الباب الثالث: الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة
الصهيونية في الولايات المتحدة
Zionism in the United States
تُطلق الحركة الصهيونية على نفسها اسم «الصهيونية العالمية» و«المنظمة الصهيونية العالمية». و«الصهيونية ـ كما أشرنا ـ ظاهرة غربية بالدرجة الأولى، إذ لا يعرفها شعوب آسيا وأفريقيا لسبب بسيط هو أنها لا توجد فيها جماعات يهودية. وقد أصبحت الصهيونية ظاهرة أمريكية بالدرجة الأولى لسببين: أن الولايات المتحدة تضم أكبر وأقوى جماعة يهودية في العالم، وأن الولايات المتحدة نفسها هي الراعي الإمبريالي للجيب الصهيوني. وفي هذا الباب سنتناول المنظمات الصهيونية المختلفة في الولايات المتحدة.
الاتحــاد الصهـيوني الأمريكـي
American Zionist Federation
«الاتحاد الصهيوني الأمريكي» هو المظلة التنظيمية التي تضم كل المنظمات الصهيونية في الولايات المتحدة، وقد تم تأسيسه عام 1970 بناءً على قرار صادر عن المؤتمر الصهيوني السابع والعشرين (1968) يدعو إلى تقوية الحركة الصهيونية من خلال إنشاء منظمات أو اتحادات صهيونية قطرية في جميع بلاد العالم. وتعود جذور الاتحاد إلى لجنة الطوارئ للشئون الصهيونية التي تأسَّست عام 1939 لتوحيد جهود المنظمات الصهيونية للضغط على الحكومة الأمريكية لصالح المشروع الصهيوني في فلسطين. وقد أُعيد تنظيمها عام 1943 تحت اسم «مجلس الطوارئ الصهيوني» الأمريكي تحت قيادة أبا هليل سيلفر، ثم تحولت إلى المجلس الصهيوني الأمريكي عام 1949 لتكون الجهة المنسقة للمنظمات الصهيونية الأمريكية.
ويساند الاتحاد الصهيوني الأمريكي المجهودات الصهيونية في ميادين الشئون الطائفية والعامة والتعليم والشباب والهجرة إلى إسرائيل ويعمل على تنمية الاهتمام بما يُسمَّى «الثقافة اليهودية» بين أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة وعلى تعزيز التزامهم بالأهداف الصهيونية كما جاءت في برنامج القدس. كما يعمل الاتحاد على التوجه إلى المجتمع الأمريكي غير اليهودي للدعاية لإسرائيل، وتأكيد تطابق المصالح الأمريكية والإسرائيلية، والرد بشكل فعال على النقد الموجه إليها. وأخيراً، توجيه أعضائه من خلال الحملات الإعلامية فيما يتعلق بالقضايا التي تمس إسرائيل أو الصهيونية.
ويرعى الاتحاد برامج تهدف إلى ربط الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة بإسرائيل. وتشمل هذه البرامج تبادل زيارات رجال الجامعات والتعليم والصحافيين ورجال الأعمال ورجال الدين وغيرهم من فئات المجتمع. كما أن الاتحاد يقيم المؤتمرات والأسواق والمعارض لتشجيع الهجرة إلى إسرائيل. ويهتم الاتحاد بالقطاع الأكاديمي، فقد أسس مجلساً أكاديمياً صهيونياً هدفه محاولة تجنيد أساتذة الجامعات في جميع أنحاء الولايات المتحدة لحساب إسرائيل والصهيونية.
ويعـاني الاتحاد، مثلـه مثل غيره من التنظيمات الصهيونية الأمريكية، من تدهور أهميته وفعاليته بشكل عام. فلم يَعُد هناك أيُّ تمييز حقيقي بين المنظمات الصهيونية وغير الصهيونية في الولايات المتحدة. بل إن الأخيرة تتمتع بخبرة تنظيمية أكبر وقاعدة جماهيرية أوسع، ولذا أصبحت هي التي تقوم بالدعاية لإسرائيل والدفاع عنها وجمع المال لها والضغط من أجلها، ذلك إلى جانب تآكل شرعية الصهاينة التوطينيين بسبب عدم هجرتهم إلى إسرائيل وما يدور حول ماهية الصهيونية وتآكل الفكر الصهيوني بوجه عام.
والاتحاد الصهيوني الأمريكي منظمة معفاة من الضرائب وتضم 61 منظمة صهيونية في الولايات المتحدة والحركات الشبابية المنبثقة عنها. وعضوية الاتحاد الصهيوني مفتوحة أيضاً للمنظمات والمؤسسات اليهودية غير الصهيونية. والواقع أن هذه تدخل ضمن مجموعتين إضافيتين من الأعضاء: أولاً، المنظمات المنتسبة التي تقبل برنامج القدس مع أن أعضاءها ليسوا بالضرورة من الصهاينة. ثانياً، المنظمات ذات الصلة بالاتحاد، وهي مؤسسات قومية تعنى برعاية صهيونية، وقد كانت دائماً تربطها علاقة فعلية بالحركة الصهيونية. وفي عام 1983، قدَّر الاتحاد حجم عضويته بأكثر من مليون عضو.
والمنظمات الست عشرة الأعضاء في الاتحاد الصهيوني هي: مجلس الشباب الصهيوني الأمريكي، والعصبة الأمريكية اليهودية من أجل إسرائيل، ونساء عميت في أمريكا (نساء مزراحي سابقاً)، وأمريكيون من أجل إسرائيل تقدمية، وبن تسيون، ونساء إيموناه، وهاداساه، وحركة تأكيد الصهيونية المحافظة (مركاز)، والحلف الصهيوني العمالي، وحركة الهجـرة في أمريكا الشـمالية، والنسـاء الرائدات (نعمات)، واتحاد الصهاينة الإصلاحيين في أمريكا، والصهيونيون المتدينون في أمريكا، وحيروت، والمنظمة الصهيونية في أمريكا، والحركة الطلابية الصهيونية.
وهناك ثلاث منظمات منتسبة للاتحاد، هي: الاتحاد السفاردي الأمريكي، ورابطة آباء الإسرائيليين الأمريكيين، وعصبة النساء من أجل إسرائيل.
وهناك منظمتان تربطهما صلة بالاتحاد، هما: المؤسسة الصهيونية الأمريكية للشباب، والصندوق القومي اليهودي. وفي فبراير 1993، قرَّر الاتحاد أن يُغيِّر اسمه إلى «الحركة الصهيونية الأمريكية».
الحركة الصـهيونية الأمريكيـة
American Zionist Mevement
»الحركة الصهيونية الأمريكية» هو الاسم الجديد للاتحاد الصهيوني الأمريكي (منذ فبراير 1993). وهذا الاسم لن يؤدي إلا إلى المزيد من الغموض والتعمية، لأن كلمة «حركة» في كل الأدبيات السياسية لا تشير إلى تنظيم إقليمي بعينه.
المنظمــة الصهيونيـــة الأمريكيـة
Zionist Organization of America
منظمة صهيونية أمريكية تأسَّست عام 1898 باسم اتحاد الصهاينة الأمريكيين، وذلك في أعقاب انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول (1897). وقد انتُخب ريتشارد جوتهيل والحاخام ستيفن وايز سكرتيراً شرفياً. وقد وُلدت المنظمة ضعيفة وهزيلة ووجدت صعوبة في فرض سلطتها المركزية على المجموعات الصهيونية المنتمية لها، وذلك نتيجة الخلافات التي نشأت بين القيادة المنتمية إلى البورجوازية اليهودية المتأمركة ذات الأصول الألمانية والقاعدة التي تألفت من المهاجـرين اليهـود الفقراء القادمين من شرق أوربا ذوي الثقافة اليديشية. وقد اتجهت المنظمة إلى العمل الدعائي الصهيوني وأصدرت عام 1901 أول مجلة صهيونية أمريكية رسمية باللغة الإنجـليزية ثم جريدة يديشية عام 1909، كما أنشأت معاهد صهيونية. وقد اهتمت بالشباب وبتعليم اللغة العبرية، ونشـطت لصـالح الصنـدوق القومي اليهـودي والاتحاد اليهودي الاستعماري، كما تصدت للعناصر اليهودية الأمريكية المناهضة للصهيونية والمُمثَّلة بشكل أساسي في الحركة الإصلاحية اليهودية.
ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، انتقل مركز النشاط الصهيوني إلى الولايات المتحدة وتم تأسيس اللجنة التنفيذية العامة المؤقتة للشئون الصهيونية عام 1914 تحت رئاسة لويس برانديز التي تولَّت الجانب الأكبر من النشاط الصهيوني في الولايات المتحدة خلال فترة الحرب وأسَّست صندوقاً لدعم التجمُّع الاستيطاني اليهودي في فلسطين ولغوث ضحايا الحرب من اليهود في أوربا، كما كانت صاحبة اقتراح تأسيس المؤتمر اليهودي الأمريكي. ومع انتهاء الحرب، تقرَّر دَمْج هذه اللجنة مع اتحاد الصهاينة الأمريكيين لتأسيس المنظمة الصهيونية الأمريكية تحت رئاسة لويس برانديز الشرفية لتكون منظمة مركزية يهيمن عليها مكتب قومي وتعتمد على العضوية الفردية. وقد رأى برانديز أن الدور الأساسي للمنظمة هو جَمْع المال من خلال جذب رؤوس الأموال الخاصة لتمويل مشاريع معيَّنة في فلسطين، كما تشكَّك في مدى فعالية إنشاء الصندوق التأسيسي اليهودي الذي كانت القيادات الصهيونية الأوربية وعلى رأسهم حاييم وايزمان يفضلونه. وقد أدَّى هذا الخلاف، إلى جانب خلافه الفكري مع وايزمان حول مفهوم الصهيونية، إلى انسحاب برانديز ومناصريه من المنظمة خلال مؤتمر المنظمة عام 1921. وقد ركَّزت المنظمة اهتمامها بعد ذلك في جَمْع المال وإن لم تحرز نجاحاً ملحوظاً في تلك المهمة، كما عارضت نشاط حملات منظمات الإغاثة اليهودية الأمريكية التي كانت تعمل على توطين اليهود الروس في مناطق القرم وأوكرانيا في الاتحاد السوفيتي. ومن ثم، شاركت المنظمة في توحيد جهود عمليات الجباية الصهيونية تحت مظلة واحدة هي النداء الفلسطيني الموحَّد عام 1924. ومع ذلك، ظلت جاذبية المنظمة ضعيفة وهبط عدد أعضائها من 149 ألفاً عام 1918، أي بعد وعد بلفور بعام، إلى 18 ألفاً عام 1929. وبعد اندلاع الحرب العالمية الثانية، شاركت المنظمة في توحيد جهود المنظمات الصهيونية الرئيسية من أجل تأسيس كومنولث يهودي في فلسطين، ثم في تأسيس صندوق برنامج بلتيمور عام 1942، كما اشتركت في تأسيس لجنة الطوارئ للشئون الصهيونية عام 1939 التي أصبحت لجنة الطوارئ الصهيونية الأمريكية عام 1943ثم المجلس الصهيوني الأمريكي عام 1949) لتكون هيئة منظمة ومنسقة لكبرى المنظمات الصهيونية في الولايات المتحدة. وقد زاد نشاط المنظمة وزادت عضويتها تحت رئاسة أبا هليل سيلفر (1945 ـ 1947) وإيمانويل نيومان (1947 ـ 1949)للذين كانا أعضاء أيضاً في القسـم الأمريكي من الوكـالة اليهودية خلال عامي 1947 و1948، كما كانا يعملان على حث الحكومة الأمريكية لإصدار موافقتها على قرار تقسيم فلسطين عام 1947.
وقد تضاءلت أهمية دور المنظمة الصهيونية الأمريكية بعد تأسيس الكيان الصهيوني، وخصوصاً أن إعلان الدولة نتج عنه تفجُّر التناقض الكامن بين الصهاينة الاستيطانيين والصهاينة التوطينيين، وأثار الجدل حول دور ومهام كل منهما. ومن أجل تبرير استمراريتها التاريخية، أعطت المنظمة نفسها لقب «الحد القاطع ليهود أمريكا»، كما أكدت أنها ساعدت في تأسيس دولة إسرائيل. ويتحدد دورها الآن في الدفاع عن إسرائيل. وتتبنَّى هذه المنظمة سياسات تحالف الليكود الإسرائيلي وتتمسك بالسياسة الإسرائيلية الرسمية، ويتركز نشاطها الآن في جباية الأموال لإسرائيل والدعاية لها والضغط من أجلها في الولايات المتحدة. وهي ترصد نشاطات الكونجرس الأمريكي والبيت الأبيض والمكاتب الحكومية الأمريكية وتوزع المذكرات المتعلقة بإسرائيل على موظفي الدولة ووسائل الإعلام. كذلك تهتم المنظمة بالتعليم الصهيوني وما يُسمَّى «الثقافة العبرية»، ولها حركة شبابية تابعة لها تنشط داخل المدارس والجامعات الأمريكية وتنظم زيارة الشباب اليهودي الأمريكي إلى إسرائيل. وللمنظمة نشاط في إسرائيل أيضاً حيث أسَّست بيت المنظمة عام 1953 ومجمع كفار سيلفر للمدارس في عسقلان عام 1955 وهما يقدِّمان خدمات ثقافية وتعليمية.
وتعاني المنظمة الصهيونية الأمريكية، مثلها مثل غيرها من التنظيمات الصهيونية، من تآكل أهميتها وفعاليتها، فمنذ عام 1967 لم يَعُد هناك ما يُميِّز المنظمات الصهيونية عن المنظمات غير الصهيونية من حيث العمل من أجل إسرائيل والدعاية لها وجباية الأموال والضغط من أجلها. بل إن المنظمات غير الصهيونية، التي تتمتع بخبرة تنظيمية أكبر وقاعدة جماهيرية أوسع، تقوم بهذا الدور بقدر أكبر من الكفاءة والفعالية.
والمنظمة الصهيونية الأمريكية منظمة معفاة من الضرائب، ويقدَّر حجم عضويتها حالياً بنحو 45 ألف عضو بعد أن كان 165 ألفاً عام 1950. وهي تُصدر مجلة فصلية ونشرة أسبوعية إعلامية.
والمنظمة الصهيونية الأمريكية إحدى التنظيمات الصهيونية، وهي عضو في الكونفدرالية العالمية للصهاينة المتحدين العموميين (وهي خلاف الفرع الأمريكي للمنظمة الصهيونية العالمية)، كما تختلف عن الاتحاد الصهيوني الأمريكي.
هاداســاه
Hadassah
»هاداساه» كلمة عبرية تعني «شجرة الآس» أو «شجرة الريحـان»، وتُسـتخدَم الكلـمة للإشـارة إلى اسم الملكة التوراتية إستير. وهاداساه منظمة نسائية صهيونية أمريكية أسَّستها هنريتا زولد عام 1912 حين قرَّرت هي ومجموعة من السيدات من أعضاء حلقات بنات صهيون الدراسية أن تتوسع لتصبح منظمة قومية. وهي تعتبر الآن أكبر منظمة نسائية صهيونية في العالم إذ يقدَّر عدد أعضائها بنحو 370 ألف عضو. وعند تأسيسها، حددت منظمة الهاداساه أهدافها بتنمية التعليم اليهودي والصهيوني في الولايات المتحدة من جانب، وتحسين الأوضاع الصحية للتجمُّع الاستيطاني اليهودي في فلسطين من جانب آخر. وقد بدأت هاداساه، في سبيل ذلك، بالتمريض وتدريب الممرضات في فلسطين. وقد بدأت نشاطها في فلسطين على نطاق ضيق عام 1913، ولم يتسع نشاطها إلا عام 1918 عندما اشتركت مع المنظمة الصهيونية الأمريكية واللجنة اليهودية الأمريكية للتوزيع المشترك في إرسال الوحدة الطبية الصهيونية الأمريكية إلى فلسطين والتي أصبحت تُسمَّى فيما بعد «منظمة هاداساه الطبية». ومنذ ذلك الحين، ساهمت الهاداساه في إنشاء المراكز الصحية والمستشفيات والوحدات العلاجية ومراكز رعاية الطفل، كما قامت بافتتاح مركز الهاداساه الطبي بالجامعة العبرية عام 1936. وكذلك وضعت هاداساه البرامج التعليمية وافتتحت المدارس والمراكز للتعليم المهني ولتدريب الممرضات، كما تعاونت بشكل وثيق مع الصندوق القومي اليهودي حيث تعهدت منذ عام 1926 برعاية عشرين مشروعاً خاصاً للصندوق كل ثلاث سنوات. وساهمت هاداساه، بالفعل، في استصلاح وزراعة مئات الآلاف من الدونمات وفي زراعة ملايين الأشجار. وقد وصفت الهاداسـاه نفسها بأنها "شـريك أساسـي للصندوق القـومي اليهودي"، كما أنها تعتبر نفســها "أكبر مساهم فرد [فيه] في العالم".
وتُعَدُّ هاداساه، بين المنظمات الصهيونية في العالم، أكبر مساهم في مجال تهجير الشباب. وقد أنفقت منذ عام 1935 وحتى عام 1970 نحو 60 مليون دولار في هذا المجال وعملت على توطين واستقرار 135 ألف شخص في فلسطين. وهي تُعَدُّ المنظمة الصهيونية الرئيسية (في الولايات المتحدة) العاملة في مجال تهجير الشباب وتوفر نحو 40% من الميزانية اللازمة لذلك سنوياً.
وفي الولايات المتحدة، يتركز نشاط منظمة الهاداساه في المجال التعليمي والتثقيفي حيث تقوم بوضع برامج لتعليم ما يُسمَّى «التراث والتاريخ اليهوديان» وكذلك تعليم اللغة العبرية، كما تقوم بتزويد الجمهور الأمريكي بالمعلومات عن إسرائيل وتطوُّرها وأمنها. وكان أعضاء الهاداساه يقومون، قبل تأسيس الدولة الصهيونية، بجولات دعائية في الولايات المتحدة في محاولة لتهيئة الأذهان لتقبُّل الفكرة الصهيونية وإقناع الناس بالأسباب التي تكمن وراء اهتمام يهود العالم بأرض فلسطين بالذات. أما الآن، فإنهم يقومون بالدعاية لإسرائيل وجمع المال لبرامج المنظمة ومشاريعها في الدولة الصهيونية. وتقوم هاداساه برعاية برنامج الشئون الصهيونية الذي يعمل على تنمية المصالح الصهيونية من خلال التعليم والدعاية والتنسيق مع المنظمات اليهودية والصهيونية الأخرى التي تنتمي إليها الهاداساه. وتهتم الهاداساه بشكل خاص بالشباب، ولها حركة شبابية تابعة لها هي هشاحر (الفجر) تقدم من خلالها برامج متنوعة عن الهوية اليهودية في إطار صهيوني داخل مخيماتها الصيفية ونواديها المفتوحة طوال السنة. وتنظم هاداساه حلقات التدريب على القيادة، كما تنظم برامج إسرائيلية ورحلات صيفية للشباب إلى إسرائيل. وتقوم هاداساه بتدريب الشباب اليهودي في الجامعات الأمريكية على تكوين مراكز صهيونية داخل حرم الجامعات والتصدي للجماعات المناهضة لإسرائيل والصهيونية والمتعاطفة مع القضية الفلسطينية.
والهاداساه مسجلة كمنظمة دينية (رغم أنها لا علاقة لها بالدين)، وهو ما يعفيها من تقديم تقرير سنوي علني، وهي أيضاً معفاة من الضرائب. ويُعَد المجلس القومي الهيئة العليا في الهاداساه ويجتمع مرتين في السنة للنظر في القرارات السياسية الكبرى، أما القرارات السياسية الثانوية فيتخذها المجلس التنفيذي. ولحماية وضع الإعفاء من الضرائب، تقوم هيئة موازية لهاداساه ومتحدة معها هي رابطة هاداساه للإغاثة الطبية بتوجيه الأموال إلى المشاريع الإسرائيلية، وذلك في حين أن منظمة هاداساه تتولَّى النشاط داخل الولايات المتحدة. ومنظمة هاداساه عضو في الاتحاد الصهيوني الأمريكي ومرتبطة بالمنظمة الصهيونية العالمية عبر الاتحاد الكونفدرالي العالمي غير الحزبي للصهيونيين المتحدين، كما أنها عضو في مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى ولها صفة منظمة غير حكومية في هيئة الأمم المتحدة وصفة مراقب في البعثة الأمريكية للأمم المتحدة.
وقد قرَّرت منظمة هاداساه عام 1983 أن تصبح منظمة دولية بعد أن ظلت حتى ذلك التاريخ منظمة أمريكية، الأمر الذي يسمح لها بإنشاء مجموعات خارج الولايات المتحدة يتم ربطها برابطة هاداساه للإغاثة الطبية لتوجيه الأموال عبرها إلى إسرائيل. وقد وصل حجم ما تنفقه الهاداساه من أموال عام 1982/1983 إلى نحو 49 مليون دولار.
رابطة الصهاينة الإصلاحيين في الولايات المتحدة
Association of Reform Zionists of America
»رابطة الصهاينة الإصلاحيين في الولايات المتحدة» منظمة صهـــيونية أمريكـية تأسَّسـت عام 1977 واختصـارها «أرتسا ARTZA»، من عبارة عبرية معناها: إلى الوطن. ويُعَدُّ ظهورها في الولايات المتحدة من أهم التطورات على الإطلاق في تاريخ المنظمة الصهيونية إذ تمثل اليهود الإصلاحيين الذين كانوا من المعادين للصهيونية منذ ظهور الاتجاه الإصلاحي (وهو موقف أخذ يتآكل بعد تأسيس الدولة الصهيونية). ومنذ عام 1973، أصبح إثراء وتقوية دولة إسرائيل (بوصفها المثل الأعلى النابض للقيم اليهودية الأزلية) أحد أهداف اليهودية الإصلاحية في الولايات المتحدة.
وفي عام 1973، انضم الاتحاد العالمي لليهودية التقدمية (الذراع الدولي للحركة الإصلاحية) إلى المنظمة الصهيونية العالمية كهيئة يهودية دولية (غير حزبية) أي أنها لا تتمتع بجميع الحقوق والامتيازات. وعندئذ فكرت القيادات الإصلاحية في تكوين منظمة صهيونية يحق لها العضوية الكاملة لتمثل اهتمامات الحركة الإصلاحية داخل المؤسسة الصهيونية. ومن ثم، تأسَّست رابطة الصهاينة الإصلاحيين عام 1977 وأصبح لها عضوية كاملة في المنظمة، أي أن الرابطة أصبحت اتحاداً صهيونياً دولياً حزبياً، وقد تم إرسال تسعة مندوبين عنها لهم حق التصويت إلى المؤتمر الصهيوني التاسع والعشرين (1978). وتتوجَّه هذه المنظمة توجُّهاً صهيونياً غربياً توطينياً كاملاً، ومن بين أهدافها الدفاع عن أمن إسرائيل ومساعدة من يود الهجرة من الأمريكيين كأفراد وجماعات صغيرة، وتشـجيع السـياحة إلى دولة إسـرائيل، وتحسين نمط الحياة في إسرائيل، وكذلك تشـجيع تطـوُّر اليهودية الإصلاحية الإسرائيلية.
وتحرص رابطة الصهاينة الإصلاحيين على أن يكون لها اتصال دائم بالبيت الأبيض ووزارة الخارجية الأمريكية والكونجرس، وذلك لكي تؤمن الالتزام الأمريكي قبَل إسرائيل، كما تقوم بالدعاية لصالح الحكومة الإسرائيلية.
وتنتمي رابطة الصهاينة الإصلاحيين إلى اتحاد الجماعات الدينية العبرية الأمريكية، وهي المنظمة الأم لليهودية الإصلاحية، كما أنها عضو في الاتحاد الصهيوني الأمريكي ومُمثَّلة في لجنته التنفيذية، وهي كذلك عضو في مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى، وفي القسم الأمريكي الشمالي من المؤتمر اليهودي العالمي. وقد زادت عضويتها من 9500 عام 1977 إلى 70 ألف عضو في منتصف الثمانينيات.
وقد انضمت رابطة الصهاينة الإصلاحيين إلى الروابط الصهيونية الإصلاحية المماثلة، والتي تأسَّست في كلٍّ من كندا وبريطانيا وجنوب أفريقيا وأستراليا وهولندا، لتكوِّن عام 1980 الرابطة الدولية للمنظمات الصهيونية الإصلاحية واختصارها «أرتسينو Artzeinu» ومعناها بالعبرية «أرضنا». وقد اعترفت المنظمة الصهيونية بها رسمياً.
أرتسينــــــــــو
ARZENU; World Reform Zionists
انظر: «رابطة الصهاينة الإصلاحيين في الولايات المتحدة».
مجلــس الاتحـــادات اليهوديــة وصــناديق الرفـــاه
Council of Jewish Federations and Welfare Funds
منظمة مظلية أمريكية تعمل كهيئة مركزية تنسق جَمْع الأموال والتخطيط لأكثر من مائتي اتحاد يهودي وصندوق رفاه تخدم 800 تجمُّع يهودي يضم أكثر من 95% من أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة وكندا. وقد بلغ مجموع ما جمعه مجلس الاتحادات عام 1978 نحو 474 مليون دولار أمريكي، زادت إلى 581 مليون عام 1981، ووصلت إلى 720 مليون دولار عام 1987.
تأسَّس مجلس الاتحادات عام 1932 لتنسيق عمليات جَمْع الأموال التي تقوم بها الاتحادات اليهودية المحلية المختلفة وتخصيصها للاحتياجات المحلية للجماعة وكذلك لاحتياجات الجماعات اليهودية المنكوبة في الخارج (وإن ظل العمل الداخلي هو الأساس). وقد تطوَّر المجلس خلال الأربعينيات والخمسينيات إلى وكالة تخطيط مركزية للاتحادات تشرف على الميزانية وعلى تخصيص الأموال والتفتيش. وهي تقدِّم للاتحادات القيادة والنصح والتمثيل، وتُعتبَر منبراً لتبادل الخبرات ووضع الخطط للأهداف العامة للاتحادات واحتياجاتها وبرامجها. ومن الخدمات المهمة التي يقدمها مجلس الاتحادات، مؤتمر الميزانية للمدن الكبرى الذي يضم 29 من أكبر الاتحادات اليهودية والذي يقوم بتقديم الأموال لأغلبية المنظمات اليهودية الأمريكية المحلية والقومية (مثل اللجنة اليهودية الأمريكية وعصبة مناهضة الافتراء)، وذلك بعد تحليل ودراسة برامجها وميزانياتها لتقديم المخصَّصات لكل منظمة.
وقد حرص مجلس الاتحادات اليهودية، منذ البداية، على تخصيص جزء من موارد الاتحادات إلى التجمع الاستيطاني اليهودي في فلسـطين ثم إلى إسـرائيل بعد عام 1948. وقد بدأ مجلس الاتحادات، منذ الأربعينيات، في تنسيق ثم توحيد حملات الجباية مع النداء اليهودي الموحد الذي أصبح يتلقَّى وحده ما بين 50% و60% من أموال حملات الجباية الموحدة ويذهب أغلبها إلى إسرائيل عبر النداء الإسرائيلي الموحَّد ثم الوكالة اليهودية، ويخصَّص بعضها أيضاً لدول أخرى عبر لجنة التوزيع المشتركة. ويخصَّص نحو 30% من أموال الجباية للاحتياجات الداخلية للجماعات اليهودية في الولايات المتحدة وعلى رأسها التعليم والصحة. ونظراً لدور مجلس الاتحادات اليهودية في جَمْع مبالغ ضخمة من الأموال وصلت إلى نحو 720 مليون دولار عام 1987، فإنه يُعتبَر في واقع الأمر شريكاً للوكالة اليهودية، وهذه حقيقة تكرَّست منذ إعادة تنظيم الوكالة عام 1971 وتخصيص 50% من المواقع في أجهزتها القيادية لمنظمات الجباية اليهودية غير الصهيونية.
وإلى جانب أن مجلس الاتحادات يُعَد أحد أهم مصادر الدعم المالي لإسرائيل، فإنه يعمل أيضاً على تكريس الدعم الأمريكي لإسرائيل والتأكيد على أنها الحليف الوحيد المعتمد لأمريكا في المنطقة. وينسق مجلس الاتحادات نشاطه في هذا المجال بالدرجة الأولى مع المجلس الاستشاري لعلاقات الجماعة اليهودية القومية. كذلك يقوم مجلس الاتحادات اليهودية بعقد اجتماعات مع الإدارة الأمريكية وأعضاء الكونجرس يحضرها رؤساء اتحادات المدن الكبرى لبحث القضايا الخاصة بإسرائيل وغيرها من الشئون الخارجية.
وتُعتبَر الجمعية العامة لمجلس الاتحادات "أكبر تجمُّع سنوي للحياة اليهودية المنظمة في أمريكا" يشترك فيه أكثر من ألفين من التجمعات اليهودية والمجموعات الصهيونية الكبرى في الولايات المتحدة، وهو منبر مهم للنشاط السياسي الموالي لإسرائيل تُعقَد خلاله الحلقات الدراسية وتقدَّم الأبحاث الخاصة بإسرائيل والشرق الأوسـط واللوبي العـربي في الولايات المتحدة وغير ذلك من المواضيع. ومما يدل على أهمية هذا الحدث وثقل مجلس الاتحادات داخل الجماعة اليهودية، حرص الزعماء السياسيين (الإسرائيليين والأمريكيين) على حضور جمعيته العامة والاتصال بالقيادات اليهودية.
ويواجه مجلس الاتحادات اليهودية، مثله مثل غيره من المنظمات اليهودية ومنظمات جباية الأموال، مشكلة نضوب مصادر الموارد المالية، وربما كان هذا أحد الأسباب الأساسية وراء قيام مجلس الاتحادات اليهودية بالضغط من أجل أن يكون لممثلي الجماعات اليهودية ومنظمات الجباية في الوكالة اليهودية دور أكبر في وضع سياستها والرقابة عليها. وقد انتقد مجلس الاتحادات أداء الوكالة بشدة وأصدر قراراً عام 1986 يدعو إلى اختيار رؤساء الدوائر في الوكالة على أساس الكفاءة والتخصص دون اعتبار للانتماءات السياسية أو الحزبية وترشيد أدائها والحد من تسييسها. وكان المجلس قد أسَّس قبل ذلك بعدة سنوات لجنة الوكالة اليهودية لتكون منبراً لزعماء الاتحادات اليهودية الأمريكية خاصاً بمناقشة وتقييم نشاط الوكالة اليهودية.
المجلــس الاســتشاري القومي للعــلاقات الطـائفية اليهـودية
National Jewish Community Relations Advisory Council
منظمة يهودية أمريكية تأسَّست عام 1944 كمجلس تطوعي لوَضْع سياسات وأعمال الوكالات والمنظمات في مجال الدفاع عن اليهود وتنسيق علاقات الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة. وكانت الفترة الواقعة قبل هذا العام قد شهدت تكاثراً في المنظمات اليهودية لمواجهة النشاط المنظم المعادي لليهود في الولايات المتحدة. ومع تَزايُد التنافس وازدواجية المهام فيما بينها، أصبح من اللازم إيجاد هيئة منظمة ومنسقة لنشاطها، وتم تأسيس المجلس الاستشاري لهذا الغرض. ولكن لم يتم إضافة كلمة «يهودية» إلى اسم المجلس إلا عام 1968. ويضم المجلس 11 منظـمة يهودية قومية و111 منظمة محلية مُمثَّلة فيه، من بينها: اللجنة اليهودية الأمريكية، والمؤتمر اليهودي الأمريكي، والبناي بريت، وهاداساه. وقد وجد المجلس صعوبة في تنفيذ مهامه، وفي مَنْع ازدواج المهمات، نظراً لقوة المنظمات القومية المُمثَّلة فيه والتي ترفض التخلي عن حريتها في العمل المنفرد. وقد سبق أن انسحب من المجلس كلٌّ من اللجنة اليهودية الأمريكية والبناي بريت عام 1952 احتجاجاً على قرار المجلس بوقف قيامهما بالنشاط القانوني والتشريعي وإسناد ذلك إلى المؤتمر اليهودي الأمريكي دون سواه، وقد عادتا عام 1965 إلى المجلس بعد أن تم تأكيد استقلالية المنظمات المُمثَّلة في المجلس. ومع ذلك، يلعب المجلس دوراً بالغ الأهمية كمستشار للسياسة وكواضع لها. وتضم الوثيقة السنوية الكبرى للمجلس الاستشاري خطة البرنامج المشترك لعلاقات الجماعة اليهودية، كما تضم جميع الموضوعات التي تُدرج في برنامج أعمال وكالات علاقات الجماعة اليهودية ومن بينها القضايا الاجتماعية والسياسية والعلاقات بين المجموعات والعداء لليهود. وتعطي الخطة أفضلية متزايدة للموضوعات والبرامج المتصلة بإسرائيل. ويتبنى المجلس سياسات الحكومة الإسرائيلية وينتقد أيَّ تحالف أمريكي مع الدول العربية أو بيع أسلحة أمريكية لها، كما أنه يؤكد توافق المصالح الأمريكية والإسرائيلية ويعمل على ترسيخ هذا المفهوم وبناء الرأي العام الأمريكي على أساسه، وكذلك يعمل على التصدي للأصوات المناصرة للعرب وللقضية الفلسطينية، وخصوصاً داخل الجامعات.
وبعد حرب عام 1973، أقام مجلس الاتحادات اليهودية، ومعه اللجنة اليهودية الأمريكية والمؤتمر اليهودي الأمريكي وعصبة مناهضة الافتراء، قوة عمل تابعة للمجلس الاستشاري لدعم البرامـج الخـاصة بإســرائيل لدى وكـالات علاقات الجماعات اليهودية، وخصوصاً البرامج المتصلة بوسائل الإعلام.
ويحذر المجلس من خطورة الإفصاح بشكل علني عن الاختلاف في الرأي بشأن السياسات الإسرائيلية لأن ذلك يشكل عامل خـطر يهـدد القدرة على التأثير بصورة فعالة في السياسة الرسمية، ويدعو إلى حصر هذه الخلافات داخل منبر المجلس الاستشاري.
ويعـقد المجلـس الاستشاري مؤتمرات لإعداد خطط البرامج المشتركة، وتُعتبَر هذه المؤتمرات منبراً للسياسيين الإسرائيليين والأمريكيين.
والمنظمات اليهودية القومية الإحدى عشرة الأعضاء في المجلس الاستشاري القومي لعلاقات الجماعة اليهودية هي: اللجنة اليهودية الأمريكية ـ والمؤتمر اليهودي الأمريكي ـ وعصبة مناهضة الافتراء ـ وهاداساه ـ ولجنة العمال اليهودية ـ وقدامى المحاربين اليهود ـ والمجلس القومي للنساء اليهوديات ـ واتحاد الجماعات الدينية العبرية الأمريكية ـ واتحاد الجماعات الدينية اليهودية الأرثوذكسية ـ والمعابد اليهودية المتحدة في أمريكا ـ والعصبة النسائية القومية لليهودية المحافظـة ـ ومنظمـة النسـاء الأمريكيـات لإعـادة التأهيل من خلال التدريب.
اللجنــة اليهوديــة الأمريكيـة
American Jewish Committee
من أقدم المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة. تأسَّست عام 1906 بغرض الدفاع عن الحقوق المدنية والدينية للجماعة اليهودية في الولايات المتحدة، والعمل على تحسين أوضاعهم والمطالبة بمساواتهم اجتماعياً واقتصادياً وتعليمياً مع احتفاظهم بشخصيتهم اليهـودية، ومـواجهة مخـتلف أشـكال معـاداة اليهود أو التمييز الديني. كما اهتمت اللجنة بالدفاع عن الحقوق المدنية والدينية للجماعات اليهودية خارج الولايات المتحدة وبالمساهمة في إغاثة ضحايا الكوارث والاضطرابات العرْقية والطائفية والحروب من اليهود في العالم.
وقد أسَّس اللجنة اليهودية الأمريكية نخبة من البورجوازية اليهودية الأمريكية المندمجة ذات الأصول الألمانية أمثال لويس مارشال وجاكوب شيف وأوسكار ستراوس ومايير سولزبرجر وجوليوس روزنفالد. وقد انصب اهتمامهم في السنوات الأولى على مساعدة مئات الألوف من يهود شرق أوربا الفـقراء الذين تدفَّـقوا على الولايـات المتحدة والعمل على سرعة استيعابهم داخل المجتمع الأمريكي وتعليمهم وصَبْغهم بالصبغة الأمريكية. كما شاركت اللجنة في عمليات غوث الجماعات اليهودية في شرق أوربا ودول البلقان، وساهمت عام 1914 في تأسيس لجنة المعونة اليهودية الأمريكية التي كوَّنت صندوقاً لغوث ضحايا الحرب من اليهود. وقد كانت اللجنة أيضاً أهم عضو في لجنة التوزيع المشتركة، كما قادت الاتجاه الذي أدَّى إلى إلغاء اتفاقية التجارة الروسية الأمريكية عام 1911 احتجاجاً على قيام روسيا بالتمييز ضد اليهود الأمريكيين الراغبين في دخولها. وفي عام 1916، انضمت المنظمة إلى المؤتمر اليهودي الأمريكي بعد أن اشترطت أن يكون تشكيل هذا المؤتمر بصفة مؤقتة ولغرض محدَّد هـو تمثـيل يهـود الولايات المتحدة في مؤتمر فرساي للسلام، وذلك على أن يتم حله بعد ذلك حيث كانت اللجنة تخشى أن يتحول المؤتمر اليهودي الأمريكي إلى منظمة دائمة ومنافسة لها وهو ما حدث بالفعل. وفي مؤتمر السلام، ساهم ممثلو اللجنة بشكل فعال في ضمان حقوق الجماعات اليهودية وغيرها من الأقليات في اتفاقيات السلام. وخلال العشرينيات، ساهمت اللجنة في الحملة الناجحة ضد جريدة هنري فورد ديربورن إنديبندنت بعد أن قامت هذه الجريدة بنشر بروتوكولات حكماء صهيون وروجت لفكرة المؤامرة اليهودية الشيوعية ضد الولايات المتحدة (ونجحـت الحمـلة في انتزاع اعتـذار عـلني من هنري فورد عام 1927)
ولابد لنا أن نشير هنا إلى أن نشاط اللجنة اليهودية الأمريكية في المجالات السابق ذكرها لم يكن بدافع إنساني فحسب بل كان نتيجة القلق المتزايد من قبَل اليهود الأمريكيين من أعضاء البورجوازية من آثار هجرة يهود اليديشية على مكانتهم الاجتماعية وأوضاعهم الطبقية حيث كانت المدن الأمريكية تكتظ بالمهاجرين الجدد وكانت معدلات الجريمة تزداد بها بالإضافة إلى ما جلبه المهاجرون الجدد من أفكار اشتراكية وراديكالية أدَّت إلى إثارة قلق البورجوازية الأمريكية (كما أثارت اتهامات هنري فورد)، وذلك بالإضافة إلى اختلاف الميراث الديني والثقافي اليديشي للمهاجرين عن ميراث البورجوازية اليهودية المتأمركة ذات الأصول الألمانية. ومن هنا، كان حرصهم على سرعة استيعاب المهاجرين في المجتمع الأمريكي من ناحية، ومن ناحية أخرى تحسين أوضاعهم في أوطانهم الأصلية.
وقد حكمت هذه الاعتبارات موقف اللجنة اليهودية الأمريكية من الصهيونية والمشروع الاستيطاني اليهودي في فلسطين. وحتى عام 1946، ظلت اللجنة تُعرَف بأنها أبرز منظمة يهودية أمريكية غير صهيونية وتؤكد أن الهوية اليهودية هي هوية دينية أو هوية ثقافية على أكثر تقدير وترفض مقولة «القومية اليهودية» أو «الشعب اليهودي» أو فكرة إقامة دولة يهودية، فقد كانت ترى أن مثل هذه المقولات تثير مسألة ازدواج الولاء بالنسبة لليهود الأمريكيين وتشكِّك في انتمائهم الأمريكي. ومع ذلك، أيَّدت اللجنة الاستيطان اليهودي في فلسطين باعتباره يمثل حلاًّ للمسألة اليهودية ويساعد على تحويل جزء من هجرة يهود اليديشية بعيداً عن الولايات المتحدة. ومن هذا المنطلق، وافقت اللجنة اليهودية الأمريكية على وعد بلفور مع تأكيد ما نص عليه الوعد من أن إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين لن يهدد الحريات التي يتمتع بها اليهود في الدول الأخرى. كما لعب قادة اللجنة، وخصوصاً لويس مارشال، دوراً مهماً في تأسيس الوكالة اليهودية الموسعة. واشتركت اللجنة في إرسال المساعدات إلى المستوطنين الصهاينة في فلسطين من خلال لجنة المعونة اليهودية، أهم أعضاء لجنة التوزيع المشتركة وعضو النداء اليهودي الموحَّد التي كانت تتعاون في العمل تحت إشراف المنظمة الصهيونية العالمية. كما عارضت اللجنة الكتاب الأبيض البريطاني عام 1939. وفي الوقت نفسه، اتخذت اللجنة اليهودية الأمريكية موقفاً معارضاً لمفهوم قومية الدياسبورا المتضمن في كلٍّ من برامج المؤتمر اليهـودي الأمريكي والمؤتمر اليهـودي العـالمي الذي عارضت اللجنة تأسيسه. كما رفضت برنامج بلتيمور عام 1942، وانسحبت عام 1943 من المؤتمر اليهودي الأمريكي الذي انعقد لمناقشة الأزمة في أوربا بعد أن صوَّتت ضد إقامة كومنولث يهودي في فلسطين، وأعربت عن أملها في تأمين مستقبل الجماعات اليهودية عن طريق الاعتراف العالمي من خلال الأمم المتحدة، بحقوق الإنسان وحمايتها.
وقد وجدت اللجنة أن نفوذها يتقلص داخل الجماعة اليهودية خلال الأربعينيات نتيجة مواقفها وكذلك نتيجة انتهاجها أسلوب العمل الهادئ البعيد عن الإثارة والضجة في مواجهة مصير الجماعات اليهودية في ألمانيا وأوربا في ظل السيطرة النازية. وعلى عكس المؤتمر اليهودي الأمريكي، رفضت اللجنة القيام بحملة مناهضة للنازية واسعة النطاق داخل الولايات المتحدة كما رفضت عقب صعود النازية إلى ألمانيا تنظيم حظر تجاري ضد ألمانيا بدعوى أن ذلك قد يهدد وضع يهود ألمانيا.
ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية، غيرت اللجنة اليهودية الأمريكية موقفها من التعاون مع الصهيونية إلى تأييدها تماماً والعمل من أجلها بشكل علني. فمن ناحية، رأت أن المسألة اليهودية لن تُحل إلا عن طريق إقامة الدولة الصهيونية، ومن ناحية أخرى أصبح إقامة كيان صهيوني يمثل قاعدة للمصالح الرأسمالية والإمبريالية الغربية في تلك المنطقة الحيوية من المشرق العربي يحظى بتأييد الولايات المتحدة مركز الثقل الإمبريالي الجديد بعد الحرب، أي أن تأييد اللجنة للمشروع الصهيوني وإسرائيل كان من منطلق الانتماء الأمريكي بالدرجة الأولى وهو يندرج تحت ما نصفه بالصهيونية التوطينية. ولذلك، وبرغم تأييد اللجنة قرار التقسيم عام 1947، وتشجيعها الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ومساندتها عمليات الدعاية الصهيونية، وعملها منذ عام 1948 على كَسْب الدعم المادي والدبلوماسي الأمريكي لإسرائيل، إلا أنها رفضت دعوى بن جوريون بضرورة هجرة الشباب اليهودي الأمريكي إلى إسرائيل. وقد أكدت اللجنة التمييز بين مصالح إسرائيل ومصالح الجماعات اليهودية في العالم، وأصرت على ضرورة وضع أُسس للعلاقة بين الطرفين. ومن هنا، صَدَر عام 1950 التصريح المشترك لبن جوريون والصناعي الأمريكي جاكوب بلاو ستاين رئيس اللجنة اليهودية الأمريكية (1949 ـ 1954) والذي أكد أن إسرائيل تمثل مواطنيها فقط وتنطق باسمهم وحدهم. كما انسحبت اللجنة عام 1952 مع عصبة مناهضة الافتراء من الصندوق اليهودي الموحَّد بسبب معارضتها تخصيص قدر كبير من المساعدة لإسرائيل. أما بعد حرب 1967، فقد زاد نشاط التيار المناصر لإسرائيل بشكل حاد داخل اللجنة اليهودية الأمريكية، وهو تحوُّل طرأ على أغلب المنظمات اليهودية الأمريكية. ورغم أن اللجنة ليست جماعة ضغط (لوبي) مسجلة رسمياً إلا أنها تقوم بالضغط لصالح إسرائيل عن طريق العمل الهادئ والاتصال الفعال بالشخصيات البارزة والمجموعات المهمة في المجتمع الأمريكي. وتعتمد في فعالية أساليبها على ثقل ونفوذ أعضائها، فرغم أن اللجنة تُعَد منظمة صغيرة نسبياً (50 ألف عضو) إلا أنها لا تزال منظمة «نخبة» كما أنها قريبة من دهاليز القوة بحكم ارتباطات قيادتها ووضعها الطبقي. ومن هنا، فهي تركِّز مجال نشاطها داخل الذراع التنفيذي للدولة، وخصوصاً البيت الأبيض ووزارة الخارجية، في حين تترك الكونجرس للجنة الإسرائيلية الأمريكية للشئون العامة (إيباك) فيما يُعَدُّ تقسيماً غير رسمي للعمل بين المنظمتين. ويُعَد هذا أحد الأسباب التي حالت دون انضمام اللجنة إلى مؤتمر رؤساء كبرى المنظمات اليهودية الأمريكية حيث بقيت في وضع مراقب فقط حتى لا تتخلى عن حرية العمل التي منحتها لها علاقتها بالفرع التنفيذي.
ويتبين بأس اللجنة اليهودية الأمريكية من خلال اجتماعاتها السنوية التي تحضرها شخصيات أمريكية ويهودية وإسرائيلية بارزة، من بينهم رؤساء أمريكيون سابقون ووزراء وأعضاء في الكونجرس. وتحدد اللجنة خلال هذا الاجتماع برامجها وقراراتها السياسية التي توزعها على رجال السياسة ووسائل الإعلام والمنظمات الأخرى.
وتُعتبَر اللجنة خزاناً فكرياً (بوتقة تفكير) للنشاط المناصر لإسرائيل حيث تقوم بإعداد الدراسات وإجراء استطلاعات الرأي العام بشأن عديد من الموضوعات وخصوصاً معاداة اليهود، وكذلك لتبيُّن اتجاهات الرأي العام الأمريكي خلال الأزمات أو القضايا الخلافية التي تمس إسرائيل مثل حرب لبنان والانتفاضة وبيع الأسلحة لدول عربية. وللجمعية شبكة واسعة من المجلات والمنشورات والمذكرات من أهمها مجلة كومنتري Commentary (تعليق) وهي أشهر دورياتها و برزنت تنس Present Tense (الزمن المضارع) وهي مجلة تُصدر كتاباً سنوياً يُسمَّى أمريكان جويش يير بوك American Jewish Year Book (الكتاب السنوي اليهودي الأمريكي) يُعتبَر مرجعاً جامعاً عن حياة الجماعة اليهودية في أمريكا الشمالية. ذلك بالإضافة إلى المنشورات والمذكرات المرتبطة بمناسبات محدَّدة التي تُصدرها دوائر اللجنة وأقسامها المختلفة والتي تقدم موقف اللجنة إزاء الأحداث والقضايا الجارية ويتم توزيع بعضها على وسائل الإعلام وعلى السياسيين والمنظمات التي تمثل الأقليات والمجموعات النسائية وعلى نقابات العمال والكنائس وأعضاء ومناصري اللجنة اليهودية الأمريكي.
ويتبيَّن من مجلات ومطبوعات اللجنة مواقفها المتشددة إزاء قضايا الشرق الأوسط. فمجلة كومنتري التي كانت أميل إلى الليبرالية، وتُعَد الآن منبراً للمحافظة الجديدة في الولايات المتحدة، تدعو على صفحاتها إلى ضرورة التدخل العسكري الأمريكي في الخليج كحل لأزمة الطاقة وإلى ضرورة استناد الإستراتيجية الإسرائيلية إلى أسلحة نووية. كما أنها تهاجم الأفراد والمنظمات اليهـودية التي تنتقـد إسـرائيل مـثل بريرا والأصدقاء الأمريكيين للسلام. وأيَّدت اللجنة بحماس الاجتياح الإسرائيلي للبنان. كما تهاجم اللجنة المقاطعة العربية وتُنبِّه إلى خطورتها الاقتصادية، وتهاجم كذلك صفقات السلاح مع الدول العربية، مثل صفقة طائرات الأواكس إلى السعودية (1981). وتُقدِّم كثير من منشورات ومذكرات اللجنة المواقف الرسمية للحكومة الإسرائيلية تجاه القضايا الخاصة بالشرق الأوسط.
إلا أن ذلك لا يعني غياب التوتر والخلاف بين اللجنة اليهودية الأمريكية وغيرها من المنظمات اليهودية من جانب، وإسرائيل من جانب آخر، وخصوصاً خلال حكم الليكود حيث تسببت بعض سياسات الحكومة الإسرائيلية في إحراج أعضاء الجماعة اليهودية وفي إثارة استيائهم، مثل: مذابح صبرا وشتيلا خلال حرب لبنان، وقضية الجاسوس بولارد التي أثارت مسألة ازدواج ولاء اليهود الأمريكيين، وتورُّط إسرائيل في فضيحة إيران كونترا وأسلوب معالجتها للانتفاضة الفلسطينية وقضايا السلاح. وكانت اللجنة قد أصدرت عام 1980 وثيقة تنتقد سياسة الاستيطان الإسرائيلية في الضـفة الغـربية وغـزة وتحذِّر من آثار تلك السياسة على صورة إسرائيل.
كذلك قامت اللجنة اليهودية (التي تتبع المؤسسة القومية للعلاقات الإنسانية) برعاية دراسات علمية واجتماعية مهمة خارج البرامج الخاصة بإسرائيل، كما تشارك في الحوارات بين الأديان. كذلك ساهـمت في تأسـيس عــدد من المعـاهد ومراكــز الأبحــاث والدراسـات. واللجنة اليهودية الأمريكية منظمة معفاة من الضرائب ولها مكاتب في كلٍّ من إسرائيل وفرنسا والبرازيل والمكسيك.
المؤتمـر اليهــودي الأمريكـي
American Jewish Congress
منظمة يهودية أمريكية انبثقت عن المؤتمر اليهودي الأمريكي الأول الذي انعقد في فلادلفيا عام 1918 بهدف حماية الحقوق الدينية والمـدنية للجـماعات اليهـودية داخل الولايات المتحدة وخارجها، ومحاربة كل أشكال التمييز ضدهم، وكذلك مساندة إقامة وطن قومي يهودي في فلسطين. وتعود فكرة تأسيس المؤتمر إلى عام 1915 حينما تزعَّم لويس برانديز وستيفن وايز وغيرهما من اليهود الأمريكيين الصهاينة أو المتعاطفين مع الصهيونية الدعوة إلى تشكيل مؤتمر يهودي أمريكي ليكون هيئة مظلِّية ذات طابع ديموقراطي وقومي تتألف من المنظمات اليهودية القائمة وليكون بديلاً عن اللجنة اليهودية الأمريكية التي كانت موضع انتقاد بسبب هيكلها وسياستها النخبوية المناهضة للديموقراطية وكذلك بسبب رفضها للصهيونية. وقد أيَّد المؤتمر فكرة أن يقوم المؤتمر اليهودي الأمريكي بتأسيس المنظمات الصهيونية الأمريكية واليهودية المتعاطفة معها والتي كانت تمثل جماهير المهاجرين اليهود القادمين من شرق أوربا والمتأثرين بالصهيونية وبالمقولات الخاصة بالشعب اليهودي والقومية اليهودية، وذلك في حين عارضت هذه الفكرة مجموعة أخرى من المنظمات اليهودية وعلى رأسها اللجنة اليهودية الأمريكية التي كانت تمثل البورجوازية اليهودية الأمريكية المندمجة ذات الأصول الألمانية. ولم يتم تشكيل المؤتمر إلا بعد أن تم الاتفاق على أن يكون ذلك بصفة مؤقتة ولهدف محدد هو إرسال وفد إلى مؤتمر فرساي للسلام يعمل على ضمان حقوق الجماعات اليهودية وحقوق غيرهم من الأقليات في معاهدات السلام، وكذلك المطالبة بالاعتراف بتطلعات الشعب اليهـودي وبمطــالبه التاريخية (فيما يختص بفلسطين) طبقاً لوعد بلفور، وتأكيد تحويل فلسطين إلى كومنولث يهودي، على أن يتم حل المؤتمر بعد ذلك. ولكن أنصار المؤتمر اليهودي الأمريكي نجحوا في تحويله إلى منظمة دائمة عام 1922 تحت زعامة الحاخام ستيفن وايز، ولكنها لم تتحوَّل قط إلى مظلة واسعة القاعدة بديلة عن اللجنة اليهودية الأمريكية كما كان يتطلع مؤسسوها.
وقد اكتسب المؤتمر اليهودي الأمريكي شعبية واسعة بين الجماهير اليهودية خلال الثلاثينيات والأربعينيات، حيث تزعَّم الحملات والتظاهرات المناهضة للنازية وشارك في تنظيم الحظر التجاري ضد البضائع والخدمات الألمانية. وقد هاجم المؤتمر الكتاب الأبيض البريطاني عام 1939، ولعب دوراً مهماً في تنظيم المؤتمر اليهودي الأمريكي عام 1943 الذي أقر مبدأ الكومنولث اليهودي في فلسطين كما تزعَّم الجهود الرامية إلى تأسيس المؤتمر اليهودي العالمي عام 1936 وعمل حتى عام 1948 على فرض القضية الصهيونية على الساحة الأمريكية. ولابد من الإشارة إلى الدور الذي لعبه ستيفن وايز في إفشال المقاطعة اليهودية المنظمة والتلقائية للبضائع الألمانية حتى يتم توقيع معاهدة الهعفراه بين الصهاينة الاستيطانيين والنظام النازي.
أما بعد الحرب العالمية الثانية وإقامة الدولة الصهيونية، فقد وجَّه المؤتمر اليهودي الأمريكي جُـل اهتمامه إلى قضايا الحقوق والحريات المدنية في الولايات المتحدة وأصبح أكثر انشغالاً بمشاكل فقراء اليهود السود وغير ذلك من القضايا الاجتماعية والسياسية التي تهم التيار الليبرالي الأمريكي. واستمر المؤتمر اليهودي الأمريكي في دفاعه عن إسرائيل وإن تضاءل هذا الالتزام مع انشغاله بالقضايا الطائفية والأهلية الأخرى. وينص برنامج المؤتمر لعام 1983 على ضرورة تنمية دَعْم الولايات المتحدة لاحتياجات إسرائيل الأمنية، والتصدي للدعاية العربية، وإظهار العرب باعتبارهم العقبة أمام السلام، وعلى ضرورة محاربة المقاطعة العربية ومحاربة معاداة اليهود، والعمل من أجل هجرة اليهود السوفييت. ويقوم المؤتمر اليهودي الأمريكي بالدعاية لإسرائيل في الأوساط السياسية والإعلامية، كما يؤكد أهمية إسرائيل بالنسبة إلى المصالح الأمريكية الإستراتيجية الحيوية. وللمؤتمر برامج لتشجيع السياحة في إسرائيل وترتيب سفر مسئولين أمريكيين إليها. كما أن من برامجه عَقْد ندوات حوار بين اليهود الأمريكيين والإسرائيليين تضم شخصيات سياسية وثقافية مهمة من كلا الطرفين. ويعمل المؤتمر اليهودي الأمريكي عن كثب مع مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكـبرى في إعـداد كـثير من مذكـرات الشرق الأوسط والبيانات العامة. كما يهاجم المؤتمر الأفراد والمجموعات اليهودية وغير اليهودية المتعاطفة مع القضية الفلسـطينية، مثل: مجلـس الكنائـس القومي، وناعوم تشومسكي، ولجنة الأصدقاء الأمريكيين للخدمات. كما يعمل على ترويج فكرة التهديد العربي وسيطرة النفط العربي على الولايات المتحدة، ويتعاون مع عصبة مناهضة الافتراء واللجنة اليهودية الأمريكية من أجل دَفْع الكونجرس للموافقة على التشريع المناهض للمقاطعة العربية. ومع ذلك، فإن المؤتمر اليهودي الأمريكي يُعَدُّ من المنظمات اليهودية الأمريكية الأقل ميلاً إلى تكييف مواقفها مع المصالح الإسرائيلية إذا ما تعارض ذلك مع مبادئها وسياستها الليبرالية. وقد رفض المؤتمر، مثلاً، التحالف مع اليمين المسيحي (الإنجيلي) الجديد في الولايات المتحدة الذي يؤيد إسرائيل ويدعمها وهو ما أقدمت عليه منظمات يهودية أخرى.
والمؤتمر اليهودي الأمريكي مسجل كمنظمة دينية معفاة من الضرائب، وهذا يعفيه من تقديم تقرير سنوي علني. وتصل عضويته إلى ما بين 40 و50 ألف عضو. وقد تحوَّل المؤتمر عام 1938 من عضوية المنظمات إلى العضوية الفردية. وهو من مؤسسي المجلس الاستشاري القومي لعلاقات الجماعة اليهودية وعضو فيه، ويعقـد مـؤتمراً كل عامين تحضره شخصيات إسرائيلية وأمريكية مرموقة. وتشمل منشوراته جودايزم Judaism (اليهودية) وهي مجلة فصلية تركز على الأبحاث العلمية اليهودية، و كونجرس منثلي Congress Monthly وهي المجلة الشهرية للمؤتمر التي تنشر مقالات عامة مع الاهتمام بالموضوعات الخاصة بإسرائيل ونشاط الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة.
بنــاي بريـت
B'nai B'rith
»بناي بريت» عبارة عبرية معناها «أبناء العهد». وبناي بريت واحدة من أقدم وأكبر المنظمات اليهودية، تأسَّست عام 1843 كهيئة يهودية أخوية على غرار الجمعيات الماسونية بهدف "توحيد الإسرائيليين للعمل من أجل تنمية مصالحهم العليا ومصالح الإنسانية"، وكان شعارها "المعاملة الطيبة والحب الأخوي والتوافق بين اليهود". وقد نمت بناي بريت نمواً كبيراً حتى أصبح لها فروع في 45 دولة تضم نحو 500 ألف عضو.
وقد اهتمت بناي بريت منذ تأسيسها بتقديم الخدمات الاجتماعية والإنسانية إلى الجماعات اليهودية داخل الولايات المتحدة وخارجها فأسَّست المستشفيات وملاجئ للأطفال والعجزة. كذلك عملت المنظمة على الدفاع عن حقوق الجماعات اليهودية في روسيا وشرق أوربا وعلى غوث ضحايا الكوارث والاضطرابات الطائفية والعرْقية من اليهود في هذه البلاد، كما قامت منذ عام 1868 بدعم نشاط الأليانس إسرائيليت يونيفرسل.
كذلك شاركت البناي بريت في عمليات استيعاب يهود شرق أوربا الذين تدفقوا على الولايات المتحدة ابتداءً من عام 1881 فوضعت برامج للغوث وأنشأت المدارس التجارية والحرفية كما أنشأت فصولاً لصبغ القادمين الجدد بالصبغة الأمريكية. انضمت بناي بريت إلى صندوق البارون دي هيرش في جهوده الرامية لإعادة توزيع المهاجرين الجدد على مختلف أنحاء الولايات المتحدة وتوطينهم في المستعمرات الزراعية، وذلك بعد أن اكتظت بهم المدن الأمريكية الرئيسية. كذلك نشطت بناي بريت في مجال محاربة معاداة اليهود. وفي سبيل ذلك، أسَّست عام 1913 عصبة مناهضة الافتراء التي عملت على محاربة أشكال التمييز الديني والعنصري كافة.
كما اهـتمت المنظمـة بتنظيم النسـاء والشـباب، فأسَّست نسـاء بناي بريت عام 1897 ومنظمة شباب بناي بريت عام 1924. وفي عام 1923، أنشأت المنظمة مؤسسة هليل للبناي بريت لتقديم خدمة دينية وثقافية واجتماعية للشباب اليهودي داخل الجامعات والكليات الأمريكية؛ كما أسَّست قسماً للتعليم اليهودي للكبار (عام 1948) يضم برامج لدراسة اليهودية وتعليم العبرية ويُصدر مجلة فصلية بعنوان جويش هيريتيج Jewish Heritage (التراث اليهودي)
ومع نمو المنظمة، تأسَّست لها فروع خارج الولايات المتحدة كان أولها في برلين عام 1882، ثم لحقتها فروع أخرى في أوربا وجنوب أفريقيا وأستراليا وغيرها. وفي عام 1888، تأسَّس أول محفل للبناي بريت في فلسطين كان أول سكرتير له إليعازر بن يهودا الذي ترجم دستور وطقوس بناي بريت إلى العبرية. وبعد تواجدها في فلسطين، بدأت بناي بريت في المساهمة في النشاط الاستيطاني اليهودي في البلاد، فأنشأت رياض الأطفال والمكتبات والمستشفيات وأقامت مستوطنة بالقرب من القدس وبيت ضيافة لاستقبال المهاجرين الجدد. وبعد إعلان وعد بلفور، بدأت المنظمة تتحرك من الناحية العملية (رغم عدم الارتباط الرسمي) باتجاه الأهداف الصهيونية، فشاركت في المؤتمر القومي حول فلسطين الذي دعت إليه المنظمة الصهيونية الأمريكية عام 1935. وفي عام 1943، كانت بناي بريت وراء قرار المؤتمر الأمريكي اليهودي الذي طالب بكومنولث يهودي في فلسطين. كما تعاونت مع المنظمة الصهيونية لتعبئة الرأي العام الأمريكي ضد الكتاب الأبيض البريطاني عام 1939 وضد فرض قيود على الهجرة اليهودية إلى فلسطين. كما قامت المنظمة بمعاونة الصندوق القومي اليهودي بشراء الأراضي وإقامة المستوطنات في فلسطين، وبدعم معهد التخنيون في حيفا. وفي عام 1947، طالبت بناي بريت الرئيس الأمريكي ترومان بتأييد توصية لجنة الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين بشأن التقسيم. أما بعد إعلان قيام إسرائيل، فقد ساعدتها المنظمة منذ السنوات الأولى وذلك بتقديم إمدادات طبية وملابس ومعدات والمساهمة في إنشاء المكتبات وتشجير الغابات وكذلك تشجيع السياحة لها، كما قامت بتجنيد العمال الفنيين من الولايات المتحدة وكندا لإسرائيل. ومنذ إصدار سندات إسرائيل وهي تساهم بنشاط بارز في توزيعها. وتقوم المنظمة بالضغط على صناع القرار في الولايات المتحدة لصالح إسرائيل. كما أنها تلعب دوراً أساسياً وخاصاً من خلال عصبة مناهضة الافتراء في خنق أية اتجاهات معادية للصهيونية عن طريق اتهامها بأنها معادية لليهود.
وأقام أحد كبار العاملين السابقين في البناي بريت دعوى ضد المنظمة عام 1968 متهماً إياها بأنها تقوم بأنشطة سياسة وشبه سياسية لصالح دولة أجنبية هي إسرائيل فيما يُعَد انتهاكاً للقوانين الفيدرالية الأمريكية الخاصة بالمؤسسات الخيرية المعفاة من الضرائب وبالقوانين الخاصة بالوكالة الأجنبية.
وقد لعبت بناي بريت دوراً أساسياً في تأسيس مؤتمر رؤساء كبرى المنظمات اليهودية الأمريكية عام 1954، كما كانت من مؤسسي المؤتمر العالمي للمنظمات اليهودية.
عصبة مناهضـة الافتراء التابعة لبناي بريت
Anti-Defamation League of B'nai B'rith
منظمة يهودية أمريكية تأسَّست عام 1913 لتكون ذراع بناي بريت في محاربة معاداة اليهود ومحاربة التمييز الديني والعنصري في الولايات المتحدة. وقد بذلت المنظمة جهودها منذ تأسيسها في إصدار التـشريعات التي تحـمي اليهـود من التمييز أو الإساءة إلى حقوقهم المدنية، سواء في مجالات التعليم أو العمل أو السكن، وعملت أيضاً على محاربة السخرية مما يُسمَّى «الشخصية اليهودية» في المسارح ووسائل الإعلام، وكذلك محاربة التنظيمات والحركات العنصرية في الولايات المتحدة. واهتمت المنظمة أيضاً بتنمية العلاقات اليهودية ـ المسيحية وتنمية العلاقات بين اليهود والسود، كما ساهمت في إصدار قانون الحقوق المدنية الأمريكي عام 1964.
وقد تبنَّت العصبة موقفاً مؤيداً للدولة الصهيونية منذ تأسيسها عام 1948 وأكدت ضرورة تعزيز موقف الولايات المتحدة المناصر لها وضرورة إبراز جوانب التماثل في القيم والنشأة بين البلدين. ومع ذلك، لم تتبن العصبة مفهوم الشعب اليهودي الذي هو جوهر العقيدة الصهيونية، كما لم تؤكد مركزية إسرائيل أو وجود رابطة عضوية بين اليهود الأمريكيين وإسرائيل، وظل دعمها لإسرائيل يتم في إطار التمييز بين الإسرائيليين والجماعة اليهودية في الولايات المتحدة مع تركيز أولويات العمل على محاربة العداء لليهود والتمييز وعلى ضمان المساواة للجميع في الولايات المتحدة. وفي عام 1952، انسحبت العصبة (مع اللجنة اليهودية الأمريكية) من الصندوق اليهودي الموحَّد، وذلك بسبب معارضتها تخصيص قدر كبير من المساعدة لإسرائيل. وقد تآكل هذا الموقف تدريجياً باتجاه الدفاع عن إسرائيل إلى أن أصبح هذا محور أعمالها ولب برامجها بعد حرب 1967، حتى أنه غلب على دورها الأصلي وهو محاربة العداء لليهود في الولايات المتحدة، بل أصبح التركيز الحالي هو الافتراض بأن العداء للصهيونية يعادل العداء لليهود، ومن ثم فإن أيَّ انتقاد لإسرائيل يُعَد نوعاً من العداء لليهود. ويتبين لنا هذا التحول من خلال مقارنة برنامج وأهداف العصبة عام 1966 وعام 1980 حيث لا يرد ذكر لإسرائيل في الأهداف المطروحة عام 1966 إلا في عبارة تتعلق بالمقاطعة العربية جاءت في الباب السادس "تأمين سلامة اليهود في الخارج". أما في أهداف عام 1980، فلإسرائيل باب منفصل يحتل المكان الثاني في سلسلة الأهداف بعد "محاربة العداء للسامية (اليهود).
ولا تكتفي العصبة بإلصاق تهمة معاداة اليهود بالعناصر والجماعات المناهضة لإسرائيل والصهيونية بل تلصقها أيضاً بالعناصر المؤيدة للعرب أو المتعاطفة مع الفلسطينيين. بل ذهبت العصبة إلى أبعد من ذلك خلال السبعينيات حينما وصفت عدم المبالاة بالقضايا والمشاكل التي تهم اليهود، وعدم التعاطف معها، "بصفة العداء الجديد للسامية [لليهود[".
ورغم أن أقصى اليمين الأمريكي هو العدو التقليدي للعصبة، إلا أنها أصبحت تهاجم اليسار الأمريكي أيضاً بسبب انتقاده لإسرائيل وتعاطفه مع القضية الفلسطينية، كما أصبحت تتهمه بالاشتراك مع أقصى اليمين في معاداة اليهود وإسرائيل وفي العداء ضد مصالح الغرب والولايات المتحدة وضد الأفكار والنظام الديموقراطي. كما اتجهت العصبة في الوقت نفسه إلى تأييد اليمين البروتستانتي (الإنجيلي) الجديد بسبب موقفه المدافع عن إسرائيل، وذلك برغم أن هذا الموقف يتناقض مع ارتباطها التقليدي بالتيار الليبرالي في حين أنها تتجه إلى مهاجمة قطاعات مهمة من مؤسسة الكنيسـة البروتـستانتية الأكـثر ليبرالية، مثل المجـلس القـومي للكنائس، لدفاعه عن الحقوق الفلسطينية. كذلك تهاجم العصبة المجموعات السياسية أو المنظمات الإنسانية أو مؤسسات الأبحاث والدراسات التي تناصر العرب أو تلك التي تؤيد سياسات لصالح دول عربية، مثل صفقات السلاح الأمريكية لبعض الدول العربية. وقد ذهب ناثان بيرلميوتر (المدير القومي للعصبة) إلى اعتبار بيع طائرات الأواكس للسعودية في الثمانينيات انعكاساً لمعاداة اليهود في الولايات المتحدة.
وتوجِّه العصبة هجومها أيضاً إلى المنظمات والأفراد اليهود من رافضي الصهيونية أو منتقدي إسرائيل وسياستها. ففي عام 1970 مثلاً، اتخذت العصبة موقفاً مناهضاً من الصحفي الإسرائيلي يوري أفنيري عند زيارته الولايات المتحدة بسبب موقفه المعارض للمفاهيم التقليدية للصهيونية واليهودية، كما حذَّرت المنظمات اليهودية والمجموعات الطلابية اليهودية في الجامعات من التعامل معه أو دعم نشاطه خلال وجوده في البلاد. كما تعمل العصبة على التصدي للمواد الإعلامية أو الأعمال الفنية السـينمائية التي قد تُسـيء إلى إسرائيل. ففي عام 1983، على سبيل المثال، هاجمت العصبة فيلم كوستا جافراس «حنه ك.» الذي يعالج القضية الفلسطينية، كما هاجمت الفيلم الوثائقي «نساء محاصرات» الذي يتناول حياة نساء فلسطينيات في مخيمات اللاجئين. بل إنها، في بعض الأحيان، تهاجم بعض الأفلام الأمريكية (مثل «اختيار صوفي») لأنه يحيد عما تتصور أنه الصورة الدقيقة لليهود.
وتعمل العصبة على تبرير وتوضيح السياسات الإسرائيلية التي قد تثير الجدل بين الرأي العام الأمريكي مثل حرب لبنان (1982) وإبراز أن هذه السياسات لا تخدم صالح إسرائيل وحسب وإنما تخدم أيضاً المصالح الأمريكية في نهاية الأمر. ومع هذا، تقوم الرابطة أحياناً بتوجيه النقد إلى الدولة الصهيونية حينما تسبب الحرج للجماعة اليهودية في الولايات المتحدة. وفي عام 1977 مثلاً، انتقـدت الرابطـة سـياسة الاستيطان الإسرائيلية حيث قال رئيسها آنذاك: "إن إعلان حكومة الليكود عن إقامة مستوطنات جديدة يمكن أن يبعد الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة عن الجماهير، وبذلك يضعها في وضع يلحق الضرر بقدرتها على التأثير في الإدارة الأمريكية".
ولتحقيق أغراضها، تقوم العصبة بمراقبة ورَصْد الأفراد والجمـاعات والمنظـمات المعـادية لليهود والمعادية لإسرائيل والصهيونية، كما تقوم بجَمْع البيانات والمعلومات عنهم ومراقبة جميع النشاطات المتصلة بإسرائيل والشرق الأوسط في الولايات المتحدة من خلال مكاتبها المنتشرة في جميع أنحاء البلاد. وتقوم بتزويد جهاز الاستخبارات الإسرائيلية بنتائج عمليات المراقبة عن طريق المستشارين والسفارة الإسرائيلية، وكذلك الاستخبارات الأمريكية عن طريق مكتب التحقيقيات الفدرالية (اف. بي. آي).
ومنظمة عصبة مناهضة الافتراء مسجلة كمنظمة دينية، وهذا يعفيها من تقـديم تقارير سـنوية علنية كما ينـص القانون الأمريكي. وهي، كذلك، معفاة من الضرائب. وتعيِّن بناي بريت أغلب أعضاء الأجهزة القيادية بها، كما تعيِّن أعضاء مكاتبها المنتشرة في جـميع أنحـاء الولايات المتحدة، ولها فرع في كلٍّ من القدس وباريس.
نوادي هليل للطلبة (مؤسسات هليل(
Hillel Foundutions
تضم منظمة هليل التابعة لجمعية البناي بريت (أبناء العهد) المراكز والنـوادي الطـلابية التي توجـد في معظم جامعات الولايات المتحدة. وعادةً ما يدير هذه النوادي مدير يتقاضى راتباً ويساعده بعض الطلبة. وفكرة نوادي هليل هي أساساً تقليد لفكرة مماثلة توصَّل إليها واعظ بروتستانتي رأى ضرورة الوصول إلى الشباب المسيحي فكوَّن هذه النوادي. ثم رأى الدكتور تشوتسي بولدوين (وهو أستاذ دراسات إنجيلية مسيحي) أن الشباب اليهودي هو الآخر منصرف عن عقيدته، فبدأ بالاتصال بالمؤسسة الحاخامية وحثها على ضرورة تأسيس نوادي هليل. وتنظم نوادي هليل برامج ثقافية واجتماعية ودينية وحواراً دينياً. ومثل معظم المنظمات اليهودية، أصبحت نوادي هليل واجهات يهودية للمنظمة الصهيونية، ولذا نجد أنها تركز على تذكير الرأي العام الأمريكي بالإبادة النازية لليهود وعلى تشجيع الهجرة والدفاع عن وجهة النظر الإسرائيلية.
مؤتمــــر رؤساء المنظمــات اليهــودية الأمريكيــة الكـــبرى
Conference of Presidents of Major American Organizations
منظمة يهودية أمريكية تُعرَف عادةً باسم «مؤتمر الرؤساء». ومؤتمر الرؤساء هذا هيئة تمثيلية لـ 37 منظمة يهودية أمريكية تمثل وجهة نظر هذه المنظمات بشأن المسائل الخاصة بإسرائيل وبغيرها من القضايا الدولية. وهي تنشط داخل الأوساط السياسة الأمريكية من أجل تحقيق الأهداف الصهيونية.
نشأت هذه المنظمة بشكل غير رسمي (عام 1955) مع انعقاد مؤتمر ضم رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى من أجل فحص تلك الموضوعات التي تتعلق بإسرائيل وكذلك تلك القضايا التي تحظى باهتمام خاص بين أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة. وفي عام 1960، قرَّر المؤتمر تغيير طبيعته غير الدائمة والدورية وأن ينظم نفسه على أُسس مستمرة ومستقرة وأن يُعطي لإجراءاته صفة الرسمية. ومن ثم، تم تكوين جهاز إداري كما أدرجت له ميزانية ثابتة. وفي عام 1966، قرَّر الأعضاء أن يكوِّنوا هيئة تمثيلية للمنظمات عوضاً عن هيئة لرؤسائها، فكان ناحوم جولدمان أول رئيس لها.
ورغم أن مؤتمر الرؤساء لا يشكل جماعة ضغط من الناحيتين القانونية والعملية، إلا أنه يمكن اعتباره بمنزلة ذراع دبلوماسي للوبي الصهيوني الرسمي (اللجنة الإسرائيلية الأمريكية للشئون العامة) في الولايات المتحدة. ويعمل المؤتمر على تحقيق عدد من المهام والوظائف الأساسية في هذا الإطار.
1 ـ التنسيق بين مواقف أعضاء الجماعة اليهودية في العالم وبشكل خاص في إسرائيل (التي تحظى بالأولوية المطلقة في قائمة أعمال المؤتمر)، وبذلك فإنها توفر منبراً داخلياً لأعضاء الجماعة لمعالجة هذه القضايا.
2 ـ التخلص من الخلافات بين أعضاء الجماعة تجاه مواقفهم من إسرائيل وتجاه غيرها من القضايا الدولية بشكل هادئ يسعى إلى تحقيق الإجماع فيما بينهم، وخصوصاً أن شرعية ونفوذ المؤتمر نابعة من كونه ناطقاً باسم الجماعة اليهودية وممثلاً سياسياً لها، وهذه الوظيفة لها أهمية عندما يحدث اختلاف بين المنظمات اليهودية الأمريكية حول الموقف من بعض السياسات الإسرائيلية (وخصوصاً تلك التي حدثت تحت قيادة الليكود، مثل حرب لبنان). ويحرص المؤتمر على عدم الإفصاح العلني عن أيِّ خلاف أو انشقاق بل يعتبر ذلك من علامات الخيانة. والواقع أن هيكيلية المؤتمر تُسهِّل هذا النهج حيث تتكون عضويته من الزعامات الراسخة والمعروفة للمنظمات التي تشترك في المصالح بشكل عام، وبالتالي ينشأ الإجماع. وقد وُجِّهت انتقادات إلى المؤتمر باعتباره يعمل على خَنْق آراء المعارضة داخل صفوف الجماعة، وخصوصاً تلك التي تنتقد السياسات الإسرائيلية. ومن المفارقات ذات الدلالة المهمة أن ألكسندر شندلر (الرئيس السابق للمؤتمر الأمريكي لرؤساء المنظمات اليهودية الكبرى)، الذي كان من أشد مؤيدي الدولة الصهيونية وممن يرفضون أي احتجاج يهودي علني ضدها، تحوَّل إلى منتقد علني لإسرائيل في فترة حكم الليكود ودعا إلى تبنِّي هوية مستقلة عن هوية إسرائيل، كما دعا إلى الحرص على ألا تتحول الحركة الصهيونية إلى تابع للكنيست.
3 ـ يقوم المؤتمر بتفسير موقف الجماعة اليهودية وتبليغه إلى كلٍّ من الحكومة الأمريكية وصانعي السياسة ووسائل الإعلام والحكومة الإسرائيلية والدول والهيئات الدولية الأخرى.
4 ـ يقوم المؤتمر بمحاولة التأثير في موقف الحكومة الأمريكية والجمهور الأمريكي وتبليغ هذا الموقف للحكومة الإسرائيلية.
5 ـ يقـوم المؤتمر بـدور المفسِّر للآراء الإسـرائيلية لدى الحكومة الأمريكية.
ويتبنَّى المؤتمر مـوقف الحـكومة الإسـرائيلية تجـاه القضــايا الكبرى، ويركز على نشر وجهة نظر مفادها أن أمن وقوة إسرائيل يمثل مصلحـة كبرى للـسياسة والإستراتيجية الأمريكية. ولإنجاز ذلك، يقوم المؤتمر بنشر الوثائق وعَقْد المؤتمرات المؤيدة لإسرائيل وعقد لقاءات خاصة مع القادة السياسيين الأمريكيين والعالميين ومع قادة الجماعات اليهودية في الدول الأخرى، وذلك بالإضافة إلى الاحتفاظ بعلاقات وثيقة مع رجال الإعلام الأمريكيين. كما يسعى المؤتمر، في بعض القضايا، إلى الضغط على الكونجرس الأمريكي عن طريق استنفار اليهود الأمريكيين (من خلال المنظمات المشتركة في المؤتمر) لكي يقوموا بإرسال الخطابات والبرقيات إلى نوابهم في مجلسي النواب والشيوخ بحيث يطلب منهم اتخاذ مواقف تتفق مع المصلحة الإسرائيلية. كذلك يشرف المؤتمر على شن الحملات الإعلامية والتحضير للتظاهرات، كما يشرف على عقد المؤتمرات الصحفية.
وفي حين تُركِّز اللجنة الإسرائيلية الأمريكية للشئون العامة على الكونجرس، يُركِّز المؤتمر على الفرع التنفيذي بما في ذلك الرئيس الأمريكي.
ويتم اختيار رئيس للمؤتمر كل عامين تقريباً، وعادةً ما يكون المرشح لهذا المنصب رئيساً لإحدى المجموعات المنتمية إلى المؤتمر. ويجري تمويل مؤتمر الرؤساء من الرسوم والتبرعات التي يدفعها أعضاء الفئات المنتمية إليه. وقد بلغت ميزانيته عام 1982 نحو 350 ألف دولار.
والمنظمات المنتمية للمؤتمر الأمريكي لرؤساء المنظمات اليهودية الكبرى هي:
المؤتمر اليهودي الأمريكي ـ ومجلس الاتحاد الأمريكي لعمال إسرائيل ـ واللجنة الإسرائيلية الأمريكية للشئون العامة ـ والاتحاد الصهيوني الأمريكي ـ وبناي بريت ـ وهاداساه ـ ولجنة العمال اليهودية ـ وقدامى المحاربين اليهود ـ والمنظمة الصهيونية للعمال في أمريكا ـ ومنظمة مزراحي الأمريكية ـ واللجنة الاستشارية للعلاقات الطائفية القومية ـ واتحاد الطوائف العبرية الأمريكية ـ واتحاد الطوائف اليهودية الأرثوذكسية، والمعبد اليهودي المتحد في أمريكا، والمنظمة الصهيونية في أمريكا، ونساء مزراحي الأمريكيات، وعصبة مناهضة الافتراء، ونساء بناي بريت، وبني تسيون، والمؤتمر المركزي للحاخاميين الأمريكيين، ونساء إيموناه في أمريكا، وصهيونيو حيروت، والصندوق القومي اليهودي، والمؤسسة اليهودية لإعادة الإعمار، والاتحاد الصهيوني للعمال، واللجنة القومية لعمال إسرائيل، والمجلس القومي للنساء اليهوديات، والمجلـس القـومي لإسـرائيل الفتاة، والاتحاد القومي لأخوات الهيكل، ومجلس الإنعاش اليهودي القومي، ومجلس الشباب اليهودي الأمريكي الشمالي، والنساء الرائدات، والجمعية العامة الحاخامية، والمجلس الحاخامي الأمريكي، ومنظمة النساء الأمريكيات لإعادة التأهيل من خلال التدريب، والعصبة النسائية اليهودية المحافظة، ودائرة العمال، والمنظمة الصهيونية العالمية ـ القسم الأمريكي.
اللجنـة الإسـرائيلية الأمريكية للشـئون العـامة (ايباك)
American Israel Public Affaris Committee (AIPAC)
"اللجنة الإسرائيلية الأمريكية للشئون العامة» (بالإنجليزية: أمريكان إسرائيل بابليك ريليشنز كوميتيAmerican Israel Public Relations Committee واختصارها «ايباك AIPAC») هي منظمة أمريكية يهودية تأسَّست عام 1954 بغرض التأثير في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط بحيث تتفق هذه السياسة مع المصالح الإسرائيلية والصهيونية. وهذه المنظمة مسجلة كجماعة ضغط (لوبي) رسمية للقيام بمهمة الدعاية لدعم إسرائيل باسم الطائفة اليهودية الأمريكية، وهي في تقدير البعض من أقوى جماعات الضغط في الولايات المتحدة ومن أكثرها تأثيراً على الإطلاق.
وتعود جذور هذه المنظمة إلى عام 1951 حينما قرر أشعياء كفن، عضو المجلس الصهيوني الأمريكي، بعد التشاور مع الزعـماء الإسـرائيليين آنذاك (أبا إيبان وموشيه شـاريت وتيدي كولك)، تكوين لوبي صهيوني هدفه المباشر (آنذاك) زيادة المساعدة الاقتصادية الأمريكية لإسرائيل. وفي عام 1954، تكوَّنت اللجنة الصهيونية الأمريكية للشئون العامة ثم تغيَّر اسمها عام 1959 إلى «اللجنة الإسرائيلية الأمريكية للشئون العامة» لكي تعمل من أجل سياسات أمريكية أكثر تأثيراً في الشرق الأدنى لتحقيق تسوية سلمية للصراع العربي الإسرائيلي. وقد سُجلت هذه اللجنة في الكونجرس الأمريكي وفقاً لقوانين جماعات الضغط (اللوبي) المحلية، وهي القوانين التي تسمح للجماعات المختلفة التي يكون لها وجهات نظر أو مصالح معيَّنة، أن تعرض وجهة نظرها على أعضاء الكونجرس ولجانه.
وتقود اللجنة الإسرائيلية الأمريكية للشئون العامة حملات الضغط من أجل دَعْم مواقف الحكومة الإسرائيلية وتعمل على تقوية التحالف الإسرائيلي الأمريكي ومَنْع قيام تحالفات بين الولايات المتحدة والعالم العربي يمكن أن تضر بإسرائيل. وهي تعمل أيضاً على تأكيد أهمية إسرائيل الإستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة والغرب، وعلى تأكيد قدرتها التي لا تُضاهَى على حماية المصالح الأمريكية سواء في ردع التوسع السوفيتي (فيما سبق) أو في التصدي للإرهاب الدولي أو في مواجهة أية أشكال جديدة من الأخطار التي قد تظهر في هذه المنطقة الحيوية من الشرق الأوسط بعد سقوط المعسكر الاشتراكي. كما تؤكد أن إسرائيل مثل الولايات المتحدة دولة ديموقراطية، وبالتالي فهي موضع ثقة في حين أن جيرانها العـرب شـعوب متخـلفة ومسـتبدة تحكـمها نظم غير مستقرة. وكذلك، فإنها تؤيد التشريعات التي تعطي الولايات المتحدة (بمقتضاها) المنح والمعونات لإسرائيل وتضغط من أجل زيادة هذه المعونات بشكل مطرد ومن أجل تحويل القروض والهبات وكذلك من أجل رفع العلاقات الاقتصادية بين إسرائيل والولايات المتحدة إلى مسـتوى الندية وإحـلال التعـامل التجاري محل المساعدة. ومن جهة أخرى، فإنها تعارض التشريعات التي يتم بمقتضاها توجيه المساعدات أو المنح الأمريكية إلى الدول المعارضة لمصالح الدولة الصهيونية. كما أنها تقود الحملات ضد صفقات السلاح مع الدول العربية وضد المقاطعة العربية وضد منظمة التحرير الفلسطينية.
وبالنسبة لآليات عملها داخل الكونجرس، تقدم الايباك تقريراً لكل عضو بالكونجرس عن كيفية التصويت لصالح إسرائيل وتزود الأعضاء بالبيانات والوثائق الخاصة بالمواضيع التي تُعرَض على الكونجرس والتي تهم إسرائيل وتدعم وجهة نظرها، كما أنها تعزز ذلك بالمكالمات الهاتفية والزيارات الشخصية والتودد إلى معاوني أعضاء الكونجرس الذين يقومون بدور مهم وراء الستار من أجل سياسات معيَّنة ومن أجل عَرْض مواقف خاصة وإجراء اتصالات لممثليهم. وتركِّز الايباك أيضاً على الأعضاء الذين ينتمون إلى اللجان الرئيسية للمساعدات الخارجية أو السياسية، وعلى غيرهم من الأعضاء النافذين. وهي تحتفظ بقائمة أسماء أعضاء مجلس الشيوخ والنواب الملتزمين بالتصويت وفقاً لتعليمات اللوبي الصهيوني حيث ينال هؤلاء الثناء الفوري في منشورات اللوبي كما يتم تكريمهم في المؤتمرات وفي حفلات العشاء وتُنشَر عنهم التقارير الإيجابية على ناخبيهم في ولاياتهم. وتساهم اللجنة بشكل غير مباشر في تمويل حملاتهم الانتخابية من خلال لجان العمل السياسي المؤيدة لإسرائيل. وقد برزت لجان العمل هذه ـ كقوة سياسية مهمة في الولايات المتحدة ـ في أعقاب إصلاحات قانون الانتخاب الفدرالي عامي 1974 و1976 والذي حدد مبلغ التبرعات الفردية للمرشحين السياسيين بألف دولار. وتستطيع مجموعات الأفراد تكوين لجنة عمل سياسي لها الحق في التبرع بمبلغ 5000 دولار لكل مرشح في انتخابات واحدة.
ولذلك، أخذ العديد من موظفي الايباك وأنصارهم في تأسيس عدد كبير من لجان العمل السياسي تشكَّل أغلبها عام 1980. وتتراوح التقديرات حول عدد اللجان المؤيدة لإسرائيل ما بين 33 و54 لجنة، من أهمها اللجنة القومية للعمل السياسي. ولا تحمل هذه اللجان ما يشير من قريب أو بعيد إلى إسرائيل أو إلى الشرق الأوسط أو السياسة الخارجية. والواقع أن ذلك يعكس حرص قادة الجماعة اليهودية على عدم إثارة التلميحات إلى «المال اليهودي» أو الاتهامات بشراء السياسيين (أنفقت هذه اللجان خلال انتخابات عام 1984 نحو 4.25 مليون دولار على مرشحي الكونجرس). وتقوم الايباك من خلال هذه اللجان أيضاً بالضغط على أعضاء الكونجرس الذين لا يؤيدون إسرائيل أو يتعاطفون مع القضايا العربية، وهي تعمل على إحباط فرصهم في الانتخابات. وقد نجحت الايباك، بالفعل، في إسقاط بعض أعضاء الكونجرس مثل شارلز بيرسي الذي عارض صفقة بيع طائرات لإسرائيل عام 1982 وبول فندلي الذي التقى بياسر عرفات وتبنَّى موقفاً متعاطفاً مع القضية الفلسطينية، وغيرهما.
وبالإضافة إلى ذلك، تقدِّم الايباك مساعدات أخرى لأعضاء الكونجرس (مثل كتابة الخطابات الرسمية)، كما أنها تقوم بإجراء بحوث لهم. وتُعتبَر النشرة الدورية التي تصدرها اللجنة، نير إيست ربورت Near East Report (تقرير الشرق الأدنى) من أكثر النشرات نفوذاً بين أعضاء الكونجرس فيما يتعلق بالشرق الأوسط.
وتقوم الايباك بإعلام أعضاء القطاع السياسي (النشيط) في الجماعة اليهودية عن الموضوعات المطروحة أمام الكونجرس، وذلك لكي يقوم كل منهم بالكتابة إلى هذا العضو والتبرع في حملته الانتخابية إذا أثبت سلوكاً موالياً لإسرائيل. وتنسق الايباك حملات الضغط مع اللجنة اليهودية الأمريكية وعصبة مناهضة الافتراء والمؤتمر اليهودي الأمريكي، بالإضافة إلى المؤتمر الأمريكي لرؤساء المنظمات اليهودية الكبرى. ولكن هناك على ما يبدو قَدْر من التوتر والخـلافات والمنافسـة بين المنظـمات اليهـودية الثلاث الأولى من ناحية، والايباك من ناحية أخرى، حول تحديد المهام ورسم السياسات. فقد اتهمت هذه المنظمات منظمة الايباك في خطاب نُشر على صفحات النيويورك تايمز بتبنِّي مواقف لا تتفق وإجماع الجماعة اليهودية المنظمة، وطالبوا بضرورة تشاور الايباك معهم قبل الإعلان عن مواقفها بشأن القضايا العامة. كما تردَّد أن المنظمات الثـلاث تتجـه نحـو تكـوين مجموعة ضغط أخرى (ولكن ذلك تم نفيه). وقد تعرَّضت الايباك كذلك للهجوم في بعض وسائل الإعلام الأمريكية بسبب نفوذها السياسي المتزايد سواء في الانتخابات التشريعية الأمريكية أو فيما يتعلق بالسياسة الخارجية الأمريكية الخاصة بالشرق الأوسط. وقد أدَّى هذا الهجوم إلى استقالة المدير التشريعي للايباك وكذلك جميع هيئة تحرير نير إيست ربورت، وربما يؤدي ذلك أيضاً إلى تحجيم نفوذها في المستقبل.
وتعقد الايباك مؤتمرات سنوية تجمع الأعضاء العاملين وقادة الجماعة وممثلي المجموعات المستهدفة وعشرات السياسيين وكبار الشخصيات الإسرائيلية والأمريكية، وتعرض من خلال المؤتمر مواقفها السياسية والأولويات الراهنة للعمل. وتبلغ ايباك برنامجها للسلطتين التشريعية والتنفيذية في الحكومة الأمريكية وللمؤتمرات السياسية (على المستوى القومي) للحزبين الجمهوري والديموقراطي التي تنعقد قبل انتخابات الرئاسة الأمريكية كل أربع سنوات حيث تحرص ايباك على أن يكون لها موقف محايد من الحزبين وذلك بهدف الحصول على تأييد أيٍّ منهما.
وقد وسعت الايباك مجال نشاطها خارج النطاق التشريعي التقليدي لمحاولة التأثير في المؤسسات والجماعات الأمريكية المتعاطفة مع القضية الفلسطينية مثل الطلبة والكنائس البروتستانتية الليبرالية والأقليات وخصوصاً السود. ففي حرم الجامعات أعدت الايباك الحلقات الدراسية الحرة بهدف تدريب وتنظيم الطلبة المناصرين لإسرائيل وتنسيق نشاطهم لمواجهة العناصر الجامعية المناهضة لإسرائيل أو المناصرة للفلسطينين، وذلك عن طريق نَعْتهم بالتطرف والراديكالية وبمناهضة الولايات المتحدة وكذلك عن طريق نَعْتهم بمعاداة اليهود واليهودية. كما أنشأت الايباك برنامج التقارب المسيحي اليهودي وتعمل على تحسين العلاقات وإيجاد أرض مشتركة مع منظمات السود ومع منظمات الأقليات الأخرى ممن تخشى الايباك من أنهم آخذون في الميل إلى معاداة إسرائيل نتيجة تحوُّلهم نحو العالم الثالث. ولمواجهة ذلك، تعمل الايباك على إظهار أن الأقليات مضطهدة في العالم العربي التي تحكمها نظم متخلفة ومستبدة، وعلى تأكيد أن السود لن يكسبوا الكثير من وراء إعطاء جهدهم ودعمهم لمساندة الفلسطينيين. وتنظر ايباك بقلق تجاه تزايد نشاط اللوبي العربي، وذلك من خلال مختلف أجهزته ومنظماته في الولايات المتحدة. ورغم أنها تسلِّم بعدم فعالية اللوبي العربي بسبب افتقاره للقدرات التنظيمية والقاعدة الشعبية والأصوات، إلا أنها عيَّنت عام 1982 موظفاً متفرغاً ليقوم بمهمة رصد وتحليل اللوبي العربي بصفة دائمة وتطوير سُبل مجابهته.
واللجنة الإسرائيلية الأمريكية للشئون العامة تضم في لجنتها التنفيذية رؤساء ثمان وثلاثين منظمة يهودية أمريكية كبرى ولها جهاز دائم للعمل. وقد بلغت ميزانيتها المعلنة عام 1980 مبلغ 1.3 مليون دولار لتمويل هذا الجهاز. ويجري تمويل الايباك عن طريق الرسوم التي يدفعها الأعضاء (44 ألف عضو) والهبات. وهي بوصفها لوبي يتعين عليها أن تقدم تقارير مالية فصلية كل ثلاثة أشهر إلى وزير الخارجية وإلى رئيس مجلس النواب. والمنصب الرئيسي داخل الايباك هو المدير التنفيذي، أما منصب رئيـس اللجنة فيشـغله في العـادة رجل ثري ذو نفوذ. كما أنه يحظى باحترام الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة وينتمي إلى إحدى مؤسساتها أو منظماتها المهمة.
عصبة الصداقة الإسرائيلية الأمريكـية
American-Israel Friendship League
منظمة أمريكية معفاة من الضرائب. تأسَّست عام 1971، وتعمل من أجل تعزيز العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل. وهي تضم مجموعة من الأمريكيين من ذوي المصالح والمعتقدات المتباينة وإن كانوا يشتركون في الإيمان بوجود مصالح وقيم مشتركة بين البلدين.
وتقوم المنظمة بالدعاية للدولة الصهيونية من خلال تنظيم الرحلات إلى إسرائيل، وإعداد برامج لتبادل الطلبة بين البلدين، وكذلك لتبادل الكُتَّاب والعلماء والفنانين والرياضيين ورعاية البرامج الثقافية عن إسرائيل في المدارس الأمريكية ولعقد المؤتمرات وإصدار وتوزيع النشرات التي تُبرز أوجه التماثل بين الولايات والمتحدة وإسرائيل، كما تعمل المنظمة على التقريب بين الجماعات اليهودية والجماعات غير اليهودية في المجمتع الأمريكي (مثل الأمريكيين ذوي الأصول الإسبانية والمؤسسة الدينية المسيحية) وكسب تأييدهم لإسرائيل.
الباب الرابع: الجـباية الصهيونية
جمع التبرعات (أو الجباية) الصهيونية
Zionist Fund-Raising
«جمع التبرعات» هو الترجمة العربية الحرفية والمباشرة لعبارة «فند ريزنج fund raising» الإنجليزية. ولأن هذه العملية ليست عملية محايدة أو بسيطة وإنما تتسم بالقسر والإكراه في بعض الأحيان، وبالغش والخداع (فيما يتعلق بالأهداف) في معظم الأحيان، فإننا نجد أن لفظ «جباية» قد يكون أقرب للدقة وأكثر تفسيرية. ومن هنا، فنحن في هذه الموسوعة نستخدم الاصطلاح الأول تارة والثاني تارة أخرى حسب ما يمليه السياق.
وقد اعتمدت الحركة الصهيونية منذ نشأتها على التبرعات التي تجمعها من أعضاء الجماعات اليهودية للعالم. وترى الأدبيات الصهيونية أن عمليات الجباية تقوِّي الروابط العاطفية بين إسرائيل واليهود الأمريكيين، ومن هنا فإن شعار النداء اليهودي الموحد الأكثر شهرة (نحن واحد) يحث اليهود على تأكيد تضامنهم بواسطة العطاء. فالتبرعات لا يُنظَر لها باعتبارها مجرد إحسان بل بوصفها "نوعاً من المشاركة في دولة إسرائيل، وخصوصاً من قبَل اليهود العلمانيين والمندمجين التي تمثل حملة النداء اليهودي الصلة الوحيدة بينهم وبين روحانية إسرائيل ومركزيتها" على حد تعبير إيرفينج بيرنشتاين نائب الرئيس التنفيذي للنداء اليهودي الموحَّد.
وهذا الخطاب الصهيوني المراوغ يخبىء داخله الكثير، ولذا فلنحاول فك شفرته. إن اليهودي العلماني المندمج هو اليهودي الذي يعيش في العالم الغربي، وخصوصاً في الولايات المتحدة، وهو يعيش سعيداً في وطنه لا يود الهجرة منه. ولكنه يتمتع بدخل مرتفع، ولابد من الاستفادة من هذا الوضع. ولذا، يَطرح الصهاينة شعار "نحن واحد"، ولكنه يُطرَح بحذر شديد وبكثير من التحفظات التي تجعله شعاراً رناناً دون محتوى. فالمطلوب من عضو الشعب اليهودي الواحد أن يُبقي الصلة «الروحانية» مع إسرائيل دون الهجرة إليها. وبهذه الطريقة، يستطيع اليهودي المندمج في الغرب أن يظل في وطنه الحقيقي ويشعر بالانتماء إليه وفي الوقت نفسه يُسمِّي نفسه صهيونياً، وبهذه الطريقة يمكن جَمْع التبرعات منه.
ولكن الكثير ممن يدفعون هذه التبرعات لا يفهمون المضمون السـياسي لتبرعـاتهم وإنما يدفعـون الأموال باعتبار أنها إحسان (صدقة)، أي عمل خيري، أو مساهمة في مشروع ثقافي وليس مساهمة في عملية استيطانية إحلالية. ويلعب الخطاب الصهيوني المراوغ دوراً أساسياً فـي ذلك، فما يهم الصهاينة هو تبرعات يهود العالم لا انتماؤهم أو إدراكهم السياسي. وقد ذكر ريتشارد كروسمان (الزعيم العمالي البريطاني) أن وايزمان لم يكن لليهود المندمجين سوى الاحتقار، ولكن كان لديه اسـتعداد دائم لجَمْـع أموالهم من أجل مشـروعـه الصهيوني.
ويدفع الكثيرون التبرعات خشية التشهير بهم من قبَل الحركة الصهيونية، وبسبب الإحساس بالذنب لأنهم لا يهاجرون إلى الوطن القومي (وهؤلاء هم الذين يُطلَق عليهم اصطلاح «يهود النفقة»).
ومهما كان الأمر، فإن التبرعات أصبحت القناة الوحيدة التي يعبِّر معظم اليهود عن علاقتهم بإسرائيل من خلالها. ولذلك، اقـترح أحـدهم تسـمية صهـاينة الخـارج (التوطينيين) «متبرعو صهيون».
ومع هذا، لوحظ مؤخراً أن عمليات الجباية تواجه مشكلة نضوب المصادر المالية فعلى سبيل المثال لوحظ أن حصيلة ما جمعه الصهاينة من تبرعات في الثلاثة شهور الأولى من عام 1995 لم يزد عن 143 ألف دولار (بالقياس إلى 2.5 مليون في الفترة نفسها عام 1994 و6.5 مليون عام 1993). وقد انخفضت التبرعات في الولايات المتحدة بحوالي 40%.
ولا يختلف الموقف كثيراً في بريطانيا وفرنسا وأمريكا اللاتينية للأسباب التالية:
1 ـ لعـل من أهـم الأسـباب ما يُسـمَّى «ظاهرة موت الشعب اليهودي»، أي تناقص أعداد أعضاء الجماعات اليهودية نتيجة انخفاض التكاثر الطبيعي بينهم وتَزايُد معدلات الاندماج، وهو ما يعني تناقص عدد المتبرعين.
2 ـ يساهم تزايُد الاندماج في انصراف أعضاء الجماعات اليهودية عن دفع التبرعات أو دفعها لمنظمات غير يهودية لأن المشروع الصهيوني يصبح شأناً لا علاقة له بهم.
3 ـ تركت مشاكل التضخم والكساد الاقتصادي أثراً سلبياً في المتبرعين اليهود.
4 ـ أدَّى التضخم إلى تزايد الاحتياجات الداخلية للجماعة اليهودية وخصوصاً في مجال الرعاية الصحية والتعليم وبيوت العجزة.
5 ـ مما زاد الوضع تفاقماً، سياسات حكومة ريجان التي قطعت العون عن البرامج الصحية والتعليمية للفقراء والأقليات. وقد ترك هذا أثراً سلبياً جداً في عمليات تمويل برامج الرفاه اليهودية في الولايات المتحدة إذ أصبحت في حاجة إلى اعتمادات أكبر تحتَّم استقطاعها من التبرعات التي تُجمَع (وتبلغ نسبة ما تنفقه الجماعات اليهودية على نفسها في الوقت الحاضر ثُلثي التبرعات التي تقوم بجَمْعها)
6 ـ لوحظ أن 1% من كبارالمتبرعين يدفعون 25% من كل التبرعات. وأن 10% من كبار المتبرعين يدفعون 80% منها، أي أن صغار المساهمين من الجماهير اليهودية لم يعودوا يتبرعون للدولة الصهيونية تقريباً. وقد لوحظ أن كبار المتبرعين هم عدة أفراد تم استئناسهم واستيعابهم، ولكن هذا يعني أيضاً أن المنظمات الصهيونية واليهودية أصبحت معتمدة عليهم تماماً لاستمرار بقائها، ومن ثم فإنها تواجه أزمات مالية حادة حينما يمتنعون لسبب أو آخر عن دَفْع تبرعاتهم. ومن الملاحَظ أن هـؤلاء المتبرعين من كبار السـن ومن الأجــيال القديمة، أي أنهم في الغالب ذوو خلفية أوربية، أو من أبناء المهاجرين، الأمر الذي يعني وجود رابطة عاطفية «بالوطن القديم» وبالهوية القديمة. ويترجم هذا نفسه إلى ارتباط بالمنظمات اليهودية والصهيونية باعتبارها منظمات تعبِّر عن هذه الهوية، وإلى تبرعات لها. هذا على عكس أبنائهم المتأمركين المندمجين الذين لا تربطهم رابطة قوية بالمؤسسات اليهودية، ومن ثم فإنهم لن يستمروا في التبرع للمنظمات اليهودية والصهيونية. وحيث إن كبار المتبرعين مسنون، فإن رحيلهم سيؤدي إلى تسارع نضوب المصادر المالية الحالية. ويُلاحَظ أن من أهم مصادر التمويل، في الوقت الحالي، التركات التي يوصي بها كبار المتبرعين للمنظمة الصهيونية. ومع أن مثل هذه التركات تحل كثيراً من المشكلات، إلا أنها في نهاية الأمر «تبرُّع أخير» لن تليه تبرعات أخرى.
7 ـ يُلاحَظ عدم ظهور متبرعين شباب إما لتباعدهم عن حياة الجماعة ومؤسساتها أو نتيجة تحوُّل نسبة متزايدة من الشباب اليهودي من الأعمال التجارية المربحة إلى المهن ذات الدخل المحدود.
8 ـ تواجه صناديق الجباية الآن صعوبات في تجنيد متطوعين للقيام بحملات التبرعات .
9 ـ أدَّت السياسات الإسرائيلية (وخصوصاً في عهد الليكود) إلى نفور كثير من المتبرعين: فهناك حرب لبنان وتورُّط إسرائيل في فضيحة إيران ـ كونترا وفضيحة بولارد، وأسلوب إسرائيل في معالجة الانتفاضة، وقد أدَّى كل هذا إلى إحراج أعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة، ومن ثَمَّ إحجامهم عن التبرع.
وقد خلق ذلك مأزقاً حاداً حول كيفية تقسيم الموارد المتوافرة بين احتياجات الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة التي تشهد تزايداً مطرداً وبين احتياجات إسرائيل. والآن، تتجه النية إلى تقليص المبالغ المخصصة لإسرائيل وخصوصاً أن هناك شعوراً متزايداً بأن أمن إسرائيل أصبح مضموناً بعد معاهدة السلام مع مصر، كما أن هناك تزايداً في الخلافات حول السياسات الإسرائيلية، وخصوصاً خلال حكم الليكود، وقد ظلت الجماعة تحرص على التبرع بسخاء في فترات الأزمات.
ومما يجدر ذكره أن تبرعات يهود العالم في الماضي كانت تغطي نسبة مئوية لا بأس بها من نفقات الدولة الصهيونية، ولكن هذه التبرعات لا تزيد في الوقت الحالي عن 1.5% من ناتج إسرائيل القـومي، كما لا يتـجاوز العـائد من بيع سندات إسرائيل النسبة نفسها، وهو ما يعني تزايد اعتماد المستوطن الصهيوني على الولايات المتحدة.
ومن التطورات الجديدة في عالم التبرعات الصهيونية ظهور صناديق لجمع التبرعات لصالح الحركات الإسرائيلية التي ترفض سياسة الضم والتوسع والقمع (الصهيونية) بدرجات متفاوتة، ومن أهم هذه الصناديق الصندوق الإسرائيلي الجديد.
الصندوق القومي اليهودي (كيرين كايميت(
Jewish National Fund (Keren Kayemet)
بالعبرية «كيرين كايميت» وهو إحدى أقدم مؤسسات المنظمة الصهيونية العالمية وذراعها المالي لشراء الأراضي في فلسطين. ترجع فكرة إنشائه إلى المؤتمر الصهيوني الأول (1897) حين اقترح عالم الرياضيات اليهودي الحاخام الليتواني هيرمان شابيرا إنشاء صندوق قومي يهودي قائم على التبرع الطوعي بهدف شراء الأراضي في فلسطين. ولكن هذا الاقتراح لم يحظ بأيِّ دعم حتى المؤتمر الصهيوني الخامس (1901) حينما تقرَّر (وبتأييد من هرتزل) إنشاء الصندوق القومي اليهودي ليكون "وديعة للشعب اليهودي" لا يُستعمَل إلا لشراء أو تخليص الأراضي في فلسطين لتظل "ملكاً للشعب اليهودي إلى الأبد" لا يجوز بيعها أو رهنها. ويقوم الصندوق باستصلاح الأراضي وتأجيرها لمدة 49 عاماً قابلة للتجديد ولا يجوز تأجيرها لغير اليهود أو استخدام عمالة غير يهودية لزراعة هذه الأراضي وصيانتها. وقد تحدَّد مقر الصندوق في فيينا.
قام الصندوق بشراء أول مساحة من الأراضي له في فلسطين عام 1905، وبدأ أولى تجاربه في التشجير عام 1908 بزراعة ما سُمِّي «غابة هرتزل». ثم أقام الصندوق أول كيبوتس على أراضيه في داجانيا جنوبي طبرية. وقد استدعى هذا النشاط وضع الإطار القانوني المناسب للصندوق. ولذلك تم تسجيله عام 1907 كشركة بريطانية باسم «الصندوق القومي اليهودي المحدود»، وسرعان ما تحوَّل الصندوق إلى الذراع الوحيدة لجباية الأموال من أجل شراء الأراضي في فلسطين.
ومع صدور وعد بلفور ووقوع فلسطين تحت سلطة الانتداب البريطاني، اتسع نشاط الصندوق. وفي عام 1920، وضع المؤتمر الصهيوني الذي انعقد في لندن خطة شاملة لتنظيم وتمويل الهجرة والاستيطان اليهوديين في فلسطين، حيث تقرَّر إنشاء الصندوق التأسيسي اليهودي كأداة لتمويل عمليات الاستيطان في فلسطين على أن يتفرغ الصندوق القومي اليهودي لشراء الأراضي وأن تُخصَّص له نسـبة 20% من حـصيلة الصـندوق التأسـيسي لهذا الغرض. وفي ذلك العام أيضاً، أصدرت إدارة الانتداب البريطانية تنظيماً جديداً سهَّل عملية تحويل ونَقْل ملكية الأراضي وإزالة العقبات التي كانت تعترضها. وإزاء هذه التطورات، ومع انتقال مقر الصندوق إلى القدس عام 1922، زادت ملكية الصندوق من الأراضي بشكل كبير حيث قفزت من 16.366 دونماً عام 1920 (أي بعد 19 سنة من تأسيسه) إلى 278.627دونماً عام 1930، ووصلت إلى 93.6000دونم في مايو 1948 أو نحو 3.55% من إجمالي مساحة فلسطين و54% من إجمالي الأراضي المملوكة للتجمع الاستيطاني اليهودي في فلسطين والتي كانت تضم 85% من مستعمراته ومؤسساته الاستيطانية.
وقد أدَّى ذلك إلى تحـويل كثير مـن الملاك العرب إلى معـدمين وأجراء، كما أدَّى إلى ازدياد سوء الأحوال الاقتصادية للعرب الفلسطينيين، وخصوصاً أن قانون الصندوق كان يشترط عدم استخدام عمالة غير يهودية على أراضيه، وهذا الشرط العنصري كان ضرورياً لتفريغ فلسطين من سكانها الأصليين وتحقيق أهداف الاستعمار الاستيطاني الإحلالي بها. كما كان تطبيقاً لما دعا إليه هرتزل عام 1895 حينما قـال: "إننا سنحاول دَفْع السكان إلى الخروج عن طريق إيجاد فرص عمل لهم في الدول المجاورة، وفي الوقت نفسه إغلاق أبواب العمل أمامهم في بلدنا".
وقد اهتم الصندوق القومي اليهودي في بداية الأمر بشراء الأراضي لأغراض الاستيطان الزراعي، ثم أصبحت الاعتبارات الأمنية والسياسية أكثر أهمية مع تزايد الرفض العربي للاستيطان اليهودي ثم صدور تقرير لجنة بيل عام 1937 التي أوصت بتقسيم فلسطين وما أعقب ذلك من إصدار الكتاب الأبيض لعام 1939 والذي فَرَض قيوداً على شراء اليهود للأراضي. ومع ذلك، نجح الصندوق في زيادة ملكيته من الأراضي بمقدار الضعف تقريباً خلال الفترة بين عامي 1939 و1946 حيث زادت من 473 ألف دونم إلى 835 ألف دونم، أي أن نصف مساحة الأراضي التي كان يمتلكها عند إعلان الدولة حصل عليها خلال هذه الفترة وحدها. وقد تركَّزت أغلب هذه الأراضي في المناطق الحدودية وكذلك داخل المناطق المخصـصة للـعرب والتي كان محـظوراً على اليهـود شراء الأراضي بها. وقد ساهم ذلك في تحديد حدود الدولة اليهودية التي نص عليها قرار التقسيم عام 1947.
وإذا كان الصندوق القومي اليهودي قد نجح في خَلْق حقائق جديدة على أرض فلسطين تدعم المشروع الصهيوني إلا أنه لم ينجح في نهاية الأمر في سوى امتلاك 3.55% من أراضيها. ولم يتم "تخليص" ما تبقَّى من الأراضي إلا عن طريق القوة الجبرية والاحـتلال العسـكري المدعوم من قبل القوى الاستعمارية والإمبريالية.
وبعد إقامة الدولة الصهيونية، انتقلت ملكية أغلب الأراضي التي تم إفراغها من سكانها ومالكيها العرب إلى الصندوق القومي اليهودي بحيث أصبح يمتلك عام 1950 نحو 2.373.676دونماً وصلت إلى 3.5 مليون دونم عام 1960، أي 17% من إجمالي مساحة الدولة. وفي عام 1953، وافق الكنيست الإسرائيلي على قانون الصندوق القومي في إسرائيل الذي أجاز تسجيل الصندوق في إسرائيل كشركة مساهمة. وفي عام 1954، حصلت الشركة الإسرائيلية المساهمة الجديدة على جميع الموجودات والديون الخاصة بالصندوق القـومي اليهـودي الذي كان قد سُجِّل في إنجلترا عام 1907. ومع ذلك، لم تتم تصفية الشركة البريطانية حيث كانت هذه الشركة تمتلك أراضي خارج حدود الدولة أي في الضفة الغربية وغزة. وقـد كانت تصفيتها تعـني ضـياع هذه الأراضي. ولذلك، فإن هناك منذ عام 1954 شركتين تحملان الاسم نفسه تقريباً، والفارق الوحيد هو أن كلمة «محدودة» ملحقة باسم الشركة البريطانية.
وقد حدَّد القانون الأساسي للشركة الإسرائيلية أهدافها بأنه شراء أو استئجار أو مبادلة أو تأجير الأراضي والغابات وحقوق الملكية والحقوق في أراضي الآخرين وأية حقوق مشابهة، فضلاً عن الممتلكات غير المنقولة من أيِّ نوع في المنطقة المحددة (وهذه إشارة إلى دولة إسرائيل وأية مناطق تقع تحت سلطة حكومة إسرائيل) أو في أي جزء منها بهدف توطين اليهود في تلك الأراضي والممتلكات. ومن الملاحَظ أن وصف المنطقة المحدَّدة كما جاء في هذه الفقرة يضع في الاعتبار احتمالات التوسع الإسرائيلي في المستقبل ضم أراض عربية جديدة إلى الدولة، وهو ما حدث بالفعل بعد حرب 1967 حيث امتد نشاط الصندوق إلى الأراضي الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي.
ونظراً لتبعية الصندوق للمنظمة الصهيونية العالمية، فقد كان من الضروري تنظيم علاقته مع الحكومة الإسرائيلية. وقد تم هذا باتفاقية وُقِّعت عام 1961 نصت على أن "الصندوق سوف يواصل أعماله بين اليهود في كلٍّ من إسرائيل وبلاد الشتات كوكالة مستقلة تابعة للمنظمة الصهيونية العالمية وذلك بهدف جباية الأموال وتخليص الأرض والقيام بنشاطات إعلامية وتربوية صهيونية وإسرائيلية".
وقد احتفظ الصندوق بشروطه العنصرية الخاصة بتأجير الأراضي لليهود فقط وحَظْر استخدام عمالة غير يهودية (أي عربية) وإن كان هذا الشرط الأخير يُنتهَـك بشكل مستمر حيث تُستخدَم العمالة العربية في كثير من المستوطنات والأراضي المملوكة للصندوق. وقد وصف وزير الزراعة الإسرائيلي عام 1974 هذه الانتهاكات بأنها "سرطان" وحذر من استمرارها.
وقد انتقل نشاط الصندوق بالتدريج من مجال شراء الأراضي إلى استصلاحها وبناء الطرقات ومساعدة المستوطنات الجديدة وضمن ذلك حفر الآبار وبناء السدود وشبكات الري والتشجير، كما يتعاون مع المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في بناء قرى الناحال الحدودية وتطوير المناطق ذات الأهمية الأمنية والإستراتيجية. وقد تركَّز نشاط الصندوق بشكل خاص في منطقة الجليل حيث الكثافة السكانية الفلسطينية القصوى بغرض تنفيذ الإستراتيجية الإسرائيلية الرامية إلى تهويد الجليل. وقد ساهم الصندوق في إقامة 100 مستوطنة في الجليل في الفترة بين عامي 1977 و1981. وبعد حرب 1967، قام الصندوق بشراء مساحات كبيرة من الأراضي في الضفة الغربية، وذلك من خلال شركة هيمنوتاه التابعة له والتي تأسَّست عام 1938 في لندن وسُجِّلت في رام الله عام 1971. ويشارك الصندوق في المخطط الصهيوني لتهويد القدس والضفة الغربية. وقد اعتمد الصندوق تاريخياً على أساليب شتى لجباية الأموال مثل بيع الأشجار في فلسطين، والطوابع البريدية، وتسجيل أسماء كبار المتبرعين فيما كان يُعرَف باسم «الكتاب الذهبي» وكذلك من خلال «الصندوق الأزرق» الذي كان يوضع في بيوت أعضاء الجماعات اليهودية ويستعمل لجمع التبرعات. أما الآن، فإن المصادر الرئيسية لدخله هي "مقابل إيجار عقارات يملكها وأشغال تعهدتها الوكالة اليهودية والحكومة الإسرائيلية". ومن بين هذه المصادر، التبرعات والهبات العامة أو المعطاة لأغراض محددة من قبَل أعضاء الجماعات اليهودية في العالم.
ويُعَد الصندوق مؤسسة مالية ضخمة حيث قُدِّر مجموع موجوداته عام 1980 بأكثر من 148 مليون دولار. وللصندوق شركات تابعة عديدة وله كذلك أسهم في شركات مختلفة، وقد بلغت ميزانيته عام 1980 ـ 1981 مبلغ 474 مليون دولار.
وللصندوق فرع في الولايات المتحدة مسجل كشركة مساهمة معفاة من الضرائب وهو يعمل كذراع للصندوق في جباية الأموال الإقليمية.
صنــدوق تأســيس فلســطين (كيرين هايسود(
Palestine Foundation Fund (Keren Hayesod)
اسمه بالعبرية «كيرين هايسود» وهو الإدارة المالية الرئيسية للمنظمة الصهيونية العالمية. أنشيء عام 1920 عندما واجهت الحركة الصهيونية مشكلة تمويل مشروعها الاستيطاني في فلسطين بعد صدور وعد بلفور. وقد تضمَّن قرار إنشائه التزام كل يهودي أياً كان موقفه من الصهيونية بدفع ضريبة سنوية بحد أدنى معين للمساهمة في إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين على أن يقوم الصندوق بتوظيف التبرعات والمساهمات المالية المختلفة في استثمارها في مشروعات إنتاجية لا تستهدف الربح في المقام الأول. ومن بين أهم مؤسسيه حاييم وايزمان وفلاديمير جابوتنسكي وإسرائيل سيف. وقد سُجِّل الصندوق عام 1921 كشركة بريطانية، وظل مقره في لندن حتى عام 1926 حين انتقل إلى القدس. وفي عام 1925، انضم الصندوق التأسيسي إلى الصندوق القومي، ومع تأسيس الوكالة اليهودية الموسعة عام 1929 أصبح الكيرين هايسود ذراعها المالية الأساسية.
وقد ظل الصندوق المموِّل الأساسي لنشاطات الوكالة اليهودية في فلسطين في ميادين الاستيطان والتعليم والخدمات الصحية والأمن وشراء الأسلحة، كما مارس دوراً واضحاً في تمويل الهجرة غير الشرعية بعد القيود التي فرضتها بريطانيا عام 1940 على حجم الهجرة اليهودية إلى فلسطين. كذلك شارك في تمويل عدد من المشاريع الاقتصادية مثل شركات المياه والكهرباء والملاحة والطيران والبناء والبنوك الإسرائيلية قبل عام 1948.
وبعد قيام إسرائيل، سخَّر الصندوق موارده لتمويل استيعاب المهاجرين الجدد، وساهم في الفترة بين عامي 1948 و1970 في استيعاب 1.4 مليون مهاجر وكذلك تأسيس 525 مستوطنة زراعية و27 مدينة تطوير.
وقد ساهم الصندوق أيضاً، أثناء حرب عام 1967 وبعدها، في جمع التبرعات اليهودية التي انهمرت على إسرائيل حيث اسفرت الحملة الواسعة عن جمع 150 مليون دولار. كما قام بحملة مماثلة خلال حرب 1973 أسفرت عن جَمْع 273 مليون دولار. وقد تراوح إيراده السنوي منذ ذلك الحين بين 100 و150 مليون دولار. ووصل حجم ما جَمَعه منذ عام 1920 وحتى 1978 نحو 199.3 مليار دولار. وقد استجاب الصندوق لنداء الحكومة الإسرائيلية عام 1977 للمشاركة في مشروع إعادة تأهيل واسعة النطاق لإحياء المهاجرين الفقراء في إسرائيل والتزم بتخصيص مبلغ 200 مليون دولار لهذا المشروع تم جَمْعه خلال خمس سنوات.
وتواجه جبايات الصندوق التأسيسي مشاكل داخلية عديدة تؤثر في أنشطتها وأعمالها ونتائجها مثل الانخفاض الكبير في عدد المتطوعين للقيام بحملات الجباية نتيجة تزايد معدلات الاندماج بين الجماعات اليهودية، وتآكل الفكر الصهيوني، وانخفاض التعاطف مع إسرائيل نتيجة سياستها تجاه النزاع العربي الإسرائيلي، وخصوصاً بعد حرب لبنان ومذابـح صبرا وشتيلا ثم معـالجتها للانتفاضـة الفلسطينية، كما أن توقيع معاهدة السلام مع مصر قد خلق إحساساً بأن أمن إسرائيل مضمون وأن إسرائيل لم تَعُد تحارب من أجل مشاكل أساسية بل من أجل التوسع. وبالإضافة إلى ذلك، هناك إحساس متزايد لدى الجماعات اليهودية بأن مشاكل إسرائيل الاقتصادية غير قابلة للحل وأن أموال الجبايات لن تفيد. كذلك تواجه الجماعات اليهودية في الدول الأوربية (مثل الولايات المتحدة) تغيرات ديموجرافية مهمة وتزايداً في مشاكلها واحتياجاتها الداخلية، الأمر الذي يستدعي تكريس جهود أكبر لمواجهتها. ويضاف إلى كل هذا ظهور مصاعب اقتصادية في الدول المختلفة، الأمر الذي يقلل استعداد الأفراد لتقديم التبرعات، ذلك إلى جانب التنافس الشديد بين المنظمات المختلفة التي تجمع أموالاً لأغراض مختلفة.
والصندوق التأسيسي اليهودي يُعرَف منذ عام 1948 باسم «كيرين هايسود (النداء الإسرائيلي الموحَّد)». ويعمل الصندوق التأسيسي في أكثر من 69 دولة فيما عدا الولايات المتحدة التي تُعَدُّ مجالاً للنداء اليهودي الموحَّد. وقد اكتسب الصندوق صفة الشركة الإسرائيلية بموجب القانون التأسيسي للصندوق الصادر عن الكنيست عام 1956. ويعمل رئيس الصندوق التأسيسي كعضو في اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية، في حين يترأس رئيس النداء الإسرائيلي الموحَّد اللجان التابعة لمجلس حكام (أمناء) الوكالة اليهودية.
النــــــداء الإســـــرائيلي المـــــوحـد
United Israel Appeal (Keren Hayesod)
منظمة صهيونية لجمع التبرعات، أسسها عام 1925 باسم «النداء الفلسطيني الموحَّد» جماعة من الصهاينة الذين انسحبوا من لجنة التوزيع المشتركة التي لم تكن تُرسل أية تبرعات إلى المستوطنين الصهاينة في فلسطين. وظلت المنظمة تقوم بجَمْع التبرعات حتى أواخر عام 1929 حينما قرَّرت الوكالة اليهودية أن يقوم الصندوق التأسيسي اليهودي بحملته الخاصة لجباية الأموال تحت اسم الحملة الفلسطينية الأمريكية. وفي عام 1930، انضم الصندوق التأسيسي إلى لجنة التوزيع المشتركة للقيام بحملة مشتركة باسم النداء اليهودي الموحَّد استمرت لمدة عام. ثم تكررت الحملة مرة أخرى عامي 1934 و1935، وبذلك تحوَّل النداء الفلسطيني (منذ عام 1935) إلى مجرد شبح ليس له وجود حقيقي. وفي عام 1935، تقرَّر بعث النداء الفلسطيني الموحَّد إلى الحياة مرة أخرى بعد أن توقَّف نشاط النداء اليهودي الموحَّد نتيجة قلة التبرعات التي كان يجمعها. وقد تكوَّن النداء الفلسطيني الموحَّد هذه المرة من الصندوق القومي اليهودي والصندوق التأسيسي اليهودي (وحدهما) على أن يقتسم الصندوقان حصيلة التبرعات.
وبسبب الحاجة إلى مبالغ أكبر، انضم النداء الفلسطيني الموحَّد (عام 1939) ولجنة التوزيع المشتركة لتأسيس النداء اليهودي الموحَّد ليكون المنظمة الرئيسية لجباية الأموال لكل منهما. وعندئذ توقَّف النداء الفلسطيني تماماً عن جباية الأموال وأصبح المستفيد الأكبر من أموال النداء اليهودي الموحَّد. وفي عام 1950، غيَّر النداء الفلسطيني اسمه إلى النداء الإسرائيلي الموحَّد. أما في عام 1953، فقد استقل الصندوق القومي اليهودي عن النداء الإسرائيلي الموحَّد، وأصبح النداء الإسرائيلي الموحَّد هو الصندوق التأسيسي اليهودي. ويشكل النداء/ الصندوق، مع لجنة التوزيع المشتركة، منظمة النداء اليهودي الموحَّد حيث يحصل على 80% من الأموال التي يجمعها النداء اليهودي الموحَّد سنوياً.
وبينما أصبح الصندوق التأسيسي اليهودي المنظمة الرئيسية لجباية الأموال بين الجماعات اليهودية في العالم، أصبح النداء اليهودي الموحَّد يتولى ذلك الدور في الولايات المتحدة.
ويقوم النداء الإسرائيلي الموحَّد بتقديم مخصصاته من التبرعات (التي يتلقاها من النداء اليهودي الموحَّد) إلى الوكالة اليهودية التي تحوِّلها بدورها إلى إسـرائيل بعـد أن يـحتفظ بنحو 4% للنفقات الإدارية. وقد تلقَّى النداء الإسرائيلي عام 1985 من النداء اليهودي الموحَّد 324 مليون دولار.
وبالإضافة إلى ما يتلقاه النداء الإسرائيلي الموحَّد سنوياً من النداء اليهودي الموحَّد، يتلقَّى أيضاً دعماً من الحكومة الأمريكية منذ عام 1971 حيث تلقَّى منها في الفترة بين عامي 1972 و1976 ما يقرب من 121 مليون دولار من أجل إعادة استيطان اليهود السوفييت في إسرائيل. وقد بلغ إجمالي ما وصله من الحكومة الأمريكية حتى عام 1985 نحو 308 ملايين دولار.
والنداء الإسرائيلي الموحَّد مُسجَّل في الولايات المتحدة كمنظمة معفاة من الضرائب. ومنذ إعادة تنظيم الوكالة اليهودية عام 1971، أصبح النداء الإسرائيلي ممثَّلاً في أجهزتها القيادية بنسبة 30% ويقوم بالمشاركة في وضع وتحليل ميزانية وبرامج الوكالة ومراقبة عملية إنفاق وتخصيص الموارد المالية.
وحتى عام 1986، كانت البنية الأساسية للنداء الإسرائيلي الموحَّد تضع المنظمة تحت سيطرة المؤسسة الصهيونية الأمريكية. ولكن، مع تزايد الانتقادات الموجهة للوكالة اليهودية بشأن أدائها وكفاءتها، وكذلك الصعوبات المتزايدة في جباية الأموال نتيجة التحولات الديموجرافية في الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة وتزايد احتياجاتها المحلية، أصبحت هناك ضغوط لكي يكون لأعضاء الجماعة والاتحادات اليهودية (وهي أكبر مصدر للأموال للنداء اليهودي الموحَّد ومن ثم النداء الإسرائيلي) دور أكبر في الرقابة على الوكالة اليهودية. ومن ثم، تقرَّر عام 1986 توسيع مجلس مديري النداء الإسرائيلي الموحَّد وتخصيص المقاعد الإضافية لممثلي الاتحادات اليهودية ولقيادات الجماعة اليهودية غير الصهاينة بحيث أصبح لهم الأغلبية داخل المجلس. وسيزيد هذا بلا شك قبضة رقابة النداء الإسرائيلي على الوكالة اليهودية.
ويجب التمييز بين النداء الإسرائيلي/كيرين هايسود (الصندوق التأسيسي) والنداء الإسرائيلي الموحَّد ش. م. وهو الاسم الجديد للوكالة اليهودية في إسرائيل.
النـــــــداء اليهــــــودي المـــــــوحـد
United Jewish Appeal (Keren Hayesod)
ويُطلَق على هذه المنظمة أيضاً اسم «الجباية اليهودية الموحَّدة». والنداء اليهودي الموحَّد منظمة يهودية أمريكية تأسست عام 1939 لتكون الأداة الرئيسية لجباية الأموال لكل من النداء الفلسطيني الموحَّد (الذي أصبح عام 1948 النداء الإسرائيلي الموحَّد) واللجنة اليهودية الأمريكية المشتركة للتوزيع، وذلك لصالح الكيان الصهيوني والنشاط الاستيطاني اليهودي، ولمساعدة الجماعات اليهودية في العالم ـ لكن جُل نشاطها ينصب على القسم الأول فحسب.
وتعود بدايات هذه المنظمة إلى عام 1930، عندما قام كلٌّ من لجنة التوزيع المشتركة والصندوق التأسيسي اليهودي بتوحيد جهودهما لجباية الأموال والقيام بحملة موحَّدة تحت اسم النداء اليهودي المتحالف، ولم يستمر هذا الجهد المشترك سوى عام واحد بسبب قلة ما تم جمعه. وتكررت المحاولة عامي 1934 و1935 تحت اسم النداء اليهودي الموحَّد ولكنها توقفت أيضاً بسبب قلة التبرعات وفشل محاولة تجميع كل التنظيمات اليهودية في تنظيم واحد. وفي عام 1938، وصل عدد الهيئات اليهودية التي تجمع التبرعات في الولايات المتحدة 992 هيئة تعمل لحساب النداء الفلسطيني الموحَّد ولجنة التوزيع المشتركة إلى جانب 156 صندوق إنعاش يهودي تخصَّص مواردها لتنظيمات أخرى. وبحلول عام 1939، واستجابة لتصاعد الأزمة في أوربا، انضمت لجنة التوزيع المشتركة والنداء الفلسطيني الموحد وهيئة خدمة اللاجئين القوميين (التي كانت تُسمَّى آنذاك صندوق لجنة التنسيق القومية) لتأسيس النداء اليهودي الموحَّد. وهكذا تشكلت أكبر هيئة لجباية التبرعات في الولايات المتحدة. وفي عام 1948، جمع النداء اليهودي الموحَّد ما يقرب من 200 مليون دولار. وبعد تأسيس إسرائيل، أصبح النداء اليهودي الموحَّد يضم كلاًّ من النداء الإسرائيلي الموحَّد/الصندوق التأسيسي (الكيرين هايسود) ولجنة التوزيع المشتركة. ويتلقى النداء اليهودي الموحد ما بين 50% و60% من مجموع التبرعات المحصلة عبر الحملة المركزية الموحدة مع الاتحادات اليهودية وصناديق الإنعاش التي تُخصِّص النسبة المتبقية للاحتياجات والخدمات المحلية للجماعة اليهودية. وتُقسَّم حصيلة التبرعات على النحو التالي:
يخصِّص النداء اليهودي 80% من حصيلة التبرعات للنداء الإسرائيلي الموحَّد/الصندوق التأسيسي، ويخصص من المبلغ المتبقي 10% أو 12% للجنة التوزيع المشتركة و3% لرابطة نيويورك للأمريكيين الجدد وخدمة هياس المتحدة.
ويقوم النداء الإسرائيلي الموحَّد بتسليم حصته للوكالة اليهودية التي تخصِّصه لإسرائيل كما تنفق لجنة التوزيع المشتركة 32% من حصتها في إسرائيل والجزء الآخر يخصص للجماعات اليهودية في العالم.
وقد تأسَّست عام 1967 جمعية تابعة باسم صندوق الطوارئ الإسرائيلي تذهب كل حصيلته إلى إسرائيل. وقد بلغ مجموع التبرعات التي جمعها النداء اليهودي الموحَّد حتى عام 1980 نحو 5.1 مليار دولار أرسل معظمها إلى إسرائيل إما مباشرة أو عن طريق غير مباشر. وتحصل الأحزاب على حصص بشرط ألا يكون لها جبايتها الخاصة. وقد بلغ نشاط النداء اليهودي ذروته في جباية المال في أعقاب حرب 1973 حيث تم جَمْع 660 مليون دولار. وبحـلول عام 1979، انخفضت جبايات الحملة المركزية بمقدار 27%، وهي تبلغ الآن حوالي نصف مليار دولار سنوياً. فصغار المسـاهمين من الجـماهير اليهـودية لا يتبرعــون للدولة الصهيونية تقريباً. وقد لوحظ أن كبار المتبرعين هم عدة أفراد تم استئناسهم واستيعابهم في المنظومة الصهيونية لأسباب غير عقائدية، فمعظم كبار المتبرعين من كبار السن أي أن خلفيتهم أوربية وعندهم حينئذ "البلد القديم" والهوية القديمة. كما أن كثيراً منهم يظن أن تبرعاته من قبيل الإحسان (الصدقة). ولكن ما يهمنا هنا أن كون المتبرعين مسنين يعني أن رحيلهم سيؤدي إلى تسارع نضوب المصادر المالية الحالية. ويُلاحَظ أن من أهم مصادر التمويل في الوقت الحالي التركات التي يوصي بها كبار المتبرعين للمنظمة الصهيونية. ورغم أن هذه التركات تحل كثيراً من المشاكل إلا أنها في نهاية الأمر "تبرع أخير" لن تليه تبرعات أخرى.
والنداء اليهودي الموحَّد هيئة خيرية معفاة من الضرائب وفقاً للقانون الأمريكي، وذلك رغم أنها تُعتبَر بالفعل ذراع الحكومة الإسرائيلية لجباية الأموال. وهذا دليل على العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، قاعدتها في الشرق الأوسط. ومع ذلك، فإن أموال النداء تستخدم كأداة للضغط على إسرائيل إن أرادت أن تتخذ موقفاً مستقلاًّ عن الخط الإمبريالي.
ويدير النداء اليهودي الموحَّد مجلس أمناء من 43 عضواً يختار أغلَبهم لجنةُ التوزيع المشتركة والنداء الإسرئيلي الموحَّد ومجلس الاتحادات اليهودية. ولتعزيز قدرته على جباية الأموال من قطاعات متخصِّصة من أعضاء الجماعة، أنشأ النداء اليهودي الموحَّد عدة عناصر تنظيمية أساسية هي قسم النساء الذي أُسِّس سنة 1946 (ويُقال إن 200 ألف امرأة تشارك في نشاطه لجباية التبرعات)، ومجلس قيادة الشباب الذي أُسِّس عام 1977 ويعمل على تنمية الانتماء الديني الثقافي اليهودي لدى الشباب من خلال المؤتمرات والحوارات والبعثات إلى إسرائيل، ومجلس الحاخاميين الذي تأسس عام 1972 لتعزيز دعم القيادة الحاخامية لحملات النداء اليهودي (المحلية والقومية) الحاخامية من خلال التربية والالتزام الشخصي ولاستغلال الموارد الحاخامية لمصلحة النداء اليهودي وإسرائيل، ثم مجلس الهيئة التعليمية الذي أُسِّس عام 1975 ودائرة البرامج الجامعية التي أُسِّست سنة 1970 وكلاهما يهدف إلى بلورة التزام يهودي داخل الجامعة الأمريكية.
الشركة الاقتصادية الإسرائيلية
Israel Economic Corporation
شركة أمريكية تأسَّست عام 1926 باسم الشركة الاقتصادية الفلسطينية على يد مجموعة من أثرياء اليهود الأمريكيين، على رأسهم لويس برانديز وهربرت ليمان ولويس مارشال وفليكس واربورج، بغرض تنمية البنية الاقتصادية للتجمع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين وتشجيع أثرياء اليهود الأمريكيين وغيرهم على استثمار أموالهم في مشاريع تجارية وصناعية وزراعية في فلسطين. وكان لويس برانديز قد انسحب من المنظمة الصهيونية الأمريكية عام 1921 احتجاجاً على فكرة تكوين الصندوق التأسيسي اليهودي لتمويل المشاريع الاقتصادية في فلسطين بدلاً من تشجيع الاستثمار الخاص بها (ولهذا، فقد كان برانديز من أوائل المؤيدين لتأسيس هذه الشركة التي تهدف إلى جني الأرباح). وقد ضمت الشركة الأصول التي كانت مملوكة للشركة التعاونية الفلسطينية واللجنة اليهودية الأمريكية للتوزيع المشترك في فلسطين.
وقد سـاهمت الشركة في تأسـيس أكثر من 90 مشروعاً في فلسطين، ثم في إسرائيل فيما بعد، من بينها صناعات الكيماويات والورق والبلاستيك ومنتجات الموالح. كذلك ساهمت الشركة في تمويل خـط أنابيب إيلات ـ حيـفا وتمويل عــمليات التصدير والاستيراد.
وقد وصل دَخْل هذه الشركة عام 1982 إلى 14.4 مليون دولار، وتشمل موجوداتها مشاريع مالية ومصرفية وصناعية وسياحية وتكنولوجية متقدمة، بالإضافة إلى مشـاريع هندسـية وإنمائية ومشـاريع شـحن وتسـويق.
منظمــة ســندات دولــة إســرائيل
State of Israel Bonds Organization
منظمة يهودية تهدف إلى "توفير الأموال على نطاق واسع من أجل تنمية دولة إسرائيل اقتصادياً ببيع سندات دولة إسرائيل في الولايات المتحدة وكندا وأوربا الغربية وغيرها من دول العالم". وقد كان الغرض المباشر من تأسيسها عام 1951 تدبير الموارد المالية للحكومة الإسرائيلية لمواجهة تدفُّق مئات الآلاف من المهاجرين الجدد على الكيان الصهيوني. وقد عقد بن جوريون اجتماعاً عام 1950 مع تسعة وخمسين زعيماً يهودياً أمريكياً لبحث وضع إسرائيل الاقتصادي وضرورة إيجاد قناة أخرى للتمويل غير التبرعات "التي لم تَعُد كافية لمواجهة حاجات إسرائيل الاقتصادية بعيدة المدى". وقد تقرَّر أن تقوم إسرائيل بإطلاق حملة لقرض شعبي في الولايات المتحدة كوسيلة للحصول على المبالغ اللازمة. ولإنجاز ذلك، تم تأسيس الشركة المساهمة الأمريكية المالية والإنمائية لإسرائيل التي أصبحت تُعرَف باسم «منظمة سندات دولة إسرائيل». ومن بين الشخصيات اليهودية الأمريكية التي كانت بمنزلة القوة المحركة وراء تأسيس هذه المنظمة، هنري مورجنتاو (الابن) وزير الخزانة الأمريكية الأسبق ورئيس النداء اليهودي الموحَّد آنذاك والذي نجح في الحـصول على موافـقة الحـكومة الأمريكـية على فكـرة إنشاء المنظمة.
ومنظمة سـندات إسرائيل هي شـركة اسـتثمار تدار كمصلحة تجارية، ولذلك فهي غير معفاة من الضرائب. وهي تبيع سندات إسرائيل بفائدة تتراوح بين 4% و7% ويُستحق تسديدها خلال خمسة عشر عاماً. ويتم تحويل حصيلة بيع هذه السندات إلى وزارة المالية الإسرائيلية حيث تصبح جزءاً من ميزانية إسرائيل للتنمية. وتعمل المنظمة عن كثب مع الحكومة الإسرائيلية التي تقوم بإبلاغ المنظمة بحجم احتياجاتها، وخصوصاً في حالات الطوارئ، كما تتعهد المنظمة بجباية المبلغ.
وقد تم حتى الآن بيع سندات بما قيمته ستة بلايين دولار وتسديد ما قيمته ثلاثة بلايين دولار. وقد ذهبت هذه المبالغ نحو تنمية القطاعين الزراعي والصناعي في إسرائيل واستغلال الموارد الطبيعية وتطوير ميناءي إيلات وحيفا وبناء ميناء أشدود وخط أنابيب البترول وإقامة محطات الكهرباء والمرافق السياحية ومجمع للبترو كيماويات وغير ذلك من المشاريع الإنمائية.
وقد بيعت سندات إسرائيل في أكثر من 35 دولة، ولكن 85% منها (منذ تأسيس المنظمة) بيعت في الولايات المتحدة وحدها. والمنظمة تستهدف السوق الأمريكية كلها ولا تقتصر فقط على أعضاء الجماعة اليهودية، وهي تعرض السندات على المستثمرين اليهود بوصفها أقـوى وأقـصر وسيلة للارتـباط بإسرائيل وسكانها ومستقبلها. أما لغير اليهود، فهي تؤكد أنها "توسِّع مشتريات إسرائيل من المنتجات الأمريكية"، وبالتالي فإنها تؤمِّن الأعمال وفرص المبادلة التجارية للأمريكيين، وذلك بالإضافة إلى أنها تدعم اقتصاد إسرائيل.
وتعتمد المنظمة في بيع سنداتها على نفس أساليب منظمات جباية الأموال، أي الحفلات الاجتماعية والبعثات إلى إسرائيل والاجتماعات والندوات. كما أنشأت المنظمة نادي رئيس الوزراء الذي يضم كبار مشتري السندات حيث يتم تكريمهم بتقليدهم الأوسمة. كذلك حرصت المنظمة على التوجه إلى عالم الشركات، فأنشأت في أوائل السبعينيات برنامج سندات إسرائيل للشركات واشترت عدة شركات أمريكية عام 1982 بما قيمته 160 مليون دولار من سندات المنظمة. والمقر الرئيسي للمنظمة في مدينة نيويورك، ولها مكاتب في مدن أخرى.
الصندوق الإسرائيلي الجديد
New Israel Fund
تم تأسيس هذا الصندوق عام 1979. وهو معفي من الضرائب. ويُشكِّل هذا الصندوق محاولة من جانب العناصر الساخطة والمعتدلة داخل الحركة الصهيونية لإنشاء شبكة تبرعات خاصة بها تقوم بتمويل الجماعات ذات الاتجاهات السياسية المماثلة داخل إسرائيل، ولا يموِّل الصندوق أية نشاطات صهيونية خارج الخط الأخضر، ويرسل اعتمادات إلى منظمات مثل هيئة الحقوق المدنية في إسرائيل. ويؤيد الصندوق جماعة السلام الآن. ويمكن النظر إليه على أنه الجباية اليهودية الموحَّدة الخاصة بالجمعيات التي تحاول التملص من الصهيونية مثل الأجندة اليهودية الجديدة.
يهودية دفتر الشـيكات
Checkbook Judaism
«يهودية دفتر الشيكات» مصطلح شائع في الأوساط اليهودية الدينية وغير الدينية في الولايات المتحدة، وهو يشير إلى أن كثيراً من يهود الولايات المتحدة قد فَقَدوا انتماءهم الديني الحق، ولم يعودوا يؤمنون بالعقيدة الدينية وإنما يتمسكون ببعض الرموز الإثنية تعبيراً عن هويتهم الدينية، ويتصورون أن إسرائيل هي كنيسهم وأن رئيس وزرائها هو حاخامهم الأكبر. وبالتالي، يأخذ الإيمان بالنسبة لهم شكل الانتماء إلى المنظمات الصهيونية، ويصبح الطقس الأكبر في هذه العبادة هو دفع المعونات والتبرعات للدولة الصهيونية، أي أن هذا النوع من الانتماء اليهودي يعبِّر عن نفسه من خلال دفتر الشيكات، وهو أمر لا يختلف كثيراً عن التحول عن عبادة الإله الواحد إلى عبادة العجل الذهبي (وهذا هو رأي كثير من الحاخامات الذين يرفضون هذا الاتجاه).
يهــود النفقـــة
Alimony Jews
«يهود النفقة» مصطلح وضعه أحد الحاخامات ليصف به يهود الولايات المتحـدة الذين ابتعدوا عن يهوديتهم تماماً واندمجوا في مجتمعـهم، ولكنهم مع هـذا يحاولون الإصرار على هويتهم اليهودية، أو على بقايا منها، ويخافون أن يُشهَّر بهم أو أن يُشار إليهم على أنهم مندمجون منعدمو الهوية، كما يرون أن الطريقة المُثلى العملية لتحقيق هذه الأهداف هي دَفْع تبرعات للدولة الصهيونية التي تطاردهم للحصول على أموالهم. ولكنهم، في واقع الأمر، مضطرون إلى دفع التبرعات حتى لا يُشهَّر بهم، فالدافع إلى الدفع ليس الحب وإنما خشية الفضيحة. وبالتالي، فإن يهود الولايات المتحدة مثلهم مثل من طلَّق زوجته (أي يهوديته) ويود أن يكسب سكوتها بدفع النفقة المفروضة عليه حتى يمكنه أن يستمر في حياته الجديدة.
وقد استخدم آرثر هرتزبرج صورة عكسية تماماً، إذ قارن علاقة يهود الولايات المتحدة بإسرائيل بعلاقة الرجل بعشيقته، يغدق عليها الأموال ويشتري لها أحلى الثياب ويضاجعها، ولكنه لا يسكن معها ويعود إلى زوجته أم أولاده، أي الولايات المتحدة. وسواء أكان ما يدفعه اليهودي هو النفقة للزوجة المطلقة أو النقود للعشيقة، فإن العلاقة ليست كاملة بأية حال ويدخل فيها عنصر نفعي، الأمر الذي يستبعد الولاء الكلي. وقد لاحَظ بن جوريون نفسه أن صهيونية يهود الولايات المتحدة ليست إلا غطاء لمعدلات الاندماج المرتفعة بينهم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق