السبت، 10 أبريل 2010

موسوعة اليهود واليهوديه للمسيري : ماجـنوس هـيرشفلد (1868-1935(


ماجـنوس هـيرشفلد (1868-1935( 
Magnus Hirschfeld 
عالم ألماني تخصَّص في العلوم الطبية والعلوم الخاصة بالجنس والعلاقات الجنسية، درس في مدينتي برسلاو وستراسبورج ثم درس الطب في جامعة ميونخ. وفي الفترة بين عامي 1894 و1896، عمل كممارس عام في مدينة ماجدبرج الألمانية حيث كان قد انتقل للعيش في إحدى ضواحي برلين. وتخصَّص مثل أبيه، الذي كان أيضاً طبيباً مرموقاً، في مشاكل الصحة العامة. وأقام مؤسسة للتأمين الصحي على العمال. إلا أن محاكمة الشاعر أوسكار وايلد، الذي كان متهماً بالشذوذ الجنسي، ثم انتحار أحد مرضى هيرشفلد عشية زواجه، أثار عنده اهتـماماً شـديداً بالبحث والدراسـة في العلوم المتصلة بالجنس بصفة عامة، وبالشذوذ بصفة خاصة. وأصبح هذا المجال بالفعل اهتمامه الأول والرئيسـي طوال حياته. وفي أول أعمـاله سافو وسقراط، الذي أصدره عام 1896، أكد هيرشفلد أن الرغبة الجنسية عند الشواذ، مثلها مثل الرغبة عند الأسوياء، وهي نتاج تفاعلات وعوامل بيولوجية داخل جسم الإنسان. وقد قوبل عمل هيرشفلد باستحسان، وهو ما شجعه على تأسيس اللجنة العلمية الإنسانية. وقد أثار هيرشفلد كثيراً من الاهتمام عندما بادر بتقديم التماس للبرلمان الألماني يطالب فيه بإلغاء الجزء الخاص بجرائم الشذوذ الجنسي من القانون الجنائي الألماني. وقد وقع على هذا الالتماس عدد من الشخصيات البارزة في تلك الفترة من أمثال مارتن بوبر وهيرمان هس وماكس برود وألبرت أينشتاين وتوماس مان وغيرهم. ونشر في الفترة بين عامي 1908 و1923 مجلة ثم كتاباً سنوياً نشر فيه مجموعة كبيرة ومتنوعة من الدراسات المتصلة بالشذوذ الجنسي في مجالات التاريخ والأدب والفن والموسيقى وعلم النفس وغير ذلك. وفي عام 1918، افتتح هيرشفلد مشروعه الطموح، ألا وهو معهد العلوم الجنسية، الذي شمل عيادة وجامعة حرة تُقدِّم محاضرات وفصولاً دراسية ومركزاً للأبحاث يضم 20.000 مجلد. وقد ضم المعهد قسماً للاستشارات الزوجية كان الأول من نوعه في ألمانيا، وتم تقليده على نطاق واسع في مناطق أخرى. 

وقد دُعي هيرشفلد لإلقاء محاضرة في الجامعة العبرية في القدس عام 1933. ومع مجيء النازية إلى الحكم في ألمانيا، تم إغلاق معهد العلوم الجنسية، كما تم إحراق كتب هيرشفلد وأعماله، وانتقل هيرشفلد إلى فرنسا حيث تُوفي عام 1935. 

ألفريـد أدلــر (1870-1937(Alfred Adler 
عالم نفسي نمساوي ومؤسس علم النفس الفردي. وُلد في فيينا، وتخرَّج في جامعتها عام 1895. وبعد زواجه، اعتنق أدلر البروتستانتية باعتبارها أكثر الأديان ليبرالية. تأثر أدلر بالفكر الاشتراكي بتوجهه المجتمعي، وقد دعاه فرويد عام 1902 للانضمام إلى دائرته وإلى مجموعة النقاش التي تعقـد جلسـات أسـبوعية في فيينا. وفي عام 1910، انتُخب أدلر رئيساً لجمعية فيينا للتحليل النفسي والتي انبثقت من مجموعة النقاش. إلا أن الخلافات النظرية بينه وبين فرويد تزايدت إذ وجد أن إدعاء فرويد بأن تجارب الإنسان الجنسية تشكل الأساس النفسي لتطوره إدعاء مبالغ فيه. وقد اتفق مع فرويد حول أهمية الأحلام ولكنه رفض ربط فرويد الآلي بين الأحلام والجنس، فالرمز الواحد قد يكون له مدلول غير جنسي بالنسبة للآخر. وانتهى به الأمر إلى أن يرفض رؤية فرويد للنفس البشرية على اعتبار أن تحويله الجنـس إلى مقولة تفسيرية أساسـية بل ووحيدة هو شطط ما بعده شطط. ولذا، فقد استقال من جمعية فيينا للتحليل النفسي عام 1911. وأسس جمعية وجريدة خاصة به، وافتتح عام 1920 عيادات للأطفال. ومنذ عام 1926، أخذ في زيارة الولايات المتحدة بشكل دوري، ثم استقر في نيويورك حيث أصبـح عام 1932 أستاذاً لعلم النفس الطبي في كلية لونج أيلاند الطبـية. وتُوفي أدلر عام 1937 أثناء جولة علمية في إسكتلندا. 

وتستند نظرية أدلر حول الشخصية وأسلوبه في العلاج النفسي إلى مفاهيم وحدة تكامل الإنسان والإرادة والقدرة على تقرير المصير والتوجيه والتكييف المستقبلي للإنسان، وهي مفاهيم كانت تتناقض مع الرؤية الآلية للإنسان والعناصرية (أي التي تردُّ الإنسان لعدة عناصر بسيطة مادية) والتي كانت سائدة في عصره. فقد اعتبر أدلر أن الكائن الحي الذي ينمو من خلية واحدة يظل وحدة بيولوجية ونفسية واحدة، فالإنسان وحدة متكاملة تتسم بالانسجام، وكل العمليات الجزئية، مثل الدوافع والإدراك الحسي والذاكرة والأحلام، خاضعة جميعها للمجموع. وقد أطلق أدلر على هذه العملية المتكاملة «نمط حياة الفرد». لكن مفهوم تكامل الإنسان يستلزم وجود قوة دافعة مهيمنة واعتبر أدلر أنها السعي نحو الكمال. 

وحيث إن الفرد كائن فريد، فإن الهدف الذي يضعه لنفسه وأسلوبه في الوصول إليه فريد أيضاً. ورغم أن هذا الهدف قد يتخذ أشكالاً غريبة، فإنه دائماً يتضمن عنصر الحفاظ على احترام الذات. 

وقد يكون من المفيد التوقف هنا عند ما يُسمَّى الجوانب النيتشويه في علم النفس الأدلري، إ ذ يذهب أدلر إلى أن ثمة خوفاً داخل كل فرد من الدونية، فكل فرد يتأثر حتماً في حياته المبكرة بضعفه في مواجهة القوى المحيطة به. كما أن لكل فرد بعض نقاط الضعف أو الدونية البدنية أو العقلية. وحين يكتشف المرء ذلك، فإن اتجـاه بحثه عن القـوة يتحدد عموماً بمحـاولة تعويض تلك الدونية العضوية. والحياة الإنسانية تُكرَّس في الحقيقة للنضال من أجل التفوق كتعويض لذلك الإحساس بعدم الكفاءة، أي أن إرادة القوة هي القوة الدافعة الإنسانية الأساسية. وقد يتم التغلب على الإحساس بالدونية الأصلية من خلال التدريب وبذل الجهد المستمرين بحيث تتحول الدونية إلى تفوق. وقد يحدث العكس، إذ يضع الشخص لنفسه هدفاً خيالياً لا يتطلب أي إنجاز حقيقي في العالم الخارجي، بل قد يلجأ الفرد لحماية نفسه إلى اعتبار أنه إنسان تافه لا قيمة له، مستبدلاً دونية بأخرى أكثر إيلاماً. ويجب أن يهدف العلاج أولاً وقبل كل شيء إلى اكتشاف أسلوب حياة المريض والاتجاه العام للتعويض لديه. 

إلا أن أدلر يرى أننا لا يمكننا أن نعتبر الإنسان منفصلاً عن محيطه الاجتماعي، فمشاكل الحياة الأساسية (الوظيفية والاجتمـاعية والجنسـية جميعـها) هي، في الواقع، مشاكل اجتماعية. وحل هذه المشاكل أو التكيف الاجتماعي للفرد يحتاج إلى ما أسماه أدلر «الاهتمام الاجتماعي مكتمل النمو». إن هدف الفرد، إذن، يجب أن يتضمن فائدة أو نفعاً اجتماعياً يتفق مع قيم ومثل المجتمع. واعتبر أدلر أن الشخصيات المَرَضية هي في الواقع شخصيات فاشلة في الحياة نتيجة أن الاهتمام الاجتماعي غير مكتمل النمو وأيضاً نتيجة إحساس قوي بالدونية. 

ورأى أدلر أن دور المعالج النفسي تنمية الإحساس باحترام الذات لدى المريض من خلال التشجيع وتوضيح أخطائه في نمط الحياة من خلال تحليل وتفسير الذكريات البعيدة والأحلام من خلال العمل على تقوية الاهتمام الاجتماعي. وتتسم أساليب العلاج بالمرونة حيث إن هدفها الوحيد إعادة تنظيم إدراك المريض وتوجيه سلوكه نحو النضج والنفع الاجتماعي. 

وقد قدَّمت مدرسة أدلر في علم النفس بديلاً شاملاً لآراء فرويد. وتُعتبَر التطورات اللاحقة في نظرية الشخصية والعلاج النفسي مرتبطة إلى حدٍّ كبير بآراء ونظريات أدلر حيث إن الرؤية الإنسانية للإنسان، الذي يُعتبَر أدلر من روادها، والتوجه الاجتماعي الذي تبناه، اكتسبا قبولاً واسعاً في دوائر علم النفس. وتوجد جمعيات في أوربا، وخصوصاً في الولايات المتحدة، تتبنى نظريات أدلر في علم النفس مثل الجمعية الأمريكية لعلم النفس الأدلري والتي تصدر مجلة علم النفس الفردي. كما يوجد في إسرائيل معهد أدلري تأسس في تل أبيب تحت رعاية الحكومة يقوم بتدريب علماء النفس والمستشارين والمدرسين العاملين في المدارس الإسرائيلية. ورغم أن أدلر من أصل يهودي، إلا أنه لا توجد أية أنماط أو عناصر ظاهرة أو كامنة يمكن تفسيرها على أساس انتمائه أو أصوله اليهودية. هذا على عكس فرويد الذي تضرب رؤيته ومصطلحه بجذورهما في التراث القبَّالي، وعلى عكس يونج (المسيحي) الذي تأثر هو الآخر بهذا التراث نفسه. 



ماكــس فرتايمـــر (1880-1943( 
Max Wertheimer 
مؤسـس علم نفـس الجشـطالت (أو المدرسة الشكلية في علم النفس). وُلد في براغ (تشيكوسلوفاكيا)، ودرس الفلسفة وعلم النفس وحصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة ورزبورج. وفي عام 1910، اشتغل بالتدريس في جامعة فرانكفورت حيث بدأ أيضاً في إجراء أبحاثه العلمية التي تمخضت عنها نظرية الجشطالت والتي كان لها تأثير ثوري في مجال سيكولوجية الإدراك. وبيَّن فرتايمر من خلال أبحاثه أن « الحركة بالنسبة إلى الشخص الذي يدركها ليست قابلة للتجـزئة إلى إحسـاسـات بـدائية، فهي تؤلف كلاًّ أو شكلاً » (كلياً متكاملاً). ومن هنا كلمة «جشطالت» أو «أشكال» (كلية متكاملة). ولا يمكن اعتبار الإدراك أجزاء منفصلة عن بعضها البعض، فهي تتفاعل فيما بينها، والتغيير في أي جزء يؤدي إلى تغير تام في إدراك المجمل فالكل أكبر من مجموع أجزائه. وقد شكلت نظرية الجشطالت تحدياً عميقاً لعلم النفس الترابطي الذي كان سائداً آنذاك، خصوصاً إزاء المفهوم الذري للإدراك، وأوحت بقدر كبير من البحوث التجريبية في مجالات الإدارك الحسي والتعليم والذكاء وأنماط التفكير وغير ذلك من السلوك الإنساني. كما عمل فرتايمر على استخدام نظرية الجشطالت لمعالجة القضايا المتصلة بالمنطق وعلم الجمال والفنون وعلم الأخلاق. 

وبعد الحرب العالمية الأولى، التحق فرتايمر بجامعة برلين وأسس وقام بتحرير مجلة البحث النفساني التي قامت بنشر كثير من أبحاث مدرسة الجشطالت. ومع صعود النازية إلى الحكم، كان فرتايمر من أوائل العلماء اليهود الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة حيث انتقل إليها عام 1934 وانضم إلى المدرسة الجديدية للبحوث الاجتماعية في مدينة نيويورك، وظل بها حتى وفاته عام 1943. 

فريتــز فيتلـز (1880-1950) 
Fritz Wittels 
عالم نفساني أمريكي يهودي من أصل نمساوي، نادى بإتاحة الحرية الكاملـة للتعبير الجنـسي إلى درجة متطرفة أزعجت فرويد نفسه. وقد وصـف كارل يونج آراءه بأنهـا محاولة قاسـية وفظـة ترمي إلى تدمير « أنساقنا الأخلاقية الحالية ». ولكن فيتلز كان يرى أن إشباع الجنس سيزيد من إنجازات الإنسان وسيدفعه إلى الأمام، كما كان يرى أن التحليل النفسي سيغيِّر وجه الأرض ويسرع بالبعث الأخلاقي للإنسان ويأتي بالعصر الذهبي حيث لا مجال للأمراض النفسية. والواقع أن فيتلز في تجاوزه لفرويد قد نزع ما تبقى من سحر يحيط بالجنس (أي زاد معدلات العلمنة) وأنزله من عليائه ليصبح جهداً طبيعياً مادياً عضلياً، ومن ثم يمكن القول إنه كان أكثر « علمية» ومادية من فرويد. 

ويُلاحَظ هنا تداخل عدة موضوعات يهودية حلولية يدفع بها فيتلز إلى نهايتها المنطقية. فإذا كانت الخطيئة الكبرى هي كبت الرغبات الجنسية وفرض الحدود، فإن الخير الأعظم هو الإفصاح الكامل عنها وإسقاط الحدود والوصول إلى الخلاص بالجسد. فالإنسان، بحلول الخالق فيه، يصبح مطلقاً كامل القداسة يتجاوز الخير والشر. وفي إطار حلولي كامل، يحل الإله في كل من الخير والشر ويؤدي كلٌّ منهما إلى الآخر. لكن دوافع الإنسان، بما في ذلك دوافعه الدينية، هي خير وقداسة، فالخطيئة الكبرى هي فرض الحدود (والأوامر والنواهي) على هذه الدوافع. أما الخير الأعظم، فهو إسقاط الحدود والإفصاح الكامل عنها، بما في ذلك الرغبات الجنسية، فيتم الخلاص بالجسد (كما يقول الشبتانيون والحسيديون والقبَّاليون). وقد قيل إن القبَّالاه جنَّست الإله وألَّهت الجنس، أي أنها جعلت من الجنس مطلقاً. ومن ثم، فإن الإفصاح الجنسي هو خير السبل للتعبير عن المطلق واستحضار العصر المشيحاني (أو العصر الذهبي أو الفردوس الأرضي أو نهاية التاريخ) حين يتم إصلاح الخلل الكوني (تيقون) وهو عصر امتلاء كامل لا ثغرات فيه ولا مجال للأمراض النفسية، الجميع فيه أصحاء مثل الآلهة. 

هذه الرؤية القبَّالية الحلولية تظهر في كتاب فيتلز اليهودي الذي يتحول عن دينه وإن كان ذلك يتم بشكل آخر. إذ يذهب المؤلف إلى أن تحوُّل اليهودي عن دينه يدل على الإفلاس الخلقي، فاليهود هم هدف الاضطهاد والتمييز العنصري، ولذا فإنهم حينما يدافعون عن مصالحهم إنما يدافعون عن مصلحة البشر كلهم وعن العدالة، ومن هنا فإن دفاع اليهود عن أنفسهم إنما هو إصلاح العالم بأسره (تيقون)، ولذا يتعيَّن على اليهود أن يقبلوا الدفاع عن العدالة هدفاً لحياتهم. وهكذا، يُوضَع اليهود في مركز الكون ويتحولون إلى عنصر أساسي في عملية الخلاص الكوني، تماماً كما تفعل القبَّالاه. ويمكننا هنا أن نجد تماثلاً بنيوياً مدهشاً لا يمكن فهمه إلا في إطار الحلولية القبَّالية، فالإله يحل في اليهود والجنس والبشر، وتحرير اليهود موضع الحلول الإلهي وكذلك التعبير عن الرغبات الجنسية (التي هي الأخرى موضع الحلول الإلهي) سيحرر الإله وسيجمع شتاته المتبعثر (من خلال عملية التيقون) فتعود له وحدته وحيويته وفعاليته فتسود العدالة بين البشر ويأتي العصر الذهبي والمشيحاني. ويمكننا هنا أن نرى النمط الكامن الذي بدأ يتضح في كثير من حركات التحرر في الغرب حيث يدافعون عن حقوق السود والنساء والشواذ جنسياً كما يدافعون عن البيئة والحيوانات. ونقطة الانطلاق هنا ليست إنسانية (بمعنى أن الإنسان هو مركز الكون والمسئول عن تعميره والحفـاظ عليه) وإنماحلولية (فكـل الكائنـات متسـاوية لأنها تتمتع بالدرجة نفسها من القداسة)، ولذا لا يمكن فرض حدود من أي نوع عليها. ومن أهم مؤلفات فيتلز سيرة حياة فرويد (1924). 

ميـلاني كـلاين (1882-1960(Melani Klein 
محللة نفسية بريطانية يهودية تخصصت في مجال نمو وتطور الطفل. وُلدت في فيينا، ودرست الفن والتاريخ في جامعة فيينا. وبعد زواجها واستقرارها في بودابست، تعرفت على أعمال سيجموند فرويد واهتمت بالتحليل النفسي، وقدَّمت أول دراسة لها حول نمو وتطور الطفل أمام جمعية التحليل النفسي في بودابست. وانتقلت بعد ذلك إلى برلين ثم إلى لندن عام 1926 حيث طورت من خلال عملها مع الأطفال نظرياتها وأساليبها في التحليل النفسي للطفل. 

وقد وجدت كلاين من خلال أبحاثها أن لعب الطفل ليس نشاطاً لا هدف له ولكنه ثمرة من ثمار الخيال الواسع للطفل وتعبير عن مشاعر القلق والذنب لديه. ويمكن دراسة هذا اللعب وتفسيره باستخدام أساليب التحليل النفسي وبأسلوب مشابه لأسلوب فرويد في تفسير الأحلام. 

ووجدت كلاين أن كثيراً من التطورات التي قال فرويد إنها تحدث للطفل في المرحلة الأوديبية (3 - 5 سنوات) تحدث في الواقع في السنة الأولى من حياة الطفل. كما توصلت كلاين إلى بعض النتائج المثيرة للجدل ومنها أن خيال المولود أو الطفل الصغير يدور حول ثدي الأم وأعضائها التناسلية ورغبته في تدمير ثديها. ولم تقتصر كلاين في تحليلاتها على الدوافع الغريزية والصراعات الداخلية لدى الطفل بل اهتمت أيضاً بالروابط العاطفية بين الطفل والعالم الخارجي، خصوصاً مع أمه، حيث وجدت أن علاقة الأم والطفل علاقة تجمع بين الحب والكراهية في آن واحد. فالعلاقة تتسم في بدايتها بالبارانويا والفصام حيث يحتفظ المولود في النصف الأول من عامه الأول بصورتين مختلفتين منفصلتين لأمه: الأولى الأم الطيبة التي تساعده وتلبي رغباته، والثانية الأم السيئة التي تهدده وتسبب له الإحباط. أما في النصف الثاني من العام الأول، فإن العلاقة تتسم بالكآبة حيث يكتشف الطفل أن الأم هي أم واحدة، ويصبح فقدان الأم من الاحتمالات الممكن حدوثها، ولأول مرة يبدأ شعوره بالقلق والذنب والحزن. 

وقد قدَّمت كلاين أفكارها ونظرياتها في عدد من الأعمال من أهمها التحليل النفسي للأطفال (1932)، ودراسة بعنوان « الحب والذنب والتعويض » (1937)، ونشرت هذه الدراسة في كتاب بعنوان الحب والكراهية والتعويض (1937(. 

أوتـو رانـك (1884-1939(
Otto Rank 
عالم نفس نمساوي يهودي وُلد في فيينا لعائلة يهودية متوسطة الحال، اسمه الأصلي أوتو روزنفلد. انضم عام 1905 إلى دائرة فرويد للتحليل النفسي وأصبحت علاقته بفرويد وثيقة للغاية، وكان أحد المرشحين لخلافته. وحصل رانك على الدكتوراه من جامعة فيينا عام 1912 واختاره فرويد لتحرير مجلتي إيماجو و المجلة الدولية للتحليل النفسي التي كانت تُعَدُّ أهم مجلات التحليل النفسي في ألمانيا آنذاك. وفي عام 1924، أصدر رانك عمله المهم صدمة الميلاد والذي آذن بانشقاقه ثم أدَّى إلى انفصاله عن فرويد وعن التحليل النفسي الأرثوذكسي عام 1926. وفي هذا العمل، يؤكد رانك أن الاضطرابات النفسية والعاطفية تعود جذورها إلى تجربة ميلاد الإنسان نفسه، وأن كل إنسان يسعى شعورياً إلى العودة إلى حالة النعيم الأول التي تمتع بها حين كان في رحم أمه، ومن هنا تحتل الأم والطفولة موقعاً محورياً في نظريته. 

وقد اختلف رانك مع فرويد وعلماء النفس الأكاديميين في عصره حول رؤيته للإنسان حيث رفض النظرة الآلية للسلوك الإنساني وتبنَّى نظرة تستند إلى إرادة الإنسان الحرة سواء في التعبير عن المعاني أو المبادرة بالفعل، وأعطى الوعي أهمية وفاعلية في النفس البشرية أكثر مما فعل فرويد الذي ركز على أهمية اللاشعور. وفي المجال التطبيقي، طوَّر رانك ما عُرف باسم «العلاج بالإرادة» والذي ركَّز على أهمية الإبداع سواء في العلاج أو في التعامل مع الواقع. واعتبر رانك أن العصاب تعبير عن عمل فني فاشل، وأن التحليل ميلاد ثان للمريض من خلال إعادة تأكيد ذاته والتعبير عنها. 

وقد رفض رانك يهوديته واعتنق المسيحية الكاثوليكية عام 1908 واتخذ اسم «رانك» عام 1909 بسبب عدم ارتياحه لاسم «روزنفلد» ذي النبرة اليهـودية. ولكنه عاد مرة أخرى إلى اليهودية عند زواجه عام 1918. ولم يكن رفض رانك ليهوديته يعني عدم اكتراثه بها، ففي عام 1905 أصدر مقالاً بعنوان « Das Wesen des Yudentums » (طبيعة [الهوية] اليهودية) ادعى فيه أن اليهود وحدهم يمتلكون «العلاج الراديكالي» للعصاب. فهم باعتبارهم غرباء، ظلوا دائماً محصَّنين ضد أخلاقيات المجتمعات المتحضرة ذات التأثير المُحبط وظـلوا محاـفظين على عــلاقاتهم المباشرة والنشيطة مع الطبيعة. أما الآن، فإن اليهود يواجهون كبتاً لنشاطهم الجنسي يأتي من الخارج في شكل معاداة اليهود ومن الداخل في شكل الاندماج، وأصبحـوا مصـابين بالعصـاب والاضـطراب النفسي مثل سائر البشرية. ورغم ذلك، فإن صلتهم الوثيقة بالطبيعة واتجاههم نحو التجديد يجعلهم يحملون الأمل الأخير للبشرية ويؤهلهم ليكونوا بالفعل « أطباء » البشرية. واليهودي في نسق رانك ليس سوى المتوحش النبيل الذي ظهر في عصر الاستنارة، وهو الإنسان في حالة الطبيعة الذي يعيش على مقربة من الطبيعة ويتفاعل معها فلا تفسده المدنية أو حدودها. وهذا المتوحش النبيل يمكن أن يكون الهنود الحمر (سكان أمريكا الأصليين) أو الغجر أو البدو، وهو « اليهود » في حالة أوتو رانك. لكن تصوُّر رانك لليهود هو تصور أسطوري تماماً لا علاقة له بأي واقع، فالجماعات اليهودية جماعات غير متجانسة، ومن ثم لا يمكن الحديث عن اليهود بشكل مطلق. كما أن أعضاء الجماعات اليهودية في أوربا كانوا يشكلون جماعات وظيفية تعيش في عزلة نسبية، ولكن عزلتها عن الأغلبية لم تكن تعني اقترابها من حالة الطبيعة، إذ كانوا يعيشون في الجيتوات داخل المدن، ويعملون أساساً بالتجارة والربا، وهي نشاطات لا علاقة لها بالطبيعة أو الزراعة. ولا يمكن النظر إلى تصنيف رانك لليهود كشعب طبيعي إلا باعتباره ترجمة علمانية جديدة لمفهوم الشعب المختار، على أن تحل الطبيعة محل الإله في الإطار الحلولي، كما أنه ولا شك قد تأثر بأسطورة اليهودي التائه، هذا الإنسان الموجود في المجتمعات دون أن يكون منها. واليهود في نسق رانك يشبهون الإيد (الهُوَ) أو اللبيدو في نسق فرويد، فهم الطاقة (الجنسية) التي لم يروضها التاريخ. وثمة نظرية تذهب إلى أن كلمة «إيد Id» عند فرويد مشتقة من كلمة «ييد Yid» التي تعني «يهودي». 

تيـودور رايـك (1888-1970(
Theodor Reik 
محلل نفسي أمريكي يهودي من أصل نمساوي. وُلد في فيينا وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة فيينا. تعرَّف إلى فرويد عام 1910 وتدرب بتشجيع منه ليكون محللاً نفسياً. وظل لمدة ثلاثين عاماً من أكثر أتباع فرويد وفاءً له. وبعد الحرب العالمية الأولى، مارس رايك التحليل النفسي في معهد التحليل النفسي في فيينا ثم في برلين عام 1929. وبعد صعود النازي إلى الحكم، انتقل إلى هولندا ثم إلى الولايات المتحدة عام 1938 حيث ساهم في نشر مفاهيم التحليل النفسي بها وأسس جمعية علم النفس الوطنية للتحليل النفسي. 

كتب رايك أكثر من خمسين عملاً قدَّم فيها أفكاره ونظرياته التي كان بعضها مخالفاً للتحليل النفسي الكلاسيكي. وقد رفض أن تكون عملية التحليل النفسي عملية عقلانية منظمة، فهي في رأيه عملية يجري خلالها تفاعل بين لا شعور المريض ولا شعور المحلل النفسي، وقد تنتج عنها مفاجأت لكل من الطرفين تكون ذات دلالات مهمة. واستعرض رايك هذه الأفكار في كتابيه المفاجأة والتحليل النفسي (1935)، والاستماع بالأذن الثالثة (1948). كما اهتم رايك بدراسة المازوكية (التلذذ بإيلام الذات). وفي كتابه المازوكية عند الإنسان المعاصر (1941)، يذهب رايك إلى أن المازوكية هي أساساً البحث عن اللذة، بل هي أيضاً (كما كان الحال مع الشهداء المسيحيين) البحث عن النصر النهائي. 

وفي كتابه علم نفس العلاقات الجنسية (1945)، يرفض رايك نظرية الليبيدو عند فرويد وبعض المفاهيم الجنسية المصاحبة لها. كما اهتم بدراسة الجريمة والدوافع الكامنة وراءها. وفي كتابه القاتل المجهول (1936) يرى رايك أن الإحساس اللا شعوري بالذنب هو الواقع الكامن وراء الجريمة، وأيضاً الدافع وراء حاجة المجرم إلى أن ينضبط وينال العقاب. 

وتخلى رايك عن العقيدة اليهودية في فترة مبكرة من حياته، ولكنه اهتم بدراسة الأديان بشكل عام والعقيدة اليهودية بشكل خاص من منظور علم النفس. ففي العشرينيات كتب دراستين حول كلٍّ من: دعاء كل النذور، والبوق (شوفار)، كما كتب دراسة من أربعة أجزاء حول تفسير العهد القديم تناول فيه الأنبياء (إبراهيم وإسحق)، وخلق حواء، وجذور الشعور بالذنب لدى الإنسان الحديث. أما في كتابه الطقوس الوثنية في اليهودية (1946) فإنه يُرجع كثيراً من الطقوس والشعائر التي تُمارَس في اليهودية اليوم إلى أصول وثنية وإلى طقوس عصور ما قبل التاريخ. كما اهتم رايك بدراسة العوامل النفسية الكامنة وراء روح الفكاهة بين أعضاء الجماعات اليهودية حيث ذهب في كتابه روح الفكاهة اليهودية (1962) إلى أن هناك تأرجحاً ما بين الرغبة المازوكية في إذلال الذات والشعور المرضي بالعظمة كامناً في الفكاهات والنكات التي يطلقها اليهود. 

ويلهــلم رايــخ (1897-1957(
Wilhelm Reich 
محلل نفسي نمساوي يهودي وُلد في جاليشيا وتخرَّج في كلية الطب من جامعة فيينا ثم انضم إلى جمعية فيينا للتحليل النفسي ثم إلى دائرة سيجموند فرويد. وساهم رايخ في تطوير نظرية التحليل النفسي، ولكنه انفصل عن النهج الفرويدي التقليدي واتجه إلى تأكيد ضرورة التركيز على الشخصية وعلى كيفية تبلورها وتكونها. وقد كان التحليل النفسي حتى ذلك الحين يركز على تفسير اللاشعور، ولذا فقد طالب بضرورة تحليل الشخصية، أي دراسة السمات الثابتة الكامنة وراء الصراع العصابي بدلاً من التركيز فقط على الأعراض. ورأى رايخ أن مرض العصاب يحدث نتيجة عدم تفريغ الطاقة الجنسية، كما أكد أن الكبت الجنسي هو السبب الرئيسي وراء الاضطرابات الجنسية الفسيولوجية وأن الصحة العقلية والنفسية تكمن في القدرة على الوصول إلى مرحلة الإشباع الجنسي، واعتبر أن الإعلاء محاولة ضارة لاستبطان أعراف المجتمع والتكيف معها وليس كما يؤكد فرويد علامة على الصحة العقلية والنفسية. 

وفي عام 1930، انتقل رايخ إلى برلين وأسس منظمة سكسبول، وهي منظمة كانت تدعو إلى الشيوعية الجنسية والتحرر الجنسي، ووصل أقصى حجم للعضوية فيها إلى 40 ألف عضو. وأكد رايخ أن عقدة أوديب الفرويدية يمكن تفاديها تماماً من خلال تفكيك البناء الاجتماعي البرجوازي، وأن الثورة الشيوعية يجب أن تصاحبها ثورة جنسية حتى لا تتحول الدولة الجديدة إلى دولة بيروقراطية جامدة. 

ولم تجد آراء رايخ قبولاً عند علماء النفس ولا عند الشيوعيين، وهو ما دفعه إلى الانفصال عنهما خلال الثلاثينيات. وفي عام 1939، استقر رايخ في الولايات المتحدة. وتضمنت أعماله خلال هذه الفترة تحليلاً للمسيح باعتباره تجسيداً للحب الجنسي. وقد أعرب رايخ عن أنه رغم رفضه جميع الأديان إلا أنه يجد نفسه أقرب إلى المسيحية منه إلى اليهودية. 

وقد ادعى رايخ اكتشافه لمادة الأرجون orgone في الجو. والأرجون ـ حسب زعمه ـ إشعاعات كونية يمكنها أن تشفي السرطان وأنها ذات بُعد جنسي (كما يدل على ذلك اسمها المشتق من كلمة «أورجازم orgasm» الإنجليزية والتي تعني «هزة الجماع» أو «الرعشة التي تصاحب لحظة القذف»). وقد قام ببيع علب الأرجون التي قال أنها تجتذب هذه المادة من الفضاء، مما عَرَضَه للمساءلة من قبل السلطات الأمريكية المختصة بالشئون الصحية والتي نجحت في إدانته بتهمة النصب، وحُكم عليه بالسجن لمدة عامين. وتُوفي رايخ في السجن بعد عدة أشهر من بدء تنفيذ الحكم. 

وفكر رايخ كامن في النسق الفرويدي، وكل ما فعله أنه دفع التفسير الواحدي الجنسي إلى نتيجته المنطقية، فإذا كان الدافع الجنسي في الإنسان هو المحرِّك الأول والقيمة الحاكمة والركيزة النهائية، فإن الإفصاح عنه يصبح الخير المطلق، كما أن أي إعلاء يكون بمنزلة فرض حدود عليه، ومن ثم فهو شر خالص. ولا ندري هل يستلهم رايخ القبَّالاه مباشرة في مجال إعطاء الجنس مثل هذه المحورية، أو أنه تأثر بها من خلال فرويد وغيره، أو أن هذه المحورية تعبير عن الرغبة الحلولية (الغنوصية) في العودة إلى مرحلة السيولة الكونية التي لا تحدها حدود، وهي رغبة كامنة في كثير من الرؤى العلمانية الشاملة للكون! إن هذه الرغبة في التخلص من الحدود تأخذ شكل الحل السحري، أي الصيغة أو الوسيلة التي تأتي بالتحكم الكامل والسعادة الدائمة، وهذا ما يظهر في علب الأرجون التي تأتي بالسعادة الدائمة وحالة القذف الدائمة أو عند الطلب. كما أن العلبة السحرية تضمن التحكم الكامل والمرجعية الذاتية فعن طريق استخدامها يمكن استبعاد لا أعضاء الجنس الآخر وحسب وإنما أعضاء الجنس المثلي، فهي حالة استمناء فاوستيه بروميثية (وقد تنبأنا في رسالتنا للدكتوراه عام 1969 بأن الحضارة الغربية بتأكيدها مركزية مبدأ اللذة وتحقيق الذات ستمر بمرحلة من الشذوذ الجنسي تليها مرحلة استمنائية، باعتبار أن الاستمناء هو المرجعية الذاتية الكاملة التي تستبعد التاريخ والجغرافيا والآخر والمجتمع). 

إريـك فـروم (1900-1980(Erik Fromm 
عالم نفس وفيلسوف أمريكي يهودي وناقد اجتماعي. وُلد في مدينة فرانكفورت في ألمانيا لعائلة يهودية أرثوذكسية، ودرس في المدارس الألمانية العلمانية وحصل على درجة الدكتوراه في علم الاجتماع وعلم النفس من جامعة هايدلبرح، كما تلقى تعليماً دينياً يهودياً حيث درس العهد القديم والتلمود على أيدي كبار الحاخامات. 

دَرَّس فروم في معهد التحليل النفسي في برلين وساهم في تأسيس معهد التحليل النفسي في فرانكفورت، ثم انضم عام 1930 إلى معهد البحوث الاجتماعية، واتجه فروم خلال هذه الفترة إلى الاهتمام بالعوامل والظروف الاجتماعية والاقتصادية المؤثرة في نمو الشخصية. وانتقد التحليل النفسي التقليدي لإغفاله الجانب الاجتماعي في حياة الإنسان واعتماده اعتماداً كبيراً على التكوين الغريزي للبشر. وعمل على بناء ما يمكن أن يُطلَق عليه «تحليل نفسي مادي» عن طريق الجمع والتأليف بين مفاهيم فرويد ونظرية ماركس. 

ومع وصول النازية إلى الحكم في ألمانيا، هاجر فروم إلى الولايات المتحدة عام 1934 واشتغل بالتدريس في عدد من الجامعات والمعاهد الأمريكية وأصدر عدداً من الأعمال المهمة من بينها الهروب من الحرية (1941) ، و الإنسان لنفسه (1947)، والتحليل النفسي في الدين (1950)، و اللغة النفسية (1952)، والمجتمع الصحي نفسياً (1955)، و فن الحب (1956)، وستكونون كالآلهة (1967)، وهو تفسير للرؤية التوراتية للإله من منظور التحليل النفسي. 

ويتناول فروم في أعماله معنى الحرية عند الإنسان المعاصر وإحساسه بالوحدة والعزلة لانفصاله عن الطبيعة وعن بقية البشر. ويرى أن القلق والاغتراب هما الثمن الذي دفعه الإنسان مقابل حريته. والاضطراب النفسي أو العصاب عند فروم يكون نتيجة هروب الإنسان من الحرية وإلقاء نفسه في علاقات خضوع وامتثال للغير: السلطة أو الحاكم المستبد. ويعزو فروم هذه الاضطرابات النفسية إلى عوامل ثقافية واجتماعية وإلى مساوئ النظام الرأسمالي والنظام الشمولي اللذين يحولان الإنسان إلى آلة وإلى بشاعة المجتمع الاستهلاكي الاكتنازي المعاصر. أما « الحرية الإيجابية »، فإنها تتحقق في رأي فروم من خلال العمل والمحبة ومن خلال قدرة الإنسان على تحقيق إمكاناته الداخلية واكتسابه شعوراً بذاته باعتبارها ذات قيمة وفعالية، ومن هنا فقد دعا إلى بناء مجتمع يستند إلى احترام الوجود الإنساني. 

ويرى فروم أن كل إنسان عنده احتياج عميق للدين، فالدين هو الإجابة المستفيضة عن أسئلة الوجود الإنساني. والوجود الإنساني ـ حسب رأي فروم ـ يستند إلى كل من التفكير العقلي والإيمان الديني، ولذا فلابد من التأليف بينهما ليظهر مجتمع يحقق فيه الإنسان إنسانيته الكاملة. وفروم يُفرِّق بين اتجاهين دينيين: الاتجاه الشمولي حيث يفقد الإنسان إرادته تماماً، والاتجاه الإنساني حيث يؤكد الإنسان ذاته ويمارس إحساسه بالمسئولية، ويرى فروم أن كتب الأنبياء الذين تتَّسم عقائدهم بالإيمان بالإنسانية وبتأكيد الحرية الإنسانية خير مثل على هذا الاتجاه. ويختلف فروم عن فرويد، ففرويد يرى أن الدين تعبير عن كبت وعصاب، أما فروم فيرى أن ثمة فارقاً شاسعاً بين هذا وذاك، فالإنسان المتدين يشارك الآخرين في مشاعره وأحاسيسه بينما الإنسان العصابي يعيش في عزلته، ويرى فروم أن ثمة جوهراً قيمياً أخلاقياً يوجد في الأديان كافة بحث عنه فروم في المسيحية والبوذية واليهودية. وقد تخلى فروم عن اليهودية الأرثوذكسية، ولكنه مع هذا لم يتخل عن عقيدته اليهودية ذاتها وإنما أعاد تفسيرها، فهو يرى أنها ديانة غير لاهوتية تؤكد أهمية التجربة الإنسانية. 

ويرى فروم أن العهد القديم كتاب ثوري لأنه يتمحور حول فكرة تحرير الإنسان، وأن الاغتراب (الذي هو جوهر تعاسة الإنسان في المجتمع الحديث) مرادف تماماً لمفهوم الوثنية وعبادة الأصنام في العهد القديم، وأن كتب الأنبياء هي التي تعبِّّر عن الرؤية الإنسانية المعادية للوثنية والرافضة لعبادة الأصنام. ومن الواضح أن فروم أجتزأ الطبقة التوحيدية الإنسانية في اليهودية وأسَّس عليها رؤيته لليهودية والدين، ومن هنا يأتي رفضه للحتمية وللتفسيرات المادية الأحادية وللجنس كمحرك وحيد للسلوك الإنساني. 

وقد انتقل فروم في سنواته الأخيرة إلى سويسرا عام 1969 حيث استمر في العمل الفكري إلى أن تُوفي عام 1980. 

إريك إريكسون (1902-1994) 
Erik Erikson 
محلل نفسي أمريكي يهودي وُلد في فرانكفورت. تدرب على منهج فرويد في التحليل النفسي وقام بوضع نظرية في نمو وتطور الشخصية تستند في كثير من جوانبها إلى نظرية فرويد، ولكنها تتجاوزها في الوقت نفسه حيث يرى إريكسون أن الشخصية تظل تنمو وتتطور طوال حياة الإنسان، كما يعرف بأهمية البيئة وتأثير الثقافة والتاريخ والمجتمع على تطور الشخصية. 

وفي إطار هذه النظرية، بلور إريكسون مفهوم أزمة الهوية، وهو مفهوم يبدو أنه تبلور لدى إريكسون نتيجة عدد من الأزمات الشخصية التي مرَّ بها خلال المراحل الأولى من حياته. وأولى هذه الأزمات تتعلق باسمه حيث ظل لعدد من السنوات يعتقد أن اسمه الحقيقي هو هومبرجر وهو اسم زوج والدته الذي كان يعتقد أيضاً أنه والده. أما أزمته الثانية، فواجهته في مدرسته في ألمانيا، إذ كان يعتبر نفسه ألمانياً ولكنه وجد زملاءه الألمان يرفضون ذلك باعتبار أنه يهودي، كما رفضه زملاؤه اليهود بسبب شعره الأشقر ومظهره الآري. أما أزمته الثالثة، فواجهته بعد تخرُّجه من المدرسة حيث ظل لعدة سنوات هائماً على وجهه في أنحاء أوربا باحثاً عن ذاته وهويته، وعندما بلغ الخامسة والعشرين استقر به المقام في فيينا حيث قام بالتدريس في مدرسة تأسست لتعليم كل أبناء مرضى وأصدقاء فرويد. وفي هذه الفترة، تلقى إريكسون تدريباً في التحليل النفسي على يد ابنة فرويد (آنا فرويد)، وحقق نجاحاً في حياته الشخصية والعملية، ووجد هويته وذاته سواء على المستوى الشخصي أو المهني. 

ورغم أن إريكسون لم يكمل تعليمه العالي إلا أنه قام بعد انتقاله إلى الولايات المتحدة عام 1933 بالتدريس في جامعات هارفارد وييل وكاليفورنيا. وقد استقال من جامعة كاليفورنيا في بركلي عام 1950 كأسـتاذ لعلم النفـس، محتجاً على قسـم الوفـاء الذي كان عليه أن يدلي به، إذ وجد هذا القسم غامضاً مخيفاً ويشبه الصيغة السحرية التي تهدف إلى طرد الشر! (وتُعَدُّ هذه أزمة هوية أخرى عنده). وانضم عام 1951 إلى هيئـة مركز أوسـتن ريجز في سـتوكبريدج بولاية ماساشوستس. وفي عام 1960، عُيِّن أستاذاً للتطور الإنساني وعلم النفس في جامعة هارفارد. 

وتتمحور نظرية إريكسون في تطور الشخصية حول البحث عن «الأنا» أو الهوية الذاتية، ويُقسِّم إريكسون حياة الإنسان إلى ثماني مراحل من النمو والتطور النفسي الاجتماعي لكل مرحلة أزمة خاصة بها تنشأ من جراء احتكاك الفرد بالبيئة المحيطة به، ومن جراء الضغوط والمتطلبات التي تفرضها البيئة على الفرد. ونتيجة هذا الاحتكاك وهذه الأزمة يحدث تحوُّل في الشخصية حيث يواجه الفرد خيارين: التكيف أو عدم التكيف. ونجاح الإنسان في التعامل مع كل مرحلة، وكذلك حل كل أزمة بشـكل مقبـول، يعطيـه القدرة والقوة على التعامل مع المرحلة اللاحقة. 

والمراحل الأربع الأولى في تقسيم إريكسون تشبه مراحل فرويد (الفمية ـ الإستية ـ القضيبية ـ الكمون) ولكن إريكسون يعطي أهمية أكثر للعوامل النفسية الاجتماعية على العوامل البيولوجية. ويضيف إريكسون أربع مراحل أخرى (المراهقة ـ الصبا ـ الشباب ـ النضوج). وتتحدد هوية الإنسان في مرحلة المراهقة (12 ـ 18 عاماً) وتتحدد على أساسها طبيعة المراحل الثلاث الأخيرة. ومن إسهامات إريكسون تأكيده أهمية مرحلة المراهقة هذه. 

وقد طوَّر إريكسون مفهومه لدورة الحياة الثمانية إذ اقترح جدولاً للفضائل يقابل المراحل الثمانية للحياة (الأمل ـ الإرادة ـ الهدف ـ المقدرة ـ الإخلاص ـ الحب ـ الرعاية ـ الحكمة). وهذه الفضائل كامنة في الإنسان ككائن عضوي وتساعدها البنية الاجتماعية الصالحة على النمو وتجهضها البنية الفاسدة، أي أن الدورة النفسية تقابلها دورة أخلاقية. ولذا، فإن إريكسون يرى أن النمو النفسي وتكوين الشخصية الأخلاقية وجهان لعملة واحدة. ويُعتبر إريكسون، بسبب نظرياته هذه، من أهم المفكرين في علم النفس التطوري (مع جان بياجيه). 

وكان لنظرية إريكسون أهمية في مجال التحليل النفسي، وكذلك في مجال التعليم والعمل الاجتماعي. وقد قدَّم نظرياته في عدد من الأعمال من بينها الطفولة والمجتمع (1950) الذي تضمن نتائج أبحاثه حول بعض قبائل الهنود الحمر. وتناول في هذا الكتاب أيضاً تطوُّر الهوية والشخصية، كما تناول مسألة معاداة اليهود ودور اليهود في ظل بيئة ثقافية متغيِّرة. وفي كتابيه الشاب لوثر (1958)، و حقيقة غاندي بيَّن كيف عاش الرجلان أزمة في حياتهما ونجحا في تجاوزها والخروج منها بإحساس أعمق بالقـوة. وهـو يرى أن هـذا قد حدث لأن كليهما كان على استعداد لأن يخاطر بهويته المهنية وقبلا تعـريف هويتهما بطريقة تتضمن الاعتراف بمواطن الضعف فيها. 

وإذا ما بحثنا عن البُعد اليهودي في فكر إريكسون، فإننا سنجابه صعوبة بالغة، فقد رفض تبسيطات فرويد المادية الحلولية ورفض اعتبار الجنس ركيزة نهائية ورفض التفسير المجرد للسلوك الإنساني، وكان يحاول دائماً الوصول إلى نموذج تفسيري مركب للطبيعة البشرية فجمع بين المكوّن النفسي (الحتمي) والمسئولية الفردية الخلقية. وأقرب المفكرين له هو المفكر جان بياجيه (المسيحي). وقد يُقال إن سلسلة أزمات الهوية التي مر بها تعبير عن وضعه كيهودي، وهو قول يُبسِّط الأمور تماماً، فأزمة الهوية هي أزمة يمر بها كل فرد في العصر الحديث بسبب نسبيته ومعدل تغيُّره السريع ويواجهها المفكرون من اليهود وغير اليهود والأفراد العاديون من اليهود وغير اليهود. ولهذا السبب، نجد أن كثيراً من الموسوعات التي تناولت حياة إريكسون لا تذكر على الإطلاق مسألة أصوله أو انتمائه اليهودي. 

برونـــو بيتلهــايم (1903-1990(Bruno Bettelheim 
عالم نفس أمريكي يهودي. وُلد عام 1903 في فيينا حيث نشأ وتعلَّم وحصل على درجة الدكتوراه. قُبض عليه عام 1938 وأُرسل إلى معسكرات الاعتقال، ثم أُفرج عنه بعد عام فهاجر إلى الولايات المتحدة. تدور معظم دراساته عن الأطفال، وله دراسة داخل معسكرات الاعتقال بيَّن فيها أن الأطفال يصابون بالشيزوفرنيا حينما يرون أن حياتهم تسيطر عليها قوة عشوائية لا معقولة لا يمكنهم التحكم فيها بأي شكل. ولبيتلهايم دراسة عن أطفال الكيبوتس؛ أطفال الحلم (1967)، وله أيضاً فوائد السحر ـ معنى وأهمية الحكاية الخرافية (1976). كما أن له دراسة في كتب المطالعة بعنوان تعلُّم القراءة: انبهار الطفل بالمعنى (1982)، حيث يعقد مقارنة بين كتب المطالعة الحديثة التي تحد آفاق الخيال والقصص التقليدية والحكايات الخرافية التي تعبِّر عن المخاوف العميقة عند الأطفال أو تعبِّر عن أحلامهم وآمالهم. ولعل يهوديته تنحصر في تناوله بعض الموضوعات اليهودية وفي بعض الحالات التي يدرسها، أما منهج التناول فتحدده عناصر مركبة كثيرة لا تختلف عن تلك العناصر التي تحدد منهج أي عالم نفس آخر.


الباب الخامس عشر: التربية والتعليم عند الجماعات اليهودية حتى العصر الحديث 

تربيـة يهوديــة وتربويــون يهــود 
Jewish Education and Educators 
« تربية يهودية» مُصطلَح يفترض وجود شعب يهودي ذي تاريخ مشـترك ومصير مشـترك، ومن ثم يصـبح له نوع خاص ومتميِّز من التربية. إلا أن هذا الافتراض لا تدعمه الحقائق التاريخية، ومن ثم فمقدرته التفسيرية والتصنيفية منخفضة للغاية. فمن المعروف أن أعضاء الجماعات اليهودية لم يكونوا شعباً واحداً باستثاء فترة قصيرة من تاريخهم، أي منذ استقرارهم في كنعان (فلسطين) في حوالي القرن الثاني عشر قبل الميلاد وحتى تهجيرهم إلى بابل في حوالي القرن السادس قبل الميلاد. وخلال هذه الفترة، كوَّن العبرانيون شعباً أو قوماً له سمات إثنية محدَّدة وديانة مرتبطة بالمكان (فلسطين) ويجمعه إطار ثقافي واحد ويتحدث لغة مشتركة. ورغم أن العبرانيين احتفظوا ببعض السمات الإثنية بعد العودة إلى فلسطين، إلا أننا نجد أن انتشارهم في البلدان المختلفة بدأ أيضاً خلال هذه الفترة، وظهرت تجمعات يهودية كبيرة في كل من بابل والإسكندرية لها ظروفها الثقافية المحددة وحركياتها المختلفة عن حركيات العبرانيين في فلسطين، ومن ثم لها مؤسساتها التربوية التي تلبي احتياجاتها باعتبارها أقلية لها أوضاعها الثقافية والحضارية المتعينة. ولهذا، فيمكننا أن نتحدث عن «التربية العبرانية» أو عن «التربية عند العبرانيين». وقد قسمنا هذه المرحلة إلى فترتين: قبل التهجير إلى بابل، وبعد العودة من بابل، ذلك أنه رغم وجود وحدة ثقافية تسم التشكيل الحضاري العبراني إلا أن ثمة تحولاً جوهرياً حدث للعبرانيين عند تهجيرهم إلى بابل، وهو تحول انعكس على مؤسساتهم التربوية المدرسية وغير المدرسية. فقد أوجد العبرانيون اليهود منذ عودتهم من بابل، وتحت تأثير تجربة التهجير والمعيشة في إطار الحضارة البابلية، وحتى سقوط الهيكل عام 70م، المؤسسات التربوية الثلاث اللازمة لتطوير ونقل ونشر الديانة اليهودية، وهي: تنظيم الكتبة والحلقات التلمودية، والمعبد اليهودي، ثم أخيراً المدرسة الأولية التي ظهرت تحت التأثير الهيليني وكرد فعل له. وخلال هذه الفترة، حاول سيمون بن شيتا (75 ق.م) نشر التعليم بين الشباب، ثم جاء يوشع بن جمالا (65 ق.م) بقرار جعل التعليم إجبارياً وعممه مجاناً. 

ومع سقوط الهيكل عام 70م على يد تيتوس، أصبح من المستحيل التحدث عن «الشعب العبراني» أو عن «الثقافة العبرانية»، ومن ثم أصبح من المستحيل الحديث عن «التربية العبرانية». ونظراً لتنوع أحوال وتجارب واحتياجات الجماعات اليهودية، لا يمكن الحديث عن «تربية يهودية» باعتبارها كياناً فكرياً واحداً أو عن «مدرسة يهودية» باعتبارها نمطاً مؤسسياً متكرراً، وإنما يمكن الحديث عن «تربية وتعليم أعضاء الجماعات اليهودية في العصر الهيليني» أو «تربية وتعليم أعضاء الجماعات اليهودية في العصور الوسطى في الغرب»... وهكذا، أي بنسبة الجماعة اليهودية إلى مكان وزمان محدَّدين. وبذلك نكون قد نحتنا مُصطلَحات وصُغنا مقولات تحليلية لها مقدرة تفسيرية وتصنيفية عالية. 

ولتوضيح هذه النقطة يمكن أن نشير على سبيل المثال إلى يهود الإسكندرية في العصر الهيليني الذين تأغرقوا بشكل سريع وانضم أطفالهم وشبابهم إلى المدارس الهيلينية، بل وأقاموا صلواتهم وتعلموا مبادئ دينهم باللغة اليونانية من خلال الترجمة السبعينية. أما أعضاء الجماعات اليهودية في بابل، فتبعت تربيتهم نمطاً مختلفاً نتيجة تكوُّن التشكيلات الإمبراطورية المختلفة في هذه المنطقة، فأرسل أعضاء الجماعات اليهودية أطفالهم إلى مؤسسات تعليمية خاصة بهم، كما قدمت الحلقات التلمودية في بابل فيما بعد إسهامات في تطوير التراث الديني اليهودي المتمثل في التلمود البابلي. 

وبمجيء العصور الوسطى في الغرب والتشكيل الإسلامي في الشرق، أصبحت الحضارات التي يعيش اليهود بين ظهرانيها أساساً حضارات دينية توحيدية حيث ساد الإسلام الشرق العربي والمناطق المجاورة والأندلس وسادت المسيحية أوربا. وقد مثل الدين وعلومه المختلفة محوراً أساسياً للدراسة في المؤسسات التعليمية لشعوب هذه البلدان. ولم يختلف الوضع بالنسبة إلى الجماعات اليهودية التي عاشت في هذه المناطق، فكوَّنت العقيدة اليهودية وكتبها المقدَّسة المادة الأساسية التعليمية للجماعات اليهودية. ومع هذا، نجد أن مناهج التعليم وأساليب التدريس اختلفت من جماعة يهودية إلى جماعة يهودية أخرى طبقاً للأوضاع الثقافية والحضارية للشعوب التي عاشت بينها وطبقاً لوضع الجماعة نفسها. ففي أوربا حيث تدنت الأوضاع الثقافية للبلدان الأوربية، ودعمت نظم الإدارة الذاتية عزلة الجماعات اليهودية الثقافية، تدنى مستواهم الثقافي وتخلف مستواهم التعليمي، واقتصرت مؤسساتهم التعليمية على تدريس الكتب الدينية، بل على تأكيد التوافه من أمور دينهم واستخدام أسلوب من الجدل العقيم في التدريس، كما تخلفوا عن تحصيل العلوم والمعارف التي بدأت تأخذ طريقها إلى الحضارة الأوربية منذ عصر النهضة. أما في بلدان العالم الإسلامي، فقد ازدهرت ثقافة الجماعات اليهودية تحت تأثير الحضارة الإسلامية وشارك أعضاؤها في النهضة الثقافية والعلمية. ولكونهم أهل ذمة، سُمح لهم بكثير من الحريات وأُحْسنَت معاملتهم اجتماعياً وثقافياً، ومن ثم فإن عزلتهم لم تكن على نحو ما كانت عليه عزلة الجماعات اليهودية في بلدان أوربا. وبطبيعة الحال، أثرت هذه الأوضاع في ثقافة الجماعات اليهودية ومؤسساتهم التعليمية. ورغم أن الدراسات الدينية احتلت مركزاً مرموقاً فيها، إلا أن المنهج التعليمي لم يقتصر عليها بل اتسع ليشمل كثيراً من المعارف والعلوم، فاحتوى على اللغة العربية والقواعد والشعر والمنطق والبلاغة والرياضيات والفلك والعلوم الطبيعية والميتافيزيقا. كما ظهر بين الجماعات اليهودية في العالم الإسلامي أدب مكتوب عن التربية والتعليم أخذ شكل فصول من كتب أو وصايا أو تعليقات. وكان من أهم المفكرين الذين كتبوا عن التربية يوسف بن عكنين (شمال أفريقيا)، ويهودا بن عباس في الأندلس. ولم تختلف مناهج الدراسة كثيراً بين الجماعات اليهودية في كل من إيطاليا وجنوب فرنسا. 

وإذا كان التعليم الديني قد شكَّل محوراً رئيسياً وعنصراً مشتركاً بين مؤسسات التعليم للجماعات اليهودية خلال العصور الوسطى في الغـرب وفي العصـر الإسـلامي الأول والثاني في العـالم الإسلامي، فإن هذا العنصر يختفي تدريجياً ويزداد التنوع وعدم التجانس في تربية وتعليم أعضاء الجماعات اليهودية منذ أواخر القرن الثامن عشر حيث بدأت المجتمعات الأوربية تدخل مرحلة تصاعدت فيها تدريجياً وتيرة التصنيع والتحديث، الأمر الذي أدَّى إلى ظهور الدولة القومية العلمانية المركزية التي طالبت أعضاء الجماعات اليهودية بأن يندمجوا في المجتمعات التي يعيشون فيها وأن يدينوا لها وحدها بالولاء. وأدرك حكام أوربا المستنيرون أن تحديث وعلمنة تربية وتعليم أعضاء الجماعات اليهودية هو أنجح الوسائل لتحقيق هذا الهدف. ففتحت أمام أعضاء الجماعات اليهودية أبواب التعليم الحكومي العلماني، كما سُمح لهم بتأسيس مدارس علمانية خاصة بهم، الأمر الذي دفع المثقفين اليهود من دعاة حركة التنوير (هسكلاه) إلى تحديث التعليم اليهودي التقليدي، فقاموا بتأسيس عدد من المدارس اليهودية التي جمعت مناهجها بين المواد العلمانية والمواد الدينية، كما شجعوا أعضاء الجماعات اليهودية على إرسال أولادهم إلى المدارس الحكومية، وكان أهم دعاة هذا الاتجاه موسى مندلسون ونفتالي هرتز فيسلي وغيرهما. ومنذ ذلك الوقت، تزايد إقبال أعضاء الجماعات اليهودية على التعليم الحكومي العلماني، وكذلك إقبالهم على المدارس الخاصة بهم، كما تم تهميش التعليم الديني والاقتصار على المدارس التكميلية التي كان يحضرها التلاميذ بعد حضورهم المدارس الحكومية. وحتى المدارس التلمودية العليا (يشيفا) نفسها (التي تُخرِّج الحاخامات والمتخصصين في مجال الدين)، هبت عليها هي الأخرى رياح التطوير والتحديث. ومع هذا، يُلاحَظ أنه، داخل التشكيل الحضاري الأوربي، اتخذت عملية تحديث تربية وتعليم أعضاء الجماعات اليهودية أشكالاً مختلفة. ففي أوربا الغربية، تمت عملية التحديث دون مقاومة. أما في شرق أوربا وفي روسيا القيصرية، فإن عملية تحديث التعليم حققت نجاحاً في بدايتها، إلا أن تعثُّر عملية التحديث (في المجتمع ككل) في نهايات القرن التاسع عشر أدَّى إلى تزايد اغتراب أعضاء الجماعات اليهودية وتزايد انخراطهم في الحركات الثورية والعمالية اليهودية والصهيونية التي أشرفت على إقامة سلسلة من المؤسسات التعليمية الخاصة بها والتي اتسمت بتوجهها العلماني الإثني ـ اليديشي أو الصهيوني. غير أن قيام الثورة البلشفية وبناء الدولة السوفيتية أنهى هذا الوضع في روسيا. أما في بولندا وسائر بلدان أوربا الشرقية، فقد تزايدت هجرة أعضاء الجماعات اليهودية إلى الأمريكتين.

وإذا نظرنا إلى الجماعات اليهودية في العالم الإسلامي، وجدنا أن تطوُّر مؤسساتهم التعليمية اتبع نمطاً مغايراً عن مثيلاتها في مجتمعات أوربا حيث تمت عملية تحديثها في مرحلة متأخرة (وبعد وصول القوات الغربية الإمبريالية)، ونجم عن ذلك تحويل أعضاء الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية وإلى مادة استيطانية تابعة للغرب. وقد اتبع تحديث المؤسسات التعليمية اليهودية في الهند النمط نفسه الذي اتبعه في العالم الإسلامي. أما الجماعات اليهودية في إثيوبيا فقد اتبعت نمطاً مخالفاً للأنماط السالفة الذكر. 

وفي المجتمعات الاستيطانية، تأثرت تربية وتعليم الجماعات اليهودية بطبيعة المجتمع الاستيطاني نفسه. ففي الولايات المتحدة، التي اتسمت باقتصادها الحر المفتوح وتربيتها العلمانية ونظامها التعليمي الحكومي المجاني، تمت عملية تحديث تربية وتعليم أعضاء الجماعات اليهودية بسهولة كما تم إكسابهم الهوية الأمريكية. أما في بلاد أمريكا اللاتينية فقد اتبع تطوير تربية وتعليم الجماعات اليهودية شكلاً مخالفاً. إذ اتجهت كل جماعة يهودية إلى إقامة مؤسساتها التعليمية الخاصة بها، فكثُر عدد مدارس اليوم الكامل اليهودية التي يتلقى فيها الأطفال تعليماً يهودياً بعيداً عن تأثير المدارس العامة ذات التعليم الكاثوليكي. واتسمت هذه المدارس بتوجهها الإثني الصهيوني. ولم يختلف نمط تربية وتعليم الجماعات اليهودية في كندا وجنوب أفريقيا كثيراً عن نمط أمريكا اللاتينية. 

ومن الملاحظ أن الجماعات اليهودية المختلفة لم تُقدِّم فلاسفة أو مفكرين تربويين لهم ثقلهم الفكري العالمي في مجال التربية، وذلك رغم إنجازات بعض أعضاء الجماعات اليهودية في المجالات الأخرى. فمعظم المفكرين اليهود الذين كتبوا عن التربية اتبعوا النظريات والاتجاهات الفكرية التربوية أو عالجوا المشكلات التربوية التي تمس الأوضاع التربوية القائمة في المجتمعات التي ينتمون إليها، ومن الصعب وصف إنجازاتهم الفكرية بأنها ذات مضمون يهودي. فجيكوب بريير تربوي فرنسي، وهو أول من اهتم بتعليم الصم البكم، وجوزيف فيرتيمر تربوي نمساوي اتبع الاهتمام الفكري السائد في أوربا آنذاك بطفل ما قبل المدرسة وأسس دور حضانة في النمسا، بينما نجد يانوس كورساك البولندي أبدى اهتماماً بالأطفال الأيتام وأنشأ لهم ملجأً وكتب عن كيفية فهم الطفل ومعاملته. وفي الولايات المتحدة، أبدى أبراهام فلكسنر اهتماماً بتعليم الطب وقدَّم تقييماً لكليات الطب في الأمريكتين وكندا ثم في أوربا. ويُعَدُّ كل من لورانس كرين وإسحق بركسون من أتباع التربية التقدمية. أما إسرائيل شيفلر، فهو رائد من رواد مدرسة التحليل الفلسفي في التربية.

التربيــة والتعليـم عــند العــبرانيين قبــل التهــجير إلى بابــل 
Education of the Hebrews Before the Transfer to Babylonia 
كانت التربية الدينية والتربية القومية عند العبرانيين تشبهان تمام الشبه مثيلتيهما في المجتمعات القديمة التي كانت تسودها عقائد ذات طابع حلولي وثني واضح حيث يتحد فيه الإله القومي بأرضه وشعبه. وتَصدُر العقيدة اليهودية عن عدد من المفاهيم المحورية ربطت بين الإله والشعب، مثل: مفهوم الإله القومي، ومفهوم الشعب المختار، ومفهوم العهد بين الإله والشعب. ويمكن تقسيم هذه المرحلة من تاريخ التربية عند العبرانيين إلى فترتين أساسيتين: 

أ) فترة ما قبل التهجير إلى بابل، وهي أيضاً الفترة التي استقر فيها العبرانيون في كنعان وأسسوا مملكتهم العبرانية (1150 ـ 586 ق.م). 

ب) فترة ما بعد التهجير (من 586 ـ حتى القرن الثاني قبل الميلاد). 

وسنتناول في هذا المدخل الفترة الأولى وحسب، على أن نتناول الفترة الثانية (بعد التهجير) في مدخل خاص. 

اتَّسمت فترة ما قبل التهجير بتغيرات اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية صاحبت انتقال العبرانيين من حياة البداوة والترحال إلى حياة الاستقرار. فعلى الصعيد الاقتصادي، تحول العبرانيون من قبائل تعيش على الرعي أساساً إلى شعب مستقر يعمل بالزراعة وبعض الحرف، ويعيش داخل مدن محصَّنة، ونمت التجارة وزاد ثراء بعض أعضاء المجتمع، الأمر الذي أدَّى إلى ظهور طبقة جديدة من الأغنياء وظهور هوة سحيقة بينهم وبين الفقراء. أما على الصعيد السياسي، فقد تحول العبرانيون من النظام القبلي إلى النظام الملكي إذ أسَّسوا الدولة العبرانية المتحدة التي يحكمها ملك يساعده عدد من الموظفين مثل:كاتب الملك والحاجب وعامل الخراج وقائد الجيش،كما كان الكهنة يُعتبَرون موظفين تابعين لبلاط الملك. أما على الصعيد الديني،فقد قام الكهنة واللاويون بالحفاظ على شريعة يهوه خلال الفترة المذكورة،كما ظهر الأنبياء في عصر الملوك. 

وجاءت حركة الأنبياء لتكبح وتوقف عملية الاندماج التدريجي في العبادات الكنعانية، ولتهيب بالمؤمنين أن يعودوا إلى التقاليد الدينية القديمة لتكفل بذلك استمرار دين يهوه وتثبت دعائمه. وخلال هذه الفترة، كانت التربية عند العبرانيين شبيهة بالتربية السائدة في المجتمعات البسيطة. وليست هناك أدلة على أن العبرانيين عرفوا المدارس كمؤسسات تربوية مستقلة، إذ كانت التربية عند معظم الناس مرادفة للحياة نفسها. ومع هذا، وُجد نوع من التعليم النظامي لدى بعض فئات المجتمع التي احتاجت إعداداً خاصاً. 

وشهدت هذه الفترة ظهور مؤسستين مهمتين لعبتا دوراً مهماً في نقل التراث الثقافي وتشكيل العبرانيين دينياً وقومياً، وكان لهما دور تربوي محدَّد، وهما: الأسرة والمؤسسة الدينية. 

1 ـ الأسرة: 

كانت الأسرة، ضمن القبيلة، المؤسسة الاجتماعية الأساسية المسئولة عن نقل تراث الجماعة وخبراتها إلى النشء. ويبدو أن الروابط الأسرية بين القبائل العبرانية كانت من القوة بحيث احتوت يهوه نفسه، الذي كان العبرانيون ينظرون إليه باعتباره أبو الشعب، حيث كانوا يعتبرون أنفسهم أولاده فيدينون له بالولاء والطاعة. 

وكان يُنظَر إلى الأب العبراني باعتباره الملك المطلق في رئاسة العائلة. فالتوراة كانت تعطيه حق بيع زوجته وأولاده بيع العبيد، كما أن سفر التثنية يعطي الوالدين حق معاقبة الابن بالرجم أمام مجلس من الكبار إذا فشل العقاب في إصلاحه. 

وتمت عملية نقل التراث الثقافي عن طريق مشاركة الصغار في مناشط الحياة اليومية والطقوس الدينية. ومن الصعب، خلال هذه الفترة، التفرقة بين التربية الدينية وبين التدريب على مناشط الحياة الأخرى. فلم يوجد وجه واحد من أوجه الحياة ولا نشاط من أنشطتها إلا وكانت الشعائر الدينية جزءاً منه. فالرقص والغناء مثلاً كانا جزءاً من الشعائر الدينية وطريقة للاحتفال. كذلك كانت مناشط الحياة المختلفة مثل اجتمـاع الأسـرة أو القبـيلة، وجـز صوف الخرفان، وجمع المحاصيل، ومولد الطفل، والذهاب إلى الحرب، وتغيُّر الفصول، مناسبات دينية. ومن خلال ملاحظة الطفل لهذه المناسبات، والمساعدة والمشاركة فيها، والاستماع إلى الشرح الذي يصاحبها، تلقَّى الطفل تدريبه على كثير من شعائر الدين. 

وحدَّدت ظروف البيئة الاجتماعية والاقتصادية نوعية التربية التي يتلقاها الصغار. ففي بيئة رعوية، تعلم الصغار كيف يصبحون رعاة. وبعد أن استقر العبرانيون في كنعان وتحولوا إلى حياة الاستقرار والزراعة، أصبح من الضروري تعليم الصغار كيف يصبحون مزارعين، ومن ثم تم تدريبهم على الزراعة وتربية المواشي والصيد والتعدين والبناء والنجارة وصنع الأدوات الخشبية والمعدنية والغزل والنسيج وعمل الخيام وصناعة الفخار. كما تم تدريب البنات في شئون المنزل على أيدي أمهاتهن. 

وحتى قيام المملكة العبرانية المتحدة وتأسيس جيش منظم في عهد الملك داود، كان على الأسرة أن تُعلِّم الصغار كيفية استخدام الأدوات الحربية المعروفة آنذاك. فالحرب بين العبرانين والجماعات الأخرى، أثناء تجوالهم واستقرارهم في فلسطين، جعلت تدريب النشء على القتال ضرورة حيوية. وقد تخصَّصت بعض القبائل في استخدام أدوات حربية معيَّنة، فقبيلة بنيامين مثلاً عُرفت بمهارتها في استخدام السيف والمقلاع، بينما عُرفت قبيلة يهودا باستخدام الرمح. ومن المحتمل أن الملك داود استعان بقدرات هذه القبائل في تكوين جيشه النظامي. كما يبدو أن الألعاب الرياضية والجري والرماية كوَّنت جزءاً مهماً من تربية الصغار. كذلك قامت بعض الأسر بتدريب صغارها على الرقص والغناء واللعب على الناي بوصفها جزءاً من الاحتفالات الدينية. 

وقُدِّر للأسرة العبرانية أن تلعب دوراً رئيسياً في نقل مبادئ الدين والتقاليد القومية. فالتوراة تجعل تعليم الشريعة أمراً واجباً دينياً على الأب، وفي المقابل يُؤمَر الأطفال بإجلال واحترام آبائهم. كما لعبت الاحتفالات الدينية داخل الأسرة دوراً مهماً في تلقين النشء التراث الديني. كذلك استُخدم سرد التاريخ كوسيلة لتلقين الجيل الجديد تاريخ العبرانيين والاستقرار في كنعان. فالتقاليد والأساطير والأغاني والأقاصيص نُقلت شفهياً من جيل إلى جيل قبل أن تُدوَّن. وقام كبار القبيلة (أو الأب) بهذه المهمة، ومن المحتمل أيضاً أن من قام بهذه المهمة منشدون متجولون. وربما قام الطفل أيضاً بزيارة مقامات يهوه التي كانت منتشرة في كنعان خلال هذه الفترة، والتي كان يقوم على خدمتها الكهنة، ومارس هناك الكثير من الطقوس والشعائر الدينية. وبعد بناء الهيكل، قام الطفل العبراني بزيارة الهيكل.


أما القيم والفضائل التي حاول العبرانيون إكسابها لأطفالهم، فقد حددتها ظروفهم في الحياة وكذلك إطارهم العقائدي. ومن أهم هذه الفضائل الشجاعة والإخلاص لكلٍّ من يهوه والعشيرة والشعب، والطاعة الكاملة لمن هم في السلطة ولقوانين القبيلة والأسرة والشعب، والتعامل بالحسنى مع الأقرباء وبلا شفقة أو رحمة مع الأعداء. 

2 ـ المؤسسة الدينية: 

قامت المؤسسة الدينية، بكهنتها وأنبيائها، بنشر عبادة يهوه وتوراته، حيث قاموا بتلقين العبرانيين مبادئ دينهم وإكسابهم الهوية القومية. ويُعتبَر الكهنة واللاويون المربين الأوائل للشعب العبراني. ومن خلال إنجاز المهام الموكلة إليهم بصفتهم وكلاء وممثلين ليهوه ومحافظين على مقاماته التي انتشرت في فلسطين، قام هؤلاء بنشر ديانة يهوه وبتوجيه حياة العبرانيين الدينية والأخلاقية. ومن هنا، أوجدوا محتوى لهذه الديانة، كما أوجدوا الأشكال التي تم من خلالها التعبير عن عقائد ومبادئ الدين. وقام الكهنة بتنظيم وتوجيه الاحتفالات العامة التي لم تكن أكثر من دروس في تاريخ العبرانيين. كذلك علموا الأفراد والجماعات مبادئ وعقائد هذا الدين، ونقلوا الشريعة والطقوس والشعائر والأساطير المرتبطة بالدين شفاهة في بادئ الأمر، ثم قاموا بتدوينها وحفظ أجزاء كبيرة منها بشكل يَسهُل فهمه وتذكُّره بالنسبة لعامة الناس. 

كما قام الكهنة بقراءة التوراة أو الوصايا العشر على القبائل العبرانية (ويبدو أن هذه كانت عادة متبعة في المعاهدات التي كانت تُعقَد بين الدول المنتصرة والدول التابعة، حيث كان أحد بنود المعاهدة ينص على عرضها في مكان عام أو وضعها في معبد وقراءتها مرة كل سبع سنوات على الملك التابع وشعبه حتى يعوا نصوصها تماماً). كما ساهم توزيع اللاويين على القبائل العبرانية في نشر التوراة بين العبرانيين. ولعل أهم دور لعبه الكهنة، في تربية الشعب العبراني ونشر التوراة، كان من خلال علاقتهم بالقانون. فالقانون المدني والممارسات الاجتماعية كانت مجرد استنتاجات من القانون الإلهي، ولذا قام الكهنة بتقديم النصيحة للناس بشأن الممارسات الاجتماعية، وإصدار الأحكام الشرعية في الحالات التي تُعرَض عليهم. 

وبازدياد القوانين الشرعية، زادت تطبيقات التوراة وزاد تأثيرها على حياة الناس. وبمرور الوقت، ارتبطت فاعلية الكهنة بالهيكل وطقوسه، وظهر الأنبياء كمربين للشعب العبراني وكناشرين لعبادة يهوه وشريعته في وقت كادت تُستوعَب فيه ديانة العبرانيين، ضمن الديانة الكنعانية. فكان الأنبياء واعظين متجولين، وأينما سنحت لهم الفرصة لنشر دعوتهم اغتنموها، سواء في السوق أم في بلاط الملوك والأمراء. ولكن، في أغلب الأحيان، كان فناء الهيكل المكان الأثير لديهم، فكانوا يؤكدون في إصرار على الوحدانية الخالصة والإخلاص للعهد المعقود مع يهوه، ويرفضون كل نوع من التساهل مع العبادات الأجنبية، كما كانوا يدعون إلى صـلاح الأخـلاق ونقـاء القلب واسـتقامة السلوك. وهم في دعوتهم هذه، لم يكونوا يغفلون عن التنبؤ بالعقاب الذي سيحيق بالعبرانيين إن لم يقتدوا بما يقولونه لهم. 

3 ـ التعليم النظامي: 

ورغم أن كلمة «مدرسة» لم يرد لها ذكر في العهد القديم، إلا أن الدلائل تشير إلى أن الكتابة كانت معروفة عند العبرانيين منذ عصر القضاة، وأن العبرانيين استخدموا الحروف الفينيقية التي كانت مُستخدَمة في كنعان في ذلك الوقت. وخلال عصر الملوك، كان ثمة مسجلون رسميون وكتبة للجيش وللملوك والأفراد. كما توجد إشارات إلى ما يُسمَّى «عائـلات الكـتبة»، وهـو ما يدل على أن مهنة الكتابة كانت وراثية. كذلك، استخدم الأنبياء الأوائل الكتابة، فقد قام عاموس وميخا بتدوين نبوءاتهما، كما أن بعض فئات وأعضاء المجتمع احتاجت إعداداً وتدريباً خاصين. ومن ثم، يمكن القول بأن نوعاً من التعليم النظامي وُجد خلال هذه الفترة وإن ظل مقصوراً على بعض الفئات التي تحتاجها للقيام بمهامها. ومن أهم هذه الفئات: 

أ) الكهنة: 

كانت جماعة الكهنة أولى الجماعات التي أعطت تعليماً وتدريباً منظماً لأعضائها. ورغم عدم وجود أية سجلات تفيد ذلك، إلا أنه يمكننا أن نقول، دون أن نحيد كثيراً عن جادة الصواب، أنه لابد أن الكهنة حصلوا على تعليم وتدريب خاصين، وأن عملية التدريب هذه تمت في نطاق الهيكل كما كان الحال في بلاد الشرق الأوسط. وعلى أية حال، فقد ظل هذا النوع من التعليم مقصوراً على أسر معينة، حيث كانت وظيفة الكاهن وراثية ومقصورة على عائلات معينة. 

ب) الأنبياء: 

عاش بعض الأنبياء مع أتباعهم داخل جماعات، حيث قاموا بإلقاء دروسهم على أتباعهم واستخدموا إنتاجهم المدون والشفوي لتعليم أتباعهم. ومن ثم، يمكن القول بأن جماعات الأنبياء تلقوا نوعاً من التعليم النظامي شَمل القراءة والكتابة والخطابة والشعر. 

جـ) الكتبة: 

كوَّن الكتبة جماعة خاصة، وكانت ممارسة مهنتهم مقصورة على بعض العائلات كما كان الحال في الشرق الأدنى القديم. ويبدو أن عائلة شافان كانت على قمة هرم البيروقراطية المرتبطة بالقصر. كما وُجد كتبة آخرون عملوا كإداريين للحكومة المركزية ولمجالس المدن، وكموظفين في الهيكل. وقامت هذه المؤسسات بتعليمهم وتدريبهم على مهام وظائفهم، حيث دُرِّب الكهنة على كتابة الرسائل والصيغ الإدارية وعلى كتابة العقود (مثل عقود الزواج والطلاق). ويبدو أن كتبة القصر كان عليهم أن يُلموا بالسياسة وببعض العلوم واللغة الآرامية (لغة المعاملات الدولية آنذاك)، كما يبدو أن هذه الفترة شهدت نمو أدب مرتبط بأخلاقيات الكتبة.

دراسة التوراة (تلمود تورا( 
Talmud Tora 
«دراسة التوراة» عبارة تقابلها في العبرية عبارة «تلمود تورا»، وتُستخدَم للإشارة إلى مفهوم تربوي أساسي يستند إليه الفكر التربوي بين أعضاء الجماعات اليهودية حتى القرن الثامن عشر الميلادي. ويستمد موضوع دراسة التوراة أهميته من عدة أشياء أساسية في العقيدة اليهودية منها أهمية التوراة ذاتها باعتبارها الكتاب المقدَّس الذي يحوي كلام الإله، ومنها أن إرسالها لليهود هو علامة على اختيارهم. ولكن، لعل أهم الأسباب هو مفهوم الشريعة الشفوية الذي يجعل تفسير الحاخامات للتوراة (كلمة الإله)، ودراستهم لها، أكثر أهمية من النص المقدَّس ذاته. ولكل هذا، كان الفعل الأسمى لدى أعضاء الجماعات اليهودية هو التفرغ لدراسة التوراة. 

ويمكن القول بأن المؤسسات التربوية بين أعضاء الجماعات اليهـودية هي بالدرجـة الأولى أشـكال مـن التعبير عن هذا المفهوم وتحوراته، وأنها مع هذا خضعت لتغيرات الزمان والمكان. فالحلقات التلمـودية، والمدارس التلمـودية العليــا، والمدارس الأولية الخاصة والخيرية، كانت كلها تدور حول دراسة التوراة. 

ولعل ما عمَّق هذا الاتجاه، هو تحوُّل اليهود إلى جماعة وظيفية تود الحفاظ على هويتها وانعزاليتها، والتمركز حول التوراة (كتاب اليهود المقدَّس) هو أسرع السبل لإنجاز هذا. ولكن، مع تبنِّي المسيحية التوراة كتاباً مقدَّساً، أكدت اليهودية الحاخامية ( التلمودية) أهمية التلمود على حساب التوراة، ومن ثم أصبحت عبارة «دراسة التوراة» تعني في واقع الأمر «دراسة التلمود». 

ويجب التنبيه إلى أن دراسة التوراة لم تكن دائماً نشاطاً مدرسياً أو حتى شبه مدرسي، وإنما كانت في كثير من الأحيان واجباً دينياً يأخذ شكلاً تربوياً ـ تماماً مثل حلقات الدرس في المساجد حيث يجلس المسلمون بعد الصلاة يتفقهون في أمور دينهم ويسألون شيخهم فيما يواجهونه من مشاكل. 

ودراسة التوراة وتفسيرها كانت دائماً وظيفة تضطلع بها النخبة الدينية القائدة، كما أن الصراع بين الصدوقيين والفريسيين كان صراعاً على تفسـير التـوراة. ثم ظهرت بعد ذلك أجيال الفقهاء، وتم جمع التلمود، ثم هيمن التلمود باعتباره التفسير الحاخامي للتوراة. وظل هذا الوضع إلى أن قامت الحركة الحسيدية في شرق أوربا في القرن الثامن عشر وتحدته ووضعت الصلاة في مرتبة أعلى من دراسة التلمود. ثم جاءت حركة التنوير في الغرب وقلَّلت من شأن هذه الدراسات الدينية، ثم جاء القرن التاسع عشر، باهتماماته العلمانية والمادية، ووضع نهاية لهذه الدراسات بالنسبة إلى معظم الجماعات اليهودية في بلدان العالم الغربي. 

بيت الدراسة (بيت هامدراش(Beit Hamedrash 
«بيت الدراسة» مُصطلَح تقابله في العبرية عبارة «بيت هامدراش»، و«بيت الدراسة» أحد الأشكال الأولى للحلقات التلمودية، وهو مركز للدراسات الدينية غالباً ما كان يُلحَق بالمعبد اليهودي وأحياناً كان يوجد داخله. كما تُستخدَم العبارة أحياناً للإشارة إلى المعبد اليهودي من حيث هو مكان للدراسـة. وقد اسـتُخدم «بيت الدراسة» أساسـاً لدراسـة الشريعة، كما استخدمه الدارسون للصلاة. إلا أن نشاط هذه البيوت الأساسي كان دراسة التلمود، أما الصلاة، فكانت نشاطاً ثانوياً. وقد استُخدمت عبارة «بيت الدراسة» في العصور القديمة للإشارة إلى مجالس علماء التلمود حيث كان الدارسون يجتمعون داخله لسماع محاضرات علماء التلمود. 

انتشرت بيوت الدراسة في العصور الوسطى في الغرب بين الجماعات اليهودية في البلدان المختلفة حتى أصبحت مظهراً ثابتاً في كل مدينة. وكانت هذه البيوت تُلحَق بالمعابد اليهودية لدى بعض الجماعات كما كانت تبقى مستقلة لدى البعض الآخر. وفي فرنسا وألمانيا، كانت بيوت الدراسة بمنزلة مراكز للمدارس التلمودية العليا. وقد أشرفت المؤسسات الإدارية للجماعة اليهودية على بيوت الدراسة وموَّلتها في معظم التجمعات إلى أن قام بعض أغنياء اليهود في ألمانيا بإقامة بيوت لدراسة التلمود وأنفقوا عليها الأموال. وقد عُرف «بيت الدراسة» في ألمانيا باسم «كلاووس». والمقابل الحسيدي له هو «شتبيل»، أي حجرة صغيرة، حيث كان الحسيديون يجتمعون للصلاة والعبادة. وفي البلاد العربية، أُطلق عليه اسم «هامدراش» (مدرسة). وفي العصور الحديثة، ومع زيادة علمنة أعضاء الجماعات اليهودية وتهميش الحداثة للدراسات الدينية، اختفى «بيت الدراسة» التقليدي وحلّ محله معاهد الدراسات الدينية، كما أن بعض المعابد اليهودية يوجد بها أماكن للدراسات الدينية تفتحها لمدة ساعات محدَّدة كل يوم. 

المدرسة الأولية (بيت سيفر( 
Beit Sefer 
«المدرسة الأولية» هي المقابل العربي للعبارة العبرية «بيت سيفر»، وهي عبارة تعني حرفياً «بيت الكتاب». ويُطلَق المُصطلَح على المدارس الأولية الإجبارية التي وُجدت في فلسطين منذ القرن الأول الميلادي، وفي بابل فيما بعد. وغالباً ما كانت توجد هذه المدرسة داخل المعبد أو في حجرة ملحقة به. وكان الهدف من هذه المدرسة إعداد الطفل اليهودي للمشاركة في شعائر المعبد. وكانت الدراسة فيها تقتصر على القراءة وبعض أجزاء من أسفار موسى الخمسة وكتب الأنبياء، وكذلك كتب الحكمة والأمثال. 

التربيــة والتعليـــم عنــد العـبرانيين بعـد العـودة مـن بابـل 
Education of the Hebrews after the Return from Babylonia 
تمتد هذه الفترة من تاريخ عودة العبرانيين من بابل (586 ق.م) حتى وصول القوات الهيلينية إلى فلسطين والشرق الأدنى القديم عام 333 ق.م. وتستمر حتى القرن الثاني الميلادي. وكانت الشريعة في هذه الفترة الأساس في تنظيم حياة العبرانيين. وقد وجه الكتبة والكهنة جهودهم واهتمامهم إلى جمع الشريعة وتدوينها ودراستها دراسة منظمة، فجُمعت المصادر التقليدية لتاريخ العبرانيين ودينهم وأقوال حكمائهم وأنبيائهم ورُتبت في ثلاثة أقسام: التوراة والأنبياء والكتابات. وبتدوين الشريعة،أصبح سكان يهودا (فلسطين) أهل كتاب.وكرَّس كثير من العبرانيين وقتهم لدراسة الكتاب المدوَّن، فظهرت فئة الكتبة التي نافست الكهنة على قيادة الحياة الدينية. وقُدِّر للكتبة الانتصار في النهاية بتحطيم الهيكل، مركز العبادة القربانية. وبانتصار الكتبة وهدم الهيكل، ظهرت اليهودية الحاخامية وأصبحت الشريعة مركز الحياة (وبالتالي التربية) العبرانية ثم اليهودية. وأصبح طموح كثير من الشباب اليهودي أن يصبح «ابن الشريعة». وظل هذا النمط السائد حتى نهاية القرن الثامن عشر، حين ظهرت حركة التنوير اليهودية التي تحدَّت هذه المؤسسات الدينية. 

وخلال هذه الفترة، تميَّزت التربية والتعليم لدى العبرانيين بظهور ثلاث مؤسسات تربوية مهمة قُدِّر لها أن تلعب دوراً مهماً في تربية وتعليم اليهود إلى العصر الحديث: 

1 ـ تنظيم الكتبة، ومجالس الفقه والدراسة. 

2 ـ المعبد اليهودي. 

3 ـ المدرسة الأولية. 

1 ـ تنظيم الكتبة، ومجالس الفقه والدراسة: 

أ) تنظيم الكتبة: 

بتبنِّي الشريعة دستوراً للحياة، ظهرت الحاجة إلى نشر التوراة بين العبرانيين، وتطلبت هذه العملية فئة من المعلمين قادرة على قراءة التوراة باللغة العبرية (لغة التوراة) وترجمتها وتفسيرها بالآرامية (لغة جماهير العبرانيين آنذاك). وكنتيجة لهذه الأوضاع، اكتسب لفظ «كاتب» دلالة خاصة واستُخدم للإشارة إلى مجموعة المعلمين الذين قاموا بقراءة وترجمة وتفسير الشريعة خلال فترة الهيكل الثاني (539 ق.م ـ 70م). 

وكوَّن هؤلاء الكتبة تنظيماً خاصاً بهم، إلا أن تنظيمهم كان مفتوحاً للعامة كتنظيم الأنبياء. ومن هنا، فإن مهنة الكتبة لم تكن مقصورة على أحد، ووُجد بين صفوف الكتبة كهنة وأفراد من عامة الشعب. وكان هؤلاء الكتبة أول فئة احترفت التعليم. ومنذ القرن الأول، أصبح اسم «حاخاميم» يُطلَق على معلمي الشريعة المشهورين وهي كلمة عبرية تعني «الفقهاء» أو «الحكماء»، بينما بقى استخدام لفظ «كاتب» للإشارة إلى أي معلم للشريعة. 

نظر هؤلاء الكتبة إلى عملهم باعتباره مقدَّساً، وقد أُوكلت مهمة نقل شريعة يهوه إليهم فقاموا بترجمة وتفسير التوراة للجماهير، كما قاموا بعمل نسخ منها لتُستخدَم ككتب دراسية. وأسَّسوا مدارس عليا لتدريس التراث الديني لعدد منتقى من الطلاب، محاولين بذلك إيجاد أكبر عدد ممكن من دارسي ومفسري الشريعة، كما قاموا بتعليم الكبار والصغار. وفي داخل مدارسهم، ظهر التراث الشفوي الذي كوَّن فيما بعد التلمود. 

كان هؤلاء الكتبة، في بداية الأمر، منفتحين في تطبيقاتهم للشريعة فأدخلوا التفسيرات والتعليقات المختلفة الملائمة لظروف الحياة المتغيرة. واعتمد المفسرون في شروحهم هذه على مفهوم الشريعة الشفهية، التي يُفترَض أنها أُعطيَت لموسى مع الشريعة المكتوبة، كما يُفترَض أن حَمَلَة هذه الشريعة الشفهية هم الحاخامات (بمعنى الفقهاء). ولكن داخل الإطار الحلولي، يُلاحَظ دائماً أن التفسيرات البشرية تكتسب أهمية تفوق أهمية النص المقدَّس، وهو ما حدث مع الكنيسة، فبمرور الوقت ازدادت تفسيراتهم وشروحهم جموداً وأصبحت أكثر تفصيلاً، وأكثروا من فرض الطقوس والشعائر والأوامر والنواهي التي تتحكم في السلوك الخارجي للإنسان وتُوجه كثيراً من أفعاله التي قد لا تكون ذات علاقة بالقيم الروحية ولا بالدين. 

وبسقوط الهيكل عام 70 ميلادية، أصبح يُطلَق على كلٍّ من هؤلاء الكتبة لقب «حاخام»، وأصبح هؤلاء الحاخامات هم المسئولين ليس فقط عن توجيه الحياة الدينية لليهود بل أصبحوا أيضاً ممثلين للسلطة الحاكمة وقاموا بحكم الجماعة اليهودية في فلسطين وفي غيرها من البلدان. 

ب) مجالس الفقه والدراسة: 

وقعت مهمتان أساسيتان على عاتق هؤلاء الكتبة، أولاهما: تفسير الشريعة المكتوبة واستخراج التفسيرات والتطبيقات الكامنة والظاهرة فيها، وثانيتهما: تعليم الشباب الذين سيتولون هذه المهمة من بعدهم. وقد جمع كل كاتب متميِّز حوله عدداً من التلاميذ الذين يودون دراسة الشريعة والتراث الشفهي في شكل حلقات دراسية، كما كوَّن كل حكيم مشهور مجموعة التلاميذ المريدين الخاصين به. وترك بعض هؤلاء الحكماء بصمـتهم الواضحة على طلابهم وكذلك تفسـيرهم الخاص للشريعة، وكان أشهرهم هليل وشماي. 

في البداية، استُخدمت أروقة الهيكل والمعابد للتدريس، وربما استخدم بعض الحكماء بيوتهم لتدريس الشريعة. ومنذ القرن الأول قبل الميلاد، أُسِّس أول مبنى خُصِّص للتدريس أُطلق عليه «بيت الدراسة (بيت هامدراش)»، وتم بناؤه بجانب الهيكل. 

كان موضوع الدراسة أساساً هو الشريعة والتفسيرات المختلفة، وكانت الدراسة في معظمها شفهية. ومن أجل مساعدة الطالب على التذكر، كان المعلمون يلقون دروسهم في شكل أمثال وحكم ووصايا. وقد افترضت الدراسة على هذا المستوى نوعاً من التعليم الأولي، إلا أن هذا النوع من التعليم ظل خاصاً حتى القرن الأول قبل الميلاد. وكان المعلم يشرح الكتاب المقدَّس ويعرض التفسيرات والشروح المختلفة لكل جزء منه وتفسيره هو لها، وذلك من أجل إيضاح النقاط الصعبة أو الغامضة أو غير المتفق عليها بهدف الوصول إلى قرار فيها، فإذا اتفق الدارسون عليها تحولت إلى جزء من التراث الشفوي. وقد اتُبعت قواعد معيَّنة في استخراج التفسيرات والقوانين المختلفة من الشريعة المكتوبة، ذكر هليل منها سبع قواعد، ثم أُضيفت قواعد أخرى فيما بعد. ومع مرور الوقت، اكتسبت هذه الشريعة الشفهية المكوَّنة من قرارات وتفسيرات الكتبة الحكماء شكلاً ثابتاً وقداسة معينة. 

وفي أحيان أخرى، كان المُعلم أو الدارس يُثير سؤالاً ذا طبيعة عملية حول مشكلة معينة تتطلب إجابة محدَّدة. وللتوصل للإجابة، كانت هذه المشكلة تُحلَّل إلى عناصرها الأولية، ويعود الدارسون إلى التراث الشفوي، فإن وجدوا الإجابة المرجوة انتهت المشكلة. وإن لم يجدوا، رجع المعلم والدارسون إلى الكتاب المقدَّس متبعين القواعد الموضوعة في تفسيره، واستخرجوا الإجابة أو الحل أو التفسير، فإذا وافقت الأغلبية عليه تحول إلى جزء من التراث الشفوي واكتسب قدسية خاصة، شأنه في ذلك شأن كل أجزاء الشريعة الشفوية. واعُتبرَت دراسة الشريعة وتدريسها واجباً مقدَّساً لا يجب أن يحصل منه الفرد على أيِّ عائد مادي، ومن ثم كان دارسو الشريعة ومدرسوها إما من المتيسرين مالياً أو ممن احترفوا حرفة أخرى لكسب معاشهم.

وبسقوط الهيكل، أُطلق على مجالس دراسة الشريعة اسم «الحلقات التلمودية» (بالعبرية: يشيفاه، وباليونانية: أكاديمية). وكان مجلس يفنه أول الحلقات التلمودية، وقد أسَّسه يوحانان بن زاكاي في الجليل. ولم تختلف أهداف الدراسة وطرقها عما كان سائداً قبل سقوط الهيكل، إلا أن أهمية هذا المجلس ترجع إلى العدد الكبير من الحاخامات الذين تتلمذوا على يد يوحانان بن زاكاي ثم ساهموا في تراكم التراث الشفوي وفي نشر معرفة الشريعة. 

ولم يتم ترسيم كل العلماء الذين عاشوا وقاموا بالتعليم في يفنه كحاخامات، ولذا كانوا لا يحملون لقب «حاخام»، ونُظر إليهم باعتبارهم دارسين وحسب، ولم يُعيَنوا في المناصب الإدارية والدينية. وتنقَّل هؤلاء العلماء من مدينة إلى أخرى وأقاموا بيوتاً للدراسة في بعض المدن الصغيرة وفي الأرياف، فظهرت بيوت للدراسة في اللد وفي قيصرية وفي غيرهما من المدن. 

2 ـ المعبد اليهودي: 

ظهر المعبد، أثناء إقامة العبرانيين في بابل، كمكان للاجتماع والعبادة ودراسة التوراة. وازدادت أهمية المعبد بعد عودة العبرانيين من بابل رغم استعادة العبادة القربانية وإعادة بناء الهيكل وتحوُّله إلى مركز للعقيدة اليهودية. ومنذ القرن الرابع قبل الميلاد، وجدت معابد في المدن كافة. وابتداءً من القرن الثاني قبل الميلاد، وُجدت أيضاً معابد في الريف. وبسقوط الهيكل عام 70 ميلادية، أصبح المعبد المكان الوحيد والأساسي للعبادة. 

كان المعبد المكان الذي تعلَّمت فيه عامة الشعب الشريعة اليهودية، فقد تكونت مراسم المعبد من جزءين: جزء شعائري، وجزء تعليمي خاص بقراءة جزء من التوراة، فكان الكاهن أو الكاتب يقوم بقراءة الجزء المُقرَّر بالعبرية (لغة الكتاب المقدَّس والتي لم يَعُد يفهمها أحد) ثم يشرح النص بعد ذلك باللغة الآرامية (اللغة المستخدمة بين العبرانيين). وأحياناً كان يُسمَح للكبار القادرين بقراءة الكتاب المقدَّس. وقُسِّمت أسفار موسى الخمسة بشكل يسمح للمتعبدين قراءتها بأكملها مرة كل ثلاث سنوات، كما قُرئت بعض الأجزاء من كتب الأنبياء. وبذلك تم نشر معرفة الكتاب المقدَّس بين الكبار. 

3 ـ المدرسة الأولية: 

وجَّه الكتبة جهودهم لتعليم الشريعة للكبار، فقرأوا الشريعة وفسروها في المعابد كما قاموا بتعليمها لعدد محدود من الطلبة النابهين، ولكن تعليم الشريعة للصغار ظل أمراً متروكاً للأسرة. ويحيط الغموض بنشأة المدرسة كمؤسسة تربوية مستقلة عن تربية الأسرة، إلا أنه يُرجَّح أنها ظهرت في القرن الأول قبل الميلاد تحت التأثير الهيليني واتخذت من المعبد أو من حجرة ملحقة به ساحة لها. 

ومرَّت المدرسة اليهودية في نموها بثلاث مراحل قبل أن تظهر كمؤسسة تربوية مستقلة. ففي البداية، كان الأطفال يندسُّون بين الكبار في المعبد لممارسة الشعائر الدينية وسماع قراءة الشريعة وتفسيرها. إلا أن هذا الإجراء لم يكن كافياً لتعليمهم الشريعة، ومن ثم أُنشئت مدارس في القدس لتعليم الصبية. لكن هذه المدارس لم تكن كافية لتعليم الشريعة لكل الأطفال، فاستُبعد الفقراء والأيتام من دراسة الشريعة إما بسبب عجزهم المادي أو بسبب إهمال المسئولين لهم. 

في عام 75 ق.م، أصدر سيمون بن شيتا قراراً بتعيين معلمين في كل الأحياء، إلا أن هذا القرار شمل الشباب بين سن السادسة عشرة والسابعة عشرة ولم يشمل الأطفال. ويبدو أن هذا القرار لم يحقق كثيراً من النجاح حيث إن النقلة من التربية الأسرية إلى التربية المدرسية كانت مفاجئة بالنسبة للشباب. ومن ثم، كان كثير من الشباب يتركون المدرسة إن غضب منهم معلمهم أو فرض عليهم العقاب. 

وظلت ظروف تعليم الشريعة بين الأطفال والشباب على هذا الوضع إلى أن أصدر يهوشا بن جمالا (الكاهن الأعظم) قراراً عام 64 ميلادية بأن تُقام مدارس للأطفال الذين في سنّ السادسة والسابعة في كل مقاطعة، وأن يُجبَر الأطفال على الذهاب إليها. وبذا، ظهرت المدارس الأولية الإجبارية. كما نص هذا القرار على تعيين معلم لكل 25 طفلاً. أما إذا زاد عدد الأطفال على 25 وكان أقل من الخمسين، فإنه يكون من الضروري تعيين مساعد للمعلم، وفي حالة زيادة عدد الأطفال على الخمسين كان يُعيَّن معلمان. 

ونظراً لأن هذه المدارس كانت إجبارية، فإنه يبدو أن الجماعة قامت بتمويلها عن طريق ضريبة فُرضت على المقتدرين. ورغم قرار تعميم التعليم، إلا أن هذه المدارس لم تنشأ حتى منتصف القرن الثالث الميلادي، وقد أُطلق على هذه المدارس اسم «بيت الكتاب» (بيت سفر)، وكان الأطفال يلتحقون بها في سن السادسة أو السابعة، ويدرسون فيها حتى سـن الثالثة عشـرة. وقـام معلمون (كتبة) بالتدريس في هذه المدارس، كما كان خادم المعبد (حزان) يقوم بمساعدة المعلم. وكان هؤلاء المعلمون الكتبة يقومون بالتدريس دون مقابل في بادئ الأمر، نظراً لأن التوراة تُحرِّم تدريس الشريعة مقابل أجر، إلا أنه تم التوصل إلى تخريجات قانونية شرعية فيما بعد تحت مُسمَّى واجبات إشرافية تؤدي إلى ضياع الوقت، وبالتالي فقدان القدرة على الكسب. ومن هنا، أصبح من الممكن وضع أجر للمعلم، مقابل الجهد الذي يبذله، دون الإخلال بالشريعة. 

واقتصر منهج المدارس الأولية على تعليم قراءة أسفار موسى الخمسة والترانيم الدينية وربما سفري الأمثال والجامعة أيضاً، إلا أن التركيز كان بالأساس على تعليم أسفار موسى الخمسة. كان الطفل يتعلم الحروف العبرية الهجائية ثم ينتقل إلى التعرف على كل منها على حدة، ثم ينتقل إلى تعلُّم الكلمات ثم ينتقل إلى أسفار موسى الخمسة. أما فيما يتصل بالكتابة، فثمة اختلاف بين المؤرخين، فبينما يؤكد البعض أن الطفل كان يتعلم الكتابة بل والحساب أيضاً، يذهب البعض الآخر إلى تأكيد أن الدراسة داخل هذه المدارس لم تتعد معرفة وحفظ أسفار موسى الخمسة وبعض الترانيم التي يحتاجها الطفل لإقامة الصلاة في المعبد (وأغلب الظن أن هذه المدارس كانت شبيهة بكتاتيب تعليم القرآن التي وُجدت في صدر الدولة الإسلامية). وكان الحفظ والتكرار هما الوسيلتان اللتان استخدمتا داخل هذه المدارس. ونُظر إلى التربية باعتبارها عملية تهذيب وضبط لطبيعة الطفل الطائشة، ومن ثم كان العقاب البدني وسيلة تربوية أساسية لإصلاح أي اعوجاج في الطفل ولدفعه لحفظ دروسه. وكان منهج التعليم كالتالي: يدرس الطفل من السادسة إلى العاشرة القراءة وأسفار موسى الخمسة، وربما أيضاً الكتابة والحساب. ومن العاشرة إلى الخامسة عشرة، كان يدرس المشناه والجماراه. 

أما البنات، فلم يكن ينلن أيَّ تعليم في المدرسة الأولية الإجبارية، فالتوراة تُحرِّم أن تتعلم الفتاة الشريعة. ومن ثم، يمكن القول بأن تعليمهن انحصر في حدود مشاركتهن في الطقوس والشعائر الدينية اليومية والاحتفالات المرتبطة بالأعياد الدينية.

سـيمون بـن شـيتاه (القرن الأول قبل الميلاد( 
Simon ben Shetah 
من أهم علماء الفريسيين الذين عاشوا وأصدروا فتاواهم في القرن الأول قبل الميلاد. وقاموا بنقل تراث الفريسيين وتقاليدهم، وهو أيضاً شقيق سالومي ألكسندرا زوجة الملك ألكسندر يانايوس. وقد مكنته قرابته هذه من أن يحتل مكاناً بارزاً في السنهدرين في وقت سيطر فيه الصدوقيون عليه. ومن الصعب تحديد إسهاماته في مجال التفسير والفتاوى الدينية وأعماله الأخرى نظراً لأن نشاطه في هذا المجال كثيراً ما تتداخل مع بعض الأساطير التي كانت تُروَى عن حياته. 

ويُقال إنه بعد التصادم الذي حدث بين الملك الحشموني ألكسندر يانايوس والفريسيين، نقل ولاءه إلى الصدوقيين وقام باضطهاد الفريسيين، فاضطر كثير من قياداتهم ومن بينهم سيمون بن شيتاه إلى الهرب إلى مصر. 

وبوفاة ألكسندر يانايوس وتعيين سالومي ألكسندرا وصياً على العرش،رجع سيمون إلى فلسطين وأعاد السلطة إلى الفريسيين بشكل لا رجعة فيه. ومنذ ذلك الوقت،أصبح الفريسيون القادة الروحيين للعبرانيين والجماعات اليهودية المنتشرة في الشرق الأدنى القديم. 

وكان سيمون بن شيتاه مسئولاً عن كثير من الفتاوى والقرارات التي نظمت حياة اليهود. إلا أن ثمة قرارين مهمين يرجعان إليه أحدهما بشأن عقد الزواج (كتوباه) وآخر يؤكد ضرورة حضور ومواظبة الشباب على المدارس (وقد كان تعليم الأبناء مسئولية تقع على عاتق الآباء حتى صدور هذا القرار). ومن ثم يُعَدُّ قراره بداية تأسيس نظام تعليمي خاص بالعبرانيين، إلا أن القرار شمل الشباب بين السادسة عشرة والسابعة عشرة ولم يشمل الأطفال، كما اقتصر على القدس وضواحيها. كذلك يبدو أن الذين استفادوا منه كانوا من الشباب القادرين وحسب. 

يوشـــع بـن جمـالاه (القرن الأول بعد الميلاد( 
Joshua ben Gamala 
عاش يوشع بن جمالاه في القرن الأول الميلادي، وحصل على ثروة لا بأس بها بعد زواجه من امرأة ثرية من القدس. وأدَّى هذا إلى تعيينه كاهناً أعظم، كما كان متبعاً في ذلك الوقت. ورغم أن التلمود يُقلِّل من شأن معظم الكهنة إلا أنه يثني على يوشع بن جمالا لتأسيسه نظاماً تعليمياً عاماً للصبية بعد أن فشلت كل المحاولات السابقة. فقد أصدر قراراً بتعيين مدرسين في كل مقاطعة وفي كل مدينة صغيرة أو قرية، وأمر بأن يُرسَل الأطفال الذكور بين سن السادسة والسابعة إلى هذه المدارس. كما تضمَّن هذا القرار تعيين مدرس لكل 25 تلميذاً أو أقل، أما إذا زاد عدد التلاميذ عن 25 وقل عن خمسين، فكان يُعيِّن للمدرس مساعد ليساعده في التدريس، وفي حالة وصول عدد التلاميذ إلى خمسـين، فإنهم كانوا يُقـسَّمون إلى مجموعتين ويُعيَّن مدرس لكل مجموعة. 

التربية والتعليـم عنـد يهود الإسكندرية في العصـــر الهيليني 
Education of the Jews of Alexandria in the Hellenistic Age 
في العصر الهيليني، انتشر التعليم اليوناني بين أعضاء الجماعات اليهودية. وكان ذلك من أهم الأسباب التي ساعدت على أغرقة أعضاء الجماعات، وإكسابهم اللغة والثقافة اليونانية، ودمجهم في محيطهم الهيليني. وانتشرت المؤسسات التعليمية اليونانية، ومن أهمها الجيمنازيوم، في المدن اليونانية العديدة. ورغم أن نمط التعليم في هذه المدن كان يُجسِّد الروح الهيلينية ويتم في إطار ديني وثني، فإن ذلك لم يمنع اليهود (بخاصة الأثرياء منهم) من إلحاق أبنائهم بها، خصوصاً أن التعليم اليوناني كان يُعزِّز مكانتهم الاجتماعية ويفتح أمامهم فرص الانضمام إلى النخبة والطبقات الحاكمة. وأشار فيلون في كتاباته إلى التحاق أبناء اليهود بالجيمنازيوم باعتباره أمراً مسلَّماً به، كما تحدث يوسيفوس عن تلقي اليهود في أنطاكية السلوقية تعليمهم في الجيمنازيوم. 

وفي مصر، سُمح لأثرياء اليهود (والفرس أيضاً)، خصوصاً الذين جاءوا من بين صفوف المستوطنين العسكريين من المرتزقة، بالانضمام إلى المدارس اليونانية (بينما كان ذلك ممنوعاً تماماً على المصريين إلا في بعض الحالات النادرة). وفي فلسطين، بدأ تغلغل التعليم اليوناني بين العبرانيين اليهود منذ النصف الثاني من القرن الثالث قبل الميلاد، حيث كان أبناء أثرياء اليهود يتلقون قدراً من التعليم اليوناني على أيدي معلمين يونان. وفي عام 175 ق.م، أسس الكاهن الأعظم ياسون، وهو من أهم دعاة الهيلينية بين اليهود، مؤسسات تعليمية يونانية وجيمنازيوم في القدس لتدريب العبرانيين اليهود على أن يصبحوا مواطنين يونانيين، فحل الجيمنازيوم محل الهيكل كمركز للحياة اليهودية الاجتماعية وانضم إليه كثير من الكهنة. وأصبح التعليم اليوناني بالنسبة إلى أثرياء اليهود في عهده إجبارياً، حيث كان أنطيوخوس الرابع وأثرياء اليهود يُخططون لتحويل القدس إلى مدينة (بوليس) يونانية تُسمَّى «أنطاكية» لتعزيز وضعها الاقتصادي والأمني. 

وكان التعليم اليوناني يشمل المرحلة الابتدائية حتى سن الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة، تليها مرحلة الدراسة في الجيمنازيوم والتي كانت تشمل التدريب على الألعاب الرياضية والفنون العسكرية وتعليم اللغة اليونانية ودراسة الموسيقى والأعمال الأدبية اليونانية خصوصاً أعمال هومير. وكان الطلبة يقومون بالألعاب الرياضية والمصارعة وهم عرايا (وهو ما كان غير محبَّب في اليهودية)، كما كان الجيمنازيوم يخضع لحماية الإلهين هرمز وهرقل. وكان الطلاب يقومون أيضاً بدور مهم في الاحتفالات الخاصة بتكريم آلهة المدن اليونانية. ورغم ذلك، حرصت الأرستقراطية اليهودية على إلحاق أبنائها بهذه المدارس، بل اشتد هذا الحرص بين يهود الإسكندرية في عهد الرومان حيث كانوا يسعون للحصول على المواطنة اليونانية حتى يتم إعفاؤهم من الضريبة الثقيلة التي فرضها أوغسطس عام 24/23 ق.م على سكان مصر (باستثناء أهل الإسكندرية من اليونان) علماً بأن الانتماء الكامل إلى المدينة اليونانية كان يعني الاشتراك في عبادة آلهتها. 

وكان للتعليم اليوناني أثره في تزايد معدلات التأغرق بين أعضاء الجماعة اليهودية حيث بدأوا يتحدثون اليونانية وبدأوا يؤغرقون أسماءهم ويتبنون أسماء يونانية كاملة. ثم نسوا الآرامية تماماً، وأصبحت اليونانية اللغة السائدة في المعابد اليهودية في مصر وتُرجم إليها العهد القديم. وتحوَّلت الإسكندرية في عهد البطالمة إلى أهم مركز ثقافي وعلمي في العالم الهيليني، وانعكس ذلك على النخبة الثقافية اليهودية المتأغرقة التي ظهر عمق أثر الحضارة اليونانية في كتاباتها. كما ظهر أدب هيليني يهودي اعتذاري، كان من أبرز كُتَّابه فيلون ويوسيفوس، يهدف إلى التقريب بين اليهودية والهيلينية والتأكيد على الجوانب المشتركة بينهما والدفاع عن اليهودية أمام هجمات الهيلينية. 

ورغم ذلك، لم تتغلغل الهيلينية في كل قطاعات الجماعات اليهودية، فقد ظل الريف في فلسطين سامياً آرامياً، كما ظلت ضواحي الإسكندرية مصرية حيث تأثر اليهود فيها بالطابع المصري. 

وظلت هذه القطاعات مرتبطة بالعقيدة اليهودية ورافضة للنزعة الهيلينية. وعبَّر عن ذلك حزب الأتقياء (الذي كان يُعرَف باسم «الحسيديين») وحزب الفريسيين اللذين ضما إلى صفوفهما كثيراً من الكتبة شراح الشريعة الذين دافعوا عن الشريعة الشفوية، وكان من بينهم فقراء الكهنة ومتوسطو الحال. وحرص الكتبة الحسيديون ثم الفريسيون على ضرورة نشر تعاليم التوراة والشريعة اليهودية بين الجماهير اليهودية بعد أن كان ذلك مقصوراً على طبقة الكهنة والكتبة، فبدأت تظهر المدارس الابتدائية اليهودية بشكل تدريجي كنتيجة مباشرة لذلك التوجه منذ نهاية القرن الثاني ق.م، وتشكَّلت على غرار المدارس اليونانية. ولكنها كانت تُسمَّى «بيت الكتاب (بيت سيفر)» حيث كان محور الدراسة بها قراءة ودراسة العهد القديم. وساعد انتشار هذه المدارس على اتساع الحركة الفريسية، كما ساعد على تطور المعبد اليهودي أو «السيناجوج»، والذي كان انتشاره يتطلب وجود قاعدة واسعة من الناس على دراية بالتوراة والشريعة. 

ورغم أن هذا الاتجاه كان رافضاً للنزعة الهيلينية، إلا أنه تضمن بعض المفاهيم والتقاليد الهيلينية في التعليم. فبعض المعلمين اليهود البارزين، مثل شيمايا وأبتاليون، كانوا يتلقون أتعاباً من تلاميذهم، مثلهم مثل المعلمين اليونان. ولكن هذا التقليد لم يستمر طويلاً. ومن ناحية أخرى، فإن علاقة المعلم بالتلميذ في اليهودية الحاخامية نشأت على أساس من التقاليد الهيلينية، والدراسة الجدلية المعتمدة على سلسلة من الأسئلة والإجابات، التي سادت مدارس البلاغة اليونانية. 

التربية والتعليم عند يهود بابل قبل وبعد انتشار الإسلام 
Education of Babylonian Jewry before and after the Spread of Islam 
منذ منتصف القرن الثاني الميلادي، كانت الجماعة اليهودية في بابل أكثر الجماعات اليهودية أمناً وازدهاراً. وقد قُدِّر لهذه الجماعة أن تلعب دوراً مهماً في تطور العقيدة اليهودية، وفي توجيه الحياة الثقافية والتربوية لليهود. ومما ساهم في زيادة الأثر الثقافي والديني ليهود بابل على التجمعات اليهودية المنتشرة في حوض البحر الأبيض المتوسط، دخول معظم هذه الأرجاء تحت الحكم الإسلامي منذ القرن السابع الميلادي. وقد ساهم وجود اللغة والإطار السياسي والإداري المشترك في زيادة الاتصال بين الجماعات اليهودية وإيجاد أسلوب حياة بينهم متشـابه إلى حد كبير (بين القرنين السـابع والحادي عشر الميلاديين). 

وعاشت الجماعات اليهودية في بابل كأقلية تدير أمورها ذاتياً، شأنها في ذلك شأن الأقليات الأخرى كافة. وترأس الجماعة اليهودية رأس الجالوت (المنفى). وانتشر اليهود على هيئة جماعات صغيرة يشرف على شئونها المدنية والدينية رئيس يُعيِّنه رأس الجالوت، ومجلس محلي مكوَّن من سبعة أعضاء. وكان من وظائف هذا المجلس الإشراف على المؤسسات الدينية والتربوية. وفي المدن التي وُجدت بها حلقات تلمودية، كان على المجلس أن يقيم بيتاً للدراسة. 

تقبَّل يهود بابل تقاليد الفريسيين التي رأت أن الشريعة اليهودية طريقة حياة كاملة تشكل وتؤثر على كل أوجه الحياة الدينية والمدنية للفرد. فكانت التوراة (كما فسَّرها الحاخامات) والمشناه العملين الأساسيين اللذين وجَّها الحياة الدينية لليهود وكذلك وجها تربيتهم. ومنذ القرن الثاني الميلادي، أصبح للجماعة اليهودية الحلقات التلمودية الخاصة بهـا والتي قامت بالتفسـير والإفتـاء وإصـدار القوانين والتشريعات. وبدأ في هذه المرحلة تحوُّل بعض قطاعات من أعضاء الجماعة اليهودية إلى جماعات وظيفية وسيطة تضطلع بوظائف التجارة والربا وجمع الضرائب، وإن ظل العدد الأعظم من أعضاء الجماعة اليهودية يعملون بالزراعة. 

واستهدفت التربية بين يهود بابل تعريف أعضاء الجماعة بالشريعة وبتطبيقاتها على أوجه الحياة المختلفة. وكما هو الحال في المجتمعات التقليدية، كانت مكانة الفرد تتحدد بمدى معرفته بالشريعة نظراً لما تعطيه من سلطة دينية ومدنية. 

ولعبت الأسرة دوراً أساسياً في تربية وتعليم النشء، فبدأت تربية الطفل مبكراً في المنزل حيث لاحظ الطفل كثيراً من الشعائر والطقوس ومارسها وبدأ في تعلُّم الصلوات. كما ساهم المعبد، مع الأسرة، في عملية تعليم الطفل كثيراً من شعائر الدين وبالذات شعائر السبت والأعياد. وكان في استطاعة قلة من الآباء الاستمرار في تعليم أبنائهم الشريعة، ومن ثم نجد أن الأغلبية العظمى من الأطفال الذكور كان عليهم أن يذهبوا إلى مدرسة أولية لتعلُّم مبادئ الدين وشرائعه. 

وتكوَّن النظام التربوي من ثلاث مراحل: مرحلة أولى لتربية الأطفال والصبية، ومرحلة متوسطة، ثم مرحلة عليا في الحلقات التلمودية. 

تمت المرحلة الأولى من التعليم في مدرسة أولية أُطلق عليها «بيت الكتاب (بيت سيفر)»، وكانت موجودة في المعبد نفسه، أو في مبنى مُلحَق به، وكان يُشار إلى الأطفال الذين يدرسون في بيت الكتاب باسم «أطفال المعـبد». وكانت الجماعة تُشرف على هذه المدرسة وتقوم بتمويلها، كما كان بعض الآباء يفضل إحضار معلم خاص إلى منزله ليتولى تعليم أبنائه. 

كان الهدف من التعليم في هذه المدرسة إعداد الطفل للمشاركة في شعائر المعبد. ولذا، تعلم الطفل القراءة عن طريق نقل الحروف على البرشمان (ورق نفيس شبيه بالرقوق) أو ألواح أردوازية، حيث كان المعلم يرسم محيط الحروف ثم يقوم الطفل بملئها، كذلك حفظ الأطفال الصلوات وأجزاء من أسفار موسى الخمسة مبتدئين بسفر اللاويين. وقد اتبع الأطفال في دراستهم نظام المقاطع أو «السيدرا» (وهي كلمة عبرية بمعنى «مقطع من التوراة»)، فكانوا يحفظون طوال الأسبوع الأجزاء التي ستُقرأ في المعبد يوم السبت، ثم يحفظون بعض أجزاء من كتب الأنبياء وكتب الحكمة والأمثال. ولكن، في مرحلة متأخرة، أُهملت دراسة العهد القديم، فلم يُدرَّس منه سوى أسفار موسى الخمسة، وتم التركيز على التلمود. كما وُجدت بعض المدارس التي تدرس لغة البلد وبعض مبادئ الحساب. أما الوضع الاقتصادي والاجتماعي لمعلمي المرحلة الأولى فكان متردياً، وكان الكثير منهم يضطر إلى أخذ الهدايا من أولياء أمور الأطفال. 

والشيء المهم هنا هو أن هذه المرحلة كانت تقود إلى مرحلة أكثر تعمقاً من الدراسات الدينية، فكان معظم الأطفال ينهون دراستهم عند هذه المرحلة، باستثناء قلة كانت تستمر في مرحلة متوسطة ذات مستويين: مستوى أول كانت تُدرَس فيه المشناه ثم الجماراه تحت إشراف معلم، ثم مرحلة عليا كان الطالب يدرس فيها التلمود بمفرده، وأخيراً ظهرت الحلقات التلمودية في أواخر القرن الثاني الميلادي. غير أن حلقات بابل لم تزدهر إلا في القرن الثالث الميلادي. وكان من أهم الحلقات التلمودية حلقة نهاردعه التي لا يُعرَف تاريخ تأسيسها على وجه الدقة، ثم انتقلت عام 259 ميلادية إلى بومبديثا، ومنها إلى بغداد في القرن التاسع الميلادي. كذلك وُجدت حلقة في سورا، وأخرى في ماهوزا، إلا أن حلقة بومبديثا وحلقة سورا كانتا أهم حلقتين.

ولم تكن الحلقـات التلمودية مؤسسات تعليمية بالمعنى المتعارف عليه، إذ لم تكن للطلبة وإنما كانت حلقات دينية لتجمعات رجال الدين يتدارسون فيها النصوص والتراث الديني اليهودي ذا الطبيعة المزدوجة علماً وشريعة، كما كانوا يجيبون عن الأسئلة الدينية والفقهية ويُصدرون الفتاوى ويقضون بين الناس. وكان لكل حلقة علماؤها ومريدوها. ومنذ وقت مبكر، كان بعض الطلاب يحضرون إلى هذه الحلقات للدراسة تحت إشراف رؤسائها، ومن ثم أصبح لهذه الحلقات وظيفة تعليمية. 

كان لكل حلقة رئيس أُطلق عليه بالعبرية «روش هايشيفاه» أي «رأس اليشيفاه» يختاره العلماء، إلا أن تعيينه لم يكن يتم إلا بعد موافقة رأس الجالوت. ومنذ القرن السابع الميلادي، أصبح يطلق على رئيس الحلقة «الفقيه» (بالعبرية: «جاؤون»). ورغم أن علماء الحلقة هم الذين كانوا ينتخبون رئيسها من الناحية النظرية، إلا أن وظيفة الفقيه كانت وراثية وظلت محصورة بين ست عائلات. وكان بإمكان أي طالب الالتحاق بالحلقة، فلم يكن هناك شرط للالتحاق ولم يُحدَّد له أيُّ سن. وكان بوسع الطالب أن يمضي عمره داخل الحلقة إذا كان في مقدوره أن يفعل ذلك، كما كان بوسعه أن يتركها في أي وقت يشاء. ولم تكن الامتحانات تُعقَد إلا حين يصل الطالب إلى مستوى معلم شريعة يعتدُّ به. ولكن، لمجرد متابعة النقاش الدائر، كان على الطالب أن يكون ملماً بكلٍّ من أسفار موسى الخمسة والمشناه وأقوال الحاخامات السابقين التي تتعلق بالشريعة. وكان هناك عدد كبير بين الطلاب من أولاد الحاخامات وعلماء الحلقة حيث كان الأب يترك مركزه لابنه أو لأحد أقاربه ممن يعتقد في كفاءتهم. 

وكانت المشناه النص الأساسي الذي يتم تدارسه في الحلقة، كما أن الدراسة كانت شفهية بالأساس. وعلى أية حال، لم تكن المشناه الموضوع الوحيد. وكان رئيس الحلقة يبدأ محاضرته باقتباس من المشناه، ثم يذكر آراء الشراح (أمورائيم)، ويتبع ذلك محاولة تطبيق النص موضوع الدراسة على مجموعة المواقف التي قد تُقابل اليهودي في حياته اليومية. وفي بعض الأحيان، كان العلماء لا يتفقون مع التفسيرات المسجلة في المشناه أو مع طريقة تطبيقها. وكانت هذه الاختلافات في الآراء والتفسيرات تؤدي أحياناً إلى مناقشات حامية الوطيس. كذلك كان للدراسة جانب أكثر بساطة وأقل جدية، فمن حين لآخر كان أحد العلماء يقوم باقتباس قصص أو مُثُل أخلاقية ليوضح موضوعاً ما أو ليشرح نصاً توراتياً. 

وبتدوين الجماراه البابلية، أصبحت الجماراه موضوع الدراسة الرئيسي داخل الحلقات، وتصاعَد النشاط الديني التربوي الذي كان له أكبر الأثر في ذيوع صيت حلقات بابل. وتمثل هذا النشاط في اجتماعات الكالاه. و«كالاه» كلمة عبرية تعني «كلّ» وهو ما يعني أن هذه الاجتماعات كانت بالغة الأهمية يتم فيها حسم كل الأمور. وهذا التفسير لأصل الكلمة ليس بعيداً عن رأي آخر يذهب إلى أنها مُشتَقة من كلمة عبرية معناها «عروس» أو من كلمة «إكليل» الآرامية، فهذا يعني أن حلقات الكالاه تتويج للدراسات التي تتم في كل المؤسسات الدينية والتربوية الأخرى، وهو ما يعود بها إلى المعنى الأول. وكانت اجتماعات الكالاه تُعقَد في شهري أغسطس/سبتمبر، وفبراير/مارس حين تفتح الحلقات أبوابها للعامة والخاصة لدراسة الشريعة وتطبيقاتها المختلفة. ولم تكن هذه الاجتماعات مقصورة على سكان بابل وحدهم، بل كان يحضرها دارسون من شمال أفريقيا وإيطاليا أو غيرها من البلاد التي وُجدت فيها جماعات يهودية. 

وكانت دورة الكالاه تضم علماء الحلقة الذين كانوا يشكلون «بيت دين»، أي محكمة دينية لها صلاحية الإفتاء (ويُقال إنها كانت تضم مثل السنهدرين 70 عضواً) ويتبعها سنهدرين أصغر لتلخيص أقوال الحاخامات وفتاواهم وإجاباتهم على الأسئلة التي يطرحها الحاضرون أو على تلك الأسئلة التي تصلهم من الجماعات اليهودية المنتشرة في البلدان المختلفة. 

وكانت حلقة الكالاه تستغرق ثلاثة أسابيع من الشهر، أما الأسبوع الرابع فكان يُخصَّص لاختبار الطلاب. كما كان الفقهاء يقومون بشرح الأجزاء الصعبة أو الغامضة من التلمود. كذلك كان من أهم أنشطة الكالاه تصحيح النسخ غير الواضحة من التلمود، أو تلك التي تكون قد حُرِّفت أثناء عملية النسخ. ومارس علماء بابل تأثيرهم على الجماعات اليهودية المختلفة من خلال علمائهم الذين كانوا يأتون لحضور الاجتماعات ويرجعون بإجابة الفقهاء على الأسئلة المرسلة منهم.

التربية والتعليم عند الجماعات اليهودية حتى نهاية القرن الثامن عشر: مقدمة 
Education of Jewish Communities to the End of the Eighteenth Century:Introduction 
من الصعب فهم الأوضاع التربوية والتعليمية للجماعات اليهودية في العصور الوسطى في الغرب إلا في إطار نظام الإدارة الذاتية الذي عاشت في ظله الجماعات اليهودية كجماعات وظيفية (مالية) تضطلع بوظيفـة محدَّدة وتدخـل في عـلاقة موضوعية تعاقدية مع المجتمع المضيف. وكان للجماعات اليهودية تنظيمها الإداري المستقل (كما كان مُتَّبعاً في المجتمع الغربي الوسيط) الذي قام بإدارة كل المؤسسات الاجتماعية للجماعة اليهودية، ومن بينها النظام التربوي بما في ذلك تعليم الأطفال والكبار والتعليم العالي للأفراد الراغبين فيه والذين تحتاج إليهم الجماعة لإدارة شئونها. وكانت اليهودية الحاخامية (التلمودية) المكوِّن الأساسي والموجِّه الرئيسي لحياة الفرد والجماعة. ومن ثم، فإنها كانت تشكل أساس النظام التربوي. ورغم أن كل جماعة يهودية في أوربا شـكلت جماعة إثنية دينية مسـتقلة عن المجتمع الذي تعيـش في كنفه، إلا أن ثقافة كل جماعة تأثرت وتشكلت بالأوضاع الثقافية في كل مجتمع على حدة. ففي شمال أوربا وشرقها، حيث كانت الأوضاع الحضارية متدنية، سيطر تحالف من رجال الدين ورجال المال على الجماعة اليهودية، فانغلقت على نفسها وتكلست. وساهم هذا الوضع بدوره في زيادة انعزالهم عما يجري حولهم في المجتمع المحيط. وأدَّى هذا الوضع إلى ضيق أفق مناهج الدراسة وعقم طرقها. 

أما إيطاليا (في جنوب أوربا) وإسبانيا (في غرب أوربا)، فكانتا خاضعتين لتأثير الحضارة العربية الإسلامية المزدهرة آنذاك. لذا، فكانت أوضاعهما الحضارية والثقافية أكثر تقدماً وانفتاحاً، ومن ثم كانت الجماعات اليهودية في هذين البلدين أكثر انفتاحاً وتفاعلاً مع البيئة الثقافية المحيطة، كما كانت المؤسسات التربوية والتعليمية داخل هذه التجمعات أكثر اتصالاً بالتيارات الثقافية السائدة، فاتسعت مناهج الدارسة لتشمل مواد غير دينية مثل الفلسفة والمنطق والشعر والرياضيات والفلك. 

وفي إطار ما سبق، يمكننا الآن أن نعرض للأوضاع التربوية للجماعات اليهودية المختلفة في المجتمعات الأوربية حتى نهاية القرن الثامن عشر. 




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق