الاثنين، 5 أبريل 2010

أخلاق الوزيرين لابي حيان التوحيدي

فلهذه الحال قد يتذكّر الشيء فلا يجد من النفس إجابة له في ذكر ذلك الشيء، وقد يسهو عن ذلك الشيء فيُلقى عليه أغفل ما يكون عنه لأنه موجود عندها عَتيد قِبلها، وإنما يكون هذا منها في الفينة بعد الفينة؛ ولو لم يتذكر الإنسان شيئاً جملةً، لكانت النفس الناطقة مغمورة، ولو تذكر كلما شاء لكان قد صفا كل الصَّفاء، فأما وقف بين هاتين المنزلتين تذكر مرة فذكر، وسها مرة فحصر.
وطال كلامه في حديث النفس، واتّسع في فنون منه.
فلمّا انتهى قال له أبو الفتح: عين الله عليك أيها الشيخ! أنت كما قال الأَحْوَص:
إِني إِذا خَفِي الرجالُ وجدتني ... كالشَّمسِ لا تخفَى بكُلِّ مكانِ
إِنّي علَى ما قَد علِمت مُحسَّدٌ ... أَنْمِي عَلَى البَغْضاءِ والشنآنِ
ما تَعتَرِيني مِن خُطوبِ مُلمّةٍ ... إِلا تُشرّفُني وتَرفعُ شَاني
فإذا تَزول تَزول عن مُتَخمِّطٍ ... تُخشَى بَوادِرُه لَدَى الأَقرانِ
فلله دَرُّك ودرُّ زمانٍ أنت من أهله.
فقال أبو سليمان: سعادة ذي الكِفايتين هي التي نعَشَتني عنده، وهيأت وصفي على لسانه، وزوّدتني فخراً بخدمته، وأبقت ذكري منوَّهاً بذكره؛ ولقد كنتُ غضيض الطرف حتى رأيته، كليل اللّسان حتى وصفته، مَبْخوس الحظ حتى عرفته، خامل الذكر حتى خدمته. وإن فسح الله في المدّة فسأستقبل خلق العيش جديداً، والحق مفقود المُنى موجوداً.
وحدثني الخليليّ قال: أول ما عيبَ على هذا الفتى أنه بعد موت أبيه أبي الفضل، أمر بأن يُنقل المطبخ إلى دار النّساء، فقال الناس: الحمد لله، صار الطعام حِراً والخبز عَورة، والقِدْر والغَضَارُ حُرمة.
والله ما أراد بهذا إلا أن يُصان الخبز كما تُصان ذوات الخُمُر وصواحب المقانع، وإن هذه لغَيرةٌ وضعت في غير موضعها. ثم أنشد لدِعْبل قوله:
صَدِّق أَلِيّتَهُ إِن قال مُجتَهِداً ... إِي والرَّغِيفِ فذاك البَرُّ من قَسَمهْ
وإِن هممتَ بِهِ فافتُك بخُبزَتِهِ ... فإِن مَوقعَها من لحمِهِ ودمِهْ
ما كان أَحسَنَه لو أَن غَيْرتَه ... عَلى جَراذقِهِ كانَت علَى حُرَمِهْ
قال الخليلي: كنت واقفاً في صحن داره خلف شجرة كبيرة، والزمان قيظ، والهاجرة مُحتدِمة، وهو أيضاً واقف تجاه تلك الشجرة لا يلحقني طَرْفه. فقال لخادمٍ بين يديه: قد جُعتُ فأصلحوا الطَّعام، وصيحوا بهؤلاء الأكَلة الطَّغام.
قال: فنزَّت في نفسي أنَفَةٌ سدَّت ما بيني وبين السّماء، فرجعت القَهْقَري ألقُطُ قدمي حتى صرتُ إلى الباب، وفتُّ إلى المنزل؛ وطُلبت فاحتجبت، ثم طلبت فاحتجيت، وقلت: سقطت من عالي السّطح، وانكسرت ساقي؛ وبقيت على هذه التَّعلّة حتى فرّج الله بالقبض عليه.
قال: وهذا عِرْقٌ كان ينبض فيه عن أبيه؛ فإن أباه كان غالياً في هذا الخلُق، وكان يُكابد من سَتْر هذا الداء على نفسه أمراً عسيراً. ولقد حضر ابن بُندار يوماً، وكان يأكل معه، فنظر إلى غَضارة قد مُلئت ثريداً فأنشد:
ثريدٌ كأَنّ الشَّمس في حَجراته ... نجومُ الثُّرَيا أو عُيون الضَّياوِنِ
فقال: أُفّ، لعن الله قائله! فقال ابن بندار: قائله حسَّان بن ثابت، والنبي عليه السلام لا يرضى بلعن من يقول له حاضّاً على جواب المشركين: " قُلْ ومعَك روحُ القُدس " . فسَكَت خَزْيان.
وكان ينجم من قلبه في الوقت بعد الوقت بُغْضُ العرب والأَكَلة؛ أنشد يوماً بيتاً، وقال: أُحبُّ أن أعلم ما يُريد الأعرابيُّ بقوله:
تَرى وَدَك السَّديفِ عَلَى لِحَاهُم ... كَلَوْن الرَّاءِ لَبَّدهُ الصَّقِيعُ
قال: وما انتصف منه أحد كأبي العباس ابن بندار؛ فإنه جرى ليلة حديث العرب والقبائل والأنساب. فقال أبو الفضل: أسَدٌ عِرْقٌ وَشيج ورحاك ونشيج وطراز نسيج، فقال ابن بُندار:
إِذا أَسَدِيٌّ جاعَ يوماً ببلَدةٍ ... وكان سَميناً كَلْبُه فهو آكِلُه
فتغافل أبو الفضل كأنه لم يسمع، وكان حليماً حمولاً لئيماً ذَلُولا.
(1/91)
________________________________________
وقال: أحدّثك من حلمه بأعجب من هذا؛ كُنّا بأَذْرَبيجان لما افتتحناها لإبراهيم بن المرْزُبان وقرَّرناها في يده اتفق أن ظفرنا هناك بطبيب نصرانيّ بغداديّ حسن الحذق، بارع الصناعة، مشهود له بصواب الرأي وجودة التدبير، فأدناه أبو الفضل ورضيَ هدْيَه، وحمِد رأيه وقوله، وكان يخصّه بالبرّ والتحفة؛ فكان من أمره أن أبا الفضل شرب غَداتئذٍ قدحاً من شراب الرُّمان، فبقي في أسفل القدح قليلاً، ومدَّ يده إلى الطّبيب يناوله، تكرِمةً له، ويقول له: اشرب هذه البقية.
فقال له الطبيب: " نَهَى نبيُّكم عن سُؤر الكَلْب " ، وأمسك عن القدح.
فاصفرَّ وجه أبي الفضل، ولم ينطق بكلمة، ولا أساء إليه، ولا اعتذر ذاك من فرطته.
ولتدافُع الحديث ما أخرُج من ذكر هذا إلى شأن ذاك. ولقد اضطرب عليّ نسج الرسالة على مذهب المصنّفين، ولكن عذري بيّن، لأني نقلت ما نقلت في وقتٍ صعب وحالٍ عوراء.
سألت العتابيَ، شيخاً من أهل أصفهان كان صحب ابن عباد في أيام الحداثة، عن ترك ابن عباد الشراب.
فقال: والله ما ترك ما ترك لله، ولكن تركه أنه كان إذا سكر افتضح ودعا إلى الفجور به، ولما فشا هذا وقبُحَت القالةُ هَجَره، وأظهر ذلك لتقوى الله، أو لوجه الله تعالى.
ورأيت ابن عباد يوماً يقول لابن أبي هشام: لا تقُل حَرِجت نفسه، إنما الحَرَج للصّدر، قال الله تعالى: (فَلاَ يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ).
فقال له: فأين أنت من قوله تعالى: (ثُمَّ لاَ يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ). فعرق جبينه خجلاً؛ وكان ذاك سبب إعراضه عن هذا الشيخ، وانقلابه عنه بالحرمان.
وقال لي العتابي: كان هذا، يعني ابن عباد يقال له في المكتب: دِيوْجَه، قال: وتفسيره شيطان صغير.
وقال لي ابن الرازي: كلَّمته في شيء يوماً، وقلت في عُرض الكلام: " وكان ذلك لانطلاق لسانه " ، فقال له: " اخسأ، الانطلاق في الشيء والطَّلاقةُ في اللّسان " .
قال: فقلت له: ما تصنع بقول الأول وهو يزيد بن الصَّعق يخاطب النّابغة الذّبياني:
وأيُّ الناسِ أَغدَرُ من شآمٍ ... له صُرَدان منطَلَقَ اللسان
قال: فخَمَد وحَقَد.
هكذا قال بفتح القاف، وكان فصيحاً.
وقال يوماً في المجلس، وهو يحدّث عن رجل أعطاه شيئاً فتلكّأَ في قبوله: " ولا بُدَّ مِن شيءٍ يُعينُ على الدَّهرِ " ثم قال: قد سألت جماعة عن صدر هذا البيت فما كان عندها ذاك. فقلت: أنا أحفظُ ذاك.
فنظر إليَّ بغضبٍ وقال: فما هو؟ قلتُ: قد نسيته.
قال: ما أسرع ذكرك من نسيانك.
قلت: ذكرته والحال سليمة، فلما حالت على سلامتها نسيتُ.
قال: وما حيلولتها؟ قلت: نظر الصاحب بغضب، فوجب في حسن الأدب أن لا يقال ما يُثير الغضب.
فقال: ومن تكون حتى يُغضب عليك؟ دع هذا وهات! قلت: قال الشاعر:
أُلامُ على أَخذِ القَليل وإِنَّما ... أُصادِف أَقواماً أقلّ من الذرّ
فإِن أنا لم آخُذ قليلاً حُرِمتُه ... ولا بُدَّ من شيءٍ يُعين عَلى الدَّهْرِ
فسكَت.
وكان ابن عباد ورد إلى الري سنة ثمان وخمسين مع مؤيد الدولة، وحضر مجلس ابن العميد أبي الفضل، وجرى بينه وبين مِسْكَوَيْه كلام، ووقع تجاذب.
قال مسكويه: فدعني حتى أتكلم، ليس هذا نصفة، إذا أردت أن لا أتكلم فدع على فمي مخدَّة.
فقال له: أنا لا أدع على فمك مخدّة، ولكن أدع فمك على المخدّة. وطارت النادرة، ولصقت وشاعت وبقيت.
فأما حديث ابن عباد مع أبي عبد الله الحصيري فمن الطّرائف؛ كان هذا الحصيري من أسقط الناس وأنذلهم، فلما ورد ابن عباد الريَّ تقرَّب إليه وعرض نفسه عليه، وسأل أن يُلقّنه المذهب، فحقره ابن عباد، وكان لا يهشّ له.
فجعل الحصيري يقف في الأسواق والشوارع العظام، والمربعات الكيار، ويُنادي بصوتٍ جهير ويقول: ادعوا الله للصّاحب الجليل، إسماعيل الذي ليس له في الدنيا عديل! ثم يقول بالفارسية: فإنه قد بسط العدل، وأحيا العلم، وبثّ المكارم، وآوى الغرباء؛ لا يشرب الخمر، ولا يَعْفِجُ الغلمان، ولا يخلو بالمُرْدان، ولا يتقحّب بالنساء، ولا ياخذ الرُّشا، ولا يقبل المُصانعات؛ نهاره في المُلك، وليله في دراسة العلم.
وأشباه هذا الكلام الشَّنيع.
(1/92)
________________________________________
وكان المنظر عجيباً، والمسمع أعجب. وكان أهل الريّ يقفون ويسمعون ويضحكون ويسخرون، والبلد يغلب على أهله النوادر والعيارة.
فلما توالى ذلك منه، نُمي إلى ابن عباد، وشُنع به على الحصيري، واستُؤذن فيه ليُنهى عنه ويُزجر.
فقال: لا تفعلوا فإن باله ينكسر، ونشاطه يذهب، دعوه على شدّته في المذهب وحدَته على أهل الكذِب.
وكان له آخر يُلقّنه بالفارسية، ويقال له: اجلس في الأسواق عند الباقلاّني وعند الصّيدلانيّ، وعند المرّاق، وعند الهرّاس، واطرح له حسن " العدل والتّوحيد " ، وادعه إلى المذهب، ولك مشاهرة تدرُّ عليك، وبرٌّ في كل وقت يصل إليك، ولك الجاه العريض في الوصول إليّ، والخلوة معي؛ وكان يقال لهذا الرجل الفُقّاعِيّ.
ورأيت آخر يقال له أبو عليّ الإسكاف، وكان أشفّ من الفُقاعي، على هذا؛ وكان يقال لهؤلاء دعاة الصّاحب، وخاصة الصاحب.
واجتهد بالحسين المتكلم الكُلاّبي أن ينتقل إلى مذهبه، فتلّطف حسين وقال: أيها الصاحب! دعني حتى أكون مشحذاً لك، فما بقي غيري، وإن دخلت في المذهب لم يبق بين يديك من تنثو عليه قبيحه، وتُبدي للناس عُواره.
فضحك من كلامه وقال: قد أعفيناك يا أبا عبد الله، وبعد ما نبخل عليك بنار جهنّم، اصلَ بها كيف شئت! قال لنا حُسين بعد ذلك: يا قوم! أَ تُراني أصلى بنار جهنم وعقيدتي وسيرتي معروفتان، ويتَبوّأُ هو الجنة مع قتل الأنفُس المحرّمة، وركوب المحظورات العظيمة؟ إن ظنّه بنفسه لَعَجب، والله لو كان من المرجئة لكان مخوفاً عليه، فكيف وهو يدعي الوعيد، ويخوِّف بالتخليد؟ لَحا الله الوَقاح.
وقال يوماً: ما صَدْر قول الشاعر:
والمشرَبُ العَذْبُ كَثِيرُ الزّحامْ؟
فسكت الجماعة.
فقال: قد - والله - فشا النّفص، وذهب الحفظ، ومات الأدب.
فقال ابن الرازي: صدره:
يزدَحِم الناسُ علَى بَابِهِ
فأقبل عليه بغيظ، وقال: ما عرفتك إلا متعجرفاً جاهلاً، أما كان لك بالجماعة أُسوة؟ وسمعته يقول: كان أبو الفضل مطبوعاً على معرفة الشِّعر، وكان لا يخفى عليه جيده من رديِّه، وكان يعجب بقول الشاعر:
وجاءَت إلى باب من السِّجْف بينَنا ... مُجافٍ وقد قامَتْ عليه الولائدُ
لِتَسْمعَ شعرِي وهو يَقرع قلبَها ... بوحيٍ تؤدّيه إليها القصائدُ
إذا سمِعتَ معنىً لطيفاً تنفّسَت ... له نَفَساً تنقدُّ منه القلائدُ
ثم قال: هذا والله القول، وأنا أعجب بقول الآخر حين يقول:
ما زلتُ أَهواك سؤلَ قلبي ... ما دمت بين الأَنام حَيّا
وكيف يَسلُو هَواك قلبٌ ... سَقَيْته من هَواك ريّا
أَولى لك الله ثم أَولَى ... أَما خشِيت العِقاب فِيّا
جِئت إِلينا بغير وعْدٍ ... يا حبّ من زارَنا بَدِيّا
حتّى إذا ملكْت قلبي ... وازدَدت حُسناً نعَمْ وزِيّا
نفرَت نفرَ الظباء عنّا ... فصارَ من دونك الثُّريّا
وسنوسّع هذه الرسالة بعد هذا التطويل ببعض ما يكون حجةً أو عذراً، وإن اعترض حديث سقناه على غَرِّه، وعرضناه على حُلوه ومُرّه، ولولا أن الفائدة - أبقاك الله - في سماع هذه الأشياء ومعرفة هذه الأحوال أضعاف الفائدة في الإضراب عنها، لكان السكوت ممكناً، والإمساك مستطاعاً، والسَّلم واقعاً، والإعفاء سهلاً؛ ولكن الخيرة لا تقع، واليقظة لا تستحكم، والطّبع لا يرتاض حتى تتصفح الأمور، وتتعقّب الدُّهور، وتأخذ نصيبك من الاعتبار، وتبعث همتك على محمود الاختيار؛ والشاعر يقول:
ومن يَطُل عَيشُهُ لا تَلْقَه غَمراً ... وفي الحَوادِث والأيّام تجريبُ
وقال آخر:
أَخو خَمسين مُجتَمعٌ أَشُدِّي ... ونجَّذّنِي مُداورَةُ الشُّؤونِ
وقال آخر:
أَ لم ترَ ما لاقيت والدهرُ أَعصر ... ومن يتَملَّ العيشَ يَرْأَ ويسْمَعُ
وقال لي أصحابنا حين وقف على جُرامة هذا الكلام: قد كشفتَ طائفتين كبيرتين، وحملتهما على عداوتك والإرصاد لك، يعني المتكلّمين والمتفلسفين؛ فإن هذه لا تصبر لك على ثَلْبك ابن عبّاد، وهذه لا تسكت عنك في نيلك من ابن العميد.
(1/93)
________________________________________
فقلت له: متى كان الخصم منصفاً، وكان مُدِلاً بالحق متوقّفاً، فإن القول معه يسهل، والجدل يخف، والحديث يُفيد؛ وهل أنا إلا كمن قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث: يا رسول الله: رَضيتُ فقلتُ أحسَنَ ما عرَفت، وغضبت فقلت أقبح ما عرفت. فلم يُنكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأنا أروي لك القصة لتكون الفائدة أظهر، والحجة أنوَر.
قال عمرو بن الأهتم للزِّبْرِقان، حين قال له النبيّ عليه السلام: ما عِلمك فيه؟ قال: أعلم أنه قد نجمت له مروّة، وأنه مطاع في قومه، وأنه مانعٌ لما وراء ظهره.
فقال الزبرقان: أما والله لقد ترك ما هو أفضل من هذا.
فقال عمرو: أما إذا قال ما قال فهو ما علمت أحمق الأب، لئيم الخال، زَمِرُ المروّة، حديث الغِنى؛ ولقد صدقت في الأولى، وما كذبت في الأُخرى.
وضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال عمرو: يا رسول الله! لقد غضبت فقلت أقبح ما عرفت، ورضيت فقلت أحسن ما عرفت.
فقال النبي صلى الله عليه: " إنّ من البيانِ لَسِحْراً " .
فهذا هذا، على ما رواه ابن الأعرابي.
ومن أظلم ممن طلب من الساخط ما لا يوجد إلا عند الرّاضي، وطلب من الراضي ما لا يصاب إلا عند السّاخط؟ ومن كان كذلك فقد ردّ الأمور على أعقابها، وأتى المطالب من غير أبوابها. ولكل واحد من الراضي والساخط شاكلة يعمل عليها، وشيمة يظهر بها. على أني ما بهرَجْت مذهب المتكلمين، ولا زيّفت مقالة المتفلسفين. وإنما قلت في أُولئك إنهم ادّعوا " العدل " وعملوا بالجَوْر، وأمروا بالمعروف وركبوا المُنكر، ودعوا الناس إلى الله بالقول ونفّروا عنه بالفعل، ولم يرجعوا فيما نصروه وذبّوا عنه إلى ورعٍ ظاهر وتحرُّجٍ معروف، ويقين لا خلاج فيه، كما كان عليه سلفهم وأعلامهم؛ واصل، وعَمرو، والحسن ومن جرى مجراهم.
وهذا ما لا أحتاج إلى الاعتذار منه؛ فإني سمعت الدّيّانين منهم يقولون هذا فيهم، ويرونه من الدّاء الذي قد أعضل عليهم.
ثم إني ما رأيت أحداً سكت عن أحدٍ من سفهائهم تغافلاً عنه أو حصراً له إلا ورأيته يقول ويُطنب في ابن عباد غير خاشٍ ولا مُتحاش، لعظم الآفة به على المذهب، وتفاقُم الأمر بمكانه على أهله.
وما قولي هذا فيهم إلا كقولك يوم اجتماعنا في مقبرة معروف الكرخي لبعض الشيعة: لو كنت دائناً بحبّ آل الرسول معتقداً لشرف العِتْرة راجعاً إلى صحة السريرة والعقيدة لظهر ذلك في عفّتك وورعِك، وصلاتك وصيامك، وحجِّك، وعبادتك واجتهادك، وصدقتك ومواساتك؛ مع إحياء الليل وإظماءِ النهار، واقتداءٍ بالذين إياهم تحبّ، وعنهم تذبّ؛ ولم تكن تقنع من جميع محاسن المذهب بسبّ السلف وتضليل الأُمة، وثلب الصالحين وتكفير السّابقين وتدنيس الطاهرين.
فقولك لهذا الرجل الشيعي هو قولي للمتكلم إذا كان دعياً، ولم يكن في مذهبه براً تقياً.
وأما ابن العميد، فمن هذا الذي يتفلسف على بصيرة ومعرفةٍ، وهو يرضى سيرته، ويحمد هَدْيه، ويراه قُدوةً ويعدُّه سعيداً؟ كأن الفلسفة إنما تكون بالدّعوى باللسان، من غير عمل ومعاناة ورياضة، وقمعٍ للشهوات إذا غلبت، وردعٍ للنفس إذا طغت، واستصلاحٍ للأمور بالعدل المؤثر فيها، وطلب السعادة والفوز في العاقبة على ما رسمه علماؤها، وحققه حكماؤها.
هيهات! ظنٌّ لا تسافر فيه العين، وقول لا يصبر على لفْح الكِير. فليت شعري بعد هذا من الخصم الذي يركب البهت، ويدفع العيان، ويسحر العقول، ويطرح الأذهان، ويقول: ليس القول بالعدل والتوحيد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر إلا ما هو عليه ابن عباد، ولا الفلسفة إلا ما كان يختاره ابن العميد؟ هذا ما لا يقوله أحد ممن له عقل ونهى، ولا يجترئ عليه من له حجر وحِجا، خاصة إن كان ممن يرُبُّ مروّته بالحق، ويصون كلمته عن الكذب، ويغار على عقله من تعنيف معنّف، ويأنف لنفسه من لومة لائم.
سمعت القاضي أبا حامد المَرْورُّوذِيّ يقول، وكان سيد الفقهاء في وقته وإمام أصحابه في عصره، وعجيب الفضل في جميع أموره؛ لو أن رجلين ظاهرين زكَّيا رجلاً عند الحاكم، ثم سأل الحاكم آخرين مرضِيّيْن عن ذلك المزكّى بعينه فجرَّحاه لكان الحاكم لا يقف ولا يتحيَّر ولا يعيا ولا يحصر، ولكنه يقدّم الجرح على التزكية ويعمل به دونها، ويصير إليه تاركاً لها؟ فإن قلت: ما الحكمة في هذا؟
(1/94)
________________________________________
قيل لك: إن اللذين زكّيا قالا بالظاهر، وربما يكثر مثله، ويغلب شبيهه، وربما يُتكلّف في نظيره بالرياء والسمعة، والنّفاق والخديعة، والختل والحيلة؛ فلو لم يكن هذا لأمضيتُ التزكية على ظاهرها، وعملت بها، وسكنت إليها. فأما إذا استنظهرتُ فسألت آخرَيْن مرضيَّين عن المزكّى فجرّحاه، فكأنما علِما من باطن أمره وخافي حاله وكُنْه غَيْبه، ومطويّ شأنه ما توارَى عن عرفان من ركَّاه، وخفي على بحث من عدّله. فكان هذا عندي بالقبول أولى والعمل به أحرى.
هذا ما قاله هذا الرجل العالِم، وهلك سنة ثلاث وستين وثلاثمائة.
وابن عباد حفظك الله - ليس بصغير القدر، وابن العميد لم يكن خامل الذكر، وما فيهما إلا من هو غُرة زمانه، وتاريخ دهره، لنباهته وصِيته، وطول أيامه وامتداد دولته، ومواتاة مُراده، وطاعة الناس له، وتوجه الأطماع إليه؛ فكيف يُجزّف الحديث عنهما مجزّف، ويُلزَق الكذب بهما مُلزق، أو يدّعي الباطل عليهما مُدَّع؟ هذا ما لا يطمع فيه حصيف، ولا يعمل عليه عاقل؛ ولكن حديث الدِّين والكَرَم والعقل والمجد والسِّيرة والهدى والجُود والبَذْل، ليس من حديث الجَدّ والفتح والختال والإنفاق والدولة والسناء والمرتبة في شيء.
اللهم إلى أن يكون الفضل كله عند هذا المخالف في كتاب يُنشأ ومعنىً يُقتضب، وقصيدة تُنشد، ورسالة تُحبّر، ومسألة تتداول بالعيِّ والبيان، ودعوى تُتناقل بالشُّبهة، وعربية تُشقَّق تشقيقاً، وكلمة تُزَوَّقُ تزويقاً، وباطلٍ يُنصر لحاجةٍ تدعو إليه، وحقٍّ يُرفض لأمر يحمل عليه، وخصم يُفحم بما غثَّ وسمن، وشُبهةٍ تُركب بما ظهر وبطن.
أو يكون الفضل عنده، والتَّمام لديه في الأمر والنهي، والعزل والولاية، والقبض والمُصادرة، والكيد والغيلة، والاستخراج والحيلة، والغاشية والحاشية، والخدم والحشم، والدُّور والقصور، والمراكب والمواكب، فيكون كل ما يدّعيه الخصم مقبولاً، وكل ما يأباه مرذولاً؛ فأما أن يكون الفضل - بإحماع الأوّلين والآخرين، والماضين والغابرين - في الدّينونة والتألُّه والعفاف والتحرُّج والكرم، والطَّهارة والتقزز والنّزاهة والرّقة والرّحمة والجود والعَطية والحِلم والعفو والإبقاء والإغضاء والوفاء والإرضاء والتغافل والتسمُّح والبرّ والتعهُّد، والبِشْر والطَّلاقة، والدّماثة والشجاعة وطلب الذّكر الجميل من كل أحد، إما للساعة وإما للأبد، فينبغي على هذا أن لا يكون لكلام الخصم سامع، ولا لدعواه مُصدّق ولا لحُكمه مُجيز.
قلت لأبي الوفاء المهندسن وكان قد رجع من عند ابن عباد، لقيه بجُرجان مؤدياً إليه رسالة من بغداذ، لقيتُه بالمرْج في ليلة عمياء بالمطر والبرد والثّلج والسّيل العرم: كيف شاهدت ابن عباد، فإنك صَيْرَفيُّ الناس في الناس؟ فقال: يقال لمثله عندنا بنيسابور عندنا طبلٌ هَرْثَمِيّ، ويقال لمثله عند إخواننا ببغداد: مادح نفسه يقرئك السّلام؛ وهو مع هذا عند أصحابه رقيع طيّب، وعند الكُتّاب أحمق غليظ، وعند سفلة المعتزلة واحد الدنيا، وعند الفلاسفة طائر طريف، وعند الصالحين ظلوم قاس، وعند الله فاسق عاصٍ، وعند أهل بلده أفّاكٌ أثيم، وعند الجمهور شيطان رجيم.
وقلت لأبي السلم تحية بن علي الشاعر القحطاني: أين ابن عباد من ابن العميد؟ فقد زرتهما مُنتجعاً، وزرتهما جميعاً.
فقال: كان ابن العميد أعقل، وكان يدّعي الكرم، وابن عباد أكرم، وهو يدّعي العقل؛ وهما في دعوييهما كاذبان، وعلى سجيّتِهما جاريان.
أنشدت يوماً على باب ذاك قول الشاعر:
إذا لم يكن للمَرْء في دولة امرئٍ ... جمالٌ ولا مالٌ تمنَّى انتقالَها
وما ذاك من بُغضٍ لها غير أنه ... يؤمّل أُخرى وهو يرجو زَوالها
فرُفع إليه إنشادي، فأخذني وأوعدني، وقال لي: انجُ بنفسك فإني رأيتك بعد هذا أَولَغْت الكلاب دَمد.
وكنت قاعداً على باب هذا منذ أيام فأنشدت البيتين على سهوٍ، فرُفع إليه الحديث، فدعاني ووهب لي دُريهماتٍ وخُريقات، وقال: لا تَتمنّ انتقال دولتنا بعد هذا.
وأبو السلم هذا من أغزر الناس في الشعر، يحفظ الطِّمَّ والرِّمَّ، وكان طيّب الإنشاد، رخيم النغمة. أنشدني لابن حسان:
إِن الجديدَيْن في طول اختلافهما ... لا يَفْسُدان ولكن يَفسُد النَّاسُ
(1/95)
________________________________________
لا تَطمعا طمَعاً يُدْني إلى طَبَعٍ ... إِن المطامِع فَقْرٌ والغِنى اليَاسُ
للناسِ مالٌ ولي مالاَنِ مالَهُما ... إذا تحارَسَ أهلُ المالِ، حُرَّاسُ
مَالي الرِّضَا بِالذي أَصبحتُ أَملِكُه ... وماليَ اليأَسُ مما يَملِكُ الناسُ
وقال لي الخليلي: الرجل مجنون، يعني ابن عباد، وفي طباع المعلمين. سمعته وهو يقول للتميمي الشاعر: كيف تقول الشعر؟ وإن قلته كيف تجيده؟ وإن أجدت كيف تغزُر فيه؟ وإن غَزَرت فيه فكيف تَروم غاية وأنت لا تعرف ما الزَّهْلِق وما الهِبْلَع، وما العُثَلطِ، وما الجَلَعْلَع، وما القَهْقَب، وما الطُّرْطُب، وما القَهْبَلِس، وما الخَيْسَفُوج، وما الخُزَعْبِلَة، وما القُذَعْمِلة، وما العَرَوْمَط، وما السَّرَوْمَط، وما الدَّوْدَرَى، وما المَكْوَرَّى، وما العَفْشَليل، وما القفشليل، وما الجَلَعْبَى، وما القِرْشَبُّ، وما الصِّقْعَل، وما الجِرْدّحْل، وما الدَّرْدَبيس، وما الطَّرْطَبِيس، وما العَلْطَمِيس، وما الجرَعْبِيل، وما الخُنَعْبيل، وما العُبَاريد، وما العَبابِيد، وما العَباديد، وما النِّقاب، وما الجِرْفَاس، وما اللَّووس، وما النَّعْثَل، وما الطِّرْبَال؟ وما معنى: إنه لظريف ولا تِباعَة؛ وما الفرق بين العَذْم والرَّذْم، والحَدْم والحَذْم، والخَصْم والقَضْم، والنَّضح والرَّضْح، والقَصْم والفَصْم، والقَصْع والفَصْع، وما العَبَنْقَس، وما الفَلَنْقَس، وما الوَكْواك والزَّوَنَّك، وما الخَيْتَعور، وما السَّيْتَعور، وما اليَسْتَعور، وما الحِرْذَون، وما الحَلَزون، وما القصدر، وما الجُمَعْلِيل. قال الشاعر:
جاءت بخف وحتين ورجل
جاءت تمشّي وهي قدّام الإِبل
مشيَ الخُمَعْليلة بالحرف النقل
قال: ورأيت بعض الجهال باللغة يصحّف هذا ويقول:
بخف وحنين ورخل
قلت للخليلي: من عنيَ بهذا؟ قال: عنيَ ابن فارس معلّم ابن العميد أبي الفتح.
قال الخليلي: أَ فهذا الضرب من الكلام مما يجب أن يفتخر به، ويتدفّق به، إنك يا أبا حيان لو رأيته يميس وهو يهذي بهذا وشبهه، ويتفيهق فيه، ويلوي شدقه عليه، ويقذف بالبُزاق على أهل المجلس، لحمِدت الله تعالى على العافية مما بُلي به هذا الرجل.
وبعد فما بين الشاعر وبين هذا الضرب؟ الشاعر يطلب لفظاً حُراً، ومعنىً بديعاً، ونظماً حُلواً، وكلمة رشيقة، ومثالاً سهلاً، ووزناً مقبولاً.
قلت للخليلي: فما بال الناس، مع علمهم برقاعته وجنونه، قد لزِموا فِناءه، وتزاحموا على بابه؟ فقال لي: يا هذا! خلَت الدنيا من الكرم والكرام، واصطلح الناس على قلّة المباهاة بالفضائل، وكان هذا كله منوطاً بالخلافة، فانقضت أيام الصّدر الأول بالدِّين الخالص، وأيام بني مروان بالرّياء والسُّمعة، وأيام بني العباس بالمروّات والتوسع في الشهوات، ولم يبق بعد هذا شيء.
ولا بد للناس من الانتجاع، أخصبت البلاد أم أجدبت، والحِرف لا تسع الخلق، والمرتبة الواحدة لا تحفظ النظام، ولا بدَّ للناس من التقسُّم بين الرَّفعة والضَّعة، وعلى ما بينهما من الأحوال؛ على أن الكرم والعطاء، والبذل وحبّ الثناء، والهزّة والأريحية أمور قد فُقدت منذ زمان، وقامت عليها النوادب في كل مكان. هذا ثُمامة المتكلم يحكي بلسانه، وهو صاحب المأمون، قال: دخل النَوْشَجَاني على المأمون، فقال: يا أمير المؤمنين! ما في بيت مال الصدقات درهم، وقد كثر الغارمون.
فقال المأمون: وكيف لا يكثرون وثلاثة أرغفة بدرهم، وها هنا أُناس لا حرفة لهم، وا إفضال من مُوسريهم على معسريهم؟ أما والله لقد شهدت أيام الرشيد والخراج أقل وأرذل، وإن فيها لأكثر من مائة يدٍ بالخير طويلة، وبالعطايا سائلة، وللمعروف باذلة، وللأرحام واصلة.
وروى عن سابق بني هاشم في هذا أعجب كلام، قال: والله لو علم الله أن غنى فقرائكم في أكثر من زكوات أغنيائكم لَفرض لهم ذلك. فتبارك الله رب العالمين.
أين أولئك البرامكة؟ وأين نحن منهم اليوم؟ كان معروفهم يسع الصغير والكبير، ويهمُّ الغنيّ والفقير، مرذةً يغرف ومرة ينزف، ما لهم همّ إلا تثميره.
(1/96)
________________________________________
ومن أولئك زُبيدة بنت جعفر وابنها، إني والله لأحسبهما فرّقا من المال فيمن لجأ إليهما وطلب معروفهما أكثر كم ألف ألف ألف دينار؛ ولقد كان لمن ذكرت بطانة، وللبطانة بطانة، وكان لهم من المعروف والبذل في الجار والحميم والسائل وابن السبيل ما لو أُحصي لطال ذكره وعظُم قدره؛ فما بالعراق اليوم من يجود بدرهم ولا رغيف، أو ليس من انقلاب الزمان أن صار عبد الله بن بشير أحد أجواده، وأحد أبواب المعروف؟ فما ظنكم بنا وقد حشرنا في زمرة واحدة؟ ثم مَيِّزْ أهل كل زمان! فإذا نظر إلى أهل زماننا لم يَقُم في المباهاة إلا عند الله ومالك ابن شاهي! " إنا لله وإنا إليه راجعون " .
اكتب لهم إلى البلدان. وانظر من كان منهم محتملاً فارم به إلى الأطراف وأجنحة الثغور، ومن قلّ ماله ورثّ حاله، وقعد به العدم عن الحركة الشاسعة فلا تُجاوز به الموصل والبصرة، وفرّق فيهم ألف درهم، وعجّل سراحهم الأول فالأول.
ثم قال لي الخليلي: حصّل الآم زمانك من زمان المأمون حين قال هذا القول، وميَّز هذا التمييز، وداواني بهذا الدّواء. والله إن هذا لعجب! حصلنا في حديث ابن العميد على أن يقال: جَمشَكٌ عَميديّ، وفي حديث ابن عباد على أن يقال: هذا ركاب صاحبيّ؛ إني لأجد في صدري غليلاً لا يبرد شيء، من ذهاب الكرم وفَقْدِ الكِرام وقلّة المبالي بذلك.
قلت للخليلي أيضاً: ومع هذا لكه أين ابن عباد من ابن العميد؟ فقد خبرت ذلك بملازمتك، وعرفت هذا بتعرّضك.
فقال: أما ذاك فكان لا يُعطيك، ولكنّه كان لا يُطعمك.
وأما هذا فإنه يُطعمك حتى يستفرغك، ثم يرميك بالحرمان أو بعطاءٍ شبيه بالحرمان. وتفسير هذا عندك يا أبا حيان.
كيف كان علمُ ذاك من علم هذا؟ قال: كان ذاك يدّعي الفلسفة دَعْوى شديدة، ولكن لا ينادي عليها في الأسواق.
وهذا يدّعي علم الدِّين، وهو يعرضه فيمن يريد.
قلت له: كيف كان ابن العميد في أمر الطعام؟ قال: كان مكبوت الأنفاس عند اختلاف الأضراس، كَدِر الإحساس عند دوران الكاس، وهذا مما يخالف ما عليه كِرام الناس.
قلت: فكيف كان ابن عباد لأهل العلم؟ قال: إن كذبوه وخدعوه وموَّهوا عليه ونافقوه وتملّقوه قرّبهم وأدناهم، وأكرمهم وأعطاهم، وإن صدقوه وماتَنُوه وثبتوا له أبعدهم وأقصاهم، وحَرَمهم وأخزاهم.
فما ذنبي - أكرمك الله - إذا سألت عنه مشايخ الوقت وأَعلام العصر فوصوه جميعاً بما جمعت لك في هذا المكان؟ على أني قد سترتُ كثيراً من مخازيه، إما هرباً من الإطالة أو صيانةً للقلم من رسم الفواحش، ونثّ العِضْلة، وذِكر ما يَسْمُج مسموعُهُ، ويُكره التّحدث به.
هذا سوى ما فاتني من حديثه، فإني فارقته سنة سبعين وثلاثمائة.
أو ما ذنبي إن ذكرت عنه ما جرَّعَنِيه من موارد الخيبة بعد الأمل، وحملني عليه من الإخفاق بعد الطّمع، مع الخدمة الطويلة، والوعد المتّصل، والظنّ الحسن؛ حتى كأني خُصِصْتُ بخَساسته وحدي، أو وجب أن أعامَل به دون غيري.
قدَّم إلىّ نجاح الخادم، وكان ينظر في خزانة كتبه ثلاثين مجلَّدةً من رسائله، وقال: يقول لك مولاي: انسخ هذه فإنه قد طُلب من خراسان.
فقلت بعد ارتياع: هذا طويل، ولكن لو أذِن لخرّجت منه فقراً كالغُرر، وشذوراً تدور في المجالس كالشمّامات والدَّسْتَنبُويَات لو رُقي بها مجنوقٌ لأَفاق، ولو نُفث على ذي عائِنة لَبرِئ، لا تُملّ ولا تُستَغثّ، ولا تُعاب ولا تُستَرثّ.
فرُفع ذلك إليه على وجه مكروه وأنا لا أعلم، فقال: طعن في رسائلي وعابها، ورغِب عن نسخها، وأزرَى بها، والله ليُنكرَنّ مني ما عرف، وليعرفنّ حظّه إذا انصرف. كأني طعنت في القرآن، أو رميت الكعبة بخرق الحيض، أو عقرت ناقة صالح، أو سَلَحت في زمزم، أو قلت كان النَّظّام ما نَوياً، أو كان العَلاّف ديصانياً، أو كان الجبَائي بُتْرياً، أو مات أبو هاشم في بيت خَمَّار، أو كان عبّاد معلّم الصبيان.
وما ذنبي يا قوم إذا لم أستطع أن أنسخ ثلاثين مجلّدة؟ ومن هذا الذي يستحسن هذا التكليف حتى أعذره وهو يرجو بعده أن يمتّعه الله ببصره أو ينفعه بيده؟ ثم ما ذنبي إذا قال لي: من أين لك هذا الكلام المفوف المشوف الذي تكتب إليّ به في الوقت بعد الوقت.
(1/97)
________________________________________
فقلت: وكيف لا يكون كما يوصف وأنا أقطف من ثمار رسائله، وأستقي من قليب علمه، وأشيم بارقه أدبه، وأرد ساحل بحره، وأستوكف قطر مُزنه؟ فيقول: كذبت وفجرت لا أُمَّ لك! ومن أين كلامي الكُدية والشحذ والضَّرع والاسترحام؟ كلامي في السماء، وكلامك في السماد.
هذا - أيدك الله - وإن كان دليلاً على سوء جدّي، فإنه دليل أيضاً على انحلاله وتحزُّقه وتسرعه ولؤمه. انظر كيف يستحيل معي عن مذهبه الذي هو عرقه النّابض وسوسه الثابت وديدنه المألوف.
وهلاّ أجراني مُجرى التاجر المصري والشاذياشي وفلان وفلان؟ أو ما ذنبي إذا قال لي: هل وصلت إلى ابن العميد أبي الفتح ببغداذ؟ فأقول: نعم رأيته وحضرت مجلسه وشاهدت ما جرى له، وكان من حديثه فيما مُدح به كذا وكذا، وفيما تقدّم منه كذا وكذا، وفيما كفى فيه كذا وكذا، وفيما تكلّف من تقديم أهل العلم واختصاص أرباب الأدب كذا وكذا، ووصل أبا سعيد السيرافي بكذا وكذا، ووهب لأبي سليمان المنطقي كذا وكذا؛ فيزوي وجهه ويتكره حديثه، وينجذب إلى شيءٍ آخر ليس مما شرع فيه، ولا مما حُرِّك له. ثم يقول أعلم أنك إنما انتجعته من العراق، فافرأ عليّ رسالتك التي توسَّلت إليه بها، وأسهبت مقرظاً فيها، فأتمانع فيأمر ويشدد، فأقرؤها فيتَّقد ويذهل.
وأنا أكتبها لك ها هنا لتكون زيادة في الفائدة.
بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم هيّء لي من أمري رشداً، ووفّقني لمرضاتك أبداً، ولا تجعل الحرمان عليّ رصداً.
أقول وخير القول ما انعقد بالصّواب، ما تضمن الصدق، وخير الصِّدق ما جلب النفع، وخير النفع ما تعلق بالمزيد، وخير المزيد ما بدا عن شُكْر، وخير الشكر ما بدا عن إخلاص، وخير الإخلاص ما نشأ عن إيقان، وخير الإيقان ما صدر عن توفيق.
لما رأيت شبابي هرماً بالفقر، وفقري غِنىً بالقناعة، وقناعتي عجزاً عند التحصيل، عدلت إلى الزمان أطلب إليه مكاني فيه، وموضعي منه، فرأيت طرفه عني نابياً، وعنانه عن رضاي مثنياً، وجانبه في مُرادي خشناً، وإنفاقي في أسبابه سيئاً، والشامت بي على الحَدَثان متمادياً؛ طمعت في السكوت تجلداً، وانتحلت القناعة رياضة، وتألّفت شارد حرصي متوقفاً، وطويت منشور أمري متنزّهاً، وجمعت شتيت رجائي سالياً، وادّرعت الصبر مستمراً، ولبست العفاف محموداً، واتخذت الانقباض صناعة، وقمت بالعلاء مجتهداً.
هذا بعد أن تصفّحت الناسفوجدتهم أحد رجلين: رجلاً إن نطق عن غيظ ودِمنة، وإن سكت سكت على ضِغْنٍ وإحنة. ورجلاً إن بذل كدَّر بامتنانه بذله، وإن منع حصَّن باحتياله بُخله؛ لم يطل دهري في أثنائه متبرّماً بطول الغربة وشظف العيش، وكلب الزمان وعَجَف المال، وجفاء الأهل وسوء الحال، وعادية العدوّ وكسوف البال؛ متضرّماً من الحنق على لئيم لا أجد مُنصرفاً عنه، متقطعاً من الشوق إلى كريم لا أجد سبيلاً إليه - حتى لاحت لي غُرة الأُستاذ فقلت: حلَّ بي الويل، وسال بي السٍّيل! أين أنا عن ملك الدنيا، والفلك الدائر بالنُّعْمى؟ أين أنا عن مشرق الخير ومغرب الجميل؟ أين أنا عن بدر البدور وسعد السعود؟ أين أنا عمن يرى البخل كفراً صريحاً، ويرى الإفضال ديناً صحيحاً؟ أين أنا عن سماء لا تفتر عن الهطلان، وعن بحر لا يقذف إلا باللؤلؤ والمرجان؟ أين أنا عن فضاءٍ لا يُشقُّ غُباره، وعن حرَم لا يضام جواره؟ أين أنا عن منهلٍ لا صدر لفُرّاطه ولا منع لوُرّاده؟ أين أنا عن ذَوبٍ لا شوب فيه، وعن صددٍ لا حَدَد دونه؟ بلى! أين أنا عمّن قد أتى بنُبُوّة الكرم، وإمامة الإفضال، وشريعة الجُود، وخلافة البَذْل، وسياسة المجد، نسيمه مَشيمة البوارق، ونفسه نفيسة الخلائق؟ أين أنا عن الباع الطويل والأنف الأشمّ والمشرب العَذب والطريق الأمم؟ لم لا أقصد بلاده؟ لم لا أقتدح زناده؟ لم لا انتجع جنابه وأرعى مراده؟ لم لا أسكن رَبْعَه وأستدعي نفعه؟ لم لا أخطب جوده وأعتصر عوده؟ لم لا أستمطر سحابه وأستسقي ربابه؟ لم لا أستميح نيله وأستَسْحب ذيله؟ لم لا أحجُّ كعبته،وأستلم ركنه؟ لم لا أصلّي إلى مقامه مؤتمّاً به؟ لم لا أُسبّح بثنائه متقدساً؟ لم لا أحكم في حالي؟
فتىً صِيغ من ماءِ البَشَاشَةِ وجهُه ... فأَلفاظُه جودٌ وأنفاسُه مَجْدُ
لم لا أقصد:
(1/98)
________________________________________
فتىً بان للناسِ في كفّه ... من الجُودِ عَينَان نضَّاختان
لم لا أمتري معروف:
فتىً لا يُبالي أن يكونَ بجسمِه ... إذَا نالَ خَلاَّتِ الكرام، شحوبُ
لم لا أَمدح:
فتىً يشترِي حُسنَ الثناءِ برُوحه ... ويعلَم أَعقابَ الحديث تدوم
نعم! لم لا انتهي في تقريظ فتىً لو كان من الملائكة لكان من المقرّبين، ولو كان من الأنبياء لكان من المرسلين، ولو كلن من الخلفاء لكان نعتُه اللائذ بالله، أو المنصف في الله، أو المُعتضِدَ بالله، أو المنتصب لله، أو الغاضب لله، أو الغالب لله، أو المرضيَّ لله، أو الكافي بالله، أو الطالب بحق الله، أو المُحيي لدين الله.
أيها المنتجع قَرْن كلئه المختبط ورق نعمته، ارْعَ عرض البِطان مُتفيِّئاً بظله، وكُلْ خَضْماً ناعم البال متعوّذاً بعزّه، وعِش رخيَّ اللَبب، معتصماً بحبله، ولُذ بذُراه آمنَ السِّربْ، وامحض وده بالله القلب، وقِ نفسك من سطوته بحُسن الحِفاظ، وتخيَّر له ألطفَ المدح، تفُز بأيمن القدح؛ ولا تحرم نفسك بقولك: إني غريب المثوى نازح لدار، بعيد النَّسب منسيّ المكان؛ فإنك قريب الدار بالأمل، داني النُّجْع بالقصد، رحيب السّاحة بالمُنى، ملحوظ الحال بالحسد، مشهور الحديث بالدرك.
واعلم علماً يلتحم باليقين ويدرأ من الشكّ أنه معروف الفخر بالمفاخر، مأثور الأثر بالمآثر؛ قد أصبح واحد الأنام، تاريخ الأيام، أسد الغياض يوم الوغى، نور الرياض يوم الرضا، إن حُرِّك عند مكرمةٍ حرِّك غُصناً تحت بارح، وإن دُعي إلى اللقاء دُعي ليثاً فوق سابح.
وقل إذا رأيته بلسان التحُّكم: أصلح أديمي فقد حَلِم، وجدِّد شبابي فقد هرم، وأنطق لساني بمدحك فقد حصر، وافتح بصري بنعمتك فقد سَدِر، واتلُ سورة الإخلاص في اصطناعي فقد سردتُ صفائح النُّجح عند انتجاعي. وقل: رِشْ عظمي فقد بَراه الزمان، واكْسُ جلدي فقد عراه الحدَثان، وإياك أن تقول: يا مالك الدنيا جُد لي ببعض الدنيا، فإنه يحرمُك، ولكن قل: يا مالك الدنيا هب لي الدنيا.
اللهم فأحْي به بلادك، وانعش برحمته عبادك، وبلِّغه مرضاتك، وأسكنه فردوسك، وأدِم له العزّ النامي والكعب العالي، والمجد التليد، والجدَّ السعيد، والحق الموروث والخير المبثوث والوليّ المنصور، والشانئَ المثبور، والدّعوة الشاملة، والسَّجية الفاضلة، والسِّرب المحروس، والربع المأنوس، والجَناب الخصيب والعدُوّ الحريب، والمنهل القريب؛ واجعل أولياءه باذلين لطاعته، ناصرين لأعزّته، ذابِّين عن حرمه، مُرَفرفين على حَوْبائه.
أيها الشمس المضيئة بالكرم، والقمر المنير بالجمال، والنجم الثاقب بالعلم، والكوكب الوقّاد بالجود، والبحر الفياض بالمواهب، قد سقط العشاء بعبدك على سرحك فأقره من نعمتك بما يُضاهي قدرك، وزوِّجْ هيئته ترِبها من الغنى، فطال ما خطب كُفأها من هى.
ثم يقال لي من بعد: جنيت على نفسك حين ذكرت عدوّه بخير، وبيّنت عنه، وجعلته سيد الناس، فأقول: كرهتُ أن يراني مُندَرِياً على عرض رجل عظيم الخطر، غير مكترث للقعة فيه، والإنحاءِ عليه؛ وقد كان يجوز أن أُشعّث من ذلك شيئاً وأبري من أثلته جانباً، وأُطير إلى جنبه شرارة.
فيقال أيضاً: جنيت على نفسك وتركت الاحتياط في أمرك؛ فإنه مقتك وعافك ورأى أنك في قولك عدوت طورك، وجهلت قدرك، ونسيت وزنك؛ وليس مثلك من هجم على ثلب من بلغ رتبة ذلك الرجل، وأنت متى جسرت على هذا دربت به وجعلت غيره في قرنه.
فإذا كانت هذه الحالات ملتبسة، وهذه العواقب مجهولة فهل يدور العمل بعدها إلا علىالإحسان الذي هو علة المحبّة، والمحبّة التي هي علة الحمد، والإساءة التي هي علة البُغض، والبُغض الذي هو علّة الذّمّ؟ فهذا هذا.
وكان ابن عباد شديد الحسد لمن أحسن القول وأجاد اللفظ. وكان الصوابُ غالباً عليه، وله رفق في سرد حديث ونيقةٌ في رواية خبر، وله شمائل مخلوطة بالدّماثة، بيِّن الإشارة والعبارة.
وهذا شيءٌ علم في البغداديين وكالخاصّ في غيرهم.
حدَّثته ليلة بحديث فلم يملك نفسه حتى ضحك واستعاد، ثم قيل لي بعد: إنه كان يقول: قاتل الله أبا حيان! فإنه نكد وإنه وإنه، وأكره أن أروي ذمّي بقلمي، وكان ذلك كله حسداً محضاً، وغيظاً بحتاً.
(1/99)
________________________________________
وأروي لك الحديث، فإنه في نهاية الطِّيب، وفيه فُكاهة ظاهرة، وعِيٌّ عجيب في معرض بلاغة ظريفة في ملبس فهاهة.
حدثني القاضي أبو الحسن الجرّاحي قال: لحقتني مرةً على صعبة؛ فمن طريف ما مرَّ على رأسي فيها أنه دخل عليّ في جملة من عاداني شيخ الشُّونِيزِية ودوّارة الحمار والتوثة وفقيهها أبو الجعد الأنباري، وكان من أصحاب البَربَهاري، فقال أول ما قعد: يقع لي فيما لا يقع إلا لغيري أو لمثلي فيمن كان كأنه مني أو كأنه كان على سنّي أو كان معروفاً بما لا يُعرف به إلاّي أني أرى أنك لا تحتمي إلا حِميةً فوق ما يجب، ودون ما لا يجب، وبين فوق ما لا يجب وبين دون ما لا يجب فرق، والله يعلم أنه لا يعلمه أحد ممن يعلم أو لا يعلم.
الطبّ كله أن تحتمي حِمْيةً بين حميتين؛ حمية كَلاَ حِمْية، ولا حمية كحمية، وهذا هو الاعتدال والتّعديل والتعادل والمعادلة. قال الله تعالى: (وَكَان بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً)، وقال النبي صلى الله عليه وسلّم: " خير الأمور أوسَاطُها، وشرُّها أطرافُها " ؛ والعلة في الجملة والتفصيل إذا أقبلت لم تُدبر، وإذا أدبرت لم تُقبل، وأنت من إقبالها في خوف، ومن إدبارها في التّعجُّب؛ وما تصنع بهذا كله؟ لا تنظر إلى اضطراب الحمية ولكن انظر إلى جهل هؤلاء الأطباء الألبّاء الذين يُشققون الشّعر شقاً، ويدُقُّون البعر دقاً، ويقولون ما يدرون وما لا يدرون زَرَقاً وحمقاً؛ وإلى قلّة نُصحهم مه جهلهم، ولو لم يجهلوا إذا لم ينصحوا كان أحسن عند الله والملائكة، ولو نصحوا إذا جهلوا كان أولى عند الناس وأشباه الناس، والله المستعان.
أنت في عافية، ولكن عدوك ينظر إليك بعين الأُست، ويقول: وجهه وجه من قد رجع من القبر بعد غد. وعلى حالٍ فالرجوع من القبر خير من الرجوع إلى القبر، لعن الله القبر لا بزاز ولا خبَّاز ولا دراز ولا تجواز " إنا لله وإنا إليه راجعون " ، عن قريب إن شاء الله، (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ)، (وَلاَ يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّءُ إلاَّ بِأَهْلِهِ)، (وَهُو علَى جَمْعِهِم إِذا يَشَاءُ قَدِيرٌ)، (وَمِنَ الجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ).
تأمر بشيء؟ السُّنّة في العيادة، خاصّة عيادة الكبار والسادة، التخفيف والتطفيف وقلّة الكلام، أنا إن شاء الله عندك بالعشيّ، والحق الحقَّ وأقوم بما يجب على مثلك لمثلي، وإن كان ليس لك مثل، ولا لمثلي مثل؛ هكذا إلى باب الشام وإلى قنطرة الشوك وإلى المزْرَفَة.
أقول لك المثوى، أنا وأنت اليوم كمثل كُمَّثْراتَين إذا عَفنتا على رأس شجرة، وكدَلويين إذا خلقتا على رأس بئر، ودع ذا القارورة، اليوم لا إله إلا الله، وأمس كان سبحان الله، وغداً يكون شيئاً آخر، وبعد غدٍ ترى من ربك العجب، والموت والحياة بعون الله، ليس هذا مما يباع في السوق، أو يوجد مطروحاً على الطريق، لكن الإنسان ولا قوة إلا بالله طريف أعمى، كأنه ما صحّ له منام قطّ، ولا خرج من السُّمارية إلى الشطّ، وكأنه ما رأى قدرة الله في البطّ، إذا لقط كيف يتقَطْقَط؛ والكلام في الإنسان وعمى قلبه وسخنة عينه كثير لا يحمله تلّ عقرقوف، ولا يسلم في هذه الدار إلا من عصر نفسه عصرة ينشقّ منها فيموت كأنه شهيد. وهذا صعب لا يكون إلا بتوفيق الله وبعض خذلانه الغريب. على الله توكلنا، وإليه التفتنا ورضينا، وبه استجرنا، إن شاء الله خرَّانا وإن شاء الله أطعمنا.
قال القاضي: فكدتُ أموت من الضحك، على ضعفي، وما زال كلامه لهوي إلى خرجت إلى الناس. وكان مع هذا لا يعيا ولا يكلُّ ولا يقف، وكان من عجائب الزمان.
وقال لي ابن عباد: حدثني عن بعض لياليه ببغداد، يعني ذا الكفايتين، وعن مُذاكرة الجماعة عنده ومشاركته لها.
قلت: نعم! حضرتُ ليلة في شهر رمضان سنة أربع وستين وثلاثمائة، فسأل عن الغنى أَ يُقصر أم يُمدّ؟ قال ابن فارس: الغنى مقصور وهو اليسار والترفة، والغناء بالمدّ ما يُسمع على الطريق المعروفة، إلا أن الفرّاء قد حكى أن المدّ في هذا المقصور وهو حجّة، ولا سبيل إلى ردّ قوله.
فقال أبو الفتح: هكذا وما أصحّ حكايتك! ولكن قلبي لا يطمئن إلى مدّ هذا الاسم، لأنه لم يأت في كلامهم ممدوداً.
فقال ابن فارس: قد أنشد الفرّاءُ قول الشاعر:
سيُغنيني الذي أَغناكِ عني ... فلا فقر يدوم ولا غِناءُ
(1/100)
________________________________________
فقلتُ: عندي في هذا شيء، وما دَخرته إلا لمثل هذه الحال، وقد حان وقته.
فقال: هات، بارك الله عليك، إنه لحَبَّاء بالفائدة ما علمت.
قلت: الشعر على غير هذا الوجه، والبيت الذي يتلوه يشهد له، وهو:
سَيُغنيني الذي أَغناكِ عني ... فلا فقري يدُوم ولا غناكِ
تجنَّيْتِ الذنوبَ لتَصرِميني ... دعِي العلاّتِ واتَّبِعي هواكِ
فقال لي: أحسنت وأجدت! من أنشدك هذا؟ قلت: أبو الليل العلويّ بالمدينة، في مجلس أميرها أبي حمد العلوي العقيقيّ.
قال: فحدثنا عن أبي الليل هذا وعن غيره بشيءٍ.
قلت: سمعت شيخاً عنده من بني حرب قد أنشد أبياتاً، لم أُعلِّق منها إلاّ بيتاً واحداً، وهو:
فتىً خُلقَت أَرْوَاحُهُ مستقيمةً ... لَه نفحاتٌ ريحهُنَّ جنوبُ
وكان معنا إذ ذاك أبو صالح الرّازي الصوفي، وكان مفوَّهاً جَدِلاً.
فقال له: ماذا أراد بقوله " أَرواحُه مستَقِيمةُ " ؟ قال: أراد أن أخلاقه لا تحول عن الخير، وعادته لا تزيغ إلى القبيح، وأنه على ديدنه في الكرم، وخصَّ الجنوب لاستدرارها السّحاب، وجعل نفحاتها منافع لهذا الذي مُدح به.
قال: زِدنا من حديث هؤلاء المدنيين.
قلت: وسمعته، أعني الحربيّ، يقول للأمير أبي أحمد في حديث طويل: أيها الأمير!
لِني ولْيَةً تُمْرع جَنابي فإِنَني ... لما نِلتُ من وَسْميِّ نُعْماك شاكرُ
قلت: أعِد عليّ نسيج قافيتك.
قال: أما ثقفته؟ قلت: ما أدري ما تقول قال: لعلك من هذه الفرقة الكلامية.
قلت: لعلّه.
وسمعت هذا الحربيّ يقول، وكان يُكنّى أبا الخصيب، لِسيّدحيّه، وهما بالعقيق على ضفّة الوادي وقد مدّ، وهما ينطقان بما أُحصِّل ولا أُحصِّل، حتى قال أبو الخطيب لصاحبه: يا هذا! اسْلُ عن طارِفك وتالدك، تَسُدْ بين صاحبك ووافِدك، أما سمعت في هذه القوافي الأُوَل:
لو كنتَ تُعطِي حينَ تُسأَل سامَحت ... لكَ النَّفسُ واحْلَوْلاَكَ كلُّ خليلِ؟
فردَّدتُ القافية، وقلت: " واسْتحلاك كلُّ خليلِ " : فقال لي مُنكراً: ما هكذا لغتي! فقال ذو الكفايتين: كيف كان إدراكهم لما يقع بالإعراب؟ قلت: سألت أبا الخطيب هذا: أقول إنّ قُرْبي جعفراً؟ قال: نعم، فما تبغي؟ قلت: أَ فأقول: إنّ بُعدي جعفراً؟ قال: لا، فما تبغي؟ قلت: فما الذي يمنع من جوازهما؟ قال: بينهما مُسَيْفة لا تُسلك، ورُميلة لا تُعلى، وما أعلم الغيب، وإني على بينة مما قلت، وعلى ريب مما سألت.
فسمع ابن عباد هذا كله على تغيظ ما قصدت إثارته عليه، ولا علمت إن لي متقصّىً من نبثي منه؛ وكان ذلك كله سبب الحرمان.
ولقد ظهر لذي الكفايتين بمدينة السلام فضل كبير، على أنه لم يشخص إلاّ معتوباً عليه.
ولقد كتب إليه ابن طَرْخان الورّاق رسالةً طويلة أطلعني على فصلٍ منها يقول فيه: " وإنك أيها السيد الهُمام دخلت هذا البلد إما غِرّاً بما تُري وتَرى، وإما على أن تُبيّن فضلك لأهله، وإما لأن تستفيد منهم ما ليس عندك.
فإن كان دخولك على غرارة، فما هذا بمُشاكل لرتبتك في هذه الدولة التي غُرّتها مجلوة بيدك، وجُمّتها مفروقة بمِذْرى تدبيرك، وأذاها مُماطٌ بذبّك، ودواؤها مأمون بطلبك، وعدوُّها مكبوت بصولتك، ودولتك، ووليّها قرير العين بحُسن إيالتك وكفالتك.
وإما أن تبين فضلك، فاعلم أنهم لا يعترفون بفضلك إلا موصوفاً بإفضالك، ولا يُسلّمون لك مرادك فيهم إلاّ بأن يُدركوا أملهم منك، كان ذلك طوعاً أو كرهاً، سلماً أو حرباً.
وإما لأن تستفيد منهم ما ليس عندك، وهذا لا يكون مع إذالة القاصدين، والاحتجاب من الطامعين والتكبّر على الحاضرين؛ ولو حسن التكبّر بأحد لحسن بك، لأُبوّتك الشريفة، ولغُرّتك الصّبيحة، ولكفايتك الظاهرة، ولفضائلك الكثيرة؛ ولكن زراية التكبّر على صاحبه أطرد لمحاسنه من تداركه - بتكبّره - من غيره ما يريد يحلده، والناس لا يرضون إلا بالغاية، والغاية أن يظلم الرئيس نفسه تكرماً على زائره، ويجرع الغيظ من كل من قرع بابه ولمس ركابه.
(1/101)
________________________________________
وأنا، أعلى الله كعبك، أحصي أشياء جعلها أصحابنا جوالب للتعب عليك، والكلام من ورائك، وليس لي فيما أقول إلاّ الفوز بجمال النُّصح، وإلاّ الالتذاذ بالتنَّبه على الكرم، وإلا إيثار سلامة عرضك على قوم همُّهم المَحْك في كل حال، وإلا التعرّض لذكرك لهم بالجميل بعد الرّحيل من هذه الرباع.
فمن تلك الأشياء: سهوك الذي وقع قد ركد عليك في قبول من تقبل، وإيصال من تُوصل، وإبعاد من تُبعد، وتفضيل من تفضّل بقول من حولك، وحُكم من أطاف بك، استرسالاً مع الأُنس بهم، وثقةً بما سلف لهم. وذهب عليك - أكرمك الله - أن هؤلاء الذين تنظر بأعينهم، وتقبل وتردُّ بأهوائهم، ما خلوا من حسدٍ لمن يخفُّ على قلبك ويحلى بعينيك ويلتاط بنفسك، والعامّة تقول: " القاصّ لا يحبُّ القَاصّ " .
ولو كان قلبك لكل من اسمه عندك، لِصيته البعيد، وسُؤالك لمن لا شهرة له قبلك بحسن التأتي في التقريب، لكان حدّك حينئذٍ مقبولاً بما يظهر لك من الزيادة والنقص، وكانت الحجة تقوم بينك وبين من قد ضري على مالك، أو وضع في نفسه أن ينال مراده منك بالخدع، على أن التغافل في هذا الباب أدلُّ على الكرم، كما أن الاستقصاء فيه أجلَبُ فيه للنكد.
فهذا هذا.
وشيء آخر، وهو أصعب مما تقدّم، وذلك أن حجاجك قد بدّد شمل الزُّوار عنك، وقسم ظنونهم بك، وطرح في قلوبهم اليأس منك؛ ولست بأهل لذلك منهم كما أنهم ليسوا بأهل لشدّة الحجاب منك، وقلّة رافعي أخبارهم إليك.
وشيء آخر، وهو أصعب مما تقدم، والسّهو فيه لاحق بالظلم؛ لِمَ يجب - أدام الله دولتك - أن لا يصل برُّك إلا إلى الفاضل، وإلا إلى الكامل، وإلا إلى الذي هو في الشعر مُفلق، وفي الكتابة بارع، وفي الفلسفة غاية، وفي الكلام نهاية، وفي الفقه آية، وفي النّحو مذكور، وفي الطبّ مشهور؟ وهذا ظلم. لأن الله تعالى جعل لكل شيء قدراً، وأظهر له خطراً. وكل متاع وثمنه، وكل بَدَن وسمنه، والمتناهي كان في الأول مُبتدئاً، ثم في الثاني متوسِّطاً، ثم في الثالث الذي لا رابع له؛ وقاصدوك بفضائلهم كالعارضين عليك بأمتعتهم، وأنت تشتري كل متاع بقيمته وتعدِّله ببدَله. فهكذا ينبغي أن تفعل بأبناء الأمل وأصحاب العمل؛ فليس يجمل أن يحظى بصلتك وبرّك وجائزتك ونظرك أبو سعيد السيرافي، وأبو سليمان السجسْتاني، وعلي بن عيسى الرُّمَّانيّ، وأصحاب القلانس، ويحرم بعض ذلك فلان وفلان ممن ليس لهم سمع هؤلاء ولا حالهم، على أنك قادر على إلحاق الصغار بالكبار بالاصطناع والتفضُّل؛ فإن الرجال هكذا يتلاحقون، وفي حلبة الرؤساء يتسابقون.
فكُن سبباً للسّاكت حتى ينطق، وعلّة للسّاكن حتى يتحرّك، وباباً للنّائم حتى يستيقظ، وطريقاً للخامل حتى ينتبه، وجداً سعيداً للميت حتى يحيا؛ فأما من عدا هذه الطبقة فقد سلف له بغيرك ما هو أشكر، وبه أبصَر وله أنصَر؛ على أنك إذا عممت الجميع بالخير كنت أشدّ اقتداءً بالله، وأجنحهم إلى هُدى أنبياء الله، وآخذهم بعادة خلفاء الله.
وشيء آخر ترجّحت بفكري في طيّه ونشره، فرأيت طيّه خَمْشاً لوجه النّصيحة، وذكره بالإطالة فتحاً لباب الفضيحة، فذكرته مختصراً؛ فقد يُفهم من الكلام القصير المعنى العريض الطويل، وهو حديث المائدة والطّبق، وما يُحضر للأكل ويُجمع عليه الرَّقيع والوضيع، والنَّزِه والجشع، فجدِّد الاهتمام بذلك، فإن القالة فيه طائرة، والحال فيه دائرة، والحاجة إلى التّحزُّم فيه ماسّة، والتّغافل عنه مجلبة للذمّ؛ وقد رأينا قوماً كراماً تهاونوا في هذا الباب، إما رفعاً لأنفسهم عنه، وإما شغلاً بمهمّاتٍ أُخر دونه، فأكَلَتهم الألسنة، وأعلقتهم الملامة، وأحوجتهم إلى الاعتذار الطّويل بالاحتجاج الكثير. والكرم والمجد لا يثبتان بالدّعوى، ولا يُسلمان بالحجّة، ولكن يشيعان بالفعل الذي نُطقه كالوحي في الحال التي تنتصب للعين، ولا يُؤنَفنّ من ضَعَة الأكَلَة، فإن لؤم الأكلة دليل ناصع على كرم المُطعِم.
وهذا باب يزلُّ فيه الرئيس ويظلم فيه الخدم؛ فإن الرئيس لا يقدر على أن يتولّى كل ذلك بنفسه فيراعيه بلحظه ولفظه، إلا أنه متى أحكم الأساس فقد أمن الباس، وأرضى جمهور الناس.
(1/102)
________________________________________
وشيء آخر لا بدّ من الإفاضة فيه على وجه الذكرى؛ إن لقاءك الناس بالبِشْر يأسرهم لك ويُرضيهم عنك؛ فتكلّف ذلك إن لم يكن التهلُّل سجية لك بالمزاج المستعدّ، وما أكثر ما يلحق المتخلّق بذي الخلق.
وبعد فبين عُبُوس وجهك وقد ظهرت للناس لتركب، وبين عبوسه، وقد رجعت إلى دارك لتنزل، فرقٌ، أعني أنك ربما عُذرت في العبوس في الثاني، لأن النهار قد نصف، ولأنك قد تجشّمت إلى ذلك الوقت مصاعب الدولة بالأمر والنّهي والقبض والبسط؛ ولست تُعذر في غُرّة نهارك وأنت جَامّ ومتوجه ومُقتضب للتدبير في الأمور.
وشيء آخر، قد يسبق إلى عينيك ازدراءُ من عليم مرقّعة، أو علته بذاذة، وقد اعتراه عيٌّ إما للهيبة أو لسوء العادة؛ فلا تُصدِّق العين فإنها تكذب أحياناً، وعمل على أنك تعتقده بفضلك، فإن كان من أهل الفضل فهو شقيقك بالطبيعة وإن كان من أهل النَّقص فهو مستحق منك الرّحمة. والإحسان إلى مثله شكرٌ منك لله على ما خصّك به من دونه.
هذا ما حصل لي من ذلك الفصل.
ثم إني في سنة سبعين وجدتُ هذه الرسالة في مسوّدة ابن طَرخان فيما يُباع من ميراثه. فكان في أولها: " السعادة أيها الأستاذ الجليل ضربان، والسعيد رجلان، وإحدى السعادتين للدنيا، والثانية للآخرة؛ وأحد السعيدين من هو سعيد في هذا المكان، والثاني هو السعيد في مكان آخر؛ ومن كما فضيلة أحد السعيدين أن يعاش الناس بالمعروف، ومن تمتم إحدى السعادتين أن تتصل بالأُخرى.
ولما رأيتك أيها الأستاذ سعيداً في هذه العاجلة بالمال والولاية، والعزّ والمرتبة، آثرت أن تكون سعيداً في تلك الآجلة بالإحسان والمعروف، والبر والمكرمة، فكتبت حروفاً قصدت بها إذكارك لا تعليمك، لأنك تجلُّ عن التعليم؛ لما أوجب الله لك علينا من التعظيم. وإنما ساغ الإذكار، وحسن التّنبيه لأَشغال قد اكتنفتك من تهذيب الدولة، وأعباءٍ قد تحمّلتها في حماية البيضة، وأمور أنت وليّها في بثّ المَعْدِلة في الرعيّة، وإقامتها على سواء المحجّة، ولو سكتُّ عن هذا كله لأمكن، وكان لا يتشَعَّث لك حال قد تولّى الله صلاحها، ولا ينآد عليك مستقيم قد أذن الله بدوامه؛ ولكن كنت أُحرم القربى إليك، ولفوت النظر إلى مثلي ومحرومي ألذَع لقلبي من فائتك؛ لأنك سيد وأنا عبد، وأنت رئيس وأنا مرؤوس، فنعمت دالاً على نفسي بما قدّمته من نفسي؛ فإن كنت لم أخرج من حدّ الأدب المرضيّ، وعادة أهل الحكمة العالية، فما أولاك بعرفان ذلك لي! وإن كنت قد خرجت عن ذلك بعُجبٍ حال بيني وبين صوابي، وخطإٍ قعد بي عن مرتبة أصحابي، فما أولاك بستر ذلك عليّ! وما بسط الله باعك، وما وسّع درعك إلا ليقيك خطأ غيرك بشكل صوابك، وإلاّ لتتغمّد إساءتهم بإحسانك، وإلا لتغلّب الظّن في الجميل ولا تغلب الظن فيما خالف ذلك؛ وأنت كالسماء ذات الآفاق المتبارحة، والكواكب المزدهرة، والحركات اللّطيفة، والآثار الشريفة، والأسرار المكنونة، والعجائب الكثيرة، والغرائب المشهورة؛ فلكل عقلٍ عنك بحث، ولكل قلب فيك أمل، ولكل عامل عندك رجاء، ولكل عمل قِبَلك جزاء.
وأنا أسأل الله الذي رفعك إلى هذه الذِّروة والقلّة أن لا يحطَّك إلى شيءٍ من الذِّلة والقلّة " .
هذا ما صحّ لي بالاستخراج من مُسَوَّدته، أتيت به على ما ترى. وأروي لك ها هنا قصيدة أبي عبد الله النَّمري يمدح بها أبا الفتح، وكان يعجب بها، ويحفظها ويُنشدها. ومُرادي بذلك تكثير الفائدة؛ وتخليد الحديث يُمتع مرة وينفع مرة أخرى، وهي:
سَرَتِ النَّجائب بالنَّجائب ... تَرْمِي الكَوَاكِبَ بِالْكَواكِبْ
تَرْمِي تُجَاهَاتِ المَشَا ... رِقِ مِنْ تُجَاهاتِ المَغارِبْ
قصداً إلى مَلكٍ يُحَكِّمُ في رَغَائِبه الغَرائِبْ
ملِكٍ تَبَوَّأَ من خُزَي ... مَةَ في النّواصِي والذَّوائبْ
حيث السَّوابقُ والسَّوا ... بغُ والنجائبُ والجَنَائبْ
يَهَب المنعَّمةَ الكوا ... عبَ والمطَهَّمَةَ السَّلاَهِبْ
في سَوْرَة المجدْ التّلِي ... دِ وسَوْرَة القلب الغَوَارِبْ
يا بنَ العَميد عميد دَو ... لَتِه الموطَّدَة المَراتِبْ
الألمعِيّ اللَّذْ تُحَدِّ ... ثُه الشواهِدُ بالغَوَائبْ
(1/103)
________________________________________
زُرْنَاكَ من أرضِ البُصيرة شاحِبينَ عَلَى شَوَاحِبْ
نَرِدُ المناهِل كالمَجَا ... هِلِ والسَّباسِب كالسَّكَائِبْ
نَطوِي الجِبالَ إلى جِبا ... لِ العِلْمِ والحِلْم المُغَالِبْ
الآنَ قد قَرَّ القَرَا ... رُ بِنَا وأَطْلَبَتِ المَطَالِبْ
لا رِيَّ دونَ الرَّيِّ وال ... بَحْرِ الغُطَامِطِ ذِي الغَوارِبْ
بَحْر جَواهِدُه طَوَا ... فٍ في سَوَاحِلِهِ رَوَاسِبْ
لا دونَها لججُ الكَوا ... رِب، لاَ، ولاَ حُجَجُ الكَواذِبْ
يَرمي بنا تيارُها ... قِبَل الأَباعِد والأَقارِبْ
والبَحرُ لا يندَى بِهِ ... إلاّ السَّواحل والجَوانِبْ
لما نهضتُ إِلى الرجا ... ءِ وحنَّت البيضُ الكَواعِبْ
وتَناثرت عَبراته ... نَّ عليّ كالدُّرَر الثقائبْ
نَدَّى يَدَيَّ وحلَّتي ... دمعُ الأحبَّةِ والحَبائبْ
فجعلتُه فالاً وقُلْ ... ت نَدَى الدُّمُوع نَدَى المَواهِبْ
ولَئن تلافَتْني يدُ الأُ ... ستَاذِ من أَيدِي النّوائبْ
وأَقمتُ في الظّلِّ الظَلِي ... لِ ولم تُشعّبني الشَّواعِبْ
ليُبَشَّرَنَّ أَحبَّتِي ... بمواهبي شَتَّى المَواهِبْ
ويُحَلَّيَنَّ لآلِئا ... أَضعافَ أَدمُعِها السَّواكِبْ
وَلأّقْضَينّ مِنَ العَشِي ... رَة كُلَّ حَقٍّ حَقّ واجِبْ
حَتَّى يُقالَ أَعادَه ال ... أُسْتَاذُ مكرمة الضَّرائبْ
كَم مِن ظباءٍ بالبصي ... رَة في المقَاصِر والسَّباسِبْ
إِنْسٌ ووَحْشٌ يشتَبِهْ ... ن سوَى الذّوائب والحَقَائِبْ
أُدْمٌ يُقاسِمْنَ الأرَا ... كَ جَناه والقُضُبَ الرَّكَائبْ
فلأِنسها أَغصانُه ... تجلو به برد السحائبْ
وَلِوْحْشِهَا غَضُّ الجنى ... عبثَ المَعازِل والمَلاَعِبْ
نَصطاد وَحشياتها ... وتَصِيدُنا الإِنسُ الخَرَاعِبْ
يا ربَّ يومٍ لي كظِلّ ... ك أَو كظَلْمك أو يُقارِبْ
رَقَّتْ حواشِيه وغضّت عَينُ واشِيهِ المُرَاقِبْ
قَصُرَتْ لنَا أطرافُها ... قَصَر القِناع عن الذَّوائِبْ
فتَبَرَّجَت لَذَّاتُه ... للخَاطِبين وللخَوَاطِبْ
نَزَلَتْ بِهِ حَاجَاتُنَا ... بينَ المَحاجِر والحَوَاجِبْ
يا ليتَ سعداً من سُعو ... دِك رَدَّ أَيامي الذَّواهِبْ
مَلِكٌ يُضِيء بوَجهِهِ ... وترَى به الظلم الغَيَاهِبْ
لَو سَامَه أَعداؤُهُ ... ما نديهم، واليومُ عاصِبْ
وهَب الذَّوائب للمطَا ... عِن والقَواضِبَ للمضَارِبْ
وَمِن السَّخاءِ مَذاهبٌ ... يُعدَدْن في جُمَل العَجائبْ
لمّا رآه الطالع ال ... مأَمونُ مأَمونَ المغَائبْ
ورآه ركنُ الدّولة ال ... غَرّاء ركناً ذا مناكِبْ
ومظفَّرَ الأَقلام والأَ ... علاَم ميمونَ النَّقَائِبْ
كأَبِيه خَيرِ أبٍ وَأَنْ ... جَبِهِ إِذا عُدَّ المَنَاجِبْ
ردَّ الأُمورَ إِليه رَ ... دَّ مُفوّضِين عَلَى التّجَارِبْ
حتَّى إذا انتَظَمَتْ لَه ... بثُقُوب آراءٍ ثواقِبْ
وكفَى أَميرَ المؤْمِني ... نَ عُرَى الكِتَابَةِ والكَتَائِبْ
بكفايَتَين أقامَتَا ... أَوَد المُسالِم والمحَارِبْ
اشتَقّ من أفعَالِه ... لَقباً لَه بِكْرَ المناقِبْ
(1/104)
________________________________________
مثلَ الفِرِنْد عَلَى القَوا ... ضبِ والفَرِيد علَى التَّرَائبْ
لله توفيقُ الإما ... مِ العدْل في اللَّقَب المُنَاسِبْ
يا خيرَ من ركب الجِيَا ... دَ وقادَها قُبّاً شَوَازِبْ
أغنَيتَني كلّ الغِنَى ... وكسَبتَني أَسنَى المكاسِبْ
شَرَفاً تُلِقّبهُ العِدَا ... سَرَفاً فيالك من معايبْ
وكسَوتَني حُللاً صَقَلْ ... ن خَواطِري صَقْلَ القَواضِبْ
حُلَلاً كديباج الخدُو ... دِ مطرَّزَات بالشّوَارِبْ
فلْتَشكُرنَّ رِياضُنَا ... جَدوَى سَحائبكَ الصَّوائبْ
ولتَنْظِمَنّ لك القصَا ... ئدَ كالقَلائِد للْكَوَاعِبْ
والنمري هذا مليح الشعر والأدب والخُلُق، ولما توجّه إلى ذي الكفايتين من البصرة وصف بعض ما عَنّاه فقال:
لما رأيتُ كرم الأَصما
وشجر البلوط خضراً عمّا
وفتية عن الفصيح صُمّا
ذكرتُ بالبصرة نخلاً جمّا
وفتية بيض الوجوه شما
ناديتُ ياللَّهم فرِّج غَمّا
ما أَسْرعَ الشيء إِذا ما حُمَّا
فأما الجملة التي تمّت في أمر أبي الفتح ذي الكفايتين، فقد كنتُ في أول الكتاب قد وعدتُ بروايتها، وهذا موضعها على ما سنَح الرأي فيه، ولعلّها تُفيد وإن لم تكن من خاصّ ما في هذه الجملة؛ لأن الرسالة قد صارت كتاب خُرافة، وذاك أن القصد الأول لم ينحرف إلى هذه الفنون والشُّعب، ولكن الحديث ذُو شجون، وله نَزْوةٌ من القلب على اللسان، ودبيب على اللسان من القلب، والاحتراس منه يقلّ، والغلط فيه يعرض، وحفظ الكلام على سننه من الكلف الشاقة والأمور الصعبة واللسان فيه أكثر إنصافاً من القلم، واللفظ أعدل من الخطّ.
وبعد وقبل فالكلام في نشر العيب، وكشف القناع، وتدنيس العِرض، وهجو الإنسان، ووصفه بالخبائث أكثر استمراراً، والمتكلّم فيه أظهر نشاطاً، وأمرنُ عادة، وأوقد هاجساً، وأحضر عاطساً، وهذا لأن الشر طباع والخير تكلُّف، والطِّينة أغلب.
وقد قال بعض فتيان خُراسان: الإحسان من الإنسان زلّة، والرحمة من القادر أُعجوبة، والظُّلم من المُدلّ مألوف.
وقد قيل لبعض من انتجع مأمولاً وأدرك حاجته منه: كيف انقلبت عن فلان؟ فقال: منعني لذة هِجائه، وأكرهني على حسن الثّناء عليه، والقلوب مجبولة على حُبّ الإحسان، والألسنة تابعة للقلوب، كما أن العيون ناطقة عن الضّمائر؛ ولهذا قال الشاعر:
تُحدِّثُني العَيْنانِ ما القَلْبُ كَاتِمٌ ... ولاجِنَّ بالبَغْضَاءِ والنظَرِ الشَزْرِ
أي لا حائل ولا ستر. واللحظ رائد، والقلب شاهد؛ والرائد لا يكذب أهله، والشاهد لا يكذب نفسه.
وقلت لأبي سليمان شيخنا ببغداد، وكان يُتهادى كلامه، ويُتشاحُّ على ما يُسمع منه: لم صار السبّ والهجاء وذكر كل عورة وفحشاء أخفّ على من حُرم مأموله، ومُنع مُلتمسه، من الوصف الحسن والثّناء الجميل، والمدح الأغرّ المحجّل، والتّقريظ البليغ المتقبّل على من صدقه ظنّه، وتحقّق رجاؤه، وحضرته أُمنيته؟ فقال: لأن الذي يمدح يعلم من نفسه ما عندها كالعتيد، والذي يثلب يأخذ لنفسه ما ليس عندها كالمستقبِل؛ فالفصل بينهما كالفصل بين الغارم وما يملكه، وبين الغانم ما يطلبه.
وهذا كما قال، وهو أرجع إلى شفاء النفس وبر الغليل، وإلى بلوغ الغاية والاستيلاء على النّهاية.
*** كان من الحديث الذي زللنا عنه قليلاً إلى هذا الموضع أن رُكن الدولة لما مات في أول سنة ستٍ وستين وثلاثمائة، اجتمع أبو الفتح ذو الكفايتين، وعليُّ بن كَامة، وتعاهدا وتعاقدا وتوافقا وتحالفا، وبذل كل واحد منهما لصاحبه الإخلاص في المودّة في السرّ والجهر، والذَّبّ في الظاهر والباطن، والتوقير عند الصغير والكبير، واجتهدا في الإيمان الغامسة، والعقود المؤرَّبة، والأسباب المُغارة الفتل، ودبّرا أمر الجيش، وردّ النافر وركِبا الخطر الحاضر، وعانقا الخطْب العاقر، وباشر كل ذلك أبو الفتح خاصة بحدٍ من نفسه، وصريمة من رأيه، وجودة فكره، وصحّة نيته؛ وتوفيق ربّه.
(1/105)
________________________________________
فلما ورد مؤيد الدولة الريَّ من أصفهان؛ وعاين الأمر متَّسِقاً؛ ولحق كل فتق مُرتَتِقاً، بما تقدّم من الحزم فيه، ونفذ من الرأي الصائب عنده، أنكر الزيادة الموجبة للجند، وكرهها ودَمْدَم بها. فقال له أبو الفتح: بها نظمت لك الملك، وحفِظت لك الدولة، وصُنت الحريم، وإن خالفت هذه الزيادة هواك أسقطت باليد الطولَى.
وكان ابن عباد قد ورد، وحطَبه رطب، وتنّوره بارد، وزَرْقه غير نافذ؛ هذا في الظاهر، فأما في الباطن فكان يخلو بصاحبه ويُنزيه على أبي الفتح بما يجد إليه السبيل من الطعن والقدح. فأحسن بذلك كله ابن العميد فألَّب الأولياء على ابن عباد حتى كثر الشغب، وعظم الخطب، وهمّ بقتله، وقال للأمير: ليس من حق كفايتي في الدولة وقد انتكث حبلها، وقويت أطماع المفسدين فيها، أن أُسام الخَسْف، والأحرار لا يصبرون على نظرات الذلّ وغمزات الهوان.
فقال له في الجواب: كلامك مسموع، ورضاك متبوع، فما الذي يُبرد فورتك منه؟ قال: ينصرف إلى أصفهان موفوراً، فوالله لئن أنصفته في مطالبه برفع حساب ما نظر فيه ليعرقنّ جبينه، وليُقذفَنّ جنينه، ولئن أحسّ الأولياء الذين اصطنعتهم بمالي وإفضالي بكلامه في أمري، وسعيه في فسد حالي، ليكوننّ هلاكه على أيديهم أسرع من البرق إذا خطف، ومن المُزنِ إذا نطف.
فقال له: مخالف لرأيك، والنظر لك، والزمام بيدك.
وتلطف ابن عباد في عُرض ذلك لأبي الفتح، وقال: أنا أتظلم منك إليك، وأتحمل بك عليك؛ وهذا الاستيحاش العارض سهل الزوال إذا تألّف الشارد من حلمك على شافع كرمك ولّني ديوان الإنشاء، واستخدمني فيه، ورتبني بين يديك، واحْصُرني بين أمرك ونهيك، وسُمني برضاك؛ فإني صنيعة والدك، وأتجدد بهذا صنيعةً لك، وليس بجميل أن تكرَّ على ما بناه ذلك الرئيس فتهُوِّره وتنقضه؛ ومتى أجبتني إلى ذلك وأمّنتنني فإني أكون خادماً بحضرتك، وكاتباً يطلب الزلفة عندك في صغير أمرك وكبيره وفي هذا إطفاء الثّائرة التي قد تأرّبت بسوء ظنك، وتصديق أعدائي عليّ.
فقال في الجواب: والله لا تجاورني في بلد السّرير، وبحضرة التّدبير، وخلوة الأمير، ولا يكون لك أُذن عليّ، ولا عين عندي.
وليس لك مني رضىً إلا بالعودة إلى مكانك من إصبهان والسلو عما تحدّث به نفسك.
فخرج ابن عباد من الريّ على صورة قبيحة؛ خرج متنكراً بالليل. وذاك أنه خاف الفتك والغيلة، وبلغ أصفهان وألقى عصاه بها ونفسه تغلي، وصدره يفور، والخوف شامل، والوسواس غالب.
وهمّ أبو الفتح بإنفاذ من يطلبه ويؤذيه ويُهينه، ويعسف به، فأحسن هو بالأمر؛ فحدّثني ابن المنجّم قال: عمل على ركوب المفازة إلى نيسابور لما ضاق عطَنُه، واختلف على نفسه ظنه، وإنا لفي هذا وما أشبهه حتى بلغهم أن خراسان قد أزمعت الدلوف إليهم، وتثاورت في الإطلال عليهم.
فقال الأمير لأبي الفتح: ما الرأي؟ قد نُمي إلينا ما تعلم من طمع خراسان في هذه الدولة بعد موت ركن الدولة.
فقال أبو الفتح: ليس الرأي إليَّ ولا إليك، ولا الهمُّ علي ولا عليك. ها هنا من يقول لك: أنت خليفتي، ويقول لي: أنت كاتب خليفتي، يُدبّر هذا بالمال وبالرجال، وهو الملك عضُد الدولة.
قال: فاكتب إليه وأشعره بما قد مٌنينا به، وسَله دواء هذا الداء، وأبلغ في ذلك ما يُوجبه الحزم الصّحيح، ويؤذِن بالسّعي النجيح، فكتب وتلطّف.
وصدر في الجواب: إن هذا الأمر عجيب، رجل مات وخلّف مالاً، وله ورثة وابن، فلم يُحمل إليه شيءٌ من إرثه زيّاً عنه واستئثاراً به دونه، ثم خُوطِب بأن يغرم شيئاً آخر من عنده قد كسبه بجهده، وجمعه بسعيه وكدْحه.
هذا والله حديث لم يُسمع بمثله، ولئن استُفتِي فذ هذا الفقهاء لم يكن عندهم منه إلا التعجُّب والاستطراف، ورحمة هذا الوارث المظلوم من وجهين: أحدهما: أنه حُرم ماله بحق الإرث، والآخر: أنه يُطالَب بإخراج ما ليس عليه؛ وإن أبَى قولي حاكمت كل من سامَ هذا إلى من يرضى به.
فلما سمع مؤيد الدولة هذا، وقرأه أبو الفتح قال: - ما ترى؟ قال: قد قلت، وليس لي سواه، أقول: هذا الرجل هو الملك، والمدبر، والمال كله ماله، والبلاد بلاده، والجُند جنده، والكلُّ عليه والمهنأُ له، والاسم والجلالة عنده، وليس ها هنا إرثٌ قد زُوي عنه، ولا مال استُؤثر به دونه، والنّادرة لا وجه لها في أمر الجد وفيما يتعلّق باللّعب.
(1/106)
________________________________________
أما خُراسان فكانت منذ عشرين سنة تطالبنا بالمال، وتهددنا بالمسير والحرب، ونحن مرة نُسالم ومرة نحارب. ونحن في خلال ذلك نفرق المال بعد المال على وجوه مختلفة، واحسب أن ركن الدولة حيٌّ باقٍ، هل كان له إلاّ أن يُدبّر بماله ورجاله ودُخره وكنزه. أَ فليس هذا الحكم لازماً لمن قام مقامه، وجلس مجلسه، وأُلقي إليه زحام الملك، وأصدر عنه كل رأي، وأورد عليه كل دقيق وجليل؟ وهل علينا إلا الخدمة والنُّصرة والمناصحة بكل ما سهل وصعب كما كان ذلك عليه بالأمس من جهة الماضي؟ فقال الأمير: إن الخطب في هذا أراه يطول، والكلام يتردد، والمُناظرة تربو، والحُجّة تقف، والفرصة تفوت، والعدوُّ يستمكن؛ وأرى في الوقت أن نذكر وجهاً للمال حتى نحتج به ثم نستمدّ في الباقي منه، ونُرضي الجُند في الحال، ونتحزّم في الأمر، ونُظهر المرارة والشَّكيمة بالاهتمام والاستعداد، حتى يطير العين إلى خراسان بجدنا واجتهادنا، وحزْمنا واعتمادنا، فيكون في ذلك تكسير لقلوبهم وحسْم لأطماعهم، وباعث على تجديد القول في الصُّلح، وإعادة الكلام في المواعيد، وردّ الحال إلى العادة المعروفة، فقال: أسأل الله بركة هذا الأمر، فقد نُشيَتْ منه رائحة منكرة وما أعرف للمال وجهاً.
أما أنا فقد خرجت من جميع ما كان عندي مرةً بما خدمت به الماضي تبرعاً حِدثانَ موت أبي، ومرةً بما طالبني به سراً، وأوعدني بالعزل والاستخفاف من أجله، ومرَّة بما غَرِمت في المسير إلى العراق في نُصرة الدَّولة.
وهذه وجوه استنفذت قُلِّي وكثري، وأتت على ظاهري وباطني، وقد غرمت إلى هذه الغاية ما إن ذكرته كنت كالمُتنّ على أولياءِ نعمتي، وإن سكت كنتُ كالمتّهم عند من يتوقّع عثرتي. وهذا هذا.
وأما أحوال النّواحي فأحسن حالنا فيها أنّا نُزجيها إلى الأولياء في نواحيها مع النَّفقة الواسعة في الوظائف والمهمّات التي ننويها.
وأما العامّة فلا أحوج الله إليها، ولا كانت دولة لا تَثب إلا بها وبأوساخ أموالها.
فقال الأمير وكان ملقَّناً: هذا ابن كامة، وهو صاحب الذخائر والكنوز والجبال والحصون، وبيده بلاد، قد جمع هذا كله من نعمتنا وفي مملكتنا وأيامنا وبدولتنا، وهو جامٌّ ما شِيك، ومختوم ما فّضَّ مذ كان.
ما تقول فيه؟ قال: ما لي فيه كلام، فإن بيني وبينه عهداً ما أخيسُ به ولو ذهبت نفسي.
فقال: اطلب منه القرض.
قال: إنه يتوحّش ويراه باباً من الغضاضة، وقدر القرض لا يبلغ حدّ الحاجة، فإن الحاجة ماسّة إلى خمسمائة ألف دينار على التقريب، ونفسه أنفع لنا وأوردّ على دولتنا من موقع ذلك المال. وبعدُ فرأيه وتدبيره واسمه وصِيته وبِداره إلى الحرب فوق المطلوب.
قال: فليس لنا وجه سواه؛ وإذ ليس ها هنا وجه، فليس يأس بأن نُطالع الملك بهذا الرأي لتكون نتيجته من ثم.
فقال: أنا لا أكتب بهذا فإنه غَدْر.
قال: يا هذا! فأنت كاتبي وصاحب سرّي وثقتي، والزّمام في جميع أمري، ولا سبيل إلى إخراج هذا الحديث إلى أحد من خلق الله؛ فإن أنت لم تتولَّ حارّه وقارّه، وغثَّه وسمينه، ومحبوبه ومكروهه، فمَن؟ قال: أيها الأمير! لا تَسُمْني الخيانة، فإني قد أعطيته عهداً نفضُه يذَر الدِّيار بلاَقِع، ومع اليوم غد، ولعن الله عاجلة تفسد آجلة.
فقال: إني لست أسُومك أن تقبض عليه، ولا أن تُسيء إليه. أَشِر بهذا المعنى على ذلك المجلس، وخلاَك ذمّ؛ فإن رأي الصَّواب فيه تولاّه دونك كما يراه، وإن أضرب عنه عاضنا رأياً غير ما رأينا، وأنت على حالك لا تنزل عنها ولا تُبدل بها؛ وإنما الذي يجب عليك في هذا الوقت أن تكتب بين يديّ حرفين: أنه لا وجه لهذا المال إلاّ من جهة فلان، ولست أولّى مطالبته به، ولا مخاطبته عليه، وفاءً له بالعهد، وثباتاً على اليمين، وجرياً على الواجب؛ ولا أقلّ من أن تُجيب إلى هذا القدر، وليس فيه ما يدلّ على شيء من النَّكث والخلاف والتّبديل.
فما زال هذا وشبهه يتردد بينهما حتى أخذ خطّه بهذا النص على أن يُصدره إلى فارس.
فلما حصل الخط، وجنّ الليل، روسل ابنُ كَامَة وحضر، وقال له الأمير: أَ ما عندك هذا المخنّث فيما أشار به على الملك في شأنك، وأورد عليه في أمرك من إطماعه في مالك ونفسك، وتكثيره عنده ما تحت يدك، وفي ناحيتك مع صاحبيك؟
(1/107)
________________________________________
فقال عليّ بن كامة: هذا الفتى يرتفع عن هذا الحديث، ولعلّ عدواً قد كاده به، وبيني وبينه ما لا منفَذ للسِّحر فيه، ولا مساغَ لظنٍّ سيّءٍ فيه.
قال: فما قلت ما سمعت إلا علىتحقيق، ودع هذا كله يذهب في الريح، هذا كتابه إلى فارس بما عرَّفتك، وخطُّه.
قال عليّ: أنا لا أعرف الخطّ، ولكن كاتبي يعرف، فإن أذنت حضر.
قال: فليحضر. فجاء الخَثْعَمِيُّ الكاتب، وشهدَ أن الخطّ خطه، فحال ابن كامة على سجيته، وخرج من مُسكه، وقال: ما ظننت أن هذا الفتى بعد الأَيمان التي بيننا يستجيز هذا.
قال الأمير: أيها الرجل! إنما أطلعك الملك على نية هذا الغلام فيك، لتعرف فساد ضميره لك، وما هو عليه من هناتٍ أُخر، وآفات هي أكثر من هذا وأكبر؛ وقد حرّك خراسان علينا، وكاتب صاحب جُرجان، وألقى إلى أخينا بهَمَذان، يعني فخر الدولة، أخبارنا، وهو عينٌ ها هنا لِبَخْتِيار وقد اعتقد أنه يعمل في تخليص هذه البلاد له، ويكون وزيراً بالعراق، وقد ذاق ببغداد ما لا يخرج من ضرسه إلا بنزع نفسِه.
وكان المجوسيّ أبو نصر قد قدم من عند الملك عضد الدولة وهو يفتل الحبل ويبرم، ويؤخِّر مرة ويقدّم أخرى، ويهاب مرةً ويُقدِم؛ وكان الحديث قد بُيِّت بليل، واهتُمَّ به قبل وقته بزمان.
قال لي علي بن كامة: فما الرأي الآن.
قال: لا أرى أمثل من طاعة الملك في البض عليه، وقد كُنا على ذلك قادرين، ولكن كرهنا أن يُظنّ بنا أنّا هجمنا على نصيحنا وكافِينا، وعلى ربيب نعمتنا، وناشيء دولتنا فمهَّدنا عندك العُذر، وأوضحنا لك الأمر.
قال: فأنا أكفيكُموه. ثم كان ما كان.
قال الخليلي: وكا هذا جرّه عليه الاستبداد بالرأي، والغرارة والتواني وقلة التّجربة، والرُّكون إلى وصية الميت، وسوء النّظر في العواقب، ومجانَبة الحزْم والرأي الثاقب؛ وكان أمر الله مفعولاً.
ورأيت الخليلي، والهَرَويّ، والشاعر المغربيَّ، وجماعة من خُلطاء أبي الفتح، كابن فارس، وابن عبد الرّحيم يخوضون في حديثه، وقالوا: كان الرأي كذا وكذا، فقال المغربي: أجود من هذه الآراء كلها أن كان يضرب عنق المجوسي جهاراً أتى الدهر بما أتى، وما كان ليكون أشدّ مما كان؛ ولعلّه كان يطرح هُنيهةً، ويصير سبباً إلى خلاص.
وذهبوا في القول كل مذهب.
وفي الجملة القدر لا يسبق، والقضاء لا يملك؛ ومن استوفى أكله استغنى أجله، والكلام فضلٌ، والرأي الدّبري مردود، ومن ساوق الدهر غُلب، ومن لجأ إلى الله فقد فاز فوزاً عظيماً.
ما وصلنا - حاطك الله - حديثاً بحديث، وكلمة بكلمة، إلا لتكثر الفائدة، ويظهر العلم، ويكون ما صرّفنا القول فيه مرفوداً بالحُجّة الناصعة، والامتاع المونق.
أيها السّامع! قد سمعت صريح الحديث ودعيَّه، وعرفت مسخوطه ومرضيَّه؛ فإن كان الله قد ألهمك العدل، وحبَّبَ إليك الإنصاف، وخفَّف عليك الرفق، ووفّر نصيبك من الخير، ورفع كعبك في الفضل، فقد رضيت بحكمك، وأمِنت عداوتك، ووثقت بما كتب الله لي على لسانك، وجعله حظّي منك.
واعلم أنك إن كنت تريد الاعتذار فقد أسلفت الواضح فيه، وإن كنت تطلب الاحتجاج فقد أتى البيان عليه، وإن كنت تغضب لابن عباد أو لابن العميد فقد شحَنتُ هذا الكتاب من فضلهما وأدبهما وكرمهما ومجدهما، بما إذا ميّزته وأفردته ثم اجتَليْتَه وأبصرته، واقع نفسك، وشفى غليلك، وبلغ آخر مُردك؛ وإلا فعرّفني مَن جمع إلى هذا الوقت عشر ورقاتٍ في مناقبهما وآدابهما ومكارمهما، وما ينطق عن اتّساعهما وقدرتهما، ويدعو إلى تعظيمهما وتوفية حقوقهما ومعرفة أقدارهما وهممهما، ممَّن لهما عليه الإصبع الحسنة، واليد الخضراء، والنّعمة السّابغة، ومن لم يُذكر إلاّ بهما، ومن لم يعرف إلا في أيامهما، ومَن لو لم يلتفت إليه واحد منهما لكان يحرس في الدُّروب، أو يلقُط النَّوى في الشّوارع، أو يُوجد في أواخر الحمّامات.
ودع الشعراء جانباً، فإنما ذاك عن حسب دَنيّ، ومذهب زريّ، وطَمع خسيس، ومقام نذل، وموقفٍ مُخجل؛ ولكن هاتِ رسالةً مجرَّدة، وأديباً فاضلاً وعالماً مذكوراً تجرد لنُصرتهما، ودلّ على خفيّ فضلهما، أو عجَّب من جليّ فعلهما! فإن كنت لا تجد ذلك، فدع الكلب ينبح، فإنما الكلب نبّاح.
على أني - حفظك الله - لا أُبرئ نفسي في هذا الكتاب الطويل العريض من دبيب الهوى، وتسويل النفس، ومكايد الشيطان، وغريب ما يعرض للإنسان.
(1/108)
________________________________________
فإن وقفت على شيء من ذلك وقرأت العذْلَ علينا، وسال في اللائمة من أجله وإياك أن تجيَ جِلدةً لا تدمي بشفرتك، أو تسنُد إلى جمجُمةٍ لا تقشعِرُّ ذوائبها بريحك، وأن تمتحن جوهراً لا يحاص عيبُه بنارك.
واستيقن أن من ركب سنام هذا الحديث كما ركبته، وسبح في غامر هذه القصة كما سبحت، وقال ما قلت، وعرَّض بما عرَّضت، فغير بعيدٍ أن يحكم له وعليه بمثل ما يُحكم به لي وعلي، وإذا كان الحكم لازماً، وهذا القياس مُطَّرداً، فالرضا بهما عزٌ، والصَّبر عليهما شرف وإني لأحسد الذي يقول:
أَعدُّ خمسين عاماً ما عليَّ يدٌ ... لأجنَبِيٍّ ولا فضلٌ لذي رَحمِ
الحمد لله شكراً قد قنِعتُ فلا ... أشكو لئيماً ولا أُطْرِي أخَا كَرمِ
لأني أتمنّى أن أكونه، ولكنّ العجز غالب، لأنه مَبذور في الطِّينة.
ولقد أحسن الآخر أيضاً حين يقول:
ضيَّقَ العُذرَ في الضرَاعةِ أَنّا ... لو قَنِعْنا بقسْمنا لَكَفانَا
مَا لنا نَعبُد العِباد إذا كَا ... ن إِلى الله فقْرُنَا وغِنَانَا
وأدعوها هنا بما دعا به بعض النُّسَّاك: " اللهم ثُن وجوهنا باليسار، ولا تبتذلها بالإقتار فنسْتَرزِق أهل رزقك، ونسَّأل شِرار خَلْقك، فنُبتَلى بحمد من أعطى وذَمِّ من مَنَع. وأنت مِن دونهما وليُّ الإعطاء، وبيدك خزائنُ الأرض والسَّماء. يا ذا الجلال والإكرام.
انتهى

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق