مقدمة الكتاب، ودُستور تأليفه.
بيان هامّ.
1
الحمد لله على ما أنعم، والشكر على ما أوْلَى، والصلاة على أنبيائه ورسله؛ دعاة الهدى، ومصابيح الرشاد. وبعد.
فهذا كتاب جديد فى النحو. والنحو - كما وصفته من قبل - دعامة العلوم العربية، وقانونها الأعلى؛ منه تستمد العون، وتستلهم القصد، وترجع إليه فى جليل مسائلها، وفروع تشريعها؛ ولن تجد علماً منها يستقل بنفسه عن النحو، أو يستغنى عن معونته، أو يسير بغير نوره وهداه.
وهذه العلوم النقلية - على عظيم شأنها - لا سبيل إلى استخلاص حقائقها، والنفاذ إلى أسرارها، بغير هذا العلم الخطير؛ فهل ندرك كلام الله تعالى، ونفهم دقائق التفسير، وأحاديث الرسول عليه السلام، وأصول العقائد، وأدلة الأحكام، وما يتبع ذلك من مسائل فقهية، وبحوث شرعية مختلفة قد ترْقى بصاحبها إلى مراتب الإمامة، وتسمو به إلى منازل المجتهدين - إلا بإلهام النحو وإرشاده؟ ولأمرٍ ما قالوا: (إن الأئمة من السلف والخلف أجمعوا قاطبة على أنه شرْط فى رتبة الاجتهاد، وأن المجتهد لو جمع كل العلوم لم يبلغ رتبة الاجتهاد حتى يعلم النحو، فيعرف به المعانى التى لا سبيل لمعرفتها بغيره. فرتبة الاجتهاد متوقفة عليه، لا تتم إلا به ...)
وهذه اللغة التى نتخذها - معاشر المستعربين - أداة طَيِّعة للتفاهم، ونسخرها مركبًا ذلولا للإبانة عن أغراضنا، والكشف عما فى نفوسنا، ما الذى هيأها لنا، وأقدرنا على استخدامها قدرة الأولين من العرب عليها، ومَكَّن لنا من نظمها ونثرها تمكنهم منها، وأطلق لساننا فى العصور المختلفة صحيحًا فصيحًا كما أطلق لسانهم، وأجرى كلامنا فى حدود مضبوطة سليمة كالتى يجرى فيها كلامهم، وإن كان ذلك منهم طبيعة، ومنا تطبعًا؟
إنه النحو؛ وسيلة المستعرب، وسلاح اللغوى، وعماد البلاغىّ، وأداة المشرّع والمجتهد، والمدخل إلى العلوم العربية والإسلامية جميعًا.
فليس عجيباً أن يصفه الأعلام السابقون بأنه: "ميزان العربية، والقانون الذى تُحكَم به فى كل صورة من صورها" وأن يفرغ له العباقرة من أسلافنا؛ يجمعون أصوله، ويثبتون قواعده، ويرفعون بنيانه شامخًا، ركينًا، فى إخلاص نادر، وصبر لا ينفد. ولقد كان الزمان يجرى عليهم بما يجرى على غيرهم؛ من مرض، وضعف، وفقر؛ فلا يقدر على انتزاعهم مما هم فيه، كما كان يقدر على سواهم، ولا ينجح فى إغرائهم بمباهج الحياة كما كان ينجح فى إغراء ضعاف العزائم، ومرضى النفوس، من طلاب المغانم، ورواد المطامع. ولقد يترقبهم أولياؤهم وأهلوهم الساعات الطوال، بل قد يترصدهم الموت؛ فلا يقع عليهم إلا فى حلقة درس، أو قاعة بحث، أو جِلسة تأليف، أو ميدان مناظرة، أو رحلة مُخْطرة فى طلب النحو. وهو حين يظفر بهم لا ينتزع علمهم معهم؛ ولا يذهب بآثارهم بذهاب أرواحهم؛ إذ كانوا يُعِدون لهذا اليوم عُدته من قبل؛ فيدونون بحوثهم، ويسجلون قواعدهم، ويختارون خلفاء من تلاميذهم؛ يهيئونهم لهذا الأمر العظيم. ويشرفون على تنشئتهم، وتعهد مواهبهم؛ إشراف الأستاذ البارع القدير على التلميذ الوفىّ الأمين. حتى إذا جاء أجلهم ودّعوا الدنيا بنفس مطمئنة، واثقة أن ميدان الإنشاء والتعمير النحوى لم يخل من فرسانه، وأنهم خلَّفوا وراءهم خلفًا صالحًا يسير على الدرب، ويحتذى المثال. وربما كان أسعد حظًّا وأوفر نجحًا من سابقيه، وأسرع إدراكًا لما لم يدركه الأوائل.
على هذا المنهج الرفيع تعاقبت طوائف النحاة، وتوالت زمرهم فى ميدانه، وتلقى الراية نابغ عن نابغ، وألمعىّ فى إثر ألمعىّ، وتسابقوا مخلصين دائبين. فرادى وزَرافات، فى إقامة صرحه، وتشييد أركانه، فأقاموه سامق البناء، وطيد الدعامة، مكين الأساس. حتى وصل إلى أهل العصور الحديثة التى يسمونها: عصور النهضة، راسخًا، قويًّا؛ من فرط ما اعتنى به الأسلاف، ووجهوا إليه من بالغ الرعاية؛ فاستحقوا منا عظيم التقدير، وخالد الثناء. وحملوا كثيرًا من علماء اللغة الأجانب على الاعتراف بفضلهم، والإشادة ببراعتهم ...
هذه كلمة حق يقتضينا الإنصاف أن نسجلها؛ لننسب الفضل لروّاده، وإلا كنَّا من عصبة الجاحدين، الجاهلين، أو المغرورين.
2
وليس من شك أن التراث النحوى الذى تركه أسلافنا نفيس غاية النفاسة، وأن الجهد الناجح الذى بذلوه فيه خلال الأزمان المتعاقبة جهد لم يهيأ للكثير من العلوم المختلفة فى عصورها القديمة والحديثة، ولا يقدر على احتمال بعضه حشود من الثرثارين العاجزين، الذين يوارون عجزهم وقصورهم - عَلِمَ الله - بغمز النحو بغير حق، وطعن أئمته الأفذاذ.
بيد أن النحو - كسائر العلوم - تنشأ ضعيفة، ثم تأخذ طريقها إلى النمو، والقوة والاستكمال بخطا وئيدة أو سريعة؛ على حسب ما يحيط بها من صروف وشئون. ثم يتناولها الزمان بأحداثه؛ فيدفعها إلى التقدم، والنمو، والتشكل بما يلائم البيئة، فتظل الحاجة إليها شديدة، والرغبة فيها قوية. وقد يعوّقها ويحول بينها وبين التطور، فيضعف الميل إليها، وتفتر الرغبة فيها. وقد يشتط فى مقاومتها؛ فيرمى بها إلى الوراء، فتصبح فى عداد المهملات، أو تكاد.
وقد خضع النحو العربى لهذا الناموس الطبيعى؛ فولد فى القرن الأول الهجرى ضعيفا، وحَبَا وئيدًا أول القرن الثانى، وشب - بالرغم من شوائب خالطته - وبلغ الفتَاء آخر ذلك القرن، وسنوات من الثالث، فلمع من أئمته نجوم زاهرة؛ كعبد الله بن أبى إسحاق، والخليل، وأبى زيد، وسيبويه، والكسائى، والفراء، ونظرائهم من الأعلام، ثم توالت أخلافهم، على تفاوت فى المنهج، وتخالف فى المادة، إلى عصر النهضة الحديثة التى يجرى اسمها على الألسنة اليوم، ويتخذون مطلع القرن التاسع عشر مبدأ لها. فمن هذا المبدأ ألح الوهن والضعف، على النحو، وتمالأت عليه الأحداث؛ فأظهرت من عيبه ما كان مستورًا، وأثقلت من حمله ما كان خِفًّا، وزاحمته العلوم العصرية فقهرته، وخلفتْه وراءها مبهورًا. ونظر الناس إليه فإذا هو فى الساقة من علوم الحياة، وإذا أوقاتهم لا تتسع للكثير بل للقليل مما حواه، وإذا شوائبه التى برزت بعد كمون، ووضحت بعد خفاء - تزهدهم فيه، وتزيدهم نفارًا منه، وإذا النفار والزهد يكران على العيوب؛ فيحيلان الضئيل منها ضخمًا، والقليل كثيرًا، والموهوم واقعًا. وإذا معاهد العلم الحديث تزوَرّ عنه، وتجهر بعجزها عن استيعابه، واستغنائها عن أكثره، وتقنع منه باليسير أو ما دون اليسير؛ فيستكين ويخنع.
والحق أن النحو منذ نشأته داخلته - كما قلنا - شوائب؛ نمت على مر الليالى، وتغلغلت برعاية الصروف، وغفلة الحراس؛ فشوهت جماله، وأضعفت شأنه، وانتهت به إلى ما نرى.
فلم يبق بد أن تمتد إليه الأيدى البارّة القوية، متمالئة فى تخليصه مما شابه، متعاونة على إنقاذه مما أصابه. وأن تبادر إليه النفوس الوفية للغتها وتراثها؛ المعتزة بحاضرها وماضيها؛ فتبذل فى سبيل إنهاضه، وحياطته، وإعلاء شأنه - مالا غاية بعده لمستزيد.
ومن كريم الاستجابة أن رأينا فى عصرنا هذا - طوائف من تلك النفوس البارّة الوفية سارعت إلى النجدة؛ كُلٌّ بما استطاع، وبما هو ميسر له؛ فمنهم من ذلل للناشئة لغته، أو اختصر قاعدته، أو أوضح طريقة تدريسه، أو أراحهم من مصنوع العِلل، وضارّ الخلاف، أو جمع بين مزيتين أو أكثر من هذه المزايا الجليلة الشأن. لكنا - على الرغم من ذلك - لم نرى من تصدى للشوائب كلها أو أكثرها؛ ينتزعها من مكانها، ويجهز عليها ما وسعته القدرة، ومكنته الوسيلة؛ فيربح المعلمين والمتعلمين من أوزارها. وهذا ما حاولته جاهدًا مخلصًا قدر استطاعتى، فقدمددت يدى لهذه المهمة الجليلة، وتقدمت لها رابط الجأش، وجمعت لها أشهر مراجعها الأصيلة، ومظانها الوافية الوثيقة، وضممت إليها ما ظهر فى عصرنا من كتب، وأطلت الوقوف عند هذه وتلك؛ أديم النظر، وأجيل الفكر، وأعتصر أطيب ما فيهما حتى انتهيت إلى خطة جديدة؛ تجمع مزاياهما، وتسلم من شوائبهما، وقمت على تحقيقها فى هذا الكتاب متأنيًا صبورًا. ولا أدرى مبلغ توفيقى. ولكن الذى أدريه أنى لم أدخر جهدًا، ولا إخلاصًا.
إن تلك الشوائب كثيرة، ومن حق النحو علينا - ونحن بصدد إخراج كتاب جديد فيه - أن نعرضها هنا، ونسجل سماتها، ونفصل ما اتخذناه لتدارك أمرها. وهذا كله - وأكثر منه - قد عرضنا له فى رسالة سابقة نشرناها منذ سنوات بعنوان: "رأى فى بعض الأصول اللغوية والنحوية"، ثم أتممناها بمقالات عشر؛ نشرت تباعًا فى مجلة رسالة الإسلام، خلال سنتى 1957 و 1958م وجاوزت صفحاتها المائة. وقد جعلت من هذه وتلك، ولمحات غيرهما، مقدمة لهذا الكتاب سنتشر مستقلة؛ بسبب طولها، وكثرة ما اشتملت عليه - فى رسالة عنوانها: "مقدمة كتاب النحو الوافى" وهى اليوم فى طريقها للنشر
على أن هذا لا يعفينى من الإشارة العابرة إلى الدستور الذى قام عليه الكتاب، والغرض الذى رميت من تأليفه، مستعينًا بخبرة طويلة ناجعة، وتجربة صادقة فى تعليم النحو؛ طالبًا مستوعبًا، ثم تعليمه فى مختلف المعاهد الحكومية مدرسًا، فأستاذًا ورئيسًا لقسم النحو والصرف والعروض بكلية دار العلوم، بجامعة القاهرة، سنوات طوالا.
3
وأظهر مواد ذلك الدستور ما يأتى:
1- تجميع مادة النحو كله فى كتاب واحد ذى أجزاء أربعة كبار، تحوى صفحاتها وما تضمنته من مسائل كل ما تفرق فى أمهات الكتب، وتغنى عنها. على أن يقسم كل جزء قسمين، تقسيمًا فنيًّا بارعًا. أحدهما موجز دقيق يناسب طلاب الدراسات النحوية، بالجامعات - دون غيرهم - غاية المناسبة، ويوفيهم ما يحتاجون إليه غاية التوفية الحكيمة التى تساير مناهجهم الرسمية، ومكانهُ أول المسائل، وصدرها. ويليه الآخر - بعد نهاية كل مسألة - بعنوان مستقل هو: "زيادة وتفصيل"؛ ويلائم الأساتذة والمتخصصين أكمل الملائمة وأتمها، فتبتدئ "المسألة"- وبجانبها رقم خاص بها - بتقديم المادة النحوية الصالحة للطالب الجامعىّ، الموائمة لقدرته ومقَرّره الرسمّى، ودرجته فى التحصيل والفهم، مع تَوَخّى الدقة والإحكام فيما يقدم له، نوعًا ومقدارًا. فإذا استوفى نصيبه المحمود انتقلتُ إلى بَسْط يتطلع إليه المتخصص، وزيادة يتطلبها المستكمل. كل ذلك فى إحكام وحسن وتقدير، بغير تكرار، ولا تداخل بين القسمين، أو اضطراب. وبهذا التقسيم والتنسيق يجد هؤلاء وهؤلاء حاجتهم ميسرة، موائمة، قريبة التناول؛ لا يَكُدُّون فى استخلاصها ولا يجهدون فى السعى وراءها فى متاهات الكتب القديمة؛ وقد يبلغون أو لا يبلغون.
2- العناية أكمل العناية بلغة الكتاب وضوحًا، وإشراقًا، وإحكامًا، واسترسالا؛ فلا تعقيد، ولا غموض، ولا حشو، ولا فضول، ولا توقف لمناقشة لفظ، أو إرسال اعتراض، أو الإجابة عنه؛ ولا حرص على أساليب القدامى وتعبيراتهم. إلا حين تسايرنا فى البيان الأوفى، والجلاء الأكمل.
أما الاصطلاحات العلمية المأثورة فلم أفكر فى تغييرها، إيمانًا واقتناعًا بما سجله العلماء قديمًا وحديثًا من ضرر هذا التغيير الفردىّ، ووفاء بما اشترطوه فى تغيير "المصطلحات"، أن يكون بإجماع المختصين، المشتغلين بالعلم الذى يحويها.
3- اختيار الأمثلة ناصعة، بارعة فى أداء مهمتها؛ من توضيح القاعدة، وكشف غامضها فى سهولة ويسر، واقتراب، لهذا تركت كثيرًا من الشواهد القديمة، المترددة بين أغلب المراجع النحوية؛ لأنها مليئة بالألفاظ اللغوية الصعبة، وبالمعانى البعيدة التى تتطلب اليوم من المتعلم عناء وجهدًا لا يطيقهما، ولا يتسع وقته لشىء منهما. فإن خلَت من هذا العيب، وتجملت بالوضوح والطرافة فقد نستبقيها.
والحق أن كثيرًا من تلك الشواهد يحتل المكانة العليا من سمو التعبير، وجمال الأداء، وروعة الأسلوب، وفتنة المعنى. لكنها اختيرت فى عصور تباين عصرنا، ولدواع تخالف ما نحن فيه؛ فقد كانت وسائل العيش حينذاك ميسرة، والمطالب قليلة، والقصد استنباط قاعدة، أو تأييد مذهب. وكان طالب العلم حافظًا القرآن، مستظهرًا الكثير من الأحاديث والنصوص الأدبية، متفرغًا للعلوم العربية والشرعية أو كالمتفرغ. أما اليوم فالحال غير الحال، ووسائل العيش صعبة، والمطالب كثيرة؛ فطالب العلم يمر بهذه العلوم مرًّا سريعًا عابرًا قبل الدراسة الجامعية، فإن قدّر له الدخول فى الجامعة، انقطعت صلته بتلك العلوم، ولم يجد بينها وبين مناهجه الدراسية سببًا، إلا إن كان متفرغًا للدراسات اللغوية؛ فيزاولها وحصيلته منها ضئيلة، لا تمكنه من فهم دقائقها، ولا ترغبه فى مزيد، وغايته المستقبلة لا ترتبط - فى الغالب - ارتباطًا وثيقًا بالضلاعة فى هذه العلوم، والتمكن منها؛ فمن الإساءة إليه وإلى اللغة أن نستمسك بالشواهد الموروثة، ونقيمها حِجَازًا يصعب التغلب عليه، وإدراك ما وراءه من كريم الغايات. نعم إنها نماذج من الأدب الرائع؛ ولكن يجب ألا ننسى الغاية إزاء الروعة، أو نُغْفِل القصد أمام المظهر، وإلا فقدنا الاثنين معًا، وفى دروس النصوص الأدبية، وفى القراءة الحرة، والاطلاع على مناهل الأدب الصفو - متسع للأدباء والمتأدبين؛ يشبع رغبتهم، من غير أن يضيع عليهم ما يبغون من دراسة النحو دراسة نافعة، لا تطغى على وقت رصدته النظم التعليمية الحديثة لغيرها، ولا تنتهب جهدًا وقفته الحياة المعاصرة على سواها.
وإن بعض معلمى اليوم ممنَّ يقومون بالتدريس لكبار المتعلمين - لَيُسْرف فى اتخاذ تلك الشواهد مجالا لما يسميه: "التطبيق النحوى"، ومادة مهيأة لدروسه. وليس هذا من وكْدى، ولا وكْد من احتشد للمهمة الكبرى، مهمة: "النحو الأصيل" التى تتلخص فى إعداد مادته إعدادًا وافيًا شاملا، وعرضها عرضًا حديثًا شائقًا، وكتابتها كتابة مشرقة بهية، مع استصفاء أصولها النافعة. واستخلاص قواعدها وفروعها مما ران عليها، وارتفعت بسببه صيحات الشكوى، ودعوات الإصلاح، وتهيئتها لتلائم طبقات كثيرة، وأجيالا متعاقبة فى بلدان متباينة.
كل هذا بل بعض هذا - لا يساير ذلك "التطبيق التعليمى"؛ فإنه مدرسّى موضعى متغير لا يتسم بسمة العموم، أو ما يشبه العموم، ولا يثبت على حال. على أن هذا الفريق الذى اختار تلك الشواهد ميدانًا لتطبيقه قد فاته ما أشرنا إليه من حاجتها إلى طويل الوقت، وكبير الجهد فى تيسير صعوباتها اللغوية التى أوضحناها. وطلاب اليوم - خاصة - أشد احتياجًا لذلك الوقت والجهد، كى يبذلوهما فى تحصيل ما يتطلبه مستقبلهم الغامض. كما فاته أن خير التطبيق لكبار الطلاب ما ليس محدد المجال، مصنوع الغرض، متكلف الأداء، كالشواهد التى نحن بصددها. وإن مناقشة لنص أدبى كامل، أو صفحة من كتاب مستقيم الأسلوب، أو مقال أدبى - لهى أجدى فى التطبيق، وأوسع إفادة فى النواحى اللغوية المتعددة، وأعمق أثرًا فى علومها وآدابها - من أكثر تلك الشواهد المبتورة المعقدة. فليتنا نلتفت لهذا، وندرك قيمته العملية، فنحرص على مراعاته، ونستمسك باتباعه مع كبار المتعلمين، ولعل هؤلاء الكبار أنفسهم يدركونه ويعملون به، فيحقق لهم ما يبتغون
على أن لتلك الشواهد خطرًا آخر؛ هى أنها - فى كثير من اتجاهاتها - قد تمثل لهجات عربية متعارضة، وتقوم دليلا على لغات قديمة متباينة، وتساق لتأييد آراء متناقضة؛ فهى معوان على البلبلة اللغوية، ووسيلة للحيرة والشك فى ضبط قواعدها، وباب للفوضى فى التعبير. وتلك أمور يشكو منها أنصار اللغة، والمخلصون لها.
وعلى الرغم من هذا قد نسجل - أحيانًا مع الحيطة والحذر - بعض الشواهد الغريبة، أو الشاذة، وبعض الآراء الضعيفة، لا لمحاكاتها، ولا للأخذ بها - ولكن ليتنبه لها المتخصصون، فيستطيعوا فهم النصوص القديمة الواردة بها حين تصادفهم، ولا تصيبهم أمامها حيرة، أو توقف فى فهمها.
4- الفرار من العلل الزائفة، وتعدد الآراء الضارة فى المسألة الواحدة، فلهما من سوء الأثر وقبيح المغبة ما لا يخفى. وحسبنا من التعليل: أن يقال: المطابقة للكلام العربى الناصع، ومن الآراء أن يقال: مُسَايرة فصيح اللغة وأفصحها. والقرآنُ الكريم - بقراءاته الثابتة الواردة عن الثقات - فى مكان الصدارة من هذا؛ لا نقبل فى أسلوبه تأولا ولا تمحلا، ثم الكلام العربى الذائع. والأفصح والفصيح هما الباعثان لنا على أن نردف بعض الأحكام النحوية بأن الخير فى اتباع رَأى دون آخر، وأن الأفضل إيثاره على سواه ... أو غير هذا من العبارات الدالة على الترجيح. وإنما كان الخير وتمام الفضل فى إيثاره؛ لأن يجمع الناطقين بلغة العرب على أنصع الأساليب وأسماها، ويوجد بيانهم، ويريحهم من خُلف المذاهب، وبلبلة اللهجات، فى وقت نتلقى فيه اللغة تعلمًا وكسبا، لا فطرة ومحاكاة أصيلة، ونقتطع لها من حياتنا التعليمية المزدحمة المرهقة - الأيَّام القليلة، والساعات المحدودة؛ فمن الحكمة والسداد أن نقصر تلك الأيام والساعات على ما هو أحسن وأسمى. ولن نلجأ إلى تعليل آخر، أو ترديد خلاف فى الآراء إلا حيث يكون من وراء ذلك نفع محقق، وفائدة وثيقة، وتوسعة محمودة، دون تعصب لبصرىّ أو لكوفىّ، أو بغدادى، أو أندلسى... أو غير هؤلاء... ودون فتح باب الفوضى فى التعبير، أو الاضطراب فى الفهم، أو البلبلة فى الأداء والاستنباط.
ومن مظاهر النفع الاستعانة "بالتعليل"، وبتعدد المذاهب فى تيسير مفيد، أو فى تشريع لغوىّ مأمون، أو تبصير المتخصصين - وحدهم- ببعض اللغات واللهجات التى تعينهم على فهم النصوص القديمة الواردة بها، لا لمحاكاتها - فأكثرها لا يوائمنا اليوم كما سبق - ولكن ليدركوها، ويفسروا بعض الضواهر اللغوية الغامضة، ولا يقفوا أمام تفسيرها حائرين مضطربين. وقد بسطنا القول فى هذا كله، وفى أسبابه، ونتائجه - فى المقدمة التى أشرنا إليها.
5- تدوين أسماء المراجع أحيانًا فى بعض مسائل قد تتطلب الرجوع إليها؛ استجلاءً لحقيقة، أو إزالة لوهم. وفى ذلك التدوين نفع آخر؛ هو: تعريف الطلاب بتلك المراجع، وترديد أسمائها عليهم، وتوجيههم إلى الانتفاع بها، والإيحاء بأن الرجوع إلى مثلها قد يقتضيه تحصيل العلم، وتحقيق مسائله.
6- عدم التزام طريقة تربوية معينة فى التأليف، فقد تكون الطريقة استنباطية، وقد تكون إلقائية، وقد تكون حوِارًا، أو غير ذلك مما يقتضيه صادق الخبرة، وملاءمة الموضوع. وإذا عرفنا أن الكتاب لكبار الطلاب، وللأساتذة المتخصصين، وأن موضوعاته كثيرة متباينة - أدركنا الحكمة فى اختلاف الطرائق باختلاف تلك الموضوعات وقرّائها. على أن تكون الطريقة محكومة بحسن الاختيار، وصدق التقدير، وضمان النجح من أيسر السبل وأقربها. ومهما اختلفت فلن تكون من طرائق القدماء التى أساسها: المتن، فالشرح، فالحاشية، فالتقرير... فما يصاحب هذا من جدل، ونقاش، وكثرة خلاف، وتباين تعليل... وما إلى ذلك مما دعت إليه حاجات عصور خلت، ودواعى حقب انقضت، ولم يبق من تلك الحاجات والدواعى ما يغرينا بالتمسك به، أو بتجديد عهده.
على أن بحوثهم وطرائقهم تنطوى - والحق يقال - على ذخائر غالية، وتضم فى ثناياها كنوزاً نفيسة. إلا أن استخلاص تلك الذخائر والكنوز مما يغَشيها اليوم عسير أى عسير على جمهرة الراغبين - كما أسلفنا.
7- تسجيل أبيات: "ابن مالك" كما تضمنتها "ألفيته"، المشهورة، وتدوين كل بيت فى أنسب مكان من الهامش، بعد القاعدة وشرحها، مع الدقة التامة فى نقله، وإيضاح المراد منه؛ فى إيجاز مناسب، وحرص على ترتيب الأبيات، إلا إن خالفت فى ترتيبها تسلسل المسائل وتماسكها المنطقى النحوى الذى ارتضيناه. فعندئذ نوفق بين الأمرين؛ ترتيب الناظم: وما يقتضيه التسلسل المنطقى التعليمى؛ فننقل البيت من مكانه فى "الألفية"، ونضعه فى المكان الذى نراه مناسبًا، ونضع على يساره الرقم الدال على ترتيبه بين أبيات الباب كما رتبها الناظم، ولا نكتفى بهذا؛ فحين نصل إلى شرح المسألة المتصلة بالبيت الذى قبله، ونفرغ منها ومن ذكر البيت الخاص بها؛ تأييدًا لها - نعود فنذكر البيت الذى نقلناه من مكانه، ونضعه فى مكانه الأصلى الذى ارتضاه الناظم، ونشير إلى أن هذا البيت قد سبق ذكره وشرحه فى مكانه الأنسب من صفحة كذا...
وقد دعانا إلى تسجيل أبيات: "ابن مالك" - فى الهامش - ما نعلمه من تمسك بعض المعاهد والكليات الجامعية بها، وإقبال طوائف من الطلاب على تفهمها، والتشدد فى دراستها واستظهارهم كثيراً منها للانتفاع بها حين يريدون. وقد تخيرنا لها مكانًا فى ذيل الصفحات، يقربها من راغبيها، ويبعدها من الزاهدين فيها.
8- الإشارة إلى صفحة سابقة أو لاحقة، وتدوين رقمها إذا اشتملت على ماله صلة وثيقة بالمسألة المعروضة؛ كى يتيسر لمن شاء أن يجمع شتاتها فى سهولة ويسر، ويضم - بغير عناء - فروعها وما تفرق منها فى مناسبات وموضوعات مختلفة.
ولا نكتفى بذكر الرقم الخاص بالصفحة، وإنما نذكره ونذكر بعده رقم المسألة. ونرمز للمسألة بالحرف الهجائى الأول من حروفها، وهو: "م" اختصارًا.
والسبب فى الجمع بينهما أن رقم الصفحة عرضة للتغيير بتغير طبعات الكتاب أما رقم المسألة فثابت لا يتغير وإن تعددت الطبعات، فالإحالة عليه إحالة على شىء موجود دائمًا؛ فيتحقق الغرض من الرجوع إليه.
9- ترتيب أبواب الكتاب على النسق الذى ارتضاه ابن مالك فى: "ألفيته" وارتضاه كثيرون ممن جاءوا بعده، لأنه الترتيب الشائع اليوم، وهو فوق شيوعه - أكثر ملاءمة فى طريقته، وأوفر إفادة فى التحصيل والتعليم، ويشيع بعده الترتيب القائم على جمع الأبواب الخاصة بالأسماء متعاقبة، يليها الخاصة بالأفعال ثم الحروف... كما فعل الزمخشرى فى مفصله. وتبعه عليه شراحه. وهذه طريقة حميدة أيضاً. ولكنها تفيد المتخصصين دون سواهم من الراغبين فى المعرفة العامة أوّلا فأولا؛ فالمبتدأ يلازمه الخبر أو ما يقوم مقامه، وقد يكون الخبر جملة فعلية، أو شبه جملة، والفاعل لا بد له من فعل أو ما يقوم مقامه. والمفعول لا بد له من الاثنين... فكيف يتعلم الراغب أحكام المبتدأ وحده، أو الخبر وحده، أو الفعل أو الفاعل كذلك؟
وهناك أنواع أخرى من الترتيب لكل منها مزاياه التى نراها لا تعدل مزية الترتيب الذى اخترناه، ولا تناسب عصرنا القائم.
والله أرجو مخلصًا أن يجعل الكتاب نافعًا لغة القرآن، عونًا لطلابها، محققًا الغاية النبيلة التى دعت لتأليفه، والقصد الكريم من إعداده.
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب الكلام وما يتألف منه ) ضمن العنوان ( المسألة الأولى: الكلام وما يتألف منه )
الكلمة - الكلام (أو: الجملة) - الكَلِم - القول.
ما المراد من هذه الألفاظ الاصطلاحية فى عُرف النحويين؟
الكلمة:
حروف الهجاء تسعة وعشرون حرفًا، (وهى: أ-ب-ت-ث-ج...) وكل واحد منها رمز مجرد؛ لا يدل إلا على نفسه، ما دام مستقلا لا يتصل بحرف آخر. فإذا اتصل بحرف أو أكثر، نشأ من هذا الاتصال ما يسمى: "الكلمة". فاتصال الفاء بالميم - مثلا - يوجِد كلمة: "فَم"، واتصال العين بالياء فالنون، يوجد كلمة: "عين"، واتصال الميم بالنون فالزاى فاللام، يحدِث كلمة: "منزل"... وهكذا تنشأ الكلمات الثنائية، والثلاثية، والرباعية - وغيرها - من انضمام بعض حروف الهجاء إلى بعض.
وكل كلمة من هذه الكلمات التى نشأت بالطريقة السالفة تدل على معنى؛ لكنه معنى جزئى؛ (أىْ: مفرد)؛ فكلمة: "فم" حين نسمعها، لا نفهم منها أكثر من أنها اسم شىء معين. أما حصول أمر من هذا الشىء، أو عدم حصوله...، أما تكوينه، أو وصفه، أو دلالته على زمان أو مكان، أو معنى آخر - فلا نفهمه من كلمة: "فم" وحدها. وكذلك الشأن فى كلمة: "عين"، و"منزل" وغيرهما من باقى الكلمات المفردة.
ولكن الأمر يتغير حين نقول: "الفم مفيد" - "العين نافعة" - "المنزل واسع النواحى"، فإن المعنى هنا يصير غير جزئى؛ (أى: غير مفرد)؛ لأن السامع يفهم منه فائدة وافية إلى حدّ كبير، بسبب تعدد الكلمات، وما يتبعه من تعدد المعانى الجزئية، وتماسكها، واتصال بعضها ببعض اتصالا ينشأ عنه معنى مركب. فلا سبيل للوصول إلى المعنى المركب إلا من طريق واحد؛ هو: اجتماع المعانى الجزئية بعضها إلى بعض، بسبب اجتماع الألفاظ المفردة.
ومن المعنى المركب تحدث تلك الفائدة التى: "يستطيع المتكلم أن يسكت بعدها، ويستطيع السامع أن يكتفى بها". وهذه الفائدة - وأشباهها - وإن شئت فقل: هذا المعنى المركب، هو الذى يهتم به النحاة، ويسمونه بأسماء مختلفة، المراد منها واحد؛ فهو: "المعنى المركب:، أو: "المعنى التام"، أو: "المعنى المفيد" أو: "المعنى الذى يحسن السكوت عليه"...
يريدون: أن المتكلم يرى المعنى قد أدى الغرض المقصود فيَستحسن الصمت، أو: أن السامع يكتفى به؛ فلا يستزيد من الكلام. بخلاف المعنى الجزئى، فإن المتكلم لا يقتصر عليه فى كلامه؛ لعلمه أنه لا يعطى السامع الفائدة التى ينتظرها من الكلام. أو: لا يكتفى السامع بما فهمه من المعنى الجزئى، وإنما يطلب المزيد. فكلاهما إذا سمع كلمة منفردة مثل: باب، أو: ريَحان، أو: سماء، أو: سواها... لا يقنع بها.
لذلك لا يقال عن الكلمة الواحدة إنها تامة الفائدة، برغم أن لها معنى جزئيًّا لا تسمى "كلمةً" بدونه؛ لأن الفائدة التامة لا تكون بمعنى جزئى واحد.
مما تقدم نعلم أن الكلمة هى: (اللفظة الواحدة التى تتركب من بعض الحروف الهجائية، وتدل على معنى جزئى؛ أىْ: "مفرد"). فإن لم تدل على معنى عربى وُضِعت لأدائه فليست كلمة، وإنما هى مجرد صوت.
الكلام (أو: الجملة):
هو: "ما تركب من كلمتين أو أكثر، وله معنى مفيد مستقل". مثل: أقبل ضيف. فاز طالب نبيه. لن يهمل عاقل واجبًا...
فلا بد فى الكلام من أمرين معًا؛ هما: "التركيب"، و"الإفادة المستقلة" فلو قلنا: "أقبلَ" فقط، أو: "فاز" فقط، لم يكن هذا كلامًا؛ لأنه غير مركب. ولو قلنا: أقبلَ صباحًا... أو: فاز فى يوم الخميس... أو: لن يهمل واجبه...، لم يكن هذا كلامًا أيضًا؛ لأنه - على رغم تركيبه - غير مفيدة فائدة يكتفى بها المتكلم أو السامع ...
وليس من اللازم فى التركيب المفيد أن تكون الكلمتان ظاهرتين فى النطق؛ بل يكفى أن تكون إحداهما ظاهرة، والأخرى مستترة؛ كأن تقول للضيف: تفضلْ. فهذا كلام مركب من كلمتين؛ إحداهما ظاهرة، وهى: تفضلْ، والأخرى مستترة، وهى: أنت. ومثل: "تفضل" : "أسافرُ" ... أو: "نشكر" أو: "تخرجُ" ... وكثير غيرها مما يعد فى الواقع كلامًا، وإن كان ظاهره أنه مفرد.
الكَلِم:
هو: ما تركب من ثلاث كلمات فأكثر؛ سواء أكان لها معنى مفيد، أم لم يكن لها معنى مفيد. فالكلم المفيد مثل: النيل ثروة مصر - القطن محصول أساسى فى بلادنا. وغير المفيد مثل: إن تكثر الصناعات...
القول:
هو كل لفظ نطق به الإنسان؛ سواء أكان لفظًا مفردًا أم مركبا، وسواء أكان تركيبه مفيدًا أم غير مفيد. فهو ينطبق على: "الكلمة" كما ينطبق على: "الكلام" وعلى: "الكلم". فكل نوع من هذه الثلاثة يدخل فى نطاق: "القول" ويصح أن يسمى: "قولا" على الصحيح، وقد سبقت الأمثلة. كما ينطبق أيضًا على كل تركيب آخر يشتمل على كلمتين لا تتم بهما الفائدة؛ مثل: إن مصر... - أو: قد حضر... أو: هل أنت. أو: كتاب علىّ... فكل تركيب من هذه التراكيب لا يصح أن يسمى: "كلمة"؛ لأنه ليس لفظًا مفردًا، ولا يصح أن يسمى: "كلامًا"؛ لأنه ليس مفيدًا. ولا: "كلمًا"؛ لأنه ليس مؤلفًا من ثلاث كلمات؛ وإنما يسمى: "قوْلاً".
ويقول أهل اللغة: إن "الكلمة" واحد: "الكلم". ولكنها قد تستعمل أحيانًا بمعنى: "الكلام"؛ فتقول: حضرتُ حفل تكريم الأوائل؛ فسمعت "كلمة" رائعة لرئيس الحفل، و"كلمة" أخرى لأحد الحاضرين، و"كلمة" ثالثة من أحد الأوائل يشكر المحتفلِين. ومثل: اسمعْ منى "كلمة" غالية؛ وهى:
*أحْسِنْ إلى الناس تَستعبدْ قلوبهمُ * فطالما استعبدَ الإنسانَ إحسانُ*
فالمراد بالكلمة فى كل ما سبق هو: "الكلام"، وهو استعمال فصيح، يشيع على ألسنة الأدباء وغيرهم.
وللكلمة ثلاثة أقسام، اسم. وفعل، وحرف.
زيادة وتفصيل:
تعود النحاة - بعد الكلام على الأنواع الأربعة السابقة - أن يوازنوا بينها موازنة أساسها: "علم المنطق" ويطيلوا فيها الجدل المرهق، مع أن الموضوع فى غنى عن الموازنة؛ لبعد صلتها "بالنحو". وبالرغم من هذا سنلخص كلامهم... (وقد يكون الخير فى الاستغناء عنه).
(ا) يقولون: إن موازنة الأنواع السابقة بعضها ببعض؛ لمعرفة أوسعها شمولا، وأكثرها أفرادًا - تدل على أن: "القول" هو الأوسع والأكثر؛ لأنه ينطبق عليها جميعًا، وعلى كل فرد من أفرادها. أما غيره فلا ينطبق إلا على أفراده الخاصة به، دون أفراد نوع آخر؛ فكل ما يصدق عليه أنه: "كلمة" أو: "كلام" أو: "كلم" - يصْدُق عليه أنه: "قول"، ويُعَدّ من أفراد: "القول"، ولا عكس.
هذا إلى أن القول يشمل نوعًا آخر غير تلك الأنواع، وينطبق وحده على أفراد ذلك النوع؛ وهو: كل تركيب اشتمل على كلمتين من غير إفادة تامة منهما؛ مثل: "إنْ حضر"... "ليس حامد" - "ليت مصر"... - "سيارةُ رجل"... فمثل هذا لا يصح أن يسمى: "كلمة، ولا "كلامًا"، ولا "كَلمِا" ومن هنا يقول النحاة: إن القول أعم من كل نوع من الأنواع الثلاثة عمومًا مطلقًا، وأن كل نوع أخص منه خصوصًا مطلقاً... يريدون بالعموم: أن "القول" يشمل من الأنواع أكثر من غيره. ويريدون "بالإطلاق": أن ذلك الشمول عام فى كل الأحوال، بغير تقييد بحالة معينة؛ فكلما وُجد نوع وجد أن "القول"؛ يشمله وينطبق على كل فرد من أفراده - دائمًا -
وأما أن كل نوع أخص - وأن ذلك الخصوص مطلق - فلأن كل نوع من الثلاثة لا يشمل عددًا من الأفراد المختلفة بقدر ما يشمله "القول" ولا ما يزيد عليه. وأن هذا شأنه فى كل الأحوال بغير تقييد، كما يتضح مما يأتى:
كتب: كلمة، ويصح أن تسمى: "قولا." وكذلك كل كلمة أخرى.
كتب على: كلام، ويصح أن يسمى: "قولا ." وكذلك كل جملة مفيدة مستقلة بمعناها، مكونة من كلمتين. - أو أكثر كما سيجئ -
قد كتب صباحًا: كلم، ويصح أن يسمى: "قولا ." وكذلك كل تركيب يشتمل على ثلاث كلمات فأكثر، من غير أن يفيد.
كتب على صباحًا: كَلِم أيضًا. ويصح أن يسمى: "كلامًا، أو: قولا". وكذلك كل تركيب يشتمل على ثلاث كلمات فأكثر مع الإفادة المستقلة.
كتاب على: يسمى: "قولا ." فقط.. وكذلك كل تركيب يشتمل على كلمتين فقط من غير إفادة.
فالقول منطبق على كل نوع، وصادق على كل فرد من أفراد ذلك النوع ومن غيره.
وقد يوضح هذا كلمة أخرى مثل: ؛ "معدن" ؛ فإن " المعدن" أنواع كثيرة؛ منها الذهب، والفضة والنحاس... فكلمة؛ "معدن" أعم من كل كلمة من تلك الكلمات عمومًا مطلقًا، وكل نوع أخص منه خصوصًا مطلقًا؛ لأن كلمة "معدن" بالنسبة للذهب - مثلا - تشمله، وتشمل نوعًا أو أكثر غيره - كالفضة -. أما الذهب فمقصور على نوعه الخاص، فالمعدن عام؛ لأنه يشمل نوعين أو أكثر. والذهب خاص؛ لأنه لا يشمل إلا نوعًا واحدًا. و"المعدن" عام عمومًا مطلقًا؛ لأنه ينطبق دائمًا على كل فرد من أفراد نوعيه أو أنواعه وذلك فى كل حالات.
* * *
(ب) ثم تأتى الموازنة بين "الكلم" و "الكلام" فتدل على أمرين:
أحدهما: أن "الكلم" و " الكلام" يشتركان معًا فى بعض الأنواع التى يصدق على كل منها أنه: "كلم" وأنه: "كلام" -؛ فيصح أن نسميه بهذا أو ذاك؛ كالعبارات التى تتكون من ثلاث كلمات مفيدة؛ فإنها نوع صالح لأن يسمى: "كلامًا" أو: "كلمًا". وكالعبارات التى تتكون من أربع كلمات مفيدة؛ فإنها نوع صالح لأن يسمى: "كلامًا" أو: "كلمًا" وهكذا كل جملة اشتملت على أكثر من ذلك مع الإفادة المستقلة.
ثانيهما: أن كلا منهما قد يشتمل على أنواع لا يشتمل عليها الآخر فيصير أعم من نظيره أنواعًا، وأوسع أفرادًا؛ مثال ذلك: أن "الكلم" وحده يصدق على كل تركيب يحوى ثلاث كلمات أو أكثر، سواء أكانت مفيدة، مثل: (أنت خير مرشد) أم غير مفيدة، مثل: (لما حضر فى يوم الخميس) فهو من هذه الناحية أعم وأشمل من الكلام؛ لأن الكلام لا ينطبق إلا على المفيد، فيكون - بسبب هذا - أقل أنواعًا وأفرادًا؛ فهو أخص.
لكن "الكلام" - من جهة أخرى - ينطبق على نوع لا ينطبق عليه "الكلم" كالنوع الذى يتركب من كلمتين مفيدتين؛ مثل: "أنت عالم" وهذا يجعل الكلام أعم. وأشمل من نظيره، ويجعل الكلم أخص.
فخلاصة الموازنة بين الاثنين: أنهما يشتركان حينًا فى نوع (أى: فى عدد من الأفراد)، ثم يختص كل واحد منهما بعد ذلك بنوع آخر ينفرد به دون نظيره؛ فيصير به أعم وأشمل. فكل منهما أعم وأشمل حينًا، وأخص وأضيق حينًا آخر. ويعبر العلماء عن هذا بقولهم: "إن بينهما العموم من وجه، والخصوص من وجه." أو: " بينهما العموم والخصوص الوجهى".
يريدون من هذا: أنهما يجتمعان حينًا فى بعض الحالات، وينفرد كل منهما فى الوقت نفسه ببعض حالات أخرى يكون فيها أعم من نظيره، ونظيره أعم منه أيضاً؛ فكلاهما أعم وأخص معًا. وإن شئت فقل: إن بينهما العموم من وجه والخصوص من وجه (أى؛ الوجهى) فيجتمعان فى مثل قد غاب على ... وينفرد الكلام بمثل: حضر محمود ... وينفرد الكلم بمثل: إنْ جاء رجل ... فالكلم أعم من جهة المعنى؛ لأنه يشمل المفيد وغير المفيد، وأخص من جهة اللفظ؛ لعدم اشتماله على اللفظ المركب من كلمتين.
والكلام أعم من جهة اللفظ؛ لأنه يشمل المركب من كلمتين فأكثر. وأخص من جهة المعنى؛ لأنه لا يطلق على غير المفيد.
* * *
(حـ) أما موازنة الكلمة بغيرها فتدل على أنها أخص الأنواع جميعًا.
* * *
شىء آخر يعرض له النحاة بمناسبة: "كلِم". يقولون:
إننا حين نسمع كلمة: رجال، أو: كتب، أو: أقلام، أو: غيرها من جموع التكسير نفهم أمرين:
أولهما: أن هذه الكلمة تدل على جماعة لا تقل عن ثلاثة، وقد تزيد.
ثانيهما: أن لهذا الجمع مفردًا نعرفه من اللغة؛ هو: رجل، كتاب، قلم ... وكذلك حين نسمع لفظ: "كَلِم" نفهم أمرين:
أولهما: أنه يدل على جماعة من الكلمات، لا تقل عن ثلاث، وقد تزيد؛ (لأن "الكَلِم" فى الأصل يتركب من ثلاث كلمات أو أكثر؛ فهو من هذه الجهة يشبه الجمع فى الدلالة العددية؛ فكلاهما يدل على ثلاث أو أكثر).
ثانيهما: أن "للكلم" مفردًا نعرفه ونصل إليه بزيادة تاء للتأنيث فى آخره؛ فيصير بزيادتها - وموافقة اللغة - دالا على الواحد، بعد أن كان دالا على الجمع، فتكون: "كلمة" هى مفردة: "الكلم"؛ مع أنهما متشابهان فى الحروف، وفى ضبطها، ولا يختلفان فى شىء؛ إلا فى زيادة التاء فى آخر: "الكلمة" - بموافقة اللغة -. وهو بسبب هذا يختلف عن الجموع؛ فليس بين الجموع ما ينقلب مفردًا وينقص معناه من الجمع إلى الواحد من أجل اتصال تاء التأنيث بآخره. ولذلك لا يسمونه جمعًا، وإنما يسمونه: "اسم جنس جمعيًّا". ويقولون فى تعريفه:
"إنه لفظ معناه معنى الجمع، وإذا زيدت على آخره تاء التأنيث - غالباً - صار مفردًا".
أو هو: "ما يُفْرَق بينه وبين واحده بزيادة تاء التأنيث - غالبًا - فى آخره".
ومن أمثلته: تفاح وتفاحة - عنب وعنبة - تمر وتمرة - شجر وشجرة - وهذا هو النوع الغالب، كما أشرنا.
وهناك نوع يُفرَق بينه وبين مفرده بالياء المشددة، مثل: عرب وعربىّ، جُنْد وجندى، رُوم ورومى، تُرْك وترْكىّ.
وقد يُفْرَق بينه وبين واحده بالتاء فى جمعه، لا فى مفرده؛ مثل كَمْأة، وكمْء".
ولهم فى اسم الجنس الجمعىّ - من ناحية أنه جمع تكسير، أو أنه قسم مستقل بنفسه - آراء متضاربة ومجادلات عنيفة؛ لا خير فيها، وإنما الخير فى الأخذ بالرأى القائل: إنه جمع تكسير. وهو رأى فيه سداد، وتيسير، ولن يترتب على الأخذ به مخالفة أصل من أصول اللغة، أو خروج على قاعدة من قواعدها، وأحكامها السليمة.
هذا من جهة الجمع أو عدمه. بقى الكلام فى المراد من: "اسم الجنس" والمعنى الدقيق له. وفيما يلى إشارة موجزة إليهما:
إن كلمة مثل كلمة: "حديد" تدل على معنى خاص؛ هو: تلك المادة المعروفة، وذلك العنصر المفهوم لنا. فمن أين جاء لنا فهمه؟ وكيف وصل العقل إلى انتزاع المعنى وإقراره فى باطنه؟
رأينا قطعة من الحديد أول مرة، ثم قطعة أخرى بعد ذلك، ثم ثالثة، فرابعة، فخامسة، ... ولم نكن نعرف الحديد، ولا اسمه، ثم استعملنا تلك القطَع فى شئوننا، وعرفنا بالاستعمال المتكرر بعض خواصها الأساسية؛ وإذا رأينا بعد ذلك قطعًا من صنفها فإننا نعرفها، ولا تكون غريبة على عقولنا، ونشعر بحاجة إلى اسم نسمى به هذا الصنف...
فإذا رأينا بعد ذلك قطعة من جنس آخر (أى: من صنف آخر) كالذهب، ولم نكن استعملناه فى شئوننا - وعرفنا بالاستعمال بعض خواصها الذاتية؛ فلا شك أننا سنحتاج إلى اسم يميز هذا الجنس من سابقه، بحيث إذا سمعنا الاسم ندرك منه المراد، ونتصور معناه تصورًا عقليًّا من غير حاجة إلى رؤية تلك القطَع والنماذج؛ فوضَعْنا للجنس الأول اسمًا هو: "الحديد"، ووضعنا للجنس الثانى اسما يخالفه هو: "الذهب". فالحديد اسم لذلك الجنس (الصنف المعروف)، وكذلك "الذهب"، وغيرهما من أسماء الأجناس... وصرنا بعد ذلك حين نسمع كلمة: "الذهب" أو "الحديد" ندرك المراد منها إدراكًا عقليًا بحتًا، فيقفز إلى ذهننا مباشرة مدلولها الخاص، من غير ربط - فى الغالب - بينها وبين شىء آخر من عنصرها، ومادتها، أو من غيرهما. وهذا الفهم هو ما يعبر عنه: بأنه "إدراك الماهية المجردة" أى: "إدراك حقيقة الشىء الذهنية، وصورته المرسومة فى العقل وحده". يريدون بذلك: المعنى الذى يفهم من الكلمة فهمًا عقليًّا مجردًا - فى الغالب - أى: بعيدًا عن عالم الحسّ، وعن تخيل النماذج والصور المختلفة المصنوعة منه، أو غير المصنوعة، والتى تساعد فى إيضاح المراد منه.
ومثل كلمة: الـ"حديد" غيرها من أسماء الأجناس - كما أسلفنا - ومنها: فضة، رجل، خشب. طائر ...
ثم إن هذا الجنس (أو: الماهية المجردة، والحقيقة الذهنية البحتة) ثلاثة أنواع، لكل منها اسم:
الأول: اسم الجنس الجمعى، وقد سبق.
الثانى: اسم الجنس الإفرادى؛ وهو الذى يصدق على القليل والكثير من الماهية (أى: من الحقيقة الذهنية) من غير اعتبار للقلة أو الكثرة. (مثل: هواء، ضوء، دم، ماء) فكل واحد من هذه وأشباهها يسمى بهذا الاسم؛ سواء أكان قليلا أم كثيرًا.
والثالث: اسم الجنس الآحادى؛ وهو: الذى يدل على الماهية (أى الحقيقة الذهنية) ممثلة فى فرد غير معين من أفرادها، ولا يمكن تصورها فى العقل إلا بتخيل ذلك الفرد غير المعهود، واستحضار صورة له فى الذهن؛ مثل: أسامة للأسَدَ.
* * *
ملاحظة: يُردد النحاة وغيرهم من المشتغلين بالعلوم والفنون المختلفة كلمة: "القاعدة" ويذكرونها فى المناسبات المختلفة، فما تعريفها؟
قالوا: "القاعدة - وجمعها: قواعد - هى فى اللغة: الأساس. وفى الاصطلاح: حُكم كُلّىّ ينطبق على جميع أجزائه وأفراده؛ لتعرف أحكامها منه).
وعلى الرغم من شيوع هذا التعريف فى مراجعهم ومطولاتهم - عارضَ بعض النحاة فى كلمة: "حكم" مفضلاً عليها كلمة "قضية" كليّة بحجة أن القاعدة فى مثل قولنا: "كل فاعل مرفوع" تشمل "المحكوم به"، و "المحكوم عليه"، و "الحكم"، فلا بدّ أن تشمل أمورًا ثلاثة، ولا تقتصر على "الحكم".
وقد دفع الاعتراض: بأن الاقتصار على "الحكم" فى ذلك التعريف الشائع، مقبول؛ لأنه نوع من المجاز، إذ فيه إطلاق الجزء - وهو الحُكم - على القضية الكليّة التى هى اسم يجمع المحكوم به، والمحكوم عليه، والحكم.
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب الكلام وما يتألف منه ) ضمن العنوان ( المسألة الثانية: الكلام على أقسام الكلمة الثلاثة: الاسم، والفعل والحرف. )
الاسم: كلمة تدل بذاتها على شىء محسوس، - مثل: نحاس، بيت، جَمل، نخلة، عصفورة، محمد ... - أو شىء غير محسوس، يعرف بالعقل؛ (مثل: شجاعة، مروءة، شرف، نُبل، نبوغ ...) وهو فى الحالتين لا يقترن بزمن.
علاماته: أهمها خمسة، إذا وجدت واحدة منها كانت دليلا على أن الكلمة "اسم".
العلامة الأولى: الجر؛ فإذا رأينا كلمة مجرورة لداع من الدواعى النحوية، عرفنا أنها اسم؛ مثل: كنت فى زيادةِ صديقٍ كريمٍ. فكلمة: "زيارةِ" اسم؛ لأنها مجرورة بحر الجر "فى"، وكلمة: "صديق" اسم؛ لأنها مجرورة؛ إذ هى "مضاف إليه"، وكلمة: "كريم" اسم؛ لأنها مجرورة بالتبعية لما قبلها؛ فهى نعت لها.
العلامة الثانية: التنوين؛ فمن الكلمات ما يقتضى أن يكون فى آخره ضمتان، أو فتحتان، أو كسرتان؛ مثل: جاء حامدٌ - رأيت حامدًا - ذهبت إلى حامد. طار عصفورٌ جميلٌ - شاهدت عصفورًا جميلاً - استمعت إلى عصفورٍ جميلٍ ... وهذه الكلمات لا تكون إلا أسماء.
وكان الأصل أن تكتب هى وأشباهها كما يكتبها علماء "العَروض" هكذا:
حامدُنْ - حامدَنْ - حامدِنْ. عصفورُنْ جميلُنْ ... عصفورَنْ جميلَنْ ... عصفورِنْ جَميلِنْ... أى: بزيادة نون ساكنة فى آخر الكلمة؛ تحدث رنينًا خاصًّا؛ وتنغيمًا عند النطق بها. ولهذا يسمونها: "والتنوين" أى: التصويت والترنيم؛ لأنها سببه. ولكنهم عدلوا عن هذا الأصل، ووضعوا مكان "النون" رمزًا مختصرًا يغنى عنها، ويدل - عند النطق به - على ما كانت تدل عليه؛ وهذا الرّمز هو: الضمة الثانية، والفتحة الثانية، والكسرة الثانية... على حسب الجمل... ويسمونه: "التنوين"، كما كانوا يسمون النون السالفة، واستغنوا بها الرمز المختصر عن "النون"؛ فحذفوها فى الكتابة، ولكنها لا تزال ملحوظة يُنْطَق بها عند وصل بعض الكلام ببعض، دون الوقف.
ومما تقدم نعلم: أن التنوين نون ساكنة، زائدة. تلحق آخر الأسماء لفظًا، لا خطًا ولا وقفًا.
العلامة الثالثة: أن تكون الكلمة مناداة، مثل: يا محمدُ، ساعد الضعيف. يا فاطمة، أكرمى أهلك. فنحن ننادى محمدًا، وفاطمة. وكل كلمة نناديها اسم، ونداؤها علامة اسميتها.
العلامة الرابعة: أن تكون الكلمة مبدوءة (بأل) مثل: العدل أساس الملك.
العلامة الخامسة: أن تكون الكلمة منسوبًا إليها - أى: إلى مدلولها - حصولُ شىء، أو عدم حصوله، أو مطلوبًا منها إحداثه، مثل: علىٌّ سافرَ. محمود لم يسافر. سافرْ يا سعيد. فقد تحدثنا عن "علىّ" بشىء نسبناه إليه. هو: السفر، وتحدثنا عن "محمود" بشىء نسبناه إليه؛ هو عدم السفر، وطلبنا من "سعيد" السفر. فالحكم بالسفر، أو بعدمه، أو بغيرهما، من كل ما تتم به الفائدة الأساسية يسمى: إسنادًا، وكذلك الحكم بطلب شىء من إنسان أو غيره... فالإسناد هو: "إثبات شىء لشىء، أو نفيه عنه، أو طلبه منه".
هذا، واللفظ الذى نسب إلى صاحبه فعل شىء أو عدمه أو طُلب منه ذلك، يسمى: "مسنَدًا إليه"، أى: منسوبًا إليه الفعل، أو الترك، أو طُلب منه الأداء. أما الشىء الذى حصل ووقع، أو لم يحصل ولم يقع، أو طُلب حصوله - فيسمى: "مسندًا"، ولا يكون المسند إليه اسما. والإسناد هو العلامة التى دلت على أن المسند إليه اسم.
زيادة وتفصيل:
(ا) تعددت علامات الاسم، لأن الأسماء متعددة الأنواع؛ فما يصلح علامة لبعض منها، لا يصلح لبعض آخر، كالجر، فإنه لا يصلح علامة لضمائر الرفع، كالتاء - ولا يصلح لبعض الظروف؛ مثل: قَطُّ: وعَوْضُ. وكالتنوين؛ فإنه يصلح لكثير من الأسماء المعربة المنصرفة، ولا يصلح لكثير من المبنيات. وكالنداء فإنه يصلح وحده للأسماء الملازمة للنداء؛ مثل: يا فل (أى: يا فلان)، ويا مكرَمان للكريم الجواد، وغيرهما مما لا يكون إلا منادى. وهكذا اقتضى الأمر تعدد العلامات بتعدد أنواع الأسماء ...
(ب) للاسم علامات أخرى؛ أهمها:
1- أن يكون مضافًا؛ مثل: تطرب نفسى لسماع الغناء. وقراءة كتب الأدب.
2- أن يعود عليه الضمير، مثل: جاء المحسن. ففى "المحسن" ضمير. فما مرجعه؟ لا مرجع له إلا "أل"؛ لأن المعنى: "جاء الذى هو محسن" ولهذا قالوا "أل" هنا: اسم موصول. وكذلك قد فاز المخلص، وأفلح الأمين.
3- أن يكون مجموعًا. مثل: مفاتيح الحضارة بيد علماء، وهبوا أنفسهم للعلم. فكوْن الاسم جمعًا خاصة من خواص الأسماء.
4- أن يكون مصغرًا؛ "لأن التصغير من خواص الأسماء كذلك" مثل: حُسَين أصغر من أخيه الحسن.
5- أن يبدل منه اسم صريح؛ مثل: كيف علىّ؟ أصحيح أم مريض؛ فكلمة: "صحيح" اسم واضح الاسمية، وهو بدل من كلمة: "كيف" فدلّ على أن "كيف" اسم.
6- أن يكون لفظه موافقاً لوزن اسم آخر، لا خلاف فى اسميته؛ كنزَال فإنه موافق فى اللفظ لوزن: "حَذَامِ" اسم امرأة، وهو وزن لا خلاف فىَ أنه مقصور على الأسماء. ولولا هذه العلامة لصعب الحكم على "نَزَالِ" بالاسمية؛ لصعوبة الاهتداء إلى علامة أخرى.
7- أن يكون معناه موافقًا لمعنى لفظ آخر ثابت الاسمية؛ مثل: قَطُّ. عَوْضُ. حيث... فالأولى ظرف يدل على الزمن الماضى، والثانية ظرف يدل على الزمن المستقبل، والثالثة بمعنى المكان - فى الأغلب - وبهذه العلامة أمكن الحكم على الكلمات الثلاثة بالاسمية؛ إذ يصعب وجود علامة أخرى.
(جـ) سبق أن من علامات الاسم الإسناد: وقد وضحناه. وبقى أن نقول: إذا أسندتَ إلى كلمة قاصدًا منها لفظها، وكان لفظها مبنيًا - كما لو رأيت كلمة مكتوبة؛ مثل: "قَطفَ" أو: "مَنْ" "أو: رُبَّ"، وأردت أن تقول عن لفظها المكتوب؛ إنه جميل، وهو لفظ مبنى فى أصله كما ترى - فإنه يجوز أحد أمرين.
أولهما: أن تحكيها بحالة لفظها، وهو الأكثر؛ فيكون إعرابها مقدرًا، منع من ظهور علامته حكاية اللفظ على ما كان عليه أولا؛ من حركة، أو سكون، فلا يدخل على آخر الكلمة تغيير.
ثانيهما: أن تعربها على حسب العوامل إعرابًا ظاهرًا مع التنوين؛ فتقول: قَطَفٌ جميلةٌ - بالرفع والتنوين فى هذا المثال - إلا إن كان فى آخر الكلمة ما يمنع ظهور الحركة؛ كوجود ألف مثلا، كقولك: "علىَ" حرف جر، فإنها تعرب بحركة مقدرة، وتُنَون، مالم يمنع من تنوينها مانع؛ كالإضافة...
وإذا كانت الكلمة ثنائية. وثانيها حرف لين، ضاعفته. فتقول فى "لوْ": لوٌّ. وفى كلمة "فى": فىٌّ. وفى كلمة "ما": "ماء". بقلب الألف الثانية الحادثة من التضعيف همزة، لا متناع اجتماع ألفين.
ويرى بعض النحاة: أن الحرف الثانى الصحيح من الكلمة الثنائية لا يضاعف إلا إذا صارت الكلمة علمًا لشىء آخر غير لفظها، كأن تسمى شيئًا: "بل" أو: "قدْ" أو: "هل" ... أما إذا بقيت على معناها الأصلى وقصد إعرابها فلا يضاعف ثانيها؛ سواء أكان صحيحًا مثل: "قَدْ" أم لَينًا مثل: "لَوْ" ...
(د) الاسم ثلاثة أقسام:
ظاهر، مثل كلمة: "محمد" فى : "محمد عاقل"، ومضمر، أى: غير ظاهر فى الكلام، مع أنه موجود مستتر، مثل الفاعل فى قولنا: أكرمْ صديقك؛ فإن التفاعل مستتر وجوبًا تقديره: "أنت"، ومبهم"، لا يتضح المراد منه ولا يتحدد معناه إلا بشىء آخر، وهو اسم الإشارة؛ مثل: هذا نافع، واسم الموصول؛ مثل: الذى بنى الهرم مهندس بارع.
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب الكلام وما يتألف منه ) ضمن العنوان ( المسألة الثالثة: أقسام التنوين، وأحكامه )
التنوين الذى يعتبره النحاة علامة على أن الكلمة اسم - أنواع؛ أشهرها أربعة؛ هى: التنوين الأمْكَنِيَّة - تنوين التنكير - تنوين التعويض - تنوين المقابلة، ولهم فى كل نوع آراء مختلفة، سنستخلص الرأى السليم منها:
النوع الأول: تنوين الأمكنية:
ولتوضيحه نقول: إن الأسماء أربعة أقسام:
(ا) قسم تتغير حركة آخره باختلاف موقعه من الجُمل، ويدخله التنوين فى آخره؛ مثل: علىٌّ، شجرةٌ، عصفورٌ، ... تقول: جاء علىٌّ، برفع آخره وتنوينه... رأيت عليًّا؛ بنصب آخره وتنوينه. ذهبت إلى علىِّ، بجر آخره وتنوينه... وكذلك باقى الأسماء السابقة وما يشبهها. وهذا القسم من الأسماء يسمى: "المُعْرَب الْمُنصرف".
(ب) قسم تتغير حركة آخره باختلاف موقعه من الجمل، ولكنه لا ينوّن؛ مثل: أحمد، فاطمة، عثمان... تقول: جاء أحمدُ، رأيت أحمدَ، ذهبت إلى أحمدَ... وكذلك باقى الأسماء السالفة، وما أشبهها: فإنها لا تنون، مهما اختلفت العوامل. وهذا القسم يسمى: "المعرب غير المنصرف". وله باب خاص يتضمن أسباب منع الاسم من الصرف...
(حـ) قسم لا تتغير حركة آخره بتغير التراكيب. لكن قد يدخله التنوين أحيانًا لغرض. وإليك الإيضاح.
من الأسماء القديمة: خَالَوَيْه، نِفْطَوَيْه، عَمْرَوَيْه، سِيبَويْهِ. وغيرها من أعلام الأشخاص المبنية على الكسر - غالباً - المختومة بكَلمة: "وَيْه". فإذا أردت أن تتحدث عن واحد من هذه الأعلام، وكان معينا معهودًا بينك وبين من تخاطبه، معروفًا بهذا الاسم، لا تختلط صورته فى الذهن بصورة غيره - فإنك تنطق باسمه من غير تنوين، وأنت بهذا تتكلم عنه كما تتكلم عن الأعلام الأخرى المعربة التى يدل الواحد منها على فرد خاص بعينه؛ مثل: محمد، أو: صالح، أو: محمود، أو: غيرهم ...
أما إذا أتيت بالتنوين فى آخر الكلمة فإن المراد يتغير؛ إذ تصير كمن يتحدث عن شخص غير مُعَين، لا يتميز من غيره المشاركين له فى الاسم، فكأنك تتحدث عن رجل أىّ رجل مسمى بهذا الاسم.
ومن الأمثلة أيضًا ما ليس بعلَم، مثل: صَهْ، إيهِ، غاقِ.
وهذه الكلمات المبنية وأشباهها تكون منونة حينًا، وغير منونة حينًا آخر، كأن تسمع شخصًا يتحدث فى أمر معين لا يرضيك؛ فتقول له: صَهْ، (بسكون الهاء من غير تنوينها). فكأنك تقول له: اسكت عن الكلام فى هذا الأمر الخاص، ولك أن تتكلم فى أمر آخر إن شئت. أما إذا قلت له: صه (بالتنوين) فمرادك: اترك الكلام مطلقًا فى جميع الموضوعات؛ لا فى موضوع معين.
ولو قلت له: "إيهِ" (بالكسر من غير التنوين) لكان المقصود: زدنى من الحديث المُعَين الذى تتكلم فيه الآن. ولا تتركه. أما إذا قلت: "إيهٍ" بالتنوين فإن المراد يكون: زدنى من حديث أىّ حديث؛ سواء أكان ما نحن فيه أم غيره.
كذلك: صاح الغراب غاقِ (بغير تنوين) فالمراد أنه يصيح صياحًا خاصًّا، فيه تنغيم، أو حزن، أو فزع، أو إطالة... أما بالتنوين فمعناه مجرد صياح.
فعدم التنوين فى الكلمات المبنية السابقة - وأشباهها - هو الدليل على أنك تريد شيئًا واحدا معينًا، واضحًا فى ذهنك، معهودًا لك ولمخاطبك؛ سواء أكان ذلك الشىء شخصًا أم غير شخص، والتنوين هو الرمز الدال على أنك تريد شيئًا غير مُعَين بذاته، وإنما هو مختلط بين نظائره المماثلة له، ولا يتجه ذهنك إلى واحد منها دون غيره. ويسمون الكلمة التى من النوع الأول الخالى من التنوين: "معرفة"، لأن مدلولها معروف مُعَين. والكلمة التى من النوع الثانى المنَوّن: "نكرة"؛ لأن معناها مُنَكر - أى: شائع - غير معين وغير محدد. ويسمون التنوين الذى يدخلها: "تنوين التنكير" أى: التنوين الذى يدل فى الكلمة المبنية على الشيوع وعدم التعيين؛ ولا يدخل إلا الأسماء المبنية. فهو: "العلامة التى تدل بوجودها على أن الكلمة المبنية نكرة، وتدل بحذفها على أنها معرفة".
(د) قسم لا تتغير حركة آخره ولا يدخله التنوين؛ مثل: هؤلاءِ حيثُ... كمْ... تقول: جاءَ هؤلاءِ، أبصرتُ هؤلاءِ، انتفعت بهؤلاءِ... (بالكسر فى كل الحالات، بغير تنوين، فهو مبنى، وغير منون).
من التقسيم السابق نعلم أن بعض الأسماء معرب، وبعضها مبنى، وأن كل واحد منهما قد يكون منونًا، وقد يكون غير منون.
والقسم الأول: "ا" وحده هو الذى يجتمع فيه الإعراب والتنوين معًا. والنحاة يقررون أن الأصل فى الأسماء أن تكون مُعْربة ومنونة، وأن الأصل فى الحروف وأكثر الأفعال أن تكون مبنية وغير منونة؛ فكلما ابتعد الاسم عن مشابهة الحرف والفعل فى البناء وعدم التنوين كان أكثر أصالة فى الاسمية، وأشدّ تمكنًا.
وبتطبيق هذا على الأقسام الأربعة السالفة يتبين أن القسم الأول أقواها جميعًا فى الاسمية، وأعلاها فى درجتها؛ لأنه لا يشبههما فى شىء؛ فهو مُعرب؛ أما الحروف وأكثر الأفعال فمبنية. وهو منون؛ والتنوين لا يدخل الأفعال ولا الحروف.
ثم يليه فى القوة والأصالة؛ القسم الثانى: "ب"؛ لأنه معرب، والحروف وأكثر الأفعال مبنية - كما سبق - لكنه يشبه الأفعال والحروف فى عدم التنوين. ثم يليه القسم الثالث: "حـ" وهو أضعف من القسمين السابقين؛ لبنائه الدائم، ولعدم تنوينه أحيانًا. أما الرابع: "د" فهو أضعف الأقسام كلها، لأنه مبنى دائمًا، ولا ينون مطلقًا. فاجتمع فى القسم الأول العاملان الدالان على التباعد وعدم المشابهة، أما القسم الثانى فليس فيه إلا عامل واحد؛ لهذا يسمى القسم الأول: "المتمكن الأمكن"، أى: القوىّ فى الاسمية، الذى هو أقوى أصالة فيها، وأثبتُ مكانة من غيره. ويسمى التنوين الذى يلحقه: تنوين "الأمكنية" أو: "الصرْف" ويقولون فى تعريفه - "إنه التنوين الذى يحلق آخر الأسماء المعربة المنصرفة؛ ليدل على خفتها، وعلى أنها أمكَنُ، وأقوى فى الاسمية من غيرها" كما يسمى القسم الثانى: "المتمكن" فقط. وما عداهما فغير متمكن.
* * *
النوع الثانى: تنوين التنكير:
وهو "الذى يلحق - فى الأغلب - بعض الأسماء المبنية؛ ليكون وجوده دليلا على أنها نكرة، وحذفه دليلا على أنها معرفة" وهو الذى سبق إيضاحه وشرحه فى القسم الثالث: "حـ" من الأسماء.
* * *
النوع الثالث: تنوين التعويض، أو العِوَض:
من الدواعى ما يقتضى حذف حرف من كلمة، أو حذف كلمة كاملة، أو حذف جملة بتمامها أو أكثر؛ فيحل التنوين محل المحذوف، ويكون عوضًا عنه. فمن أمثلة - حذف الحرف ما يأتى:
الفعل الثلاثى بعض المشتقات منه (اسم الفاعل) وَضْع المشتق فى جملة بعد جمعه جمع تكسير الحرف المحذوف
بقِىَ باقيةٌ النقود بواقٍ. سأزيد على بَواقٍ.
هو الحرف الأخير من الجمع، وهذا الحرف الأخير أصله الحرف الثالث الأصلى من الفعل الماضى.
مضىَ مَاضية الليالى مواضٍ بحوادثها. لا أحزن لمواضٍ.
بكى باكيةٌ العيون بواكٍ. أسفتُ لبواكٍ على ما فات.
سقىَ سَاقيةٌ هذه سواقٍ. شرب الزرع من سواقٍ فياضة.
نَمى نَاميةٌ الزروع نوامٍ. سوف أحرص على نوامٍ من الزروع.
رنا (بمعنى: نظر) رانِيةٌ العيون روان للزهر. عجبت من روانٍ للزهر.
فهنا بعض أفعال ثلاثية، أصلية الحروف، أى: لا يحذف منها حرف فى المشتقات المختلفة إلا لداع قوىّ، لكن الحرف الأخير من تلك الأفعال قد حذف فى جمع التكسير، وحل مكانه التنوين؛ عِوضًا عنه، فالتنوين المشاهد فى آخر كل جمع مما سبق إنما هو تعويض عن الحرف المحذوف. وعند الإعراب نقول: الكلمة مرفوعة بالضمة على الياء المحذوفة. ومجرورة بفتحة نيابة عن الكسرة فوق الياء المحذوفة. والتنوين الظاهر فى الحالتين عوض عن الياء المحذوفة.
أما حذف كلمة ومجئ التنوين عوضًا عنها فيكثر بحذف المضاف إليه بعد لفظة: "كل"، أو "بعض" - وما فى حكمهما - ومن أمثلته:
قسمت المال بين المستحقين؛ فأعطيت كُلاًّ نصيبه، أى: كل مستحقٍ.
حضرت الضيوف فصافحت كُلاًّ منهم. أى: كل ضيفٍ.
تعجبنى الصحف اليومية غير بعضٍ. أى: بعضٍ الصحفِ.
اعتدل الجو أيام الشتاء إلا بعضًا. أى: بعض أيامٍ.
وأما حذف جملة، أو أكثر، ومجئ التنوين عوضًا عنها فإنه يكثر بعد كلمة "إذ" المضافة، المسبوقة بكلمة "حين" أو "ساعة" وما أشبههما من ظروف الزمان التى تضاف إلى: "إذْ". ويتضح من الأمثلة الآتية:
جاء الصديق، وكنت (حين إذْ جاء الصديق) غائبًا - جاء الصديق وكنت "حينئذ" غائبًا.
أكرمتنى؛ فأثنيت عليك (حين إذ أكرمتنى) - أكرمتنى فأثنيت عليك "حينئذ".
سابقت، وكان زملاؤك (ساعة إذ سابقتَ) يرجون لك الفوز - سابقت وكان زملاؤك "ساعتئذٍ" يرجون لك الفوز.
مشيتَ فى الحديقة، وقطفتَ الزهر. وكنتُ (ساعة إذ مشيتَ) وقطفتَ قريبًا منك، أو: وكنت "ساعتئذٍ" قريبًا منك.
سافر محمود فى القطار، وجلس يقرأ الصحف، وتكلم مع جاره، وكنتَ معه وقت "إذ سافر"، وجلس يقرأ ويتكلم.
سافر محمود فى القطار، وجلس يقرأ الصحف، وتكلم مع جاره. وكنت معه "وقتئذ"...
ومنه قوله تعالى: {إذا زُلزلت الأرضُ زِلزالها * وأخرجت الأرضُ أثقالها * وقال الإنسان مَالَها * يومئذٍ تُحدّث أخبارَها}.
فقد حذفت - فى الأمثلة السالفة جملة أو أكثر بعد: (إذْ) مباشرة، وجاء التنوين عوضًا عن المحذوف. ولما كانت الذال ساكنة، وكذلك التنوين - حركْنا الذال بالكسر؛ ليمكن النطق والتغلب على اجتماع الساكنين، ووصلنا كلمة: "إذ" فى الكتابة بما قبلها، عملا بقواعد رسم الحروف (الإملاء).
مما سبق نعلم أن تنوين العِوض هو: ما يجئ بدلا من حرف أصلى حذف، أو من كلمة، أو جملة، أو أكثر؛ ليحل محل المحذوف، ويغنى عنه.
ومما يجب التنبه له أن هذا التنوين قسم مستقل، أثره الخاص هو: "التعويض" فلا يدل بنفسه على إعراب ولا بناء، ولهذا يدخل فى آخر الأسماء المتمكنة وغير المتمكنة: أى: يدخل فى آخر الأسماء المعربة والمبنية.
* * *
النوع الرابع: تنوين المقابلة:
إن التنوين حين يلحق آخر الاسم يكون دليلا على أن ذلك الاسم قد تمّ، واستكمل حروفه، كما فى نحو: محمدٌ مسافرٌ، أمينٌ مهذبٌ، حليمٌ عالمٌ.
لكن أين يذهب التنوين حين تجمع تلك الكلمات جمع مذكر سالمًا فنقول: المحمدون مسافرون، الأمينون مهذبون، الحليمون عالمون؟ لمَ لمْ يبق فى الجمع ليدل على ما كان يدل عليه فى المفرد؟
يرى النحاة أنه قد اختفى، وحلت محله النون التى فى آخر الجمع. ولما كانت غير موجودة إلا فى جمع المذكر السالم، دون الجمع المختوم بالأف والتاء الزائدتين. (جمع المؤنث السالم وملحقاته) - وكلاهما جمع سلامة - كان من الإنصاف أن يزاد التنوين فى الثانى، ليكون مقابلا للنون فى جمع المذكر السالم، ويتم التعادل بين الاثنين من هذه الناحية. ويسمونه لذلك، تنوين المقابلة؛ ويقولون فى تعريفه:
إنه اللاحق لجمع المؤنث السالم؛ ليكون فى مقابلة النون فى جمع المذكر السالم.
إلى هنا انتهى الكلام على أنواع التنوين الخاصة بالاسم وحده.
وهناك أنواع أخرى ليست من علاماته؛ لأنها مشتركة بينه وبين الفعل، والحرف؛ فلا داعى لإثباتها هنا. ولا سيما إذا عرفنا أنها تكاد تكون مقصورة على الشعر دون النثر. فموضوعها المناسب لها هو: "علم الشعر" المسمى: "علم العَروض والقوافى".
زيادة وتفصيل:
(ا) التنوين ساكن، إلا إن جاء بعده حرف ساكن أيضًا؛ فيتحرك التنوين بالكسر، وقد يجوز تحريكه بالضم، مثل: "وقف خطيبٌ استمعتُ خطبته (خطيبُنُِ استمعتُ خطبته)، وصاح قائلا افهموا، (قائلنُِ افهموا). فقد وقعت السين ساكنة، بعد التنوين، وكذلك الفاء؛ فتحركت التنوين بالكسر أو بالضم، وكلاهما جائز، والكسر أكثر إلا حين يكون بعد التنوين حرف ساكن بعده حرف مضموم لزومًا؛ مثل: "أقبل عالمٌ اخرُجْ لاستقباله" - فالخاء الساكنة بعد التنوين وليها حرف مضموم حتما؛ فيكون الأحسن تحريك التنوين بالضم، فتقول: "عالمنُ اخرُج"؛ لثقل الانتقال من الكسر إلى الضم فى النطق. ومثله: "هذه ورقةٌ اكتُبْ فيها". فالكاف الساكنة بعد التنوين جاء بعدها التاء المضمومة، فكان من الأوفق تحريك التنوين بالضم؛ ليكون الانتقال من الضم إلى الضم، وهو أخف فى النطق من الانتقال من الكسر إلى الضمّ. تقول: "هذه ورقتنُ اكتُب فيها".
ومن العرب من يجيز حذف التنوين إذا وليه ساكن. وهذا أسهل اللغات كلها؛ فيقول: "وقف خطيبُ اسمعْ خطبته"؛ وصاح "قائلَ افهموا" و "أقبل عالمُ اخرج لاستقباله" وحبذا الاقتصار عليه بشرط التنبه إلى أن الكلمات التى حذف منها ليست ممنوعة من الصرف.
وبهذه المناسبة نقول:
إن هناك مواضع يحذف فيها التنوين وجوبًا، منها:
1- وجود "أل"، فى صدر الكلمة المنونة؛ مثل: جاء رجلٌ، بالتنوين من غير "أل"، وبحذفه وجوبًا معها؛ مثل: جاء الرجل.
2- أن تضاف الكلمة المنونة؛ مثل: جاء رجلُ المروءةِ.
3- أن تكون الكلمة المنونة شبيهة بالمضاف؛ مثل: لا مالَ لمحمود، بشرط أن يكون الجار والمجرور صفة؛ وخبر "لا" النافية للجنس محذوفًا. أى: لا مالَ لمحمود حاضر. فكأنك تقول: لا مالَ محمودٍ حاضر" فتفترض إضافة ملحوظة، مقدرة، لغرض يتصل بالمعنى المراد. وقد تفترض أن اللام زائدة؛ كأنها غير موجودة بين المضاف والمضاف إليه وأن الكلام يحوى إضافة ظاهرة.. ومن المستحسن عدم الالتجاء لهذا، قدر الاستطاعة.
أما إن كان الجار والمجرور هما الخبر فليس هناك تنوين محذوف. وإنما فتحة بناء فى آخر كلمة: "مال" التى هى اسم "لا" النافية للجنس.
4- أن تكون الكلمة ممنوعة من الصرف؛ مثل: اشتهر "سحبانُ" بالفصاحة لم أسمع "سحبانَ"... ولكن قرأت خُطب "سحبانَ"...
5- الوقف على الكلمة المنونة فى حالة الرفع أو الجر. ومعنى الوقف انتهاء الكلام عند النطق بآخرها. مثل: هذا أمرٌ عجيبْ - فكّرت فى أمر عجيبْ... فإن كانت منصوبة. فإن التنوين ينقلب ألفًا فى اللغة المشهورة. مثل: شاهدت أمْرَا، عند الوقوف على كلمة: "أمرًا" المنونة. وشاهدت أمرًا "عجيبَا"؛ عند الوقوف على كلمة: "عجيبًا" المنونة.
6- أن يكون الاسم المنون علمًا، مفردًا، موصوفًا، مباشرة - أى من غير فاصل - بكلمة: "ابن" أو: "ابنة" وكلتاهما مفردة، مضافة إلى علم آخر مفرد، أو غير مفرد. ولا بد أن تكون البنوة حقيقية. ولا يشترط فى واحد من العلمين التذكير. فمجموع الشروط سبع؛ إذا تحققت مجتمعة حذف التنوين نطقًا وكتابة، وحذفت همزة الوصل وألفها من "ابن وابنة" كتابة ونطقًا، بشرط ألا تكون إحداهما أول السطر، ولا خاضعة لضرورة شعرية تقضى بإثباتها؛ فمثال الحذف: هذا محمدُ بن هاشم. وهذه هندُ بنة محمود. وإن اختل شرط من الشروط السبعة لم يحذف التنوين، ولا ألف "ابن وابنة".
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب الكلام وما يتألف منه ) ضمن العنوان ( المسألة الرابعة: الفعل وأقسامه، علامة كل )
(ا) فهم الطالب. سافر الرحالة. رجع الغائب.
كل كلمة من الكلمات: "فَهِمَ" "سَافَر" "رَجَع"، ... تدل بنفسها مباشرة (من غير حاجة إلى كلمة أخرى)... على أمرين.
أولهما: مَعْنى ندركه بالعقل؛ وهو: الفهْم، أو: السفر، أو الرجوع، ويسمى: "الحَدَث"،
وثانيهما: زمن حصل فيه ذلك المعنى (أىْ: ذلك الحدث) وانتهى قبل النطق بتلك الكلمة؛ فهو زمن قد فات، وانقضى قبل الكلام.
(ب) وإذا غيرنا صيغة تلك الكلمات فقلنا: "يَفهم". "يُسافر". "يرجع"... دلت الكلمة فى صيغتها الجديدة على الأمرين أيضًا؛ المعنى (الحدَث) والزمن. ولكن الزمن هُنا لم يكن قد فات وانقضى؛ وإنما هو زمن صالح للحال، والاستقبال.
(حـ) وإذا غيرنا الصيغة مرة أخرى فقلنا: "افهمْ"، سافِرْ"، "ارجعْ"... دلت كل واحدة على الأمرين؛ المعنى (الحدَث) وهو: طلب الفهم، أو: طلب السفر، أو: طلب الرجوع. والزمن الذى يتحقق فيه الطلب. والزمن هنا مقصور على المستقبل وحده؛ لأن الشىء الذى يطلبه إنسان من آخر لا يحصل ولا يقع إلا بعد الطلب وانتهاء الكلام؛ أى: لا يقع إلا فى المستقبل... فكل واحدة من تلك الكلمات وأشباهها تسمى: "فعلا". فالفعل:
كلمة تدل على أمرين معًا؛ هما: معنى (أىْ: حدث) وزمن يقترن به
وأقسامه ثلاثة: ماض، وهو: كلمة تدل على مجموع أمرين؛ معنى، وزمن فات قبل النطق بها. ومن أمثلته قوله تعالى: {تَبَاركَ الذى جَعَل فى السماء بُرُوجًا، وجَعَلَ فيها سِرَاجًا؛ وقَمَرًا مُنِيرًا}.
ومضارع: وهو: "كلمة تدل على أمرين معًا: معنى، وزمن صالح للحال والاستقبال. كقوله تعالى: {قوْلٌ معْروفٌ، ومغْفِرةٌ خيْرٌ من صَدَقَة يتْبَعُها أذًى}، ولا بد أن يكون مبدوءاً بالهمزة، أو النون، أو التاء، أو الياء... وتسمَّى هذه الأحْرف: "أحرف المضارعة". وفتحها واجب، إلا فى المضارع الرباعىّ فتضمّ، وكذا فى: المضارع المبنى للمجهول. أما المضارع: "إخال" فالأفصح كسر همزته لا فتحها.
وأمر، وهو: كلمة تدل بنفسها على أمرين مجتمعين: معنى، وهذا المعنى مطلوب تحقيقه فى زمن مستقبل: كقوله تعالى: {رَبِّ اجْعلْ هذا البَلد آمِنًا}، ولا بد فى فعل الأمر أن يدل بنفسه مباشرة على الطلب من غير زيادة على صيغته؛ فمثل "لِتخْرجْ"، ليس فعل أمر؛ بل هو فعل مضارع، مع أنه يدل على طلب شىء ليحصل فى المستقبل؛ لأن الدلالة على الطلب جاءت من لام الأمر التى فى أوله، لا من صيغة الفعل نفسها.
وقد اجتمعت الأفعال الثلاثة فى قوله تعالى: {وَلاَ تُطِعْ الكافرينَ والمنافقين، ودَعْ أذاهم، وتَوكَّلْ على الله، وكَفَى باللهِ وَكيلاً}، وقول الشاعر:
*أحْسِنْ إلى الناس تَسْتَعْبِدْ قلوبهُمُو * فطالما استَعْبَدَ الإنسانَ إِحْسَانُ*
ولكل قسم من هذه الثلاثة علامات خاصة تميزه عن غيره؛ فعلامة الماضى: أن يقبل فى آخره التاءين؛ "تاء التأنيث الساكنة" مثل: أقبلتْ سعادُ. وصافحتْ أباها، أو: "التاء المتحركة" التى تكون فاعلا؛ مثل: كلمتُكَ كلامًا فرحتَِ به، (وتكون مبنية على الضم للمتكلم، وعلى الفتح للمخاطب المذكر، وعلى الكسر للمخاطبة).
وليس من اللازم أن تكون إحدى التاءين ظاهرة فى آخر الفعل الماضى؛ بل يكفى أن يكون صالحًا لقبولها، وإن لم تظهر فعلا. مثل: أقبل الطائر؛ فنزل فوق الشجرة؛ فكلمة: "أقبل" و "نزلَ" فعل ماض، لأنه - مع خلوه من إحدى التاءين - صالح لقبول واحدة منهما: فتقول: أقبلتُ ... نزلتُ...
فإن دلت الكلمة على ما يدل عليه الفعل الماضى ولكنها لم تقبل علامته فليست بفعل ماضى، وإنما هى: "اسم فعل ماض". مثل: هيهات انتصار الباطل، بمعنى: بَعُد جدًّا... ومثل: شتَّان المنصف والباغى؛ بمعنى: افترقا جدًّا. أو: هى اسم مشتق بمعنى الماضى؛ مثل: أنت مكرمٌ أمسِ ضيفك.
ومما تقدم نعلم أن كلمتى: "نِعْم" (وهى: كلمة للمدح) "وبئس" (وهى: كلمة للذم) فعلان ماضيان؛ لقبولهما تاء التأنيث الساكنة؛ تقول: نعمتْ شهادة الحق، وبئست شهادة الزور، كما نعرف أن "ليس" و "عسى" فعلان ماضيان؛ لقبولهما التاءين.
زيادة وتفصيل:
(ا) تاء التأنيث التى تلحق الفعل للدلالة على أن فاعله مؤنث إن كانت ساكنة لحقت بآخر الماضى، وإن كانت متحركة اتصلت بأول المضارع، مثل: هند تصلى وتشكر ربها. أما تاء التأنيث التى تلحق الأسماء فتكون متحركة؛ مثل: الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة، عظيمة النفع. وقد تتصل التاء بآخر الحروف؛ مثل، (رُبّ، وثمّ، ولا...) تقول: رُبَّتَ كلمة فتحت باب شقاق، ثُمَّتَ جلبت لصاحبها بلاء؛ فيندم ولات حين نَدم.
(ب) هناك أفعال ماضية لا تقبل إحدى التاءين بحسب استعمالاتها الحالية، لا بحسب حالتها التى قبل هذا؛ مثل: "أَفْعَلَ" للتعجب، و"حبذا" للمدح. ومثل: (عدا، وخلا، وحاشا)، من أفعال الاستثناء. والسبب أن تلك الأفعال حين استعمالها فى الموضوعات المذكورة تصير أفعالا جامدة، تلازم حالة واحدة لا تتغير؛ كالأمثال العربية التى تلازم حالة واحدة، لا يطرأ على حروفها تغيير بالزيادة، أو النقص، أو تغيير الضبط؛ لهذا لا يمكن زيادة التاء فى آخرها ما دامت تؤدى هذه المعانى، ولكنها بحسب أصلها السابق على هذا تقبل التاء.
(حـ) يقول النحاة: إن تاء التأنيث الساكنة تظل ساكنة إذا وليها متحرك، مثل: حضرتْ زينب. فإن جاء بعدها ساكن كسرت - غالبًا - مراعاة للأصل فى التخلص من التقاء الساكنين؛ مثل: كتبتِ البنتُ المتعلمة. إلا إذا كان الساكن ألف اثنتين فتفتح. مثل: البنتان قالتا إنا فى الحديقة.
هذا، وقد عرفنا فى ص 42 - حكم التنوين إذا جاء بعده حرف ساكن. وبقى حكم عام؛ هو أن كل حرف ساكن صحيح فى آخر الكلمة فإنه يحرك بالكسر إذا جاء بعده - مباشرة - ساكن آخر؛ نحو: خذ العفو، ولا تظلمِ الناس. إلا فى موضعين، أحداهما: أن تكون الكلمة الأولى هى: "مِنْ" والثانية: "أل" فإن الساكن الأول يحرك بالفتح؛ مثل: أنفق منَ المال الحلال.
والآخر: أن تكون الكلمة الأولى منتهية بميم الجمع؛ فإنه يحرك بالضم؛ مثل: لكمُ الخير.
فإن كان آخر الكلمة الأولى حرف مَدّ، أو واو الجماعة، أو ياء مخاطبة، حذف نطقاً. لا كتابة؛ للتخلص من التقاء الساكنين؛ مثل: نحن عرفنا العلوم النافعة - الطلاب سألوا المولى أن يوفقهم - اسألى المولى الهداية.
ويجوز تلاقى الساكنين فى الوقف، وعند سرد بعض الألفاظ، نحو: كاف - لام - جيم - (راجع هذا بمناسبة أخرى فى جـ 4 عند الكلام على ما تختص به نون التوكيد)، أما فى غيرهما فيجوز بشرطين:
أحدهما: أن يكون الساكن الأول حرف مدّ، يليه حرف مدغم فى نظيره، (أى: حرف مشدد).
والآخر: أن يكونا فى كلمة واحدة. مثل عامة، خاصة، الضّالين، الصّادون عن الخير. وهذا متفق عليه. ويرى آخرون أن مثله ما هو فى حكم الكلمة الواحدة. على الوجه المشروح فى مكانه. المناسب من جـ 4 ص 139 م 143 باب: نون التوكيد.
وللمسألة بقية هامة فى "حـ" من ص 88 و 162 و 255.
(د) عرفنا أن كل فعل لا بد أن يدل - فى الغالب - على شيئين؛ معنى "حدث" وزمن. فالماضى له أربع حالات من ناحية الزمن:
الأولى: (وهى الأصل الغالب) أن يتعين معناه فى زمن فات وانقضى - أى: قبل الكلام - سواء أكان انقضاؤه قريبًا من وقت الكلام أم بعيدًا. وهذا هو الماضى لفظًا ومعنى. ولكن إذا سبقته: "قد" - وهى لا تسبقه إلا فى الكلام المثبت - دلت على أن انقضاء زمنه قريب من الحال؛ فمثل: "خرج الصاحبان" يحتمل الماضى القريب والبعيد، بخلاف: "قد خرج الصاحبان؛ فإن ذلك الاحتمال يمتنع، ويصير زمن الماضى قريبًا من الحال؛ بسبب وجود: قدْ، وإذا وجدت قبله "ما" النافية كان معناه منفيًا، وكان زمنه قريبًا من الحال؛ كأنْ يقول قائل: قد سافر علىّ، فتجيب: ما سافر علىّ؛ فكلمة: "قد" أفادته فى الجملة الأولى المثبتة قربا من الزمن الحالى، وجاءت كلمة: "ما" النافية فنفت المعنى، وأفادته القرب من الزمن الحالىّ أيضًا، ولا سيما مع القرينة الحالية السابقة.
وكذلك يكون زمنه ماضيًا قريبًا من الحال إذا كان فعلا ماضيًا من أفعال "المقاربة"؛ (مثل: "كاد:) فإنه زمنه ماض قريب من الحال؛ بل شديد القرب من الحال، ليساير المعنى المراد - كما سيجىء فى باب أفعال المقاربة-.
الثانية: أن يتعين معناه فى زمن الحال (أى: وقت الكلام). وذلك إذا قصد به الإنشاء؛ فيكون ماضى اللفظ دون المعنى؛ مثل: بعت. واشتريت، ووهبت، وغيرها من ألفاظ العقود التى يُراد بكل لفظ منها إحداث معنى فى الحال، يقارنه فى الوجود الزمنى، ويحصل معه فى وقت واحد. أو كان من الأفعال الدالة على "الشروع". مثل: "طفق وشرع" وغيرهما مما سيجىء الكلام عليه فى باب: "أفعال المقاربة"
الثالثة: أن يتعين معناه فى زمن مستقبل (أى: بعد الكلام)؛ فيكون ماضى اللفظ دون المعنى - كالذى سبق - وذلك إن اقتضى طلبًا؛ نحو: ساعدك الله، ورفعك الله مكانًا عليًّا، وأمثال هذا من عبارات الدعاء.
ومما يفيد الطلب: عزمت عليك إلا سافرت، أو: عزمت عليك لمَّا سافرت؛ بمعنى: أقسمت عليك ترك كل شىء إلا السفر فى المستقبل.
أو تضمن وعدًا؛ مثل: {إنا أعطيناك الكوثر}. فالإعطاء سيكون فى المستقبل، لأن الكوثر فى الجنة، ولم يجئ وقت دخولها.
أو عُطِف على ما عُلم استقباله، مثل قوله تعالى: {يَقْدُم قومِهَ يومَ القيامة فأوْرَدَهم النارَ}، وقوله تعالى: {يومَ يُنفَخُ فى الصور ففزعَ من فى السموات...}
أو تضمن رجاء يقع فى المستقبل، مثل: "عسى وأخواتها" من أفعال الرجاء الآتية فى باب: "أفعال المقاربة"، نحو: "عسىِ الله أن يأتى بالفتح...".
أو يكون قبله نفى بكلمة: "لا" المسبوقة بقسم، مثل: والله لا زُرتُ الخائن، ولا أكرمتُ الأثيم.
أو يكون قبله نفى بكلمة "إنْ" المسبوقة بقسم، مثل قوله تعالى: {إنّ الله يُمسك السمواتِ والأرضَ أنْ تزولا، ولَئِنْ زالتا إنْ أَمْسَكَهُما من أحدٍ من بعده}. "أى: ما يُمسكهما!"...
أو يكون فعل شرط جازم، أو جوابه؛ مثل: إن غاب على غاب محمود، لأن جميع أدوات الشرط الجازمة تجعل زمن الماضى الواقع فعل شرط أو جواب شرط مستقبلا خالصًا... فالفعل الماضى فى كل الحالات السالفة ماضى اللفظ دون المعنى.
الرابعة: أن يصلح معناه لزمن يحتمل المضى والاستقبال، ويتعين لأحدهما بقرينة وذلك إذا وقع بعد همزة التسوية؛ نحو: سواء علىّ أقمت أم قعدت. فهو يحتمل أنك تريد ما وقع فعلا من قيام أو قعود فى زمن فات، أو ما سيقع فى المستقبل.
ولا فرق فى التسوية بين أن توجد معها "أم" التى للمعادَلة، كما مُثل، وألا توجد؛ مثل: سواءٌ علىّ أىُّ وقت جئتنى. فإن كان الفعل بعد "أم" المعادلة مضارعا مقرونًا "بلم" تعين الزمن للمضى بسببها؛ مثل: سواء عليهم أأنذرتهم أم لَم تنذرهم؛ لأن الثانى ماضى معنى؛ فوجب أن يكون الأول ماضى الزمن كذلك؛ لأنه معادل له.
أو وقع بعد أداة تحضيض؛ مثل: هَلاّ ساعدت المحتاج. فإن أردت التوبيخ كان للمضى، وإن أردت الحث على المساعدة كان للمستقبل.
أو بعد: "كُلّما"، نحو قوله تعالى: {كُلَّما جاء أمةً رسولُها كذَّبوه} فهذا للمضى؛ لوجود قرينة تدل على ذلك، وهى الأخبار القاطعة بحصوله. وقوله تعالى عن أهل النار: "كلما نَضِجت جلودُهم بدَّلناهم جلودًا غيرها؛ ليذوقوا العذاب". فهذا للمستقبل؛ لقرينة تَدل على ذلك؛ وهى أن يوم القيامة لم يجئْ.
أو بعد حيث، نحو: ادخل الهرم من حيث دخل بانيه. فهذا للمضى؛ لأن الاستقبال يناقض صحة المعنى؛ إذ لا يعقل أن يدخل بانيه فى المستقبل وقد مات منذ آلاف السنين... بخلاف: حيث سرت راقب الطريق لتأمن الخطر؛ فهو للمستقبل.
أو وقع صلة؛ مثل: الذى أسس القاهرة هو: المعز لدين الله؛ فهذا للمضى، بخلاف: سيفرح الطلاب عقب ظهور النتيجة غدًا بنجاحهم إلا الذى رسب. فهذا للاستقبال لوجود كلمة: "غدا".
أو وقع صفة لنكرة عامة، نحو: رُب عطاء بذلتُه للمحتاج فانشرحت نفسى. فهذا للمضى، - لوجود: رُبّ - بخلاف قوله عليه السلام: "نضّر الله امرَأ سمع مقالتى فوعاها، فأدّاها كما سمعها". فهذا للاستقبال أى: يسمع؛ لأنه ترغيب لمن أدرك الرسول فى أن يحفظ ما يسمعه منه ويؤديه...
"ملاحظة": قد يراد من الزمن فى الفعل: "كان" الدوام والاستمرار الذى يعم الأزمنة الثلاثة، بشرط وجود قرينة تدل على هذا الشمول؛ نحو: كان الله غفورًا رحيما...
هذا تفصيل حالات الزمن فى الفعل الماضى.
* * *
وأما علامات المضارعة فمنها: أن يُنصَب بناصب، أو يجزم بجازم، مثل: لم أُقصِّر فى أداء الواجب... ولن أتأخر عن معاونة البائس.
ومنها: قبوله "السين"، أو: "سوف" فى أوله، مثل: سأزورك، أو: سوف أزورك . . و . .، ومثل قول الشاعر:
*سيكثُر المالُ يومًا بعد قلَّته * ويكتسى العُودُ بعد اليُبْس بالوَرق*
فإن دلت الكلمة على ما يدل عليه الفعل المضارع ولكنها لم تقبل علامته فليست بمضارع؛ وإنما هى: "اسم فعل مضارع"؛ مثل: "آه"، بمعنى: أتوجع شدة التوجع، "وأف" بمعنى: أتضجر كثيرًا. و"وَيْكَ" ماذا تفعل؟ بمعنى أعجبُ لك كثيرًا !! ماذا تفعل؟ أو: هى اسم مشتق بمعنى المضارع؛ مثل الطائرة مسافرة الآن أو غدًا.
زيادة وتفصيل:
(ا) للمضارع من ناحية الزمن أربع حالات؛ لا تتعين حالة منها إلا بشرط ألا تعارضها قرينة تعينها لحالة أخرى.
الأولى: أن يصلح للحال والاستقبال إذا لم توجد قرينة تقيده بأحدهما، وتَقْصره عليه. وحين يصلح للحال والاستقبال يكون اعتباره للحال أرجح؛ لأن الزمن الماضى له صيغة خاصة تدل عليه، وللمستقبل صيغة خاصة أيضًا، (هى: الأمر)، وليس للحال صيغة تخصّه، فجعلت دلالته على الحال أرجح، عند تجرده من القرائن؛ جبرًا لما فاته من الاختصاص بصيغة مقصورة عليه (كما يقولون). هذا إلى أن اللفظ إن كان صالحًا للزمن الأقرب والزمن الأبعد؛ فالأقرب أوْلى، والحال أقرب من المستقبل؛ فهو أحقّ بالاتجاه إليه.
فإن كان المضارع من أفعال المقاربة، مثل: "يكاد" فإنه يكون للزمن المستقبل، مع شدة قربه من الحال.
الثانية: أن يتعين زمنه للحال، وذلك إذا اقترن بكلمة تفيد ذلك؛ مثل: كلمة: الآن، أو: الساعة، أو: حالا، أو: آنفا.
أو: وقع خبرًا لفعل من أفعال الشروع؛ مثل: "طفق"، و "شرع"، وأخواتهما؛ ليساير زمنه معناها.
أو: نُفى بالفعل: "ليس" أو بما يشبهها فى المعنى والعمل؛ مثل الحرف: "إن" أو: "ما"... فكل واحد من هذه العوامل التى تعمل عملها يشبهها أيضًا فى نفى الزمن الحالى عند الإطلاق...
مثل: ليس يقوم محمد -، إنْ يخرجُ حليم -ما يقوم علىّ- أو دخل عليه لام ابتداء، مثل: إنّ الرجل الحقّ ليَحْسُنُ عملُهُ.
أو: وقع مع مرفوعه فى موضع نصب على الحال - فيكون زمنه حالاً بالنسبة لزمن عامله، فى الغالب -، مثل: أقبل الأخ يضْحك. وإذا دخلت "ما المصدرية الظرفية" على المضارع كان زمن المصدر المؤول للحال فى الغالب.
الثالثة: أن يتعين زمنه للاستقبال؛ وذلك إذا اقترن بظرف من ظروف المستقبل؛ مثل "إذا..."، سواء أكان الظرف معمولا للمضارع، أم كان المضارع معمولا للظرف - بأن يكون الظرف مضافًا، والجملة من الفعل المضارع وفاعله هى المضاف إليه فى محل جر -؛ مثل: أزورك إذا تزورنى؛ فالفعلان المضارعان هنا للمستقبل، والأول منهما هو العامل الذى عمل النصب فى الظرف. "إذا" و "إذا" مضاف، وجملة المضارع مع فاعله بعدها فى محل جر مضاف إليه، فيكون المضارع الثانى مع فاعله معمولا للظرف.
وكذلك يتعين للمستقبل إذا كان مسندًا إلى شىء متوقع حصوله فى المستقبل، مثل: يدخل الشهداء الجنة مع السابقين؛ إذ لا يعقل أن يكون زمن المضارع للحال، ومعناه - وهو دخول الجنة - فى المستقبل؛ لما يترتب عليه من سبق الفعل للفاعل فى الوجود والوقوع، وهو محال.
أو: سبقته: "هل"، نحو: هل تقاطعُ مجالس السوء؟
وكذلك إذا اقتضى طلبًا؛ سواء أكان الطلب يفهم منه وحده، أم كان بمساعدة أداء أخرى؛ فالأول كقوله تعالى: {والوالداتُ يُرضِعْن أولادَهن}. فالله يطلب من الوالدات إرضاع أولادهن، وهذا لا يكون إلا فى المستقبل، ومثال الثانى قوله تعالى: {ليُنفِقْ ذُو سَعةٍ من سَعته}، وقوله: {ربنا لا تُؤَاخِذْنا..}، فإن طلب الإنفاق فى: {لينفق} وطلب عدم "المؤاخذة" فى: {لا تؤاخذنا}، مفهوم من المضارع، بمساعدة "اللام" و "لا". وزمن المعنى فى الفعلين هو المستقبل. إذ لا يمكن تحقيق ما تطلبه من غيرك وإنفاذه إلا فى المستقبل.
أو: اقتضى وعدًا أو وعيدًا، كقوله تعالى: {يُعذّب مَنْ يشاءُ، ويَغْفرُ لمن يشاء} - لما سبق -، وقول الشاعر:
*من يُشعِلْ الحرب لا يأمنْ عواقبها * قد تُحرك النار يوماً موقِد النار*
أو: صحب أداة توكيد؛ مثل: "نون التوكيد" الخفيفة أو الثقيلة؛ لأن التوكيد يليق بما لم يحصل، ويناسب ما لم يقع؛ نحو: أتُكْرِمَنْ صديقك؟ وهل تساعدنّ البائس؟
أو: لام القسم عند فريق من النحاة؛ لأنها فى معنى التوكيد؛ مثل: "والله لعَلى عملِك تُحَاسَبُ". ومثلها: "لا" النافية غير العاملة عمل: "ليس" عند ذلك الفريق؛ مثل: لا أترك الصديق فى مواقف الشدة.
ويفهم من كل ما سبق أن الجوازم جميعها - ما عدا "لم، ولما" - تخلصه للاستقبال
أو: أداة رجاء؛ مثل: لعل الغائب يحضُر. أو: أداة شرط وجزاء، سواء أكانت جازمة؛ نحو قوله تعالى: {إنْ تنْصُروا الله ينصرْكمُ}.... أم غير جازمة، ومنها "لو" و "كيف" الشَّرْطيتان، مثل: ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم لأسرع فى إهلاكهم. ومثل: كيف تصنعُ أصنعُ.
أو: "حرف نصب" سواء أكان ظاهرًا أم مقدرًا. وقد اجتمعا فى قوله تعالى: {لن تنالوا البرّ حتى تُنفقوا مما تُحبون}.
أو: "حرف تنفيس"، وهو: "السين" و "سوف"، وكلاهما لا يدخل إلا على المضارع المثبت، ويفيده التنفيس؛ أى: تخليص المضارع المثبت من الزمن الضيق، وهو: "زمن الحال"؛ - لأنه محدود -، إلى الزمن الواسع غير المحدود، وهو: "الاستقبال"، وهما فى هذا سواء، وَرَدَا معًا فى معنى واحد، كقوله تعالى: {كَلاّ سيعلمون ثم كلاّ سيعلمون}، وقول الشاعر:
*وإنَّا سوف نَقهَرُ من يُعادِى * بحدّ البِيض تَلتَهب التهابا*
وقول الآخر:
*وما حالةٌ إلا سيصرَف حالُها * إلى حالة أخرى، وسوفَ تزولُ*
إلا أن "سوف" تستعمل أحيانًا أكثر من "السين" حين يكون الزمن المستقبل أوسع امتدادًا؛ فتكون دالة على: "التَّسْويف" ثم هى تختص بقبول اللام: كقوله تعالى: {ولسوف يُعطيك ربك فترضى}، كما تختص بجواز الفصل بينها وبين المضارع الذى تدخل عليه بفعل آخر من أفعال الإلغاء؛ نحو:
وما أدرى، وسوف - إخالُ - أدرِى * أقومٌ آلُ حِصْن أمْ نساءُ*
والأمران ممتنعان فى "السين" لدى جمهرة النحاة ...
كما أن "السين" تختص بمعنى لا تؤديه "سوف"، فالعرب إذا أرادت تكرار الفعل وتأكيد وعدم التنفيس فيه (أى: عدم جعله للمستقبل البعيد) أدخلت عليه السين، ومنه قول الشاعر:
*سأشكرُ عمْرًا ما تراختْ مَنيتى * أيادَى لم تُمْنَنْ وإنْ هىَ جَلَّت*
الرابعة: أن ينصرف زمنه للمضى؛ وذلك إذا سبقته "لم"، أو: "لما". الجازمتين. مثل: قوله تعالى عن نفسه: {لم يلدْ، ولم يُولدْ، ولم يكنْ له كُفُوًا أحَدٌ)، وقول الشاعر:
*لَم يَمُتْ مَنْ له أثَرْ * وحياةٌ من السِيَرْ*
فزمن المضارع هنا ماضٍ. ومثل: لما يحضْر ضيفنا. أما فى مثل:
*إذا أنتَ لم تَحْمِ القديمَ بحادثٍ * من المجْدِ لم ينْفَعْكَ ما كانَ من قَبْلُ*
فزمن المضارعَيْن هنا ماض، بسبب وقوعهما بعد "لَمْ" قبل مجئ "إذا" الشرطيَّة، ثم صار مستقبلا محضا بعد مجيئها - طبقًا لما سَلف.
أو: "إذا"؛ نحو: أطربنى كلامك؛ إذ تقول للغنىّ: تصَدقْ، بمعنى: قُلتَ.
أو: "ربما"، نحو: فاتنى القطار فتألمت؛ فأدركنى صديق بسيارته، فوصلنا قبل القطار؛ فالحمد لله؛ رُبما أكره الأمر وفيه خيرى ونفعى، أى: ربما كرهت.
أو: "قد" التى تفيد التقليل بقرينَة؛ كأن تقول لمن حملك على السفر كرْهًا: قد أسافر مُكرهًا؛ فماذا عليك لو تركتنى بعيدًا عن المشقة التى صادفتها؟ بخلاف "قد" التى للتكثير.
أو: وقع المضارع مع مرفوعه خبرًا فى باب "كان" وأخواتها الناسخة، إذا وقع الناسخ فى هذا الباب بصيغة الماضى، ولم توجد قرينة تصرف زمنه عن المضى إلى زمن آخر؛ مثل: كان سائق السيارة يترفق بركابها حتى وصلوا... أى: ترَفقَ. ولا يدخل فى هذا ما عرفناه من النواسخ التى تدل على "الحال" فقط؛ كأفعال الشروع - مثل: طفق، وشرع - أو التى تدل على "الاستقبال" فقط؛ كأفعال الرجاء. وسيجئ البيان فى الباب الخاص بهما وهو: باب "أفعال المقاربة".
* * *
ملاحظة: إذا عطف فعل مضارع على نظيره فإن الفعل المعطوف يتبع حكم الفعل المعطوف عليه فى أمور، يتصل منها بموضوعنا: "الزمن" فيكون المعطوف مثله؛ إما للحال فقط، أو للمستقبل فقط، أو للماضى فقط، أو صالحًا للحال والاستقبال... فكل ذلك يجرى فى المضارع المعطوف؟ تبعًا لنظيره المعطوف عليه حتما؛ لوجوب اتحاد الفعلين المتعاطفين فى الزمان. فإذا قلت: أسمعُ الآن كلامك؛ وأبصرُك، كان زمن الفعل "أبْصر" للحال، كزمن المعطوف عليه؛ وهو أسمع؛ لوجود كلمة: "الآن"، التى تَقْصِره على الحال.
وإذا قلت: إن يعتدل الجو أطرَبْ، وأخرجْ للرياضة - فإن الفعل: "أخرج" للمستقبل فقط؛ لعطفه على: "أطرَبْ" المقصور على المستقبل، لأنه جواب شرط جازم؛ وزمن الجواب مستقبل، كما عرفنا.
وإذا قلت؛ لم تتأخر عن ميعادك، وتؤلمْ صاحبك.. فإن الفعل: "تؤلم" هو للماضى فقط، تبعًا للمعطوف عليه: "تتأخر"، الذى جعلته "لم" للزمن الماضى وحده.
وإذا قلت: يكتب حامد ويتحرك، فالفعل المضارع "يتحرك" صالح للحال والاستقبال، تبعًا للفعل: يكتب.
على أن ما سبق ليس مقصورًا على عطف المضارع على نظيره، وإنما يشمل عطف المضارع على الماضى؛ كقوله تعالى: {ألم تر أن اللهَ أنزلَ من السماء ماء فتصبح الأرضُ مخْضرة} أى: فأصبحت. وقد يكون المعطوف عليه تابعًا فى زمنه للمعطوف، بسبب قرينة تدعو لذلك؛ كقول الشاعر:
*ولقد أمَرُّ على اللئيم يَسبُّنى * فمضَيت، ثُمَّتَ قلت: لا يَعنينى*
أى: مررت.
* * *
وأما علامة الأمر فهى: أن يدل بصيغته على طلب شىء، مع قبوله ياء المخاطبة. فلا بد من الأمرين معًا؛ أى: أن علامته مزدوِجة؛ مثل: ساعدْ من يحتاج للمساعدة، وتكلمْ بالحق، واحرصْ على إنجاز عملك. وتقول: ساعدى.. وتكلمى... واحرصى... ومن الأمثلة قوله تعالى للرسول الكريم: {خُذِ العفْو، وأمُرْ بالعُرْف، وأعْرِضْ عن الجاهلين} - وتقول: خُذى... -وأمْرى... -وأعْرِضِى...
ومن فعل الأمر كلمة: "هاتِ" و : "تعالَ" لقبولهما علامته. تقول: هاتى يا شاعرة ما نَظمتِ، وتعالىْ نقرؤه.
فإن دلت الكلمة على ما يدل عليه فعل الأمر ولكنها لم تقبل علامته فليست بفعل أمر؛ وإنما هى: "اسم فعل أمر"؛ مثل: "صَهْ"، بمعنى: اسكت. و"مَهْ" بمعنى: اترك ما أنت فيه الآن، و "نَزَالِ" بمعنى: انزلْ. و "حيَّهَلْ" بمعنى: أقبلْ علينا.
وهناك علامتان مشتركتان بين المضارع والأمر.
الأولى: نون التوكيد خفيفة وثقيلة، فى نحو؛ والله لأجْتهدَنْ. واجتهدنَ يا صديقى... بتشديد النون أو تخفيفها فى كل فعل.
الثانية: ياء المخاطبة، مثل: أنت يا زميلتى تُحْسنين أداء الواجب، ومؤاساة المحتاجين؛ فداومى على ذلك. فقد اتصلت ياء المخاطبة بآخر المضارع؛ وهو: "تحسنين" وآخر الأمر؛ وهو: دوامى...
زيادة وتفصيل:
زمن الأمر مستقبل فى أكثر حالاته؛ لأنه مطلوب به حصول ما لم يحصل، أو دوام ما هو حاصل. فمثال الأول: سافرْ زمن الصيف إلى الشواطئ. ومثال الثانى قوله تعالى: {يا أيها النبى اتقِ الله...} لأن النبى لا يترك التقوى مطلقًا. فإذا أمِر بها كان المراد الاستمرار عليها.
وقد يكون الزمن فى الأمر للماضى إذا أريد من الأمر الخبر، كأن يصف جندى بعد الحرب موقعة شارك فيها، ؛ فيقول: صرعت كثيرًا من الأعداء. فتجيبه: "اُقتُلِ ولا لوم عليك... وافْتِك بهم؛ فإن الله معك"... فالأمر هنا بمعنى: قتلتَ وفتكتَ... والمعوّل عليه فى ذلك هو: القرائن، فلها الاعتبار الأول دائمًا فى هذه المسألة، وغيرها.
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب الكلام وما يتألف منه ) ضمن العنوان ( المسألة الخامسة: الحرف، معناه )
مِنْ، فى، علَى، لمْ، إنْ، إنّ، حتى...
لا تدل كلمة من الكلمات السابقة على معنى، أىّ معنى، ما دامت منفردة بنفسها. لكن إذا وضعت فى كلام ظهر لها معنى لم يكن من قبل، مثال ذلك: (سافرت "من" القاهرة)... فهذه جملة؛ المراد منها: الإخبار بوقوع سفرى، وأنه يبتدئ من القاهرة. فكأنى أقول: سافرت، وكانت نقطة البدء فى السفر هى: "القاهرة"، فكلمة: "منْ" أفادت الآن معنى جديدًا ظهر على ما بعدها وهذا المعنى هو: "الابتداء"، لم يُفهم ولم يُحددْ إلا بوضعها فى جملة؛ فلهذه الجملة الفضل فى إظهار معنى: "مِنْ".
ولو قلت: سافرت من القاهرة "إلى" العراق - لصار معنى هذه الجملة: الإخبار بسفرى الذى ابتداؤه القاهرة، ونهايته العراق. فكلمة: "إلى" أفادت معنى ظهر هنا على ما بعدها؛ وهذا المعنى هو "الانتهاء". ولم يظهر وهى منفردة، وإنما ظهر بعد وضعها فى جملة؛ كانت السبب فى إظهاره.
وكذلك: حضرتُ من البيت إلى النهر؛ فقد أفادت الجملة كلها الإخبار بحضورى، وأن أول هذا الحضور وابتداءَه: "البيت"، وأن نهايته وآخره: "النهر". فأفادت: "إلى" الانتهاء، وصبَّته على ما بعدها. وهذا الانتهاء لم يفهم منها إلا بسبب التركيب الذى وضعت فيه.
ولو قلت: الطلبة فى الغرفة - لكان المعنى؛ أن الطلبة تحويهم الغرفة؛ كما يحوى الإناء بعض الأشياء، وكما يحوى الظرفُ المظروف، أى: كما يحوى الوعاء أو الغلاف ما يوضع فى داخله. فمعنى كلمة: "فى" هو "الظرف"، أو: "الظرفية"، وهذا المعنى لم يفهم من لفظة: "فى" وحدها، وإنما عُرف منها بعد أن احتواها التركيب، فظهر على ما بعدها... وهكذا بقية أحرف الجر، وغيرها من أكثر الأنواع الأخرى المختلفة؛ كحروف النفى، والاستفهام، وسواها...
فالحرف: "كلمة لا تدل على معنى فى نفسها، وإنما تدل على معنى فى غيرها فقط - بعد وضعها فى جملة - دلالة خالية من الزمن".
من كل ما سبق نعلم: أن الاسم وحده - من غير كلمة أخرى معه-، يدل على معنى جزئى فى نفسه، دلالة لا تقترن بزمن. وأن الفعل وحده يدل على معنى جزئى مقترن بزمن. وأن الحرف وحده لا يدل على شىء منهما ما دام منفردًا، فإذا دخل جملة دل على معنى فى غيره، ولم يدل على زمن.
زيادة وتفصيل:
(ا) عندما ينكشف معنى الحرف الأصلى بسبب وضعه فى جملة، ويظهر المراد منه، فإن ذلك المعنى ينصب على ما بعد الحرف، ويتركز فيه؛ سواء أكان ما بعد الحرف الأصلى مفردًا أم جملة، فالابتداء فى: "من"، والانتهاء فى: "إلى"، يتحقق فى الكلمة التى جاءت بعد كل منهما، وكذلك الظرفية، والاستعلاء...
وإذا قلنا: ما جاء أحد... - هل غاب أحد؟ فإن النفى والاستفهام ينصبّان على كل مضمون الجملة التى بعده... وهكذا...
أمّا الحروف الزائدة - ومنها بعض حروف الجر؛ كالباء - فإنها تفيد توكيد المعنى فى الجملة كلها، لأن زيادة الحرف تعتبَرُ بمنزلة إعادة الجملة كلها، وتفيد ما يفيده تكرارها بدونه سواء أكان الحرف الزائد فى أولها، أم فى وسطها، أم فى آخرها؛ مثل: بحسبك الأدب، وأصلها: حسبُك الأدب، أى: يكفيك، أو: كافيك، فالباء داخلة على المبتدأ، كدخولها عليه وهو ضمير فى نحو: كيف بك؟ (وأصلها... كيف أنت؟) وكدخولها عليه بعد "إذا الفجائية" فى نحو: رجع المسافر؛ فإذا بالأصدقاء فى استقباله.
وكدخولها على الفاعل فى مثل: كفى بالله شهيدًا، وأصلها: كفى اللهُ شهيدًا. وعلى الخبر فى مثل: الأدب بحسبك... فالباء مع تقدمها أو توسطها أو تأخرها قد أكدت معنى الجملة كلها.
هذا، والحرف الزائد قد يعمل؛ كباء الجر، أوْ لا يعمل مثل: "ما" الزائدة، فى مثل: إذا ما المجُد نادانا أجَبْنا... وهناك الشبيه بالزائد يعمل، وينحصر فى بعض حروف الجر؛ كُربّ، ولعلّ، الجارتين... و"لولا" على اعتبارها جارّة.
وحرف الجر الزائد والشبيه به لا يتعلقان، إلا أن الزائد "كالباء" يزاد لتوكيد المعنى الموجود. أمَّا "رب" فتفيد معنى التقليل أو التكثير، "ولعل" تفيد الرجاء... فهما - كغيرهما من الشبيه بالزائد - يفيدان معنى جديدًا يطرأ على الجملة؛ لا تقوية المعنى الموجود قبل مجيئهما. وكذا "لولا" فإنها تفيد الامتناع؛ وهو معنى جديد يطرأ على الجملة.
(ب) الحروف نوعان، نوع يسمى "العامل"؛ لأنه يعمل الجر، أو النصب، أو الجزم، كحروف الجر، وحروف النصب، وحروف الجزم، - ونوع آخر يسمى: "المهمَل"؛ لأنه لا يعمل شيئًا مما سبق، مثل بعض أدوات الاستفهام والجواب.، ومنها: هل - نعم - لا ... ومثل: التنوين
وبعض النحاة يسمى حروف الجر: "حروف الإضاءة" لأنها تضيف إلى الأسماء معانى الأفعال وشبهها من كل ما تتعلق به تلك الحروف.
(حـ) الحروف إما آحادية، أو ثنائية، أو ثلاثية؛ كبعض حروف الجرّ (الباء - فى - إلى...)
وإما رباعية؛ مثل: "لعلَّ" ولا تزيد على خمسة؛ مثل: "لكنَّ" فى الرأى الأصح الذى يعتبرها غير مركبة، وأنها مشددة النون، ثابته الألف بعد اللام نطقاً - كما سبق -
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب الإعراب والبناء، والمعرب والمبنى ) ضمن العنوان ( المسألة 6: معنى كل، وسببه )
الإعراب والبناء، والمعرب والمبنى.
معنى المصطلحات السابقة
( أ ) طلع الهلالُ. شاهد الناس الهلالَ. فرح القوم بالهلالِ.
( ب ) يكثر الندَى شتاء. يمتص النباتُ الندى. يرتوى بعضُ النباتِ بالندى.
( جـ ) زاد هؤلاءِ علماً. سمعت هؤلاءِ يتكلمون. أصغيت إلى هؤلاءِ.
نلحظ فى أمثلة القسم الأول (ا) أن كلمة: "الهلال" قد اختلفت العلامة التى فى آخرها؛ فمرة كانت تلك العلامة ضمة، ومرة كانت فتحة، ومرة كانت كسرة، فما سبب هذا الاختلاف؟
سببه وجود داع متغير فى كل جملة، يحتاج إلى كلمة: "الهلال"؛ لتؤدى معنى معينًا فى الجملة. وهذا المعنى يختلف باختلاف الدواعى فى الجُمل، ويُرْمَز إليه فى كل حالة بعلامة خاصة فى آخر الكلمة، ففى الجملة الأولى كانت كلمة: "الهلال" مرفوعة؛ لوجود الداعى الذى يحتاج إليها، وهو الفعل: "طَلَع" فإنه يتطلب فاعلا. والفاعل يرمز له بعلامة فى آخره، هى: الضمة - مثلا - فيكون مرفوعًا.
وفى الجملة الثانية كانت كلمة: "الهلال" منصوبة؛ لوجود داع من نوع آخر؛ هو الفعل: "شاهَدَ"؛ فإنه لا يحتاج إلى فاعل، لوجود فاعله معه - وهو كلمة: الناس - ولكنه يحتاج إلى بيان الشىء الذى وقع عليه فعل الفاعل، وهو ما يسمى فى النحو: "المفعول به"؛ والمفعول به يُرْمزُ إليه بعلامة خاصة فى آخره هى: "الفتحة"، - مثلا - فيكون منصوبًا.
وفى الجملة الثالثة كانت كلمة "الهلال" مجرورة، لوجود داع يخالف السابقَين، وهو: الباء، فإنها تحتاج إلى تلك الكلمة لتكون مجرورة بها، فيزداد الفعل بهما وضوحًا، وعلامة جرها الكسرة هنا.
فنحن نرى أن الدواعى تغيرت فى الجمل الثلاثة السالفة على حسب المعانى المطلوبة، من فاعلية، ومفعولية، وتكملة أخرى للفعل... وتبعها فى كل حالة تَغَيُّرُ العلامة التى فى آخر كلمة: "الهلال". فَتَغَير العلامة على الوجه السالف يسمى: "الإعراب"، والداعى الذى أوجده يسمى: "العامل".
فالإعراب: (هو تَغَيُّر العلامة التى فى آخر اللفظ، بسبب تغير العوامل الداخلة عليه، وما يقتضيه كل عامل).
وفائدته: أنه رمز إلى معْنى معين دون غيره - كالفاعلية، والمفعولية، وغيرهما - ولولاه لاختلطت المعانى، والتبست، ولم يفترق بعضها عن بعض. وهو - مع هذه المزية الكبرى - موجَز غاية الإيجاز، لا يعادله فى إيجازه واختصاره شىء آخر يدلّ دَلالته على المعنى المعين الذى يرمز له. وهذه مزية أخرى.
والمعرَب: هو اللفظ الذى يدخله الإعراب (أى، التَّغَير الذى وصفناه) والعامل هو: ما يؤثر فى اللفظ تأثيرًا ينشأ عنه علامة إعرابية ترمز إلى معنى خاص؛ كالفاعلية، أو المفعولية، أو غيرهما. ولا فرق بين أن تكون تلك العلامة ظاهرة كأمثلة: "ا" أو مقدرة كأمثلة: "ب" فإن الدليل على إعرابها وهى مفردة أن علامة آخرها تتغير عند التثنية والجمع، فتقول: تراكم النَّدَيَان، وامتص النبات النَّدَيَيْن، وارتوى من النديَيْنِ.
أما أمثلة القسم الثالث "حـ" ففيها كلمة: "هؤلاءِ" لم تتغير علامة آخرها بتغير العوامل؛ بل بقيت ثابتة فى الجمل كلها. فهذا الثبات وعدم التغير يسمى: بناء؛ وهو: "لزوم آخر اللفظ علامة واحدة فى كل أحواله، مهما تغيرت العوامل".
والمبنى هو: اللفظ الذى دخله البناء.
هذا، وقد عرفنا أن المعرب المنصرف (أى: المُنَون)، يسمى: "متمكنًا أمْكن"، وأن غير المنصرف يسمى: "متمكنًا" فقط، وأن المبنى يسمى: "غير متمكن". ولا تصف الكلمة بإعراب أو بناء إلا بعد إدخالها فى جملة.
المعرب والمبنى من الأسماء، والأفعال، والحروف.
(أىْ: من أقسام الكلمة الثلاثة)
أولا: الحروف كلها مبنية؛ لأن الحرف وحده لا يؤدى معنى فى نفسه، وإنما يدل على معنى فى غيره، بعد وضعه فى جملة - كما سبق -. وإذًا لا ينسب إليه أنه فعل فعلا، أو وقع عليه فعل؛ فلا يكون بنفسه فاعلا، ولا مفعول به، ولا متممًا وحده للمعنى (أى: لا يكون مسندًا إليه ولا مسندًا، ولا شيئًا يتصل بذلك). لعدم الفائدة من الإسناد فى كل حالة،
ونتيجة ما سبق أنه لا يدخله الإعراب؛ لعدم حاجته إليه؛ لأن الحاجة إلى الإعراب توجد حيث توجد المعانى التركيبية الأساسية، والحرف وحده لا يؤدى معنى قط. ولكنه إذا وضع فى تركيب فإنه يؤدى فى غيره بعض المعانى الجزئية (الفردية) بالطريقة المفصَّلة التى أشرنا إليها عند الكلام عليه؛ كالابتداء، والتبعيض، وغيرهما مما تؤديه كلمة: "من". أو الظرفية، والسببية، وغيرهما مما تؤديه كلمة: "فى" - فهذه المعانى الجزئية تَعْتَور الحرف، وتتعاقب عليه، ولكن لا يكون التمييز بينها بالإعراب، وإنما يكون بالقرائن المعنوية التى تتضمنها الجملة.
* * *
ثانيًا: الأسماء يناسبها الإعراب وهو أصل فيها، لأن الاسم يدل بذاته على معنى مستقل به - كما سبق - فهو يدل على مسمى؛ (أى: على شىء محسوس أو معقول، سميناه بذلك الاسم) وهذا المسمى قد يُسنَد إليه فعل، فيكون فاعلا له، وقد يقع عليه فعل، فيكون - مفعولا به. وقد يتحمل معنى آخر غير الفاعلية والمفعولية، ويدل عليه بنفسه... وكل واحد من تلك المعانى يقتضى علامة خاصة به فى آخر الكلمة، ورمزًا معينًا يدل عليه وحده، ويميزه من المعانى الأخرى؛ فلا بد أن تتغير العلامة فى آخر الاسم؛ تبعًا لتغير المعانى والأسباب، وأن يستحق ما نسميه: "الإعراب" للدلالة على تلك المعانى المتباينة، التى تتوالى عليه بتوالى العوامل المختلفة - كما شرحنا من قبل -.
وقليل من الأسماء مبنىّ. وأشهر المبنى منها عشرة أنواع (لكل نوع أحكامه التفصيلية فى بابه) وهى:
(1) الضمائر، سواء أكان الضمير موضوعًا على حرف هجائى واحد، أم على حرفين، أم على أكثر، مثل: انتصرتَ؛ ففرحنا، ونحن بك معجبَون.
(2، 3) أسماء الشرط، وأسماء الاستفهام؛ بشرط ألا يكون أحدهما مضافًا لمفرد؛ مثل: أين توجدْ أكرمْك. أين أراك؟ بخلاف: أىُّ خيرٍ تعملْه ينفعْك. أىُّ يومٍ تسافر فيه؟ لإضافة "أىّ" الشرطية والاستفهامية فى المثالين لمفرد، فهما معه معربتان.
(4) أسماء الإشارة التى ليست مثناة؛ نحو: هذا كريم، وتلك محسنة. بخلاف: "هذان كريمان، وهاتان محسنتان". فهما معربان عند التثنية؛ على الصحيح.
(5) أسماء الموصول غير المثناة، والأسماء الأخرى التى تحتاج بعدها - وجوبًا - إلى جملة أو شبهها؛ تكمل معناها، ولا تستغنى عنها بحال. فمثال الموصول: جاء الذى يقول الحق. وسافر الذى عندك، أو الذى فى ضيافتك.
ومن الأسماء الأخرى التى ليست موصولة ولكنها تحتاج - وجوبًا - بعدها إلى جملة: "إذا" الشرطية الظرفية؛ نحو: إذا تعلمتَ ارتفع شأنك، فلو قلت: جاء الذى... فقط، أو: إذا... فقط، لم يتم المعنى، ولم تحصل الفائدة. بخلاف جاء اللذان غابا، وحضرت اللتان سافرتا. فالموصول معرب - على الصحيح - لأنه مثنى.
(6) الأسماء التى تسمى: "أسماء الأفعال" وهى: التى تنوب عن الفعل فى معناه وفى عمله وزمنه، ولا تدخل عليها عوامل تؤثر فيها. مثل: هيهات القمر: بمعنى بَعُدَ جدًّا، وأفٍّ من المهمل، بمعنى أتَضَجَّرُ جدا، وآمين يا رب، بمعنى: استجبْ. فقد دلت كل كلمة من الثلاث على معنى الفعل، ولا يمكن أن يدخل عليها عامل قبلها يؤثر فيها بالرفع، أو النصب، أو الجر... بخلاف: سيرًا تحت راية الوطن، سماعًا نصيحة الوالد، إكرامًا للضيف. فإن هذه الكلمات [سيرًا، وسماعًا، وإكرامًا، وأشباهها] تؤدى معنى فعلها تمامًا، ولكن العوامل قد تدخل عليها فتؤثر فيها؛ فتقول: سرنى سيرُك تحت راية الوطن، مدحت سيرَك تحت راية الوطن. طربت لسيرِك ... وكذا الباقى؛ ولذلك كانت معربة.
(7) الأسماء المركبة؛ ومنها بعض الأعداد؛ مثل: أحَدَ عَشَرَ... إلى تسعة عَشَرَ؛ فإنها مبنية دائمًا على فتح الجزأين. ما عدا اثنىْ عَشَرَ، واثنتىْ عشْرة؛ فإنهما يعربان إعراب المثنى.
(8) اسم "لا" النافية للجنس - أحيانًا - فى نحو: لا نافعَ مكروه.
(9) المنادى؛ إذا كان: مفردًا، عَلَمًا، أو نكرة مقصودة، مثل: يا حامدُ، ساعد زميلك، ويا زميلُ اشكر صديقك.
(10) بعض متفرقات أخرى؛ مثل: "كم"، وبعض الظروف؛ مثل: "حيثُ" والعَلَم المختوم بكلمة: "وَيْهِ"، وما كان على وزن "فَعَالِ" - فى رأى قَوِىّ - مثل: حَذَامِ، وقَطَام... (وكلاهما اسم امرأة). وكذلك أسماء الأصوات المحكية مثل: "قاقِ"، و "غاقِ"، فى نحو: صاحت الدجاجة قاقِ، ونعَب الغراب غاقِ...
ملاحظة: يجب الإعراب والتنوين فى كل اسم أصله مفرد مبنىّ، ثم سُمى به، كما لو سمينا رجلا بكلمة: "أمسِ" المبنية على الكسر فى لغة الحجازيين - أو بكلمة "غاقِ" التى هى فى أصلها اسم لصوت الغراب...
* * *
ثالثًا: الأفعال. منها المبنى دائمًا، وهو: الماضى والأمر. ومنها المبنى حينًا والمعرب أحيانًا وهو: المضارع.
بيان هامّ.
1
الحمد لله على ما أنعم، والشكر على ما أوْلَى، والصلاة على أنبيائه ورسله؛ دعاة الهدى، ومصابيح الرشاد. وبعد.
فهذا كتاب جديد فى النحو. والنحو - كما وصفته من قبل - دعامة العلوم العربية، وقانونها الأعلى؛ منه تستمد العون، وتستلهم القصد، وترجع إليه فى جليل مسائلها، وفروع تشريعها؛ ولن تجد علماً منها يستقل بنفسه عن النحو، أو يستغنى عن معونته، أو يسير بغير نوره وهداه.
وهذه العلوم النقلية - على عظيم شأنها - لا سبيل إلى استخلاص حقائقها، والنفاذ إلى أسرارها، بغير هذا العلم الخطير؛ فهل ندرك كلام الله تعالى، ونفهم دقائق التفسير، وأحاديث الرسول عليه السلام، وأصول العقائد، وأدلة الأحكام، وما يتبع ذلك من مسائل فقهية، وبحوث شرعية مختلفة قد ترْقى بصاحبها إلى مراتب الإمامة، وتسمو به إلى منازل المجتهدين - إلا بإلهام النحو وإرشاده؟ ولأمرٍ ما قالوا: (إن الأئمة من السلف والخلف أجمعوا قاطبة على أنه شرْط فى رتبة الاجتهاد، وأن المجتهد لو جمع كل العلوم لم يبلغ رتبة الاجتهاد حتى يعلم النحو، فيعرف به المعانى التى لا سبيل لمعرفتها بغيره. فرتبة الاجتهاد متوقفة عليه، لا تتم إلا به ...)
وهذه اللغة التى نتخذها - معاشر المستعربين - أداة طَيِّعة للتفاهم، ونسخرها مركبًا ذلولا للإبانة عن أغراضنا، والكشف عما فى نفوسنا، ما الذى هيأها لنا، وأقدرنا على استخدامها قدرة الأولين من العرب عليها، ومَكَّن لنا من نظمها ونثرها تمكنهم منها، وأطلق لساننا فى العصور المختلفة صحيحًا فصيحًا كما أطلق لسانهم، وأجرى كلامنا فى حدود مضبوطة سليمة كالتى يجرى فيها كلامهم، وإن كان ذلك منهم طبيعة، ومنا تطبعًا؟
إنه النحو؛ وسيلة المستعرب، وسلاح اللغوى، وعماد البلاغىّ، وأداة المشرّع والمجتهد، والمدخل إلى العلوم العربية والإسلامية جميعًا.
فليس عجيباً أن يصفه الأعلام السابقون بأنه: "ميزان العربية، والقانون الذى تُحكَم به فى كل صورة من صورها" وأن يفرغ له العباقرة من أسلافنا؛ يجمعون أصوله، ويثبتون قواعده، ويرفعون بنيانه شامخًا، ركينًا، فى إخلاص نادر، وصبر لا ينفد. ولقد كان الزمان يجرى عليهم بما يجرى على غيرهم؛ من مرض، وضعف، وفقر؛ فلا يقدر على انتزاعهم مما هم فيه، كما كان يقدر على سواهم، ولا ينجح فى إغرائهم بمباهج الحياة كما كان ينجح فى إغراء ضعاف العزائم، ومرضى النفوس، من طلاب المغانم، ورواد المطامع. ولقد يترقبهم أولياؤهم وأهلوهم الساعات الطوال، بل قد يترصدهم الموت؛ فلا يقع عليهم إلا فى حلقة درس، أو قاعة بحث، أو جِلسة تأليف، أو ميدان مناظرة، أو رحلة مُخْطرة فى طلب النحو. وهو حين يظفر بهم لا ينتزع علمهم معهم؛ ولا يذهب بآثارهم بذهاب أرواحهم؛ إذ كانوا يُعِدون لهذا اليوم عُدته من قبل؛ فيدونون بحوثهم، ويسجلون قواعدهم، ويختارون خلفاء من تلاميذهم؛ يهيئونهم لهذا الأمر العظيم. ويشرفون على تنشئتهم، وتعهد مواهبهم؛ إشراف الأستاذ البارع القدير على التلميذ الوفىّ الأمين. حتى إذا جاء أجلهم ودّعوا الدنيا بنفس مطمئنة، واثقة أن ميدان الإنشاء والتعمير النحوى لم يخل من فرسانه، وأنهم خلَّفوا وراءهم خلفًا صالحًا يسير على الدرب، ويحتذى المثال. وربما كان أسعد حظًّا وأوفر نجحًا من سابقيه، وأسرع إدراكًا لما لم يدركه الأوائل.
على هذا المنهج الرفيع تعاقبت طوائف النحاة، وتوالت زمرهم فى ميدانه، وتلقى الراية نابغ عن نابغ، وألمعىّ فى إثر ألمعىّ، وتسابقوا مخلصين دائبين. فرادى وزَرافات، فى إقامة صرحه، وتشييد أركانه، فأقاموه سامق البناء، وطيد الدعامة، مكين الأساس. حتى وصل إلى أهل العصور الحديثة التى يسمونها: عصور النهضة، راسخًا، قويًّا؛ من فرط ما اعتنى به الأسلاف، ووجهوا إليه من بالغ الرعاية؛ فاستحقوا منا عظيم التقدير، وخالد الثناء. وحملوا كثيرًا من علماء اللغة الأجانب على الاعتراف بفضلهم، والإشادة ببراعتهم ...
هذه كلمة حق يقتضينا الإنصاف أن نسجلها؛ لننسب الفضل لروّاده، وإلا كنَّا من عصبة الجاحدين، الجاهلين، أو المغرورين.
2
وليس من شك أن التراث النحوى الذى تركه أسلافنا نفيس غاية النفاسة، وأن الجهد الناجح الذى بذلوه فيه خلال الأزمان المتعاقبة جهد لم يهيأ للكثير من العلوم المختلفة فى عصورها القديمة والحديثة، ولا يقدر على احتمال بعضه حشود من الثرثارين العاجزين، الذين يوارون عجزهم وقصورهم - عَلِمَ الله - بغمز النحو بغير حق، وطعن أئمته الأفذاذ.
بيد أن النحو - كسائر العلوم - تنشأ ضعيفة، ثم تأخذ طريقها إلى النمو، والقوة والاستكمال بخطا وئيدة أو سريعة؛ على حسب ما يحيط بها من صروف وشئون. ثم يتناولها الزمان بأحداثه؛ فيدفعها إلى التقدم، والنمو، والتشكل بما يلائم البيئة، فتظل الحاجة إليها شديدة، والرغبة فيها قوية. وقد يعوّقها ويحول بينها وبين التطور، فيضعف الميل إليها، وتفتر الرغبة فيها. وقد يشتط فى مقاومتها؛ فيرمى بها إلى الوراء، فتصبح فى عداد المهملات، أو تكاد.
وقد خضع النحو العربى لهذا الناموس الطبيعى؛ فولد فى القرن الأول الهجرى ضعيفا، وحَبَا وئيدًا أول القرن الثانى، وشب - بالرغم من شوائب خالطته - وبلغ الفتَاء آخر ذلك القرن، وسنوات من الثالث، فلمع من أئمته نجوم زاهرة؛ كعبد الله بن أبى إسحاق، والخليل، وأبى زيد، وسيبويه، والكسائى، والفراء، ونظرائهم من الأعلام، ثم توالت أخلافهم، على تفاوت فى المنهج، وتخالف فى المادة، إلى عصر النهضة الحديثة التى يجرى اسمها على الألسنة اليوم، ويتخذون مطلع القرن التاسع عشر مبدأ لها. فمن هذا المبدأ ألح الوهن والضعف، على النحو، وتمالأت عليه الأحداث؛ فأظهرت من عيبه ما كان مستورًا، وأثقلت من حمله ما كان خِفًّا، وزاحمته العلوم العصرية فقهرته، وخلفتْه وراءها مبهورًا. ونظر الناس إليه فإذا هو فى الساقة من علوم الحياة، وإذا أوقاتهم لا تتسع للكثير بل للقليل مما حواه، وإذا شوائبه التى برزت بعد كمون، ووضحت بعد خفاء - تزهدهم فيه، وتزيدهم نفارًا منه، وإذا النفار والزهد يكران على العيوب؛ فيحيلان الضئيل منها ضخمًا، والقليل كثيرًا، والموهوم واقعًا. وإذا معاهد العلم الحديث تزوَرّ عنه، وتجهر بعجزها عن استيعابه، واستغنائها عن أكثره، وتقنع منه باليسير أو ما دون اليسير؛ فيستكين ويخنع.
والحق أن النحو منذ نشأته داخلته - كما قلنا - شوائب؛ نمت على مر الليالى، وتغلغلت برعاية الصروف، وغفلة الحراس؛ فشوهت جماله، وأضعفت شأنه، وانتهت به إلى ما نرى.
فلم يبق بد أن تمتد إليه الأيدى البارّة القوية، متمالئة فى تخليصه مما شابه، متعاونة على إنقاذه مما أصابه. وأن تبادر إليه النفوس الوفية للغتها وتراثها؛ المعتزة بحاضرها وماضيها؛ فتبذل فى سبيل إنهاضه، وحياطته، وإعلاء شأنه - مالا غاية بعده لمستزيد.
ومن كريم الاستجابة أن رأينا فى عصرنا هذا - طوائف من تلك النفوس البارّة الوفية سارعت إلى النجدة؛ كُلٌّ بما استطاع، وبما هو ميسر له؛ فمنهم من ذلل للناشئة لغته، أو اختصر قاعدته، أو أوضح طريقة تدريسه، أو أراحهم من مصنوع العِلل، وضارّ الخلاف، أو جمع بين مزيتين أو أكثر من هذه المزايا الجليلة الشأن. لكنا - على الرغم من ذلك - لم نرى من تصدى للشوائب كلها أو أكثرها؛ ينتزعها من مكانها، ويجهز عليها ما وسعته القدرة، ومكنته الوسيلة؛ فيربح المعلمين والمتعلمين من أوزارها. وهذا ما حاولته جاهدًا مخلصًا قدر استطاعتى، فقدمددت يدى لهذه المهمة الجليلة، وتقدمت لها رابط الجأش، وجمعت لها أشهر مراجعها الأصيلة، ومظانها الوافية الوثيقة، وضممت إليها ما ظهر فى عصرنا من كتب، وأطلت الوقوف عند هذه وتلك؛ أديم النظر، وأجيل الفكر، وأعتصر أطيب ما فيهما حتى انتهيت إلى خطة جديدة؛ تجمع مزاياهما، وتسلم من شوائبهما، وقمت على تحقيقها فى هذا الكتاب متأنيًا صبورًا. ولا أدرى مبلغ توفيقى. ولكن الذى أدريه أنى لم أدخر جهدًا، ولا إخلاصًا.
إن تلك الشوائب كثيرة، ومن حق النحو علينا - ونحن بصدد إخراج كتاب جديد فيه - أن نعرضها هنا، ونسجل سماتها، ونفصل ما اتخذناه لتدارك أمرها. وهذا كله - وأكثر منه - قد عرضنا له فى رسالة سابقة نشرناها منذ سنوات بعنوان: "رأى فى بعض الأصول اللغوية والنحوية"، ثم أتممناها بمقالات عشر؛ نشرت تباعًا فى مجلة رسالة الإسلام، خلال سنتى 1957 و 1958م وجاوزت صفحاتها المائة. وقد جعلت من هذه وتلك، ولمحات غيرهما، مقدمة لهذا الكتاب سنتشر مستقلة؛ بسبب طولها، وكثرة ما اشتملت عليه - فى رسالة عنوانها: "مقدمة كتاب النحو الوافى" وهى اليوم فى طريقها للنشر
على أن هذا لا يعفينى من الإشارة العابرة إلى الدستور الذى قام عليه الكتاب، والغرض الذى رميت من تأليفه، مستعينًا بخبرة طويلة ناجعة، وتجربة صادقة فى تعليم النحو؛ طالبًا مستوعبًا، ثم تعليمه فى مختلف المعاهد الحكومية مدرسًا، فأستاذًا ورئيسًا لقسم النحو والصرف والعروض بكلية دار العلوم، بجامعة القاهرة، سنوات طوالا.
3
وأظهر مواد ذلك الدستور ما يأتى:
1- تجميع مادة النحو كله فى كتاب واحد ذى أجزاء أربعة كبار، تحوى صفحاتها وما تضمنته من مسائل كل ما تفرق فى أمهات الكتب، وتغنى عنها. على أن يقسم كل جزء قسمين، تقسيمًا فنيًّا بارعًا. أحدهما موجز دقيق يناسب طلاب الدراسات النحوية، بالجامعات - دون غيرهم - غاية المناسبة، ويوفيهم ما يحتاجون إليه غاية التوفية الحكيمة التى تساير مناهجهم الرسمية، ومكانهُ أول المسائل، وصدرها. ويليه الآخر - بعد نهاية كل مسألة - بعنوان مستقل هو: "زيادة وتفصيل"؛ ويلائم الأساتذة والمتخصصين أكمل الملائمة وأتمها، فتبتدئ "المسألة"- وبجانبها رقم خاص بها - بتقديم المادة النحوية الصالحة للطالب الجامعىّ، الموائمة لقدرته ومقَرّره الرسمّى، ودرجته فى التحصيل والفهم، مع تَوَخّى الدقة والإحكام فيما يقدم له، نوعًا ومقدارًا. فإذا استوفى نصيبه المحمود انتقلتُ إلى بَسْط يتطلع إليه المتخصص، وزيادة يتطلبها المستكمل. كل ذلك فى إحكام وحسن وتقدير، بغير تكرار، ولا تداخل بين القسمين، أو اضطراب. وبهذا التقسيم والتنسيق يجد هؤلاء وهؤلاء حاجتهم ميسرة، موائمة، قريبة التناول؛ لا يَكُدُّون فى استخلاصها ولا يجهدون فى السعى وراءها فى متاهات الكتب القديمة؛ وقد يبلغون أو لا يبلغون.
2- العناية أكمل العناية بلغة الكتاب وضوحًا، وإشراقًا، وإحكامًا، واسترسالا؛ فلا تعقيد، ولا غموض، ولا حشو، ولا فضول، ولا توقف لمناقشة لفظ، أو إرسال اعتراض، أو الإجابة عنه؛ ولا حرص على أساليب القدامى وتعبيراتهم. إلا حين تسايرنا فى البيان الأوفى، والجلاء الأكمل.
أما الاصطلاحات العلمية المأثورة فلم أفكر فى تغييرها، إيمانًا واقتناعًا بما سجله العلماء قديمًا وحديثًا من ضرر هذا التغيير الفردىّ، ووفاء بما اشترطوه فى تغيير "المصطلحات"، أن يكون بإجماع المختصين، المشتغلين بالعلم الذى يحويها.
3- اختيار الأمثلة ناصعة، بارعة فى أداء مهمتها؛ من توضيح القاعدة، وكشف غامضها فى سهولة ويسر، واقتراب، لهذا تركت كثيرًا من الشواهد القديمة، المترددة بين أغلب المراجع النحوية؛ لأنها مليئة بالألفاظ اللغوية الصعبة، وبالمعانى البعيدة التى تتطلب اليوم من المتعلم عناء وجهدًا لا يطيقهما، ولا يتسع وقته لشىء منهما. فإن خلَت من هذا العيب، وتجملت بالوضوح والطرافة فقد نستبقيها.
والحق أن كثيرًا من تلك الشواهد يحتل المكانة العليا من سمو التعبير، وجمال الأداء، وروعة الأسلوب، وفتنة المعنى. لكنها اختيرت فى عصور تباين عصرنا، ولدواع تخالف ما نحن فيه؛ فقد كانت وسائل العيش حينذاك ميسرة، والمطالب قليلة، والقصد استنباط قاعدة، أو تأييد مذهب. وكان طالب العلم حافظًا القرآن، مستظهرًا الكثير من الأحاديث والنصوص الأدبية، متفرغًا للعلوم العربية والشرعية أو كالمتفرغ. أما اليوم فالحال غير الحال، ووسائل العيش صعبة، والمطالب كثيرة؛ فطالب العلم يمر بهذه العلوم مرًّا سريعًا عابرًا قبل الدراسة الجامعية، فإن قدّر له الدخول فى الجامعة، انقطعت صلته بتلك العلوم، ولم يجد بينها وبين مناهجه الدراسية سببًا، إلا إن كان متفرغًا للدراسات اللغوية؛ فيزاولها وحصيلته منها ضئيلة، لا تمكنه من فهم دقائقها، ولا ترغبه فى مزيد، وغايته المستقبلة لا ترتبط - فى الغالب - ارتباطًا وثيقًا بالضلاعة فى هذه العلوم، والتمكن منها؛ فمن الإساءة إليه وإلى اللغة أن نستمسك بالشواهد الموروثة، ونقيمها حِجَازًا يصعب التغلب عليه، وإدراك ما وراءه من كريم الغايات. نعم إنها نماذج من الأدب الرائع؛ ولكن يجب ألا ننسى الغاية إزاء الروعة، أو نُغْفِل القصد أمام المظهر، وإلا فقدنا الاثنين معًا، وفى دروس النصوص الأدبية، وفى القراءة الحرة، والاطلاع على مناهل الأدب الصفو - متسع للأدباء والمتأدبين؛ يشبع رغبتهم، من غير أن يضيع عليهم ما يبغون من دراسة النحو دراسة نافعة، لا تطغى على وقت رصدته النظم التعليمية الحديثة لغيرها، ولا تنتهب جهدًا وقفته الحياة المعاصرة على سواها.
وإن بعض معلمى اليوم ممنَّ يقومون بالتدريس لكبار المتعلمين - لَيُسْرف فى اتخاذ تلك الشواهد مجالا لما يسميه: "التطبيق النحوى"، ومادة مهيأة لدروسه. وليس هذا من وكْدى، ولا وكْد من احتشد للمهمة الكبرى، مهمة: "النحو الأصيل" التى تتلخص فى إعداد مادته إعدادًا وافيًا شاملا، وعرضها عرضًا حديثًا شائقًا، وكتابتها كتابة مشرقة بهية، مع استصفاء أصولها النافعة. واستخلاص قواعدها وفروعها مما ران عليها، وارتفعت بسببه صيحات الشكوى، ودعوات الإصلاح، وتهيئتها لتلائم طبقات كثيرة، وأجيالا متعاقبة فى بلدان متباينة.
كل هذا بل بعض هذا - لا يساير ذلك "التطبيق التعليمى"؛ فإنه مدرسّى موضعى متغير لا يتسم بسمة العموم، أو ما يشبه العموم، ولا يثبت على حال. على أن هذا الفريق الذى اختار تلك الشواهد ميدانًا لتطبيقه قد فاته ما أشرنا إليه من حاجتها إلى طويل الوقت، وكبير الجهد فى تيسير صعوباتها اللغوية التى أوضحناها. وطلاب اليوم - خاصة - أشد احتياجًا لذلك الوقت والجهد، كى يبذلوهما فى تحصيل ما يتطلبه مستقبلهم الغامض. كما فاته أن خير التطبيق لكبار الطلاب ما ليس محدد المجال، مصنوع الغرض، متكلف الأداء، كالشواهد التى نحن بصددها. وإن مناقشة لنص أدبى كامل، أو صفحة من كتاب مستقيم الأسلوب، أو مقال أدبى - لهى أجدى فى التطبيق، وأوسع إفادة فى النواحى اللغوية المتعددة، وأعمق أثرًا فى علومها وآدابها - من أكثر تلك الشواهد المبتورة المعقدة. فليتنا نلتفت لهذا، وندرك قيمته العملية، فنحرص على مراعاته، ونستمسك باتباعه مع كبار المتعلمين، ولعل هؤلاء الكبار أنفسهم يدركونه ويعملون به، فيحقق لهم ما يبتغون
على أن لتلك الشواهد خطرًا آخر؛ هى أنها - فى كثير من اتجاهاتها - قد تمثل لهجات عربية متعارضة، وتقوم دليلا على لغات قديمة متباينة، وتساق لتأييد آراء متناقضة؛ فهى معوان على البلبلة اللغوية، ووسيلة للحيرة والشك فى ضبط قواعدها، وباب للفوضى فى التعبير. وتلك أمور يشكو منها أنصار اللغة، والمخلصون لها.
وعلى الرغم من هذا قد نسجل - أحيانًا مع الحيطة والحذر - بعض الشواهد الغريبة، أو الشاذة، وبعض الآراء الضعيفة، لا لمحاكاتها، ولا للأخذ بها - ولكن ليتنبه لها المتخصصون، فيستطيعوا فهم النصوص القديمة الواردة بها حين تصادفهم، ولا تصيبهم أمامها حيرة، أو توقف فى فهمها.
4- الفرار من العلل الزائفة، وتعدد الآراء الضارة فى المسألة الواحدة، فلهما من سوء الأثر وقبيح المغبة ما لا يخفى. وحسبنا من التعليل: أن يقال: المطابقة للكلام العربى الناصع، ومن الآراء أن يقال: مُسَايرة فصيح اللغة وأفصحها. والقرآنُ الكريم - بقراءاته الثابتة الواردة عن الثقات - فى مكان الصدارة من هذا؛ لا نقبل فى أسلوبه تأولا ولا تمحلا، ثم الكلام العربى الذائع. والأفصح والفصيح هما الباعثان لنا على أن نردف بعض الأحكام النحوية بأن الخير فى اتباع رَأى دون آخر، وأن الأفضل إيثاره على سواه ... أو غير هذا من العبارات الدالة على الترجيح. وإنما كان الخير وتمام الفضل فى إيثاره؛ لأن يجمع الناطقين بلغة العرب على أنصع الأساليب وأسماها، ويوجد بيانهم، ويريحهم من خُلف المذاهب، وبلبلة اللهجات، فى وقت نتلقى فيه اللغة تعلمًا وكسبا، لا فطرة ومحاكاة أصيلة، ونقتطع لها من حياتنا التعليمية المزدحمة المرهقة - الأيَّام القليلة، والساعات المحدودة؛ فمن الحكمة والسداد أن نقصر تلك الأيام والساعات على ما هو أحسن وأسمى. ولن نلجأ إلى تعليل آخر، أو ترديد خلاف فى الآراء إلا حيث يكون من وراء ذلك نفع محقق، وفائدة وثيقة، وتوسعة محمودة، دون تعصب لبصرىّ أو لكوفىّ، أو بغدادى، أو أندلسى... أو غير هؤلاء... ودون فتح باب الفوضى فى التعبير، أو الاضطراب فى الفهم، أو البلبلة فى الأداء والاستنباط.
ومن مظاهر النفع الاستعانة "بالتعليل"، وبتعدد المذاهب فى تيسير مفيد، أو فى تشريع لغوىّ مأمون، أو تبصير المتخصصين - وحدهم- ببعض اللغات واللهجات التى تعينهم على فهم النصوص القديمة الواردة بها، لا لمحاكاتها - فأكثرها لا يوائمنا اليوم كما سبق - ولكن ليدركوها، ويفسروا بعض الضواهر اللغوية الغامضة، ولا يقفوا أمام تفسيرها حائرين مضطربين. وقد بسطنا القول فى هذا كله، وفى أسبابه، ونتائجه - فى المقدمة التى أشرنا إليها.
5- تدوين أسماء المراجع أحيانًا فى بعض مسائل قد تتطلب الرجوع إليها؛ استجلاءً لحقيقة، أو إزالة لوهم. وفى ذلك التدوين نفع آخر؛ هو: تعريف الطلاب بتلك المراجع، وترديد أسمائها عليهم، وتوجيههم إلى الانتفاع بها، والإيحاء بأن الرجوع إلى مثلها قد يقتضيه تحصيل العلم، وتحقيق مسائله.
6- عدم التزام طريقة تربوية معينة فى التأليف، فقد تكون الطريقة استنباطية، وقد تكون إلقائية، وقد تكون حوِارًا، أو غير ذلك مما يقتضيه صادق الخبرة، وملاءمة الموضوع. وإذا عرفنا أن الكتاب لكبار الطلاب، وللأساتذة المتخصصين، وأن موضوعاته كثيرة متباينة - أدركنا الحكمة فى اختلاف الطرائق باختلاف تلك الموضوعات وقرّائها. على أن تكون الطريقة محكومة بحسن الاختيار، وصدق التقدير، وضمان النجح من أيسر السبل وأقربها. ومهما اختلفت فلن تكون من طرائق القدماء التى أساسها: المتن، فالشرح، فالحاشية، فالتقرير... فما يصاحب هذا من جدل، ونقاش، وكثرة خلاف، وتباين تعليل... وما إلى ذلك مما دعت إليه حاجات عصور خلت، ودواعى حقب انقضت، ولم يبق من تلك الحاجات والدواعى ما يغرينا بالتمسك به، أو بتجديد عهده.
على أن بحوثهم وطرائقهم تنطوى - والحق يقال - على ذخائر غالية، وتضم فى ثناياها كنوزاً نفيسة. إلا أن استخلاص تلك الذخائر والكنوز مما يغَشيها اليوم عسير أى عسير على جمهرة الراغبين - كما أسلفنا.
7- تسجيل أبيات: "ابن مالك" كما تضمنتها "ألفيته"، المشهورة، وتدوين كل بيت فى أنسب مكان من الهامش، بعد القاعدة وشرحها، مع الدقة التامة فى نقله، وإيضاح المراد منه؛ فى إيجاز مناسب، وحرص على ترتيب الأبيات، إلا إن خالفت فى ترتيبها تسلسل المسائل وتماسكها المنطقى النحوى الذى ارتضيناه. فعندئذ نوفق بين الأمرين؛ ترتيب الناظم: وما يقتضيه التسلسل المنطقى التعليمى؛ فننقل البيت من مكانه فى "الألفية"، ونضعه فى المكان الذى نراه مناسبًا، ونضع على يساره الرقم الدال على ترتيبه بين أبيات الباب كما رتبها الناظم، ولا نكتفى بهذا؛ فحين نصل إلى شرح المسألة المتصلة بالبيت الذى قبله، ونفرغ منها ومن ذكر البيت الخاص بها؛ تأييدًا لها - نعود فنذكر البيت الذى نقلناه من مكانه، ونضعه فى مكانه الأصلى الذى ارتضاه الناظم، ونشير إلى أن هذا البيت قد سبق ذكره وشرحه فى مكانه الأنسب من صفحة كذا...
وقد دعانا إلى تسجيل أبيات: "ابن مالك" - فى الهامش - ما نعلمه من تمسك بعض المعاهد والكليات الجامعية بها، وإقبال طوائف من الطلاب على تفهمها، والتشدد فى دراستها واستظهارهم كثيراً منها للانتفاع بها حين يريدون. وقد تخيرنا لها مكانًا فى ذيل الصفحات، يقربها من راغبيها، ويبعدها من الزاهدين فيها.
8- الإشارة إلى صفحة سابقة أو لاحقة، وتدوين رقمها إذا اشتملت على ماله صلة وثيقة بالمسألة المعروضة؛ كى يتيسر لمن شاء أن يجمع شتاتها فى سهولة ويسر، ويضم - بغير عناء - فروعها وما تفرق منها فى مناسبات وموضوعات مختلفة.
ولا نكتفى بذكر الرقم الخاص بالصفحة، وإنما نذكره ونذكر بعده رقم المسألة. ونرمز للمسألة بالحرف الهجائى الأول من حروفها، وهو: "م" اختصارًا.
والسبب فى الجمع بينهما أن رقم الصفحة عرضة للتغيير بتغير طبعات الكتاب أما رقم المسألة فثابت لا يتغير وإن تعددت الطبعات، فالإحالة عليه إحالة على شىء موجود دائمًا؛ فيتحقق الغرض من الرجوع إليه.
9- ترتيب أبواب الكتاب على النسق الذى ارتضاه ابن مالك فى: "ألفيته" وارتضاه كثيرون ممن جاءوا بعده، لأنه الترتيب الشائع اليوم، وهو فوق شيوعه - أكثر ملاءمة فى طريقته، وأوفر إفادة فى التحصيل والتعليم، ويشيع بعده الترتيب القائم على جمع الأبواب الخاصة بالأسماء متعاقبة، يليها الخاصة بالأفعال ثم الحروف... كما فعل الزمخشرى فى مفصله. وتبعه عليه شراحه. وهذه طريقة حميدة أيضاً. ولكنها تفيد المتخصصين دون سواهم من الراغبين فى المعرفة العامة أوّلا فأولا؛ فالمبتدأ يلازمه الخبر أو ما يقوم مقامه، وقد يكون الخبر جملة فعلية، أو شبه جملة، والفاعل لا بد له من فعل أو ما يقوم مقامه. والمفعول لا بد له من الاثنين... فكيف يتعلم الراغب أحكام المبتدأ وحده، أو الخبر وحده، أو الفعل أو الفاعل كذلك؟
وهناك أنواع أخرى من الترتيب لكل منها مزاياه التى نراها لا تعدل مزية الترتيب الذى اخترناه، ولا تناسب عصرنا القائم.
والله أرجو مخلصًا أن يجعل الكتاب نافعًا لغة القرآن، عونًا لطلابها، محققًا الغاية النبيلة التى دعت لتأليفه، والقصد الكريم من إعداده.
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب الكلام وما يتألف منه ) ضمن العنوان ( المسألة الأولى: الكلام وما يتألف منه )
الكلمة - الكلام (أو: الجملة) - الكَلِم - القول.
ما المراد من هذه الألفاظ الاصطلاحية فى عُرف النحويين؟
الكلمة:
حروف الهجاء تسعة وعشرون حرفًا، (وهى: أ-ب-ت-ث-ج...) وكل واحد منها رمز مجرد؛ لا يدل إلا على نفسه، ما دام مستقلا لا يتصل بحرف آخر. فإذا اتصل بحرف أو أكثر، نشأ من هذا الاتصال ما يسمى: "الكلمة". فاتصال الفاء بالميم - مثلا - يوجِد كلمة: "فَم"، واتصال العين بالياء فالنون، يوجد كلمة: "عين"، واتصال الميم بالنون فالزاى فاللام، يحدِث كلمة: "منزل"... وهكذا تنشأ الكلمات الثنائية، والثلاثية، والرباعية - وغيرها - من انضمام بعض حروف الهجاء إلى بعض.
وكل كلمة من هذه الكلمات التى نشأت بالطريقة السالفة تدل على معنى؛ لكنه معنى جزئى؛ (أىْ: مفرد)؛ فكلمة: "فم" حين نسمعها، لا نفهم منها أكثر من أنها اسم شىء معين. أما حصول أمر من هذا الشىء، أو عدم حصوله...، أما تكوينه، أو وصفه، أو دلالته على زمان أو مكان، أو معنى آخر - فلا نفهمه من كلمة: "فم" وحدها. وكذلك الشأن فى كلمة: "عين"، و"منزل" وغيرهما من باقى الكلمات المفردة.
ولكن الأمر يتغير حين نقول: "الفم مفيد" - "العين نافعة" - "المنزل واسع النواحى"، فإن المعنى هنا يصير غير جزئى؛ (أى: غير مفرد)؛ لأن السامع يفهم منه فائدة وافية إلى حدّ كبير، بسبب تعدد الكلمات، وما يتبعه من تعدد المعانى الجزئية، وتماسكها، واتصال بعضها ببعض اتصالا ينشأ عنه معنى مركب. فلا سبيل للوصول إلى المعنى المركب إلا من طريق واحد؛ هو: اجتماع المعانى الجزئية بعضها إلى بعض، بسبب اجتماع الألفاظ المفردة.
ومن المعنى المركب تحدث تلك الفائدة التى: "يستطيع المتكلم أن يسكت بعدها، ويستطيع السامع أن يكتفى بها". وهذه الفائدة - وأشباهها - وإن شئت فقل: هذا المعنى المركب، هو الذى يهتم به النحاة، ويسمونه بأسماء مختلفة، المراد منها واحد؛ فهو: "المعنى المركب:، أو: "المعنى التام"، أو: "المعنى المفيد" أو: "المعنى الذى يحسن السكوت عليه"...
يريدون: أن المتكلم يرى المعنى قد أدى الغرض المقصود فيَستحسن الصمت، أو: أن السامع يكتفى به؛ فلا يستزيد من الكلام. بخلاف المعنى الجزئى، فإن المتكلم لا يقتصر عليه فى كلامه؛ لعلمه أنه لا يعطى السامع الفائدة التى ينتظرها من الكلام. أو: لا يكتفى السامع بما فهمه من المعنى الجزئى، وإنما يطلب المزيد. فكلاهما إذا سمع كلمة منفردة مثل: باب، أو: ريَحان، أو: سماء، أو: سواها... لا يقنع بها.
لذلك لا يقال عن الكلمة الواحدة إنها تامة الفائدة، برغم أن لها معنى جزئيًّا لا تسمى "كلمةً" بدونه؛ لأن الفائدة التامة لا تكون بمعنى جزئى واحد.
مما تقدم نعلم أن الكلمة هى: (اللفظة الواحدة التى تتركب من بعض الحروف الهجائية، وتدل على معنى جزئى؛ أىْ: "مفرد"). فإن لم تدل على معنى عربى وُضِعت لأدائه فليست كلمة، وإنما هى مجرد صوت.
الكلام (أو: الجملة):
هو: "ما تركب من كلمتين أو أكثر، وله معنى مفيد مستقل". مثل: أقبل ضيف. فاز طالب نبيه. لن يهمل عاقل واجبًا...
فلا بد فى الكلام من أمرين معًا؛ هما: "التركيب"، و"الإفادة المستقلة" فلو قلنا: "أقبلَ" فقط، أو: "فاز" فقط، لم يكن هذا كلامًا؛ لأنه غير مركب. ولو قلنا: أقبلَ صباحًا... أو: فاز فى يوم الخميس... أو: لن يهمل واجبه...، لم يكن هذا كلامًا أيضًا؛ لأنه - على رغم تركيبه - غير مفيدة فائدة يكتفى بها المتكلم أو السامع ...
وليس من اللازم فى التركيب المفيد أن تكون الكلمتان ظاهرتين فى النطق؛ بل يكفى أن تكون إحداهما ظاهرة، والأخرى مستترة؛ كأن تقول للضيف: تفضلْ. فهذا كلام مركب من كلمتين؛ إحداهما ظاهرة، وهى: تفضلْ، والأخرى مستترة، وهى: أنت. ومثل: "تفضل" : "أسافرُ" ... أو: "نشكر" أو: "تخرجُ" ... وكثير غيرها مما يعد فى الواقع كلامًا، وإن كان ظاهره أنه مفرد.
الكَلِم:
هو: ما تركب من ثلاث كلمات فأكثر؛ سواء أكان لها معنى مفيد، أم لم يكن لها معنى مفيد. فالكلم المفيد مثل: النيل ثروة مصر - القطن محصول أساسى فى بلادنا. وغير المفيد مثل: إن تكثر الصناعات...
القول:
هو كل لفظ نطق به الإنسان؛ سواء أكان لفظًا مفردًا أم مركبا، وسواء أكان تركيبه مفيدًا أم غير مفيد. فهو ينطبق على: "الكلمة" كما ينطبق على: "الكلام" وعلى: "الكلم". فكل نوع من هذه الثلاثة يدخل فى نطاق: "القول" ويصح أن يسمى: "قولا" على الصحيح، وقد سبقت الأمثلة. كما ينطبق أيضًا على كل تركيب آخر يشتمل على كلمتين لا تتم بهما الفائدة؛ مثل: إن مصر... - أو: قد حضر... أو: هل أنت. أو: كتاب علىّ... فكل تركيب من هذه التراكيب لا يصح أن يسمى: "كلمة"؛ لأنه ليس لفظًا مفردًا، ولا يصح أن يسمى: "كلامًا"؛ لأنه ليس مفيدًا. ولا: "كلمًا"؛ لأنه ليس مؤلفًا من ثلاث كلمات؛ وإنما يسمى: "قوْلاً".
ويقول أهل اللغة: إن "الكلمة" واحد: "الكلم". ولكنها قد تستعمل أحيانًا بمعنى: "الكلام"؛ فتقول: حضرتُ حفل تكريم الأوائل؛ فسمعت "كلمة" رائعة لرئيس الحفل، و"كلمة" أخرى لأحد الحاضرين، و"كلمة" ثالثة من أحد الأوائل يشكر المحتفلِين. ومثل: اسمعْ منى "كلمة" غالية؛ وهى:
*أحْسِنْ إلى الناس تَستعبدْ قلوبهمُ * فطالما استعبدَ الإنسانَ إحسانُ*
فالمراد بالكلمة فى كل ما سبق هو: "الكلام"، وهو استعمال فصيح، يشيع على ألسنة الأدباء وغيرهم.
وللكلمة ثلاثة أقسام، اسم. وفعل، وحرف.
زيادة وتفصيل:
تعود النحاة - بعد الكلام على الأنواع الأربعة السابقة - أن يوازنوا بينها موازنة أساسها: "علم المنطق" ويطيلوا فيها الجدل المرهق، مع أن الموضوع فى غنى عن الموازنة؛ لبعد صلتها "بالنحو". وبالرغم من هذا سنلخص كلامهم... (وقد يكون الخير فى الاستغناء عنه).
(ا) يقولون: إن موازنة الأنواع السابقة بعضها ببعض؛ لمعرفة أوسعها شمولا، وأكثرها أفرادًا - تدل على أن: "القول" هو الأوسع والأكثر؛ لأنه ينطبق عليها جميعًا، وعلى كل فرد من أفرادها. أما غيره فلا ينطبق إلا على أفراده الخاصة به، دون أفراد نوع آخر؛ فكل ما يصدق عليه أنه: "كلمة" أو: "كلام" أو: "كلم" - يصْدُق عليه أنه: "قول"، ويُعَدّ من أفراد: "القول"، ولا عكس.
هذا إلى أن القول يشمل نوعًا آخر غير تلك الأنواع، وينطبق وحده على أفراد ذلك النوع؛ وهو: كل تركيب اشتمل على كلمتين من غير إفادة تامة منهما؛ مثل: "إنْ حضر"... "ليس حامد" - "ليت مصر"... - "سيارةُ رجل"... فمثل هذا لا يصح أن يسمى: "كلمة، ولا "كلامًا"، ولا "كَلمِا" ومن هنا يقول النحاة: إن القول أعم من كل نوع من الأنواع الثلاثة عمومًا مطلقًا، وأن كل نوع أخص منه خصوصًا مطلقاً... يريدون بالعموم: أن "القول" يشمل من الأنواع أكثر من غيره. ويريدون "بالإطلاق": أن ذلك الشمول عام فى كل الأحوال، بغير تقييد بحالة معينة؛ فكلما وُجد نوع وجد أن "القول"؛ يشمله وينطبق على كل فرد من أفراده - دائمًا -
وأما أن كل نوع أخص - وأن ذلك الخصوص مطلق - فلأن كل نوع من الثلاثة لا يشمل عددًا من الأفراد المختلفة بقدر ما يشمله "القول" ولا ما يزيد عليه. وأن هذا شأنه فى كل الأحوال بغير تقييد، كما يتضح مما يأتى:
كتب: كلمة، ويصح أن تسمى: "قولا." وكذلك كل كلمة أخرى.
كتب على: كلام، ويصح أن يسمى: "قولا ." وكذلك كل جملة مفيدة مستقلة بمعناها، مكونة من كلمتين. - أو أكثر كما سيجئ -
قد كتب صباحًا: كلم، ويصح أن يسمى: "قولا ." وكذلك كل تركيب يشتمل على ثلاث كلمات فأكثر، من غير أن يفيد.
كتب على صباحًا: كَلِم أيضًا. ويصح أن يسمى: "كلامًا، أو: قولا". وكذلك كل تركيب يشتمل على ثلاث كلمات فأكثر مع الإفادة المستقلة.
كتاب على: يسمى: "قولا ." فقط.. وكذلك كل تركيب يشتمل على كلمتين فقط من غير إفادة.
فالقول منطبق على كل نوع، وصادق على كل فرد من أفراد ذلك النوع ومن غيره.
وقد يوضح هذا كلمة أخرى مثل: ؛ "معدن" ؛ فإن " المعدن" أنواع كثيرة؛ منها الذهب، والفضة والنحاس... فكلمة؛ "معدن" أعم من كل كلمة من تلك الكلمات عمومًا مطلقًا، وكل نوع أخص منه خصوصًا مطلقًا؛ لأن كلمة "معدن" بالنسبة للذهب - مثلا - تشمله، وتشمل نوعًا أو أكثر غيره - كالفضة -. أما الذهب فمقصور على نوعه الخاص، فالمعدن عام؛ لأنه يشمل نوعين أو أكثر. والذهب خاص؛ لأنه لا يشمل إلا نوعًا واحدًا. و"المعدن" عام عمومًا مطلقًا؛ لأنه ينطبق دائمًا على كل فرد من أفراد نوعيه أو أنواعه وذلك فى كل حالات.
* * *
(ب) ثم تأتى الموازنة بين "الكلم" و "الكلام" فتدل على أمرين:
أحدهما: أن "الكلم" و " الكلام" يشتركان معًا فى بعض الأنواع التى يصدق على كل منها أنه: "كلم" وأنه: "كلام" -؛ فيصح أن نسميه بهذا أو ذاك؛ كالعبارات التى تتكون من ثلاث كلمات مفيدة؛ فإنها نوع صالح لأن يسمى: "كلامًا" أو: "كلمًا". وكالعبارات التى تتكون من أربع كلمات مفيدة؛ فإنها نوع صالح لأن يسمى: "كلامًا" أو: "كلمًا" وهكذا كل جملة اشتملت على أكثر من ذلك مع الإفادة المستقلة.
ثانيهما: أن كلا منهما قد يشتمل على أنواع لا يشتمل عليها الآخر فيصير أعم من نظيره أنواعًا، وأوسع أفرادًا؛ مثال ذلك: أن "الكلم" وحده يصدق على كل تركيب يحوى ثلاث كلمات أو أكثر، سواء أكانت مفيدة، مثل: (أنت خير مرشد) أم غير مفيدة، مثل: (لما حضر فى يوم الخميس) فهو من هذه الناحية أعم وأشمل من الكلام؛ لأن الكلام لا ينطبق إلا على المفيد، فيكون - بسبب هذا - أقل أنواعًا وأفرادًا؛ فهو أخص.
لكن "الكلام" - من جهة أخرى - ينطبق على نوع لا ينطبق عليه "الكلم" كالنوع الذى يتركب من كلمتين مفيدتين؛ مثل: "أنت عالم" وهذا يجعل الكلام أعم. وأشمل من نظيره، ويجعل الكلم أخص.
فخلاصة الموازنة بين الاثنين: أنهما يشتركان حينًا فى نوع (أى: فى عدد من الأفراد)، ثم يختص كل واحد منهما بعد ذلك بنوع آخر ينفرد به دون نظيره؛ فيصير به أعم وأشمل. فكل منهما أعم وأشمل حينًا، وأخص وأضيق حينًا آخر. ويعبر العلماء عن هذا بقولهم: "إن بينهما العموم من وجه، والخصوص من وجه." أو: " بينهما العموم والخصوص الوجهى".
يريدون من هذا: أنهما يجتمعان حينًا فى بعض الحالات، وينفرد كل منهما فى الوقت نفسه ببعض حالات أخرى يكون فيها أعم من نظيره، ونظيره أعم منه أيضاً؛ فكلاهما أعم وأخص معًا. وإن شئت فقل: إن بينهما العموم من وجه والخصوص من وجه (أى؛ الوجهى) فيجتمعان فى مثل قد غاب على ... وينفرد الكلام بمثل: حضر محمود ... وينفرد الكلم بمثل: إنْ جاء رجل ... فالكلم أعم من جهة المعنى؛ لأنه يشمل المفيد وغير المفيد، وأخص من جهة اللفظ؛ لعدم اشتماله على اللفظ المركب من كلمتين.
والكلام أعم من جهة اللفظ؛ لأنه يشمل المركب من كلمتين فأكثر. وأخص من جهة المعنى؛ لأنه لا يطلق على غير المفيد.
* * *
(حـ) أما موازنة الكلمة بغيرها فتدل على أنها أخص الأنواع جميعًا.
* * *
شىء آخر يعرض له النحاة بمناسبة: "كلِم". يقولون:
إننا حين نسمع كلمة: رجال، أو: كتب، أو: أقلام، أو: غيرها من جموع التكسير نفهم أمرين:
أولهما: أن هذه الكلمة تدل على جماعة لا تقل عن ثلاثة، وقد تزيد.
ثانيهما: أن لهذا الجمع مفردًا نعرفه من اللغة؛ هو: رجل، كتاب، قلم ... وكذلك حين نسمع لفظ: "كَلِم" نفهم أمرين:
أولهما: أنه يدل على جماعة من الكلمات، لا تقل عن ثلاث، وقد تزيد؛ (لأن "الكَلِم" فى الأصل يتركب من ثلاث كلمات أو أكثر؛ فهو من هذه الجهة يشبه الجمع فى الدلالة العددية؛ فكلاهما يدل على ثلاث أو أكثر).
ثانيهما: أن "للكلم" مفردًا نعرفه ونصل إليه بزيادة تاء للتأنيث فى آخره؛ فيصير بزيادتها - وموافقة اللغة - دالا على الواحد، بعد أن كان دالا على الجمع، فتكون: "كلمة" هى مفردة: "الكلم"؛ مع أنهما متشابهان فى الحروف، وفى ضبطها، ولا يختلفان فى شىء؛ إلا فى زيادة التاء فى آخر: "الكلمة" - بموافقة اللغة -. وهو بسبب هذا يختلف عن الجموع؛ فليس بين الجموع ما ينقلب مفردًا وينقص معناه من الجمع إلى الواحد من أجل اتصال تاء التأنيث بآخره. ولذلك لا يسمونه جمعًا، وإنما يسمونه: "اسم جنس جمعيًّا". ويقولون فى تعريفه:
"إنه لفظ معناه معنى الجمع، وإذا زيدت على آخره تاء التأنيث - غالباً - صار مفردًا".
أو هو: "ما يُفْرَق بينه وبين واحده بزيادة تاء التأنيث - غالبًا - فى آخره".
ومن أمثلته: تفاح وتفاحة - عنب وعنبة - تمر وتمرة - شجر وشجرة - وهذا هو النوع الغالب، كما أشرنا.
وهناك نوع يُفرَق بينه وبين مفرده بالياء المشددة، مثل: عرب وعربىّ، جُنْد وجندى، رُوم ورومى، تُرْك وترْكىّ.
وقد يُفْرَق بينه وبين واحده بالتاء فى جمعه، لا فى مفرده؛ مثل كَمْأة، وكمْء".
ولهم فى اسم الجنس الجمعىّ - من ناحية أنه جمع تكسير، أو أنه قسم مستقل بنفسه - آراء متضاربة ومجادلات عنيفة؛ لا خير فيها، وإنما الخير فى الأخذ بالرأى القائل: إنه جمع تكسير. وهو رأى فيه سداد، وتيسير، ولن يترتب على الأخذ به مخالفة أصل من أصول اللغة، أو خروج على قاعدة من قواعدها، وأحكامها السليمة.
هذا من جهة الجمع أو عدمه. بقى الكلام فى المراد من: "اسم الجنس" والمعنى الدقيق له. وفيما يلى إشارة موجزة إليهما:
إن كلمة مثل كلمة: "حديد" تدل على معنى خاص؛ هو: تلك المادة المعروفة، وذلك العنصر المفهوم لنا. فمن أين جاء لنا فهمه؟ وكيف وصل العقل إلى انتزاع المعنى وإقراره فى باطنه؟
رأينا قطعة من الحديد أول مرة، ثم قطعة أخرى بعد ذلك، ثم ثالثة، فرابعة، فخامسة، ... ولم نكن نعرف الحديد، ولا اسمه، ثم استعملنا تلك القطَع فى شئوننا، وعرفنا بالاستعمال المتكرر بعض خواصها الأساسية؛ وإذا رأينا بعد ذلك قطعًا من صنفها فإننا نعرفها، ولا تكون غريبة على عقولنا، ونشعر بحاجة إلى اسم نسمى به هذا الصنف...
فإذا رأينا بعد ذلك قطعة من جنس آخر (أى: من صنف آخر) كالذهب، ولم نكن استعملناه فى شئوننا - وعرفنا بالاستعمال بعض خواصها الذاتية؛ فلا شك أننا سنحتاج إلى اسم يميز هذا الجنس من سابقه، بحيث إذا سمعنا الاسم ندرك منه المراد، ونتصور معناه تصورًا عقليًّا من غير حاجة إلى رؤية تلك القطَع والنماذج؛ فوضَعْنا للجنس الأول اسمًا هو: "الحديد"، ووضعنا للجنس الثانى اسما يخالفه هو: "الذهب". فالحديد اسم لذلك الجنس (الصنف المعروف)، وكذلك "الذهب"، وغيرهما من أسماء الأجناس... وصرنا بعد ذلك حين نسمع كلمة: "الذهب" أو "الحديد" ندرك المراد منها إدراكًا عقليًا بحتًا، فيقفز إلى ذهننا مباشرة مدلولها الخاص، من غير ربط - فى الغالب - بينها وبين شىء آخر من عنصرها، ومادتها، أو من غيرهما. وهذا الفهم هو ما يعبر عنه: بأنه "إدراك الماهية المجردة" أى: "إدراك حقيقة الشىء الذهنية، وصورته المرسومة فى العقل وحده". يريدون بذلك: المعنى الذى يفهم من الكلمة فهمًا عقليًّا مجردًا - فى الغالب - أى: بعيدًا عن عالم الحسّ، وعن تخيل النماذج والصور المختلفة المصنوعة منه، أو غير المصنوعة، والتى تساعد فى إيضاح المراد منه.
ومثل كلمة: الـ"حديد" غيرها من أسماء الأجناس - كما أسلفنا - ومنها: فضة، رجل، خشب. طائر ...
ثم إن هذا الجنس (أو: الماهية المجردة، والحقيقة الذهنية البحتة) ثلاثة أنواع، لكل منها اسم:
الأول: اسم الجنس الجمعى، وقد سبق.
الثانى: اسم الجنس الإفرادى؛ وهو الذى يصدق على القليل والكثير من الماهية (أى: من الحقيقة الذهنية) من غير اعتبار للقلة أو الكثرة. (مثل: هواء، ضوء، دم، ماء) فكل واحد من هذه وأشباهها يسمى بهذا الاسم؛ سواء أكان قليلا أم كثيرًا.
والثالث: اسم الجنس الآحادى؛ وهو: الذى يدل على الماهية (أى الحقيقة الذهنية) ممثلة فى فرد غير معين من أفرادها، ولا يمكن تصورها فى العقل إلا بتخيل ذلك الفرد غير المعهود، واستحضار صورة له فى الذهن؛ مثل: أسامة للأسَدَ.
* * *
ملاحظة: يُردد النحاة وغيرهم من المشتغلين بالعلوم والفنون المختلفة كلمة: "القاعدة" ويذكرونها فى المناسبات المختلفة، فما تعريفها؟
قالوا: "القاعدة - وجمعها: قواعد - هى فى اللغة: الأساس. وفى الاصطلاح: حُكم كُلّىّ ينطبق على جميع أجزائه وأفراده؛ لتعرف أحكامها منه).
وعلى الرغم من شيوع هذا التعريف فى مراجعهم ومطولاتهم - عارضَ بعض النحاة فى كلمة: "حكم" مفضلاً عليها كلمة "قضية" كليّة بحجة أن القاعدة فى مثل قولنا: "كل فاعل مرفوع" تشمل "المحكوم به"، و "المحكوم عليه"، و "الحكم"، فلا بدّ أن تشمل أمورًا ثلاثة، ولا تقتصر على "الحكم".
وقد دفع الاعتراض: بأن الاقتصار على "الحكم" فى ذلك التعريف الشائع، مقبول؛ لأنه نوع من المجاز، إذ فيه إطلاق الجزء - وهو الحُكم - على القضية الكليّة التى هى اسم يجمع المحكوم به، والمحكوم عليه، والحكم.
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب الكلام وما يتألف منه ) ضمن العنوان ( المسألة الثانية: الكلام على أقسام الكلمة الثلاثة: الاسم، والفعل والحرف. )
الاسم: كلمة تدل بذاتها على شىء محسوس، - مثل: نحاس، بيت، جَمل، نخلة، عصفورة، محمد ... - أو شىء غير محسوس، يعرف بالعقل؛ (مثل: شجاعة، مروءة، شرف، نُبل، نبوغ ...) وهو فى الحالتين لا يقترن بزمن.
علاماته: أهمها خمسة، إذا وجدت واحدة منها كانت دليلا على أن الكلمة "اسم".
العلامة الأولى: الجر؛ فإذا رأينا كلمة مجرورة لداع من الدواعى النحوية، عرفنا أنها اسم؛ مثل: كنت فى زيادةِ صديقٍ كريمٍ. فكلمة: "زيارةِ" اسم؛ لأنها مجرورة بحر الجر "فى"، وكلمة: "صديق" اسم؛ لأنها مجرورة؛ إذ هى "مضاف إليه"، وكلمة: "كريم" اسم؛ لأنها مجرورة بالتبعية لما قبلها؛ فهى نعت لها.
العلامة الثانية: التنوين؛ فمن الكلمات ما يقتضى أن يكون فى آخره ضمتان، أو فتحتان، أو كسرتان؛ مثل: جاء حامدٌ - رأيت حامدًا - ذهبت إلى حامد. طار عصفورٌ جميلٌ - شاهدت عصفورًا جميلاً - استمعت إلى عصفورٍ جميلٍ ... وهذه الكلمات لا تكون إلا أسماء.
وكان الأصل أن تكتب هى وأشباهها كما يكتبها علماء "العَروض" هكذا:
حامدُنْ - حامدَنْ - حامدِنْ. عصفورُنْ جميلُنْ ... عصفورَنْ جميلَنْ ... عصفورِنْ جَميلِنْ... أى: بزيادة نون ساكنة فى آخر الكلمة؛ تحدث رنينًا خاصًّا؛ وتنغيمًا عند النطق بها. ولهذا يسمونها: "والتنوين" أى: التصويت والترنيم؛ لأنها سببه. ولكنهم عدلوا عن هذا الأصل، ووضعوا مكان "النون" رمزًا مختصرًا يغنى عنها، ويدل - عند النطق به - على ما كانت تدل عليه؛ وهذا الرّمز هو: الضمة الثانية، والفتحة الثانية، والكسرة الثانية... على حسب الجمل... ويسمونه: "التنوين"، كما كانوا يسمون النون السالفة، واستغنوا بها الرمز المختصر عن "النون"؛ فحذفوها فى الكتابة، ولكنها لا تزال ملحوظة يُنْطَق بها عند وصل بعض الكلام ببعض، دون الوقف.
ومما تقدم نعلم: أن التنوين نون ساكنة، زائدة. تلحق آخر الأسماء لفظًا، لا خطًا ولا وقفًا.
العلامة الثالثة: أن تكون الكلمة مناداة، مثل: يا محمدُ، ساعد الضعيف. يا فاطمة، أكرمى أهلك. فنحن ننادى محمدًا، وفاطمة. وكل كلمة نناديها اسم، ونداؤها علامة اسميتها.
العلامة الرابعة: أن تكون الكلمة مبدوءة (بأل) مثل: العدل أساس الملك.
العلامة الخامسة: أن تكون الكلمة منسوبًا إليها - أى: إلى مدلولها - حصولُ شىء، أو عدم حصوله، أو مطلوبًا منها إحداثه، مثل: علىٌّ سافرَ. محمود لم يسافر. سافرْ يا سعيد. فقد تحدثنا عن "علىّ" بشىء نسبناه إليه. هو: السفر، وتحدثنا عن "محمود" بشىء نسبناه إليه؛ هو عدم السفر، وطلبنا من "سعيد" السفر. فالحكم بالسفر، أو بعدمه، أو بغيرهما، من كل ما تتم به الفائدة الأساسية يسمى: إسنادًا، وكذلك الحكم بطلب شىء من إنسان أو غيره... فالإسناد هو: "إثبات شىء لشىء، أو نفيه عنه، أو طلبه منه".
هذا، واللفظ الذى نسب إلى صاحبه فعل شىء أو عدمه أو طُلب منه ذلك، يسمى: "مسنَدًا إليه"، أى: منسوبًا إليه الفعل، أو الترك، أو طُلب منه الأداء. أما الشىء الذى حصل ووقع، أو لم يحصل ولم يقع، أو طُلب حصوله - فيسمى: "مسندًا"، ولا يكون المسند إليه اسما. والإسناد هو العلامة التى دلت على أن المسند إليه اسم.
زيادة وتفصيل:
(ا) تعددت علامات الاسم، لأن الأسماء متعددة الأنواع؛ فما يصلح علامة لبعض منها، لا يصلح لبعض آخر، كالجر، فإنه لا يصلح علامة لضمائر الرفع، كالتاء - ولا يصلح لبعض الظروف؛ مثل: قَطُّ: وعَوْضُ. وكالتنوين؛ فإنه يصلح لكثير من الأسماء المعربة المنصرفة، ولا يصلح لكثير من المبنيات. وكالنداء فإنه يصلح وحده للأسماء الملازمة للنداء؛ مثل: يا فل (أى: يا فلان)، ويا مكرَمان للكريم الجواد، وغيرهما مما لا يكون إلا منادى. وهكذا اقتضى الأمر تعدد العلامات بتعدد أنواع الأسماء ...
(ب) للاسم علامات أخرى؛ أهمها:
1- أن يكون مضافًا؛ مثل: تطرب نفسى لسماع الغناء. وقراءة كتب الأدب.
2- أن يعود عليه الضمير، مثل: جاء المحسن. ففى "المحسن" ضمير. فما مرجعه؟ لا مرجع له إلا "أل"؛ لأن المعنى: "جاء الذى هو محسن" ولهذا قالوا "أل" هنا: اسم موصول. وكذلك قد فاز المخلص، وأفلح الأمين.
3- أن يكون مجموعًا. مثل: مفاتيح الحضارة بيد علماء، وهبوا أنفسهم للعلم. فكوْن الاسم جمعًا خاصة من خواص الأسماء.
4- أن يكون مصغرًا؛ "لأن التصغير من خواص الأسماء كذلك" مثل: حُسَين أصغر من أخيه الحسن.
5- أن يبدل منه اسم صريح؛ مثل: كيف علىّ؟ أصحيح أم مريض؛ فكلمة: "صحيح" اسم واضح الاسمية، وهو بدل من كلمة: "كيف" فدلّ على أن "كيف" اسم.
6- أن يكون لفظه موافقاً لوزن اسم آخر، لا خلاف فى اسميته؛ كنزَال فإنه موافق فى اللفظ لوزن: "حَذَامِ" اسم امرأة، وهو وزن لا خلاف فىَ أنه مقصور على الأسماء. ولولا هذه العلامة لصعب الحكم على "نَزَالِ" بالاسمية؛ لصعوبة الاهتداء إلى علامة أخرى.
7- أن يكون معناه موافقًا لمعنى لفظ آخر ثابت الاسمية؛ مثل: قَطُّ. عَوْضُ. حيث... فالأولى ظرف يدل على الزمن الماضى، والثانية ظرف يدل على الزمن المستقبل، والثالثة بمعنى المكان - فى الأغلب - وبهذه العلامة أمكن الحكم على الكلمات الثلاثة بالاسمية؛ إذ يصعب وجود علامة أخرى.
(جـ) سبق أن من علامات الاسم الإسناد: وقد وضحناه. وبقى أن نقول: إذا أسندتَ إلى كلمة قاصدًا منها لفظها، وكان لفظها مبنيًا - كما لو رأيت كلمة مكتوبة؛ مثل: "قَطفَ" أو: "مَنْ" "أو: رُبَّ"، وأردت أن تقول عن لفظها المكتوب؛ إنه جميل، وهو لفظ مبنى فى أصله كما ترى - فإنه يجوز أحد أمرين.
أولهما: أن تحكيها بحالة لفظها، وهو الأكثر؛ فيكون إعرابها مقدرًا، منع من ظهور علامته حكاية اللفظ على ما كان عليه أولا؛ من حركة، أو سكون، فلا يدخل على آخر الكلمة تغيير.
ثانيهما: أن تعربها على حسب العوامل إعرابًا ظاهرًا مع التنوين؛ فتقول: قَطَفٌ جميلةٌ - بالرفع والتنوين فى هذا المثال - إلا إن كان فى آخر الكلمة ما يمنع ظهور الحركة؛ كوجود ألف مثلا، كقولك: "علىَ" حرف جر، فإنها تعرب بحركة مقدرة، وتُنَون، مالم يمنع من تنوينها مانع؛ كالإضافة...
وإذا كانت الكلمة ثنائية. وثانيها حرف لين، ضاعفته. فتقول فى "لوْ": لوٌّ. وفى كلمة "فى": فىٌّ. وفى كلمة "ما": "ماء". بقلب الألف الثانية الحادثة من التضعيف همزة، لا متناع اجتماع ألفين.
ويرى بعض النحاة: أن الحرف الثانى الصحيح من الكلمة الثنائية لا يضاعف إلا إذا صارت الكلمة علمًا لشىء آخر غير لفظها، كأن تسمى شيئًا: "بل" أو: "قدْ" أو: "هل" ... أما إذا بقيت على معناها الأصلى وقصد إعرابها فلا يضاعف ثانيها؛ سواء أكان صحيحًا مثل: "قَدْ" أم لَينًا مثل: "لَوْ" ...
(د) الاسم ثلاثة أقسام:
ظاهر، مثل كلمة: "محمد" فى : "محمد عاقل"، ومضمر، أى: غير ظاهر فى الكلام، مع أنه موجود مستتر، مثل الفاعل فى قولنا: أكرمْ صديقك؛ فإن التفاعل مستتر وجوبًا تقديره: "أنت"، ومبهم"، لا يتضح المراد منه ولا يتحدد معناه إلا بشىء آخر، وهو اسم الإشارة؛ مثل: هذا نافع، واسم الموصول؛ مثل: الذى بنى الهرم مهندس بارع.
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب الكلام وما يتألف منه ) ضمن العنوان ( المسألة الثالثة: أقسام التنوين، وأحكامه )
التنوين الذى يعتبره النحاة علامة على أن الكلمة اسم - أنواع؛ أشهرها أربعة؛ هى: التنوين الأمْكَنِيَّة - تنوين التنكير - تنوين التعويض - تنوين المقابلة، ولهم فى كل نوع آراء مختلفة، سنستخلص الرأى السليم منها:
النوع الأول: تنوين الأمكنية:
ولتوضيحه نقول: إن الأسماء أربعة أقسام:
(ا) قسم تتغير حركة آخره باختلاف موقعه من الجُمل، ويدخله التنوين فى آخره؛ مثل: علىٌّ، شجرةٌ، عصفورٌ، ... تقول: جاء علىٌّ، برفع آخره وتنوينه... رأيت عليًّا؛ بنصب آخره وتنوينه. ذهبت إلى علىِّ، بجر آخره وتنوينه... وكذلك باقى الأسماء السابقة وما يشبهها. وهذا القسم من الأسماء يسمى: "المُعْرَب الْمُنصرف".
(ب) قسم تتغير حركة آخره باختلاف موقعه من الجمل، ولكنه لا ينوّن؛ مثل: أحمد، فاطمة، عثمان... تقول: جاء أحمدُ، رأيت أحمدَ، ذهبت إلى أحمدَ... وكذلك باقى الأسماء السالفة، وما أشبهها: فإنها لا تنون، مهما اختلفت العوامل. وهذا القسم يسمى: "المعرب غير المنصرف". وله باب خاص يتضمن أسباب منع الاسم من الصرف...
(حـ) قسم لا تتغير حركة آخره بتغير التراكيب. لكن قد يدخله التنوين أحيانًا لغرض. وإليك الإيضاح.
من الأسماء القديمة: خَالَوَيْه، نِفْطَوَيْه، عَمْرَوَيْه، سِيبَويْهِ. وغيرها من أعلام الأشخاص المبنية على الكسر - غالباً - المختومة بكَلمة: "وَيْه". فإذا أردت أن تتحدث عن واحد من هذه الأعلام، وكان معينا معهودًا بينك وبين من تخاطبه، معروفًا بهذا الاسم، لا تختلط صورته فى الذهن بصورة غيره - فإنك تنطق باسمه من غير تنوين، وأنت بهذا تتكلم عنه كما تتكلم عن الأعلام الأخرى المعربة التى يدل الواحد منها على فرد خاص بعينه؛ مثل: محمد، أو: صالح، أو: محمود، أو: غيرهم ...
أما إذا أتيت بالتنوين فى آخر الكلمة فإن المراد يتغير؛ إذ تصير كمن يتحدث عن شخص غير مُعَين، لا يتميز من غيره المشاركين له فى الاسم، فكأنك تتحدث عن رجل أىّ رجل مسمى بهذا الاسم.
ومن الأمثلة أيضًا ما ليس بعلَم، مثل: صَهْ، إيهِ، غاقِ.
وهذه الكلمات المبنية وأشباهها تكون منونة حينًا، وغير منونة حينًا آخر، كأن تسمع شخصًا يتحدث فى أمر معين لا يرضيك؛ فتقول له: صَهْ، (بسكون الهاء من غير تنوينها). فكأنك تقول له: اسكت عن الكلام فى هذا الأمر الخاص، ولك أن تتكلم فى أمر آخر إن شئت. أما إذا قلت له: صه (بالتنوين) فمرادك: اترك الكلام مطلقًا فى جميع الموضوعات؛ لا فى موضوع معين.
ولو قلت له: "إيهِ" (بالكسر من غير التنوين) لكان المقصود: زدنى من الحديث المُعَين الذى تتكلم فيه الآن. ولا تتركه. أما إذا قلت: "إيهٍ" بالتنوين فإن المراد يكون: زدنى من حديث أىّ حديث؛ سواء أكان ما نحن فيه أم غيره.
كذلك: صاح الغراب غاقِ (بغير تنوين) فالمراد أنه يصيح صياحًا خاصًّا، فيه تنغيم، أو حزن، أو فزع، أو إطالة... أما بالتنوين فمعناه مجرد صياح.
فعدم التنوين فى الكلمات المبنية السابقة - وأشباهها - هو الدليل على أنك تريد شيئًا واحدا معينًا، واضحًا فى ذهنك، معهودًا لك ولمخاطبك؛ سواء أكان ذلك الشىء شخصًا أم غير شخص، والتنوين هو الرمز الدال على أنك تريد شيئًا غير مُعَين بذاته، وإنما هو مختلط بين نظائره المماثلة له، ولا يتجه ذهنك إلى واحد منها دون غيره. ويسمون الكلمة التى من النوع الأول الخالى من التنوين: "معرفة"، لأن مدلولها معروف مُعَين. والكلمة التى من النوع الثانى المنَوّن: "نكرة"؛ لأن معناها مُنَكر - أى: شائع - غير معين وغير محدد. ويسمون التنوين الذى يدخلها: "تنوين التنكير" أى: التنوين الذى يدل فى الكلمة المبنية على الشيوع وعدم التعيين؛ ولا يدخل إلا الأسماء المبنية. فهو: "العلامة التى تدل بوجودها على أن الكلمة المبنية نكرة، وتدل بحذفها على أنها معرفة".
(د) قسم لا تتغير حركة آخره ولا يدخله التنوين؛ مثل: هؤلاءِ حيثُ... كمْ... تقول: جاءَ هؤلاءِ، أبصرتُ هؤلاءِ، انتفعت بهؤلاءِ... (بالكسر فى كل الحالات، بغير تنوين، فهو مبنى، وغير منون).
من التقسيم السابق نعلم أن بعض الأسماء معرب، وبعضها مبنى، وأن كل واحد منهما قد يكون منونًا، وقد يكون غير منون.
والقسم الأول: "ا" وحده هو الذى يجتمع فيه الإعراب والتنوين معًا. والنحاة يقررون أن الأصل فى الأسماء أن تكون مُعْربة ومنونة، وأن الأصل فى الحروف وأكثر الأفعال أن تكون مبنية وغير منونة؛ فكلما ابتعد الاسم عن مشابهة الحرف والفعل فى البناء وعدم التنوين كان أكثر أصالة فى الاسمية، وأشدّ تمكنًا.
وبتطبيق هذا على الأقسام الأربعة السالفة يتبين أن القسم الأول أقواها جميعًا فى الاسمية، وأعلاها فى درجتها؛ لأنه لا يشبههما فى شىء؛ فهو مُعرب؛ أما الحروف وأكثر الأفعال فمبنية. وهو منون؛ والتنوين لا يدخل الأفعال ولا الحروف.
ثم يليه فى القوة والأصالة؛ القسم الثانى: "ب"؛ لأنه معرب، والحروف وأكثر الأفعال مبنية - كما سبق - لكنه يشبه الأفعال والحروف فى عدم التنوين. ثم يليه القسم الثالث: "حـ" وهو أضعف من القسمين السابقين؛ لبنائه الدائم، ولعدم تنوينه أحيانًا. أما الرابع: "د" فهو أضعف الأقسام كلها، لأنه مبنى دائمًا، ولا ينون مطلقًا. فاجتمع فى القسم الأول العاملان الدالان على التباعد وعدم المشابهة، أما القسم الثانى فليس فيه إلا عامل واحد؛ لهذا يسمى القسم الأول: "المتمكن الأمكن"، أى: القوىّ فى الاسمية، الذى هو أقوى أصالة فيها، وأثبتُ مكانة من غيره. ويسمى التنوين الذى يلحقه: تنوين "الأمكنية" أو: "الصرْف" ويقولون فى تعريفه - "إنه التنوين الذى يحلق آخر الأسماء المعربة المنصرفة؛ ليدل على خفتها، وعلى أنها أمكَنُ، وأقوى فى الاسمية من غيرها" كما يسمى القسم الثانى: "المتمكن" فقط. وما عداهما فغير متمكن.
* * *
النوع الثانى: تنوين التنكير:
وهو "الذى يلحق - فى الأغلب - بعض الأسماء المبنية؛ ليكون وجوده دليلا على أنها نكرة، وحذفه دليلا على أنها معرفة" وهو الذى سبق إيضاحه وشرحه فى القسم الثالث: "حـ" من الأسماء.
* * *
النوع الثالث: تنوين التعويض، أو العِوَض:
من الدواعى ما يقتضى حذف حرف من كلمة، أو حذف كلمة كاملة، أو حذف جملة بتمامها أو أكثر؛ فيحل التنوين محل المحذوف، ويكون عوضًا عنه. فمن أمثلة - حذف الحرف ما يأتى:
الفعل الثلاثى بعض المشتقات منه (اسم الفاعل) وَضْع المشتق فى جملة بعد جمعه جمع تكسير الحرف المحذوف
بقِىَ باقيةٌ النقود بواقٍ. سأزيد على بَواقٍ.
هو الحرف الأخير من الجمع، وهذا الحرف الأخير أصله الحرف الثالث الأصلى من الفعل الماضى.
مضىَ مَاضية الليالى مواضٍ بحوادثها. لا أحزن لمواضٍ.
بكى باكيةٌ العيون بواكٍ. أسفتُ لبواكٍ على ما فات.
سقىَ سَاقيةٌ هذه سواقٍ. شرب الزرع من سواقٍ فياضة.
نَمى نَاميةٌ الزروع نوامٍ. سوف أحرص على نوامٍ من الزروع.
رنا (بمعنى: نظر) رانِيةٌ العيون روان للزهر. عجبت من روانٍ للزهر.
فهنا بعض أفعال ثلاثية، أصلية الحروف، أى: لا يحذف منها حرف فى المشتقات المختلفة إلا لداع قوىّ، لكن الحرف الأخير من تلك الأفعال قد حذف فى جمع التكسير، وحل مكانه التنوين؛ عِوضًا عنه، فالتنوين المشاهد فى آخر كل جمع مما سبق إنما هو تعويض عن الحرف المحذوف. وعند الإعراب نقول: الكلمة مرفوعة بالضمة على الياء المحذوفة. ومجرورة بفتحة نيابة عن الكسرة فوق الياء المحذوفة. والتنوين الظاهر فى الحالتين عوض عن الياء المحذوفة.
أما حذف كلمة ومجئ التنوين عوضًا عنها فيكثر بحذف المضاف إليه بعد لفظة: "كل"، أو "بعض" - وما فى حكمهما - ومن أمثلته:
قسمت المال بين المستحقين؛ فأعطيت كُلاًّ نصيبه، أى: كل مستحقٍ.
حضرت الضيوف فصافحت كُلاًّ منهم. أى: كل ضيفٍ.
تعجبنى الصحف اليومية غير بعضٍ. أى: بعضٍ الصحفِ.
اعتدل الجو أيام الشتاء إلا بعضًا. أى: بعض أيامٍ.
وأما حذف جملة، أو أكثر، ومجئ التنوين عوضًا عنها فإنه يكثر بعد كلمة "إذ" المضافة، المسبوقة بكلمة "حين" أو "ساعة" وما أشبههما من ظروف الزمان التى تضاف إلى: "إذْ". ويتضح من الأمثلة الآتية:
جاء الصديق، وكنت (حين إذْ جاء الصديق) غائبًا - جاء الصديق وكنت "حينئذ" غائبًا.
أكرمتنى؛ فأثنيت عليك (حين إذ أكرمتنى) - أكرمتنى فأثنيت عليك "حينئذ".
سابقت، وكان زملاؤك (ساعة إذ سابقتَ) يرجون لك الفوز - سابقت وكان زملاؤك "ساعتئذٍ" يرجون لك الفوز.
مشيتَ فى الحديقة، وقطفتَ الزهر. وكنتُ (ساعة إذ مشيتَ) وقطفتَ قريبًا منك، أو: وكنت "ساعتئذٍ" قريبًا منك.
سافر محمود فى القطار، وجلس يقرأ الصحف، وتكلم مع جاره، وكنتَ معه وقت "إذ سافر"، وجلس يقرأ ويتكلم.
سافر محمود فى القطار، وجلس يقرأ الصحف، وتكلم مع جاره. وكنت معه "وقتئذ"...
ومنه قوله تعالى: {إذا زُلزلت الأرضُ زِلزالها * وأخرجت الأرضُ أثقالها * وقال الإنسان مَالَها * يومئذٍ تُحدّث أخبارَها}.
فقد حذفت - فى الأمثلة السالفة جملة أو أكثر بعد: (إذْ) مباشرة، وجاء التنوين عوضًا عن المحذوف. ولما كانت الذال ساكنة، وكذلك التنوين - حركْنا الذال بالكسر؛ ليمكن النطق والتغلب على اجتماع الساكنين، ووصلنا كلمة: "إذ" فى الكتابة بما قبلها، عملا بقواعد رسم الحروف (الإملاء).
مما سبق نعلم أن تنوين العِوض هو: ما يجئ بدلا من حرف أصلى حذف، أو من كلمة، أو جملة، أو أكثر؛ ليحل محل المحذوف، ويغنى عنه.
ومما يجب التنبه له أن هذا التنوين قسم مستقل، أثره الخاص هو: "التعويض" فلا يدل بنفسه على إعراب ولا بناء، ولهذا يدخل فى آخر الأسماء المتمكنة وغير المتمكنة: أى: يدخل فى آخر الأسماء المعربة والمبنية.
* * *
النوع الرابع: تنوين المقابلة:
إن التنوين حين يلحق آخر الاسم يكون دليلا على أن ذلك الاسم قد تمّ، واستكمل حروفه، كما فى نحو: محمدٌ مسافرٌ، أمينٌ مهذبٌ، حليمٌ عالمٌ.
لكن أين يذهب التنوين حين تجمع تلك الكلمات جمع مذكر سالمًا فنقول: المحمدون مسافرون، الأمينون مهذبون، الحليمون عالمون؟ لمَ لمْ يبق فى الجمع ليدل على ما كان يدل عليه فى المفرد؟
يرى النحاة أنه قد اختفى، وحلت محله النون التى فى آخر الجمع. ولما كانت غير موجودة إلا فى جمع المذكر السالم، دون الجمع المختوم بالأف والتاء الزائدتين. (جمع المؤنث السالم وملحقاته) - وكلاهما جمع سلامة - كان من الإنصاف أن يزاد التنوين فى الثانى، ليكون مقابلا للنون فى جمع المذكر السالم، ويتم التعادل بين الاثنين من هذه الناحية. ويسمونه لذلك، تنوين المقابلة؛ ويقولون فى تعريفه:
إنه اللاحق لجمع المؤنث السالم؛ ليكون فى مقابلة النون فى جمع المذكر السالم.
إلى هنا انتهى الكلام على أنواع التنوين الخاصة بالاسم وحده.
وهناك أنواع أخرى ليست من علاماته؛ لأنها مشتركة بينه وبين الفعل، والحرف؛ فلا داعى لإثباتها هنا. ولا سيما إذا عرفنا أنها تكاد تكون مقصورة على الشعر دون النثر. فموضوعها المناسب لها هو: "علم الشعر" المسمى: "علم العَروض والقوافى".
زيادة وتفصيل:
(ا) التنوين ساكن، إلا إن جاء بعده حرف ساكن أيضًا؛ فيتحرك التنوين بالكسر، وقد يجوز تحريكه بالضم، مثل: "وقف خطيبٌ استمعتُ خطبته (خطيبُنُِ استمعتُ خطبته)، وصاح قائلا افهموا، (قائلنُِ افهموا). فقد وقعت السين ساكنة، بعد التنوين، وكذلك الفاء؛ فتحركت التنوين بالكسر أو بالضم، وكلاهما جائز، والكسر أكثر إلا حين يكون بعد التنوين حرف ساكن بعده حرف مضموم لزومًا؛ مثل: "أقبل عالمٌ اخرُجْ لاستقباله" - فالخاء الساكنة بعد التنوين وليها حرف مضموم حتما؛ فيكون الأحسن تحريك التنوين بالضم، فتقول: "عالمنُ اخرُج"؛ لثقل الانتقال من الكسر إلى الضم فى النطق. ومثله: "هذه ورقةٌ اكتُبْ فيها". فالكاف الساكنة بعد التنوين جاء بعدها التاء المضمومة، فكان من الأوفق تحريك التنوين بالضم؛ ليكون الانتقال من الضم إلى الضم، وهو أخف فى النطق من الانتقال من الكسر إلى الضمّ. تقول: "هذه ورقتنُ اكتُب فيها".
ومن العرب من يجيز حذف التنوين إذا وليه ساكن. وهذا أسهل اللغات كلها؛ فيقول: "وقف خطيبُ اسمعْ خطبته"؛ وصاح "قائلَ افهموا" و "أقبل عالمُ اخرج لاستقباله" وحبذا الاقتصار عليه بشرط التنبه إلى أن الكلمات التى حذف منها ليست ممنوعة من الصرف.
وبهذه المناسبة نقول:
إن هناك مواضع يحذف فيها التنوين وجوبًا، منها:
1- وجود "أل"، فى صدر الكلمة المنونة؛ مثل: جاء رجلٌ، بالتنوين من غير "أل"، وبحذفه وجوبًا معها؛ مثل: جاء الرجل.
2- أن تضاف الكلمة المنونة؛ مثل: جاء رجلُ المروءةِ.
3- أن تكون الكلمة المنونة شبيهة بالمضاف؛ مثل: لا مالَ لمحمود، بشرط أن يكون الجار والمجرور صفة؛ وخبر "لا" النافية للجنس محذوفًا. أى: لا مالَ لمحمود حاضر. فكأنك تقول: لا مالَ محمودٍ حاضر" فتفترض إضافة ملحوظة، مقدرة، لغرض يتصل بالمعنى المراد. وقد تفترض أن اللام زائدة؛ كأنها غير موجودة بين المضاف والمضاف إليه وأن الكلام يحوى إضافة ظاهرة.. ومن المستحسن عدم الالتجاء لهذا، قدر الاستطاعة.
أما إن كان الجار والمجرور هما الخبر فليس هناك تنوين محذوف. وإنما فتحة بناء فى آخر كلمة: "مال" التى هى اسم "لا" النافية للجنس.
4- أن تكون الكلمة ممنوعة من الصرف؛ مثل: اشتهر "سحبانُ" بالفصاحة لم أسمع "سحبانَ"... ولكن قرأت خُطب "سحبانَ"...
5- الوقف على الكلمة المنونة فى حالة الرفع أو الجر. ومعنى الوقف انتهاء الكلام عند النطق بآخرها. مثل: هذا أمرٌ عجيبْ - فكّرت فى أمر عجيبْ... فإن كانت منصوبة. فإن التنوين ينقلب ألفًا فى اللغة المشهورة. مثل: شاهدت أمْرَا، عند الوقوف على كلمة: "أمرًا" المنونة. وشاهدت أمرًا "عجيبَا"؛ عند الوقوف على كلمة: "عجيبًا" المنونة.
6- أن يكون الاسم المنون علمًا، مفردًا، موصوفًا، مباشرة - أى من غير فاصل - بكلمة: "ابن" أو: "ابنة" وكلتاهما مفردة، مضافة إلى علم آخر مفرد، أو غير مفرد. ولا بد أن تكون البنوة حقيقية. ولا يشترط فى واحد من العلمين التذكير. فمجموع الشروط سبع؛ إذا تحققت مجتمعة حذف التنوين نطقًا وكتابة، وحذفت همزة الوصل وألفها من "ابن وابنة" كتابة ونطقًا، بشرط ألا تكون إحداهما أول السطر، ولا خاضعة لضرورة شعرية تقضى بإثباتها؛ فمثال الحذف: هذا محمدُ بن هاشم. وهذه هندُ بنة محمود. وإن اختل شرط من الشروط السبعة لم يحذف التنوين، ولا ألف "ابن وابنة".
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب الكلام وما يتألف منه ) ضمن العنوان ( المسألة الرابعة: الفعل وأقسامه، علامة كل )
(ا) فهم الطالب. سافر الرحالة. رجع الغائب.
كل كلمة من الكلمات: "فَهِمَ" "سَافَر" "رَجَع"، ... تدل بنفسها مباشرة (من غير حاجة إلى كلمة أخرى)... على أمرين.
أولهما: مَعْنى ندركه بالعقل؛ وهو: الفهْم، أو: السفر، أو الرجوع، ويسمى: "الحَدَث"،
وثانيهما: زمن حصل فيه ذلك المعنى (أىْ: ذلك الحدث) وانتهى قبل النطق بتلك الكلمة؛ فهو زمن قد فات، وانقضى قبل الكلام.
(ب) وإذا غيرنا صيغة تلك الكلمات فقلنا: "يَفهم". "يُسافر". "يرجع"... دلت الكلمة فى صيغتها الجديدة على الأمرين أيضًا؛ المعنى (الحدَث) والزمن. ولكن الزمن هُنا لم يكن قد فات وانقضى؛ وإنما هو زمن صالح للحال، والاستقبال.
(حـ) وإذا غيرنا الصيغة مرة أخرى فقلنا: "افهمْ"، سافِرْ"، "ارجعْ"... دلت كل واحدة على الأمرين؛ المعنى (الحدَث) وهو: طلب الفهم، أو: طلب السفر، أو: طلب الرجوع. والزمن الذى يتحقق فيه الطلب. والزمن هنا مقصور على المستقبل وحده؛ لأن الشىء الذى يطلبه إنسان من آخر لا يحصل ولا يقع إلا بعد الطلب وانتهاء الكلام؛ أى: لا يقع إلا فى المستقبل... فكل واحدة من تلك الكلمات وأشباهها تسمى: "فعلا". فالفعل:
كلمة تدل على أمرين معًا؛ هما: معنى (أىْ: حدث) وزمن يقترن به
وأقسامه ثلاثة: ماض، وهو: كلمة تدل على مجموع أمرين؛ معنى، وزمن فات قبل النطق بها. ومن أمثلته قوله تعالى: {تَبَاركَ الذى جَعَل فى السماء بُرُوجًا، وجَعَلَ فيها سِرَاجًا؛ وقَمَرًا مُنِيرًا}.
ومضارع: وهو: "كلمة تدل على أمرين معًا: معنى، وزمن صالح للحال والاستقبال. كقوله تعالى: {قوْلٌ معْروفٌ، ومغْفِرةٌ خيْرٌ من صَدَقَة يتْبَعُها أذًى}، ولا بد أن يكون مبدوءاً بالهمزة، أو النون، أو التاء، أو الياء... وتسمَّى هذه الأحْرف: "أحرف المضارعة". وفتحها واجب، إلا فى المضارع الرباعىّ فتضمّ، وكذا فى: المضارع المبنى للمجهول. أما المضارع: "إخال" فالأفصح كسر همزته لا فتحها.
وأمر، وهو: كلمة تدل بنفسها على أمرين مجتمعين: معنى، وهذا المعنى مطلوب تحقيقه فى زمن مستقبل: كقوله تعالى: {رَبِّ اجْعلْ هذا البَلد آمِنًا}، ولا بد فى فعل الأمر أن يدل بنفسه مباشرة على الطلب من غير زيادة على صيغته؛ فمثل "لِتخْرجْ"، ليس فعل أمر؛ بل هو فعل مضارع، مع أنه يدل على طلب شىء ليحصل فى المستقبل؛ لأن الدلالة على الطلب جاءت من لام الأمر التى فى أوله، لا من صيغة الفعل نفسها.
وقد اجتمعت الأفعال الثلاثة فى قوله تعالى: {وَلاَ تُطِعْ الكافرينَ والمنافقين، ودَعْ أذاهم، وتَوكَّلْ على الله، وكَفَى باللهِ وَكيلاً}، وقول الشاعر:
*أحْسِنْ إلى الناس تَسْتَعْبِدْ قلوبهُمُو * فطالما استَعْبَدَ الإنسانَ إِحْسَانُ*
ولكل قسم من هذه الثلاثة علامات خاصة تميزه عن غيره؛ فعلامة الماضى: أن يقبل فى آخره التاءين؛ "تاء التأنيث الساكنة" مثل: أقبلتْ سعادُ. وصافحتْ أباها، أو: "التاء المتحركة" التى تكون فاعلا؛ مثل: كلمتُكَ كلامًا فرحتَِ به، (وتكون مبنية على الضم للمتكلم، وعلى الفتح للمخاطب المذكر، وعلى الكسر للمخاطبة).
وليس من اللازم أن تكون إحدى التاءين ظاهرة فى آخر الفعل الماضى؛ بل يكفى أن يكون صالحًا لقبولها، وإن لم تظهر فعلا. مثل: أقبل الطائر؛ فنزل فوق الشجرة؛ فكلمة: "أقبل" و "نزلَ" فعل ماض، لأنه - مع خلوه من إحدى التاءين - صالح لقبول واحدة منهما: فتقول: أقبلتُ ... نزلتُ...
فإن دلت الكلمة على ما يدل عليه الفعل الماضى ولكنها لم تقبل علامته فليست بفعل ماضى، وإنما هى: "اسم فعل ماض". مثل: هيهات انتصار الباطل، بمعنى: بَعُد جدًّا... ومثل: شتَّان المنصف والباغى؛ بمعنى: افترقا جدًّا. أو: هى اسم مشتق بمعنى الماضى؛ مثل: أنت مكرمٌ أمسِ ضيفك.
ومما تقدم نعلم أن كلمتى: "نِعْم" (وهى: كلمة للمدح) "وبئس" (وهى: كلمة للذم) فعلان ماضيان؛ لقبولهما تاء التأنيث الساكنة؛ تقول: نعمتْ شهادة الحق، وبئست شهادة الزور، كما نعرف أن "ليس" و "عسى" فعلان ماضيان؛ لقبولهما التاءين.
زيادة وتفصيل:
(ا) تاء التأنيث التى تلحق الفعل للدلالة على أن فاعله مؤنث إن كانت ساكنة لحقت بآخر الماضى، وإن كانت متحركة اتصلت بأول المضارع، مثل: هند تصلى وتشكر ربها. أما تاء التأنيث التى تلحق الأسماء فتكون متحركة؛ مثل: الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة، عظيمة النفع. وقد تتصل التاء بآخر الحروف؛ مثل، (رُبّ، وثمّ، ولا...) تقول: رُبَّتَ كلمة فتحت باب شقاق، ثُمَّتَ جلبت لصاحبها بلاء؛ فيندم ولات حين نَدم.
(ب) هناك أفعال ماضية لا تقبل إحدى التاءين بحسب استعمالاتها الحالية، لا بحسب حالتها التى قبل هذا؛ مثل: "أَفْعَلَ" للتعجب، و"حبذا" للمدح. ومثل: (عدا، وخلا، وحاشا)، من أفعال الاستثناء. والسبب أن تلك الأفعال حين استعمالها فى الموضوعات المذكورة تصير أفعالا جامدة، تلازم حالة واحدة لا تتغير؛ كالأمثال العربية التى تلازم حالة واحدة، لا يطرأ على حروفها تغيير بالزيادة، أو النقص، أو تغيير الضبط؛ لهذا لا يمكن زيادة التاء فى آخرها ما دامت تؤدى هذه المعانى، ولكنها بحسب أصلها السابق على هذا تقبل التاء.
(حـ) يقول النحاة: إن تاء التأنيث الساكنة تظل ساكنة إذا وليها متحرك، مثل: حضرتْ زينب. فإن جاء بعدها ساكن كسرت - غالبًا - مراعاة للأصل فى التخلص من التقاء الساكنين؛ مثل: كتبتِ البنتُ المتعلمة. إلا إذا كان الساكن ألف اثنتين فتفتح. مثل: البنتان قالتا إنا فى الحديقة.
هذا، وقد عرفنا فى ص 42 - حكم التنوين إذا جاء بعده حرف ساكن. وبقى حكم عام؛ هو أن كل حرف ساكن صحيح فى آخر الكلمة فإنه يحرك بالكسر إذا جاء بعده - مباشرة - ساكن آخر؛ نحو: خذ العفو، ولا تظلمِ الناس. إلا فى موضعين، أحداهما: أن تكون الكلمة الأولى هى: "مِنْ" والثانية: "أل" فإن الساكن الأول يحرك بالفتح؛ مثل: أنفق منَ المال الحلال.
والآخر: أن تكون الكلمة الأولى منتهية بميم الجمع؛ فإنه يحرك بالضم؛ مثل: لكمُ الخير.
فإن كان آخر الكلمة الأولى حرف مَدّ، أو واو الجماعة، أو ياء مخاطبة، حذف نطقاً. لا كتابة؛ للتخلص من التقاء الساكنين؛ مثل: نحن عرفنا العلوم النافعة - الطلاب سألوا المولى أن يوفقهم - اسألى المولى الهداية.
ويجوز تلاقى الساكنين فى الوقف، وعند سرد بعض الألفاظ، نحو: كاف - لام - جيم - (راجع هذا بمناسبة أخرى فى جـ 4 عند الكلام على ما تختص به نون التوكيد)، أما فى غيرهما فيجوز بشرطين:
أحدهما: أن يكون الساكن الأول حرف مدّ، يليه حرف مدغم فى نظيره، (أى: حرف مشدد).
والآخر: أن يكونا فى كلمة واحدة. مثل عامة، خاصة، الضّالين، الصّادون عن الخير. وهذا متفق عليه. ويرى آخرون أن مثله ما هو فى حكم الكلمة الواحدة. على الوجه المشروح فى مكانه. المناسب من جـ 4 ص 139 م 143 باب: نون التوكيد.
وللمسألة بقية هامة فى "حـ" من ص 88 و 162 و 255.
(د) عرفنا أن كل فعل لا بد أن يدل - فى الغالب - على شيئين؛ معنى "حدث" وزمن. فالماضى له أربع حالات من ناحية الزمن:
الأولى: (وهى الأصل الغالب) أن يتعين معناه فى زمن فات وانقضى - أى: قبل الكلام - سواء أكان انقضاؤه قريبًا من وقت الكلام أم بعيدًا. وهذا هو الماضى لفظًا ومعنى. ولكن إذا سبقته: "قد" - وهى لا تسبقه إلا فى الكلام المثبت - دلت على أن انقضاء زمنه قريب من الحال؛ فمثل: "خرج الصاحبان" يحتمل الماضى القريب والبعيد، بخلاف: "قد خرج الصاحبان؛ فإن ذلك الاحتمال يمتنع، ويصير زمن الماضى قريبًا من الحال؛ بسبب وجود: قدْ، وإذا وجدت قبله "ما" النافية كان معناه منفيًا، وكان زمنه قريبًا من الحال؛ كأنْ يقول قائل: قد سافر علىّ، فتجيب: ما سافر علىّ؛ فكلمة: "قد" أفادته فى الجملة الأولى المثبتة قربا من الزمن الحالى، وجاءت كلمة: "ما" النافية فنفت المعنى، وأفادته القرب من الزمن الحالىّ أيضًا، ولا سيما مع القرينة الحالية السابقة.
وكذلك يكون زمنه ماضيًا قريبًا من الحال إذا كان فعلا ماضيًا من أفعال "المقاربة"؛ (مثل: "كاد:) فإنه زمنه ماض قريب من الحال؛ بل شديد القرب من الحال، ليساير المعنى المراد - كما سيجىء فى باب أفعال المقاربة-.
الثانية: أن يتعين معناه فى زمن الحال (أى: وقت الكلام). وذلك إذا قصد به الإنشاء؛ فيكون ماضى اللفظ دون المعنى؛ مثل: بعت. واشتريت، ووهبت، وغيرها من ألفاظ العقود التى يُراد بكل لفظ منها إحداث معنى فى الحال، يقارنه فى الوجود الزمنى، ويحصل معه فى وقت واحد. أو كان من الأفعال الدالة على "الشروع". مثل: "طفق وشرع" وغيرهما مما سيجىء الكلام عليه فى باب: "أفعال المقاربة"
الثالثة: أن يتعين معناه فى زمن مستقبل (أى: بعد الكلام)؛ فيكون ماضى اللفظ دون المعنى - كالذى سبق - وذلك إن اقتضى طلبًا؛ نحو: ساعدك الله، ورفعك الله مكانًا عليًّا، وأمثال هذا من عبارات الدعاء.
ومما يفيد الطلب: عزمت عليك إلا سافرت، أو: عزمت عليك لمَّا سافرت؛ بمعنى: أقسمت عليك ترك كل شىء إلا السفر فى المستقبل.
أو تضمن وعدًا؛ مثل: {إنا أعطيناك الكوثر}. فالإعطاء سيكون فى المستقبل، لأن الكوثر فى الجنة، ولم يجئ وقت دخولها.
أو عُطِف على ما عُلم استقباله، مثل قوله تعالى: {يَقْدُم قومِهَ يومَ القيامة فأوْرَدَهم النارَ}، وقوله تعالى: {يومَ يُنفَخُ فى الصور ففزعَ من فى السموات...}
أو تضمن رجاء يقع فى المستقبل، مثل: "عسى وأخواتها" من أفعال الرجاء الآتية فى باب: "أفعال المقاربة"، نحو: "عسىِ الله أن يأتى بالفتح...".
أو يكون قبله نفى بكلمة: "لا" المسبوقة بقسم، مثل: والله لا زُرتُ الخائن، ولا أكرمتُ الأثيم.
أو يكون قبله نفى بكلمة "إنْ" المسبوقة بقسم، مثل قوله تعالى: {إنّ الله يُمسك السمواتِ والأرضَ أنْ تزولا، ولَئِنْ زالتا إنْ أَمْسَكَهُما من أحدٍ من بعده}. "أى: ما يُمسكهما!"...
أو يكون فعل شرط جازم، أو جوابه؛ مثل: إن غاب على غاب محمود، لأن جميع أدوات الشرط الجازمة تجعل زمن الماضى الواقع فعل شرط أو جواب شرط مستقبلا خالصًا... فالفعل الماضى فى كل الحالات السالفة ماضى اللفظ دون المعنى.
الرابعة: أن يصلح معناه لزمن يحتمل المضى والاستقبال، ويتعين لأحدهما بقرينة وذلك إذا وقع بعد همزة التسوية؛ نحو: سواء علىّ أقمت أم قعدت. فهو يحتمل أنك تريد ما وقع فعلا من قيام أو قعود فى زمن فات، أو ما سيقع فى المستقبل.
ولا فرق فى التسوية بين أن توجد معها "أم" التى للمعادَلة، كما مُثل، وألا توجد؛ مثل: سواءٌ علىّ أىُّ وقت جئتنى. فإن كان الفعل بعد "أم" المعادلة مضارعا مقرونًا "بلم" تعين الزمن للمضى بسببها؛ مثل: سواء عليهم أأنذرتهم أم لَم تنذرهم؛ لأن الثانى ماضى معنى؛ فوجب أن يكون الأول ماضى الزمن كذلك؛ لأنه معادل له.
أو وقع بعد أداة تحضيض؛ مثل: هَلاّ ساعدت المحتاج. فإن أردت التوبيخ كان للمضى، وإن أردت الحث على المساعدة كان للمستقبل.
أو بعد: "كُلّما"، نحو قوله تعالى: {كُلَّما جاء أمةً رسولُها كذَّبوه} فهذا للمضى؛ لوجود قرينة تدل على ذلك، وهى الأخبار القاطعة بحصوله. وقوله تعالى عن أهل النار: "كلما نَضِجت جلودُهم بدَّلناهم جلودًا غيرها؛ ليذوقوا العذاب". فهذا للمستقبل؛ لقرينة تَدل على ذلك؛ وهى أن يوم القيامة لم يجئْ.
أو بعد حيث، نحو: ادخل الهرم من حيث دخل بانيه. فهذا للمضى؛ لأن الاستقبال يناقض صحة المعنى؛ إذ لا يعقل أن يدخل بانيه فى المستقبل وقد مات منذ آلاف السنين... بخلاف: حيث سرت راقب الطريق لتأمن الخطر؛ فهو للمستقبل.
أو وقع صلة؛ مثل: الذى أسس القاهرة هو: المعز لدين الله؛ فهذا للمضى، بخلاف: سيفرح الطلاب عقب ظهور النتيجة غدًا بنجاحهم إلا الذى رسب. فهذا للاستقبال لوجود كلمة: "غدا".
أو وقع صفة لنكرة عامة، نحو: رُب عطاء بذلتُه للمحتاج فانشرحت نفسى. فهذا للمضى، - لوجود: رُبّ - بخلاف قوله عليه السلام: "نضّر الله امرَأ سمع مقالتى فوعاها، فأدّاها كما سمعها". فهذا للاستقبال أى: يسمع؛ لأنه ترغيب لمن أدرك الرسول فى أن يحفظ ما يسمعه منه ويؤديه...
"ملاحظة": قد يراد من الزمن فى الفعل: "كان" الدوام والاستمرار الذى يعم الأزمنة الثلاثة، بشرط وجود قرينة تدل على هذا الشمول؛ نحو: كان الله غفورًا رحيما...
هذا تفصيل حالات الزمن فى الفعل الماضى.
* * *
وأما علامات المضارعة فمنها: أن يُنصَب بناصب، أو يجزم بجازم، مثل: لم أُقصِّر فى أداء الواجب... ولن أتأخر عن معاونة البائس.
ومنها: قبوله "السين"، أو: "سوف" فى أوله، مثل: سأزورك، أو: سوف أزورك . . و . .، ومثل قول الشاعر:
*سيكثُر المالُ يومًا بعد قلَّته * ويكتسى العُودُ بعد اليُبْس بالوَرق*
فإن دلت الكلمة على ما يدل عليه الفعل المضارع ولكنها لم تقبل علامته فليست بمضارع؛ وإنما هى: "اسم فعل مضارع"؛ مثل: "آه"، بمعنى: أتوجع شدة التوجع، "وأف" بمعنى: أتضجر كثيرًا. و"وَيْكَ" ماذا تفعل؟ بمعنى أعجبُ لك كثيرًا !! ماذا تفعل؟ أو: هى اسم مشتق بمعنى المضارع؛ مثل الطائرة مسافرة الآن أو غدًا.
زيادة وتفصيل:
(ا) للمضارع من ناحية الزمن أربع حالات؛ لا تتعين حالة منها إلا بشرط ألا تعارضها قرينة تعينها لحالة أخرى.
الأولى: أن يصلح للحال والاستقبال إذا لم توجد قرينة تقيده بأحدهما، وتَقْصره عليه. وحين يصلح للحال والاستقبال يكون اعتباره للحال أرجح؛ لأن الزمن الماضى له صيغة خاصة تدل عليه، وللمستقبل صيغة خاصة أيضًا، (هى: الأمر)، وليس للحال صيغة تخصّه، فجعلت دلالته على الحال أرجح، عند تجرده من القرائن؛ جبرًا لما فاته من الاختصاص بصيغة مقصورة عليه (كما يقولون). هذا إلى أن اللفظ إن كان صالحًا للزمن الأقرب والزمن الأبعد؛ فالأقرب أوْلى، والحال أقرب من المستقبل؛ فهو أحقّ بالاتجاه إليه.
فإن كان المضارع من أفعال المقاربة، مثل: "يكاد" فإنه يكون للزمن المستقبل، مع شدة قربه من الحال.
الثانية: أن يتعين زمنه للحال، وذلك إذا اقترن بكلمة تفيد ذلك؛ مثل: كلمة: الآن، أو: الساعة، أو: حالا، أو: آنفا.
أو: وقع خبرًا لفعل من أفعال الشروع؛ مثل: "طفق"، و "شرع"، وأخواتهما؛ ليساير زمنه معناها.
أو: نُفى بالفعل: "ليس" أو بما يشبهها فى المعنى والعمل؛ مثل الحرف: "إن" أو: "ما"... فكل واحد من هذه العوامل التى تعمل عملها يشبهها أيضًا فى نفى الزمن الحالى عند الإطلاق...
مثل: ليس يقوم محمد -، إنْ يخرجُ حليم -ما يقوم علىّ- أو دخل عليه لام ابتداء، مثل: إنّ الرجل الحقّ ليَحْسُنُ عملُهُ.
أو: وقع مع مرفوعه فى موضع نصب على الحال - فيكون زمنه حالاً بالنسبة لزمن عامله، فى الغالب -، مثل: أقبل الأخ يضْحك. وإذا دخلت "ما المصدرية الظرفية" على المضارع كان زمن المصدر المؤول للحال فى الغالب.
الثالثة: أن يتعين زمنه للاستقبال؛ وذلك إذا اقترن بظرف من ظروف المستقبل؛ مثل "إذا..."، سواء أكان الظرف معمولا للمضارع، أم كان المضارع معمولا للظرف - بأن يكون الظرف مضافًا، والجملة من الفعل المضارع وفاعله هى المضاف إليه فى محل جر -؛ مثل: أزورك إذا تزورنى؛ فالفعلان المضارعان هنا للمستقبل، والأول منهما هو العامل الذى عمل النصب فى الظرف. "إذا" و "إذا" مضاف، وجملة المضارع مع فاعله بعدها فى محل جر مضاف إليه، فيكون المضارع الثانى مع فاعله معمولا للظرف.
وكذلك يتعين للمستقبل إذا كان مسندًا إلى شىء متوقع حصوله فى المستقبل، مثل: يدخل الشهداء الجنة مع السابقين؛ إذ لا يعقل أن يكون زمن المضارع للحال، ومعناه - وهو دخول الجنة - فى المستقبل؛ لما يترتب عليه من سبق الفعل للفاعل فى الوجود والوقوع، وهو محال.
أو: سبقته: "هل"، نحو: هل تقاطعُ مجالس السوء؟
وكذلك إذا اقتضى طلبًا؛ سواء أكان الطلب يفهم منه وحده، أم كان بمساعدة أداء أخرى؛ فالأول كقوله تعالى: {والوالداتُ يُرضِعْن أولادَهن}. فالله يطلب من الوالدات إرضاع أولادهن، وهذا لا يكون إلا فى المستقبل، ومثال الثانى قوله تعالى: {ليُنفِقْ ذُو سَعةٍ من سَعته}، وقوله: {ربنا لا تُؤَاخِذْنا..}، فإن طلب الإنفاق فى: {لينفق} وطلب عدم "المؤاخذة" فى: {لا تؤاخذنا}، مفهوم من المضارع، بمساعدة "اللام" و "لا". وزمن المعنى فى الفعلين هو المستقبل. إذ لا يمكن تحقيق ما تطلبه من غيرك وإنفاذه إلا فى المستقبل.
أو: اقتضى وعدًا أو وعيدًا، كقوله تعالى: {يُعذّب مَنْ يشاءُ، ويَغْفرُ لمن يشاء} - لما سبق -، وقول الشاعر:
*من يُشعِلْ الحرب لا يأمنْ عواقبها * قد تُحرك النار يوماً موقِد النار*
أو: صحب أداة توكيد؛ مثل: "نون التوكيد" الخفيفة أو الثقيلة؛ لأن التوكيد يليق بما لم يحصل، ويناسب ما لم يقع؛ نحو: أتُكْرِمَنْ صديقك؟ وهل تساعدنّ البائس؟
أو: لام القسم عند فريق من النحاة؛ لأنها فى معنى التوكيد؛ مثل: "والله لعَلى عملِك تُحَاسَبُ". ومثلها: "لا" النافية غير العاملة عمل: "ليس" عند ذلك الفريق؛ مثل: لا أترك الصديق فى مواقف الشدة.
ويفهم من كل ما سبق أن الجوازم جميعها - ما عدا "لم، ولما" - تخلصه للاستقبال
أو: أداة رجاء؛ مثل: لعل الغائب يحضُر. أو: أداة شرط وجزاء، سواء أكانت جازمة؛ نحو قوله تعالى: {إنْ تنْصُروا الله ينصرْكمُ}.... أم غير جازمة، ومنها "لو" و "كيف" الشَّرْطيتان، مثل: ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم لأسرع فى إهلاكهم. ومثل: كيف تصنعُ أصنعُ.
أو: "حرف نصب" سواء أكان ظاهرًا أم مقدرًا. وقد اجتمعا فى قوله تعالى: {لن تنالوا البرّ حتى تُنفقوا مما تُحبون}.
أو: "حرف تنفيس"، وهو: "السين" و "سوف"، وكلاهما لا يدخل إلا على المضارع المثبت، ويفيده التنفيس؛ أى: تخليص المضارع المثبت من الزمن الضيق، وهو: "زمن الحال"؛ - لأنه محدود -، إلى الزمن الواسع غير المحدود، وهو: "الاستقبال"، وهما فى هذا سواء، وَرَدَا معًا فى معنى واحد، كقوله تعالى: {كَلاّ سيعلمون ثم كلاّ سيعلمون}، وقول الشاعر:
*وإنَّا سوف نَقهَرُ من يُعادِى * بحدّ البِيض تَلتَهب التهابا*
وقول الآخر:
*وما حالةٌ إلا سيصرَف حالُها * إلى حالة أخرى، وسوفَ تزولُ*
إلا أن "سوف" تستعمل أحيانًا أكثر من "السين" حين يكون الزمن المستقبل أوسع امتدادًا؛ فتكون دالة على: "التَّسْويف" ثم هى تختص بقبول اللام: كقوله تعالى: {ولسوف يُعطيك ربك فترضى}، كما تختص بجواز الفصل بينها وبين المضارع الذى تدخل عليه بفعل آخر من أفعال الإلغاء؛ نحو:
وما أدرى، وسوف - إخالُ - أدرِى * أقومٌ آلُ حِصْن أمْ نساءُ*
والأمران ممتنعان فى "السين" لدى جمهرة النحاة ...
كما أن "السين" تختص بمعنى لا تؤديه "سوف"، فالعرب إذا أرادت تكرار الفعل وتأكيد وعدم التنفيس فيه (أى: عدم جعله للمستقبل البعيد) أدخلت عليه السين، ومنه قول الشاعر:
*سأشكرُ عمْرًا ما تراختْ مَنيتى * أيادَى لم تُمْنَنْ وإنْ هىَ جَلَّت*
الرابعة: أن ينصرف زمنه للمضى؛ وذلك إذا سبقته "لم"، أو: "لما". الجازمتين. مثل: قوله تعالى عن نفسه: {لم يلدْ، ولم يُولدْ، ولم يكنْ له كُفُوًا أحَدٌ)، وقول الشاعر:
*لَم يَمُتْ مَنْ له أثَرْ * وحياةٌ من السِيَرْ*
فزمن المضارع هنا ماضٍ. ومثل: لما يحضْر ضيفنا. أما فى مثل:
*إذا أنتَ لم تَحْمِ القديمَ بحادثٍ * من المجْدِ لم ينْفَعْكَ ما كانَ من قَبْلُ*
فزمن المضارعَيْن هنا ماض، بسبب وقوعهما بعد "لَمْ" قبل مجئ "إذا" الشرطيَّة، ثم صار مستقبلا محضا بعد مجيئها - طبقًا لما سَلف.
أو: "إذا"؛ نحو: أطربنى كلامك؛ إذ تقول للغنىّ: تصَدقْ، بمعنى: قُلتَ.
أو: "ربما"، نحو: فاتنى القطار فتألمت؛ فأدركنى صديق بسيارته، فوصلنا قبل القطار؛ فالحمد لله؛ رُبما أكره الأمر وفيه خيرى ونفعى، أى: ربما كرهت.
أو: "قد" التى تفيد التقليل بقرينَة؛ كأن تقول لمن حملك على السفر كرْهًا: قد أسافر مُكرهًا؛ فماذا عليك لو تركتنى بعيدًا عن المشقة التى صادفتها؟ بخلاف "قد" التى للتكثير.
أو: وقع المضارع مع مرفوعه خبرًا فى باب "كان" وأخواتها الناسخة، إذا وقع الناسخ فى هذا الباب بصيغة الماضى، ولم توجد قرينة تصرف زمنه عن المضى إلى زمن آخر؛ مثل: كان سائق السيارة يترفق بركابها حتى وصلوا... أى: ترَفقَ. ولا يدخل فى هذا ما عرفناه من النواسخ التى تدل على "الحال" فقط؛ كأفعال الشروع - مثل: طفق، وشرع - أو التى تدل على "الاستقبال" فقط؛ كأفعال الرجاء. وسيجئ البيان فى الباب الخاص بهما وهو: باب "أفعال المقاربة".
* * *
ملاحظة: إذا عطف فعل مضارع على نظيره فإن الفعل المعطوف يتبع حكم الفعل المعطوف عليه فى أمور، يتصل منها بموضوعنا: "الزمن" فيكون المعطوف مثله؛ إما للحال فقط، أو للمستقبل فقط، أو للماضى فقط، أو صالحًا للحال والاستقبال... فكل ذلك يجرى فى المضارع المعطوف؟ تبعًا لنظيره المعطوف عليه حتما؛ لوجوب اتحاد الفعلين المتعاطفين فى الزمان. فإذا قلت: أسمعُ الآن كلامك؛ وأبصرُك، كان زمن الفعل "أبْصر" للحال، كزمن المعطوف عليه؛ وهو أسمع؛ لوجود كلمة: "الآن"، التى تَقْصِره على الحال.
وإذا قلت: إن يعتدل الجو أطرَبْ، وأخرجْ للرياضة - فإن الفعل: "أخرج" للمستقبل فقط؛ لعطفه على: "أطرَبْ" المقصور على المستقبل، لأنه جواب شرط جازم؛ وزمن الجواب مستقبل، كما عرفنا.
وإذا قلت؛ لم تتأخر عن ميعادك، وتؤلمْ صاحبك.. فإن الفعل: "تؤلم" هو للماضى فقط، تبعًا للمعطوف عليه: "تتأخر"، الذى جعلته "لم" للزمن الماضى وحده.
وإذا قلت: يكتب حامد ويتحرك، فالفعل المضارع "يتحرك" صالح للحال والاستقبال، تبعًا للفعل: يكتب.
على أن ما سبق ليس مقصورًا على عطف المضارع على نظيره، وإنما يشمل عطف المضارع على الماضى؛ كقوله تعالى: {ألم تر أن اللهَ أنزلَ من السماء ماء فتصبح الأرضُ مخْضرة} أى: فأصبحت. وقد يكون المعطوف عليه تابعًا فى زمنه للمعطوف، بسبب قرينة تدعو لذلك؛ كقول الشاعر:
*ولقد أمَرُّ على اللئيم يَسبُّنى * فمضَيت، ثُمَّتَ قلت: لا يَعنينى*
أى: مررت.
* * *
وأما علامة الأمر فهى: أن يدل بصيغته على طلب شىء، مع قبوله ياء المخاطبة. فلا بد من الأمرين معًا؛ أى: أن علامته مزدوِجة؛ مثل: ساعدْ من يحتاج للمساعدة، وتكلمْ بالحق، واحرصْ على إنجاز عملك. وتقول: ساعدى.. وتكلمى... واحرصى... ومن الأمثلة قوله تعالى للرسول الكريم: {خُذِ العفْو، وأمُرْ بالعُرْف، وأعْرِضْ عن الجاهلين} - وتقول: خُذى... -وأمْرى... -وأعْرِضِى...
ومن فعل الأمر كلمة: "هاتِ" و : "تعالَ" لقبولهما علامته. تقول: هاتى يا شاعرة ما نَظمتِ، وتعالىْ نقرؤه.
فإن دلت الكلمة على ما يدل عليه فعل الأمر ولكنها لم تقبل علامته فليست بفعل أمر؛ وإنما هى: "اسم فعل أمر"؛ مثل: "صَهْ"، بمعنى: اسكت. و"مَهْ" بمعنى: اترك ما أنت فيه الآن، و "نَزَالِ" بمعنى: انزلْ. و "حيَّهَلْ" بمعنى: أقبلْ علينا.
وهناك علامتان مشتركتان بين المضارع والأمر.
الأولى: نون التوكيد خفيفة وثقيلة، فى نحو؛ والله لأجْتهدَنْ. واجتهدنَ يا صديقى... بتشديد النون أو تخفيفها فى كل فعل.
الثانية: ياء المخاطبة، مثل: أنت يا زميلتى تُحْسنين أداء الواجب، ومؤاساة المحتاجين؛ فداومى على ذلك. فقد اتصلت ياء المخاطبة بآخر المضارع؛ وهو: "تحسنين" وآخر الأمر؛ وهو: دوامى...
زيادة وتفصيل:
زمن الأمر مستقبل فى أكثر حالاته؛ لأنه مطلوب به حصول ما لم يحصل، أو دوام ما هو حاصل. فمثال الأول: سافرْ زمن الصيف إلى الشواطئ. ومثال الثانى قوله تعالى: {يا أيها النبى اتقِ الله...} لأن النبى لا يترك التقوى مطلقًا. فإذا أمِر بها كان المراد الاستمرار عليها.
وقد يكون الزمن فى الأمر للماضى إذا أريد من الأمر الخبر، كأن يصف جندى بعد الحرب موقعة شارك فيها، ؛ فيقول: صرعت كثيرًا من الأعداء. فتجيبه: "اُقتُلِ ولا لوم عليك... وافْتِك بهم؛ فإن الله معك"... فالأمر هنا بمعنى: قتلتَ وفتكتَ... والمعوّل عليه فى ذلك هو: القرائن، فلها الاعتبار الأول دائمًا فى هذه المسألة، وغيرها.
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب الكلام وما يتألف منه ) ضمن العنوان ( المسألة الخامسة: الحرف، معناه )
مِنْ، فى، علَى، لمْ، إنْ، إنّ، حتى...
لا تدل كلمة من الكلمات السابقة على معنى، أىّ معنى، ما دامت منفردة بنفسها. لكن إذا وضعت فى كلام ظهر لها معنى لم يكن من قبل، مثال ذلك: (سافرت "من" القاهرة)... فهذه جملة؛ المراد منها: الإخبار بوقوع سفرى، وأنه يبتدئ من القاهرة. فكأنى أقول: سافرت، وكانت نقطة البدء فى السفر هى: "القاهرة"، فكلمة: "منْ" أفادت الآن معنى جديدًا ظهر على ما بعدها وهذا المعنى هو: "الابتداء"، لم يُفهم ولم يُحددْ إلا بوضعها فى جملة؛ فلهذه الجملة الفضل فى إظهار معنى: "مِنْ".
ولو قلت: سافرت من القاهرة "إلى" العراق - لصار معنى هذه الجملة: الإخبار بسفرى الذى ابتداؤه القاهرة، ونهايته العراق. فكلمة: "إلى" أفادت معنى ظهر هنا على ما بعدها؛ وهذا المعنى هو "الانتهاء". ولم يظهر وهى منفردة، وإنما ظهر بعد وضعها فى جملة؛ كانت السبب فى إظهاره.
وكذلك: حضرتُ من البيت إلى النهر؛ فقد أفادت الجملة كلها الإخبار بحضورى، وأن أول هذا الحضور وابتداءَه: "البيت"، وأن نهايته وآخره: "النهر". فأفادت: "إلى" الانتهاء، وصبَّته على ما بعدها. وهذا الانتهاء لم يفهم منها إلا بسبب التركيب الذى وضعت فيه.
ولو قلت: الطلبة فى الغرفة - لكان المعنى؛ أن الطلبة تحويهم الغرفة؛ كما يحوى الإناء بعض الأشياء، وكما يحوى الظرفُ المظروف، أى: كما يحوى الوعاء أو الغلاف ما يوضع فى داخله. فمعنى كلمة: "فى" هو "الظرف"، أو: "الظرفية"، وهذا المعنى لم يفهم من لفظة: "فى" وحدها، وإنما عُرف منها بعد أن احتواها التركيب، فظهر على ما بعدها... وهكذا بقية أحرف الجر، وغيرها من أكثر الأنواع الأخرى المختلفة؛ كحروف النفى، والاستفهام، وسواها...
فالحرف: "كلمة لا تدل على معنى فى نفسها، وإنما تدل على معنى فى غيرها فقط - بعد وضعها فى جملة - دلالة خالية من الزمن".
من كل ما سبق نعلم: أن الاسم وحده - من غير كلمة أخرى معه-، يدل على معنى جزئى فى نفسه، دلالة لا تقترن بزمن. وأن الفعل وحده يدل على معنى جزئى مقترن بزمن. وأن الحرف وحده لا يدل على شىء منهما ما دام منفردًا، فإذا دخل جملة دل على معنى فى غيره، ولم يدل على زمن.
زيادة وتفصيل:
(ا) عندما ينكشف معنى الحرف الأصلى بسبب وضعه فى جملة، ويظهر المراد منه، فإن ذلك المعنى ينصب على ما بعد الحرف، ويتركز فيه؛ سواء أكان ما بعد الحرف الأصلى مفردًا أم جملة، فالابتداء فى: "من"، والانتهاء فى: "إلى"، يتحقق فى الكلمة التى جاءت بعد كل منهما، وكذلك الظرفية، والاستعلاء...
وإذا قلنا: ما جاء أحد... - هل غاب أحد؟ فإن النفى والاستفهام ينصبّان على كل مضمون الجملة التى بعده... وهكذا...
أمّا الحروف الزائدة - ومنها بعض حروف الجر؛ كالباء - فإنها تفيد توكيد المعنى فى الجملة كلها، لأن زيادة الحرف تعتبَرُ بمنزلة إعادة الجملة كلها، وتفيد ما يفيده تكرارها بدونه سواء أكان الحرف الزائد فى أولها، أم فى وسطها، أم فى آخرها؛ مثل: بحسبك الأدب، وأصلها: حسبُك الأدب، أى: يكفيك، أو: كافيك، فالباء داخلة على المبتدأ، كدخولها عليه وهو ضمير فى نحو: كيف بك؟ (وأصلها... كيف أنت؟) وكدخولها عليه بعد "إذا الفجائية" فى نحو: رجع المسافر؛ فإذا بالأصدقاء فى استقباله.
وكدخولها على الفاعل فى مثل: كفى بالله شهيدًا، وأصلها: كفى اللهُ شهيدًا. وعلى الخبر فى مثل: الأدب بحسبك... فالباء مع تقدمها أو توسطها أو تأخرها قد أكدت معنى الجملة كلها.
هذا، والحرف الزائد قد يعمل؛ كباء الجر، أوْ لا يعمل مثل: "ما" الزائدة، فى مثل: إذا ما المجُد نادانا أجَبْنا... وهناك الشبيه بالزائد يعمل، وينحصر فى بعض حروف الجر؛ كُربّ، ولعلّ، الجارتين... و"لولا" على اعتبارها جارّة.
وحرف الجر الزائد والشبيه به لا يتعلقان، إلا أن الزائد "كالباء" يزاد لتوكيد المعنى الموجود. أمَّا "رب" فتفيد معنى التقليل أو التكثير، "ولعل" تفيد الرجاء... فهما - كغيرهما من الشبيه بالزائد - يفيدان معنى جديدًا يطرأ على الجملة؛ لا تقوية المعنى الموجود قبل مجيئهما. وكذا "لولا" فإنها تفيد الامتناع؛ وهو معنى جديد يطرأ على الجملة.
(ب) الحروف نوعان، نوع يسمى "العامل"؛ لأنه يعمل الجر، أو النصب، أو الجزم، كحروف الجر، وحروف النصب، وحروف الجزم، - ونوع آخر يسمى: "المهمَل"؛ لأنه لا يعمل شيئًا مما سبق، مثل بعض أدوات الاستفهام والجواب.، ومنها: هل - نعم - لا ... ومثل: التنوين
وبعض النحاة يسمى حروف الجر: "حروف الإضاءة" لأنها تضيف إلى الأسماء معانى الأفعال وشبهها من كل ما تتعلق به تلك الحروف.
(حـ) الحروف إما آحادية، أو ثنائية، أو ثلاثية؛ كبعض حروف الجرّ (الباء - فى - إلى...)
وإما رباعية؛ مثل: "لعلَّ" ولا تزيد على خمسة؛ مثل: "لكنَّ" فى الرأى الأصح الذى يعتبرها غير مركبة، وأنها مشددة النون، ثابته الألف بعد اللام نطقاً - كما سبق -
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب الإعراب والبناء، والمعرب والمبنى ) ضمن العنوان ( المسألة 6: معنى كل، وسببه )
الإعراب والبناء، والمعرب والمبنى.
معنى المصطلحات السابقة
( أ ) طلع الهلالُ. شاهد الناس الهلالَ. فرح القوم بالهلالِ.
( ب ) يكثر الندَى شتاء. يمتص النباتُ الندى. يرتوى بعضُ النباتِ بالندى.
( جـ ) زاد هؤلاءِ علماً. سمعت هؤلاءِ يتكلمون. أصغيت إلى هؤلاءِ.
نلحظ فى أمثلة القسم الأول (ا) أن كلمة: "الهلال" قد اختلفت العلامة التى فى آخرها؛ فمرة كانت تلك العلامة ضمة، ومرة كانت فتحة، ومرة كانت كسرة، فما سبب هذا الاختلاف؟
سببه وجود داع متغير فى كل جملة، يحتاج إلى كلمة: "الهلال"؛ لتؤدى معنى معينًا فى الجملة. وهذا المعنى يختلف باختلاف الدواعى فى الجُمل، ويُرْمَز إليه فى كل حالة بعلامة خاصة فى آخر الكلمة، ففى الجملة الأولى كانت كلمة: "الهلال" مرفوعة؛ لوجود الداعى الذى يحتاج إليها، وهو الفعل: "طَلَع" فإنه يتطلب فاعلا. والفاعل يرمز له بعلامة فى آخره، هى: الضمة - مثلا - فيكون مرفوعًا.
وفى الجملة الثانية كانت كلمة: "الهلال" منصوبة؛ لوجود داع من نوع آخر؛ هو الفعل: "شاهَدَ"؛ فإنه لا يحتاج إلى فاعل، لوجود فاعله معه - وهو كلمة: الناس - ولكنه يحتاج إلى بيان الشىء الذى وقع عليه فعل الفاعل، وهو ما يسمى فى النحو: "المفعول به"؛ والمفعول به يُرْمزُ إليه بعلامة خاصة فى آخره هى: "الفتحة"، - مثلا - فيكون منصوبًا.
وفى الجملة الثالثة كانت كلمة "الهلال" مجرورة، لوجود داع يخالف السابقَين، وهو: الباء، فإنها تحتاج إلى تلك الكلمة لتكون مجرورة بها، فيزداد الفعل بهما وضوحًا، وعلامة جرها الكسرة هنا.
فنحن نرى أن الدواعى تغيرت فى الجمل الثلاثة السالفة على حسب المعانى المطلوبة، من فاعلية، ومفعولية، وتكملة أخرى للفعل... وتبعها فى كل حالة تَغَيُّرُ العلامة التى فى آخر كلمة: "الهلال". فَتَغَير العلامة على الوجه السالف يسمى: "الإعراب"، والداعى الذى أوجده يسمى: "العامل".
فالإعراب: (هو تَغَيُّر العلامة التى فى آخر اللفظ، بسبب تغير العوامل الداخلة عليه، وما يقتضيه كل عامل).
وفائدته: أنه رمز إلى معْنى معين دون غيره - كالفاعلية، والمفعولية، وغيرهما - ولولاه لاختلطت المعانى، والتبست، ولم يفترق بعضها عن بعض. وهو - مع هذه المزية الكبرى - موجَز غاية الإيجاز، لا يعادله فى إيجازه واختصاره شىء آخر يدلّ دَلالته على المعنى المعين الذى يرمز له. وهذه مزية أخرى.
والمعرَب: هو اللفظ الذى يدخله الإعراب (أى، التَّغَير الذى وصفناه) والعامل هو: ما يؤثر فى اللفظ تأثيرًا ينشأ عنه علامة إعرابية ترمز إلى معنى خاص؛ كالفاعلية، أو المفعولية، أو غيرهما. ولا فرق بين أن تكون تلك العلامة ظاهرة كأمثلة: "ا" أو مقدرة كأمثلة: "ب" فإن الدليل على إعرابها وهى مفردة أن علامة آخرها تتغير عند التثنية والجمع، فتقول: تراكم النَّدَيَان، وامتص النبات النَّدَيَيْن، وارتوى من النديَيْنِ.
أما أمثلة القسم الثالث "حـ" ففيها كلمة: "هؤلاءِ" لم تتغير علامة آخرها بتغير العوامل؛ بل بقيت ثابتة فى الجمل كلها. فهذا الثبات وعدم التغير يسمى: بناء؛ وهو: "لزوم آخر اللفظ علامة واحدة فى كل أحواله، مهما تغيرت العوامل".
والمبنى هو: اللفظ الذى دخله البناء.
هذا، وقد عرفنا أن المعرب المنصرف (أى: المُنَون)، يسمى: "متمكنًا أمْكن"، وأن غير المنصرف يسمى: "متمكنًا" فقط، وأن المبنى يسمى: "غير متمكن". ولا تصف الكلمة بإعراب أو بناء إلا بعد إدخالها فى جملة.
المعرب والمبنى من الأسماء، والأفعال، والحروف.
(أىْ: من أقسام الكلمة الثلاثة)
أولا: الحروف كلها مبنية؛ لأن الحرف وحده لا يؤدى معنى فى نفسه، وإنما يدل على معنى فى غيره، بعد وضعه فى جملة - كما سبق -. وإذًا لا ينسب إليه أنه فعل فعلا، أو وقع عليه فعل؛ فلا يكون بنفسه فاعلا، ولا مفعول به، ولا متممًا وحده للمعنى (أى: لا يكون مسندًا إليه ولا مسندًا، ولا شيئًا يتصل بذلك). لعدم الفائدة من الإسناد فى كل حالة،
ونتيجة ما سبق أنه لا يدخله الإعراب؛ لعدم حاجته إليه؛ لأن الحاجة إلى الإعراب توجد حيث توجد المعانى التركيبية الأساسية، والحرف وحده لا يؤدى معنى قط. ولكنه إذا وضع فى تركيب فإنه يؤدى فى غيره بعض المعانى الجزئية (الفردية) بالطريقة المفصَّلة التى أشرنا إليها عند الكلام عليه؛ كالابتداء، والتبعيض، وغيرهما مما تؤديه كلمة: "من". أو الظرفية، والسببية، وغيرهما مما تؤديه كلمة: "فى" - فهذه المعانى الجزئية تَعْتَور الحرف، وتتعاقب عليه، ولكن لا يكون التمييز بينها بالإعراب، وإنما يكون بالقرائن المعنوية التى تتضمنها الجملة.
* * *
ثانيًا: الأسماء يناسبها الإعراب وهو أصل فيها، لأن الاسم يدل بذاته على معنى مستقل به - كما سبق - فهو يدل على مسمى؛ (أى: على شىء محسوس أو معقول، سميناه بذلك الاسم) وهذا المسمى قد يُسنَد إليه فعل، فيكون فاعلا له، وقد يقع عليه فعل، فيكون - مفعولا به. وقد يتحمل معنى آخر غير الفاعلية والمفعولية، ويدل عليه بنفسه... وكل واحد من تلك المعانى يقتضى علامة خاصة به فى آخر الكلمة، ورمزًا معينًا يدل عليه وحده، ويميزه من المعانى الأخرى؛ فلا بد أن تتغير العلامة فى آخر الاسم؛ تبعًا لتغير المعانى والأسباب، وأن يستحق ما نسميه: "الإعراب" للدلالة على تلك المعانى المتباينة، التى تتوالى عليه بتوالى العوامل المختلفة - كما شرحنا من قبل -.
وقليل من الأسماء مبنىّ. وأشهر المبنى منها عشرة أنواع (لكل نوع أحكامه التفصيلية فى بابه) وهى:
(1) الضمائر، سواء أكان الضمير موضوعًا على حرف هجائى واحد، أم على حرفين، أم على أكثر، مثل: انتصرتَ؛ ففرحنا، ونحن بك معجبَون.
(2، 3) أسماء الشرط، وأسماء الاستفهام؛ بشرط ألا يكون أحدهما مضافًا لمفرد؛ مثل: أين توجدْ أكرمْك. أين أراك؟ بخلاف: أىُّ خيرٍ تعملْه ينفعْك. أىُّ يومٍ تسافر فيه؟ لإضافة "أىّ" الشرطية والاستفهامية فى المثالين لمفرد، فهما معه معربتان.
(4) أسماء الإشارة التى ليست مثناة؛ نحو: هذا كريم، وتلك محسنة. بخلاف: "هذان كريمان، وهاتان محسنتان". فهما معربان عند التثنية؛ على الصحيح.
(5) أسماء الموصول غير المثناة، والأسماء الأخرى التى تحتاج بعدها - وجوبًا - إلى جملة أو شبهها؛ تكمل معناها، ولا تستغنى عنها بحال. فمثال الموصول: جاء الذى يقول الحق. وسافر الذى عندك، أو الذى فى ضيافتك.
ومن الأسماء الأخرى التى ليست موصولة ولكنها تحتاج - وجوبًا - بعدها إلى جملة: "إذا" الشرطية الظرفية؛ نحو: إذا تعلمتَ ارتفع شأنك، فلو قلت: جاء الذى... فقط، أو: إذا... فقط، لم يتم المعنى، ولم تحصل الفائدة. بخلاف جاء اللذان غابا، وحضرت اللتان سافرتا. فالموصول معرب - على الصحيح - لأنه مثنى.
(6) الأسماء التى تسمى: "أسماء الأفعال" وهى: التى تنوب عن الفعل فى معناه وفى عمله وزمنه، ولا تدخل عليها عوامل تؤثر فيها. مثل: هيهات القمر: بمعنى بَعُدَ جدًّا، وأفٍّ من المهمل، بمعنى أتَضَجَّرُ جدا، وآمين يا رب، بمعنى: استجبْ. فقد دلت كل كلمة من الثلاث على معنى الفعل، ولا يمكن أن يدخل عليها عامل قبلها يؤثر فيها بالرفع، أو النصب، أو الجر... بخلاف: سيرًا تحت راية الوطن، سماعًا نصيحة الوالد، إكرامًا للضيف. فإن هذه الكلمات [سيرًا، وسماعًا، وإكرامًا، وأشباهها] تؤدى معنى فعلها تمامًا، ولكن العوامل قد تدخل عليها فتؤثر فيها؛ فتقول: سرنى سيرُك تحت راية الوطن، مدحت سيرَك تحت راية الوطن. طربت لسيرِك ... وكذا الباقى؛ ولذلك كانت معربة.
(7) الأسماء المركبة؛ ومنها بعض الأعداد؛ مثل: أحَدَ عَشَرَ... إلى تسعة عَشَرَ؛ فإنها مبنية دائمًا على فتح الجزأين. ما عدا اثنىْ عَشَرَ، واثنتىْ عشْرة؛ فإنهما يعربان إعراب المثنى.
(8) اسم "لا" النافية للجنس - أحيانًا - فى نحو: لا نافعَ مكروه.
(9) المنادى؛ إذا كان: مفردًا، عَلَمًا، أو نكرة مقصودة، مثل: يا حامدُ، ساعد زميلك، ويا زميلُ اشكر صديقك.
(10) بعض متفرقات أخرى؛ مثل: "كم"، وبعض الظروف؛ مثل: "حيثُ" والعَلَم المختوم بكلمة: "وَيْهِ"، وما كان على وزن "فَعَالِ" - فى رأى قَوِىّ - مثل: حَذَامِ، وقَطَام... (وكلاهما اسم امرأة). وكذلك أسماء الأصوات المحكية مثل: "قاقِ"، و "غاقِ"، فى نحو: صاحت الدجاجة قاقِ، ونعَب الغراب غاقِ...
ملاحظة: يجب الإعراب والتنوين فى كل اسم أصله مفرد مبنىّ، ثم سُمى به، كما لو سمينا رجلا بكلمة: "أمسِ" المبنية على الكسر فى لغة الحجازيين - أو بكلمة "غاقِ" التى هى فى أصلها اسم لصوت الغراب...
* * *
ثالثًا: الأفعال. منها المبنى دائمًا، وهو: الماضى والأمر. ومنها المبنى حينًا والمعرب أحيانًا وهو: المضارع.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق