المجلد الرابع: الجماعات اليهودية.. تواريخ
الجزء الأول: تواريخ الجماعات اليهودية في العالم القديم
الباب الأول: إشكالية التاريخ اليهودي
تاريــخ يهـودي أم تواريـخ جماعـات يهوديــــة؟
?Jewish History or Histories of the Jewish Communities
«التاريخ اليهودي» مصطلح يتواتر في الكتابات الصهيونية والغربية، وفي الكتابات العربية المتأثرة بها. وهو مصطلح يفترض وجود تاريخ يهودي مستقل عن تواريخ الشعوب والأمم كافة، كما يفترض أن هذا التاريخ له مراحله التاريخية وفتراته المستقلة ومعدل تطوُّره الخاص، بل وقوانينه الخاصة. وهو تاريخ يضم اليهود وحدهم، يتفاعلون داخله مع عدة عناصر مقصورة عليهم، من أهمها دينهم وبعض الأشكال الاجتماعية الفريدة. ومفهوم التاريخ اليهودي مفهوم محوري تتفرع منه وتستند إليه مفاهيم الاستقلال اليهودي الأخرى ومعظم النماذج التي تُستخدَم لرصد وتفسير سلوك وواقع أعضاء الجماعات اليهودية.
يضرب المصطلح بجذوره في التشكيل الحضاري الغربي، سواء في جانبه الديني أو في جانبه الاقتصادي. لقد جاء في العهد القديم أن الخالق « اختار الشعب ». والاختيار يعني درجة من درجات الحلولية الكمونية الواحدية (إذ لماذا يختار الإله شعباً دون الشعوب الأخرى؟). وقد تزايد الحلول والكمون الإلهي في الأمة إلى أن وصل الحلول إلى مرحلة وحدة الوجود فتوحَّد الإله والشعب وتاريخه وأرضه وأصبح هناك جوهر واحد للأمة والإله، لا يوجد الواحد منهما دون الآخر، ويتم على هذا النحو زوال ثنائية الخالق والمخلوق والإله والشعب (والمطلق والنسبي، والأزلي والزمني والمقدَّس والتاريخي). ويصير تاريخ هذا الشعب محط عناية الاله، بل يصبح تجسيداً لفكرة مقدَّسة ومطلقة، فيتداخل المطلق والنسبي والمقدَّس والمدنَّس، وتصبح أية حادثة تقع لليهود ذات دلالة دينية عميقة. ومن هنا، فإن كتاب اليهود المقدَّس (العهد القديم) هو أيضاً سجل تاريخهم، حيث يتم تقديم العبرانيين وهم يخرجون من مصر تهديهم ذراع الإله القوية وتنقذهم من الغرق، ثم يُلحق بهم العذاب في الصحراء ولكنه يسدد خطاهم في غزوهم لأرض كنعان. ويعقد الإله معهم المواثيق، ويقبل منهم أفعالهم كافة الأخلاقية منها وغير الأخلاقية. ولهذا، أصبح تاريخ اليهودية هو نفسه تاريخ اليهود.
وكما ورثت المسيحية العهد القديم وجعلت منه أحد كتبها المقدَّسة، كذلك ورثت الحضارة الغربية هذه الرؤية. ولذا، فإن الإنسان الغربي يعتبر اليهود ورثة العبرانيين القدامى؛ و يراهم في عزلتهم لا يزالون مستمرين في مسيرتهم في الصحراء، نحو كنعان عبر التاريخ الإنساني بأسره وفي كل أرجاء العالم. وقد تبدَّى ذلك في المفهوم الكاثوليكي للشعب الشاهد الذي يقف على حافة التاريخ، شـاهداً على عظمة الكنيسة. كما يتبدَّى في المفاهيم الاسـترجاعية البروتستانتية التي تجعل من عودة اليهود إلى صهيون في نهاية التاريخ شرطاً لعملية الخلاص وشرطاً لتأسيس الفردوس الأرضي. وقد تمت علمنة هذا المفهوم في العصر الحديث، فتحول اليهود من شعب يهودي مقدَّس له تاريخ يهودي مقدَّس إلى الشعب اليهودي المستقل صاحب التاريخ اليهودي الفريد. وهذه كلها مفاهيم تفترض عزلة اليهود، كما تفترض أن لهم وجوداً وتاريخاً مستقلين.
ومما دعم إحساس الإنسان الغربي بوجود تاريخ يهودي مستقل، اضطلاع اليهود بدور الجماعة الوظيفية (المالية أوالاستيطانية) في المجتمعات الغربية. ومثل هذه الجماعات يتم عزلها عن بقية المجتمع حتى تبدو وكأنها خاضعة لآليات وحركيات تاريخية مستقلة، مع أنها في واقع الأمر جزء لا يتجزأ من المجتمع، وخاضعة للآليات والحركيات التاريخية نفسها التي يخضع لها هذا المجتمع، تصعد بصعوده وتهبط بهبوطه رغم استقلالها النسبي. وقد ظل دور الجماعة الوظيفية حكراً تقريباً على الجماعات اليهودية في العالم الغربي، وذلك على عكس الحضارات الشرقية حيث اضطلعت جماعات إثنية ودينية مختلفة، من بينها اليهود، بدور الجماعة الوظيفية.
وغني عن الذكر أن مفهوم التاريخ اليهودي مفهوم محوري في الفكر الغربي وفي إدراك الإنسان الغربي لليهود. لكن المقدرة التفسيرية لهذا المفهوم ضعيفة إلى أقصى حد، فهو مفهوم اختزالي بسيط إلى أقصى حد. والإيمان بنموذج التاريخ اليهودي المستقل له نتائجه السلبية لا من الناحية المعرفية وحسب، وإنما من الناحية الإنسانية والأخلاقية كذلك.
أما من الناحية المعرفية، فإننا نجد أن رصد واقع الجماعات اليهودية، وتفسيره من خلال نموذج التاريخ اليهودي يُبسِّط هذا الواقع ويختزله ويجعله تافهاً، كما أنه يُضخِّم جوانب ثانوية منه ويتجاهل عناصر أساسية فيه. إن استقلالية أي بناء تاريخي تعني استقلالىة أبنيته الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك استقلالية الأبنية الحضارية والرمزية المرتبطة به، كما تعني تجانسها النسبي في كل مرحلة من مراحله. وكذلك فإن استقلالية أي بناء تاريخي تعني أن هذا البناء يضم جماعة من الناس لا وجود لها خارجه ولا يمكن فهم سلوكها إلا في إطار تفاعلها معه. ولكن من الثابت تاريخياً أن الجماعات اليهودية المنتشرة في العالم كانت تتَّسم بعدم التجانس وعدم الترابط وبأن أعضاءها كانوا يوجدون في مجتمعات مختلفة تسودها أنماط إنتاجية وأبنية حضارية اختلفـت باختلاف الزمان والمكـان. فيهـود اليمن، في القرن التاسع عشر، كانوا يعيشون في مجتمع صحراوي قَبَلي عربي. أما يهود الولايات المتحدة في الفترة نفسها، فكانوا يعيشون في مجتمع حضري رأسمالى غربي. فإذا بحث المرء في العنصر المشترك بين يهود الىمن ويهود الولايات المتحدة، لوجد أنه هو الدين اليهودي وحسب، وهو عنصر واحد ضمن عناصر عديدة تحدد سلوك اليهودي. بل إن الأنساق الدينية اليهودية ذاتها، بسبب تركيب اليهودية الجيولوجي التراكمي وبسبب غياب سلطة مركزية دينية، تختلف اختلافاً حاداً وجوهرياً من حضارة إلى أخرى، ومن هنا نشأت قضية الهوية اليهودية. ولكل هذا، نجد أن سلوك اليهودي اليمني تحكمه عناصر البناء التاريخي العربي الذي يعيش فيه، تماماً كما تحكم سلوك يهود الولايات المتحدة مكونات البناء التاريخي الغربي والأمريكي. غير أن نموذج التاريخ اليهودي، بما يفترضه من وحدة وتجانس، يجعل المؤرخ يهمل كل عناصر عدم الوحدة وعدم التجانس التي تُشكِّل الجانب الأكبر في مكوِّنات واقع أعضاء الجماعات اليهودية، وهي عناصر نتصور أنها أهم من عناصر الوحدة والتجانس، ولها قيمة تفسيرية ورصدية أعلى.
ومن المعروف أن أعضاء الجماعات اليهودية لم يكونوا من صناع القرار في عصور التاريخ المختلفة، وخصوصاً في الغرب. فقد كانوا يقتربون أحياناً من أعضاء النخبة الحاكمة ومؤسسات صنع القرار باعتبارهم جماعة وظيفية، وكانوا يبتعدون عنها أحياناً أخرى. ولكن القرار ظل دائماً في يد هذه النخبة. ومما له دلالته أن أول تاريخ لأعضاء الجماعات اليهودية في العصر الحديث، والذي كتبه أسحق ماركس يوسط (1793 ـ 1860)، بدأ بالعبارة التالية: « هل يمكن أن يُكتب تاريخ مستقل للعبيد؟ ». والواقع أن الردّ بالنفي إن أراد المؤرخ أن ينظر إلى تاريخ العبيد خارج الإطار السياسي والاجتماعي والحضاري للمجتمعات التي يوجدون فيها، ذلك أن تاريخ العبيد ليس تاريخاً مستقلاً بل هو جزء من تاريخ المجتمع ككل. وما يهمنا هنا هو تأكيد أن الأحداث الكبرى التي تقع للجماعات اليهودية تكمن جذورها وأسبابها في مجتمع الأغلبية. ويمكن القول بأن نموذج التاريخ اليهودي المستقل يُوجِّه رؤية المؤرخ توجيهاً خاطئاً، إذ يذهب هذا النموذج إلى أن الأحداث التاريخية الكبرى التي قررت مصير الجماعات اليهودية (كظهور الدولة الآشورية أو ظهور الإمبريالية الغربية) تقع خارج نطاق هذا التاريخ اليهودي. وتصبح هذه الأحداث، رغم مركزيتها وقدرتها التفسيرية، أحداثاًً هامشية ذات أهمية ثانوية.
إذا افترضنا جدلاً وجود تاريخ يهودي مستقل، فما أحداث هذا التاريخ؟ وهل تأتي الثورة الصناعية، مثلاً، ضمن أحداث هذا التاريخ، أم أنها حدث ينتمي إلى التاريخ الغربي؟ والواقع أننا نجد أن الثورة الصناعية حدث ضخم في التاريخ الغربي ترك أعمق الأثر في يهود العالم الغربي وأحدث انقلاباً في طرق حياتهم ورؤيتهم للكون في القرن التاسع عشر، أي بعد وقوعه بفترة وجيزة. لكننا نجد أيضاً أن هذا الانقلاب لم يحدث لهم باعتبارهم يهوداً وإنما باعتبارهم أقلية تُوجَد داخل التشكيل الحضاري الغربي. ومن هنا، فإننا نجد أن هذا الانقلاب في طرق الحياة والرؤية للعالم قد حدث أيضاً لأعضاء الأغلبية ولأعضاء الآليات الأخرى الموجودة داخل المجتمعات الغربية. وفي الوقت نفسه، لم يتأثر يهود العالم العربي بالثورة الصناعية بالدرجة نفسها وفي الوقت نفسه، ذلك لأن التشكيل الحضاري العربي كان بمنأى عن هذه الثورة الصناعية في بداية الأمر. لكن هذا التشكيل بدأ بعد حوالي قرن من الزمان يتأثر بالثورة الصناعية، وبالتالي فقد بدأ أثرها يمتد إلى معظم المجتمعات العربية بأغلبيتها وآلياتها. أما يهود إثيوبيا، مثلاً، فلم يتأثروا إلا بشكل سطحي، ذلك لأن التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية التي كانوا يعيشون في إطارها ظلت بمنأى عن تلك التحولات الكبرى التي ترتبت على أحداث الثورة الصناعية، بل بقيت هذه التشكيلة ذات طابع قَبَلي حتى وقتنا الحاضر. وبعبارة أخرى فإن الآثار المترتبة للثورة الصناعية في أعضاء الجماعات اليهودية هي مسألة تتعلق بأثر الثورة الصناعية في كل جماعة يهودية على حدة، وترتبط أشد الارتباط بآثار هذه الثورة في المجتمعات التي تعيش في كنفها هذه الجماعات اليهودية.
وعلى هذا، فإن الإطار المرجعي للدراسة لا يمكن أن يكون التاريخ اليهودي. ولو أن الباحث جعل هذا التاريخ اليهودي مرجعاته لعجز حتماً عن تفسير كثير من عناصر التفاوت وعدم التجانس في هذا التاريخ، ولاضطر إلى ليّ عنق الحقائق ليفسر سبب تأثر يهود لندن بالثورة الصناعية فور حدوثها وعدم تأثر بعض يهود إثيوبيا بها حتى الآن! أو اضطر إلى تفسير أحداث هذا التاريخ اليهودي الوهمي من خلال عناصر ثانوية أو وهمية، مثل رغبات اليهود وتطلعاتهم وتماسكهم ومدى اضطهاد الآخرين لهم أو عطفهم عليهم. وإذا تأملنا الدراسات التي تفترض استقلالية التاريخ اليهودي فإننا سنجد عبارات مثل: « وكان بورش الأميني متسامحاً مع اليهود فأعادهم إلى بلادهم » أو « وتمت عـدة هجمات ومـذابح ضد اليهود عـام 1882 في روسيا القيصرية » أو « وبدأ اليهود يفكرون في تقليد الشعوب الأخرى لتصبح لهم حركتهم القومية ووطنهم القومي في فلسطين »، وكل هذه العبارات تفترض أن الأحداث التي تقع لليهود تُفسَّر بالعودة إلى تاريخهم المستقل الافتراضي، وإلى رغباتهم وأحلامهم التي يبررها هذا التاريخ الافتراضي. ويتم تجاهل البناء الإداري للإمبراطورية الفارسية التي اعتمدت على الشعوب الموالية لها، أو أزمة الرأسمالية أو النظام القيصري في عام 1882، أو ظهور الإمبريالية الغربية التي كانت تحل مشاكل أوربا عن طريق تصدير هذه المشاكل إلى الشرق، وبالتالي حاولت حل مسألتها اليهودية عن طريق إرسال إلى هود إلى الشرق. لكن عزل التجارب التاريخية للجماعات اليهودية عن سياقها التاريخي الإنساني العام يحوِّلها، في الحقيقة، إلى أجزاء من واقع يهودي عام واحد يمكن فرض أي معنى عليه. ولذا، فإن وقائع اضطهاد اليهود (كاضطهاد يهود فلسطين على يد الفرنجة أو اضطهاد يهود روسيا في أواخر القرن التاسع عشر بسبب التحديث المتعثر) بدلاً من أن تُدرَس من حيث هي وقائع يمكن تفسير كلٍّ منها في سياقها التاريخي المختلف، تصبح تعبيراً عن غربة شعب نُفيَ من بلده، ويصبح الاستيطان في فلسطين وطرد الفلسطينيين من بلادهم ليس جزءاً من التشكيل الاستعماري الغربي وإنما النهاية السعيدة لتجوال شعب بلا أرض ـ شعب افتراضي تجوَّل بسبب اضطهاد الجنس البشري له في كل زمان ومكـان ـ وتصـبح الدولة الصهيونية الحل الحتمي والوحيد لهذه المأسـاة.
وإذا ما تركنا الجانب المعرفي، سواء من ناحية الرصد أو من ناحية التفسير، وانتقلنا إلى الجانب الأخلاقي والإنساني، فإننا سنكتشف أن نموذج التاريخ اليهودي المستقل يفترض وجود جوهر يهودي كامن يشكل ما يشبه النمط الفكري الجاهز لكل الأشكال التاريخية التي عاش في إطارها أعضاء الجماعات. حيث يتجاوز هذا الجوهر كل التحولات ويصبغها بصبغته ويتحدى جميع القوانين التاريخية المعروفة ويتخذ اسم «الماضي اليهودي» أو «الاستمرار اليهودي» أو «روح اليهودية» أو «الشعب اليهودي الأزلي» أو «المستقبل اليهودي»، وهذه جميعاً مطلقات علمانية تحل محل الإله الذي يوجه التاريخ اليهودي حسب الرؤىة الدينية الحلولية. ومن هنا، فإننا نذهب إلى القول بأن مفهوم التاريخ اليهودي (في إطاره العلماني العلمي) تعبير عن حلولي بدون إله حيث يصبح مسار هذا التاريخ هو التحقق التدريجي لهذا الجوهر الكامن وللـروح اليهـودية الدينيـة القوميـة. ويتم تفسير كل شيء على هذا الأساس، وتصبح مهمة المؤرخ هي البحث عن الجوهر اليهودي والروح اليهودية وكل ما يعبِّر عنهما، متجاهلاً كل التفاصيل الأخرى. كل هذا يجعل التاريخ اليهودي أمراً لا علاقة له بالواقع الإنساني الدنيوي: تاريخ يشبه البناء المصمت المنغلق على نفسه ويعبِّر عن نمط أو أنماط محددة متكررة لا تتعدى حدود تَجلّي الجوهر اليهودي المطلق. وهذا النمط يأخذ الشكل التالي: منفى ثم عودة؛ المنفى هو الحدث الذي يقع لليهود، والعودة هي الفعل الذي يأتون به، وهذا التاريخ يبدأ عادةً بالعبودية في مصر ثم يتم التغلغل في كنعاة والاستيلاء عليها وتأسيس المملكة العبرانية. ثم يتكرر النمط بالتهجير الآشوري والبابلي، تليه العودة من بابل حسب مرسوم بورش (الذي يؤسس الهيكل)، ثم تأسيس الدولة الحشمونية. ثم يتكرر النمط مرة ثالثة بهدم الهيكل على يد تيتو وشتات اليهود وعجزهم بسبب عدم المشاركة في السلطة وغياب السيادة. وتصل حالة المنفى إلى قمتها في الإبادة النازية (الحدث الأكبر)، ثم تبدأ العودة من خلال تأسيس الحركة الصهيونية ثم تأسيس الدولة الصهيونية (الفعل الأكبر). ويلي ذلك تجميع المنفيين من كل البلاد، وهذا النمط يفترض دائماً نهاية (مشيحانية) للتاريخ تتوقف عندها الدورات ويختفي الجدل ويظهر الفردوس الأرضي.
ومثل هذا التصور للتاريخ، بأنماطه الهندسية المتكررة الرتيبة ونهايته القاطعة، لا يتنافى فقط مع الروح العلمية، وإنما يتنافى مع الروح الإنسانية كذلك. فهو يُسقط عن اليهودي صفة الإنسانية بإنكار تفاعله مع البيئة التي حوله، يتأثر بها ويؤثر فيها، شأنه في هذا شأن كل أعضاء الجماعات الآنية والدينية الأخرى. فالقوات الآشورية والبابلية لم تكتسح الدولتين العبرانيتين وحسب، بل اكتسحت معظم الطويلات الآرامية وغيرها. كما أن أزمة النظام القيصري لم تتسبب في مذابح لليهود وحسب، بل كانت لها آثار سلبية عميقة في قطاعات كثيرة من البورجوازية الروسية وفي جماهير الشعوب الإسلامية وغيرها. فنموذج التاريخ اليهودي يُسقط إنسانية اليهودي، ويخلع عليه هالة أسطورية لا تاريخية إذ تضعه خارج التاريخ الإنساني الفعلي.
لكل ما تقدَّم، استبعدنا تماماً مصطلحات مثل: «التاريخ اليهودي» و«الماضي اليهودي» و«القَدَر اليهودي» و«المصير اليهودي»، وكذلك سائر المصطلحات التي تفترض وحدة التاريخ اليهودي بشكل مباشر مثل «الاستمرار اليهودي». كما استبعدنا كل المصطلحات التي تفترض هذه الوحدة بشكل غير مباشر مثل «العبقرية اليهودية» و«الجوهر اليهودي». واستبدلنا بكل هذا مصطلحات تفترض التنوع وعدم التجانس مثل «الجماعات اليهودية»، وهو مصطلح يفترض أن الجماعات اليهودية خاضعة للآليات التاريخية التي يخضع لها أعضاء المجتمعات التي يعيش في كنفها إلى هود. وقد فصلنا تماماً بين التاريخ المقدَّس الذي ورد في العهد القديم والأحداث التاريخية التي وقعت للعبرانيين وللجماعات اليهودية من بعدهم، وفصلنا بين تاريخ اليهودية وتواريخ الجماعات اليهودية، ومن ثم فإننا لا نستخدم مصطلحات مثل «مرحلة الهيكل الأول» أو «هدم الهيكل» أو «الكومنولث الأول» أو «العصر التلمود» إلا في سياق الحديث عن التطورات الدينية، إذ أن كل هذه العبارات تشير إلى أحداث ذات دلالة دينية بالنسبة إلى الجماعات اليهودية ولكنها لا تصلح لتفسير المسار العام للتاريخ الدنيوي والإنساني في كليته. ونحن، بهذا، نؤكد انتماء أعضاء الجماعات اليهودية إلى بنىً تاريخية متعددة حيث يتسنى للدارس فهم سلوك أعضاء الجماعات اليهودية فهما مركباً، أي باعتبارهم أشخاصاً حقيقيين وبشراً يتفاعلون مع العناصر التاريخية المتشابكة المختلفة التي تحدِّد سلوكهم.
ومن الحقائق التي تستوجب الذكر أن عدد المؤرخين من اليهود كان دائماً صغيراً محدوداً. وحينما تفاعل أعضاء الجماعة اليهودية مع الحضارة العربية الإسلامية، فإنهم تعلموا الكثير منها ولكنهم لم يتعلموا كتابة التاريخ. ولهذا، ظل إسهام المبدعين منهم مقصوراً على الأدب والفلسفة والعلوم الطبيعية.
ونحن نرى أن نموذج التاريخ اليهودي هو النموذج الأساسي الكامن في موقف الحضارة الغربية تجاه « اليهود » أي الجماعات اليهودية. فالنزعة الصهيونية في الحضارة الغربية، والتي تمنح اليهود مركزية وقداسة، نابعة من افتراض وجود تاريخ يهودي مستقل يختلط في الأذهان بالتاريخ المقدَّس. كما أن معاداة اليهود، هي الأخرى، تعبير عن أن اليهودي شخص له سماته الفريدة والمحددة وطبيعته الخاصة النابعة من انتمائه لتاريخ يهودي مستقل. ونقطة الانطلاق بالنسبة إلى كلٍّ من الصهيونية والنازية (في موقفهما من اليهود) هي افتراض وجود شعب يهودي له شخصية مستقلة وتاريخ مستقل. وفي تصوُّر كلٍّ من بغفور وهتلر، فإن المسألة اليهودية ناجمة عن وجود هذا الكيان اليهودي العضوي المستقل داخل الحضارة الغربية، يدمرها وتدمره. ولذا، لابد من التخلص منه إما عن طريق إرساله إلى فلسطين أو عن طريق إلقائه في أفران الغاز، فاليهودي يجب أن يخرج من الحضارة الغربية.
التاريخ المقدَّس أو التوراتي (الإنجيلي(
Sacred or Biblical History
«التاريخ المقدَّس أوالتوراتي (الإنجيلي)» هو القصص التاريخي الذي يرد في العهد القديم. وتاريخ العـبرانيين، كمـا ورد في العهد القديم، يختلف عن التاريخ الفعلي ويتناقض معه أحياناً. ويصلح هذا التاريخ أحياناً مصدراً للمعلومات والفرضيات، ولكنه أحياناً أخرى لا يمكن دراسته إلا باعتباره جزءاً من الرؤية الدينية اليهودية وحسب. وهذا التاريخ المقدَّس هو جزء من العقيدة اليهودية كما أنه تعبير عن الطبقة الحلولية الواحدية داخل التركيب الجيولوجي اليهودي. وفي تصوُّرنا، فإن هذا التاريخ يختلف تماماً عن ممارسات أعضاء الجماعة اليهودية بتجاربهم التاريخية. فالنسق الديني اليهودي، بما يجسده من قيم مطلقة ومثاليات، يختلف عن الممارسات الدينية والدنيوية للعبرانيين واليهود، وهو ما يسجله العهد القديم. وفي هذا، لا يختلف أعضاء الجماعات اليهودية عن كل الجماعات والشعوب الإنسانية الأخرى. فتاريخ الهند والأقوام الهندية ليس تاريخ الهندوكية، وتاريخ الصين ليس تاريخ الكونفوشيوسية، وتاريخ أوربا في العصور الوسطى لا يمكن تفسيره بأكمله وبكل تركيبيته بالعودة إلى النسق الديني المسيحي السائد في ذلك الوقت، رغم فعالية هذا النسق في صياغة وعي الناس ووجدانهم وتوجيه بعض جوانب سلوكهم.
إن تاريخ المسيحية، ديناً وفلسفة وفكراً، لا يتطابق وتاريخ المسـيحيين بحـيث يكونان شـيئاً واحداً (وذلك برغم ارتباط أحدهما بالآخر). وربما يتجلى اختلاف تاريخ المسيحية عن تاريخ المسيحيين في حملات الفرنجة حيث قام الغرب الأوربي بالهجوم على الشرق باسم المسيحية فنهب القسطنطينية عاصمة المسيحية الأرثوذكسية ثم قام بالهجوم على فلسطين دون أن يُفرِّق (في معظم الأحيان) بين مسلم ومسيحي ويهودي.
وكذلك تاريخ اليهودية، سواء أكانت اليهودية عقيدة أم كانت فكراً أم شيعاً وانقسامات، يختلف عن التجارب التاريخية التي خاضتها الجماعات اليهودية، برغم الارتباط الوثيق بينهما في بعض الأحيان. فتاريخ مملكة الخزر، وتَحوُّل الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية وسيطة في أوربا في العصور الوسطى، وتحالف الصهيونية مع الاستعمار ثم مع النازية، هذه كلها ليست جزءاً من تاريخ اليهودية وإنما تنتمي إلى تواريخ الجماعات اليهودية. ويظل تاريخ اليهودية هو تاريخ العقيدة الدينية. ونحن حين نقر هذا التمييز بين التاريخين، فإننا نتبنى بذلك نموذجاً أكثر تفسيرية إذ يظل التاريخ نتاج تفاعل عدة عناصر من بينها الدين.
والتاريخ التوراتي المقدَّس الذي ورد في العهد القديم هو تاريخ ذو مغزى أخلاقي تُستخلص منه العبَر. بل إن العبرة قد تكون، في كثير من الأحيان، أهم من الحدث نفسه. وهو تاريخ يتبع نسقاً دينياً محدداً؛ يختار من الحدث ما يخدم الهدف، ويلجأ إلى الصور المجازية والرموز والمبالغة ليوصل الحكمة إلى المتلقي. وبالتالى، كثيراً ما تتناقض وقائع هذا التاريخ ووقائع التاريخ الدنيوي وإن كانت تتفق معها أحياناً. ولكن كثيراً من القصص التي وردت في العهد القديم، والتي تدَّعي لنفسها صفة التاريخية، لا يمكن إثباتها بالعودة إلى التاريخ الدنيوي. كما أن بعض المدونات الآشورية والبابلية والمصرية تعطينا أحياناً صورة مختلفة تماماً. فوقائع هجرة العبرانيين من مصر، كما وردت في سفر الخروج، تختلف في كثير من النواحي عن الشذرات المتناثرة التي وصلتنا عن هذا الخروج، إن لم تكن متناقضة معها. كما يأتي ذكر سليمان في التاريخ التوراتي المقدَّس كملك عظيم مهيب، وأن المملكة المتحدة قد ازدهرت تحت حكمه حقاً. ولكننا نعرف أيضًا أن هذا الازدهار كان مؤقتاً وناتجاً عن الفراغ السياسي المؤقت في الشرق الأدنى القديم، كما نعرف أن مملكته لم تكن تختلف كثيراً عن الدويلات الأخرى التي ازدهرت في تلك المنطقة بسبب غياب الإمبراطوريات العظمى التي اكتسحتها فيما بعد، وتقاسمتها فيما بينها بعد ظهورها. وهذه كلها جوانب يُسقطها التاريخ المقدَّس ولا يُعنى بها. كما نعلم أن سليمان، حتى في أوج عظمته، لم يصل إلى تلك الأبعاد الأسطورية التي تتحدث عنها الرواية التوراتية.
وثمة مدارس عديدة تتباين آراؤها في قصص العهد القديم، إذ يرى البعض أن التاريخ الذي يرد في العهد القديم هو تاريخ رمزي. فإبراهيم، حسب هذا التصور، ليس شخصية تاريخية وإنما يمثل مرحلة تاريخية وحسب، وبالتالى فهو رمز أكثر أهمية ودلالة وعمقاً من الواقعة التاريخية. وهناك من يذهبون إلى النقيض ويحاولون دراسة التاريخ من خلال المعلومات الواردة في العهد القديم. وثمة من يسلكون طريقاً وسطاً بين المدرستين. حيث يسترشد الباحث بالتاريخ المقدَّس في معرفة التاريخ الفعلى دون أن يكون ذلك ملزماً له. وهنا، لابد أن نشير إلى أننا أضفنا أحياناً عبارة «حسب الرواية التوراتية»، أو عبارات مماثلة، وذلك حين استندنا إلى الوقائع التي وردت في العهد القديم، وحين استخدمنا هذه الوقائع كمادة تاريخية.
والفكر الغربي واليهودي والصهيوني يتجه دائماً نحو محاولة اكتشاف الأنماط المتكررة في التاريخ المقدَّس كما تتبدَّى في تاريخ الجماعات اليهودية في العالم وعبر التاريخ، بحيث تصبح حادثة مثل الإبادة النازية تكراراً للعبودية في مصر وتكراراً للتهجير البابلي، كما أن إعلان دولة إسرائيل يشبه الخروج من مصر، والاستيطان في فلسطين يشبه التغلغل في كنعان، وهكذا. وهجرة اليهود السوفييت هي خروج اليهود من الاتحاد السوفيتي بعد عبوديتهم في روسيا القيصرية والسوفيتية. بل إنهم يرون هذا التاريخ باعتباره تاريخاً له بداية ونهاية (وكأنه مسرحية إلهية لها حبكة واضحة) وبالتالي يشكل إعلان دولة إسرائيل نهاية التاريخ.
الــرؤى اليهوديــة للتاريـخ
Jewish Views of History
في معظم الكتابات اليهودية أو الصهيونية التي تعالج القضايا المتصلة بالجماعات اليهودية في العالم، يُلاحظ الدارس أنه لا توجد أية تفرقة بين تواريخ الجماعات اليهودية من جهة وتاريخ اليهودية من جهة أخرى، أو بين التاريخ المقدَّس والتاريخ الفعلى. فيتداخل التاريخ المقدَّس مع تاريخ العبرانيين، ويتداخل الاثنان مع تواريخ الجماعات اليهودية، لتصبح المحصلة النهائية ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي». وربما يعود هذا التداخل إلى التيار الحلول الواحد في العقيدة اليهودية. ففي تصورهم الحلولي الواحدي، يري اليهود أن تاريخهم مقدَّس ويعبِّر عن الإرادة الربانية، فإله إسرائيل يتدخل دائماً في مسار التاريخ لصالح شعب إسرائيل. ولم تأت الأمة اليهودية إلى الوجود إلا من خلال تَدخُّل إلهي مباشر، أي أن الإله قد حل في الشعب وتاريخه.
لكن فكرة حلول الروح الإلهية في اليهود حولتهم إلى أمة من القديسين والكهنة والأنبياء. ومن الملاحَظ أن زوال ثنائية الخالق والمخلوق التي تؤدي إلى التداخل الكامل بين المطلق والنسبي، أو بين الإله والشعب، أو بين الثابت والمتغيِّر، أو بين التاريخ المقدَّس والتاريخ الإنساني سمة بنيوية أساسية في اليهودية. فكتاب اليهود المقدَّس كتاب تاريخ الشعب، كما أن أعيادهم تحتفل بمناسبات كونية ثابتة مثل عودة الربيع وخلق العالم، وبمناسبات تاريخية متغيرة مثل الخروج من مصر. وتتركز الصلوات الدينية المختلفة حول المناسبات القومية التاريخية، كما تأخذ العلاقة مع الإله شكل حوار بين طرفين أحدهما مقدَّس مطلق، والآخر دنيوي نسبي، ومع هذا فالطرفان متساويان. والديانة اليهودية تتسم بوجود شريعتين: واحدة مكتوبة مُرسَلة من الإله، والأخرى شفوية يكتشفها حاخامات الشعب عبر تاريخهم. ومع هذا، فللشريعة الشفوية من الشرعية والصلاحية ما للشريعة المكتوبة، بل إنها تفوقها في الاتساع والشمول والدقة. وظاهرة تعدد الأنبياء في اليهودية تعبير عن حلول الإله في التاريخ، وهو حلول لا يتوقف عند نقطة ما بل يستمر من بداية التاريخ حتى نهايته. وقد كانت هذه الرؤية الحلولية الواحدية كامنة في العصر القديم ثم ازدادت عمقاً في التلمود ـ كتاب اليهودية الحاخامية الأساسي ـ ثم تبلورت وأخذت شكلاً حاداً ومتطرفاً في القبَّالاه التي سيطرت على الفكر الديني اليهودي وعلى المؤسسات الدينية اليهودية ابتداءً من القرن السادس عشر، وورثها المفكرون العلمانيون اليهود ابتداءً من إسبينوزا.
ويرى بعض فلاسفة التاريخ في الغرب أن اليهود أول من اكتشف فكرة التطور والتقدم التي هي عماد الوعي التاريخي الغربي الحديث، على عكس الإغريق القدامى، وغيرهم من الشعوب القديمة، الذين كانوا يرون أن للتاريخ شكلاً فلسفياً هندسياً. كما رأى هؤلاء الفلاسفة أيضاً أن حلول الإله في التاريخ قد حوَّله إلى خطّ مستقيم يتحرك نحو هدف أعلى وغاية نهائية بدلاً من أن يكون مجرد شكل هندسي دائري يتحرك حول نفسه دون غاية.
ومما لا شك فيه أن العبرانيين القدامى (حسبما ورد في الكتب المقدَّسة عند اليهود) كان لديهم إحساس قوي بما تصوروا أنه مغزى التاريخ الديني ومعناه المقدَّس. ولكن هذا الإحساس نفسه هو أحد أسباب ضعف حسهم التاريخي وضموره بل اختفائه. فالاهتمام اليهودي القديم بالتاريخ، هو اهتمام في صميمه معاد للتاريخ لأنه يَصدُر عن رؤية دينية حلولية واحدية تتجاهل أن الظواهر التاريخية لها منطقها الخاص والمستقل عن رغبات الإنسان وأحلامه وأنها ليست تجلياً لإرادة إله يحابي شعباً، وهي رؤية تذهب إلى أن التاريخ بأجمعه إن هو إلا كشف الغطاء عن الغرض الإلهي الذي لا يدور حول البشر كافة وإنما يدور حول الشعب المختار بالدرجة الأولى (باعتباره موضع الحلول الإلهي). وهذه الرؤية تُسطّح التاريخ وتفرغه من تركيبيته وإنسانيته وعالميته، وهي السمات الأساسية التي تعطي التاريخ معناه الإنساني المتعارف عليه بين الناس. ويظهر هذا التسطيح الذي يختزل كل الوقائع ويردُّها جميعاً إلى مستوى واحد في تَصوُّر الرؤية اليهودية الحلولية الواحدية (والصهيونية فيما بعد) للظواهر التاريخية باعتبارها ظواهر مقدَّسة تقررت حركتها حسب خطة إلهية مسبقة وُضعت قبل بدء التاريخ. بل إن التدخل المستمر والعلني للإله هو تأكيد للقول بأن التاريخ يتم دفعه وتحريكه من الخارج، وأن الإرادة البشرية لا مجال لها فيه، وأن التاريخ اليهودي (المقدَّس والإنساني) بدأ من مطلق لا يقبل النقاش أو التقييم (العهد مع إبراهيم) يقطعه المطلق من آونة إلى أخرى (العهد مع إسحق ثم مع يعقوب)، وينتهي بمطلق أخير (ظهور الماشيَّح المنتظر أو وصول العصر المشيحاني الذي يشكل نهاية التاريخ). والتدخل المستمر للإله في التاريخ، حسب التصور اليهودي الحلولي، هو ما يكسبه معنى ويضفي على فوضاه اللامتناهية شكلاً.
وترد الوقائع التاريخية في أسفار موسي الخمسة بمقدار ما تكشف الغرض الإلهي الذي يهدف إلى إعلاء جماعة ىسرائيل. وإذا كانت أسفار الأنبياء المختلفة تتحدث عن الإرادة وعن المستقبل القريب حين يتوب أعضاء جماعة يسرائيل ويعودون إلى الإله، فإن هذا الحديث قد اختفى تماماً في أسفار الرؤى (أبوكاليبس) التي تتحدث عن المستقبل البعيد وعن الخلاص العجائبي.
وقد تبلورت كل هذه الأفكار الحلولية الواحدية النظرة التي تجعل الشعب اليهودي الغاية النهائية وربما الوحيدة للتاريخ في عقيدة الماشيَّح. فمسار التاريخ ذو هدف واحد واضح محدد: يأتي الماشيَّح في آخر الأيام ويعود باليهود إلى أرض الميعاد ليؤسس حكومته العالمية في صهيون. وفكرة الماشيَّح قد تنطوي على فكرة التقدم نحو هدف أعلى، أي أنها تختلف عن الرؤية الهندسية الإغريقية، ولكنها مع هذا أسطورة لا تاريخية إلى أقصى حد، لأنها تفترض ثبات النقطة التي يتحرك نحوها التاريخ، كما تفترض الحتمية المطلقة لهذه الحركة، وعدم جدوى الفعل الإنساني لأن نقطة النهاية الفردوسية ستأتي عن طريق التدخل المباشر والفجائي للإله في التاريخ. وهو تَدخُل يُلغي التاريخ تماماً باعتباره المجال الذي تركه الإله للإنسان ليتفاعل معه فيه وليختبره،ينتصر أو ينكسر، يهتدي أو يضل.
ويبدو أن هذه الرؤىة الدينية القومية الحلولية للتاريخ هي التي شجعت النزعات المشيحانية التي اتسمت بها تواريخ أعضاء الجماعات اليهودية منذ القرن الأول الميلادي، والتي تصاعدت حدتها ابتداءً من القرن السابع عشر في الغرب. وقد أدَّى انتشار الجماعات اليهودية وتَحوُّلهم الى جماعات وظيفية منعزلة عن المجتمع إلى زيادة حدة النزعة المعادية للتاريخ بينهم. ويرجع هذا إلى الأسباب التالية:
1 ـ يميل الإنسان الذي يعيش في عزلة الى تجريد نفسه إذ يرى ذاته مستقلة عن حركيات التاريخ العام، وخصوصاً أن أعضاء الجماعات الوظيفية يظنون أنهم يتمتعون بقداسة خاصة.
2 ـ أعضاء الجماعات الوظيفية يتمتعون بحركية غير عادية، الأمر الذي يجعل من العسير عليهم رؤية تَراكُم الأحداث داخل إطار محدد.
3 ـ يتعامل التاجر والمرابي مع مجردات ليست لها أية حدود (السلع ـ النقود ـ سعر الفائدة)، كما أن اليهود الذين اضطلعوا في العصور الوسطى بدور التجارة الدولية في المجتمعات الزراعية كانوا عناصر حركية متعددة الجنسيات عابرة للقارات غير قادرة على استيعاب فكرة الحدود التي هي جوهر الوجدان التاريخي.
4 ـ بالإضافة الى كل هذا، كانت التجارة البدائية والربا مهنتين ليست لهما علاقة فعلية بالعملية الإنتاجية ذاتها، فقد كانتا تنتميان إلى نوع من الاقتصاد المجرد داخل بناء من الاقتصاد الطبيعي المبني على تَبادُل الخدمات وعلى الاكتفاء الذاتي.
5 ـ يُركِّز أعضاء الجماعة الوظيفية على الوطن الأصلي، الحقيقي أو الوهمي، وهو بالنسبة إلى اليهود فلسطين، وهو تركيز يفقدهم الإحساس بالزمان والمكان.
لكل هذا، ضمر الإحساس بالزمان وحل محله إحساس متطرف بالمكان وحسب، وتجسَّد هذا في فكرة الأرض التي هيمنت على الوجدان اليهودي الحلولي. كل هذا، جعل أعضاء الجماعات اليهودية طوائف مرشَّحة لأن تفقد حسها التاريخي، وأن تنغمس في التأملات الفردوسية والدراسات التلمودية والحسابات القبَّالية الخاصة بآخر الأيام. وقد كان الجيتو التعبير الحضاري والنفسي عن هذه العقلية التي تتصور أنها تقف خارج التاريخ. ولذلك، كان مثقف الجيتو، أو طالب المدرسة التلمودية، ينفق كل أيامه في دراسة الأساطير اليهودية والدين اليهودي وما يتصور أنه تاريخ اليهود المقدَّس، دون أي اهتمام بالدراسات التاريخية الحقة، سواء كانت التواريخ الحقيقية للجماعات اليهودية في العالم، أم تاريخ الحضارة التي يعيش بين ظهرانيها. ولقد توقفت دراسة العهد القديم هي الأخرى كتاريخ مقدَّس، وحلَّت محلها الدراسات التلمودية الفقهية التي لا يدخل فيها عنصر الزمن بتاتاً، ثم حلت محل الدراسات التلمودية التفسيرات القبَّالىة ذات الطابع الغنوصي المتطرف التي تُسقط التاريخ تماماً وتأخذ شكل بنَى هندسية لا علاقة لها بأي واقع تاريخي أو إنساني متعين، والتي تهدف إلى تعويض اليهود عما يلاقونه من عذاب حقيقي أو وهمي.
لكل هذا، حينما بدأ علم التاريخ بمعناه الحديث في الغرب، ابتداءً من القرن السابع عشر، كان إسهام أعضاء الجماعات اليهودية فيه منعدماً. ولم تبدأ إسهاماتهم في الدراسات التاريخية إلا في مرحلة متأخرة من القرن التاسع عشر بعد أن تآكل الجيتو تماماً، وبعد أن بدأت تظهر شرائح من أعضاء الجماعات اليهودية ممن تلقوا ثقافة علمانية غربية مختلفة تماماً عن الثقافة اليهودية التقليدية.
وقد قامت محاولتان داخل اليهودية لمكافحة النزعة المشيحانية المعادية للتاريخ. أولاهما محاولة اليهودية الحاخامية النظر إلى الرموز والعقـائد اليهودية القـديمة المختلفة، مثل العودة وصهيون والماشـيَّح، باعتبارها أموراً ستتحقق بأمر الإله. ومن ثم ، فإن فعاليتها تكمن خارج حدود التاريخ، وهو ما يحول التاريخ ذاته إلى رقعة يمارس فيها الإنسان حريته ويجعل اليهود بشراً ككل البشر الذين يعيشون في العالم التاريخي النسبي (رغم كل تطلعاتهم الدينية والروحية). وقد نجحت المؤسسة الحاخامية بالفعل في كبح النزعات المشيحانية المتفجرة، الناجمة عن الرؤية الحلولية وتَوقُّع المعجزة الربانية ونهاية التاريخ في كل زمان ومكان. فقد تصدت لشبتاي تسفي، ولكل المشحاء الدجـالين. أما المحـاولة الثانيـة، فهي المحاولة التي تمت بعد إعتاق اليهود، والتي أخذت شكل فصل الدين عن القومية في اليهودية الإصلاحية، فهي محاولة جوهرها اعتراف بالوجـود التاريخي النسـبي لليهـود مــستقلاً عن مطلقاته الدينية. وقد أخذت هذه المحاولة أيضاً شكل الدراسات التاريخية اليهودية التي تحاول أن تصل إلى التاريخ الدنيوي الإنساني فيما يُسمَّى «علْم اليهودية».
ولكن اليهودية المحافظة قامت بتوظيف الاتجاه التاريخي لحساب الأهداف الصهيونية، فالتراث التقليدي الديني بكل حلوليته تمت علمنته بحيث تحوَّل إلى ميراث تاريخي إنساني دنيوي. ولكنه، مع هذا، لا يفقد شيئاً من قدسيته (فهي حلولية بدون إله). وأصبح الشعب اليهودي مقدَّساً، لا بسبب إلهه وإنما بسبب تاريخه المقدَّس. والواقع أن الصهيونية امتداد لهذه الرؤية الحلولية للتاريخ التي تحوله من تاريخ مركب يحوي داخله عناصر إيجابية وسلبية، ومن كل متشابك يتجاوز الذات إلى أسطورة بسيطة يمكن توظيفها.
الرؤية الصهيونية للتاريخ
Zionist View of History
تنبع رؤية الصهاينة للتاريخ من عنصرين أساسيين، أحدهما عقائدي والآخر تاريخي، أولهما الحلولية اليهودية بكل ما تحوي من مزج بين العناصر المطلقة والنسبية، وبكل ما تخلعه على الشعب اليهودي من مطلقية. وثانيهما التجربة التاريخية ليهود شرقي أوربا كجماعة وظيفية. فقد ساهمت هذه التجربة في إعطاء ما يشبه الأساس الواقعي أو التاريخي للرؤية الصهيونية للتاريخ اليهودي، أي باعتباره كياناً مستقلاً. هذا كله أوهم المفكرين الصهاينة بأن لليهود تاريخهم اليهودي المستقل عن التاريخ العام الذي يحيط بهم، وأنساهم أن استقلالية اليهود نفسها إحدى سمات المجتمع الإقطاعي في كلٍّ من روسيا وبولندا، وأن الجيتو اليهودي المستقل هو في نهاية الأمر نتاج للبناء التاريخي الأساسي الروسي أو البولندي، إذ أن الذي يحكم ظهور وسقوط الجيتو أو الأشكال الإدارية اليهودية المستقلة الأخرى ليس الإرادة اليهودية المستقلة وإنما حركة التاريخ الروسي أو البولندي ومجموعة من العناصر المركبة يشكل أعضاء الجماعة اليهودية جزءاً منها وحسب.
ويمكن أن نقول إن الرؤية الصهيونية للتاريخ لا تختلف في بنيتها عن الرؤية الحلولية الواحدية اليهودية له، ولكن هناك فارقاً واحداً هو أن الرؤية الصهيونية هي الرؤية الحلولية نفسها بعد أن تمت علمنتها، أي أنها حلولية بدون إله (أو وحدة وجود مادية). فتاريخ اليهود، حسب تصور مارتن بوبر، هو تاريخ يتدخل (أي يحل) فيه الرب بشكل مستمر، ولذا أصبحت جماعة إسرائيل أمة ومجتمعاً دينياً في آن واحد، ولا تزال جماعة إسرائيل شعباً ومجتمعاً دينيًا (قومياً ومقدَّساً) حتى وقتنا هذا. ويفرق بوبر بين التاريخ، أي التجربة التي تعيشها الأمم، والوحي، وهي التجارب الخصوصية التي يعيشها الأعضاء الذين يُطلَق علىهم مصطلح «أنبياء». و حينما يتحول الوحي إلى أفكار تفهمها الجماهير وتؤمن بها، فإنه يصبح عقائد. هذا هو الوضع بالنسبة لسائر الأمم. أما بالنسبة لجماعة إسرائيل، فالأمر جدُّ مختلف، إذ أن ثمة تطابقاً كاملاً بين الوحي والعقيدة والتاريخ. فجمـاعة إسرائيل تتلقـى تجربتهـا الدينية الحاسمة على مستـوى الشـعب كله، لا على مستوى الأنبياء وحسب (وهو ما يعـني في واقـع الأمر أن أعضاء جماعة إسرائيل كلهم أنبياء). ومن ثم، فإن مجتمع إسرائيل ككل يعيش التاريخ والوحي باعتبارهما ظاهرة واحدة: التاريخ باعتباره وحياً، والوحي باعتباره تاريخاً.
وهكذا يتحول اليهود، تماماً كما هو الحال مع الرؤى الدينية الحلولية الكمونية الواحدية القديمة، إلى شعب من الكهنة والأنبياء، ويتحول تاريخهم إلى وحي مستمر. ولذا، فاليهود، حسب التصور الحلولي الواحدي عند بوبر، أمة تحمل وحياً إلهياً عبر تاريخها المقدَّس « الذي لم يكن سوى صراع لا ينتهي من أجل وضع مُثُل الأنبياء موضع التطبيق » كما يقول نحمان سيركين الزعيم الصهيوني العمالى. ومعنى هذا أن كلاًّ من الفيلسوف المتصوِّف والمفكر الاشتراكي يدوران في نطاق الحلولية الكمونية اليهودية ويتفقان على خصوصية وقدسية واستقلالية ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي». كما يتفقان على تَداخُل التاريخ المقدَّس والتاريخ الإنساني. وعلى أية حال، فإن من الواضح أن هناك تداخلاً في البنى التاريخية وعدم إلمام بحركة التاريخ ينعكسان بجلاء في الطريقة التي يقرأ بها الصهاينة الواقع التاريخي. فهم حينما نظروا إلى فلسطين، في أواخر القرن الماضي، لم يروها أرضاً فيها شعب، أي واقعاً إنسانياً تاريخياً، وإنما رأوا مفهوماً دينياً يُدعى «إرتس إسرائيل». ولذلك، وبدلاً من التعامل مع الواقع الحي، نجدهم يلفقون شعارات مثل: « أرض بلا شعب لشعب بلا أرض »، وهي شعارات جامـدة تقترب، في اتسـاقها الهندسـي مع نفسها، من الحسابات القبَّالية.
ويتبدَّى الرفض الصهيوني للتاريخ، بشكل واضح، في المصطلح الصهيوني. فالصهاينة حينما يستخدمون كلمة «تاريخ»، فإنهم لا يشيرون في العادة إلى التاريخ الحي المتعيِّن، وإنما إلى العهد القديم، أو إلى تراثهم الديني (المكتوب منه أو الشفوي)، أو إلى التاريخ المقدَّس. ولذا، تصبح الحدود التاريخية هي الحدود المقدَّسة المنصوص عليها في العهد القديم « من نهر مصر إلى الفرات »، وهي حدود لم يشغلها العبرانيون في أية لحظة من تاريخهم، ولا حتى أيام داود أو سليمان.
والحقوق التاريخية هي أيضاً الحقوق المقدَّسة التـي وردت في العهد القديم، والتي تؤكد أنهم شعب مقدَّس مختار، له حقوق تستمد شرعيتها من العهد الإلهي الذي قطعه الإله على نفسه لإبراهيم، وهو عهد يعبِّر عن الحلول الإلهي فيهم.
ويتبدَّى الرفض الصهيوني لتعيُّن التاريخ وتركيبيته على هيئة رؤية اختزالية تبسيطية للواقع. فمن المعروف أنه، قبل حرب السادس من أكتوبر (العاشر من رمضان)، كان لدى الإسرائيليين من المؤشرات الملموسة ما يؤكد أن المصريين سيعبرون القناة إلى سيناء. ولكن الدلالات الملموسة ظلت معلومات جامدة مبعثرة لم ينتظمها إطار، ولم تكتسب اتجاهاً محدداً لأن نموذج الصهاينة التفسيري الاختزالي معاد للتاريخ مُنكر لإمكانات الآخر. والصهاينة لا يمكنهم إلا التحرك داخل إطار هذا النموذج لأنهم لو فعلوا غير ذلك لطرحوا على أنفسهم إمكانية استيقاظ العرب واحتمال اختفاء الكيان الصهيوني الشاذ المشتول. وقد تكرر هذا الوضع مع الانتفاضة، إذ كان لدى المخابرات الإسرائيلية من المعلومات ما يؤكد أن ثمة تحركاً فلسطينياً ورفضاً شعبياً للاحتلال. ومع هذا، فقد أنكرت أجهزة المخابرات وجود الانتفاضة، حتى بعد اندلاعها بعدة أسابيع، وإنكارهم هذا هو إنكار لتركيبية التاريخ والإنسان ولاحتوائهما على إمكانات غير مرئية تمنح الإنسان مركزيته في هذا الكون.
ولكن الصهاينة يتصورون أن بإمكانهم اجتياز الهوَّة، التي تفصل بين رؤيتهم للتاريخ من جهة وبين الواقع التاريخي من جهة أخرى، عن طريق العنف. فالعنف هو عادةً الوسيلة الوحيدة لفرض الاتساق الهندسي على تعيُّن الواقع وتركيبيته، ولكن العنف الصهيوني حتى الآن لم يحقق إلا جزءاً صغيراً من المخطط الصهيوني اللاتاريخي.
غير أن نموذج الصهاينة الاختزالي ليس مقصوراً على تعاملهم مع التاريخ العربي أو تاريخ الأغيار وإنما يمتد إلى رؤيتهم لتواريخ الجماعات اليهودية وإلى ما يسمونه «التراث اليهودي» ككل. فقد كتبوا تواريخ الجماعات اليهودية بطريقة مأساوية فجَّة تختزل تلك التواريخ وتقسمها إلى قسمين اثنين لا ثالث لهما: فترات مظلمة عديدة وغير حقيقية فقدت فيها الذات اليهودية وعيها بنفسها وخرجت من الدائرة (الحلولية) اليهودية أو أخذت موقفاً سلبياً فلم تدافع عن ذاتها فوقعت ضحية سهلة للأغيار؛ وفترات أخرى مضيئة وحقيقية تمركزت فيها الذات اليهودية على نفسها ودافع اليهود فيها عن أنفسهم بضراوة وشراسة. وحسب هذا الفهم، تكون الأعوام القليلة التي قامت فيها دولة يهودية في فلسطين أكثر الفترات خصوبة فيما يُسمَّى «التاريخ اليهودي»، ويكون التمرد الحشموني، حين دافع اليهود عن الوجود اليهودي في فلسطين، هو إحدى القمم القليلة بل النادرة في هذا التاريخ، وتكون الحركة الصهيونية التعبير الحقيقي والأخير عن هذا التمركز اليهودي الذي يجسد روح التاريخ اليهودي ويشكل نهايته السعيدة.
ولكن مشكلة التقسيم البسيط هي أن الصهيونية تكتسب شرعيتها من افتراض وجود هذا التاريخ اليهودي ومن تعبيرها عنه. ولكن التاريخ اليهودي هو أساساً نتاج انتشار اليهود في كثير من بلاد العالم، أي نتاج وجود الجماعات اليهودية في الدياسبورا أو المنفى، أي وجودهم في أنحاء العالم خارج فلسطين. ومن يتقبل نموذج التاريخ اليهودي يتقبل أيضا وجود اليهود في المنفى كحقيقة أساسية، لأن حالة المنفى جـزء لا يتـجزأ من البنـاء التاريخي اليهودي الذي يفترض الصهاينة وجوده. وتعبِّر الكتابات الصهيونية عن هذا التناقض العميق، فهي تارة تمجد هذا التاريخ اليهودي تمجيداً لا حد له، وتارة أخرى تدمغه باعتباره مجرد انحراف عن مسار التاريخ اليهودي الحقيقي. ولكن الصهاينة، سواء في تمجيدهم الدياسبورا أو هجومهم عليها، يفترضون، في كل الأحوال، وجود تاريخ يهودي منفصل عن تاريخ الشعوب والحضارات الأخرى التي عاش اليهود بين ظهرانيها.
والحديث عن التاريخ اليهودي، مثل الحديث عن «الأدب اليهودي» و«الشخصية اليهودية» وغير ذلك، يفترض أن العنصر الأساسي الذي يحرك اليهودي ويشكل شخصيته هو أساساً إيمانه بالدين اليهودي أو انتماؤه إلى التراث اليهودي. وفي هذا تقليل من شـأن اليهود، وتضـييق لإنسـانيتهم ومسـاهمتهم في الحضـارة البشرية. فاليهودي، مثله مثل أي إنسان آخر، ظاهرة مركبة، تحركه عناصر متشابكة، بعضها ملموس ومحدَّد وبعضها غير ملموس وغير محدَّد، وليس مجرد عنصر واحد كما يتصور الصهاينة. وبالإضافة الى ذلك، فإن تَبَنِّي نموذج التاريخ اليهودي المسـتقل هو في نهاية الأمـر إيمان بأن اليهود موجـودون خارج التاريخ، أي أن تَبَنِّي نموذج التاريخ اليهودي هو في جوهره عودة إلى الرؤية اليهودية القديمة الحلولية الواحدية التي فشلت في رؤية الفارق بين المقدَّس والنسبي، وبين الإلهي والتاريخي، فألغت كل الثنائيات وسدت كل المسافات.
وكما بيَّنا من قبل، لعب تراث الصهاينة الحلولي دوراً كبيراً في تشجيعهم على استخدام مثل هذه المصطلحات الأحادية النظرة، وعلى الخلط بين المستويات والبنى المختلفة، وعلى إيمانهم بالوجود التاريخي اليهودي المنفصل. كما أن تجربة الصهاينة الضيقة ذاتها، والمستمدة أساساً من وجود يهود شرق أوربا كجماعة وظيفية، قد ساهمت هي الأخرى في إعطاء ما يشبه الأساس الواقعي أو التاريخي للتهويمات الصهيونية.
الجزء الأول: تواريخ الجماعات اليهودية في العالم القديم
الباب الأول: إشكالية التاريخ اليهودي
تاريــخ يهـودي أم تواريـخ جماعـات يهوديــــة؟
?Jewish History or Histories of the Jewish Communities
«التاريخ اليهودي» مصطلح يتواتر في الكتابات الصهيونية والغربية، وفي الكتابات العربية المتأثرة بها. وهو مصطلح يفترض وجود تاريخ يهودي مستقل عن تواريخ الشعوب والأمم كافة، كما يفترض أن هذا التاريخ له مراحله التاريخية وفتراته المستقلة ومعدل تطوُّره الخاص، بل وقوانينه الخاصة. وهو تاريخ يضم اليهود وحدهم، يتفاعلون داخله مع عدة عناصر مقصورة عليهم، من أهمها دينهم وبعض الأشكال الاجتماعية الفريدة. ومفهوم التاريخ اليهودي مفهوم محوري تتفرع منه وتستند إليه مفاهيم الاستقلال اليهودي الأخرى ومعظم النماذج التي تُستخدَم لرصد وتفسير سلوك وواقع أعضاء الجماعات اليهودية.
يضرب المصطلح بجذوره في التشكيل الحضاري الغربي، سواء في جانبه الديني أو في جانبه الاقتصادي. لقد جاء في العهد القديم أن الخالق « اختار الشعب ». والاختيار يعني درجة من درجات الحلولية الكمونية الواحدية (إذ لماذا يختار الإله شعباً دون الشعوب الأخرى؟). وقد تزايد الحلول والكمون الإلهي في الأمة إلى أن وصل الحلول إلى مرحلة وحدة الوجود فتوحَّد الإله والشعب وتاريخه وأرضه وأصبح هناك جوهر واحد للأمة والإله، لا يوجد الواحد منهما دون الآخر، ويتم على هذا النحو زوال ثنائية الخالق والمخلوق والإله والشعب (والمطلق والنسبي، والأزلي والزمني والمقدَّس والتاريخي). ويصير تاريخ هذا الشعب محط عناية الاله، بل يصبح تجسيداً لفكرة مقدَّسة ومطلقة، فيتداخل المطلق والنسبي والمقدَّس والمدنَّس، وتصبح أية حادثة تقع لليهود ذات دلالة دينية عميقة. ومن هنا، فإن كتاب اليهود المقدَّس (العهد القديم) هو أيضاً سجل تاريخهم، حيث يتم تقديم العبرانيين وهم يخرجون من مصر تهديهم ذراع الإله القوية وتنقذهم من الغرق، ثم يُلحق بهم العذاب في الصحراء ولكنه يسدد خطاهم في غزوهم لأرض كنعان. ويعقد الإله معهم المواثيق، ويقبل منهم أفعالهم كافة الأخلاقية منها وغير الأخلاقية. ولهذا، أصبح تاريخ اليهودية هو نفسه تاريخ اليهود.
وكما ورثت المسيحية العهد القديم وجعلت منه أحد كتبها المقدَّسة، كذلك ورثت الحضارة الغربية هذه الرؤية. ولذا، فإن الإنسان الغربي يعتبر اليهود ورثة العبرانيين القدامى؛ و يراهم في عزلتهم لا يزالون مستمرين في مسيرتهم في الصحراء، نحو كنعان عبر التاريخ الإنساني بأسره وفي كل أرجاء العالم. وقد تبدَّى ذلك في المفهوم الكاثوليكي للشعب الشاهد الذي يقف على حافة التاريخ، شـاهداً على عظمة الكنيسة. كما يتبدَّى في المفاهيم الاسـترجاعية البروتستانتية التي تجعل من عودة اليهود إلى صهيون في نهاية التاريخ شرطاً لعملية الخلاص وشرطاً لتأسيس الفردوس الأرضي. وقد تمت علمنة هذا المفهوم في العصر الحديث، فتحول اليهود من شعب يهودي مقدَّس له تاريخ يهودي مقدَّس إلى الشعب اليهودي المستقل صاحب التاريخ اليهودي الفريد. وهذه كلها مفاهيم تفترض عزلة اليهود، كما تفترض أن لهم وجوداً وتاريخاً مستقلين.
ومما دعم إحساس الإنسان الغربي بوجود تاريخ يهودي مستقل، اضطلاع اليهود بدور الجماعة الوظيفية (المالية أوالاستيطانية) في المجتمعات الغربية. ومثل هذه الجماعات يتم عزلها عن بقية المجتمع حتى تبدو وكأنها خاضعة لآليات وحركيات تاريخية مستقلة، مع أنها في واقع الأمر جزء لا يتجزأ من المجتمع، وخاضعة للآليات والحركيات التاريخية نفسها التي يخضع لها هذا المجتمع، تصعد بصعوده وتهبط بهبوطه رغم استقلالها النسبي. وقد ظل دور الجماعة الوظيفية حكراً تقريباً على الجماعات اليهودية في العالم الغربي، وذلك على عكس الحضارات الشرقية حيث اضطلعت جماعات إثنية ودينية مختلفة، من بينها اليهود، بدور الجماعة الوظيفية.
وغني عن الذكر أن مفهوم التاريخ اليهودي مفهوم محوري في الفكر الغربي وفي إدراك الإنسان الغربي لليهود. لكن المقدرة التفسيرية لهذا المفهوم ضعيفة إلى أقصى حد، فهو مفهوم اختزالي بسيط إلى أقصى حد. والإيمان بنموذج التاريخ اليهودي المستقل له نتائجه السلبية لا من الناحية المعرفية وحسب، وإنما من الناحية الإنسانية والأخلاقية كذلك.
أما من الناحية المعرفية، فإننا نجد أن رصد واقع الجماعات اليهودية، وتفسيره من خلال نموذج التاريخ اليهودي يُبسِّط هذا الواقع ويختزله ويجعله تافهاً، كما أنه يُضخِّم جوانب ثانوية منه ويتجاهل عناصر أساسية فيه. إن استقلالية أي بناء تاريخي تعني استقلالىة أبنيته الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك استقلالية الأبنية الحضارية والرمزية المرتبطة به، كما تعني تجانسها النسبي في كل مرحلة من مراحله. وكذلك فإن استقلالية أي بناء تاريخي تعني أن هذا البناء يضم جماعة من الناس لا وجود لها خارجه ولا يمكن فهم سلوكها إلا في إطار تفاعلها معه. ولكن من الثابت تاريخياً أن الجماعات اليهودية المنتشرة في العالم كانت تتَّسم بعدم التجانس وعدم الترابط وبأن أعضاءها كانوا يوجدون في مجتمعات مختلفة تسودها أنماط إنتاجية وأبنية حضارية اختلفـت باختلاف الزمان والمكـان. فيهـود اليمن، في القرن التاسع عشر، كانوا يعيشون في مجتمع صحراوي قَبَلي عربي. أما يهود الولايات المتحدة في الفترة نفسها، فكانوا يعيشون في مجتمع حضري رأسمالى غربي. فإذا بحث المرء في العنصر المشترك بين يهود الىمن ويهود الولايات المتحدة، لوجد أنه هو الدين اليهودي وحسب، وهو عنصر واحد ضمن عناصر عديدة تحدد سلوك اليهودي. بل إن الأنساق الدينية اليهودية ذاتها، بسبب تركيب اليهودية الجيولوجي التراكمي وبسبب غياب سلطة مركزية دينية، تختلف اختلافاً حاداً وجوهرياً من حضارة إلى أخرى، ومن هنا نشأت قضية الهوية اليهودية. ولكل هذا، نجد أن سلوك اليهودي اليمني تحكمه عناصر البناء التاريخي العربي الذي يعيش فيه، تماماً كما تحكم سلوك يهود الولايات المتحدة مكونات البناء التاريخي الغربي والأمريكي. غير أن نموذج التاريخ اليهودي، بما يفترضه من وحدة وتجانس، يجعل المؤرخ يهمل كل عناصر عدم الوحدة وعدم التجانس التي تُشكِّل الجانب الأكبر في مكوِّنات واقع أعضاء الجماعات اليهودية، وهي عناصر نتصور أنها أهم من عناصر الوحدة والتجانس، ولها قيمة تفسيرية ورصدية أعلى.
ومن المعروف أن أعضاء الجماعات اليهودية لم يكونوا من صناع القرار في عصور التاريخ المختلفة، وخصوصاً في الغرب. فقد كانوا يقتربون أحياناً من أعضاء النخبة الحاكمة ومؤسسات صنع القرار باعتبارهم جماعة وظيفية، وكانوا يبتعدون عنها أحياناً أخرى. ولكن القرار ظل دائماً في يد هذه النخبة. ومما له دلالته أن أول تاريخ لأعضاء الجماعات اليهودية في العصر الحديث، والذي كتبه أسحق ماركس يوسط (1793 ـ 1860)، بدأ بالعبارة التالية: « هل يمكن أن يُكتب تاريخ مستقل للعبيد؟ ». والواقع أن الردّ بالنفي إن أراد المؤرخ أن ينظر إلى تاريخ العبيد خارج الإطار السياسي والاجتماعي والحضاري للمجتمعات التي يوجدون فيها، ذلك أن تاريخ العبيد ليس تاريخاً مستقلاً بل هو جزء من تاريخ المجتمع ككل. وما يهمنا هنا هو تأكيد أن الأحداث الكبرى التي تقع للجماعات اليهودية تكمن جذورها وأسبابها في مجتمع الأغلبية. ويمكن القول بأن نموذج التاريخ اليهودي المستقل يُوجِّه رؤية المؤرخ توجيهاً خاطئاً، إذ يذهب هذا النموذج إلى أن الأحداث التاريخية الكبرى التي قررت مصير الجماعات اليهودية (كظهور الدولة الآشورية أو ظهور الإمبريالية الغربية) تقع خارج نطاق هذا التاريخ اليهودي. وتصبح هذه الأحداث، رغم مركزيتها وقدرتها التفسيرية، أحداثاًً هامشية ذات أهمية ثانوية.
إذا افترضنا جدلاً وجود تاريخ يهودي مستقل، فما أحداث هذا التاريخ؟ وهل تأتي الثورة الصناعية، مثلاً، ضمن أحداث هذا التاريخ، أم أنها حدث ينتمي إلى التاريخ الغربي؟ والواقع أننا نجد أن الثورة الصناعية حدث ضخم في التاريخ الغربي ترك أعمق الأثر في يهود العالم الغربي وأحدث انقلاباً في طرق حياتهم ورؤيتهم للكون في القرن التاسع عشر، أي بعد وقوعه بفترة وجيزة. لكننا نجد أيضاً أن هذا الانقلاب لم يحدث لهم باعتبارهم يهوداً وإنما باعتبارهم أقلية تُوجَد داخل التشكيل الحضاري الغربي. ومن هنا، فإننا نجد أن هذا الانقلاب في طرق الحياة والرؤية للعالم قد حدث أيضاً لأعضاء الأغلبية ولأعضاء الآليات الأخرى الموجودة داخل المجتمعات الغربية. وفي الوقت نفسه، لم يتأثر يهود العالم العربي بالثورة الصناعية بالدرجة نفسها وفي الوقت نفسه، ذلك لأن التشكيل الحضاري العربي كان بمنأى عن هذه الثورة الصناعية في بداية الأمر. لكن هذا التشكيل بدأ بعد حوالي قرن من الزمان يتأثر بالثورة الصناعية، وبالتالي فقد بدأ أثرها يمتد إلى معظم المجتمعات العربية بأغلبيتها وآلياتها. أما يهود إثيوبيا، مثلاً، فلم يتأثروا إلا بشكل سطحي، ذلك لأن التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية التي كانوا يعيشون في إطارها ظلت بمنأى عن تلك التحولات الكبرى التي ترتبت على أحداث الثورة الصناعية، بل بقيت هذه التشكيلة ذات طابع قَبَلي حتى وقتنا الحاضر. وبعبارة أخرى فإن الآثار المترتبة للثورة الصناعية في أعضاء الجماعات اليهودية هي مسألة تتعلق بأثر الثورة الصناعية في كل جماعة يهودية على حدة، وترتبط أشد الارتباط بآثار هذه الثورة في المجتمعات التي تعيش في كنفها هذه الجماعات اليهودية.
وعلى هذا، فإن الإطار المرجعي للدراسة لا يمكن أن يكون التاريخ اليهودي. ولو أن الباحث جعل هذا التاريخ اليهودي مرجعاته لعجز حتماً عن تفسير كثير من عناصر التفاوت وعدم التجانس في هذا التاريخ، ولاضطر إلى ليّ عنق الحقائق ليفسر سبب تأثر يهود لندن بالثورة الصناعية فور حدوثها وعدم تأثر بعض يهود إثيوبيا بها حتى الآن! أو اضطر إلى تفسير أحداث هذا التاريخ اليهودي الوهمي من خلال عناصر ثانوية أو وهمية، مثل رغبات اليهود وتطلعاتهم وتماسكهم ومدى اضطهاد الآخرين لهم أو عطفهم عليهم. وإذا تأملنا الدراسات التي تفترض استقلالية التاريخ اليهودي فإننا سنجد عبارات مثل: « وكان بورش الأميني متسامحاً مع اليهود فأعادهم إلى بلادهم » أو « وتمت عـدة هجمات ومـذابح ضد اليهود عـام 1882 في روسيا القيصرية » أو « وبدأ اليهود يفكرون في تقليد الشعوب الأخرى لتصبح لهم حركتهم القومية ووطنهم القومي في فلسطين »، وكل هذه العبارات تفترض أن الأحداث التي تقع لليهود تُفسَّر بالعودة إلى تاريخهم المستقل الافتراضي، وإلى رغباتهم وأحلامهم التي يبررها هذا التاريخ الافتراضي. ويتم تجاهل البناء الإداري للإمبراطورية الفارسية التي اعتمدت على الشعوب الموالية لها، أو أزمة الرأسمالية أو النظام القيصري في عام 1882، أو ظهور الإمبريالية الغربية التي كانت تحل مشاكل أوربا عن طريق تصدير هذه المشاكل إلى الشرق، وبالتالي حاولت حل مسألتها اليهودية عن طريق إرسال إلى هود إلى الشرق. لكن عزل التجارب التاريخية للجماعات اليهودية عن سياقها التاريخي الإنساني العام يحوِّلها، في الحقيقة، إلى أجزاء من واقع يهودي عام واحد يمكن فرض أي معنى عليه. ولذا، فإن وقائع اضطهاد اليهود (كاضطهاد يهود فلسطين على يد الفرنجة أو اضطهاد يهود روسيا في أواخر القرن التاسع عشر بسبب التحديث المتعثر) بدلاً من أن تُدرَس من حيث هي وقائع يمكن تفسير كلٍّ منها في سياقها التاريخي المختلف، تصبح تعبيراً عن غربة شعب نُفيَ من بلده، ويصبح الاستيطان في فلسطين وطرد الفلسطينيين من بلادهم ليس جزءاً من التشكيل الاستعماري الغربي وإنما النهاية السعيدة لتجوال شعب بلا أرض ـ شعب افتراضي تجوَّل بسبب اضطهاد الجنس البشري له في كل زمان ومكـان ـ وتصـبح الدولة الصهيونية الحل الحتمي والوحيد لهذه المأسـاة.
وإذا ما تركنا الجانب المعرفي، سواء من ناحية الرصد أو من ناحية التفسير، وانتقلنا إلى الجانب الأخلاقي والإنساني، فإننا سنكتشف أن نموذج التاريخ اليهودي المستقل يفترض وجود جوهر يهودي كامن يشكل ما يشبه النمط الفكري الجاهز لكل الأشكال التاريخية التي عاش في إطارها أعضاء الجماعات. حيث يتجاوز هذا الجوهر كل التحولات ويصبغها بصبغته ويتحدى جميع القوانين التاريخية المعروفة ويتخذ اسم «الماضي اليهودي» أو «الاستمرار اليهودي» أو «روح اليهودية» أو «الشعب اليهودي الأزلي» أو «المستقبل اليهودي»، وهذه جميعاً مطلقات علمانية تحل محل الإله الذي يوجه التاريخ اليهودي حسب الرؤىة الدينية الحلولية. ومن هنا، فإننا نذهب إلى القول بأن مفهوم التاريخ اليهودي (في إطاره العلماني العلمي) تعبير عن حلولي بدون إله حيث يصبح مسار هذا التاريخ هو التحقق التدريجي لهذا الجوهر الكامن وللـروح اليهـودية الدينيـة القوميـة. ويتم تفسير كل شيء على هذا الأساس، وتصبح مهمة المؤرخ هي البحث عن الجوهر اليهودي والروح اليهودية وكل ما يعبِّر عنهما، متجاهلاً كل التفاصيل الأخرى. كل هذا يجعل التاريخ اليهودي أمراً لا علاقة له بالواقع الإنساني الدنيوي: تاريخ يشبه البناء المصمت المنغلق على نفسه ويعبِّر عن نمط أو أنماط محددة متكررة لا تتعدى حدود تَجلّي الجوهر اليهودي المطلق. وهذا النمط يأخذ الشكل التالي: منفى ثم عودة؛ المنفى هو الحدث الذي يقع لليهود، والعودة هي الفعل الذي يأتون به، وهذا التاريخ يبدأ عادةً بالعبودية في مصر ثم يتم التغلغل في كنعاة والاستيلاء عليها وتأسيس المملكة العبرانية. ثم يتكرر النمط بالتهجير الآشوري والبابلي، تليه العودة من بابل حسب مرسوم بورش (الذي يؤسس الهيكل)، ثم تأسيس الدولة الحشمونية. ثم يتكرر النمط مرة ثالثة بهدم الهيكل على يد تيتو وشتات اليهود وعجزهم بسبب عدم المشاركة في السلطة وغياب السيادة. وتصل حالة المنفى إلى قمتها في الإبادة النازية (الحدث الأكبر)، ثم تبدأ العودة من خلال تأسيس الحركة الصهيونية ثم تأسيس الدولة الصهيونية (الفعل الأكبر). ويلي ذلك تجميع المنفيين من كل البلاد، وهذا النمط يفترض دائماً نهاية (مشيحانية) للتاريخ تتوقف عندها الدورات ويختفي الجدل ويظهر الفردوس الأرضي.
ومثل هذا التصور للتاريخ، بأنماطه الهندسية المتكررة الرتيبة ونهايته القاطعة، لا يتنافى فقط مع الروح العلمية، وإنما يتنافى مع الروح الإنسانية كذلك. فهو يُسقط عن اليهودي صفة الإنسانية بإنكار تفاعله مع البيئة التي حوله، يتأثر بها ويؤثر فيها، شأنه في هذا شأن كل أعضاء الجماعات الآنية والدينية الأخرى. فالقوات الآشورية والبابلية لم تكتسح الدولتين العبرانيتين وحسب، بل اكتسحت معظم الطويلات الآرامية وغيرها. كما أن أزمة النظام القيصري لم تتسبب في مذابح لليهود وحسب، بل كانت لها آثار سلبية عميقة في قطاعات كثيرة من البورجوازية الروسية وفي جماهير الشعوب الإسلامية وغيرها. فنموذج التاريخ اليهودي يُسقط إنسانية اليهودي، ويخلع عليه هالة أسطورية لا تاريخية إذ تضعه خارج التاريخ الإنساني الفعلي.
لكل ما تقدَّم، استبعدنا تماماً مصطلحات مثل: «التاريخ اليهودي» و«الماضي اليهودي» و«القَدَر اليهودي» و«المصير اليهودي»، وكذلك سائر المصطلحات التي تفترض وحدة التاريخ اليهودي بشكل مباشر مثل «الاستمرار اليهودي». كما استبعدنا كل المصطلحات التي تفترض هذه الوحدة بشكل غير مباشر مثل «العبقرية اليهودية» و«الجوهر اليهودي». واستبدلنا بكل هذا مصطلحات تفترض التنوع وعدم التجانس مثل «الجماعات اليهودية»، وهو مصطلح يفترض أن الجماعات اليهودية خاضعة للآليات التاريخية التي يخضع لها أعضاء المجتمعات التي يعيش في كنفها إلى هود. وقد فصلنا تماماً بين التاريخ المقدَّس الذي ورد في العهد القديم والأحداث التاريخية التي وقعت للعبرانيين وللجماعات اليهودية من بعدهم، وفصلنا بين تاريخ اليهودية وتواريخ الجماعات اليهودية، ومن ثم فإننا لا نستخدم مصطلحات مثل «مرحلة الهيكل الأول» أو «هدم الهيكل» أو «الكومنولث الأول» أو «العصر التلمود» إلا في سياق الحديث عن التطورات الدينية، إذ أن كل هذه العبارات تشير إلى أحداث ذات دلالة دينية بالنسبة إلى الجماعات اليهودية ولكنها لا تصلح لتفسير المسار العام للتاريخ الدنيوي والإنساني في كليته. ونحن، بهذا، نؤكد انتماء أعضاء الجماعات اليهودية إلى بنىً تاريخية متعددة حيث يتسنى للدارس فهم سلوك أعضاء الجماعات اليهودية فهما مركباً، أي باعتبارهم أشخاصاً حقيقيين وبشراً يتفاعلون مع العناصر التاريخية المتشابكة المختلفة التي تحدِّد سلوكهم.
ومن الحقائق التي تستوجب الذكر أن عدد المؤرخين من اليهود كان دائماً صغيراً محدوداً. وحينما تفاعل أعضاء الجماعة اليهودية مع الحضارة العربية الإسلامية، فإنهم تعلموا الكثير منها ولكنهم لم يتعلموا كتابة التاريخ. ولهذا، ظل إسهام المبدعين منهم مقصوراً على الأدب والفلسفة والعلوم الطبيعية.
ونحن نرى أن نموذج التاريخ اليهودي هو النموذج الأساسي الكامن في موقف الحضارة الغربية تجاه « اليهود » أي الجماعات اليهودية. فالنزعة الصهيونية في الحضارة الغربية، والتي تمنح اليهود مركزية وقداسة، نابعة من افتراض وجود تاريخ يهودي مستقل يختلط في الأذهان بالتاريخ المقدَّس. كما أن معاداة اليهود، هي الأخرى، تعبير عن أن اليهودي شخص له سماته الفريدة والمحددة وطبيعته الخاصة النابعة من انتمائه لتاريخ يهودي مستقل. ونقطة الانطلاق بالنسبة إلى كلٍّ من الصهيونية والنازية (في موقفهما من اليهود) هي افتراض وجود شعب يهودي له شخصية مستقلة وتاريخ مستقل. وفي تصوُّر كلٍّ من بغفور وهتلر، فإن المسألة اليهودية ناجمة عن وجود هذا الكيان اليهودي العضوي المستقل داخل الحضارة الغربية، يدمرها وتدمره. ولذا، لابد من التخلص منه إما عن طريق إرساله إلى فلسطين أو عن طريق إلقائه في أفران الغاز، فاليهودي يجب أن يخرج من الحضارة الغربية.
التاريخ المقدَّس أو التوراتي (الإنجيلي(
Sacred or Biblical History
«التاريخ المقدَّس أوالتوراتي (الإنجيلي)» هو القصص التاريخي الذي يرد في العهد القديم. وتاريخ العـبرانيين، كمـا ورد في العهد القديم، يختلف عن التاريخ الفعلي ويتناقض معه أحياناً. ويصلح هذا التاريخ أحياناً مصدراً للمعلومات والفرضيات، ولكنه أحياناً أخرى لا يمكن دراسته إلا باعتباره جزءاً من الرؤية الدينية اليهودية وحسب. وهذا التاريخ المقدَّس هو جزء من العقيدة اليهودية كما أنه تعبير عن الطبقة الحلولية الواحدية داخل التركيب الجيولوجي اليهودي. وفي تصوُّرنا، فإن هذا التاريخ يختلف تماماً عن ممارسات أعضاء الجماعة اليهودية بتجاربهم التاريخية. فالنسق الديني اليهودي، بما يجسده من قيم مطلقة ومثاليات، يختلف عن الممارسات الدينية والدنيوية للعبرانيين واليهود، وهو ما يسجله العهد القديم. وفي هذا، لا يختلف أعضاء الجماعات اليهودية عن كل الجماعات والشعوب الإنسانية الأخرى. فتاريخ الهند والأقوام الهندية ليس تاريخ الهندوكية، وتاريخ الصين ليس تاريخ الكونفوشيوسية، وتاريخ أوربا في العصور الوسطى لا يمكن تفسيره بأكمله وبكل تركيبيته بالعودة إلى النسق الديني المسيحي السائد في ذلك الوقت، رغم فعالية هذا النسق في صياغة وعي الناس ووجدانهم وتوجيه بعض جوانب سلوكهم.
إن تاريخ المسيحية، ديناً وفلسفة وفكراً، لا يتطابق وتاريخ المسـيحيين بحـيث يكونان شـيئاً واحداً (وذلك برغم ارتباط أحدهما بالآخر). وربما يتجلى اختلاف تاريخ المسيحية عن تاريخ المسيحيين في حملات الفرنجة حيث قام الغرب الأوربي بالهجوم على الشرق باسم المسيحية فنهب القسطنطينية عاصمة المسيحية الأرثوذكسية ثم قام بالهجوم على فلسطين دون أن يُفرِّق (في معظم الأحيان) بين مسلم ومسيحي ويهودي.
وكذلك تاريخ اليهودية، سواء أكانت اليهودية عقيدة أم كانت فكراً أم شيعاً وانقسامات، يختلف عن التجارب التاريخية التي خاضتها الجماعات اليهودية، برغم الارتباط الوثيق بينهما في بعض الأحيان. فتاريخ مملكة الخزر، وتَحوُّل الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية وسيطة في أوربا في العصور الوسطى، وتحالف الصهيونية مع الاستعمار ثم مع النازية، هذه كلها ليست جزءاً من تاريخ اليهودية وإنما تنتمي إلى تواريخ الجماعات اليهودية. ويظل تاريخ اليهودية هو تاريخ العقيدة الدينية. ونحن حين نقر هذا التمييز بين التاريخين، فإننا نتبنى بذلك نموذجاً أكثر تفسيرية إذ يظل التاريخ نتاج تفاعل عدة عناصر من بينها الدين.
والتاريخ التوراتي المقدَّس الذي ورد في العهد القديم هو تاريخ ذو مغزى أخلاقي تُستخلص منه العبَر. بل إن العبرة قد تكون، في كثير من الأحيان، أهم من الحدث نفسه. وهو تاريخ يتبع نسقاً دينياً محدداً؛ يختار من الحدث ما يخدم الهدف، ويلجأ إلى الصور المجازية والرموز والمبالغة ليوصل الحكمة إلى المتلقي. وبالتالى، كثيراً ما تتناقض وقائع هذا التاريخ ووقائع التاريخ الدنيوي وإن كانت تتفق معها أحياناً. ولكن كثيراً من القصص التي وردت في العهد القديم، والتي تدَّعي لنفسها صفة التاريخية، لا يمكن إثباتها بالعودة إلى التاريخ الدنيوي. كما أن بعض المدونات الآشورية والبابلية والمصرية تعطينا أحياناً صورة مختلفة تماماً. فوقائع هجرة العبرانيين من مصر، كما وردت في سفر الخروج، تختلف في كثير من النواحي عن الشذرات المتناثرة التي وصلتنا عن هذا الخروج، إن لم تكن متناقضة معها. كما يأتي ذكر سليمان في التاريخ التوراتي المقدَّس كملك عظيم مهيب، وأن المملكة المتحدة قد ازدهرت تحت حكمه حقاً. ولكننا نعرف أيضًا أن هذا الازدهار كان مؤقتاً وناتجاً عن الفراغ السياسي المؤقت في الشرق الأدنى القديم، كما نعرف أن مملكته لم تكن تختلف كثيراً عن الدويلات الأخرى التي ازدهرت في تلك المنطقة بسبب غياب الإمبراطوريات العظمى التي اكتسحتها فيما بعد، وتقاسمتها فيما بينها بعد ظهورها. وهذه كلها جوانب يُسقطها التاريخ المقدَّس ولا يُعنى بها. كما نعلم أن سليمان، حتى في أوج عظمته، لم يصل إلى تلك الأبعاد الأسطورية التي تتحدث عنها الرواية التوراتية.
وثمة مدارس عديدة تتباين آراؤها في قصص العهد القديم، إذ يرى البعض أن التاريخ الذي يرد في العهد القديم هو تاريخ رمزي. فإبراهيم، حسب هذا التصور، ليس شخصية تاريخية وإنما يمثل مرحلة تاريخية وحسب، وبالتالى فهو رمز أكثر أهمية ودلالة وعمقاً من الواقعة التاريخية. وهناك من يذهبون إلى النقيض ويحاولون دراسة التاريخ من خلال المعلومات الواردة في العهد القديم. وثمة من يسلكون طريقاً وسطاً بين المدرستين. حيث يسترشد الباحث بالتاريخ المقدَّس في معرفة التاريخ الفعلى دون أن يكون ذلك ملزماً له. وهنا، لابد أن نشير إلى أننا أضفنا أحياناً عبارة «حسب الرواية التوراتية»، أو عبارات مماثلة، وذلك حين استندنا إلى الوقائع التي وردت في العهد القديم، وحين استخدمنا هذه الوقائع كمادة تاريخية.
والفكر الغربي واليهودي والصهيوني يتجه دائماً نحو محاولة اكتشاف الأنماط المتكررة في التاريخ المقدَّس كما تتبدَّى في تاريخ الجماعات اليهودية في العالم وعبر التاريخ، بحيث تصبح حادثة مثل الإبادة النازية تكراراً للعبودية في مصر وتكراراً للتهجير البابلي، كما أن إعلان دولة إسرائيل يشبه الخروج من مصر، والاستيطان في فلسطين يشبه التغلغل في كنعان، وهكذا. وهجرة اليهود السوفييت هي خروج اليهود من الاتحاد السوفيتي بعد عبوديتهم في روسيا القيصرية والسوفيتية. بل إنهم يرون هذا التاريخ باعتباره تاريخاً له بداية ونهاية (وكأنه مسرحية إلهية لها حبكة واضحة) وبالتالي يشكل إعلان دولة إسرائيل نهاية التاريخ.
الــرؤى اليهوديــة للتاريـخ
Jewish Views of History
في معظم الكتابات اليهودية أو الصهيونية التي تعالج القضايا المتصلة بالجماعات اليهودية في العالم، يُلاحظ الدارس أنه لا توجد أية تفرقة بين تواريخ الجماعات اليهودية من جهة وتاريخ اليهودية من جهة أخرى، أو بين التاريخ المقدَّس والتاريخ الفعلى. فيتداخل التاريخ المقدَّس مع تاريخ العبرانيين، ويتداخل الاثنان مع تواريخ الجماعات اليهودية، لتصبح المحصلة النهائية ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي». وربما يعود هذا التداخل إلى التيار الحلول الواحد في العقيدة اليهودية. ففي تصورهم الحلولي الواحدي، يري اليهود أن تاريخهم مقدَّس ويعبِّر عن الإرادة الربانية، فإله إسرائيل يتدخل دائماً في مسار التاريخ لصالح شعب إسرائيل. ولم تأت الأمة اليهودية إلى الوجود إلا من خلال تَدخُّل إلهي مباشر، أي أن الإله قد حل في الشعب وتاريخه.
لكن فكرة حلول الروح الإلهية في اليهود حولتهم إلى أمة من القديسين والكهنة والأنبياء. ومن الملاحَظ أن زوال ثنائية الخالق والمخلوق التي تؤدي إلى التداخل الكامل بين المطلق والنسبي، أو بين الإله والشعب، أو بين الثابت والمتغيِّر، أو بين التاريخ المقدَّس والتاريخ الإنساني سمة بنيوية أساسية في اليهودية. فكتاب اليهود المقدَّس كتاب تاريخ الشعب، كما أن أعيادهم تحتفل بمناسبات كونية ثابتة مثل عودة الربيع وخلق العالم، وبمناسبات تاريخية متغيرة مثل الخروج من مصر. وتتركز الصلوات الدينية المختلفة حول المناسبات القومية التاريخية، كما تأخذ العلاقة مع الإله شكل حوار بين طرفين أحدهما مقدَّس مطلق، والآخر دنيوي نسبي، ومع هذا فالطرفان متساويان. والديانة اليهودية تتسم بوجود شريعتين: واحدة مكتوبة مُرسَلة من الإله، والأخرى شفوية يكتشفها حاخامات الشعب عبر تاريخهم. ومع هذا، فللشريعة الشفوية من الشرعية والصلاحية ما للشريعة المكتوبة، بل إنها تفوقها في الاتساع والشمول والدقة. وظاهرة تعدد الأنبياء في اليهودية تعبير عن حلول الإله في التاريخ، وهو حلول لا يتوقف عند نقطة ما بل يستمر من بداية التاريخ حتى نهايته. وقد كانت هذه الرؤية الحلولية الواحدية كامنة في العصر القديم ثم ازدادت عمقاً في التلمود ـ كتاب اليهودية الحاخامية الأساسي ـ ثم تبلورت وأخذت شكلاً حاداً ومتطرفاً في القبَّالاه التي سيطرت على الفكر الديني اليهودي وعلى المؤسسات الدينية اليهودية ابتداءً من القرن السادس عشر، وورثها المفكرون العلمانيون اليهود ابتداءً من إسبينوزا.
ويرى بعض فلاسفة التاريخ في الغرب أن اليهود أول من اكتشف فكرة التطور والتقدم التي هي عماد الوعي التاريخي الغربي الحديث، على عكس الإغريق القدامى، وغيرهم من الشعوب القديمة، الذين كانوا يرون أن للتاريخ شكلاً فلسفياً هندسياً. كما رأى هؤلاء الفلاسفة أيضاً أن حلول الإله في التاريخ قد حوَّله إلى خطّ مستقيم يتحرك نحو هدف أعلى وغاية نهائية بدلاً من أن يكون مجرد شكل هندسي دائري يتحرك حول نفسه دون غاية.
ومما لا شك فيه أن العبرانيين القدامى (حسبما ورد في الكتب المقدَّسة عند اليهود) كان لديهم إحساس قوي بما تصوروا أنه مغزى التاريخ الديني ومعناه المقدَّس. ولكن هذا الإحساس نفسه هو أحد أسباب ضعف حسهم التاريخي وضموره بل اختفائه. فالاهتمام اليهودي القديم بالتاريخ، هو اهتمام في صميمه معاد للتاريخ لأنه يَصدُر عن رؤية دينية حلولية واحدية تتجاهل أن الظواهر التاريخية لها منطقها الخاص والمستقل عن رغبات الإنسان وأحلامه وأنها ليست تجلياً لإرادة إله يحابي شعباً، وهي رؤية تذهب إلى أن التاريخ بأجمعه إن هو إلا كشف الغطاء عن الغرض الإلهي الذي لا يدور حول البشر كافة وإنما يدور حول الشعب المختار بالدرجة الأولى (باعتباره موضع الحلول الإلهي). وهذه الرؤية تُسطّح التاريخ وتفرغه من تركيبيته وإنسانيته وعالميته، وهي السمات الأساسية التي تعطي التاريخ معناه الإنساني المتعارف عليه بين الناس. ويظهر هذا التسطيح الذي يختزل كل الوقائع ويردُّها جميعاً إلى مستوى واحد في تَصوُّر الرؤية اليهودية الحلولية الواحدية (والصهيونية فيما بعد) للظواهر التاريخية باعتبارها ظواهر مقدَّسة تقررت حركتها حسب خطة إلهية مسبقة وُضعت قبل بدء التاريخ. بل إن التدخل المستمر والعلني للإله هو تأكيد للقول بأن التاريخ يتم دفعه وتحريكه من الخارج، وأن الإرادة البشرية لا مجال لها فيه، وأن التاريخ اليهودي (المقدَّس والإنساني) بدأ من مطلق لا يقبل النقاش أو التقييم (العهد مع إبراهيم) يقطعه المطلق من آونة إلى أخرى (العهد مع إسحق ثم مع يعقوب)، وينتهي بمطلق أخير (ظهور الماشيَّح المنتظر أو وصول العصر المشيحاني الذي يشكل نهاية التاريخ). والتدخل المستمر للإله في التاريخ، حسب التصور اليهودي الحلولي، هو ما يكسبه معنى ويضفي على فوضاه اللامتناهية شكلاً.
وترد الوقائع التاريخية في أسفار موسي الخمسة بمقدار ما تكشف الغرض الإلهي الذي يهدف إلى إعلاء جماعة ىسرائيل. وإذا كانت أسفار الأنبياء المختلفة تتحدث عن الإرادة وعن المستقبل القريب حين يتوب أعضاء جماعة يسرائيل ويعودون إلى الإله، فإن هذا الحديث قد اختفى تماماً في أسفار الرؤى (أبوكاليبس) التي تتحدث عن المستقبل البعيد وعن الخلاص العجائبي.
وقد تبلورت كل هذه الأفكار الحلولية الواحدية النظرة التي تجعل الشعب اليهودي الغاية النهائية وربما الوحيدة للتاريخ في عقيدة الماشيَّح. فمسار التاريخ ذو هدف واحد واضح محدد: يأتي الماشيَّح في آخر الأيام ويعود باليهود إلى أرض الميعاد ليؤسس حكومته العالمية في صهيون. وفكرة الماشيَّح قد تنطوي على فكرة التقدم نحو هدف أعلى، أي أنها تختلف عن الرؤية الهندسية الإغريقية، ولكنها مع هذا أسطورة لا تاريخية إلى أقصى حد، لأنها تفترض ثبات النقطة التي يتحرك نحوها التاريخ، كما تفترض الحتمية المطلقة لهذه الحركة، وعدم جدوى الفعل الإنساني لأن نقطة النهاية الفردوسية ستأتي عن طريق التدخل المباشر والفجائي للإله في التاريخ. وهو تَدخُل يُلغي التاريخ تماماً باعتباره المجال الذي تركه الإله للإنسان ليتفاعل معه فيه وليختبره،ينتصر أو ينكسر، يهتدي أو يضل.
ويبدو أن هذه الرؤىة الدينية القومية الحلولية للتاريخ هي التي شجعت النزعات المشيحانية التي اتسمت بها تواريخ أعضاء الجماعات اليهودية منذ القرن الأول الميلادي، والتي تصاعدت حدتها ابتداءً من القرن السابع عشر في الغرب. وقد أدَّى انتشار الجماعات اليهودية وتَحوُّلهم الى جماعات وظيفية منعزلة عن المجتمع إلى زيادة حدة النزعة المعادية للتاريخ بينهم. ويرجع هذا إلى الأسباب التالية:
1 ـ يميل الإنسان الذي يعيش في عزلة الى تجريد نفسه إذ يرى ذاته مستقلة عن حركيات التاريخ العام، وخصوصاً أن أعضاء الجماعات الوظيفية يظنون أنهم يتمتعون بقداسة خاصة.
2 ـ أعضاء الجماعات الوظيفية يتمتعون بحركية غير عادية، الأمر الذي يجعل من العسير عليهم رؤية تَراكُم الأحداث داخل إطار محدد.
3 ـ يتعامل التاجر والمرابي مع مجردات ليست لها أية حدود (السلع ـ النقود ـ سعر الفائدة)، كما أن اليهود الذين اضطلعوا في العصور الوسطى بدور التجارة الدولية في المجتمعات الزراعية كانوا عناصر حركية متعددة الجنسيات عابرة للقارات غير قادرة على استيعاب فكرة الحدود التي هي جوهر الوجدان التاريخي.
4 ـ بالإضافة الى كل هذا، كانت التجارة البدائية والربا مهنتين ليست لهما علاقة فعلية بالعملية الإنتاجية ذاتها، فقد كانتا تنتميان إلى نوع من الاقتصاد المجرد داخل بناء من الاقتصاد الطبيعي المبني على تَبادُل الخدمات وعلى الاكتفاء الذاتي.
5 ـ يُركِّز أعضاء الجماعة الوظيفية على الوطن الأصلي، الحقيقي أو الوهمي، وهو بالنسبة إلى اليهود فلسطين، وهو تركيز يفقدهم الإحساس بالزمان والمكان.
لكل هذا، ضمر الإحساس بالزمان وحل محله إحساس متطرف بالمكان وحسب، وتجسَّد هذا في فكرة الأرض التي هيمنت على الوجدان اليهودي الحلولي. كل هذا، جعل أعضاء الجماعات اليهودية طوائف مرشَّحة لأن تفقد حسها التاريخي، وأن تنغمس في التأملات الفردوسية والدراسات التلمودية والحسابات القبَّالية الخاصة بآخر الأيام. وقد كان الجيتو التعبير الحضاري والنفسي عن هذه العقلية التي تتصور أنها تقف خارج التاريخ. ولذلك، كان مثقف الجيتو، أو طالب المدرسة التلمودية، ينفق كل أيامه في دراسة الأساطير اليهودية والدين اليهودي وما يتصور أنه تاريخ اليهود المقدَّس، دون أي اهتمام بالدراسات التاريخية الحقة، سواء كانت التواريخ الحقيقية للجماعات اليهودية في العالم، أم تاريخ الحضارة التي يعيش بين ظهرانيها. ولقد توقفت دراسة العهد القديم هي الأخرى كتاريخ مقدَّس، وحلَّت محلها الدراسات التلمودية الفقهية التي لا يدخل فيها عنصر الزمن بتاتاً، ثم حلت محل الدراسات التلمودية التفسيرات القبَّالىة ذات الطابع الغنوصي المتطرف التي تُسقط التاريخ تماماً وتأخذ شكل بنَى هندسية لا علاقة لها بأي واقع تاريخي أو إنساني متعين، والتي تهدف إلى تعويض اليهود عما يلاقونه من عذاب حقيقي أو وهمي.
لكل هذا، حينما بدأ علم التاريخ بمعناه الحديث في الغرب، ابتداءً من القرن السابع عشر، كان إسهام أعضاء الجماعات اليهودية فيه منعدماً. ولم تبدأ إسهاماتهم في الدراسات التاريخية إلا في مرحلة متأخرة من القرن التاسع عشر بعد أن تآكل الجيتو تماماً، وبعد أن بدأت تظهر شرائح من أعضاء الجماعات اليهودية ممن تلقوا ثقافة علمانية غربية مختلفة تماماً عن الثقافة اليهودية التقليدية.
وقد قامت محاولتان داخل اليهودية لمكافحة النزعة المشيحانية المعادية للتاريخ. أولاهما محاولة اليهودية الحاخامية النظر إلى الرموز والعقـائد اليهودية القـديمة المختلفة، مثل العودة وصهيون والماشـيَّح، باعتبارها أموراً ستتحقق بأمر الإله. ومن ثم ، فإن فعاليتها تكمن خارج حدود التاريخ، وهو ما يحول التاريخ ذاته إلى رقعة يمارس فيها الإنسان حريته ويجعل اليهود بشراً ككل البشر الذين يعيشون في العالم التاريخي النسبي (رغم كل تطلعاتهم الدينية والروحية). وقد نجحت المؤسسة الحاخامية بالفعل في كبح النزعات المشيحانية المتفجرة، الناجمة عن الرؤية الحلولية وتَوقُّع المعجزة الربانية ونهاية التاريخ في كل زمان ومكان. فقد تصدت لشبتاي تسفي، ولكل المشحاء الدجـالين. أما المحـاولة الثانيـة، فهي المحاولة التي تمت بعد إعتاق اليهود، والتي أخذت شكل فصل الدين عن القومية في اليهودية الإصلاحية، فهي محاولة جوهرها اعتراف بالوجـود التاريخي النسـبي لليهـود مــستقلاً عن مطلقاته الدينية. وقد أخذت هذه المحاولة أيضاً شكل الدراسات التاريخية اليهودية التي تحاول أن تصل إلى التاريخ الدنيوي الإنساني فيما يُسمَّى «علْم اليهودية».
ولكن اليهودية المحافظة قامت بتوظيف الاتجاه التاريخي لحساب الأهداف الصهيونية، فالتراث التقليدي الديني بكل حلوليته تمت علمنته بحيث تحوَّل إلى ميراث تاريخي إنساني دنيوي. ولكنه، مع هذا، لا يفقد شيئاً من قدسيته (فهي حلولية بدون إله). وأصبح الشعب اليهودي مقدَّساً، لا بسبب إلهه وإنما بسبب تاريخه المقدَّس. والواقع أن الصهيونية امتداد لهذه الرؤية الحلولية للتاريخ التي تحوله من تاريخ مركب يحوي داخله عناصر إيجابية وسلبية، ومن كل متشابك يتجاوز الذات إلى أسطورة بسيطة يمكن توظيفها.
الرؤية الصهيونية للتاريخ
Zionist View of History
تنبع رؤية الصهاينة للتاريخ من عنصرين أساسيين، أحدهما عقائدي والآخر تاريخي، أولهما الحلولية اليهودية بكل ما تحوي من مزج بين العناصر المطلقة والنسبية، وبكل ما تخلعه على الشعب اليهودي من مطلقية. وثانيهما التجربة التاريخية ليهود شرقي أوربا كجماعة وظيفية. فقد ساهمت هذه التجربة في إعطاء ما يشبه الأساس الواقعي أو التاريخي للرؤية الصهيونية للتاريخ اليهودي، أي باعتباره كياناً مستقلاً. هذا كله أوهم المفكرين الصهاينة بأن لليهود تاريخهم اليهودي المستقل عن التاريخ العام الذي يحيط بهم، وأنساهم أن استقلالية اليهود نفسها إحدى سمات المجتمع الإقطاعي في كلٍّ من روسيا وبولندا، وأن الجيتو اليهودي المستقل هو في نهاية الأمر نتاج للبناء التاريخي الأساسي الروسي أو البولندي، إذ أن الذي يحكم ظهور وسقوط الجيتو أو الأشكال الإدارية اليهودية المستقلة الأخرى ليس الإرادة اليهودية المستقلة وإنما حركة التاريخ الروسي أو البولندي ومجموعة من العناصر المركبة يشكل أعضاء الجماعة اليهودية جزءاً منها وحسب.
ويمكن أن نقول إن الرؤية الصهيونية للتاريخ لا تختلف في بنيتها عن الرؤية الحلولية الواحدية اليهودية له، ولكن هناك فارقاً واحداً هو أن الرؤية الصهيونية هي الرؤية الحلولية نفسها بعد أن تمت علمنتها، أي أنها حلولية بدون إله (أو وحدة وجود مادية). فتاريخ اليهود، حسب تصور مارتن بوبر، هو تاريخ يتدخل (أي يحل) فيه الرب بشكل مستمر، ولذا أصبحت جماعة إسرائيل أمة ومجتمعاً دينياً في آن واحد، ولا تزال جماعة إسرائيل شعباً ومجتمعاً دينيًا (قومياً ومقدَّساً) حتى وقتنا هذا. ويفرق بوبر بين التاريخ، أي التجربة التي تعيشها الأمم، والوحي، وهي التجارب الخصوصية التي يعيشها الأعضاء الذين يُطلَق علىهم مصطلح «أنبياء». و حينما يتحول الوحي إلى أفكار تفهمها الجماهير وتؤمن بها، فإنه يصبح عقائد. هذا هو الوضع بالنسبة لسائر الأمم. أما بالنسبة لجماعة إسرائيل، فالأمر جدُّ مختلف، إذ أن ثمة تطابقاً كاملاً بين الوحي والعقيدة والتاريخ. فجمـاعة إسرائيل تتلقـى تجربتهـا الدينية الحاسمة على مستـوى الشـعب كله، لا على مستوى الأنبياء وحسب (وهو ما يعـني في واقـع الأمر أن أعضاء جماعة إسرائيل كلهم أنبياء). ومن ثم، فإن مجتمع إسرائيل ككل يعيش التاريخ والوحي باعتبارهما ظاهرة واحدة: التاريخ باعتباره وحياً، والوحي باعتباره تاريخاً.
وهكذا يتحول اليهود، تماماً كما هو الحال مع الرؤى الدينية الحلولية الكمونية الواحدية القديمة، إلى شعب من الكهنة والأنبياء، ويتحول تاريخهم إلى وحي مستمر. ولذا، فاليهود، حسب التصور الحلولي الواحدي عند بوبر، أمة تحمل وحياً إلهياً عبر تاريخها المقدَّس « الذي لم يكن سوى صراع لا ينتهي من أجل وضع مُثُل الأنبياء موضع التطبيق » كما يقول نحمان سيركين الزعيم الصهيوني العمالى. ومعنى هذا أن كلاًّ من الفيلسوف المتصوِّف والمفكر الاشتراكي يدوران في نطاق الحلولية الكمونية اليهودية ويتفقان على خصوصية وقدسية واستقلالية ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي». كما يتفقان على تَداخُل التاريخ المقدَّس والتاريخ الإنساني. وعلى أية حال، فإن من الواضح أن هناك تداخلاً في البنى التاريخية وعدم إلمام بحركة التاريخ ينعكسان بجلاء في الطريقة التي يقرأ بها الصهاينة الواقع التاريخي. فهم حينما نظروا إلى فلسطين، في أواخر القرن الماضي، لم يروها أرضاً فيها شعب، أي واقعاً إنسانياً تاريخياً، وإنما رأوا مفهوماً دينياً يُدعى «إرتس إسرائيل». ولذلك، وبدلاً من التعامل مع الواقع الحي، نجدهم يلفقون شعارات مثل: « أرض بلا شعب لشعب بلا أرض »، وهي شعارات جامـدة تقترب، في اتسـاقها الهندسـي مع نفسها، من الحسابات القبَّالية.
ويتبدَّى الرفض الصهيوني للتاريخ، بشكل واضح، في المصطلح الصهيوني. فالصهاينة حينما يستخدمون كلمة «تاريخ»، فإنهم لا يشيرون في العادة إلى التاريخ الحي المتعيِّن، وإنما إلى العهد القديم، أو إلى تراثهم الديني (المكتوب منه أو الشفوي)، أو إلى التاريخ المقدَّس. ولذا، تصبح الحدود التاريخية هي الحدود المقدَّسة المنصوص عليها في العهد القديم « من نهر مصر إلى الفرات »، وهي حدود لم يشغلها العبرانيون في أية لحظة من تاريخهم، ولا حتى أيام داود أو سليمان.
والحقوق التاريخية هي أيضاً الحقوق المقدَّسة التـي وردت في العهد القديم، والتي تؤكد أنهم شعب مقدَّس مختار، له حقوق تستمد شرعيتها من العهد الإلهي الذي قطعه الإله على نفسه لإبراهيم، وهو عهد يعبِّر عن الحلول الإلهي فيهم.
ويتبدَّى الرفض الصهيوني لتعيُّن التاريخ وتركيبيته على هيئة رؤية اختزالية تبسيطية للواقع. فمن المعروف أنه، قبل حرب السادس من أكتوبر (العاشر من رمضان)، كان لدى الإسرائيليين من المؤشرات الملموسة ما يؤكد أن المصريين سيعبرون القناة إلى سيناء. ولكن الدلالات الملموسة ظلت معلومات جامدة مبعثرة لم ينتظمها إطار، ولم تكتسب اتجاهاً محدداً لأن نموذج الصهاينة التفسيري الاختزالي معاد للتاريخ مُنكر لإمكانات الآخر. والصهاينة لا يمكنهم إلا التحرك داخل إطار هذا النموذج لأنهم لو فعلوا غير ذلك لطرحوا على أنفسهم إمكانية استيقاظ العرب واحتمال اختفاء الكيان الصهيوني الشاذ المشتول. وقد تكرر هذا الوضع مع الانتفاضة، إذ كان لدى المخابرات الإسرائيلية من المعلومات ما يؤكد أن ثمة تحركاً فلسطينياً ورفضاً شعبياً للاحتلال. ومع هذا، فقد أنكرت أجهزة المخابرات وجود الانتفاضة، حتى بعد اندلاعها بعدة أسابيع، وإنكارهم هذا هو إنكار لتركيبية التاريخ والإنسان ولاحتوائهما على إمكانات غير مرئية تمنح الإنسان مركزيته في هذا الكون.
ولكن الصهاينة يتصورون أن بإمكانهم اجتياز الهوَّة، التي تفصل بين رؤيتهم للتاريخ من جهة وبين الواقع التاريخي من جهة أخرى، عن طريق العنف. فالعنف هو عادةً الوسيلة الوحيدة لفرض الاتساق الهندسي على تعيُّن الواقع وتركيبيته، ولكن العنف الصهيوني حتى الآن لم يحقق إلا جزءاً صغيراً من المخطط الصهيوني اللاتاريخي.
غير أن نموذج الصهاينة الاختزالي ليس مقصوراً على تعاملهم مع التاريخ العربي أو تاريخ الأغيار وإنما يمتد إلى رؤيتهم لتواريخ الجماعات اليهودية وإلى ما يسمونه «التراث اليهودي» ككل. فقد كتبوا تواريخ الجماعات اليهودية بطريقة مأساوية فجَّة تختزل تلك التواريخ وتقسمها إلى قسمين اثنين لا ثالث لهما: فترات مظلمة عديدة وغير حقيقية فقدت فيها الذات اليهودية وعيها بنفسها وخرجت من الدائرة (الحلولية) اليهودية أو أخذت موقفاً سلبياً فلم تدافع عن ذاتها فوقعت ضحية سهلة للأغيار؛ وفترات أخرى مضيئة وحقيقية تمركزت فيها الذات اليهودية على نفسها ودافع اليهود فيها عن أنفسهم بضراوة وشراسة. وحسب هذا الفهم، تكون الأعوام القليلة التي قامت فيها دولة يهودية في فلسطين أكثر الفترات خصوبة فيما يُسمَّى «التاريخ اليهودي»، ويكون التمرد الحشموني، حين دافع اليهود عن الوجود اليهودي في فلسطين، هو إحدى القمم القليلة بل النادرة في هذا التاريخ، وتكون الحركة الصهيونية التعبير الحقيقي والأخير عن هذا التمركز اليهودي الذي يجسد روح التاريخ اليهودي ويشكل نهايته السعيدة.
ولكن مشكلة التقسيم البسيط هي أن الصهيونية تكتسب شرعيتها من افتراض وجود هذا التاريخ اليهودي ومن تعبيرها عنه. ولكن التاريخ اليهودي هو أساساً نتاج انتشار اليهود في كثير من بلاد العالم، أي نتاج وجود الجماعات اليهودية في الدياسبورا أو المنفى، أي وجودهم في أنحاء العالم خارج فلسطين. ومن يتقبل نموذج التاريخ اليهودي يتقبل أيضا وجود اليهود في المنفى كحقيقة أساسية، لأن حالة المنفى جـزء لا يتـجزأ من البنـاء التاريخي اليهودي الذي يفترض الصهاينة وجوده. وتعبِّر الكتابات الصهيونية عن هذا التناقض العميق، فهي تارة تمجد هذا التاريخ اليهودي تمجيداً لا حد له، وتارة أخرى تدمغه باعتباره مجرد انحراف عن مسار التاريخ اليهودي الحقيقي. ولكن الصهاينة، سواء في تمجيدهم الدياسبورا أو هجومهم عليها، يفترضون، في كل الأحوال، وجود تاريخ يهودي منفصل عن تاريخ الشعوب والحضارات الأخرى التي عاش اليهود بين ظهرانيها.
والحديث عن التاريخ اليهودي، مثل الحديث عن «الأدب اليهودي» و«الشخصية اليهودية» وغير ذلك، يفترض أن العنصر الأساسي الذي يحرك اليهودي ويشكل شخصيته هو أساساً إيمانه بالدين اليهودي أو انتماؤه إلى التراث اليهودي. وفي هذا تقليل من شـأن اليهود، وتضـييق لإنسـانيتهم ومسـاهمتهم في الحضـارة البشرية. فاليهودي، مثله مثل أي إنسان آخر، ظاهرة مركبة، تحركه عناصر متشابكة، بعضها ملموس ومحدَّد وبعضها غير ملموس وغير محدَّد، وليس مجرد عنصر واحد كما يتصور الصهاينة. وبالإضافة الى ذلك، فإن تَبَنِّي نموذج التاريخ اليهودي المسـتقل هو في نهاية الأمـر إيمان بأن اليهود موجـودون خارج التاريخ، أي أن تَبَنِّي نموذج التاريخ اليهودي هو في جوهره عودة إلى الرؤية اليهودية القديمة الحلولية الواحدية التي فشلت في رؤية الفارق بين المقدَّس والنسبي، وبين الإلهي والتاريخي، فألغت كل الثنائيات وسدت كل المسافات.
وكما بيَّنا من قبل، لعب تراث الصهاينة الحلولي دوراً كبيراً في تشجيعهم على استخدام مثل هذه المصطلحات الأحادية النظرة، وعلى الخلط بين المستويات والبنى المختلفة، وعلى إيمانهم بالوجود التاريخي اليهودي المنفصل. كما أن تجربة الصهاينة الضيقة ذاتها، والمستمدة أساساً من وجود يهود شرق أوربا كجماعة وظيفية، قد ساهمت هي الأخرى في إعطاء ما يشبه الأساس الواقعي أو التاريخي للتهويمات الصهيونية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق