساني عام.

ومما تقدَّم، يمكن القول بأن أعضاء الجماعة اليهودية في إيطاليا كانوا جزءاً من محيطهم الحضاري، ومن ثم كان موقفهم من اليهودية الحاخامية موقفاً نقدياً، موقف من ينظر إليها من الخارج. كما لم تكن مُثُل التنوير والإصلاح غريبة عليهم. ولذا، فحينما ظهرت حركة التنوير في ألمانيا، لم تترك أثراً عميقاً فيهم لأنها لم تكن تمثل شيئاً جديداً.

انتهت هذه الفترة بإعتاق أعضاء الجماعة أثناء حروب الثورة الفرنسـية ابتـداءً من عام 1796. وأُلغيت حقـوق اليهود مع سقوط نابليون، ولكنها تأكدت مرة أخرى مع تأسيس إيطاليا الموحَّدة (1840 ـ 1870). وظهرت حركة تنوير يهودية في إيطاليا، من أقطابها حاييم لوتساتو. ومع تَزايُد إعتاق اليهود، تزايدت معدلات اندماجهم في المجتمع. ولم يتأثر هذا الوضع كثيراً بوصول موسوليني والفاشيين إلى السلطة إذ أن موسوليني كان متعاطفاً مع المشروع الصهيوني، وكان يتصور أن بوسعه تحويل اليهود إلى عنصر ممالئ له يوظفه في خدمة مشروعه الاستعماري بل في خدمة الفاشية.

وبلغ عدد يهود إيطاليا واحداً وعشرين ألفاً عام 1600، و31.400 عام 1800، وبلغ سبعة وثلاثين ألفاً عام 1840، زاد إلى 42.963 عام 1901، وبلغ عام 1931 ستة وأربعين ألفاً. ولكن عددهم أخذ في التناقص بعد ذلك، ففي الفترة (1931 ـ 1935) كان عدد اليهود يتناقص بمعدل 5.28 في الألف، كما تزايدت معدلات الاندماج والتنصر والزواج المُختلَط. ويذكر روفائيل باتاي أن عدد يهود إيطاليا انخفض إلى خمسة وثلاثين ألفاً عام 1939، ثم وصل العدد إلى 29.117 يهودياً إيطالياً. ومع هذا، انضم إليهم 26.300 مهاجر، وبذلك ارتفع العدد إلى 55.417 في الأربعينيات. وبلغ العدد عام 1956 نحو 27.705، ووصل إلى خمسة وثلاثين ألفاً عام 1967. وتناقص عدد اليهود حتى وصل إلى 31.000 عام 1992 من مجموع السكان البالغ عددهم 57.826.000 نسمة. ومعظم يهود إيطاليا مركزون في روما وميلانو، ولا يختلف بناؤهم الوظيفي والمهني عن بقية الجماعات اليهودية في أوربا. ففي عام 1931، كان 34.3% منهم تجاراً، و52.2% من عمال الياقات البيضاء، و10.8% مهنيين. ولا يزال معدل الزواج المُختلَط بينهم مرتفعاً للغاية، كما لا تزال معدلات الاندماج والعلمنة آخذة في التزايد. والجماعة اليهودية جماعة مسنة تعيش في المدن، وكل هذا يعني تَزايُد الإحجام عن الإنجاب وتَناقُص الخصوبة، الأمر الذي يؤدي إلى موت الشعب اليهودي.

والمنظمة التي تنظم أعضاء الجماعة اليهودية في إيطاليا هي اتحاد الجماعة اليهودية الإيطالية. ويترأس الجماعة اليهودية من الناحية الدينية كبير الحاخامات والمجلس الحاخامي. وأغلبية المعابد اليهودية سفاردية، إلا إنه يوجد عدد قليل من المعابد الأرثوذكسية الإشكنازية.








ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق