السبت، 10 أبريل 2010

موسوعة اليهود واليهوديه :انتفاضــة شـــميلنكي

انتفاضــة شـــميلنكي
Chmielnicki Uprising
«انتفاضة شميلنكي» انتفاضة شعبية في أوكرانيا ضد الاستعمار الاستيطاني البولندي وقوات الاحتلال التي كانت تحميه وكل المؤسسات التي تتبعه (الكنيسة الكاثوليكية والوكلاء اليهود). والانتفاضة من أهم الحوادث التاريخية التي أثرِّت في الجماعات اليهودية في شرق أوربا، ولا تقل في أهميتها عن وعد بلفور أو الإبادة النازية لليهود. وانتفاضة شميلنكي، شأنها شأن وعد بلفور أو الإبادة النازية، لا يمكن فهمها إلا بالعودة إلى تاريخ العلاقة بين بولندا وأوكرانيا، وهو أمر لا علاقة له بما يُسمَّى «التاريخ اليهودي».

وقائد الانتفاضة هو بوجدان شميلنكي (1593 ـ 1657) «أتمان» (أي قائد) القوزاق أو زعيمهم (الذي أصبح فيما بعد، قائداً لأوكرانيا بعد حصولها على الاستقلال، وداعية لتوحيدها مع روسيا). درس في مدارس اليسوعيين، وتعلم فنون الحرب أثناء غارات القوزاق على الدولة العثمانية، وعمل في الحرس الملكي الخاص بملك بولندا، ثم اشترك في الحرب ضد العثمانيين وأُسر عام 1620 وعاش عدة سنوات في تركيا. وكان شميلنكي نفسه ثرياً، فاستقر في ضيعته (في شيجيرين) تحت حماية أحد النبلاء البولنديين (شلاختا). وحينما اختلف معه، هوجمت ضيعته بمساعدة الأرنداتور (الوكيل) اليهودي فقُتل ابنه وأُلقى القبض على زوجته.

وتعود أسباب الانتفاضة إلى عدة أسباب من بينها تَزايُد الاستغلال الإقطاعي الواقع على الفلاحين الذين كانوا في واقع الأمر أقناناً تقترب حالتهم من العبودية الكاملة، وخصوصاً أن النبلاء البولنديين لم تكن تربطهم علاقة إقطاعية حقيقية بهذه الأرض، فالإقطاع البولندي في أوكرانيا كان إقطاعاً استيطانياً (وقد ضُمَّت أوكرانيا إلى بولندا في منتصف القرن السادس عشر)، وانصرف جل هم النبلاء البولنديين إلى تعميرها حتى تدر عائداً عليهم ويستولوا على ريعها. وكان اليهودي يقرض النبيل البولندي بضمان ضيعته وريعـها، ثم يتولى هـو عملية إدارتها فيـما يعـرف باسم «نظام الأرندا»، الأمر الذي جعل كثيراً من اليهود يتحولون إلى ممثلين للنبلاء الإقطاعيين الغائبين في وارسو، فيقومون بتحصيل الضرائب الباهظة من الفلاحين ومنها ضريبة يدفعها الفلاحون الأرثوذكس لفتح باب الكنيسة لأداء الصلاة أو غيرها من العبادات. كما كانوا يقومون ببيع السلع التي كان يحتكرها النبلاء، مثل الملح والخمور، بأسعار مرتفعة جداً. وقد كان اليهود منتشرين بين الفلاحين القوزاق والأوكرانيين في مدن صغيرة (شتتلات)، لا يحملون السلاح بل تقف إلى جوارهم فرق بولندية مسلحة لحمايتهم.

ومن الأسباب الأخرى التي أدَّت إلى توتر الأوضاع وترديها فترة جفاف دامت عشرة أعوام، ازداد فيها الفلاحون فقراً وسخطاً. كما أن محاولات الكنيسة الكاثوليكية الدائبة، لفرض نفوذها على شرق أوربا، زادت سخط الجماهير الأرثوذكسية. وقد بدأت تظهر عناصر تشد من أزر العناصر الشعبية الرافضة في أوكرانيا من بينها ظهور القوة الروسية الأرثوذكسية في هذه الآونة، والحرب المستمرة بين ملك بولندا والنبلاء والتي أضعفت الطرفين، كما كانت جيوش السويد تُهدِّد بولندا من الشمال. وتذكر الموسوعة اليهودية العالمية أن غرور اليهود وصلفهم كان عنصراً مساعداً على زيادة السخط والتوتر، وإن كان من الأفضل الحديث عن طبيعة وضع اليهود كجماعة وظيفية وسيطة بين مطرقة النبلاء وسندان الأقنان، ذلك أن صلف أداة الاستغلال وحده ليس كافياً لإضرام نيران ثورة شعبية مستمرة.

ومما زاد من حدة الصراع وأوضح معالمه، ذلك التعارض الاجتماعي والديني والعرْقي الكامل بين وضع الجماهير القوزاقية والأوكرانية من جهة، ووضع النبلاء البولنديين ووكلائهم من جهة أخرى. فهذه الجماهير كانت أساساً جماهير فلاحية تتحدث الأوكرانية وتنتمي إلى الكنيسة الأرثوذكسية. والمستغل الحقيقي كان النبيل الإقطاعي البولندي الذي يتحدث البولندية ويتبع الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، ولم يكن الوكيل اليهودي سوى أداته في الاستغلال وسوط عذابه. ولكنه مع هذا كان المستغل المباشر المنعزل تماماً عن الجماهير، فهو يتحدث اليديشية ويدين باليهودية. وكانت العناصر التي جرفتها الانتفاضة، هي القوة العسكرية البولندية والقساوسة الكاثوليك والوكلاء اليهود من ناحية، ومن ناحية أخرى الأقنان القوزاق والأوكرانيون والتتر وكل العناصر الأخرى التي انضمت لهم.

وقد نجحت انتفاضة شميلنكي بسرعة خاطفة فوافقت بولندا عاـم 1649 على أن تتمـتع عدة مقـاطعات من أوكرانيا بالحــكم الذاتي. ومع هذا فقد استمر الصراع العسكري بين بولندا والدولة الجديدة واستعان شميلنكي بالروس، فتقدمت القوات الروسية والقوزاقية، وتم ضم أوكرانيا وسمولنسك إلى روسيا عام 1667

وقد كانت انتفاضة شميلنكي في جوهرها شكلاً من أشكال الثورة الشعبية لا تختلف عن مثيلاتها من ثورات الفلاحين ضد الإقطاعيين ووكلائهم. وهي عادةً ثورات تأخذ في البداية شكل غضب شعبي عارم ورغبة شديدة في الانتقام، هو في جوهره رد فعل لا عقل له لعملية القمع القاسية اللاعقلانية التي كانت تُمارَس ضد الفلاحين. وعادةً ما ينضم الفلاحون إلى جيوش الثورة الشعبية التي لا تلتزم بقوانين الحرب المختلفة (الخاصة بالأسرى وغيرها) لجهلهم بها، بل إن الثورة الشعبية بأسرها في مراحلها الأولية تفتقر إلى البرنامج السياسي والرؤية. ولم تكن انتفاضة شميلنكي استثناءً من هذه القاعدة إذ اندلعت الثورة وعبَّر الفلاحون عن غضبهم بذبح كل من وجدوه في طريقهم ممثلاً لمؤسسة القمع: نبلاء بولنديين وقساوسة كاثوليك ووكلاء يهود. ولعل عملية الانتقام كانت أكثر سهولة ويسراً في حالة انتفاضة شميلنكي لأن العنصر المستغل (البولندي الكاثوليكي واليهودي اليديشي).كان عنصراً استيطانياً غريباً من السهل التعرف عليه يعيش في الشتتلات. ومما يجدر ذكره أن انتفاضة شميلنكي لم تكن انتفاضة عنصرية موجهة ضد اليهود باعتبارهم يهوداً وإنما باعتبارهم ممثلين للإقطاع البولندي الاستيطاني. أي أنهم لم تكن لهم أية أهمية في حد ذاتهم، فقد كانوا مجرد أداة في يد أحد أطراف الصراع. ولذا فحينما كانت القوات البولندية تنتصر على المنتفضين كان هذا يعني عادةً عودة أعضاء الجماعات اليهودية إلى الشتتلات وكان يُنَص على هذا في الاتفاقيات المبرمة. وحينما كانت كفة المنتفضين ترجح كان أحد مطالبهم أن تُخلَى المدن الأوكرانية من القوات البولندية والوكلاء اليهود. وحينما كتب شميلنكي رسالة إلى كرومويل، على أمل عقد تحالف بين القوتين الأرثوذكسية والبروتستانتية، فإنه لم يذكر اليهود بخير أو شر.

وحسبما جاء في المصادر اليهودية المعاصرة، فقد أُبيد نحو ثلث يهود أوكرانيا. ولكن المؤرخين يميلون الآن إلى القول بأن هذه الأرقام مُبالَغ فيها، كما يميلون إلى أن أعداداً كبيرة من اليهود فرَّت ثم عادت بعد أن هدأت الأحوال قليلاً. وربما يفسر هذا استمرار تزايد أعداد اليهود بعد الانتفاضة. ولكن أعضاء الجماعة اليهودية (أكبر جماعة يهودية في أوربا) الذين عادوا كانوا يشكلون جماعة مذعورة لا تحس بالطمأنينة الزائفة التي كانت تشعر بها قبل اندلاع الثورة، إذ تم تقويض روحها المعنوية، وفقدت الثقة في نفسها وفي وضعها، الأمر الذي جعل منها تربة خصبة للحركات الشبتانية والمشيحانية (ابتداءً من شبتاي تسفي وانتهاءً بالحسيدية) وجعلهما مادة خاماً مهيأة لأن تُنقَل إلى أي مكان حتى يمكنها الاستمرار في الاضطلاع بدورها كجماعة وسيطة (وهو الحل الذي طرحته الصهيونية ثم نفذته).

وإذا نظرنا إلى انتفاضة شميلنكي من منظور التاريخ الإنساني العام فلابد أن تُصنَّف باعتبارها ثورة شعبية ضد شكل من أشكال الظلم لم تشهد له الإنسانية مثيلاً، فقائدها بطل شعبي نجح في تحرير شعبه، ولا شك في أن هذه الانتفاضة ارتكبت الكثير من أفعال القسوة التي لا يمكن إلا أن يدمغها الإنسان من الناحية الأخلاقية، مع علمنا تمام العلم بأن هذا هو جزء من نمط الثورات الشعبية السائد، إلا أن عدالة الانتفاضة وأخلاقيتها وبطولة قائدها هي أمور لا يتطرق إليها الشك. وهكذا يحتفل بها شعب أوكرانيا، ولهذا السبب يقيم التماثيل الضخمة لقائدها ومحرر البلاد.

ولكن الدراسات الصهيونية تنظر إلى هذه الحادثة في إطار التاريخ اليهودي الذي يضع اليهود في مقابل الأغيار، فنجد أن صورة اليهود في مثل هذه الدراسات، صورة اختزالية كوميدية، إذ تُصوِّر اليهود باعتبارهم أقلية صغيرة يعيش أعضاؤها آمنين في مدنهم الصغيرة يتحدثون اليديشية، لا علاقة لهم بعالم الأغيار، وفجأة يهب هذا العالم ويذبح آلاف اليهود (وتبدو الواقعة بأسرها وكأنها شيء فجائي ليس له سبب واضح لأننا لا ندرك دور اليهود الوظيفي أو علاقتهم بالأغيار البولنديين). ومن ثم فإن انتفاضة شميلنكي تصبح «مذبحة شميلنكي» ويُقارَن شميلنكي بهتلر. وحينما تُصوِّت إحدى دول شرق أوربا ضد إسرائيل في هيئة الأمم فهذا جزء من «ميراث شميلنكي». وتَناول كتب ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» لانتفاضة شميلنكي يبيِّن انعدام القيمة التفسيرية لهذا النموذج.

الماضي والمستقبل اليهوديان
Jewish Past and Future
«الماضي اليهودي» تعبير يفترض أن لأعضاء الجماعات اليهودية ماضياً واحداً مستقلاً، أي تاريخاً واحداً مستقلاً، فإن لم يكن لهم حاضر موحَّد فهذا نتيجة لحادثة هدم الهيكل وشتاتهم. والمشروع الصهيوني محاولة لأن يكون لليهود مستقبل موحَّد. ولكن الدراسة المتأنية تبين أن أعضاء الجماعات اليهودية ليس لهم ماض واحد. فماضيهم في بولندا، أي تجربتهم التاريخية وموروثهم الحضاري والديني في بولندا، يختلف عن ماضي يهود الفلاشاه، وتجربة هذين الفريقين تختلف عن تجربة الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة. وليس لأعضاء الجماعات اليهودية حاضر واحد، فلكل جماعة يهودية مشكلاتها ونصيبها المختلف من الأفراح والأتراح. وتدل المؤشرات كافة على أن هذه الجماعات لن يكون لها مستقبل واحد. فيهود الولايات المتحدة (أكبر تجمُّع يهودي في العالم) يعتبرون أمريكا وطنهم القومي. وبرغم تعاطف أعداد كبيرة منهم مع إسرائيل والصهيونية، فإنهم لا ينوون الهجرة إليها، شأنهم في هذا شأن يهود أستراليا ونيوزلندا. أما يهود أمريكا اللاتينية وجنوب أفريقيا، على سبيل المثال، فهم يواجهون مشاكل في بلادهم قد تضطرهم إلى الهجرة ولكنهم لا يهاجرون إلى إسرائيل. بينما لا يمانع يهود الفلاشاه في الهجرة إلى إسرائيل إذ يراودهم حلم الحراك الاجتماعي. ويدل كل هذا على أن لكل جماعة يهودية مستقبلاً مستقلاً.

ومع هذا، تصر الكتابات الصهيونية على تأكيد وجود ماض ومستقبل ومصير يهودي واحد منفصل عن ماضي ومستقبل ومصير المجتمعات التي يعيش فيها أعضاء الجماعات اليهودية. ولدعم هذا الرأي، تؤكد الكتابات الصهيوينة أهمية النظر إلى الهجمات التي تحدث ضد اليهود، كالإبادة النازية ليهود أوربا، باعتبارها جزءاً من ماض مشترك ونمط متكرر لا يمكن الخروج منه إلا بالحركة المشتركة في المستقبل.

المصيـــر اليهــودي (الوحـدة والتشـابـك(
Jewish Destiny (Unity and Entanglement)
«المصير (أو القَدَر) اليهودي» عبارة تعني أن أعضاء الشعب اليهودي لهم مصير واحد، فريد ومشترك، وأنهم خاضعون لمسار واحد، ولهم تطلعات مشتركة، ويلقون نهاية واحدة. وفكرة المصير اليهودي مرتبطة بفكرة الشعب المختار، فهذا الشعب قد اختاره الإله وحلّ فيه ليكون محط عنايته واهتمامه (وأحياناً اضطهاده)، وهو بالتالى شعب ذو مصير خاص، مقرَّر مسبقاً، يبدأ تاريخه بالخروج من مصر وينتهي بعودة الماشيَّح. وبين البداية والنهاية، يلاقي اليهود مصيرهم الموعود من اضطهاد وطرد وتهجير وهجرة، فهم أداة خلاص العالم. وقد عمقت القبَّالاه اللوريانية هذا المفهوم، وربطت بين مصير الإله ومصير الشعب.

وقد تمت علمنة هذا المفهوم الديني ليكون مصير اليهود التاريخي المشـترك مفهوماً دنيوياً، وهـو مصير مسـتقل عن تواريخ الشعوب الأخرى، ولذا يُفسَّر ما يحدث لليهود بمعزل عن الظروف الحضارية والاجتماعية التي أدَّت إلى هذا الحدث، والتي لا تقع بالضرورة داخل حدود التاريخ اليهودي. فحادثة مثل الخروج من مصر، يُنظَر إلىها خارج حركيات التطور في الشرق الأدنى القديم. ولا يُنظَر إليها في علاقتها باكتشاف الحديد الذي أدَّى إلى تدهور الدولة المصرية، وكذلك طرد الهكسوس من مصر وتركهم موالىهم من العبرانيين وراءهم، ثم ظهور شعوب البحر. ويصبح تهجير اليهود إلى بابل وكأنه عقاب من الإله لليهود على ما اقترفوه من آثام وجزء من مصيرهم. وتسقط من الصورة حركيات ظهور الإمبراطوريتين الآشورية والبابلية وصراعهما مع الدولة المصرية، كما تسقط من الصورة الأقوام الأخرى التي تم سبيها بحيث تظهر حادثة السبي وكأنها حدث فريد مقصور على اليهود لا يمكن فهمه إلا في إطار المصير اليهودي الفريد.

ومن أهم الوقائع التي تفسَّر بهذه الطريقة، واقعة الإبادة النازية ليهود أوربا، إذ تصر الأدبيات اليهودية على عدم ذكر الملايين الأخرى التي أبيدت تحت نفس الظروف. كما أن هذه الأدبيات لا تتحدث أبداً عن سبب العداوة الشرسة من قبل النازيين لليهود وكأن ذلك أمر غير مرتبط بأزمة المجتمع الصناعي الغربي في الثلاثينيات والرؤية المعرفية الإمبريالية.

وتحاول هذه الأدبيات، انطلاقاً من النموذج نفسه، أن تؤكد بعض السمات الأساسية التي تتسم بها بعض الجماعات اليهودية باعتبارها جزءاً من المصير اليهودي وتعبيراً عنه. فاليهودي مكتوب علىه الانعزال وعدم الاندماج، شاء أم أبى، وهو دائماً يعزل نفسه عن الآخرين بسبب تركيبية شخصيته اليهودية، وهي مقولة وجدت طريقها إلى الأدبيات العربية التي تتناول الشأن اليهودي. ولكن الدارس المدقق يعرف أنها مقولة لا أساس لها من الصحة، فلو لم يندمج اليهود ولم ينصهروا في مجتمعاتهم لبلغ عددهم الآن مئات الملايين، فقد كان عددهم مع بداية العصر المسيحي (في بعض التقديرات) يزيد على سبعة ملايين. كما أن تنوع اليهود الإثني والعرْقي والحضاري لا يمكن فهمه إلا في إطار اندماجهم. فالفلاشاه يختلفون عن يهود الهند الذين يختلفون بدورهم عن يهود الولايات المتحدة. ومع هذا، تصر الأدبيات الصهيونية على أن مصير اليهودي وقدره هو العزلة وعدم الاندماج، وبالتالى تصبح الدولة الصهيونيـة نتيجـة حتمـية ومفهومة وأمراً طبيعياً، فهي الإطـار الذي يمكن لهذا المنعزل الأزلي أن يعبِّر عن شخصيته اليهودية من خلاله.

ويظهر قصور المقدرة التفسيرية لنموذج المصير اليهودي إذا ما درسنا السلوك الفعلي لأعضاء الجماعات اليهودية خارج إطار هذه المقولات الأسطورية. فيهود الولايات المتحدة قد ربطوا مصيرهم كليةً بمصير بلدهم، برغم كل ادعاءاتهم الصهيونية. كما أن اليهود الأمريكيين الذين اشتركوا في الحرب العالمية الثانية بلغ عددهم خمسمائة وخمسين ألفاً، جرح منهم أربعة وعشرون ألفاً، وحصل ستة وثلاثون ألفاً على نياشين، وقتل منهم عشرة آلاف وخمسمائة من أجل وطنهم، وهو عدد يفوق عدد جملة اليهود الذين ماتوا دفاعاً عن الوطن القومي اليهودي. كذلك، فإن يهود الولايات المتحدة لا يهاجرون الى هذا الوطن القومي، علماً بأن عدد من يزور منهم هذا الوطن للسياحة لا يزيد على 10% وابتداءً من العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، أخذ المصير اليهودي (أو مصير الأغلبية العظمى من يهود العالم) يرتبط بالمصيرالأمريكى، إذ أن ملايين المهاجرين اتجهوا إلى الولايات المتحدة وتجاهلوا أرض الميعاد تماماً عدا أعداداً قليلة للغاية. ولا يزال هذا البلد الذهبي (جولدن مدينا) الغريم الأكبر للدولة الصهيونية حيث يهاجر مواطنوها بأعداد متزايدة إلى أرض الميعاد الأمريكية التي تحقق للجميع قسطاً أكبر من الأمن. وكذلك يفعل يهود أمريكا اللاتينية وجنوب أفريقيا. كما أن المهاجرين من روسيا وأوكرانيا يتجهون أساساً، هم أيضاً، إلى الولايات المتحدة متى سنحت لهم الفرصة. فإذا أضفنا إلى هذا الاتفاق الإستراتيجي بين الدولة الصهيونية والولايات المتحدة، والاعتماد شبه الكامل لهذه الدولة على الدعم الأمريكي بحيث أصبح مصيرها في يد راعيها الأكبر، فإننا نستطيع أن نقول بكثير من الإطمئنان إن المصير اليهودي، إن كان ثمة مصير مستقل، هو نفسه المصير الأمريكي. فالمصير اليهودي خاضع تماماً للإرادة الأمريكية. وهو، على كلٍّ، أمر متوقَّع بعد أن قامت المنظمة الصهيونية العالمية بتوقيع عقد صامت مع الحضارة الغربية يتحول بمقتضاه أعضاء الجماعات اليهودية إلى جماعة وظيفية استيطانية في فلسطين، أو إلى جماعات توطينية خارجها، تدافع عن المصالح الغربية نظير أن تضمن هذه الحضارة أمن وبقاء الدولة الصهيونية.

وقد أصبحت مقولة «المصير اليهودي» مقولة أساسية في الخطاب السياسي الإسرائيلي وتتبدَّى في عبارة مثل «إين بريرا»، أي «لا خيار»، وهي العبارة التي يصف بها المستوطنون الصهاينة حالة الحرب الدائمة التي يعيشونها. وقد تعمق هذا المفهوم في أدبيات جوش إيمونيم، إذ يصبح المصير اليهودي جوهر حياة المستوطنين، فهو تعبير عن عبء الميثاق بين الإله والشعب، وهو عبء لا يحمله كل الشعب اليهودي، وإنما يحمله المستوطنون وحدهم، فيذهبون إلى الضفة الغربية، ويضربون خيامهم بجوار البركان. وهو أمر مكتوب عليهم، فقد جاء في العهد القديم: « هو ذا شعب وحده وبين الشعوب لا يسكن ». ولذا، فالحرب الدائمة مع العرب جزء من المصير المحتوم.

ولقد حوَّلت المحكمة العليا فكرة المصير اليهودي إلى معيار ارتضته أساساً لتعريف الهوية اليهودية. ومن هنا، رُفض طلب الأخ دانيال أن يُعترَف به يهودياً، رغم أنه وُلد لأم يهودية، وذلك لأنه تبنَّى ديناً آخر ولم يربط مصيره بمصير الشعب اليهودي. ومع هذا، صرح شامير بأن الدولة الصهيونية لا يمكنها أن تدافع عن كل يهود العالم، إذ أنها مشغولة بالدفاع عن نفسها، أي أنه رفض اشتباك مصير الشعب اليهودي بالدولة اليهودية.

ويُلاحَظ أن الجماعات الوظيفية عادةً ما يكون لديها إحساس متضخم بخصوصية مصيرها. فالساموراي، في شعر الهايكو، يتحدثون دائماً عن مصيرهم الموعود، كما تتحدث العاهرات عن نصيبهن المكتوب على الجبين. وهذه جميعاً محاولات إنسانية لعقلنة وضع غير عقلاني وغير إنساني لا تمكن عقلنته إلا بهذه الطريقة. ولعل اضطلاع أعضاء الجماعات اليهودية بدور الجماعات الوظيفية في الحضارة الغربية، واضطلاع الدولة الصهيونية بدور الدولة الوظيفية، السبب الكامن وراء تضخُّم الحديث الصهيوني عن المصير اليهودي الفريد والمشترك.

ونحن نفرِّق بين وحدة المصير اليهودي وبين تشابك المصائر، إذ أن أحوال إحدى الجماعات اليهودية تؤثر أحياناً على جماعة يهودية أخرى، وذلك رغم وجودهما في مسارين تاريخيين مختلفين، وبرغم انتمائهما إلى حركيات تاريخية مختلفة. وعلى سبيل المثال، فإن حركيات التحديث المتعثر في شرق أوربا قذفت بملايين اليهود الفائضين إلى غربها، فاشتبك مصيرهم بمصير يهود هذه البلاد دون أن يتَّحد المصيران بالضرورة، وبذل يهود غرب أوربا أقصى جهدهم للتخلص من الوافدين الجدد. وظهرت، في هذا الإطار، الصهيونية الخارجية التوطينية التي يُطلَق عليها مصطلح «صهيونية الدياسبورا»، وهي صهيونية لا تطلب من المؤمن بها الاستيطان، وإنما تطلب منه المساهمة في توطين الفائض البشري اليهودي الذي يهدِّد مكانته بالخطر. وقد أثر المشروع الاستيطاني الصهيوني، وهو مشروع إشكنازي غربي بالدرجة الأولى، في الجماعات اليهودية في العالم العربي، إذ أن مصيرهم اشتبك مع مصير المستوطنين الإشكناز، الأمر الذي اضطرهم إلى الخروج من بلادهم العربية وإلى استيطان أعداد منهم فلسطين. ومع هذا، ظل الوضع الاقتصادي المتدني والهوية الحضارية المستقلة داخل المُستوطَن الصهيوني، وهو ما يعني أن مصيرهم ليس متوحداً بعد مع مصير الإشكناز وإن كان الوضع قد بدأ في التغير في الآونة الأخيرة (وقد يصبحون جزءاً من المُستوطَن الصهيوني لهم نفس مصيره). ومع هذا، فثمة عناصر تتفاعل داخل المُستوطَن الصهيوني وتوسِّع الهوة بين الإشكناز ويهود العالم الإسلامي، وتفرض على كلٍّ مصيراً مختلفاً.

القدر اليهودي
Jewish Fate
عبارة مرادفة لعبارة »المصير اليهودي«


الاسـتمرار اليهـودي
Jewish Continuity
«الاستمرار اليهودي» نموذج تفسيري يفترض أن الجماعات اليهودية تكوِّن في العصر الحديث كلاًّ متجانساً عل مستوى العالم، وأن ثمة استمرارية تاريخية وثقافية (بل أحياناً عرْقية) تسم ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي»، ويُعَدُّ هذا النموذج عنصراً محورياً في الفكر الصهيوني. وانطلاقاً منه، يذهب الصهاينة إلى أن اليهود المحدَثين هم ورثة العبرانيين القدامى، وأن حكومة إسرائيل الحالية في فلسطين المحتلة ما هي إلا الكومنولث اليهودي الثالث. ويرى بعض الصهاينة أن الصهيونية هي تعبير عن هذه الاستمرارية فأصولها تمتد بعيداً إلى أيام الأنبياء الأوائل وأن الدعوة الى العودة شيء متصل منذ بداية التاريخ اليهودي إلى الآن من الأنبياء إلى هرتزل.
وفكرة الاستمرار هذه فكرة حلولية ذات أصول إنجيلية، إذ أن الوجدان الغربي ينظر إلى أعضاء الجماعات اليهودية من خلال الكتب المقدَّسة، فيرى العبرانيين القدامى يدخلون كنعان، ثم يرى حكم القضاة فالملوك، فالسبي البابلي، فعودة عزرا ونحميا، وبعد ذلك ثورة الحشمونيين، ثم هدم الهيكل على يد تيتوس، وهو ما أدَّى إلى نفي اليهود. وهذا ما يعني أنهم في حالة انتظار، قابعون داخل تاريخهم المقدَّس الذي حلّ فيه الإله. وتُستأنَف الحلقة بعودة اليهود مرة أخرى إلى فلسطين. وبالتالى، فإن الاستيطان الصهيوني تعبير عن نمط متكرر ومستمر ومتوقع. كما أن دخول المستوطنين الصهاينة إلى فلسطين، وقيامهم بذبح الفلسطينيين، ليس إلا اسـتمراراً وتكـراراً لدخـول العبرانيين إلى أرض كنعان وإبادتهم لأهلها.

ويُعبِّر نموذج الاستمرار هذا عن نفسه فيما يمكن تسميته القياس التاريخي الزائف الذي يفترض أن الظواهر المحيطة بيهود اليوم تشبه في كثير من الوجوه الظواهر التي واجهها اليهود في ماضيهم السحيق. فنجد، مثلاً، أن حاييم وايزمان يطالب العرب في خطابه أمام المؤتمر الصهيوني العشرين (1937) بالتفاوض مع اليهود مذكراً إياهم بأنه، في الفترات العظيمة من التاريخ العربي، تعاون الشعبان معاً في بغداد وقرطبة على حفظ كنوز الثقافة العربية. فالعرب في نظره ما زالوا كما كانوا، واليهود أيضاً لم يتغيروا، أما الظروف التاريخية المتغيرة فهي أمر ثانوي يحسن التغاضي عنه كلية. ومن أطرف الأمثلة على هذا الإيمان باستمرار إسرائيل، وعلى القياس التاريخي الزائف، ما صرح به أستاذ للتاريخ بالجامعة العبرية من أن جنود إسرائيل رأوا البحر الأحمر لأول مرة في يونيه عام 1967 بعد غياب دام بضعة آلاف من السنين، أي بعد عبورهم إياه مع موسى حينما كان يطاردهم فرعون مصر! وقد كان من الشائع في الولايات المتحدة، بعد حرب 1967 مباشرة، أن يحاول بعض الحاخامات تفسير أسفار العهد القديم، مبينين أن معارك يونيه ليست إلا تكراراً لمعارك حدثت من قبل. ويحاول بن جوريون تبرير عسكرة المجتمع الإسرائيلي باللجوء إلى أسطورة الاستمرار، فيقول: « إن جنود موسى ويوشع وداود لم يكفُّوا عن القتال... وكذلك جنود صهيون [أي دولة إسرائيل] لن يتوقفوا عن القتال ». ويقوم بعض المعلقين العسكريين الإسرائيليين بعقد المقارنات بين فرسان داود وسليمان ودبابات الجيش الإسرائيلي، كما يقيمون الندوات لبحث أوجه الشبه والخلاف بين أساليبب جدعون وتكتيكات ديان. بل إن الصراع العربي الإسرائيلي بأسره ينظر إليه على أنه استمرار لصراع العبرانيين مع الفراعنة والآشوريين والبابليين والفينيقيين. ويتبدَّى نموذج الاستمرار اليهودي في فكرة النقاء العرقي والحضاري لليهود، لأن فكرة الاندماج والاختلاط بالآخرين تنسف فكرة الاستمرار من جذورها.

وتذهب الرؤية الصهيونية في تفسير هذا الاستمرار اليهودي إلى أن الوجود اليهودي عبر التاريخ اتبع نمطاً واحداً، وعبَّر عن جوهر يهودي واحد، فهو أقرب إلى التكرار منه إلى الاستمرار ويأخذ شكلاً هندسيٍّا متسقاً يشبه إلى حدٍّ كبير الأساطير البدائية التي تصل إلى درجة عالية من الاتساق العضوي مع نفسها. وعلى أية حال، فإن هذا الاتساق يجعل الصهيونية نظاماً مغلقاً مكتفيًّا بذاته لا علاقة له بالواقع المتعيِّن الحي، وهي في هذا تشبه كثيراً من الأساطير الشمولية مثل الأسطورة النازية. ويجد الصهاينة نفس القدر من الاستمرارية في ظاهرة معاداة اليهود، إذ يرون أنها دائمة ما دام اليهود في المنفى.
وكما هـو الحـال مع «البقاء اليهودي» وغيره من المفاهيـم الصهيونية، نجد أن مفهوم الاستمرار اليهودي يعطي اليهودي حقوقاً مطلقة مستمرة لا تنقطع، ويسقط الحقوق القائمة للآخرين. فباسم هذا الاسـتمرار يدَّعـي الصهاينة لأنفسـهم شرعية احتلال فلسطين وطرد أهلها. فالدولة اليهودية، حسب رؤيتهم، هي وريثة الدويلات اليهودية التي قامت منذ آلاف السنين.

الاســتمرار اليهـــودي: منظــــور إســلامي
Jewish Continuity: An Islamic Perspective
من المفاهيم الصهيونية المحورية مفهوم الاستمرار اليهودي، ويُقصَد به أن ثمة استمرارية في الصفات الأساسية (الثقافية والدينية بل والعرْقية أحياناً) التي تسم أعضاء الجماعات اليهودية وتفصلهم عن غيرهم من الشعوب والجماعات. وانطلاقاً من هذه الاستمرارية يرى المؤمنون بها أن كلمة «يهودي» تشير إلى يهود العالم في الحاضر والماضي والمستقبل، وأن كلمة «يهودية» تشير إلى نظامهم العقدي، وكأن سمات اليهود الثقافية لم يطرأ عليها أي تَغيُّر جوهري، وكذلك موروثهم الديني.

ونحن نرى أن مثل هذا التصور يتنافى تماماً مع الواقع التاريخي ومع الرؤية الإسلامية، ويمكن أن نسجل الملاحظات الآتية:

1 ـ لا يملك الدارس المتأني إلا أن يُلاحظ وجود تَنوُّع هائل بين أعضاء الجماعات اليهودية على المستوى العرْقي، فهناك يهود بيض ويهود سود ويهود صفر، وتختلف أحجام الرأس باختلاف انتماء اليهودي، كما يظهر الاختلاف والتباين على المستوى الثقافي/الإثني (انظر الباب المعنون «إشكالية العزلة والخصوصية اليهودية»).
2 ـ يُلاحَظ أن اليهودية ليست عقيدة متكاملة محددة المعالم بشكل معقول فهي أساساً تركيب جيولوجي تراكمي يحوي داخله طبقات عقيدية مختلفة ومتناقضة، بعضها يقترب من الشرك الصريح وبعضها يصل إلى التوحيد الكامل، وهذه الطبقات جميعاً جزء من اليهودية. وإن آمن اليهودي بطبقة دون أخرى، فهو مع هذا يظل يهودياً من منظور الشرع اليهودي. وفي عهد الهيكل الثاني، كان الصدوقيون الذين لا يؤمنون باليوم الآخر يجلسون في السنهدرين جنباً إلى جنب مع الفريسيين الذين يؤمنون بالبعث واليوم الآخر. وإلى جانب هؤلاء توجد بعض كتب الأنبياء في العهد القديم التي تقترب من التوحيد الخالص، بل تصل إليه أحياناً. وقد جاء في القرآن الكريم « قالت اليهود عزير ابن الله » (التوبة: 30) وبالفعل، هناك من اليهود من يستخدم مفهوم ابن الله باعتباره مفهوماً محورياً (انظر: «ابن الله»)، ولكن هناك من يُهمِّش هـذا المفهـوم بل يرفضـه تماماً، ويـصر على قدر عال من التوحيد. وهناك العشرات من اليهود في العصور الوسطى في الغرب ممن تقدموا إلى النار التي أُضرمت لإرغامهم على الرجوع عن التوحيد ولاقوا حتفهم وهم يرددون أن الإله واحد.

وقد جمع حاخامات اليهود تفسيراتهم للعهد القديم في التلمود الذي يُسمَّى أيضاً «الشريعة الشفوية»، وجعلوا الإيمان بهذه الشريعة الشفوية أساساً للعقيدة اليهودية يفوق في الأهمية الإيمان بالتوراة (الشريعة المكتوبة). والتلمود يحوي آراء أقل ما تُوصَف به أنها تُناقض أية رؤية توحيدية. وقد ازداد الأمر سوءاً بظهور تراث القبَّالاه التي وصفها بعض الحاخامات بأنها شرك صريح. وكان هناك إلى جوار هذا كله أشكال من اليهودية غير الحاخامية مثل يهودية الفلاشاه في إثيوبيا ويهودية بني إسرائيل في الهند. وازدادت المسألة ارتباكاً في العصر الحديث مع ظهور اليهودية الإصلاحية واليهودية التجديدية واليهودية المحافظة، وهي صيغ مخفَّفة من اليهودية بعضها لا يؤمن أتباعه بأن التوراة مُوحىً بها، وبعضها لا يؤمن بالبعث، وهكذا. ثم ظهر لاهوت موت الإله الذي ينطلق من فكرة أن الإله مات مع الإبادة النازية (ليهود الغرب)، وأن الدولة اليهودية حلت محل الإله! ثم ظهر أخيراً اليهود الملحدون والإثنيون الذين يرون أن يهوديتهم تكمن في خواص عرْقية أو إثنية أو حتى نفسية لا علاقة لها بالدين.

3 ـ كل هؤلاء يعتبرون أنفسهم « يهوداً » وهذا أمر يحدث في كثير من العقائد حين يرفض شخص ما معيارية عقيدة ما ويرفض الاحتكام لها (مثل الإيمان بالإله في الإسلام والمسيحية واليهودية) ومع هذا يستمر في ادعاء الانتماء لها. ويُلاحَظ أن المسيحية والإسلام لا يمكن أن يقبلا مثل هذا الشخص في حظيرة الدين. فرغم وجود قدر من الاختلاف والتنوع وعدم التجانس يسمح به النسق الديني الإسلامي والمسيحي إلا أن ثمة معيارية نهائية لابد من قبولها. هذا على عكس اليهودية التي تفتقر إلى مثل هذه المعيارية، فلم تتبن تعريفاً عقيدياً وحسب (اليهودي هو من يؤمن باليهودية)، ولكنها تبنت أيضاً تعريفاً بيولوجياً مادياً (اليهودي هو من وُلد لأم يهودية)، وفي الآونة الأخيرة تبنت تعريفاً نفسياً (اليهودي هو من يشعر بذلك في قرارة نفسه، ومن قَبل أن يربط مصيره بمصير الشعب اليهودي)، وهذه تعريفات تُسقط المعيارية وتفتح الباب على مصراعيه لكل من يريد أن يُسمِّي نفسه يهودياً. فالتعريفان الثاني والثالث لا علاقة لهما بأية معيارية عقيدية. ولذا يمكن الحديث عن «يهودي ملحد»، أي يهودي لا يؤمن بالإله، ولكن لا يمكن أن نتحدث عن «مسلم ملحد» أو عن «مسيحي ملحد».

انطلاقاً من كل هذا سنطرح مجموعة من الإشكاليات وسنجتهد في الإجابة عليها لنبيِّن استحالة افتراض الاستمرار اليهودي (الثقافي أو البيولوجي) من منظور إسلامي:

1 ـ إشكالية المجال الزمني لمصطلح «يهودي» (هل يشير إلى كل يهود العالم في كل زمان ومكان، في الماضي والحاضر والمستقبل، أو إلى يهود المدينة أيام البعثة المحمدية وحسب؟):

لفظ «يهودي» في اللغة من «هاد» أي «تاب ورجع إلى الحق» و«التَهوُّد» هو «التوبة والعمل الصالح». ويُقال أيضاً «هاد» و «تهود» أي «صار يهودياً» بمعنى أنه يؤمن بالعقيدة اليهودية. ولكن كلمة «يهودي» ليست الكلمة الوحيدة التي تدل على اليهود في القرآن، فقد وردت عدة مصطلحات أخرى: بني إسرائيل [41 مرةٍ]، واليهود [8 مرات]، وهود [3 مرات]، والذين هادوا [9 مرات]، وأوتو الكتاب [12 مرة]، وأهل الكتاب [31 مرة].

ومن الواضح أن القرآن الكريم لا يفترض وجود استمرارية بين يهود العالم، ولذا وردت هذه المصطلحات غير المترادفة ليعبِّر كل مصطلح عن وضع زماني ومكاني مختلف. فالقرآن يُفرِّق تفرقة واضحة بين اليهود الذين عاشوا في الجزيرة العربية وتعامل المسلمون معهم في فترة البعثة المحمدية من جهة وبين بني إسرائيل من جهة أخرى. فمصطلح «بني إسرائيل» جاء مخصصاً للحديث عن يهود عصر موسى وعيسى وأنبياء بني إسرائيل، ولم يُستخدَم هذا اللفظ تخصيصاً ليهود عصر البعثة المحمدية إلا في موضعين (من المواضع الإحدى والأربعين) وهما:

ـ «سـل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة » (سورة البقرة ـ 211(

ـ « إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون» (سورة النمل ـ 76(.

وواضح أن في هذين الموضعين إحالة إلى موروثات قديمة يمكن أن يتناقلها اليهود، أياً كانت أصولهم العرْقية، عن بني إسرائيل، أي يهود عصر موسى، الأمر الذي يفتح الباب لإمكانية توجيه الخطاب العام (اليهودي) بصفة الخاص (بنو إسرائيل) الذي هو مسئول مسئولية مباشرة عن هذه الموروثات.

وهذا التمييز مفهوم تماماً في إطار الواقع التاريخي. فيهود المدينة والجزيرة العربية كانوا يؤمنون بصياغة دينية يُقال إنها شبه توحيدية، فهم في أغلب الظن لم يكونوا يعرفون التلمود حتى مع احتمال أن يكون قد تم جمعه آنذاك. (ومع هذا، تجب الإشارة إلى أن الفكر السبئي [نسبة إلى عبد الله بن سبأ] يدل على تَصاعُد العنصر الحلولي في اليهودية). وقد كان يهود الجزيرة العربية منعزلين عن يهود العالـم، وعـن مراكـز الدراسـة التلمـودية والفقهية في فلسطين وبابل، بل ويُقال إن يهود العالم آنذاك لم يكونوا يعتبرونهم يهوداً.

ومن هنا تكون التفرقة بين يهود عصر موسى ويهود المدينة، ومن هنا تكون ضرورة افتراض عدم وجود استمرار يهودي، فلابد من التفرقة بين يهود الماضي من جهة ويهود العالم الحديث في أيامنا هذه من جهة أخرى، فالمجالان الدلاليان لكلمتي «يهودي» و«بني إسرائيل» كما وردتا في القرآن محددان ولا ينطبقان بالضرورة على يهود العصر الحديث.

وربما كان من المفروض أن تُولَد داخل المعجم العربي الإسلامي، من البداية، مجموعة ألفاظ للإشارة إلى المدلولات المختلفة: «بنو إسرائيل»، و«اليهود بالمعنى القرآني»، و«اليهود عبر التاريخ»، و«اليهود في العصر الحديث»، وهكذا. وقد حاولنا من جانبنا أن نولّد مبدئياً مجموعة من المصطلحات مثل: «العبرانيون» للإشارة إلى اليهود القدامى كجماعة عرْقية، و«جماعة إسرائيل» للإشارة إليهم كجماعة دينية، و«الجماعات اليهـودية» للإشـارة إلى الجماعات البـشرية ممن اتُفق عرفاً أنهم يهود، وهو حل مؤقت للمشكلة إلى حين بحثها فقهياً ولغوياً. ولعل الفقهاء لم يتوجهوا لهذه المشكلة بالحماس المطلوب، لأن اليهود لم يكونوا يمثلون إشكالية خاصة أو مستقلة داخل التشكيل الحضاري الإسلامي نظراً لعدم أهميتهم وبسبب استقرار وضعهم داخل الحضارة الإسلامية بعد استقرار مفهوم أهل الذمة. أما في القرن العشرين، بعد تَركُّز غالبية يهـود العـالم داخل الحضـارة الغربية العلـمانية أو في الدولـة الصهيونية، فإن الوضع جدُّ مختلف ويتطلب فتح باب الاجتهاد والنظر في هذه المسألة.

2 ـ التناقض بين تعريف العقيدة اليهودية لليهودي والتعريف الإسلامي له:

كلمة «يهود» في الإسلام تعني «أتباع الكتاب الذي جاء به موسى عليه السلام». ورغم أنهم قاموا بتحريفه أو أصروا على اتباع المحرَّف منه إلا أن ثمة مبادئ أساسية وردت فيه لم يتم تحريفها من بينها الإيمان بالله واليوم الآخر.

هذا التعريف الإسلامي لو طُبِّق على يهود العالم الحديث لتم استبعاد ما يزيد عن 90% منهم، أو إذا توخينا الدقة لقلنا لاستُبعد 50% منهم (الملحدون واللاأدريون) ولتَعَذَر تَقبُّل 40% (الإصلاحيون والمحافظون والتجديديون) كيهود، ولربما قُبل الـ 10% الأرثوذكس (فقط) كيهود. وحتى هذا أمر خلافي بسبب تَزايُد النزعة الحلولية التي هيمنت على اليهودية الحاخامية. والمسلم لا يمكنه إلا أن يستبعد أولئك الذين لا ينطـبق عليهم التعـريف الإسـلامي لليهودي، حتى لو سـموا أنفسـهم «يهوداً»، وحتى لو قبلتهم الشريعة اليهودية كيهود.

وقد تنبه الشهرستاني (صاحب الملل والنحل) إلى ظاهرة مماثلة إذ أشار إلى أن الجماعة التي تُسمَّى «الصابئة» في العراق ليسوا هم في حقيقة الأمر بالصابئة الذين يشير إليهم القرآن، فهؤلاء جماعة غنوصية تُدعَى «المندائية» اتخذت الاسم بغية أن يُعامَلوا معاملة أهل الكتاب، أي أن كلمة «صابئة» (كما عرَّفها القرآن) لا تنطبق في واقع الأمر على هؤلاء الذين يُسمون أنفسهم «صابئة».

3 ـ التناقض بين مفهوم الاستمرار اليهودي ومفهوم الفطرة في الإسلام:

افتراض الاستمرار اليهودي، البيولوجي والثقافي، يتناقض مع إحدى القيم الحاكمة الكبرى في الإسلام، ونقصد به مفهوم الفطرة. فالإنسان ـ حسب التصور الإسلامي ـ يُولَد على الفطرة، وإن كان ثمة صفة وراثية فهي الفطرة الإنسانية والاستعداد لعمل الخير، وهو مفهوم يضع على الفرد عبء المسئولية الخلقية ويطرح إمكانية التوبة الدائمة (من جانب المخلوق) وإمكانية المغفرة (إن شاء الخالق). ومن ثم فإن فكرة الاستمرار اليهودي تُشكّل سقوطاً في المنطق العنصري العلماني الشامل الذي يرى الإنسان محكوماً بموروثه البيولوجي أو الاقتصادي أو العرْقي أو مجموعة من الحتميات المادية الأخرى. ومن الواضح أن النص القرآني حذَّر من ذلك ففرَّق بين اليهود عموماً من ناحية وبين الصالحين والطالحين منهم من ناحية أخرى، وحكم على كل فريق منهم بما يستحقه من خير أو شر، مُلتزماً في ذلك طريقة العدالة والصدق.

والإنسان المسلم مُلزَم أولاً وأخيراً بالتعامل مع اليهود والمسيحيين من خلال مفهوم أهل الذمة الذي حدد حقوقهم وواجباتهم وأكد المساواة الكاملة والمطلقة بينهم وبين المسلمين، ولم يطرح تصوراً لوجود استمرار بيولوجي أو ثقافي بينهم.

4 ـ الفوائد العملية لافتراض الاستمرار اليهودي:

رغم وضوح الموقف الإسلامي من فكرة الاستمرار اليهودي، هناك من يرى قيمة تعبوية عملية في التأكيد على النزوع اليهودي الأزلي والحتمي والطبيعي، في كل زمان ومكان، نحو الشر (وهو أمر مخالف لتعاليم الإسلام ـ كما أسلفنا). ومثل هؤلاء يرون أن أية عملية للتفرقة بين اليهود والصهاينة وبين اليهودية والصهيونية وبين يهود الماضي ويهود الحاضر هي عملية أكاديمية تضيع الوقت ولا جدوى من ورائها، وأن من الأفضل أن يتم التعامل مع الأمور على إطلاقها.

وابتداءً، فإن هذا الموقف العملي المادي يتنافى مع القيم الأخلاقية المطلقة (المُرسَلة من الله). فالإنسان المؤمن يرفض التنازل عن قيمه بسبب نفع مادي. ولكن حتى على المستوى العملي، نجد أن تَبَنِّي هذا المنطق خطر لأقصى درجة للأسباب التالية:

أ ) افتراض وحدة اليهود سيقلل مقدرتنا على رصد الظواهر اليهودية والصهيونية إذ سنكتفي برصد العموميات دون رصد المنحنى الخاص للظواهر، وسنبحث عن الدلائل والقرائن التي تدعم وجهة نظرنا دون النظر إلى خصوصيات الظواهر.

ب) عادةً ما يذهب دعاة الاستمرار اليهودي إلى أن اليهود مسئولون عن الشرور كافة، الأمر الذي ينسب لهم قوى شيطانية خارقة تُولِّد الرعب في قلب المجاهد حتى قبل دخول الحرب.

جـ) ينسب دعاة الاستمرار اليهودي أولوية سببية لليهود ويجعلهم المتحكمين في شئون العالم بأسره الأمر الذي يقلب الأولويات تماماً، وخصوصاً في زمن النظام العالمي الجديد. فالدولة الصهيونية، في واقع الأمر، إن هي إلا أداة في يد الاستعمار الأمريكي على وجه الخصوص، والغربي على وجه العموم، وهذا هو العدو الحقيقي الذي يحاول أن يفرض منظومته على العالم فيُحوِّله إلى سوق ومصنع، والدولة الصهيونية هي الوسيلة والجزء وليست الغاية والكل.

د) مثل هذا المنطق الذي يرى مجموعة بشرية غير متجانسة كتلة بيولوجية واحدة يُكرِّس رؤية علمانية عنصرية تُقوض دعائم القيم الأخلاقية وضرورة الحكم الأخلاقي الفردي على الآخر. وفي منطقة مثل منطقتنا العربية الإسلامية، حيث تُوجَد أقليات عديدة (دينية وإثنية ولغوية) عاشت عبر مئات السنين داخل الفسيفساء الإسلامية الثرية، نجد أن مثل هذا المنطق يؤدي إلى تَفجُّرات عرْقية وإثنية ودينية وربما أدَّى إلى تآكُل العقد الاجتماعي الإسلامي.

هـ) رؤية اليهود باعتبارهم كلاً لا يتجزأ تَصوُّر صهيوني يرى أن من الصعب تفتيتهم، ويرى أن من الصعب على العناصر اليهودية الرافضة للصهيونية (وللحلولية الوثنية) أن تنشط وتظهر وتعبِّر عن نفسها. ومثل هذا الطرح يتجاهل الحقيقة التاريخية، وهي أن الصهيونية حركة إلحادية معادية لليهودية وتطرح نفسها بديلاً لها. ولذلك، فإن الطرح المجرد والتعميمي، وقبول الأمور على إطلاقها، سيجعل الاستفادة من هذه التناقضات الداخلية أمراً صعباً، وسيؤدي إلى القضاء على العناصر الرافضة.

و ) يُلاحَظ أن كثيراً من الحركات العلمانية الإلحادية في أوربا، في القرن الثامن عشر، كانت تخشى الهجوم على المسيحية ومؤسساتها نظراً لوجود قطاعات كبيرة في المجتمع الغربي كانت لا تزال تؤمن بالمسيحية.

ولذا، بدلاً من الهجوم المباشر على المسيحية، كان يتم الهجوم على اليهود واليهودية. وكان بعض دعاة الخطاب الإلحادي يلمحون إلى أن اليهودية نموذج لأي دين وأي نظام عقيدي يستند إلى الغيب، وأصبح الهجوم على اليهود واليهودية أكبر دعاية إلحادية. ولم تتنبه الكنيسة لهذه الشفرة إلا في وقت متأخر. والهجوم على اليهود (والنصارى) يحمل حتماً تضمينات إلحادية، فهو هجوم غير واع على النموذج الإيماني ككل، طالما تضمن هجوماً على الوحي/الغيب.

ز ) إذا كان الهدف هو شحذ الهمم للجهاد، فلابد أن يتم هذا من منطلقات إسلامية وبديباجات إسلامية، إذ أن تَقبُّل أطروحات الآخر وديباجاته (كل اليهود صهاينة ـ كل اليهود سواء ـ اليهودي هو من وُلد لأم يهودية) هو سقوط في منطقه وفقدان للهوية. والإسلام يدعو إلى الجهاد ضد أعدائه، وضد من يسلبون حقوق المسلمين دون السقوط في أية عنصرية « وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين » (البقرة: 190). ويقول تعالى « أُذنَ للذين يقاتلون بأنهم ُظلموا وإن الله على نصرهم لقدير» (الحج: 93).

5 ـ اليهودية كنموذج عام:

رغم ارتباط دال «يهودي» بأزمنة وأمكنة محدَّدة، ورغم أن دال «يهودية» يُشير إلى مجموعة من العقائد إلا أن بالإمكان القول بأن إحدى استخدامات كلمة «يهودي» في القرآن لها مجال دلالي عالمي متحرر من الزمان والمكان. واليهودي حسب هذا التعريف هو الشخص الذي تتوفر فيه مجموعة من السمات (بغض النظر عن انتمائه العقيدي). ويمكن هنا مقارنة استخدام الدال «يهودي» باستخدام الدال «فرعون» فهو دال يشير إلى شخص بعينه وإلى واقعة تاريخية محددة ومع هذا لم يُقصَر أمر استخدامه على هذا الشخص أو هذه الواقعة. كما لم يربط أيٍّ من المفسرين الدال «فرعون» بحكام مصر المحدثين (إلا من قبيل المجاز). ويبدو أن دوال مثل «مصري» أو «فرعون» دوال تشير إلى وقائع تاريخية محددة وإلى سمات وأنماط بشرية متكررة تنفصل عن سياقها التاريخي لتصبح ذات مدلول أخلاقي عام يصلح لكل زمان ومكان.

وإن أخذنا بهذا الرأي فيمكن القول بأن اليهودي كنموذج واليهودية كنموذج يتسمان بالسمات الأساسية للجماعات والعقائد الحلولية الكمونية ويتضح هذا في عدة جوانب:

أ ) يرى القرآن أن اليهود يصبغون دينهم بصبغة مادية، ويتضح هذا في ميلهم الشديد نحو التجسيد. « وإذ قُلتُم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرةً » (البقرة: 255). ويتضح هذا الاتجاه في اتخاذهم العجل إلهاً. والميل نحو التجسيد الذي يتحوَّل إلى عبادة للأوثان هو سمة أساسية في العقائد الحلولية.

ب) تتضح الحلولية والنزوع نحو المادية والتجسيد في الفهم اليهودي للنصوص المقدَّسة فهو فهم يتسم بالظاهرية والحرفية، ولذا فقد فهموا دعوة القرآن للإنفـاق في سـبيل الله باعتباره قرضاً لله، إذ قالوا « إن الله فقير ونحن أغنياء » (آل عمران: 181).

جـ) حينما يصبح الإنسان موضع الحلول في المنظومات الحلولية فإنه يتأله فينسب لنفسه الخلود. وقد وصف القرآن اليهود بأنهم أحرص الناس على الحياة وبأنهم يكرهون الموت ويخافونه ولا يتمنونه أبداً. (وهو ما يتناقض مع قولهم بأنهم أولياء الله وأنهم أبناء الله وأحباؤه)، وهم لهذا لا يقاتلون غيرهم إلا في قرى محصنة أو من وراء جُدُر. وحكى القرآن عنهم أنهم طالبوا أنبياءهم بالقتال في سبيل الله بعد إخراجهم من مصر فلما كُتب عليهم القتال تولوا، بل وعندما دعاهم موسى عليه السلام للقتال ودخول الأرض المقدَّسة قالوا لموسى عليه السلام اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون.

د) تعبِّر المنظومة الحلولية عن نفسها في موقفين متناقضين الأول زيادة الحدود والطقوس والاهتمام الشديد بالتفاصيل، والثاني إلغاء الحدود والطقوس تماماً. ويظهر هذا في الوصف القرآني لليهود إذ يصفهم بالتشدد فقد قست قلوبهم حتى أصبحت أشد قسوة من الحجارة وهو ما جعلهم يتعنتون مع الأنبياء فرفضوا أن يؤمنوا بنبي ما لم يأتهم بقربان تأكله النار (آل عمران: 183)، وأكثروا من السؤال عن المحرمات بشكل أدى إلى تضييقهم على أنفسهم. فقد أحل الله لهم كل الطعام إلا ما حرَّم إسرائيل على نفسه فتشددوا جدالاً وسؤالاً حتى حرَّم عليهم كل ذي ظفر ومن الغنم والبقر الشحوم إلا ما حملت ظهورها أو الحوايا (الأنعام: 146)، وهو تشريع يؤكد إغراقهم في التفاصيل ويُبيِّن إلى أي حد أكثر اليهود من السؤال والاختلاف حتى حرَّم الله عليهم بعض ما أحل لهم عقاباً لهم. وفي خروجهم من مصر تشددوا مع موسى عليه السلام في مطالبهم فطلبوا منه أن يدعوا الله أن يخرج لهم نباتاً مختلفاً لأنهم لا يصبرون على طعام واحد (البقرة: 261)، وتعكس قصة البقرة التي رواها القرآن إلى أي حد عذبوا أنفسهم وضيقوا على أنفسهم بالسؤال مرات عديدة عن صفة البقرة وعندما ذبحوها أطاعوا الله بعد مشقة (البقرة: 67 ـ 71)

هـ) أما الجانب الآخر للحلولية وهو إلغاء الحدود تماماً فيتضح في أن اليهود يحوّلون أنفسهم إلى مرجعية ذاتهم فهم يبحثون عن دين يجعلهم شعباً مختاراً. وبدلاً من طاعة الإله يطوعونه، ولذا فهم يستخدمون الدين استخداماً نفعياً. فلم يؤمن بنو إسرائيل لرسول ما لم يأت بما تهوى أنفسهم « أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون » (البقرة: 87). ونقضهم ينبع من عملية تَوثُّن الذات هذه فقد وصف القرآن اليهود في غير موضع بنقض العهود (« وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور... ثم توليتم من بعد ذلك » [البقرة: 63ـ 64] ـ « وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله... ثم توليتم إلا قليلاً » [البقرة: 83] و«أو كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون » [البقرة: 100]). فقد نبذوا عهود الله وعهود الأنبياء وعهود الناس، وإن كان الوصف القرآني الدقيق ينسب نبذ العهد إلى فريق وعدم الإيمان إلى الأكثرية لا إلى كل اليهود.

و ) وتتضح الحلولية وتحطيم الحدود في أن العقيدة اليهودية، كما يصفـها القرآن، ليـست لها معيارية ثابتـة وإنما تتداخل مع العقائد الأخرى. ولذا فاليهود يتأثرون بعقـائد وثقافـات الأمم التي يعيـشـون بينها أو يحتـكون بها " قالوا يا موسى إجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة " (الأعراف: 138) وهذا ما نعبِّر عنه بعبارة «اليهودية كتركيب جيولوجي تراكمي».

إن وصف القرآن لليهود وللعقيدة اليهودية هو في واقع الأمر وصف لأتباع أية عقيدة حلولية. وقد لاحظ كثير من المفسرين تشابه وصف اليهود في القرآن مع بعض سمات الإنسان العلماني الشامل الحديث الذي يتوثن ويتأله ويصبح هو ذاته مرجعية ذاته، ويعيش في عالم الحواس الخمس يرفض تَجاوُزه. فكأن كلمة «يهودي» هنا تصف الإنسان الحلولي الكموني الذي يتصف بهذه الصفات، يهودياً كان أم مسيحياً أم مسلماً أم ملحداً. ولعل هذا التماثل هو الذي يجعل البعض يتصور أن اليهود مسئولون عن الشرور كافة، وما فاتهم أن وصف اليهودية في القرآن هو وصف لعقيدة حلولية وأن وصف اليهود هو وصف لأتباع عقيدة حلولية، وأن هذا الوصف لا ينطبق على اليهود ممن يدورون في إطار الحلولية وإنما ينطبق كذلك على كل أتباع العقائد الحلولية المختلفة، سواء كانوا من أتباع عقيدة الشنتو اليابانية، أو الفلسفة النيتشوية الألمانية، أو العلمانية الشاملة.

البقــاء اليهـودي
Jewish Survival
«البقاء اليهودي» عبارة تتواتر في التواريخ المتأثرة بالرؤية الصهيونية، بل نجدها دائماً مقرونة بكلمة «معجزة». ومصطلح «البقاء اليهودي» مرتبط بمصطلحات صهيونية أخرى مثل «الاستمرار اليهودي» و«الشعب اليهودي» و«التاريخ اليهودي» و«الشخصية اليهودية»، وهي جميعاً تنبع من نموذج تفسيري واحد يفترض وجود جماعة متجانسة يُقال لها «اليهود» احتفظت بهويتها المستقلة، رغم انتقالها من مكان إلى آخر، ورغم تواجدها في أزمنة مختلفة. وعادةً ما يُقارَن هذا البقاء اليهودي باختفاء بعض الشعوب الأخرى مثل اختفاء الآراميين والبابليين، وحدوث بعض الشعوب الأخرى مثل العرب.

وهذا المفهوم، مثل غيره من المفاهيم الصهيونية، يفترض نوعاً من الاستمرار والوحدة والتجانس لا وجود له لا على مستوى النسق الديني أو على مستوى الجماعات اليهودية. فبقاء اليهود لم يكن مطلقاً، فمن الوقائع الأساسية في التاريخ العبراني واقعة تهجير القبائل العبرانية العشر من سكان المملكة الشمالية إلى آشور، ثم لم يُسمَع بهم بعد ذلك،ولا يزال البحث عنهم جارياً.وقد أصدر حاخام السفارد الأكبر فتوى بأن الفلاشاه من قبيلة دان (إحدى هذه القبائل).والقول نفسه ينطبق على يهود الخزر الذين لا نعرف شيئاً عن مصيرهم إلا إذا كانت بقاياهم قد اتجهت إلى المجر ومنها إلى بولندا واستقرت هناك.كما أن نسبة كبيرة من اليهود تختفي من خلال الاندماج.ولذا، فرغم أن عدد اليهود في القرن الأول الميلادي كان يصل (حسب بعض الإحصاءات) إلى ما يقرب من سبعة ملايين، فإن عددهم في القرن السابع الميلادي لم يتجاوز المليون.

ويمكننا أن ننظر إلى بعض آليات بقاء بعض الجماعات اليهودية، فيُلاحَظ مثلاً أنه بعد القضاء على المملكة الشمالية قُيِّض للمملكة الجنوبية البقاء بسبب انضوائها في كنف الإمبراطورية الآشورية ثم البابلية، وهو أمر مُتوقَّع إذ كيف تستطيع دولة صغيرة أن تضمن لنفسها البقاء إلا بهذه الطريقة؟ هذا أمر يذكره ديَّان في كتاباته، كما يدركه كل المفكرين والساسة الصهاينة الذين يُصرِّون على عقد تحالف مع دولة عظمى لحماية الكيان الصهيوني، والذين لا يقومون بأية عملية عسكرية إلا بعد الحصول على غطاء من دولة عظمى. وقد انتهى الوجود العبراني حينما وقفت المملكة الجنوبية في وجه القوة البابلية العظمى. والبقاء إشكالية أساسية في كتب الأنبياء، ولذا فإنهم يحاولون دائماً العثور على إستراتيجية ما لتحقيقه مع الاحتفاظ بهوية دينية توحيدية.

ومع اختفاء دويلة يهودا الجنوبية، اختفى الوجود العبراني. فالعائدون من بابل كانوا قد نسوا العبرية ـ المصدر الأساسي لهويتهم الدينية ـ كما كانوا قد تأثروا تأثراً عميقاً بالتراث الديني في بابل. وبعودتهم تبدأ الجماعة اليهودية مرحلة جديدة في تاريخها، إذ يتحقق بقاؤها لا بسبب استقلالها وإنما نتيجة خضوعها لقوى عظمى أخرى مثل القوة الفارسية ومن بعدها القوة اليونانية. كما يتحقق هذا البقاء لا بسبب تمسُّك الجماعة اليهودية بهويتها، وإنما نتيجة تَغيُّر هذه الهوية من هوية ذات طابع ديني قومي تعبِّر عن نفسها من خلال الدولة إلى هوية دينية إثنية تعبِّر عن نفسها من خلال مؤسسات مختلفة خاضعة للقوة الإمبراطورية، مثل الكاهن الأعظم والسنهدرين وأمير اليهود (بطريرك). وحينما اصطدمت الجماهير اليهودية تحت قيادة الغيورين بالقوة الرومانية، تم القضاء على فلسطين باعتبارها مركزاً لليهود واليهودية. ومع هذا، لم يتم القضاء على اليهود بوصفهم قوماً (إثنوس)، لا بسبب معجزة البقاء ولكن لأن القضاء على اليهود لم يكن أحد أهداف الرومان الذين كانوا يعتبرون اليهود أصدقاء لهم، بدليل أن تيتوس كان يحارب إلى جانبه جيش يهودي بقيادة أجريبا الثاني. وقد حققت اليهودية البقاء لأن الرومان سمحوا ليوحنان بن زكاي بأن يؤسس مدرسة يفنة التي تم تطوير أسس اليهودية الحاخامية فيها.

وقد ضمن أعضاء الجماعة اليهودية بقاءهم داخل التشكيلين الحضاريين الإسلامي والمسيحي لاضطلاعهم بدور الجماعة الوظيفية الوسيطة، وهو دور يتطلب عزلة أعضاء هذه الجماعة وبقاءهم بشخصيتهم المستقلة، وذلك حتى يمكنهم القيام بوظيفتهم هذه على أكمل وجه تحت حماية الطبقات الحاكمة التي تستخدمهم كأداة. وهناك أمثلة كثيرة على أقليات دينية إثنية أخرى تمتعت بما يُسمَّى «معجزة البقاء» هذه عبر عدة قرون، دون أن تنصهر في محيطها الثقافي، وذلك لقيامها بنشاط اقتصادي واجتماعي محدَّد كما تفعل الجماعات الصينية في جنوب شرقي آسيا.

ومما ساعد على بقاء اليهود أن قوى المركزية وكذلك التوحيد الإداري لم تكن قوية لا في العالم المسيحي الغربي ولا في العالم الإسلامي، كما هو الحال في معظم المجتمعات التقليدية، الأمر الذي خلق المجال لوجود جيوب إثنية ولبقائها واستمرارها. كما أن العقائد الدينية السائدة في المجتمعات المسيحية سمحت ببقاء اليهود، بوصفهم الشعب الشاهد الذي يقف شاهداً على عظمة الكنيسة وصدق العقيدة المسيحية. ولذا، كانت الكنيسة الكاثوليكية تحمي بقاءهم وتدافع عنهم. أما في المجتمعات الإسلامية فقد صُنِّف اليهود باعتبارهم من أهل الكتاب في الإسلام، حيث حُدِّدت حقوقهم وواجباتهم منذ البداية، وأصبح من واجب الدولة الإسلامية حمايتهم. وقد حقق أعضاء الجماعات في العصر الحديث بقاءهم بالطريقة نفسها تقريباً، إذ أحرزوا البقاء بأن أصبحوا جزءاً من التشكيل الاستعماري الاستيطاني الغربي. ويحقق يهود جنوب أفريقيا بقاءهم بالعيش في سلام في كنف الجيب السكاني الأبيض، ولن يزولوا أبداً إلا بزواله. كما أن أعداداً كبيرة منهم تُحقّق البقاء في أمريكا اللاتينية بالابتعاد عن الحركات اليسارية والقومية، وبالتعاون مع النظم الشمولية. وقد حققوا قدراً كبيراً من البقاء في أمريكا الشمالية بتَقبُّل مُثُل المجتمع والتعامل مع الواقع من خلالها.

ويأخذ البقاء اليهودي شكل التكيف مع المحيط الثقافي بحيث يصبح اليهودي جزءاً من كل، فيضمن لنفسه بذلك البقاء والاستمرار، ومن هنا تَنوُّع وعدم تجانس الجماعات اليهودية وسمتها الجيولوجية، فلا يوجد يهودي خالص ولا يهودي عالمي بل هناك يهود أمريكيون ويهود صينيون ويهود عرب، وهكذا.

وقد أحرزت اليهودية نفسها البقاء عن طريق تغيير هويتها تغييراً جوهرياً، فقد بدأت عبادةً إسرائيلية، هي عبادة يهوه بعد أن دخلت عليها عناصر كنعانية، ثم انفتحت على التراث الديني البابلي بنزعته العالمية، وبمعتقداته الخاصة بيوم الحساب. وانفصلت هذه العبادة عن الدولة والملك لترتبط بالهيكل، ثم انفصلت عن الهيكل على يد الفريسيين. وفي الوقت نفسه، تعدلت الشريعة حيث لم تَعُد شريعة تغطي كل جوانب الحياة وإنما بعض جوانبها وحسب. وقبلت اليهودية قوانين الدولة التي يعيش اليهود في ظلالها انطلاقاً من أن شريعة الدولة هي الشريعة. وقد تعدلت اليهودية بشكل جوهري بعد حركة الإعتاق وتداعي أسوار الجيتو، فظهرت اليهودية الإصلاحية والمحافظة والاتجاهات اليهودية المختلفة، أي أن البقاء اليهودي الديني قد تحقق هو الآخر نتيجة التغيرات الجوهرية التي غيَّرت هوية اليهودية تغييراً شاملاً.

وقد اختفى كثير من العناصر التي ضمنت بقاء اليهود في التشكيل الحضاري الغربي، وذلك بظهور الدولة الحديثة والطبقات والمؤسسات التي تضطلع بوظائف الجماعات الوظيفية وتحل محلها. وكان على اليهود أن يعيدوا صياغة هويتهم وشروط بقائهم بالشكل الذي يتفق مع الأوضاع الجديدة. وهنا يُطرَح السؤال التالي: هل سيتمكن أعضاء الجماعات اليهودية من البقاء بعد أن اختفى دورهم كجماعة وظيفية وسيطة يعملون بالتجارة والأعمال المالية مثل الربا وبعد ظهور نظام عالمي مصرفي وشركات متعددة الجنسيات؟ وإن هم ضمنوا البقاء لأنفسهم، فهل ستثمر هذه العملية يهوداً يُعدُّون استمراراً ليهود ما قبل عصر الانعتاق؟ يمكننا القول - في محاولة الإجابة على هذه الأسئلة - بأن حركتي اليهودية الإصلاحية والمحافظة، اللتين تضمان معظم يهود الولايات المتحدة المتدينين، قد نجحتا في ضمان بقاء اليهودية عن طريق إعادة صياغتها بطريقة تتفق مع المواصفات السائدة في المجتمع العلماني المعاصر في الغرب. وهنا يمكن أن نطرح سؤالاً آخر: هل توجد صلة قوية بين هؤلاء واليهودية الحاخامية التي سبقت حركة الإصلاح الديني؟ وإذا أردنا أن نجيب عن هذا السؤال من داخل النسق الديني اليهودي نفسه، فإن بوسعنا أن نشير فقط إلى حكم اليهود الأرثوذكس، الورثة الحقيقيين لليهودية الحاخامية، الذين يذهبون إلى أن هؤلاء ليسوا يهوداً ولا علاقة لهم باليهودية.

إن ما حدث ليس معجزة بقاء وإنما هو استمرار وجمود لدال (اليهود واليهودية) مع تَغيُّر وتَبعثر في المدلولات. فكلمة «يهودية» التي كانت تشير إلى نسق ديني يتسم بحد أدنى من الوحدة أصبحت تشير إلى عدد هائل من الحركات الدينية التي لا يربطها رابط. وكذلك فإن مصطلح «يهودي» أصبح يشير إلى مجموعات غير متجانسة من البشر. إن بقاء اليهود بهذا المعنى لا يختلف مثلاً عن بقاء الدماهرة (أهل دمنهور)، وهي مدينة مصرية في دلتا النيل استمرت منذ بداية التاريخ البشري تحمل نفس الاسم وتوجد في نفس المكان، ومع هذا لا توجد علاقة كبيرة بين الدمنهوري العربي المسلم المعاصر والدمنهوري الذي عاش في نفس المدينة منذ آلاف السنين في المدينة التي سُمِّيت باسم الإله حوريس التي يُقال إنه وُلد فيها أو بالقرب منها وسُمِّيت باسمه، فكلمة «دمن» معناها «مدينة»، و كلمة «هور» من كلمة «حوريس»، فهي إذن مدينة الإله حوريس الذي لا يعرف أهل دمنهور عنه شيئاً!

ولكن حتى لو أخذنا بالمقولة الصهيونية القائلة بمعجزة البقاء هذه، فإننا نجد أنها ليست حالة مقصورة على الجماعات اليهودية، فالبقاء الصيني مثلاً مستمر وثابت يهتز بجواره هذا البقاء اليهودي. وإذا نظرنا إلى التشكيل الحضاري السامي ككلٍّ آخذ في التشكل، فإننا سنجد أن المرحلة البابلية الآشورية وما يتبعها من مراحل وتشكيلات (مثل الفينيقيين والآراميين والكنعانيين وغيرهم) إنما هي مراحل وتشكيلات أولية وسديمية في التاريخ العربي أخذت في التبلور إلى أن عبَّرت عن نفسها من خلال التراث العربي الإسلامي الذي حافظ على سماته الأساسية منذ ذلك الحين. وبالتالي، فإن الشعوب المعاصرة للعبرانيين لم تختف وإنما استمرت وبقيت، وأخذ استمرارها وبقاؤها أشكالاً مختلفة متجانسة وغير متجانسة وصلت إلى تَحدُّدها الأخير في التشكيل الحضاري العربي.

وحتى لو كان البقاء اليهودي معجزة وحقيقـة، فهو لا يعطي صاحبه أية حقوق ولا يفرض عليه أية واجبات. فالبقاء ليس فضيلة أو رذيلة، وإنما هو حقيقة تاريخية لا يقبلها المرء ولا يرفضها، بل يرصدها ويدرسها ويدركها فحسب. فبقاء اليهود لا يعطي يهود روسيا وأوكرانيا أية حقوق في الاستيطان في فلسطين، حتى إن أرادوا ذلك وأصروا عليه أو شعروا بحاجة نفسية جامحة إليه.

وتتجلى مقولة البقاء في علاقة الدولة الصهيونية بالجماعات اليهودية، فالأطروحات الصهيونية الأولى تنادي بنفي الدياسبورا، أي تصفيتها وإنهاء بقائها تماماً لصالح المشروع الصهيوني. ولكن هذا الموقف تعدَّل، وأصبح الهدف هو استغلال الجماعات وتوظيفها لصالح المشروع الصهيوني. ويحاول الصهاينة في الوقت الحالي أن يربطوا بين بقاء الدولة الصهيونية والبقاء اليهودي خارج فلسطين، بحيث يُنظَر إلى الدولة الصهيونية باعتبارها الضمان الوحيد لاستمرار بقاء اليهود، فهي التي ستساعدهم على عدم الاندماج في الأغيار، وهي التي ستحمي هويتهم، كما أنها ستمد يد العون إلى أعضاء الجماعات اليهودية الذين قد يشعرون بأن وجودهم الجسدي نفسه مهدد بالفناء. ومع هذا، يمكن القول بأن الدولة الصهيونية لم تقم بدورها الذي حددته لنفسها. فمن ناحية الاندماج، لم تنجز الدولة الصهيونية شيئاً في هذا المضمار، فالثقافة السائدة فيها ثقافة غربية حديثة ذات طابع أمريكي. ومعدلات الاندماج بين يهود العالم لا تزال عالية، الأمر الذي يهدد بقاءهم من منظور صهيوني. كما أن الدولة الصهيونية لا تساعد حتى على بقاء اليهود جسدياً. فعلى سبيل المثال، لم تقم الحركة الصهيونية بجهد يذكر للحفاظ على بقاء أعضاء الجماعات في أوربا أثناء الحرب العالميـة الثانية، بل عـارضت الجهود الرامية إلى توطينهم خارج فلسـطين. وبعد إعلان الدولـة، دخلت الحكومة الصهيونية في علاقات تخدم مصالحها هي، بغض النظر عن مصالح أعضاء الجماعات، مثلما حدث مع الأرجنتين ومثلما يحدث الآن بالتحالف القائم بين حكومة إسرائيل والجمعيات الأصولية المسيحية في الولايات المتحدة (وهي جمعيات تمثل مجموعة من القيم لا تخدم صالح هذه الجماعات، بل تدعو بشكل ضمني إلى تصفيتها عن طريق تنصيرها). وحتى إن أرادت الدولة الصهيونية الحفاظ على بقاء إحدى الجماعات اليهودية، فهي لا تملك من القوة العسكرية ما يؤهلها لإنجاز ذلك. وحينما اقتربت القوات الألمانية من الإسكندرية أثناء الحرب العالمية الثانية، أعد بعض المستوطنين الصهاينة خطة للانتحار إن وصلت هذه القوات إلى فلسطين. بل إن المستوطنين في الدولة الصهيونية، وأعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة، يدينون بأمنهم وبقائهم لدولة عظمى تمنحهم رضاها ورعايتها، وهذه قضية تعذب الوجدان الصهيوني الذي يزداد إدراكاً لاعتماده المتزايد على الولايات المتحدة.

والكتابات الصهيونية التي تتباهى دائماً بمعجزة البقاء اليهودي، تشير دائماً إلى الإبادة النازية لليهود، وإلى خطر الفناء الذي يهدد اليهود إما من خلال الاندماج أو على يد المنظمات الإرهابية العربية، ثم تهيب باليهود للدفاع عن بقائهم، وهذه ديباجة مختلفة تماماً عن سابقتها. ومن الموضوعات الأساسية المطروحة في الأدبيات الخاصة بأعضاء الجماعات اليهودية «موت الشعب اليهودي»، أي تَناقُص أعضاء الجماعات اليهودية إلى درجة التلاشي تقريباً.

ويجد بعض الدارسين أن هذا الاهتمام المرضي بموضوعات مثل البقاء والإبادة وغيرها، قد سبب خللاً نفسياً عميقاً لأعضاء الجماعات اليهودية، وخصوصاً الأجيال الناشئة التي تملأ الدعاية الصهيونية وجدانها بفخار البقاء اليهودي الأزلي الحتمي، وتشبعها رعباً من خطر الفناء الوشيك الذي ينتظر اليهود في كل زمان ومكان، فمثل هذه النظرة المتطرفة لا تساعد كثيراً لا على النضج ولا على الطمأنينة. وقد حوَّلت اليهودية التجديدية البقاء إلى مطلق، وأصبح معيار الإيمان مدى الالتزام ببقاء الشعب اليهودي. وقد ظهر في الفكر الديني اليهودي ما يُسمَّى «لاهوت البقاء» الذي يحوِّل البقاء إلى قيمة مطلقة وهدف نهائي، بحيث يصبح البقاء الغاية من الوجود اليهودي الديني، ويكون الشعب اليهودي ببقائه قد حقق الهدف الأخلاقي من وجوده. لكن البقاء ليس قيمة أخلاقية وإنما هو قيمة طبيعية، فكل الكائنات الحية تبذل جهداً كبيراً للبقاء وبأية شروط، متجاوزة قيم الخير والشر. وبالتالي، فلاهوت البقاء لاهوت غير أخلاقي نابع من النموذج الدارويني الذي يؤكد ضرورة « الصراع من أجل البقاء » و« البقاء للأصلح »، أي أنه خطاب علماني يستخدم ديباجات دينية.

وهناك بعض المفكرين الصهاينة والإسرائيليين يرون أن رغبة يهود العالم الملحة في البقاء وتَمسُّكهم به هما السبب في تدني الشخصية اليهودية وطفيليتها، وأن الملايين التي ذهبت إلى أفران الغاز في معسكرات الاعتقال والإبادة دون مقاومة فعلت ذلك من أجل البقاء بأي ثمن وتحت أية شرط وأنهم فقدوا كرامتهم الإنسانية بذلك.

ومقابل ذلك، يطرح الصهاينة عدة أساطير انتحارية، أهمها أسطورة ماسادا، حيث يقرر الإنسان اليهودي التخلي عن البقاء في سبيل الشرف، وأسطورة شمشون حيث يقرر تدمير ذاته وتدمير الآخر. وهذه الرؤية تقف على الطرف النقيض من واقع تكيُّف وبقاء يهود العالم.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق