الجزء الرابع: الصهيونية والجماعات اليهودية
الباب الأول: موقف الصهيونية وإسرائيل من الجماعات اليهودية في العالم
العداء الصهيوني لليهود
Zionist Anti-Semitism
الصهيونية، شأنها شأن العداء لليهودية، هي إحدى تجليات الرؤية المعرفية العلمانية الشاملة، وقد تبلورت الأفكار الصهيونية والمعادية لليهود في أوربا في القرن التاسع عشر، وهي الحقبة التاريخية التي تبلورت فيها النظرية العرْقية الغربية الخاصة بالتفاوت بين الناس بسبب الاختلاف بينهم في خصائصهم التشريحية والعرْقية والإثنية ومن ثم نجد أن الرؤية الكامنة في كل من الصهيونية ومعاداة اليهود واحدة. وأن كثيراً من مقولات الصهيونية هي مقولات عرْقية معادية لليهود.
ويرى الصهاينة أن معاداة اليهود ظاهرة طبيعية ورد فعل طبيعي وحتمي لوجود اليهود كجسم غريب في المجتمعات المضيفة. وقد نشأت صداقة عميقة بين حاييم وايزمان وريتشارد كروسمان (الزعيم العمالي البريطاني) حين اعترف هذا الأخير بأنه "معاد لليهود بالطبع". وقد كان تعليق وايزمان على ذلك: لو قال كروسمان غير ذلك فإنه يكون إما كاذباً على نفسه أو كاذباً على الآخرين. وقد وصف المفكر الصهيوني جيكوب كلاتزكين العداء لليهود بأنه دفاع مشروع عن الذات. وقد ميَّز هرتزل بين العداء الحديث لليهود وبين التعصب الديني القديم، ووصف هذا العداء الحديث بأنه "حركة بين الشعوب المتحضرة" تحاول من خلالها التخلص من شبح يطاردها من ماضيها. بل يرى الصهاينة أن هذه المعاداة هي أحد ثوابت النفس البشرية، فهي تشبه المطلق الأفلاطوني أو المرض المستعصي. وقد عبَّر شامير عن معاداة البولنديين لليهود، فأشار إلى أنهم يرضعونها مع لبن أمهاتهم. ويعادل شامير بذلك بين الفعل الأخلاقي والفعل الغريزي البـيولوجي، وهـو ما يبين أنه يدور في إطار الحلولية بدون إله، وهذا ما يفعله أيضاً نوردو ووايزمان وهتلر. فقد وصف وايزمان معاداة اليهود بأنها مثل البكتيريا التي قد تكون ساكنة أحياناً، ولكنها حينما تسنح لها الفرصة فإنها تعود إليها الحياة، وهكذا لا يميِّز الصهاينة بين الأشكال المختلفة لمعادة اليهود وإنما يرونها كلاًّ عضوياً واحداً يتكرر في كل زمان ومكان، كما يرون عدم جدوى الحرب ضد هـذه الظاهـرة باعتبارها أحـد الثوابت وإحدى الحتميات.
والموقف الصهيوني من اليهود، كما أسلفنا، لا يختلف في أساسياته عن موقف المعادين لليهود:
1 ـ فكلا الموقفين يَصدُر عن الإيمان بأن اليهود شعب عضوي له عبقريته الخاصة وأن ثمة جوهراً يهودياً هو الذي يميز اليهودي عن غيره من البشر، وأن هذا الجوهر لا يتغيَّر بتغيُّر الزمان والمكان، فاليهود دائماً يهود. ومن هنا، فإن تَصرُّف اليهودي كالأغيار هو تَصرُّف مصطنع لا يعبِّر عن اندماجه في مجتمعه وتمثُّـله قيمه وإنما يعبِّر عن ازدواجية في الذات. ومهما يكن ما يبديه اليهودي من ولاء لوطنه، فهو ولاء مشكوك فيه. ومن هنا يحارب الصهاينة وأعداء اليهود ضد اندماج أعضاء الجماعات اليهودية في مجتمعاتهم. وقد نادى الصهاينة بضرورة رفض "سم الاندماج" أو "الهولوكوست الصامت". وكذلك، فإن المعادين لليهود يرون أن اليهودي المندمج يقلد الأغيار كالببغاء، فهو شخصية خطرة غير أصيلة تهدد نسيج المجتمع، وهو خطر حتى دون أن يدري. ولهذا كان النازيون يتعاملون مع الصهاينة فقط لإصرارهم على هويتهم اليهودية.
2 ـ يرى الفريقان أن اليهود شعب عضوي لا يمكن أن يهدأ له بال إلا بأن يستـقر في الأرض التـي يرتبط بـها بربـاط أزلي عضوي. ومن هنا، يرفض المعادون لليهود، وكذلك الصهاينة، الكفاح من أجل إعطاء اليهود حقوقـهم السياسـية والمدنية الكاملـة في أوطانهـم، وبالتــالي فلابد من "هجـرة" اليهود إلى فلسـطين أو "طـردهم" إليها. ومهما كان المصطلح أو المسوغ، فإن الحركة المثلى المقترحة واحدة، وهي نقل اليهود من أوطانهم الفعلية إلى وطنهم القومي العضوي الوهمي. والواقع أن فكرة «الشعب العضوي» تحوي أيضاً فكرة «الشعب العضوي المنبوذ»، وهي أساس تحالف الصهاينة والمعادين لليهود فكلاهما يهدف إلى إخلاء أوربا منهم.
3 ـ إذا كان اليهود يشكلون في رأي الصهاينة، كلاًّ عضوياً يعبَّر عنه في الإنجليزية بكلمة «جوري Jewry»، فإنهم مترابطون ترابطاً عضوياً لا فرق فيه بين الكل والجزء. ولذا، يتحدث الصهاينة عن «العبقرية اليهودية» باعتبارها تعبير الجزء عن الكل. وهم أيضاً يرون أن الهجوم على أية جماعة يهودية هو هجوم على الشعب اليهودي بأسره، بغض النظر عن الظروف التاريخية. ويتبنى أعداء اليهود النظرة نفسها، فهم يرون تماثل الجزء والكل، وحينما يرتكب مجموعة من اليهود جرماً معيناً أو ينتشر بينهم الفسـاد، فإن هذا يَصلُح أساسـاً للتعمـيم على كل اليهود. وفي الواقع، فإن الحديث عن جرائم اليهود يشبه تماماً الحديث عن عبقريتهم.
4 ـ تبنَّى الصهاينة كثيراً من مقولات المعادين لليهود في الغرب، وكثيراً من صورهم الإدراكية النمطية، وتزخر الكتابات الصهيونية بالحديث عن الشخصية اليهودية المريضة غير الطبيعية والهامشية وغير المنتجة التي لا تجيد إلا العمل في التجارة. بل إن ماكس نوردو، ومن بعده هتلر، طبَّق الصورة المجازية العضوية لا على معاداة اليهود بل على اليهود أنفسهم، فقد شبههم بالكائنات العضوية الدقيقـة التي تظـل غير مؤذية على الإطـلاق طـالما أنها في الهواء الطلق، لكنها تُسبِّب أفظع الأمراض إذا حُرمت من الأكسجين، ثم يستطرد هذا العالم العنصري ليحذر الحكومات والشعوب من أن اليهود يمكن أن يصبحوا مصدراً لمثل هذا الخطر. وقد ذكر يهودا جوردون أن تفوُّق اليهودي المستنير يكمن في أنه يعترف بالحقيقة، أي يَقْبل اتهامات المعادين لليهود. وقد قال برنر: " إن مهمتنا الآن هي أن نعترف بوضاعتنا منذ بدء التاريخ حتى يومنا هذا " فاليهود شعب نصف ميت يعيش بقيم السوق، لا يمانع في حياة كحياة النمل أو الكلاب، مصاب بطاعون التجول " ـ ويمكن أن نجد عبارات مماثلة أو أكثر قسوة في الأدبيات الصهيونية. ومن هنا، يؤمن الصهاينة بضرورة تطبيع الشخصية اليهودية حتى تتفق مع نمط الشخصية غير اليهودية الطبيعية السوية.
5 ـ لا يقل عداء الصهاينة لليهودية عن عدائهم لليهود، فقد رفضوا العقيدة اليهودية وحاولوا علمنتها من الداخل (انظر: «الرفض الصهيوني لليهودية»)
ومع هذا، يرى بعض الصهاينة أن معاداة اليهود بين الأغيار هي وحدها التي أدَّت إلى بقاء الشعب اليهودي، أي أن عضوية الشعب أو مصدر تماسكه العضوي ليس شيئاً جوانياً (الهوية اليهودية ـ التراث اليهودي) وإنما شيء براني: عداء اليهود. ولكل هذا، فإن الصهاينة يعتبرون أعداء اليهود حلفاء طبيعيين لهم وقوة إيجابية في نضالهم «القومي» لتهجير اليهود من أوطانهم. ولذا، كان تيودور هرتزل على استعداد للتعاون مع فون بليفيه وزير الداخلية الروسي، كما تحالف فلاديمير جابوتنسكي مع الزعيم الأوكراني بتليورا الذي ذبحت قواته آلاف اليهود بين عامي 1918 و1921، وتعاون الصهاينة مع النازيين داخل ألمانيا وخارجها. ويتحالف الصهاينة في الوقت الحالي مع الجماعات الأصولية المسيحية في الولايات المتحدة والمعروفة بعدائها العميق لليهود. بل إن المؤسسة الصهيونية تستخدم أحياناً وسائل المعادين لليهود لحَمْل اليهود على الهجرة، كما حدث في العراق عام 1951 حين ألقـى العمـلاء الصهاينة بالقنابل على المعـبد اليهـودي في بغداد. وعلى كلٍّ، فقد صرح كلاتزكين بقوله: "إنه بدلاً من إقامة جمعيات لمناهضة المعادين لليهود الذين يريدون الانتقاص من حقوقنا، يجدر بنا أن نقيم جمعيات لمناهضة أصدقائنا الراغبين في الدفاع عن حقوقنا".
وقد استمرت ظاهرة معاداة الصهيونية لليهود بعد تأسيس الدولة الصهيونية، بل يُلاحَظ أنها ازدادت حدةً وتبلوراً بين أعضاء جيل الصابرا (أي أبناء المستوطنين الصهاينة المولودين في فلسطين). فهؤلاء ينظرون إلى «يهود المنفى» (أي يهود العالم) من خلال مقولات معاداة اليهودية وصورها النمطية. ويزخر الأدب الإسرائيلي بأعمال أدبية تَصدُر عن رفض ثقافي وأخلاقي بل وعرْقي عميق ليهود الخارج.
ومع هذا، يمكن القول بأن الصهاينة، بجميع اتجاهاتهم، قد أساءوا تقدير مقدار قوة معاداة اليهود ومدى استمرارها. إذ تصوُّروا أن عداء اليهود سيستمر في التفاقم حتى يضطر كل يهود العالم أو معظمـهم للهجرة إلى فلسـطين. وغني عن القـول أن هـذه النبوءة لم تتحقق، ولا يوجد احتمال لتحقُّقها في المستقبل القريب. فالأغلبية العظمى من يهود العالم هاجرت إلى الولايات المتحدة ولا تزال متجهة إلى هناك. ولم يتجه اليهود إلى فلسطين إلا في الفترة بين عامي 1930 و1940 حينما كانت كل الأبواب الأخرى موصدة دونهم. أما في الفترة من عام 1950 إلى عام 1960، فقد هاجر يهود البلاد العربية في ظل ظروف خاصة لا علاقة لها بعداء اليهود ولكنها ناجمة بالدرجة الأولى عن التوتر مع الدولة الصهيونية. كما أن هجرتهم إلى الدولة الصهيونية لم تكن بالضرورة نتيجة حركة طرد من المجتمعات العربية بقدر ما كانت حركة جذب من مجتمع آخر يتاح لهم فيه تحقيق قدر أكبر من الحراك الاجتماعي. والواقع أن عداء اليهود ظاهرة آخذة في الاختفاء برغم ادعاءات الصهاينة، وبرغم أوهام بعض أعضاء الجماعات اليهودية. وقد لاحظ أحد المراقبين أنه على الرغم من أن المناصب المهمة كافة متاحة أمام يهود الولايات المتحدة، فإن ما يُقدَّر بنحو ثلث عددهم يجهل هذه الحقيقة وينكرها. وقد علق برنارد أفيشاي على هذا الوضع فذكر أن سارتر قال إنه حينما لا يكـون هـناك يهود فإن أعـداء اليهود يخترعونهم كضرورة ملحة. أما بالنسبة ليهود أمريكا، فقد انقلبت الآية، فحينما لا يوجد أعداء لليهود، فإن اليهود يخترعونهم كضرورة ملحة أيضاً. ولعل أكبر دليل على ضمور ظاهرة معاداة اليهود، ارتفاع معدلات الزواج المُختلَط والاندماج بين أعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة وروسيا السوفيتية وأمريكا اللاتينية وكندا وجنوب أفريقيا وإنجلترا وفرنسا، أي في أية بقعة من العالم يوجد فيها يهود.
أما بوروخوف، مؤسس الصهيونية العمالية، فقد تنبأ بأن المهاجرين اليهود إلى الولايات المتحدة سيمرون بالتجربة نفسها التي مروا بها في المجتمعات الأوربية إذ سيتركزون على قمة الهرم الإنتاجي، وبالتالي سيصبحون مرة أخرى محط كراهية الجماهير وقد يتم طردهم. ورغم أن اليهود تركزوا في الولايات المتحدة، في قمة الهرم الإنتاجي، فلم ينجم عن ذلك أية معاداة لليهود وذلك بسبب الطبيعة الطبقية والسياسية للمجتمع الأمريكي الذي يَتقبَّل بناؤه أية عناصر بشرية جديدة طالما ثبت نفعها وقدرتها على الإسهام في الإنتاج. وقد تغيَّرت طبيعة الهرم الإنتاجي نفسه في الولايات المتحدة بحيث لا توجد سوى نسبة ضئيلة من العمالة في الزراعة، كما أن الصناعة نفسها قد تحولت بحيث أصبحت تتطلب مهارات هندسية عالية وتجعل العاملين فيها مختلفين تماماً عن أعضاء الطبقة العاملة التي تتركز في قاعدة الهرم التقليدي. ويُلاحَظ كذلك أن حجم الخدمات الاقتصادية أصبح ضخماً، الأمر الذي يعني أن قاعدة الهرم ليست بالضرورة أكثر أهمية من قمته أو أكثر ضخامة منها.
أما آحاد هعام، مؤسس الصهيونية الثقافية، فقد تنبأ بأن الدولة الصهيونية ستشكل مركزاً يساعد اليهود على الاحتفاظ بهويتهم أمام هجمات أعداء اليهود وإغراء الاندماج. ولكن ها هو ذا المركز قد تأسَّس وليست له علاقة كبيرة بيهود العالم. فيهود الولايات المتحدة يصوغون هويتهم ويتمتعون بحياتهم الاستهلاكية العلمانية دون الرجوع إلى الدولة الصهيونية العبرية. وقد ادعت الصهيونية ككل أنها ستؤسس دولة تحمي أعضاء الجماعات اليهودية ضد هجمات أعداء اليهود، ولكن ثبت أنها عاجزة عن ذلك تماماً. وحينما اقتربت قوات روميل من الإسكندرية، لم يفكر أعضاء المُستوطَن الصهيوني آنذاك في كيفية حماية يهود الإسكندرية، وإنما فكروا في الانتحار. والدولة الصهيونية لا يمكنها في الوقت الحاضر حماية يهود كومنولث الدول المستقلة (الاتحاد السوفيتي سابقاً). وفي 8 سبتمبر 1988، صرح شامير بأن إسرائيل لا يمكنها أن تحارب العالم بأسره، وقارن بين الشيوعية العالمية والصهيونية العالمية قائلاً: إن الاتحاد السوفيتي ركز جل قواه على بناء الدولة الاشتراكية، ولم يهتم ببناء الاشتراكية في العالم بالدرجة نفسها، وقد كان يفضل دائماً مصلحة الدولة السوفيتية على مستقبل الحركة الشيوعية في العالم. وهـو يرى أن الدولة الصهـيونية ستـحارب ضـد مـعاداة اليهود، ولكنها لن تصبح القوة العظمى في تلك الحرب التي ستقوم بهـا المنظمات اليــهودية "فنحن بلد صغير" على حد قوله. ومع ذلك، فإن من الضروري أن نضيف أن الدولة الصهيونية تزيد من حدة ظاهرة عداء اليهود بسبب لجوئها إلى العنف والإرهاب في تصفية حساباتها. ولا شك في أن مشاعر الاستياء نحو اليهود ستتزايد بعد الانتفاضة، وبعد عمليات القمع الرهيبة التي تقوم بها الدولة التي تُسمِّي نفسها «يهودية»، وخصوصاً أن أعداداً كبيرة منهم قد قرنوا أنفسهم بهذه الدولة وتوحدوا بها منذ عام 1967.
مركزيــــة إســـرائيل في حيـــاة الدياســـبورا
Centrality of Israel in the Life of the Diaspora
«مركزية إسرائيل في حياة الدياسبورا» عبارة تعني أن مركز الحياة اليهودية في العالم بأسره هو إسرائيل (فلسطين). وتضفي الرؤية اليهودية الدينية على إرتس يسرائيل صفة محورية في حياة اليهود، فكان على اليهودي أن يحج ثلاث مرات في العام لتقديم القرابين للإله في الهيكل القائم في القدس. وقد قام الصهاينة بعلمنة هذه العقيدة فنادوا بضرورة أن تصبح الدولة الصهيونية مركز حركية الجماعات اليهودية في العالم، وأن تكون الدولة الصهيونية الملجأ الوحيد لليهود، وبأن تقوم وحدها بالدفاع عنهم، وقالوا إن الحروب التي يخوضها المستوطنون الصهاينة إنما تهدف إلى الدفاع عن كل يهود العالم. ويرى الصهاينة أن الدولة الصهيونية هي التي تساعد يهود العالم في الحرب ضد خطر الاندماج وفي الحفاظ على الهوية اليهودية، وأنها هي التي تضمن استمرار التراث اليهودي وتطوُّره، وتحسن صورة اليهود أمام الأغيار، فبدلاً من صورة اليهودي التاجر والمرابي والجبان تأكدت صورة اليهودي باعتباره المقاتل الشرس وبذا يستعيد اليهودي احترامه لنفسه بعد أن فقده بسبب آلاف السنين من النفي. وتقوم المنظمة الصهيونية بإشاعة هذه الرؤية فتبيِّن مدى مشاركة الجماعات اليهودية في بناء إسرائيل ودعمها والالتفاف حولها، ومدى تَحمُّسهم أثناء الحروب الإسرائيلية المتتالية، وذلك حتى يشعروا بأنهم جزء من إسرائيل وحتى يتعمق لديهم الإحساس بازدواج الولاء.
وفكرة مركزية إسرائيل عند بعض الصهاينة الأوائل من دعاة الصهيونية السياسية كانت تعني ضرورة تَساقُط الأطراف تماماً (أي تصفية الدياسبورا). ولكن دعاة الصهيونية الإثنية، الدينية والعلمانية، يذهبون إلى أن مركزية إسرائيل هي مركزية ثقافية بالدرجة الأولى. ولكن دبنـوف، وبعـده دعاة ما يُسـمَّى «قومية الدياسبورا» (أو القومية اليديشية)، عارض هذه الفكرة طارحاً بدلاً منها فكرة المركز الثقافي المتنقل من عاصمة إلى أخرى بحسب مدى ازدهار الجماعات اليهودية حضارياً وثقافياً، فالمكان الأكثر حضارة وثقافة هو الذي يشكل المركز. ولكن هذا المكان ليس بالضرورة فلسطين أو إرتس يسرائيل (فقد يكون الأندلس أو بابل أو روسيا أو الولايات المتحدة)، غير أن الصهيونية تحارب مثل هذه التعددية .
وقد ازداد مفهوم مركزية إسرائيل أهميةً بعد ظهور الصهيونية التوطينية التي تُسمَّى «صهيونية الدياسبورا». وبعد إحجام الجماهير اليهودية عن الهجرة إلى أرض الميعاد، يصبح الإيمان بمركزية إسرائيل بديلاً للاستيطان الفعلي، فهو يُشبع الحنين اليهودي إلى صهيون دون أن تُترجَم هذه العاطفة إلى سلوك أو فعل. وقد أصبح تأكيد مركزية إسرائيل حجر الأساس الآن في البرنامج الصهيوني في الولايات المتحدة .
وتفترض مركزية إسرائيل هامشية أعضاء الجماعات، وضرورة تصفيتها، أو على الأقل تحويلهم إلى أداة تُستخدَم. ولكن واقع أعضاء الجماعات اليهودية في العالم يُثبت زيف هذا المفهوم، كما يثبت أن هذا المفهوم ينتمي إلى عالم الأحلام والأماني وربما الأوهام، إذ أن الدولة الصهيونية لا تؤثر كثيراً في الحياة الثقافية أو حتى الدينية للأمريكيين اليهود. والواقع أن أعضاء الجماعات اليهودية قد يتحدثون قولاً عن مركزية إسرائيل، ولكنهم يسـلكون حسـبما تمليه مصلحتهم ورؤيتهم علىهـم. وغني عن القول أن الدولة الصهيونية لا يمكنها أن تدافع عن أعضاء الجماعات اليهودية ولا أن تُحسِّن صورتهم العامة، إذ أن ما يحدد هذه الصورة هو أداؤهم داخل مجتمعاتهم. بل إن الدولة الصهيونية، بسبب مركزيتها التي تزعمها لنفسها ومرجعيتها اليهودية التي تدعيها لنفسها، تُلحق الأذى والضرر باليهود كما حدث أثناء حادثة الجاسوس جوناثان بولارد وكما يَحدُث حالياً في مواجهة الانتفاضة حيث يظهر جنود الدولة اليهودية وهم يكسرون أذرع الأطفال.
ولو كان القول الصهيوني بشأن مركزية هذه الدولة في حياة أعضاء الجماعات اليهودية حقيقة يمكن أن يقبلها المرء، لكان من حقه أن يرى سلوكها الشرس تعبيراً عن السلوك اليهودي بشكل عام، ولكان من حقه أيضاً أن يرى أن غزوات الصهيونية وصولاتها وجولاتها إنما تعبِّر عن طموحات اليهود أينما كانوا. ومن هنا، يحرص كثير من أعضاء الجماعات الآن على الاحتفاظ بمسافة بينهم وبين الدولة الصهيونية ، بل على تأكيد مركزية الدياسبورا.
أسبقية (أو أولوية) إسرائيل في حياة الدياسبورا
Primacy of Israel in the Life of the Diaspora
«أسبقية (أو أولوية) إسرائيل في حياة الدياسبورا» مصطلح صهيوني جديد تم سكه مؤخراً ليحل محل مصطلح «مركزية إسرائيل في حياة الدياسبورا»، وهو مصطلح أقل جذرية من سابقه، وهذا ما يدل على أن الصهيونية الاستيطانية في فلسطين قد بدأت تشعر بضعفها في مواجهتها مع الجماعات اليهودية (في الولايات المتحدة) ومع الصهيونية التوطينية بشكل عام. ولذا، بدلاً من الإصرار على مركزية إسرائيل (وهو ما يعني تبعية الأطراف للمركز)، يكتفي الفكر الصهيوني بتأكيد أسبقيتها أو أولويتها. وهذه العبارة مثل جيد على الخطاب الصهيوني المراوغ وعلى محاولة إخفاء طبيعة الخطاب وأهدافه. فالأسبقية أو الأولوية تعني مرة أخرى مركزاً وأطرافاً. ومهما يكن الأمر، فإن ظهور المصطلح هو في حد ذاته دليل على التغيُّرات العميقة التي طرأت على علاقة إسرائيل بالجماعات اليهودية في العالم، وعلى تغيُّر موازين القوى لصالح الأخيرة.
نفــــــي الدياســــــبورا
Negation of the Diaspora
«نفي الدياسبورا» ترجمة عربية حرفية وشائعة للمصطلح الصهيوني «نجيشن أوف ذي دياسبورا negation of the diaspora» (وهو بدوره ترجمة للمصطلح العبري «شليلات هجولاه»)، ونفضل التعبير عنه باصطلاح «تصفية الدياسبورا واستغلالها».
تصفية الدياسبورا واستغلالها
Liquidation of the Diaspora
«تصفية الدياسبورا واستغلالها» عبارة تعني أن وجود الجماعات اليهودية في العالم هو وجود مؤقت، هامشي ومرضي، يجب تصفيته، وأنه إن لم يتسن تصفيته يمكن على الأقل توظيفه في خدمة الدولة الصهيونية انطلاقاً من الإيمان بمركزية إسرائيل في حياة الدياسبورا. والصهيونية تفترض أن أعضاء الجماعات اليهودية لا يحيون حياة يهودية كاملة لأنهم يعيشون خارج وطنهم القومي، كما أنهم يعانون من شذوذ الشخصية وهامشية الحياة إذ لا جذور لهم في الحضارات المختلفة لأنهم شعب عضوي لا تستطيع حضارة الآخر أن تعبِّر عن جوهره المتميِّز. والسبيل الوحيد إلى التعبير عن هذا الجوهر هو الوطن القومي والتربية القومية. فالصهيونية، بحسب تصوُّر كلاتزكين، هي «رفض الدياسبورا» لأنها "لا تستحق البقاء". وهذه النغمة الصهيونية من أكثر النغمات تكراراً؛ فالحاخام موردخاي بيرون، كبير حاخامات الجيش الإسرائيلي، وصف الشتات بأنه «لعنة إلى الأبد.. لعنة دائمة»، ولم يستثن من ذلك حتى العصور الذهبية المختلفة ليهود الشتات. كما أشار بن جوريون إلى الشتات على أنه «غبار إنساني متناثر»، ووصفه كلاتزكين بأنه «دمار وانحلال وضعف أبدي».
وانطلاقاً من ذلك ينظر الصهاينة إلى موروثات أعضاء الجماعات على أنها بلا قيمة ولا تستحق الحفاظ علىها، بل تجب تصفيتها لأنها تجسِّد هامشية اليهود وشذوذهم وقيمهم غير القومية (غير العضوية) التي يجب التخلص منها. ومن ثم، فإننا نجد إشارات إلى أعضاء الجماعات اليهودية باعتبارهم من عَبَدة الإله الكنعاني بعل. يعيشون في بابل عبيداً لشهواتهم المادية الرخيصة (قدور اللحم)، ومن هنا الحديث عن ضرورة غزو الجماعات .
ولكن المشكلة الأساسية هي أن التراث اليهودي هو أساساً مجموعة من موروثات الجماعات اليهـودية المختلفة، وبدونهـا لا توجد هويات يهودية من أي نوع. بل إن هذه الموروثات قد وجدت طريقها إلى الوطن القومي، والإسرائيليون لا يزالون يجدون هويتهم من خلالها. وبعد أربعين عاماً من إعلان الدولة، بدأ كثير من جيل الصابرا يبحث عن جذوره في تراث يهود اليديشية أو في تراث إسبانيا وليس في التراث اليهودي الخالص الذي لا وجود له إلا في كتابات الصهاينة .
وثمة صيغ صهيونية أقل حدة ترى أن الموروث الثقافي لأعضاء الجماعات قد تكون له أهمية، ولكنها أهمية ثانوية بالقياس إلى إنجازات اليهود الحضارية في فلسطين تحت حكم دولة مستقلة. وانطلاقاً من هذا، يمكن استغلال أعضاء الجماعات اليهودية بدلاً من تصفيتهم، ويمكن توظيفهم في خدمة الدولة الصهيونية بدلاً من نفيهم. بل إن المفكر الصهيوني العمالي أهاردن ديفيد جوردون اقترح أن تكون علاقة يهود العالم بالدولة الصهيونية مثل علاقة الدول الاستعمارية بالمستعمرات، أي علاقة يستفيد منها طرف واحد ويدفع الآخر الثمن. فالجماعات اليهودية، من هذا المنظور، هي مجرد وسيلة تستخدم للوصول إلى الغاية الصهيونية، أو جسر يُستخدَم للعبور إلى أرض الميعاد، أو لبنة تُستخدَم في بناء الدولة الصهيونية .
وقد كانت الصيغة الأولى الجذرية (أي التصفية الكاملة) هي السائدة حتى عهد قريب. وفي إطار ذلك، كانت الدعوة إلى اللغة العبرية ورفض اليديشية، وفي نهاية الأمر القضاء علىها. كما تم التعاون مع النازيين وإبرام معاهدة الهعفراه معهم، ووُجِّهت الدعوة إلى يهود العالم للهجرة بأعداد كبيرة إلى المركز اليهودي. وقد تم بالفعل تصفية (نفي) كل الجماعات اليهودية في العالمين العربي والإسلامي، ولم يبق سوي جماعات يهودية صغيرة في أوربا وجماعة واحدة كبيرة في الولايات المتحدة. ورغم المحاولات الدائبة من قبَل الصهاينة لتصفية الجماعات اليهودية في الغرب، إلا أن إنجاز هذه العملية لم يكن ثمرة جهود الصهاينة وإنما كان في واقع الأمر نتيجـة ظـاهرة تاريخية عـالمية واسعة هي الاستعمار الاستيطاني الغربي، إذ كانت كل العناصر اليهودية المهاجرة تتجه إلى الدول الاستيطانية الجديدة، وخصوصاً الولايات المتحدة، واتجهت قلة منهم إلى فلسطين التي تم الاستيطان فيها من خلال آليات الاستعمار الاستـيطاني الغـربي، ولم تكن الصهـيونية أو اليهــودية سوى الديباجة.
وقد ظلت الدعوة إلى نفي الدياسبورا واستغلالها قائمة حتى عام 1948. ولكن بعد إنشاء الدولة وتزايد اعتمادها على الولايات المتحدة وعلى يهود العالم تخلَّى الصهاينة عن الصيغة المتطرفة وتم تبنِّي صيغة معدَّلة مقلَّصة، ومن ثم أصبحت الدولة الصهيونية لا تهدف إلى نفي الجماعات وتصفيتها وإنما تنظر إلىها باعتبارها مصدر دعم مادي وسياسي ومعنوي، أي قبلت ما نسميه «الصهيونية التوطينية». ولذا، فإن الآلة الصهيونية تركز كل همها على جمع التبرعات. وقد زوَّد أعضاء الجماعات اليهودية الدولة الصهيونية بنحو 25% من كل مواردها المالية في السنين الأولى. ولكن، مع زيادة حجم الميزانية الإسرائيلية، ومع التضخم، نجد أن أعضاء الجماعات لا يزودونها إلا بـ 3% من مواردها. كما أن جمع الأموال أصبح يسبب نوعاً من الجفاء تجاه الصهيونية ونوعاً من الضيق بالكيان الصهيوني. بل إن المنظمات الصهيونية في الخارج تحتفظ بقـدر كبير من الأموال التي تجمعـها لتمويل نشاطاتها هي. كما أن أعضاء الجماعات بدأوا يثيرون قضايا مثل كيفية إنفاق هذه التبرعات، فيصر كثير منهم على إنفاقها في الرفاه الاجتماعي وليس في الحرب، على حين أن فريقاً منهم يرفض أن تُنفَق أية تبرعات على المُستوطَنات في الضفة الغربية. وقد طُرحَت مؤخراً صيغة جديدة للتعاون بين الصهيونية وأعضاء الجماعات اليهودية، تشكل تراجعاً صهيونياً. فهذا المشروع يركز على القدرات المهنية والفكرية لأعضاء الجماعات انطلاقاً من القول بأن العقول هي رأسمال عصر العلم، تماماً كما كانت النقود رأسمال عصر الصناعة. ولذا، فإن هذا المشروع يهدف إلى أن تكون إسرائيل أول المجتمعات في عصر الفضاء وأكثرها تركيباً من الناحية التكنولوجية والعلمية والثقافية، وتتحول بذلك إلى قوة عظمى صغيرة تُنتج التكنولوجيا وتُصدِّرها، فتحل مشكلة ميزان المدفوعات وترفع مستوى مواطنيها، وتسد الهوة الاجتماعية الإثنية داخل المجتمع الصهيوني، ثم تضمن في النهاية استمرار وجود الهوة الكيفية بينها وبين جيرانها.
ولذا، لن يُطلَب من أعضاء الجماعات اليهودية أن يهاجروا وإنما سيُطلَب منهم إقامة مشاريع ذات طابع كيفي متميِّز في إسرائيل. وسيكون بوسع المساهمين في هذه المشاريع قضاء أوقات أطول في إسرائيل والمسـاهمة بكفاءتهم العلمـية والتكنولوجية دون أن يهاجروا بالفعل. كما يمكنهم أيضاً المساهمة في استيراد وتسويق السلع الإسرائيلية. بل يمكن أن يتحولوا إلى وكلاء يتقاضون عمولة كبيرة تستخدم لتمويل المشاريع المختلفة. وغني عن القول أن هذه مهمة يمكن أن يقوم بها أيضاً أي إنسان يطمع في تحقيق الربح، فهي لا تتصل بالضرورة بالهوية اليهودية أو بوحدة الشعب اليهودي كما لا تتصل بالعلاقة الخاصة بين دياسبورا يهودية في المنفى ومركز يهودي في فلسطين!
غزو الدياسبورا
Conquest of the Communities (Diaspora)
«غزو الدياسبورا» مصطلح صهيوني يعني ضرورة الهيمنة الصهيونية على كل الجماعات اليهودية في العالم شاءت أم أبت، وذلك باعتبار أن الدولة الصهيونية هي المركز والجماعات اليهودية هي الأطراف، وهذا ما يُطلَق علىه «مركزية إسرائيل في حياة الدياسبورا». وبناءً على نصيحة ماكس نوردو، أعلن هرتزل في المؤتمر الصهيوني الثاني (1898) ضرورة غزو الحركة الصهيونية للجماعات اليهودية. والواقع أن الحركة الصهيونية لا تهدف إلى تهجير العرب من فلسطين إلى المنفى وحسب، وإنما تهدف أيضاً إلى تهجير اليهود من المنفى إلى فلسطين. ولكن حينما أعلنت الحركة الصهيونية برنامجها بشأن الوطن القومي وتجميع اليهود، أي تهجيرهم، قوبلت الدعوة بالرفض من جانب جميع المنظمات اليهودية في العالم. ووجد الصهاينة أنفسهم معزولين في جزيرة صغيرة، وذلك على حد قول وايزمان أثناء محادثاته مع الحكومة الإنجليزية لإصدار وعد بلفور، أي أنهم وجدوا أنفسهم مفتقرين إلى قاعدة جماهيرية. ولحل هذا الوضع، تبنَّى الصهاينة إستراتيجية حل المشكلة من أعلى (أي من ناحية المصالح الإمبريالية) وليس من أسفل (من ناحية الجماهير اليهودية). ومعنى هذا أنهم قرَّروا غزو الجماعات من خلال القوى الاستعمارية العظمى. فقدموا أنفسهم منذ البداية باعتبار أن بإمكانهم لعب دور الوسيط بين القوى الاستعمارية من جهة واليهود من جهة أخرى، وذلك لتجنيدهم وتوطينهم في الموقع الجغرافي الذي يهم تلك القوى. وقد أخبر هرتزل القس هشلر (الذي كان يساعده في جهوده الصهيونية) بأنه لا يمكنه فرض شروطه على اليهود إلا إذا نال قسطاً من الشرعية من إحدى الدول العظمى حتى يَقبَله اليهود. وبالفعل، فحالما وافقت إنجلترا على المشروع الصهيوني (1917) اكتسبت الصهيونية شرعية هائلة أمام الجماهير اليهودية في الغرب فاضطرت إلى الاعتراف بها. وهذا ما حدث أيضاً في الولايات المتحدة حيث اتجه النظام الأمريكي اتجاهاً ممالئاً للصهيونية برغم معارضة اليهود، فاكتسبت المنظمة الصهيونية الشرعية التي تحتاج إليها وفرضت هيمنتها في نهاية الأمر على الجماعة اليهودية. ومن ثم، يصر الصهاينة على أن يُنظَر إلى المشروع الصهيوني في ضوء المصالح الإمبريالية ، وكان القاضي الأمريكي اليهودي برانديز يؤكد لليهود أن صهيونية اليهودي الأمريكي لا تتعارض البتة مع أمريكيته. وبذا حقَّقت الصهيونية أولى خطوات عملية غزو الجماعات. ويُلاحَظ أن ثمة تماثلاً بين الطـريقة التي إتبعـتها الحـركة الصـهيونية في غـزو الجماعات اليهودية وبين طريقتها في غزو فلسطين، أي الاعتماد على القوى الاستعمارية الخـارجية. وقد قال الزعـيم الصهيوني أهارون جوردون: إن الأقليات في الخارج يجب أن تكون بمنزلة مستعمرات للوطن الأم.
وقد أخذت محاولات فرض مركزية إسرائيل أشكالاً مختلفة أكثر دهـاء أو أكثر إرهابية (حــسبما تمليه الظروف). فبعد عام 1948، أعلنت الدولة الصهيونية نفسها دولة للشعب اليهودي بأسره، داخـل حدودها وخارجـها، بكل ما يُفهَم من هذا من مركزية. ويصدر المسئولون الصهيونيون والإسرائيليون من التصريحات ما يفترض مركزية إسرائيل في حياة الدياسبورا وارتباطهما العضوي. فيصرح مندوب إسرائيل في هيئة الأمم بأن مستقبل يهود إسرائيل ويهود أمريكا لا ينفصلان. وكتب بن جوريون عن "وجود رابطة لا تنفصم عراها بين دولة إسرائيل والشعب اليهودي... رابطة الحياة والموت... ووحدة المصير والغاية". بل إن بن جوريون يدَّعي أنه عندما يقول يهودي ليهودي آخر "حكومتنا" فإن ذلك يعني حكومة إسرائيل وأن "عامة اليهود في مختلف الدول ينظرون إلى الشعب الإسرائيلي باعتبار أنه يقوم بتمثيلهم".
وتأخذ محاولات فرض مركزية إسرائيل شكلاً عنيفاً صريحاً كما حدث في العراق حينما زرع عملاء صهاينة متفجرات في المعبد اليهودي في بغداد حتى يفر يهود العراق إلى المركز الإسرائيلي. وقد حدث شيء مماثل عام 1990 حينما نجح الصهاينة في إقناع الولايات المتحدة بأن توصد أبوابها دون المهاجرين اليهود السوفييت حتى يضطروا إلى الهجرة للمركز الإسرائيلي الذي اتضح انصرافهم عنه، وعدم إقبالهم عليه (انظر: «التهجير [الترانسفير] الصهيوني لأعضاء الجماعات اليهودية»)
ولا تتوقف عملية غزو الجماعات على الهيمنة على الجماعات اليهودية نفسها، إذ أخذت الصهيونية (وهي عقيدة سياسية لا دينية) تَقرن نفسها باليهودية (وهي عقيدة سماوية) وتتوحد بها، كما تمت صهينة العقيدة اليهودية بشكل تام (هي في جوهرها عملية علمنة). وقد تم إنجاز هذه العملية بكفاءة عالية جداً حتى أن معظم أعضاء الجماعات، وخصوصاً من الأجيال الجديدة، يتصوَّرون الآن أن الصهيونية هي اليهودية ولا فرق بينهما.
ويهيمن الآن الجهاز الصهيوني على معظم المؤسسات اليهودية في العالم، إذ تغلغلت في النشاط الخيري والتربوي وفي أوجه الحياة كافة. وتحاول الصهيونية قصارى جهدها أن تُوظِّف إمكانات أعضاء الجماعات لصالحها، مالية كانت أو علمية أو سياسية لتحوِّلهم إلى أداة لها.
وقد اختفي المصطلح تقريباً في الأدبيات الصهيونية مع أنه مفهوم كامن فيها، ويرجع هذا إلى عدة أسباب من بينها إذعان أعضاء الجماعات اليهودية واستبطانهم المصطلح الصهيوني بشكل شبه تام. كما ظهر عقد صامت بين الدولة الصهيونية ويهود العالم تم بمقتضاه تقسيم العمل بين الصهيونية التوطينية أو صهيونية الخارج (صهيونية الدعم والضغط السياسي) والصهيونية الاستيطانية أو صهيونية الداخل (صهيونية الاستيطان والقتال). ولكن الأهم من هذا أن الاعتراف الغربي بالصهيونية دعم مركز الصهيونية بين يهود الغرب المندمجين، وبدأت المعارضة الصريحة للصهيونية تبدو وكأنها معارضة لسياسات الحرب العالمية الأولى التي اتبعتها الحكومات الغربية.
والواقع أن الشرعية الاستعمارية التي اكتسبتها الصهيونية أدَّت إلى حسم قضية ازدواج الولاء بالنسبة لليهودي الغربي، وحينما يؤيد المواطن الأمريكي اليهودي الصهيونية، فهو إنما يساند المصالح الإستراتيجية لبلاده، ومن ثم فلا يوجد فرق كبير بينه وبين المواطن الأمريكي غير اليهودي الذي يؤيد المشروع الصهيوني إلا في الدرجة والشكل.
ومع هذا، نجد أن أعضاء الجماعات اليهودية يقاومون هذا الغزو إما بالرفض الصريح وهذه هي الأقلية، وإما بالتملص عن طريق إعلان الولاء للدولة الصهيونية ودفع التبرعات لها ورفض الهجرة إليها. والرد الصهيوني على ذلك يأخذ أشكالاً حادة، كأن يُتَّهم اليهود والرافضون للصهيونية بأنهم معادون لليهود كارهون لأنفسهم، أو أن يُفرَض عليهم الخلاص الجبري. ولا يمكن إدراك المعنى الكامل لمفهوم غزو الجماعات إلا في إطار مفاهيم صهيونية أخرى مثل نفي الدياسبورا وهامشيتها.
هذا ويُلاحَظ، بعد الانتفاضة واهتزاز الشرعية الصهيونية، وكذلك قيام إسرائيل بدور الخفير في المنطقة، أن الجماعات اليهودية بدأت تفصح عن معارضتها لإسرائيل والصهيونية، وزاد الحديث عن مركزية الدياسبورا بدلاً من مركزية إسرائيل.
الباب الثانى: موقف الجـماعات اليهودية من الصهيونية
موقف الجماعات اليهودية من الصهيونية
Attitude of the Diaspora to Zionism
تروِّج الدعاية الصهيونية لصورة مفادها أن الأغلبية العظمي من يهود العالم تؤمن بالعقيدة الصهيونية، وتؤازر الدولة الصهيونية وتقف وراءها صفاً واحداً. وقد يكون هناك شيء من الحقيقة السطحية والمباشرة في هذا القول، فرغم أن يهود إسرائيل لا يشكلون إلا نسبة ضئيلة من يهود العالم لا تتجاوز الثُلث بأية حال فإن الحركة الصهيونية قد هيمنت علي معظم المؤسسات اليهودية في العالم، ومنها كثير من الجمعيات اليهودية الأرثوذكسية والإصلاحية التي يوجد بينها وبين الصهيونية تَناقُض من ناحية العقيدة. فاليهودية الأرثوذكسية تري أن اليهود شعب بالمعني الديني وحسب وليس بالمعني العرْقي كما يتصوَّر الصهاينة. أما اليهودية الإصلاحية فتري أن اليهود ليسوا شعباً أساساً وإنما جماعة دينية يؤمن أفرادها بالعقيدة نفسها. وقد أصبح منْ يرفضون الصهيونية بشكل علني وعقائدي أقليةً هامشيةً لا يُعتد بها ولا يُسمَع لها صوت.
ولكن، رغم ذلك، ليست العلاقة بين الجماعات اليهودية والحركة الصهيونية علاقة طيبة دائماً. والمعروف أن الحركة الصهيونية لاقت مقاومة شديدة عند ظهورها من أغلبية أعضاء الجماعات اليهودية في العالم واضطرت إلي «غزو الدياسبورا»، أي لجأت إلي أنواع من العنف لقهرها والسيطرة عليها، وهذا ما تم بالفعل مع منتصف الخمسينيات. ولكن حتي بعد أن حققت الحركة الصهيونية ذلك، رفض أعضاء الجماعات اليهودية ـ في الممارسة العملية ـ الخضوع للأوامر والنواهي الصهيونية. فهم، علي سبيل المثال، يرفضون الهجرة إلي إسرائيل «وطنهم القومي» الوهمي، وهم قد يقبلون الصهيونية اسماً وشكلاً لكنهم يرفضونها فعلاً وعملاً. وهذا ما نسميه «التملص اليهودي من الصهيونية». كما أن اهتمام أعضاء الجماعات اليهودية في العالم ينصب علي موروثهم الثقافي من المجتمع الذي يعيشون في كنفه، فيهود الولايات المتحدة علي سبيل المثال يهتمون بموروثهم الأمريكي اليهودي ويتعلمون اللغة الإنجليزية ويضعون مؤلفاتهم الدينية والدنيوية بها، كما أنهم لا يدرسون العبرية إلا في مراكز خاصة لدراسة اليهودية يعاني خريجوها من البطالة لعدم وجود اهتمام كاف بهذه الدرسات. وهذا الوضع هو تعبير عن رفض ضمني كامن للمفاهيم الصهيونية الخاصة بنفي الدياسبورا وبمركزية إسرائيل في حياة الدياسبورا، وهي مفاهيم تؤكد أن يهود العالم مجرد أداة لتحقيق الهدف الصهيوني، وأنهم يمثلون هامـشاً يدور حـول المركز «القومي» الصهيوني أي الدولة الصهيونية.
وحتي في إطار الخضوع الظاهري الكامل لإسرائيل، تنشأ مشاكل عدة بين يهود العالم من الصهاينة واليهود غير الصهاينة من جهة وإسرائيل من جهة أخري. ولعل أهم هذه القضايا هي تلك التي أُثيرت منذ عام 1948 عن مدي حق أعضاء الجماعات، علي مستوي العالم، في توجيه النقد إلي إسرائيل. فالدولة الصهيونية تحاول أن تكون علاقتها بيهود العالم علاقة هيمنة، فتتلقي منهم العون والمساعدات والتأييد دون أن يكون لهم حق التدخل في شئونها. ولكنهم، في نهاية الأمر، رفضوا الهجرة إليها وآثروا البقاء في «المنفي»، وما يقدمونه هو تكفير عن عدم مساهمتهم في تحقيق رؤية الخلاص والمثل الأعلي الصهيوني. أما يهود العالم، فيرون المسألة بشكل مختلف، إذ كيف يُطلَب منهم قبول قرارات سياسية إسرائيلية لم يشتركوا في صياغتها، أو تأييد هذه القرارات دون اعتراض؟ وإذا كان لدي الدولة الصهيونية استعداد لأن تتلقي نقودهم بصدر رحب وحماس زائد، فيجب أيضاً أن يتسع صدرها لانتقاداتهم التي تَنصبُّ في الغالب علي مسائل محدَّدة.
وأولي المسائل المهمة التي يثيرها يهود العالم أن الصهيونية وعدتهم بأن تؤسِّس دولة يهودية تسمح لليهود بالتحكم في مصائرهم مستقلين عن مجتمع الأغيار. ولكن هؤلاء، حين ينظرون، يرون دولة مصابة بأزمة اقتصادية مزمنة وصل فيها التضخم في وقت من الأوقات إلي معدلات قياسية. ورغم أن التضخم تمت السيطرة عليه، فإن حجم مديونية هذه الدولة يجعل المواطن فيها من أكثر المواطنين مديونية في العالم، حيث تصل إلي 6.200 دولار بالنسبة إلي الشخص الواحد. ويُلاحَظ كذلك تَناقُص معدل النمو الاقتصادي. وقد أدَّي كل ذلك إلي الاعتماد المتزايد والمذلّ علي الولايات المتحدة.
وقد ادعت الصهيونية أن اليهود مصابون بشتي أمراض المنفي، مثل الهامشية والطفيلية وانقلاب الهرم الإنتاجي، وأنها ستقوم بتحويلهم إلي شعب منتج يعمل بيديه. ولكن هذه النبوءة لم تتحقق إذ أن عدد اليهود في الدولة الصهيونية الذين يشتغلون بأعمال إنتاجية في الوقت الحالي يبلغ 23%، وكانت النسبة 24% قبل عام 1948. وقد تزايد قطاع الخدمات وتَضخَّم في المجتمع الإسرائيلي وفي الجيش نفسه.
ومن القضايا التي يثيرها يهود العالم من المؤمنين باليهودية، مشكلة معدلات العلمنة المتزايدة في الدولة اليهودية التي لا تسودها القيم اليهودية، فكثيراً ما يجدون أن بعض مبعوثي الدولة اليهودية لم يقرأوا التوراة في حياتهم قط، ولم يذهبوا إلي معبد يهودي. وتضطر الدولة التي يقال لها «يهودية» إلي أن تعطي دورات مكثفة في الدين اليهـودي لبعـض مبعـوثيها إلي الخـارج حتي لا ينكشف السر، فهم لا يعرفون كيف تُقام الصلوات اليهودية ولا يدرون شيئاً عن السلوك الواجب اتباعه في المعبد اليهودي.
ويشير هؤلاء المتدينون أيضاً إلي أن الدولة اليهودية، التي كان من المفترض أن تكون مثلاً أعلي يُحتذَي، أصبحت ذات توجُّه استهلاكي حاد يُقبل سكانها علي استهلاك السلع الغربية بشغف شديد. وهي، علاوة علي هذا، دولة تنتشر فيها الجرائم والمخدرات والدعارة، كما أصبحت ترتع فيها الجريمة المنظمة، وأصبح الجهاز الحكومي لا يتمتع بسمعة طيبة بسبب فضائحه المالية المتتالية.
وحينما تتهم الدولة الصهيونية أعضاء الجماعات اليهودية بأنهم آخذون في الاندماج، بل في الانصهار والتلاشي، يشيرون هم بدورهم إلي حياة إسرائيل العلمانية، ويؤكدون أن الإسرائيليين هم الذين يفقدون هويتهم اليهودية بالتدريج، وأنهم هم الذين سيندمجون تماماً في حضارة الأغيار. بل إن بعضهم يري أن ما يحدث في إسرائيل هو ظهور قومية جديدة إسرائيلية لا علاقة لها باليهودية، وبالتالي لا علاقة لها بهم.ويثير يهود العالم قضية أساسية أخري يبدو أنها دون حل في الوقت الحاضر، وهي أن المؤسسة الدينية الأرثوذكسية في إسرائيل ترفض الاعتراف باليهود الإصلاحيين والمحافظين كيهود، وهم يشكلون مع اليهـود اللا أدريين والملحـدين ما يزيد علي 80% من يهود العالم الغربي، في حين لا يشكل الأرثوذكس إلا أقلية صغيرة. وتأخذ القضية شكلاً حاداً، كلما أثارت المؤسسة الدينية الأرثوذكسية في إسرائيل قضية تغيير قانون العودة حتي يصبح تعريف اليهودي هو من تهوَّد حسب الشريعة، أي علي يد حاخام أرثوذكسي وحسب.
ويري بعض المفكرين الدينيين اليهود أن ظهور الدولة الصهيونية قد أدَّي إلي انهيار اليهودية وتآكُلها من الداخل، فأصبحت الدولة هي دين يهود العالم، ومصدر القيمة المطلقة لهم، كما أصبح جمع التبرعات من أهم الشعائر «الدينية». وهم يرون أن اليهودي العادي قد أصبح يُفرغ أية شحنة دينية داخله عن طريق النشاط الصهيوني، وهو نشاط دنيوي بالدرجة الأولي.
ويثير يهود العالم قضية أساسية أخري، وهي: هل الدولة اليهودية مجرد دولة تخدم مصالحها بغض النظر عن مصالح اليهود، أو هي دولة يهودية تضع مصالح يهود العالم في الاعتبار؟ وقد أثيرت القضية مؤخراً بكل حدة بسبب التعاون الوثيق بين الحكومة الصهيونية وحكومة الأرجنتين العسكرية. وقد قام شامير، باعتباره وزيراً لخارجية إسرائيل، بزيارة الأرجنتين في الأيام الأخيرة للنظام العسكري، وقد ثبت أن هذا النظام، المشهور بميوله النازية المعادية لليهود، كان يقوم بتعذيب معارضيه، واليهود منهم علي وجه الخصوص. ومع هذا، فقد استمر النظام الصهيوني في الحفاظ علي علاقاته بالنظام العسكري في الأرجنتين. وكانت السفارة الإسرائيلية ترفض التدخل لصالح المعتقلين السياسيين اليهود. وثمة حقيقة مهمة تدعو إلي التساؤل: إن أحد أهداف الدولة اليهودية هو توفير الأمن والحماية لليهود، ومع ذلك فإن أعضاء الجماعات اليهودية يشعرون بأن أمنهم قد تزعزع بسبب الأحداث في الشرق الأوسط وأن الجو الذي يعيش فيه اليهود في عدة بلاد قد تحوَّل من جو آمن إلي جو قلق مشحون. وفي الواقع، فإن كثيراً من المؤسسات اليهودية تحتاج الآن إلي حراسة مسلحة. وقد صرح شامير مؤخراً بأن الدولة الصهيونية لا يمكنها أن تضطلع بمسئولية حماية أعضاء الجماعات اليهودية إذ أنها مشغولة بحماية وبناء نفسها.
ويشير اليساريون اليهود في العالم إلي علاقات إسرائيل بالنظم العسكرية في أمريكا اللاتينية، فهي من أكبر موردي السلاح إليها، كما أن علاقاتها السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية مع نظام جنوب أفريقيا محل انتقادهم، إذ كيف يتأتي لدولة يهودية متمسكة بالقيم اليهودية أن تتحول إلي حليف لكل قوي القمع والإرهاب في العالم؟ ويضطر الليبراليون أيضاً إلي الاحتفاظ بمسافة بينهم وبين الكيان الصهيوني حينما يقوم بعمليات وحشية تفوح رائحتها مثل صابرا وشاتيلا. وقد حاولت الصهيونية أن تحل مشكلة سلوكها العنصري والإرهابي بأن قلَّصت مجال هذه العنصرية وجعلتها مقصورة علي مكان واحد فقط هو فلسطين، فهي ليست عنصرية كونية علي الطريقة النازية بل عنصرية مقصورة علي بؤرة واحدة (فلسطين)، وعلي شعب واحد. ولذا، تستطيع العقيدة الصهيونية أن تتخذ ديباجات اشتراكية في الاتحاد السوفيتي، وديباجات رأسمالية ليبرالية في العالم الغربي، وديباجات فاشية في أمريكا اللاتينية، ويمكنها في النهاية أن تمارس وحشيتها كاملة في فلسطين دون أن تسبب حرجاً كبيراً لمناصريها في الخارج. ومع هذا، نجد أن اندلاع الانتفاضة قد غيَّر هذه الصورة، فقد أصبح الاحتفاظ بالازدواجية صعباً واضطر يهود العالم إلي شجب الأعمال الوحشية التي تمارسها إسرائيل.
ومن القضايا التي تثير بعض التوتر بين أعضاء الجماعات اليهودية والدولة الصهيونية، هجرة عدد كبير من مواطني الكيان الصهيوني إلي الولايات المتحدة واستيطانهم فيها. ويبلغ عدد المهاجرين 600 ألف، أكثر من نصفهم من مواليد إسرائيل (فلسطين)، أي من جيل الصابرا، ومن هنا يتم طرح السؤال التالي: هل من الواجب أن تقوم المؤسسات اليهودية بتقديم المساعدة لهؤلاء المهاجرين باعتبارهم يهوداً أم تجب مقاطعتهم باعتبارهم خونةً مرتدين؟
ويمكن القول بأن واحداً من أكبر أشكال فشل الدولة الصهيونية في الهيمنة الفعلية علي أعضاء الجماعات اليهودية في العالم أنه بعد مرور ما يزيد علي مائة عام علي الاستيطان الصهيوني في فلسطين، وبعد مرور نحو أربعة عقود علي إنشاء الدولة الصهيونية، وبعد الحملات المكثفة، بل الهستيرية، التي تهدف إلي إقناع أعضاء الجماعات بالهجرة إلي فلسطين انطلاقاً من إيمانهم الديني القوي، والتي تؤكد لهم أن هذه الهجرة هي السبيل الوحيد إلي الحفاظ علي وطنهم القومي، أي إسرائيل، بعد كل هذا لم تقابل المنظمة الصهيونية والدولة الصهيونية كثيراً من النجاح، الأمر الذي فرض عليهما أن تطرحا جانباً في الآونة الأخيرة تلك المنطلقات العقائدية الصهيونية وتطرحا بدلاً منها شعارات مادية استهلاكية. فإسرائيل، حسب الحملات الدعائية الجديدة، ليست أرض الميعاد ولا مسرح الخلاص، وإنما هي بلد تتوافر فيه أسباب الراحة المادية للمهاجر حيث يمكنه أن يمتلك بيتاً واسعاً كبيراً بشروط ائتمانية سهلة، وبالتقسيط المريح، أو يمكنه أن يجد فرصاً أحسن للعمل أو الاستثمار. بل تم تعديل الأسطورة الصهيونية نفسها، فبدلاً من الإصرار علي اليهودي الخالص، اليهودي مائة في المائة، تم الاعتراف بالأمريكي اليهودي، أي اليهودي الذي ينتمي إلي وطنه الأمريكي انتماءً كاملاً، ويعتز بتراثه الإثني ما دام هذا الاعتزاز لا يتناقض مع انتمائه الأمريكي. ولا يختلف الأمريكي اليهودي في هذا عن الأمريكي الإيطالي أو الأمريكي البولندي. وداخل هذا الإطار، تصبح إسرائيل مثل إيطاليا وبولندا أي «مسقط الرأس» الذي أتي منه المهاجر. ولكــن المفــارقة تكمــن في أن هذه الأسـطورة تقف علي النقيــض من الأســطورة الصهيــونية، لأن «مسـقط الــرأس» هي البلـد الــذي يهاجر منه اليهودي، علي عكس «صهيون» أو «أرض الميعاد» فهي البلد الذي يعود إليه. وهكذا تحوَّلت الأسطورة الصهيونية إلي نقيضها من خلال محاولتها التكيف مع الوضع الأمريكي. وهذا هو أحسن تعبير عن مدي ارتباط أعضاء الجماعات بأوطانهم، وعن حقيقة موقفهم المتعيِّن من الصهيونية الذي يتجاوز التصريحات الساخنة والشعارات النارية الصهيونية.
مركزيـــــة الدياســـــبورا
Centrality of the Diaspora
«مركزية الدياسبورا» عبارة تعني الإيمان بأن الحياة الحضارية والسياسية لأعضاء الجماعات اليهودية تتشكل خارج فلسطين، وبأن علاقتهم بإسرائيل قد تكون مهمة ولكنها ليست أهم شيء في حياتهم إذ أن لديهم مصالحهم وثقافتهم وحركياتهم الاجتماعية المستقلة عن الدولة الصهيونية. وبالتالي فلابد أن تكون العلاقة بين الدولة وبين الجماعات اليهودية علاقة متكافئة. ولا يرد هذا المصطلح في الكتابات الصهيونية أو اليهودية، ولكنه افتراض كامن في كتابات دبنوف الذي يستخدم مصطلح «قومية الدياسبورا». ولا يمكن تفسير سلوك أعضاء الجماعات إلا في إطار هذا المفهوم. وتُعَدُّ استجابة يهود الولايات المتحدة لحادثة بولارد دليلاً جيداً علي الإيمان بمركزية الدياسبـورا وبانفصـال أعضـاء الجـماعات عن المركز الصهيوني المزعوم. كما أن المصطلح يتجلي في بعض التصريحات مثل تصريح مدير عام منظمة إيباك الصهيونية: "إذا كانت إسرائيل هي مركز العالم اليهودي، فنيويورك هي إذن مصدر وجوده". أما الحاخام جيكوب نيوزنر، فقد أكد بلا مواربة أن أمريكا أفضل من القدس بالنسبة إلي يهود الولايات المتحدة، وأنه إذا كانت هناك أرض ميعاد فإن اليهود الأمريكيين يعيشون فيها بالفعل علي نحو لا يمكن أن يتاح لهم في إسرائيل. ومن الثابت أن إسرائيل لا تلعب دوراً رئيسياً من الناحية الثقافية والدينية في حياة الأمريكيين اليهود. ومع ضعف صورة الدولة الصهيونية وتراجع نفوذها، وخصوصاً بعد الانتفاضة، فإن من المُتوقَّع أن يحقق أعضاء الجماعات قدراً أكبر من الاستقلال ويؤكدوا بالتالي أهميتهم ومركزيتهم بشكل أكبر.
قوميـــة الدياســـبورا
Diaspora Nationalism
«قومية الدياسبورا» مصطلح شائع في الكتابات الصهيونية واليهودية، وهو يشير إلي أن الجماعات اليهودية تشكل شعباً واحداً وقومية يهودية لها مركز واحد. ولكن هذا المركز لم يكن هو فلسطين في سائر اللحظـات التاريخية، وإنما كان ينتقل بانتقال القيادة الفكرية لليهود. فهو مرة في بابل، وأخري في الأندلس، وثالثة في ألمانيا أو في روسيا، ولعله الآن في الولايات المتحدة أو إسرائيل.
ويتفـق مفهـوم قومية الدياسـبورا مع الفكر الصهيوني في عدة نقاط، من أهمها أن اليهود يكوِّنون شعباً واحداً وأن له تراثاً واحداً. ولكن قومية الدياسبورا تختلف عن الصهيونية في قبولها تعددية المركز، وفي رفض فكرة مركزية إسرائيل في حياة الدياسبورا، أي الجماعات اليهودية. وقد يبدو هذا الاختلاف سطحياً، ولكنه في الواقع اختلاف جوهري إذ أن تعددية المركز تعني أن الدولة الصهيونية ليست مسألة ضرورية أو حتمية أن اليهود يمكنهم التعبير عن هوياتهم أينما وُجدوا. كما أنه يعني أن تراث يهود العالم تراث يستحق الحفاظ عليه، وأن الشعار الصهيوني الداعي إلي تصفية الدياسبورا ونفيها شعار معاد لليهود. ويُعتبر كلٌّ من المؤرخ الروسي اليهودي سيمون دبنوف والكاتب الروسي اليديشي حاييم جيتلوسكي من أهم دعاة قومية الدياسبورا.
وعلي مستوي البنية الفكرية الكامنة، تعني قومية الدياسبورا بالنسبة إلي هذين الداعيين قومية يهود اليديشية أو القومية اليديشية باعتبارها قومية يهودية شرق أوربية يمكن التعبير عنها من خلال إطار الدولة متعددة القوميات (علي نمط الإمبراطورية الروسية والدولة السوفيتية والإمبراطورية النمساوية المجرية). وبالفعل، نجد أن قومية الدياسبورا أصبحت، علي مستوي الممارسة، هي حق يهود اليديشية في التعبير عن هويتهم الثقافية وفي الحفاظ علي تراثهم ولغتهم داخل إطار الدولة متعددة القوميات. ولذا، فإن مصطلح «قومية الدياسبورا» ليس دقيقاً البتة، وقد يكون من الأدق الإشارة إلي «القومية اليديشية الشرق أوربية» أو «القومية اليهودية الشرق أوربية»، وعلي كلٍّ فقد تهاوي هذا المفهوم بتزايد معدلات الاندماج بين يهود الاتحاد السوفيتي ويهود الولايات المتحدة.
ويوجد تيار داخل الفكر الصهيوني يميل إلي قبول صيغة معدلة من قومية الدياسبورا، إذ يذهب بعض الصهاينة إلي أن تراث الدياسبورا مهم ويجب الحفاظ عليه ولكنهم يصرون، مع هذا، علي أن مركز الثقافة اليهودية يجب أن يظل في فلسطين. ولعل صيغة مثل هذه هي التي تحكم العلاقة بين الجماعات اليهودية في العالم وفي إسرائيل، فإسرائيل تَقَبل الآن وجودهم في المنفي باعتبارها حالة نهائية، وتَقَبل إسهاماتهم الحضارية كشيء يستحق المحافظة عليه. وفي المقابل، يَقَبل يهود العالم مركزية إسرائيل في حياتهم الثقافية ويستمدون منها شيئاً من هويتهم، وهذا ما يُطلَق عليه «الصـهيونية التوطينية»، وهي صهـيونية يؤمن بها اليهــودي في الغرب، حتي يحافظ علي هويته التي يهددها المجتمع الاستهلاكي بالهلاك ودون أن يُضطر إلي الاستيطان في إسرائيل.
القوميـــة اليديشــية
Yiddish Nationalism
انظر: «قومية الدياسبورا«.
سـيمون دبنــوف (1860-1941(Simon Dubnow
مؤرخ روسي يهودي، والمُنظِّر الأساسي لفكرة قومية الدياسبورا، ذلك المفهوم الذي طُرح كأحد حلول المسألة اليهودية. وُلد في مقاطعة موجيليف في روسيا، وتلقَّي تعليماً دينياً تقليدياً إلا أنه تخلي عن ممارسة الشعائر الدينية في سن مبكرة، كما حصل علي قدر من التعليم العلماني في المنزل وأتقن العبرية والروسية إلي جوار اليديشية لغته الأصلية. وفي الفترة 1880 ـ 1906، انتقل بين عدة مدن روسية من أهمها أوديسا التي كانت تُعتبر آنذاك مركزاً للبعث الثقافي للجماعة اليهودية في روسيا وانضم هناك إلي دائرة آحاد هعام (فيلسوف الصهيونية الثقافية، أي الإثنية العلمانية)، ثم استقر في بطرسبرج حيث عمل بتدريس ما يُسمَّي «التاريخ اليهودي» الذي أصبح اهتمامه الرئيسي. وقد أصدر عدة أعمال في هذا المجال شملت دراسة في تاريخ الجماعات اليهودية في شرق أوربا، ودراسة موجزة لتاريخ الجماعات اليهودية وتاريخ الحسيدية.
تأثر دبنوف بكل من فكر الاستنارة، والفكر المعادي للاستنارة؛ تأثر بوضعية أوجست كونت وليبرالية جون ستيورات ميل، فرفض اليهـودية من حيث هي فكرة تتناقـض مـع الفردية والحرية والتفـكير العلمي، وطرح جانباً مقولات مثل «رسالة الشعب المقدَّس» و«الارتباط الأزلي بأرض الميعاد» إذ وجد أنها لا تفسر وضع الجماعات اليهودية في العالم، وتبنَّي بدلاً من ذلك منهجاً يأخذ في الاعتبار المعطيات المادية (البيئية والحسية) ويؤكد التفاصيل والأشياء المتعينة والقراءة المتعينة للتـاريخ وينظر إلي اليهـود واليهودية باعتبارهما ظواهر اجتماعية وتاريخية. لكن تأثير الفكر المعادي للاستنارة يتبدَّي في اهتمامه بالبُعد الخاص والعضوي والروحي في الظواهر الإنسانية. وقد تأثر دبنوف بفلسفة فختة في تأكيده العنصر الروحي في القومية، وبفكر إرنست رينان في تأكيده العنصر الذاتي فيها. كما تأثر بمفاهيم المؤرخ الفرنسي فولي الذي عرَّف القومية بأنها (أولاً وقبل كل شيء) مجموعة من الأفراد الذين ينظرون إلي أنفـسهم علي أنهـم أمة، وقال إن جـوهر الأمــة هو وعيها. وكذلك تأثر دبنوف بفكر المفكر والمؤرخ الأدبي تايين الذي اعتبر القـيم الروحية لأي شـعب إنما هي نتـاج تطلعاته وظروفه الخاصة. وقد تَبنَّي في نهاية الأمر المفهوم العضوي للأمة الذي طرحه كلٌّ من رينان وتايين والذي أصبح جزءاً من الخطاب السياسي الغربي في القرن التاسع عشر. ولذا، فرغم أن رفضه اليهودية انطلاقاً من رؤيته العلمية المستنيرة، إلا أنه عاد وقَبلها انطلاقاً من الفكر المعادي للاستنارة باعـتبارها تعبيراً إيجابياً عن الروح القـومية للشعب اليهودي.
ومن الأفكار الأساسية التي أثرت في دبنوف بشكل جوهري فكرة دولة القوميات، أي الدولة الإمبراطورية التي تضم عدة قوميات لكل منها هويتها ولغتها بل تاريخها المستقل، بحيث تحتفظ كل جماعة أو أقلية قومية بقدر من الحكم الذاتي (وخصوصاً في الأمور الثقافية والدينية) وتشارك في صنع القرار السياسي من خلال مؤسسات الدولة الواحدة والتمثيل السياسي. وكانت هذه الفكرة مطروحة في كل من الإمبراطورية الروسية والإمبراطورية النمساوية المجرية كنموذج سياسي يمكن أن يضمن للإمبراطوريات الاستمرار دون أن يكون هذا الاستمرار، بالضرورة، علي حساب الشعوب والقوميات التي تعيش داخل حدودها، وهو نموذج يختلف عن نموذج الدولة القومية المركزية الذي شاع في إنجلترا وفرنسا وهولندا وفي أوربا الغربية بشكلٍّ عام.
وقد لاقت دولة الأقليات صدي في نفس دبنوف لأنها تستند إلي معطيات تاريخية متعينة (شعوب قومية قائمة بالفعل ودولة حديثة) وهو ما يجعله، وهو المفكر العلمي المستنير، قادراً علي قبولها. فهي، مع علميتها، تقبل قدراً من الخصوصية دون أي استدعاء للغيبيات. وقد كانت هذه الازدواجية ضرورية لدبنوف، فقد لاحظ أن خصوصية يهود اليديشية لا تكمن في يهوديتهم "العالمية" التي تستند إلي عناصر ثابتة ومطلقة وإنما في يديشيتهم الخاصة والنابعة من وضعهم كأقلية داخل التشكيل السياسي والحضاري الشرق أوربي. ولذا، فإن كل الحلول التي يطرحها نابعة من تَصوُّره أن يهود شرق أوربا يشكلون ظاهرة اجتماعية تشترك في الخصائص مع الظواهر المماثلة دون أن تفقد بالضرورة خصوصيتها.
ينطلق دبنوف، علي عادة كثير من مفكري أوربا في القرن التاسع عشر، من طرح رؤية للتاريخ الإنساني تُقسِّمه إلي مراحل، فتَطوُّر الإنسانية هو أساساً تَطوُّر من المادية إلي الروحية ومن البساطة الخارجية إلي التعقيد الداخلي. وهو يُقسِّم النماذج القومية إلي ثلاثة نماذج: النموذج القَبَلي، والنموذج السياسي الإقليمي أو النموذج المستقل، والنموذج الحضاري التاريخي أو النموذج الروحي. وهذه النماذج مترابطة بشكل عضوي، بمعني أن كل أمة لابد أن تمر من خلال المراحل أو النماذج الثلاثة. والنموذج القَبَلي، حسب تصوُّر دبنوف، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالطبيعة، في حين أن النموذج السياسي أقل ارتباطاً بها. أما النموذج الروحي فهو مستقل عنها إلي حدٍّ بعيد. وهذا الابتعاد التدريجي عن الطبيعية يتضح أكثر ما يتضح في علاقة كل نموذج قومي بالأرض. فالأرض، بالنسبة إلي النموذج الأول، تمثل جزءاً جوهرياً من كيانه وبيئته، أما بالنسبة إلي النموذج الثالث فهي لا تعني شيئاً علي الإطلاق، لأن كيانه ووجوده يستندان أساساً إلي الوعي بالذات التاريخية. ويؤمن دبنوف بأن الشعب اليهودي «شعب روحي» ينتمي إلي النموذج الثالث من القوميات، ولذا فهو في غني عن الأرض والدولة (علي عكس الصهاينة الذين يصرون علي عودة اليهود إلي الطبيعة وإلي الأرض، كما يصرون علي تأسيس الدولة اليهودية(
والتاريخ اليهـودي حســب تصوُّر دبنوف قد مرّ بالمراحل الثلاث. فالقبائل العبرانية تجمعت في كيان قومي في فلسطين علي رقعة واحدة من الأرض وتحت حكم دولة موحدة. وقد فقد اليهود أولاً الدولة ثم بعد ذلك الأرض. ورغم ذلك، فقد حافظوا علي كيانهم الحضاري الروحي المستقل، وعلي وعيهم بذاتهم كجماعة مستقلة. ولكن لماذا يحتفظ اليهود باستقلالهم؟ يقول دبنوف: إن هذا ليس معجزة تاريخية، فأوضاع اليهود الفريدة هي التي خلقت كيانهم الفريد، فهم يشكلون أمةً لا دولة ولا أرض لها، ولذا، فقد أُعفوا من مسئولية الحكم والاضطرار إلي اللجوء للعنف والقسر، إذ أن الدولة الحاكمة هي وحدها التي تجد نفسها مضطرة إلي ذلك. بل علي العكس من هذا، وجد اليهود أنفسهم مرغمين علي تطوير العناصر الروحية في حضارتهم وتراثهم لتُحرِّرهم من عبء السلطة السياسية، فهم أمة الروح (علي حد قول آحاد هعام)
ويُفرِّق دبنوف بين الأنانية القومية والفردية القومية، ويري أن القومية اليهودية يجب عليها أن تعرف حدودها وألا تطمع في الاستيلاء علي أرض الآخرين، ولكن يجب عليها في الوقت نفسه أن تتخطي الاندماجية بأن تحاول تمجيد ذاتها دون أنانية وبأن تحاول تطوير الذات اليهودية وملامحها المستقلة. ولكن مستقبل الأمة اليهودية لا يتوقف علي أية رسالة سرمدية تنقلها للعالم، بل يعتمد أساساً علي مدي نجاحها في تطوير شخصيتها الحضارية المستقلة. وهذه الشخصية ليست شخصية ثابتة متقولبة تعبِّر عن فكرة جوهرية أزلية، وإنما هي شخـصية كانت ولا تزال في حــالة تَطوُّر وتَغيُّر دائمين، أي أن دبنوف يقف علي الطرف النقيض من الصهاينة الذين يخلعون صفة الأزلية علي الشخصية اليهودية ويرون أنها تجسيد لرسالة اليهود السرمدية التي تتخطي حدود التطورات التاريخية وتعلو عليها.
والمُلاحَظ أن مقدمات دبنوف التحليلية رغم ديباجتها الإنسانية والتاريخية الواضحة، صهيونية حتي النخاع، ولا تختلف كثيراً عن مقدمات فيلسوف الصهيونية الثقافية آحاد هعام. فكلٌّ منهما، شأنه شأن كل صهيوني، يفترض وجود أمة يهودية لها شخصية متميِّزة ووضع فريد بين الأمم، وأن ثمة تاريخاً يهودياً عالمياً، وأن ثمة وحدة عالمية بين جميع الجماعات اليهودية في العالم تفصلها عن التشكيلات التاريخية التي توجد فيها هذه الجماعات (وهذه المقدمات هي نفسها مقدمات الفكر الصهيوني، وبالتالي لم يكن مفر من أن يصل إلي نتائج صهيونية). ولكن دبنوف لا يتحدث في واقع الأمر عن القومية اليهودية وإنما عن القومية اليديشية أو عن السمات القومية الخاصة بيهود شرق أوربا الذين كانوا يُشكِّلون ما يقرب من 80% من يهود العالم، لكن تجربتهم التاريخية لم تكن سوي تجربة تاريخية واحدة ضمن عشرات التجارب التاريخية الأخري لأعضاء الجماعات اليهودية في العالم. والخطأ الذي يرتكبه دبنوف لا يكـمن في تزييف الحقـائق وإنما يكمن في مستوي التعميم، فهو يتحدث عن الجزء (يهود اليديشية) باعتباره الكل (يهود العالم). ولعل هذا يعود إلي أن كل أوربا، عبر تاريخها، تتحدث دائماً عن اليهود بشكل مطلق، وعن اليهود "ككل"، وعن اليهود "في كل زمان ومكان"، وعن "التاريخ اليهودي". ولذا، فإنه لم يستطع الإفلات من الخطاب الغربي ـ اليهودي وغير اليهودي. كما أن أوربا (في القرن التاسع عشر) كانت تظن نفسها مركز العالم وكان يُشار إلي ما هو غربي بوصفه عالمياً (وحتي الآن نتحدث نحن أنفسنا عن الرأي العام العالمي ونحن نعني في واقع الأمر " الرأي العام الغربي"). ويمكننا أن نضيف إلي كل هذا ضخامة الجزء اليديشي مقابل ضآلة ما تبقَّي من الكل اليهودي.
ولكن الدارس المدقق سيجد أن ثمة عناصر أساسية في رؤيته جعلته يُعدِّل مستوي تحليله ويتخلي عن مستوي التعميم الخاطئ. فهو يختلف عن الصهاينة في أنه يري أن تراث يهود الدياسبورا، أي يهود العالم خارج فلسطين، لا يُشكل انحرافاً عما يُسمَّي "التاريخ اليهودي الواحد الحقيقي"، أي تاريخ اليهود في فلسطين. وعلي هذا، فإنه لا يذهب إلي أن كل اليهود مرتبطون بمركز واحد هو فلسـطين، بل إنه يري أن التاريخ اليهودي إن هو إلا تاريخ الدياسبورا. ولهذا، فإن النسق الدبنوفي نسق متعدد المراكز لا يتسم بالعضوية الصارمة والتجانس والواحدية. فهو يؤكد وجود وحدة بين الجماعات اليهودية المتناثرة في العالم، لكن هذه الوحدة لا تعني عدم التنوع، فالحضارات اليهـودية تختـلف باختلاف الظروف التاريخية والجـغرافية التي تنشـأ فيها. وهو لهذا، يري أن مركز هذه الحضارة أو الحضارات كان وسيظل متغيِّراً ينتقل من بلد إلي آخر. فهو مرة يكون في بابل، ومرة أخري يكون في الأندلس، وفي المرة الثالثة في روسيا، فالبلد الذي تزدهر فيه الحضارة اليهودية أكثر من البلدان الأخري تنتقل إليه القيادة الفكرية. ومن هنا، فإنه لا يفترض وجود مركز واحد وحيد (أزلي ثابت) في فلسطين، بل يفترض وجود مراكز متغيِّرة متنوعة متساوية في الأهمية، وهو يتحدث في واقع الأمر عن أقليات يهودية مركز ديناميتها الحضارية هو البلد الذي توجد فيه، ولذا فيهود أوربا في رأيه أوربيون أولاً وأخيراً ولا وجود لهم خارج تراثهم الأوربي. وإذا أصرَّ دبنوف بعد كل هذا علي أن هذا البلد هو مركز كل الأقليات اليهودية، فإن هذا من قبيل اختلاط الخطاب. كما أن دراسته التاريخية ليهود روسيا وبولندا لم تركز قط علي تبعيتهم في مرحلة من المراحل ليهود الأندلس أو فرنسا، ولم تُبيِّن كيف تولوا قيادة كل الأقليات اليهودية في العالم، ذلك لأنها دراسة في أوضاعهم ومؤسساتهم الثقافية والإدارية التي لا يمكن فهمها إلا في إطارها السلافي الشرق أوربي. كما أن الحلول التي يطرحها لمسـألة يهود شرق أوربا اليديشـية لا تنبع من فكرة القـومية اليهـودية العـامة، وإنما من فكرة القومية اليديشية الشرق أوربية. ولذا، فهو حينما يرفض اندماج اليهود، فإنه لا يفعل ذلك باسم جوهر يهودي عالمي أزلي وإنما باسم هوية يديشية متعينة توجد في الزمان والمـكان. ومن هـنا، فإنه يرفض فكرة الدولة اليهودية المستقلة، كما يرفض إحياء اللغة العبرية (لغة الهوية اليهودية العالمية المزعومة) ويطالب بدلاً من ذلك بإحياء اليديشية (لغة يهود شرق أوربا) لأنها اللغة التي عرفوها، وبأن يحقق يهود اليديشية هويتهم الخاصة من خلال إطار الدولة متعددة القوميات.
وتتجلَّي دقة مستوي التحليل لدي دبنوف، وتخليه عن فكرة اليهودية العالمية، في تحليله وضع اليهود في عصره. لقد لاحظ تفكك الجماعات اليهودية في أوربا وروسيا بالذات، ولاحظ الهـجرة اليهـودية المتجهة إلي الولايات المتحـدة وإلي غيرها من الدول، كما لاحظ أخيراً معدلات الاندماج المرتفعة. ولكل هذا فإنه تنبأ بأن يهود اليديشية سيتحولون إلي يهود روس، ومعظم يهود العالم سينتقلون إلي الولايات المتحدة، حيث سيكون بوسعهم تطوير شخصيتهم اليهودية الأمريكية في الدياسبورا الجديدة، لأن مجتمع الولايات المتحدة مجتمع أقليات مهاجرة لكل منها تراثها الحضاري الخاص بها والمستقل عن التراث الحضاري المشترك للأمة الجديدة.
ورغم الدينامية الهستيرية التي تتصف بها الصهيونية وتنظيماتها العديدة، فإن التطور التاريخي أثبت زيف الأطروحات الصهيونية وصدق تحليلات دبنوف. وقد كان دبنوف واعياً تماماً بهذا، ولذا فقد وصف الصهيونية بأنها "مجرد صيغة مُجدَّدة لعقيدة انتظار الماشيَّح نُقلت من عقول القبَّاليين المنتشية إلي عقول الزعماء الصهاينة الساسيين". وقد تَبنَّي البلاشفة في روسيا (في نهاية الأمر وبعد تخبُّط لعدة سنوات) الصيغة الدبنوفية الداعية إلي البعث اليديشي فتم تأسيس مقاطعة بيروبيجان، ثم تصاعدت عملية دمج وترويس يهود اليديشية حتي تحوَّلوا إلي يهود روس. كما اتجه أكثر من 85% من المهاجرين الروس، ثم السوفييت، إلي الولايات المتحدة. ولا يزال هذا هو الاتجاه الأساسي لحركة هجرة اليهود السوفييت. وبعد استقرارهم في الولايات المتحدة، نجح يهود اليديشية (لبعض الوقت) في الاندماج في مجتمعهم الجديد دون أن يفقدوا هويتهم.
ولكن حركيات المجتمعين الأمريكي والسوفيتي (والمجتمع الغربي ككل) تؤدي إلي تَصاعُد معدلات الدمج والزواج المُختلَط وانصهار واختفاء أعضاء الجماعات اليهودية. لكن دبنوف لم يتنبأ بهذا التطور الأخير، وكان من الصعب عليه أن يفعل ذلك في نهاية القرن التاسع عشر. وعلي كلٍّ، فإن إحدي السمات الأساسية في المجتمعات العلمانية الحديثة، مجتمعات ما بعد الصناعة والأيديولوجيا، هي تَصاعُد معدلات الترشيد والعلمنة التي تؤدي إلي تَساقُط الخصوصيات الدينية (بل الإنسانية) بحيث يندمج الجميع في حركة المجتمع المحكومة الآلية.
وقد اشترك دبنوف بشكل نشيط في عدد من النشاطات الخاصة بالجماعة اليهودية في روسيا، فأيَّد جهود العناصر اليهودية في جمعية تنمية الثقافة في روسيا لفَتْح مدارس يهودية، وطالب بتشكيل نظام يهودي للدفاع عن الذات بعد مذابح كيشينيف التي وقعت عام 1950، كما أيَّد المشاركة اليهودية في انتخابات عام 1950 واشترك في العام نفسه في نشاط الجمعية من أجل الحقوق الكاملة والمتساوية للشعب اليهودي، وفي عام 1906 أسس «حزب الشعب اليهودي» ذا التوجه القومي العضوي الذي استمر حتي عام 1918. وظل دبنوف معارضاً لحزب البوند بسبب سياسته الاشتراكية والماركسية، وذلك برغم وجود اتفاق بنيوي في الرأي. وقد وُجِّهت إليه الدعوة في بداية الثورة البلشفية للاشتراك في اللجـان المختلفة لإعـداد بعـض المطبوعات حول المسـألة اليهودية. وقد غادر دبنوف روسيا عام 1922 واستقر في برلين. وباعتلاء هتلر السلطة، رحل دبنوف إلي ريجا (عاصمة ليتوانيا) حيث قتل علي يد شرطي ليتواني.
أهــارون ليبرمــان (1849-1880(Aharon Lieberman
كاتب روسي يهودي وُلد في ليتوانيا، تلقَّي تعليمه في إحدي المدارس التلمودية العليا (يشيفا)، وكان من دعاة حركة الاستنارة اليهودية، كما كان عضواً في الحركات الثورية السرية في فلنا. وقد مثَّل ليبرمان (داخل حركة الاستنارة اليهودية) التيار المطالب بالجمع بين التحول الاجتماعي والاقتصادي والاحتفاظ بالانتماء القومي اليهودي متأثراً بالفكر الشعبوي الروسي، فرفض المفهوم القائل بأن التحديث ينطوي علي نفي ما هو قومي. وبرغم هجومه علي المدارس اليهودية التقليدية ومدرسيها، إلا أنه رفض محاولات القيصر نيقولا الأول الرامية إلي فَرْض نظام تعليمي روسي حديث علي الأطفال اليهود وطالب بأن ينظم أعضاء الجماعة اليهودية مدارسهم الحديثة الخاصة بهم حيث يتم تدريس اللغتين الروسية والعبرية. وقد اعتبر ليبرمان أن العبرية هي لغة اليهود القومية الحقة، أما اليديشية فما هي إلا رطانة ألمانية. وقد هاجم ليبرمان بشدة فكرة أن يتولَّي أثرياء اليهود قيادة عملية التغيير وهي الفكرة التي دعا إليها كثير من دعاة التنوير اليهود ووجَّه هجومه اللاذع للبورجوازية اليهودية.
وفي عام 1875، اضطر ليبرمان، بسبب نشاطه الثوري، إلي الفرار إلي لندن حيث انضم إلي دائرة الثوريين الروس، والتحق بواحدة من أهم المجلات الروسية الثورية في ذلك الحين (فيبريد)، ونشر بها مقالات عديدة في الفترة بين عامي 1875 و1876. ورغم أن نبرته الثورية والأممية أصبحت أكثر وضوحاً وقوة، إلا أن ليبرمان ظل يؤكد الجانب الإثني (الذي يُقال له «قومي» في مصطلحه)، وطالب بتضامن الجماهير اليهودية واعتبر أن "التاريخ اليهودي" والتعاليم اليهودية قد مهَّدت الطريق أمام اليهود ليكونوا الممثلين الطبيعيين للاشتراكية الثورية. وهذا اللجوء إلي الرموز الدينية أو التاريخية كان في الواقع من سمات الحركة الشعبوية الروسية، وكان يهدف إلي تعبئة الجماهير وكسب تأييدها للقضايا الثورية. كما طالب بضرورة إيجاد إطار تنظيمي مستقل لأعضاء الجماعـة اليهـودية يعمل داخل الإطار الأوسع للحركة الثورية الروسية.
وقد هاجم ليبرمان المثقفين اليهود المتروِّسين بشدة، واعتبرهم نخبة منفصلة عن الجماهير اليهودية وبعيدة عن حقيقة أوضاعهم. كما اعتبر أن أكثر العناصر قدرة علي تأسيس حركة ثورية بين الجماهير اليهودية هي العناصر القريبة من هذه الجماهير والمرتبطة بعالمها، ورأي أن طلبة المدارس التلمودية العليا (اليشيفا) هم أكثر العناصر المؤهلة لهذا الدور. وهذا أيضاً أحد الأسباب التي دفعته للاهتمام باللغة العبرية باعتبارها أفضل أداة للعمل بين طلبة المعاهد التلمودية وتجنيدهم للعمل الثوري وتدريبهم لكي يصبحوا من القيادات الثورية اليهودية. وفي عام 1876، أصدر بياناً بالروسية والعبرية مُوجَّهاً للشباب اليهودي في روسيا بشكل عام ولطلبة المدارس التلمودية العليا بشكل خاص هاجم فيه البورجوازية اليهودية وحمَّلها مسئولية الشقاء والاضطهاد اللذين تعاني منهما الجماهير اليهودية، كما ناشد المثقفين من الشباب اليهودي الانضمام للجماهير الكادحة. وبالتالي، يُعَدُّ ليبرمان من أوائل من نادوا بالعمل الدعائي الثوري بين الجماهير اليهودية الكادحة علي غرار حركة "الذهاب إلي الشعب" التي أطلقتها الحركة الشعبوية الروسية في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن التاسع عشر والتي كانت مُوجَّهة لجماهير الفلاحين الروسية. وقد اتخذ ليبرمان خطوات عملية في هذا الاتجاه حينما شارك عام 1876 في تأسيس الاتحاد الاشتراكي العبري في لندن علي أن يقوم هذا الاتحاد بتنظيم نقابة عمالية تضم العمال من المهاجرين اليهود القادمين من روسيا وشرق أوربا. إلا أن هذا المشروع لم ينجح بعد أن تَسبَّب هجوم ليبرمان علي المؤسسة الدينية اليهودية وقيادات الجماعة اليهودية في لندن في ابتعاد كـثير من الجـماهير العمالية عن الاتحاد. وقد أدَّي ذلك، بالإضافة للخلافات الداخلية، إلي انهيار الاتحاد في العام نفسه.
وفي عام 1877، أصدر ليبرمان جريدة باللغة العبرية لاقت قبولاً كبيراً لدي دعاة التنوير الراديكاليين، ولكنه تَعرَّض أيضاً لانتقادات حادة من جهات عدة حيث رأي البعض (داخل الدوائر الراديكالية) أن هجومه الشرس علي المؤسسة الدينية وتأييده فكرة الأممية سيؤدي إلي تباعد الجماهير اليهودية، بينما أكدت بعض الآراء الأخري أن جريدته بعيدة عن الاشتراكية وذات تَوجُّه قومي (أي صهيوني) بدليل أن ليبرمان اختار لإصدارها اللغة العبرية (لغة الأرسـتقراطية الدينية) بدلاً من اللـغة اليديشـية (لغة الجماهير الكادحة). كما أن اقتباساته الكثيرة من التراث الديني اليهودي في كتابة مقـالاته دليل آخر علي هذه النزعة المتعالية. وقد أغلقت الجريدة، قبل صدور العدد الرابع، نتيجة المشاكل المالية وتزايد الانتقادات لها من جميع الجهات.
وفي عام 1878، أُلقي القبض علي ليبرمان في فيينا بتهمة الإقامة في البلاد تحت اسم مستعار ورُحِّل إلي خارج البلد. ثم أُلقي القبض عليه مرة أخري في ألمانيا (عام 1879 حيث حُوكم بتهمة المشاركة في تأسيس منظمة سرية وسُجن لمدة تسعة أشهر. وفي عام 1880، انتقل إلي لندن مرة أخري. وقد راودته في هذه الفترة فكرة الانضمام إلي منظمة إرادة الشعب الإرهابية ولكنه لم يُقدم علي ذلك نظراً لشكوكه حول مدي التزامها بمبدأ الثورة الاشتراكية التي ستتخطي المرحلة البورجوازية.
وفي تلك الآونة، ارتبط ليبرمان عاطفياً بسيدة متزوجة لم تبادله المشاعر نفسها، وسافر وراءها إلي الولايات المتحدة حيث مات منتحراً عـام 1880 بعد أن أطـلق الرصاص علي نفسه أثناء زيارته لها في منزلها.
ورغم تأكيد ليبرمان أهمية اللغة العبرية قياساً إلي اللغة اليديشية، إلا أن كثيراً مما طرحه مهَّد الطريق أمام بلورة الأساس الفكري لحزب البوند فيما بعد. ومع هذا، يمكن القول بأن تأرجحه بين اللغة العبرية من جهة والتوجه إلي الجماهير اليديشية من جهة أخري هو تعبير عن أحد التناقضات الأساسية الكامنة في حركة الاستنارة (بين النزعة الاندماجية الثورية والنزعة القومية الانعزالية، أي الصهيونية) وربما لو عاش ليبرمان مدة أطول لحسم التناقض لصالح أحد الطرفين.
حاييــم جيتلوســكي (1865-1943(Hayyim Zhitlowsky
كاتب يهودي كان يكتب باليديشية والروسية، وهو من كبار مفكري ما يُسمَّي «قومية الدياسبورا». وُلد في روسيا، وتلقي تعليماً علمانياً، ثم انخرط في سن مبكرة في الحركات الاشتراكية والثورية الروسية. وقد ظل جيتلوسكي بعيداً عن أي اهتمام خاص بأوضاع الجماعات اليهودية في روسيا إلي أن تدهورت أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية بشكل حاد في الثمانينيات من القرن التاسع عشر، مع تعثُّر التحديث في روسيا وتزايد الاضطهاد الموجَّه ضدهم (وضد غيرهم من الأقليات) فيما أصبح يُعرَف باسم «المسألة اليهودية». وقد دفعه ذلك إلي البحث عن حلول لهذه المسألة وإلي إيجاد صيغة تجمع بين الاشتراكية والخصوصية القومية. وبعد أن كان جيتلوسكي يري في الاندماج حلاًّ لمشاكل يهود روسيا، أصبح رافضاً له. وقد احتك بحركة أحباء صهيون وتأثر بها، ولكنه لم يقبل الحل الصهيوني، وأصدر عام 1887 دراسة بالروسية عنوانها أفكار حول المصير التاريخي لليهودية تضمنت نقداً كاملاً للرؤية الصهيونية للتاريخ. وقد ذهب جيتلوسكي في هذه الدراسة إلي أن اليهود تحولوا، بعد سقوط الهيكل عام 70م، من أمة تناضل من أجل العدل الاجتماعي والقيم الإنسانية العليا إلي أمة من الوسطاء والطفيليين تستغل عمل الآخرين. وفي حين أن جيتلوسكي كان يري أن الاندماج حل طبيعي بالنسبة إلي يهود الغرب (غرب أوربا ووسطها)، فإنه كان يري أن الأمر مختلف بالنسبة إلي أعضاء الجماعة اليهودية في شرق أوربا (روسيا وبولندا بالأساس) فهم يشكلون قومية شرق أوربية لغتها اليديشية (قومية يديشية)، وتتحدد هويتها علي هذا الأساس الإثني المحلي الروسي، أي أنها أقلية قومية ضمن الشعوب والأقليات القومية في روسيا القيصرية. ومن هنا، كان جيتلوسكي مؤمناً بأن البعث القومي اليهودي ممكن في «الدياسبورا» أو «الشتات» داخل إطار اشتراكي.
وقد قوبلت دراسة جيتلوسكي بالهجوم الشديد من قبَل دبنوف رغم اتفاقهما في المنطلقات. كما اتهمته الصحافة، وخصوصاً المكتوبة بالعبرية، بمعاداة اليهود.
وفي عام 1888، انتقل جيتلوسكي إلي برلين ثم إلي زيوريخ وبرن حيث حصل علي درجة الدكتوراه عام 1892، وأصدر في العام نفسه كتابه من يهودي إلي اليهود يناشد فيه المفكرين والقادة اليهود أن يتحالفوا مع الجماهير ليحلوا مشاكلهم الاقتصادية علي أساس ثوري. ودعا إلي إعادة توطين اليهود في الأرض وإلي اشتغالهم بالزراعة، فهذا الإجراء "سيضع نهاية لانحطاطهم الأخلاقي الناتج عن اشتغالهم بالتجارة" علي حد قوله. كما طالب بأن يسعي أعضاء الجماعة اليهودية لا إلي تحقيق المساواة في مجال الحقوق المدنية وحسب ولكن أيضاً إلي تحقيق المساواة في مجال ما سماه "حقوقهم القومية"، أي حقوقهم كأقلية قومية.
وقد ساهم جيتلوسكي في تأسيس الحزب الاشتراكي الثوري الروسي في المنفي عام 1893، وشارك في تحرير جريدته، كما أسَّس اتحاداً يهودياً اشتراكياً يُصدر مطبوعاته باليديشية.
وكتب دراسة عام 1897 بعنوان لماذا اليديشية؟ نشرت عام 1900 أكد فيها ضرورة أن تكون اليديشية اللغة القومية لأعضاء الجماعات اليهودية. وقد أكد هذا الرأي أثناء حضوره المؤتمر الصهيوني الأول (1897). وقد رفض جيتلوسكي الصهيونية باعتبارها حركة برجوازية رجعية ذات ارتباط وثيق بالتيارات الدينية الأرثوذكسية وبأثرياء اليهود. وبعد انضمامه لحزب البوند عام 1898، كتب مقالاً في صحيفة تحت عنوان "الصهيونية أم الاشتراكية؟" أكد فيه أن الاشتراكية هي الإطار الأمثل الذي تستطيع الجماعة اليهودية من خلاله تحقيق ذاتيتها واستقلالها الثقافي والحضاري كأقلية قومية في ظل دولة متعددة القوميات. وبعد مذابح كيشينيف في روسيا (عام 1903)، نادي جيتلوسكي بضرورة وجود مركز إقليمي.
وفي زيارته الأولي للولايات المتحدة (عام 1904)، شارك في تحرير جريدة داس فولك الإقليمية. وفي سلسلة من المحاضرات، هاجم جيتلوسكي فكرة بوتقة الانصهار (أي أن ينصهر كل المهاجرين إلي الولايات المتحدة في بوتقة قومية واحدة)، ودعا إلي ضرورة أن يحتفظ المهاجرون اليهود وغيرهم من الأقليات المهاجرة إلي الولايات المتحدة بتراثهم الحضاري الخاص في إطار مجتمع متعدد القوميات. وأكد أن اللغة أساس الحياة الثقافية لأي شعب، وبالتالي فإن الحفاظ علي اللغة والثقافة اليديشية سيحمي اليهود من الاندماج، ولن يهدد تخليهم عن العقيدة الدينية بقاءهم واستمرارهم القومي.
وعاد جيتلوسكي إلي أوربا عام 1906 ورشح نفسه للانتخابات في روسيا وانتُخب بالفعل، لكن الحكومة ألغت انتخابه بسبب نشاطه الثوري. وفي عام 1908، ترأس جيتلوسكي مؤتمر تشيرنوفتس اليديشي. وفي العام نفسه، عاد مرة أخري إلي الولايات المتحدة حيث استقر بشكل دائم في نيويورك، وقام بتحرير مجلة شهرية عبَّر فيها عن آرائه. كما انضم إلي دائرة العمال بهدف نشر تعليم اللغة اليديشية بين العمال اليهود.
وفي عام 1914، ذهب إلي فلسطين، لكنه تركها بعد شهرين بعد أن وجد هناك معارضة شديدة لليديشية. غير أنه تأثر بحركة عمال صهيون وانضم إليها عام 1917، كما شارك في الحملة الرامية لإقامة الفيلق اليهودي خلال الحرب العالمية الأولي وفي تجنيد المتطوعين له. ولكنه عاد ليرفض الصهيونية تماماً في أعقاب الانتفاضة العربية عام 1929.
وبرغم انتقاده للماركسية والبلشفية، اتجه جيتلوسكي إلي التقارب مع الدولة السوفيتية في أعقاب صعود النازية في ألمانيا، ودافع عن محاكمات موسكو عام 1936.
وقد أيَّد جيتلوسكي تأسيس إقليم بيروبيجان في الاتحاد السوفيتي كتجسيد لفكرة الإقليم اليهودي الذي يتيح للجماهير اليهودية التعبير عن ثقافتهم وتقاليدهم الخاصة في إطار قومي ومحتوي اشتراكي.
جيكـوب نيوزنر (1932-)
Jcob Neusner
عالم ومؤرخ أمريكي يهودي تلقَّي تعليمه في كلية اللاهوت اليهودية (المحافظة)، ودرس في جامعة كولومبيا وجامعة براون. من أهم مؤلفاته كتاب تاريخ اليهود في بابل (خمسة أجزاء، 1965 ـ 1970) والتقاليد الحاخامية عند الفريسيين (1971)، واليهودية في عصر علماني (1970). وله دراسات مهمة في التلمود. ويُعَدُّ من أهم علماء التلمود في العصر الحديث.
ويُعَدُّ نيوزنر من أهم المفكرين الأمريكيين اليهود الذين يدافعون عن الوجود اليهودي خارج فلسطين (فيما يُسمَّي «قومية الدياسبورا»)، ولذا فهو يرفض المفهوم الصهيوني لإسرائيل باعتبارها المركز الروحي ليهود العالم. وينطلق نيوزنر من تعريفين للشعب اليهودي أحدهما ديني وثقافي والآخر سياسي وقومي. وهو يري أن الدولة اليهودية قد يكون لها مركزية في حياة اليهود (الزمنية التاريخية)، ولكنها لا مركزية لها في حياة اليهود المتعينة كأناس "يعيشون ويعانون، يولدون ويموتون، يفكرون ويشكون، يربون أطفالهم ويقلقون عليهم، يحيون ويعملون. فما دام اليهود بشراً يعيشون في ظل ظروف إنسانية مستقلة، فلا الصهيونية ولا دولة إسرائيل يمكنها أن تكون محور حياتهم". كما أكد الحاخام نيوزنر أن الصهيونية ليـس لديها ما تقوله بالنسـبة لقضـايا الحياة الثابتـة الخالدة، لأنها (أي الصهيونية) لم تثر قط مشكلة الوجود اليهودي كما عبَّرت عنها اليهودية.
ورفض الحاخام نيوزنر الصهيونية في كتابه المعنون اليهودية الأمريكية (1972) عميق للغاية إذ يري أن الصهيونية أخذت تصبح تدريجياً بديلاً زائفاً عن الدين اليهودي، فاستولت علي الخطاب الديني اليهودي وعلي رموز اليهودية الدينية، ولذا يعتقد الكثيرون أن الصهيونية واليهودية هما شيء واحد. ونتيجة هذا، يفشل كثير من يهود أمريكا في ممارسة أي نوع من أنواع التسامي الديني والتجاوز الروحي للعالم المادي، ذلك لأنهم يركزون كل اهتمامهم علي قطعة أرض لا يعيشون فيها.... وثمة فارق شاسع بين أن يحلم المرء بأرض توجد في السماء في نهاية الزمان وأن يحلم ببلد بعيدة كل ما فيها خير "ولكن، مع هذا، بإمكان الإنسان أن يذهب إليها إن أراد"، أي أن صهيون بالنسبة ليهود أمريكا لم تَعُد حلماً دينياً وإنما أصبحت تذكرة ذهاب وعودة إلي إسرائيل لمدة أسبوعين.
ويبدو أن حدة رفض نيوزنر للفكرة الصهيونية عن مركزية إسرائيل آخذة في التزايد كما يتضح في مقاله الغاضب المنشور في الواشنطن بوست في10/3/1987 بعد وقوع فضيحة بولارد، فقد أكد بلا مواربة أن الوقت قد حان للقول "إن أمريكا أفضل من القدس بالنسبة لليهود، وإن كانت هناك أرض ميعاد فإن اليهود الأمريكيين يعيشون فيها ويشعرون بالسلام والأمن علي نحو لا يمكن أن يُتاح لهم في إسرائيل.
فاليهود في الولايات المتحدة طائفة مقبولة تجري مع التيار الرئيسي للحياة الأمريكية، وينتمي سبعة أعضاء في مجلس الشيوخ الأمريكي، أي 7% من أعضاء المجلس لطائفة تشكل 2% من مجموع السكان". لكل ذلك، دعا نيوزنر الجميع لطي المسألة وتساءل: "أين يفضل أن يعيش اليهودي؟" والسؤال خطابي استنكاري. فالمقال يقرِّر بما لا يدع مجالاً للشك أن اليهودي الأمريكي يعيش حياة يهودية كاملة في الولايات المتحدة، وأن الدولة اليهودية لا تشكل مركزاً روحياً بالنسبة له.
ورغم هذا الموقف الحاد، فإن نيوزنر يُسمِّي نفسه صهيونياً، ولا ندري بأي معني من المعاني يمكن أن يهاجم مفكر المفاهيم الصهيونية الأساسية بهذه الحدة ويستمر في تسمية نفسه صهيونياً. ولكن رؤية قومـية الدياسـبورا أو ما نسـميه نحن «الصهيونية التوطينية»، مثلها مثل الرؤية الاندماجية، قد تم استيعابها هي الأخري داخل إطار صهيونـية الدياسبورا، وهذا ما كان يعنيه الحاخام نيوزنر نفسه حينما تحدَّث عن مركزية الدولة الصهيونية في الحياة السياسية لليهود وحسب، وهامشيتها في حياتهم الروحية أو الحقيقية، فهو بذلك قد قسَّم حياة اليهود والشتات إلي قسمين: قسم سطحي «صهيوني» يعبِّر عن نفسه من خلال دفع التبرعات والضغط الســياسي. والقسـم الآخر، وهو الـكيان اليهودي الحقيقي، ويقع خارج نطاق الرؤية الصهيونية ويشمل حياة اليهودي في معظم أبعادها.
ويمكننا أن نقول إن الرؤية السائدة في وجدان معظم يهود العالم هي هذه الصهيونية التوطينية التي تأخذ شكل سلوك سياسي سطحي صهيوني، وسلوك حياتي عميق لا علاقة له بالصهيونية، وبالتالي بإمكان يهودي من نيويورك أن يذهب للاجتماعات الصهيونية المختلفة وأن يرفع علم إسرائيل علي سيارته ويرسل شيكه إلي الجباية اليهودية الموحَّدة وأن يضع نجمة داود في سترته ويرسل خطاباً لممثله في الكونجرس الأمريكي يطلب منه أن يتخذ موقفاً ممالئاً لإسرائيل (وهذا هو الجانب السياسي من حياته)، ولكنه في الوقت نفسه يندمج في مجتمعه الأمريكي اندماجاً كاملاً ويتبنَّي المُثُل الأمريكية ويركب السيارة الفارهة ويعيش في الضواحي، كما يمكنه أن يُطوِّر هويته (الأمريكية) اليهودية داخل إطار الحضارة الأمريكية نفسها فيدرس العبرية أو اليديشية. وإن كان كاتباً، فإنه يكتب قصة أو قصيدة أمريكية ذات ملامح يهودية أمريكية محددة دون أن تكون للصهيونية أية مرجعية في حياته.
أ. ف. ستون (1907-1989(I. F. Stone
كاتب وصحفي أمريكي يهودي، عمل صحفياً ومراسلاً لعدد من المجلات والصحف الأمريكية منذ عام 1922 ودرس الفلسفة في جامعة بنسلفانيا.
ويُعَدُّ ستون من المؤمنين بأن الجماعات اليهودية خارج فلسطين لها تراثها وهويتها وإسهاماتها الحضارية وبوجوب الحفاظ علي هذا الوضع وتدعيمه. وهو ينظر نظرة قاتمة إلي ما يسميه قومية ليليبوت (بلاد الأقزام في رواية مغامرات جلفر) ويعني بها إسرائيل (أو الصهيونية)، وهي قومية ضيقة الأفق إذا ما قورنت بما يسميه «قومية الشتات» بنظرتها العالمية (و«قومية الشتات» في مصطلحنا هي عبارة عن الانتماءات الثقافية والإثنية المختلفة لأعضاء الجماعات اليهودية والتي تختلف باختلاف الزمان والمكان). ويؤكد ستون أن القومية الأولي ثمرة الاهتمام الضيق بالمصلحة القَبَلية، أما الثانية فتنبع من رؤية إنسانية. وقد ألقَي ستون نظرة شاملة علي منجزات الشتات (أي أعضــاء الجمــاعات اليهــودية في العــالم)، فوجـد أن الفترات التي ازدهرت فيها حياة اليهود مرتبطة بحضارات ذات رؤية تعددية، سواء في الفترة الهيلينية (في الإسكندرية)، أو الفترة التي ســادت فيــها الحضــارة العــربية في الأندلـس (وشمال أفريقيا)، أو في العصر الحــديث في غـرب أوربــا والولايــات المتـحدة. وهــو يــري أن ازدهـار حياة اليهود في الشتات وإسهاماتهم الحضارية ظاهرة إيجابية جــديرة بالحــفاظ عليـها وتدعيمها. ولذلك، فبدلاً من المطالبة بتصفية الوجود اليهودي في الاتحاد السوفيتي أو تهجير اليهود إلي أرض الميعاد، وبدلاً من التهييج ضد الاتحاد السوفيتي، يقترح حث الاتحاد السوفيتي علي القضاء علي معاداة اليهود وعلي مَنْح اليهود السوفييت الحقوق الخاصة بالاستقلال وحرية التعبير التي يمنحها لغيرهم من الأقليات المختلفة. ويؤكد ستون أن الصهاينة لم يتفقوا معه في المنهج لأن الصهيونية تزدهـر مع الكــوارث اليهودية، فبــدون هــذه الكوارث لن تقوم لها قائمة. ثم يهاجم ستون الدولة الصهيونية لاضطهادها الفلسطينيين وإنكارها حقوقهم. ومن أهم مؤلفات ستون كتاب محاكمة سقراط.
الباب الثالث: الرفض اليهودي للصهيونية
الرفــض اليهـودي للصهيونيـة والتوحــد الكامل معــها
Jewish Rejection of Zionism and Total Identification with It
«الرفض اليهودي للصهيونية» هو المقابل العربي للمصطلح الإنجليزي «جـويش أنتي زايونيــزم Jewish Anti-Zionism»، وهـــو مصطلح أساسي، فعن طريقه يمكننا أن نُصنِّف هؤلاء اليهود الذين يرفضون الصهيونية قلباً وقالباً بشكل جوهري ومبدئي. ولكن ثمة نقطة قصور أساسية في المصطلح وهو أنه يفترض أن اليهود ينقسمون إما إلى صهاينة أو رافضين لها، أي أنه يقودنا إلى ضرب من الثنائيات المتعارضة البسيطة، والتي تفصلنا ببساطتها عن الواقع. ولذا قد يكون من الأفضل أن نتجاوز هذه الثنائيات فندرك الواقع من خلال مقولات ومصطلحات تحليلية وتصنيفية أكثر دقة وتركيبية.
ويمكننا إنجاز هذا لو نظرنا إلى الرفض اليهودي للصهيونية باعتباره يُشكِّل أحد أطراف مُتصَل مستمر طرفه الآخر هو القبول اليهودي غير المتحفظ للصهيونية والتعاطف بل التوحد الكامل بها وتوجد بين الطرفين المتعارضين ظلال كثيرة. وإذا كان رافضو الصهيونية أقلية والمدافعون عنها أقلية، فأغلبية يهـود العالم الساحـقة توجد بينهما. فهناك «عدم الاكتراث اليهودي بالصهيونية» وهناك «التملص» منها وهناك «الصهيونية النفعية» وهكذا.
و«الرفض اليهودي للصهيونية» هو عكس «التعاطف اليهودي مع الصهيونية». أما «التملص اليهودي» من الصهيونية أو «عدم الاكتراث اليهودي» بها، فهما أشكال إما مخففة أو كامنة من الرفض اليهودي. وهذا الرفض يستند إلى أساسين: أساس علماني (ليبرالي أو اشتراكي أو إثني) أو أساس ديني.
وتاريخ الرفض اليهودي للصهيونية يبدأ مع تاريخ الصهيونية نفسها. وقد جاء في موسوعة الصهيونية وإسرائيل أن المنظمات اليهودية الرئيسية "كافة" قد اتخذت من الصهيونية موقفاً معارضاً أو موقفاً غير صهيوني (أي غير مكترث). وقد دفعت المعارضة اليهودية القيادة الصهيونية لنقل مقر انعقاد المؤتمر الأول (1897) من ميونخ إلى بازل. وأعلنت اللجنة التنفيذية لمجلس الحاخامات في ألمانيا، عشية انعقاد المؤتمر، اعتراضها على الصهيونية على أساس أن فكرة الدولة اليهودية تتعارض مع عقيدة الخلاص اليهودية. كما اتخذت المنظمتان اليهوديتان الرئيسيتان في إنجلترا (مجلس مندوبي اليهود البريطانيين، والهيئة اليهودية الإنجليزية) مواقف مماثلة. وأعرب مؤتمر الحاخامات الأمريكيين المركزي عن معارضته التفسير الصهيوني لليهودية باعتبار أن الصهيونية تؤكد الانتماء القومي. وعارض حاخام فيينا (مسقط رأس هرتزل) فكرة إنشاء دولة يهودية لأنها فكرة معادية لليهود وتُرجع كل شيء إلى العرْق والقومية. وقد تبنت اللجـنة اليهـودية الأمريكية موقـفاً مناهضاً للصهيونية عام 1906، ثم انتهجت نهجاً غير صهيوني استمر حتى أواخر عام 1940. وعندما صدر وعد بلفور أعلن 299 يهودياً أمريكياً رفضهم في الحـال، في عريضـة موجهة إلى الحكومة الأمريكية، وقعوا عليها، على أساس أن ذلك يروج لمفهوم الولاء المزدوج. وفي 4 مارس سنة 1919، بعث جوليوس كان، عضو الكونجرس الأمريكي عن كاليفورنيا، ومعه 30 يهودياً أمريكياً بارزاً، رسالة إلى الرئيـس وودرو ويلـسون يحتـجون فيها على فكرة الدولة اليهودية. وأعرب أكثر الموقعين على هذا الاحتجاج عن أنهم يعبِّرون عن رأي أغلبية اليهود الأمريكيين، وكتبوا يقولون: إن إعلان فلسطين وطناً قومياً لليهود سيكون جريمة في حـق الرؤى العالمية لأنبياء اليهود وقادتهم العظماء. واسـتطرد البيان يقول: إن دولة يهودية لابد أن تضع قيوداً أساسية (على غير اليهود) فيما يتعلق بالجنس، وأكد أن توحيد الكنيسة والدولة في أية صورة سيكون بمنزلة قفزة إلى الوراء تعود إلى ألفي عام. وأعرب جوليوس كان وغيره (ممن وقعوا على الاحتجاج) عن أملهم في أن ما كان يُعرَف في الماضي بالأرض الموعودة يجب أن يصبح أرض الوعد لكل الأجناس والعقائد.
وكما أن مصطلح «صهيونية» مصطلح مختلط الدلالة، فإن مصطلح «رفض الصهيونية» أو العداء لها يتسم بالصفة نفسها:
1 ـ ففي بعض الأحيان، يُطلَق على اليهودي الذي يقف ضد التوسعية الصهيونية أو ضد قمع الدولة الصهيونية للفلسطينيين مصطلح «معاد للصهيونية».
2 ـ ويُستخدَم المصطلح نفسه للإشارة لنعوم تشومسكي الذي قرر أن السياسات الإسرائيلية والصهيونية ليستا بالضرورة مترادفتين، ومن ثم يستطيع أي يهودي أن يشجب السياسات الإسرائيلية والتصدي لها دون أن يتخذ موقفاً معادياً للصهيونية بالضرورة، ومع هذا صُنِّف تشومسكي معادياً للصهيونية رافضاً لها.
3 ـ أما ألان سولومونوف، وهو شخصية أمريكية يهودية شهيرة، فيطالب إسرائيل بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية وأن تنشئ دولتين، واحدة فلسطينية والأخرى إسرائيلية، ولكنه رفض أن يتم تطبيق اصطلاح «صهيوني» أو «معاد للصهيونية» عليه. بينما نجد أن إدموند هاناور (مؤسس جماعة سيرش) يطالب بالمطالب نفسها، ويُسمِّي نفسه مع هذا «معادياً للصهيونية».
4 ـ يرى الصهاينة أن العداء اليهودي للصهيونية إنما هو شكل من أشكال كُره اليهودي لنفسه.
ونحن نذهب إلى أن اليهودي الذي يرفض الصهيونية هو اليهودي الذي يرفض الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة.
والرفض اليهودي للصهيونية ينقسم إلى قسمين أساسيين: ديني وعلماني:
1 ـ الرفض الديني:
أ) الرفض الأرثوذكسي: يرى بعض اليهود الأرثوذكس ورثة اليهودية الحاخامية (انطلاقاً من رؤيتهم الدينية) أن العودة إلى أرض الميعاد لا يمكن أن تتم إلا بعد ظهور الماشيَّح المخلِّص في آخر الأيام على أن يقوم هو بقيادة شعبه اليهودي. وبناءً على ذلك، تكون الحركة الصهيونية، بمحاولتها اتخـاذ خطوات عمليـة (مادية علمانية) لإقـامة وطن قومي يهودي، إنما تدخل في أخص خصوصيات الإرادة الإلهية، أي أنها نوع من التجديف والهرطقة، وتأسيس أية دولة علمانية في فلسطين على يد اليهود هو خرق للتعاليم التوراتية. إن الشعب اليهودي ليس شعباً مثل كل الشعوب وإنما هو أمة من الكهنة، كما أن العهد المبرم بينهم وبين الرب عهد ديني من نوع خاص وليس عهداً قومياً كما يتخيل الصهاينة. ويرى هؤلاء الأرثوذكـس ضرورة الإبقـاء على اليديشـية لغةً للتعـامل اليومي، فالعبرية هي اللسان المقدَّس. وقد قامت جماعة أجودات إسرائيل بالوقوف في وجه الصهيونية. ومن أهم الشخصيات الأرثوذكسية المعارضـة، جيـكوب دي هـان وناثان بيرنبـاوم. لكن التيار الصهيوني، اكتسح جماعة أجودات إسرائيل، شأنها شأن كثير من الجماعات الدينية اليهودية، ولم يبق الآن من ممثلي هذا التيار سوى نواطير المدينة وجماعات أخرى متفرقة في أنحاء العالم.
ب) الرفض الإصلاحي:
تَصدُر اليهـودية الإصلاحية عن شكل جديد من أشكال الحلولية، وهو ما نسميه «حلولية شحوب الإله» إذ يرون أن الإله قد حل لا في الأمة اليهودية ولا في الأرض اليهودية ولا حتى في التاريخ اليهودي وإنما في روح التقدم والعصر، ولذا فهم يرون أن اليهود ليسوا شعباً وإنما أقليات دينية، وأن الماشيَّح ليس شخصاً وإنما عصر مشيحاني تتحقق فيه كل قيم التقدم والعدالة وهو ليس مقصوراً على اليهود وحدهم. ولذا، فإن اليهودية الإصلاحية تقف ضد الصهيونية بشراسة لأن الصهيونية تصر على أن موضع الحلول هو الشعب اليهودي والأرض.
ومن أهم الشخصيات اليهودية المعادية للصهيونية على أساس إصلاحي، كلود مونتفيوري، والحاخام إلمر برجر. وقد حدث تغيُّر جوهري على اليهودية الإصلاحية، إذ اكتسحها التيار الصهيوني، وتمت صهينتها من الداخل، وأصبحت مُمثَّلة في المنظمة الصهيونية العالمية. كما تم تعديل كتاب الصلوات الإصلاحي بحيث أصبح يضم إشارات وعبارات صهيونية.
وكان دعاة اليهودية المحافظة في بداية الأمر من رافضي الصهيونية. وبسبب تَماثُل بنيتها وبنية الصهيونية (الشعب مركز الحلول)، تمت صهينة اليهودية المحافظة تماماً وبسرعة، وتشبهها في ذلك اليهودية التجديدية.
2 ـ الرفض العلماني.
أ) الرفض الليبرالي: يؤمن الليبراليون بمُثُل عصر الاستنارة، ووجوب فصل الدين عن الدولة، وأن اليهود ليسوا شعباً وإنما أقلية دينية، وأنهم ليسوا أمة من الكهنة وإنما مواطنون عاديون يتجه ولاؤهم إلى الدولة التي يعيشون فيها، وأن اليهود ليس لهم تاريخ مستقل وإنما يشاركون الشعوب التي يعيشون بين ظهرانيها تجاربهم التاريخية. فتاريخهم فرنسي في فرنسا، وإنجليزي في إنجلترا، واللغة التي يجب أن يتحدثوا بها هي لغة الوطن الذي يعيشون فيه. وعلى هذا، فإن حل المسألة اليهودية لن يتأتى إلا عن طريق مزيد من الاندماج. بل إنهم يعتبرون الحركة الصهيونية عقبة كأداء تقف في طريق الاندماج السوي. ومعظم الذين يشكِّلون هذا التيار هم من أعضاء الطبقات الوسطى في أوربا الغربية والولايات المتحدة والذين لم يجدوا صعوبة اقتصادية أو حضارية في الاندماج. ومن أهم الرافضين للصهيونية على أساس ليبرالي إدوين مونتاجو وهانز كون وموريس كوهين.
وقد تسبَّب إعلان دولة إسرائيل وصداقتها للعالم الغربي الرأسمالي في تَساقُط الجمعيات التي تعبِّر عن هذا الاتجاه، ولم يبق منها سوى جمعيات متفرقة مثل المجلس الأمريكي لليهودية، الذي يخضع الآن بعض الشيء للنفوذ الصهيوني، وهو ما اضطر الحاخام برجر للاستقالة منه وتكوين جمعية صغيرة مستقلة تحت اسم «بديل يهودي للصهيونية».
ب) الرفض الاشتراكي: يَصدُر الرفض الاشتراكي اليهودي للصهيونية عن تَصوُّر أن اليهود أقلية دينية وأن ما يسري على كل الأقليات يسري عليهم، وأن حل المسألة اليهودية يكون عن طريق حل المشاكل الاجتماعية والطبقية للمجتمع ككل. وقد كان هذا هو الحل الأكثر شيوعاً بين صفوف الشباب اليهودي في روسيا وبولندا وبين صفوف العمال اليهود، الأمر الذي جعل الوجود اليهودي في صفوف الحركات الثورية في شرق أوربا وروسيا أمراً ملحوظاً (وقد أفزع هذا أثرياء اليهود في الغرب أمثال روتشيلد، فساهموا في تمويل الحركة الصهـيونية ليحــولوا الشـباب والعـمال عن طريق الثورة). وقد هُزم هذا التيار في الأربعينيات والخمسينيات بعد ظهور دولة إسرائيل، لكنه بدأ في الظهور مرة أخرى في الغرب خصوصاً بعد أن ظهرت بوضوح الطبيعة الاستعمارية للدولة الصهيونية. ويُلاحَظ أن قطاعات كثيرة من اليسار الجديد في الغرب تعادي إسرائيل رغم (أو بسبب) وجود كثير من الشباب اليهودي الساخط على قيم المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي الذي تمثله الدولة الصهيونية في العالم الثالث.
وقد ضم تيار الرفض الاشتراكي اليهودي للصهيونية عبر السنين عدداً كبيراً من المفكرين اليهود البارزين، مثل: روزا لوكسمبرج وليون تروتسكي وإليا إهرنبورج وكارل كاوتسكي. وفي السنوات الأخيرة، ضمت القائمة ماكسيم رودنسون وإسحق دويتشر وبرونو كرايسكي. ولا يزال عدد كبير من المنظمات اليسارية في أوربا والولايات المتحدة، التي تضم في صفوفها أعداداً كبيرة من اليهود، تنتهج موقفاً مناهضاً للصهيونية والاستعمار.
جـ) الرفض من منظور قومية الدياسبورا: يرفض دعاة قومية الدياسبورا الصهيونية لأنهم يرون أن اليهود يُكوِّنون أقليات قومية لها هويات مستقلة خارج فلسطين. وحين يتحدث دعاة قومية الدياسبورا عن اليهود، فهم يشيرون لا إلى أقلية قومية أو حتى إلى أمة قومية، ولكنهم في واقع الأمر يشيرون إلى أقلية إثنية. وحيث إن معظم دعاة هذا الاتجاه كانوا يتحدثون باسم غالبية يهود العالم، وهم يهود اليديشية، فإنهم يتحدثون في العادة عن القومـية اليديشـية التي تكـونت هـوية أعضـائها تحت ظروف خاصة.
ولكن، إلى جانب هذا التيار، بدأ يظهر تيار مماثل بين يهود أمريكا يرى أن هويتهم الحقيقية هي هوية أمريكية يهودية تستحق الحفاظ عليها، ومن ثم ينبغي عدم تصفيتها أو إخضاعها للدولة الصهيونية.
د) وهناك أخيراً حبيب شيفر الذي يرفض الصهيونية باعتبارها مؤامرة شيوعية وعلى أساس أن الدولة الصهيونية هي أداة في يد الاتحاد السوفيتي لتخريب العالم الحر. وغني عن القول أن مثل هذه الدعاوى قد تهاوت تماماً في الوقت الحاضر.
هذه هي التيارات الأساسية في الرفض اليهودي للصهيونية. ويمكن القول من ناحية التطور التاريخي بأن العداء اليهودي للصهيونية كان قوياً للغاية حتى إعلان وعد بلفور، حين تم توقيع عقد بين الحضارة الغربية والصهاينة الذين ادعوا تمثيل الشعب اليهودي، وقد أُزيل بالتالي احتمال ازدواج الولاء. ومع إعلان الدولة الصهيونية دولة وظيفية في خدمة الاستعمار الغربي، أصبح من العبث معارضتها بل أصبح من المنطقي تبنِّي العقيدة الصهيونية باعتبارها العقيدة التي تُدخل اليهود في نطاق الحضارة الغربية وتُوظِّفهم لصالحها، وهذا ما حدث لمعظم يهود العالم الغربي ومنظماتهم. لكن المقاومة اليهودية للصهيونية، مع هذا، لم تنته تماماً، فقد بدأت تظهر شخصيات وتنظيمات جديدة معارضة للصهيونية أو متملصة منها، من أهمها بريرا والأجندة اليهودية الجديدة.
الاتحــاد المـــركزي للمواطنين الألمان من أتباع العـقيدة اليـهودية
Central-Verein Deutscher Staats-Burger Judischen Glaubens
منظمة يهودية ألمانية أُسِّست في برلين عام 1893 بهدف كفالة المساواة المدنية والاجتماعية بين اليهود وغيرهم من الرعايا الألمان. وقد عملت المنظمة على توحيد اليهود الألمان كافة في إطار تنظيمي واحد بغض النظـر عن تباين انتمـاءاتهم السـياسية أو تصوراتهم الدينية، كما سعت إلى تعزيز الانتماء الألماني في أوساط اليهود.
وقد اعتبرت المنظمة أن يهود ألمانيا يشكلون جماعة دينية لا جماعة قومية وأنهم جزء لا يتجزأ من الأمة الألمانية، كما كانت ترى أن حل مشاكل اليهود الألمان يجب أن يتم في إطار الدولة الألمانية وليس بالانفصال عنها. ومن هذا المنطلق، عارضت المنظمة النزعات الانعزالية في أوساط اليهود، واتخذت موقفاً مضاداً من المشروع الصهيوني، وخطط تهجير اليهود إلى فلسطين وتوطينهم هناك. إلا أن هذا الموقف كان يفتقر إلى التماسك والصلابة حيث شاركت المنظمة في أعمال الوكالة اليهودية، كما ساهمت في تمويل مشاريع الاستيطان اليهودي في فلسطين من خلال منظمة التأهيل والتدريب (أورت) واللجنة الأمريكية اليهودية المشتركة للتوزيع وجمعية الاستيطان اليهودي (إيكا). ولكن يُلاحَظ أن نشاط بعض هذه الجمعيات كان نشاطاً يهودياً توطينياً يهدف إلى تحويل هجرة يهود اليديشية من أوربا إلى أماكن متفرقة من العالم، وليس إلى فلسطين بالضرورة، لأن هؤلاء المهاجرين كانوا يهددون مواقعهم الطبقية ومكانتهم الاجتماعية. ولذا، فالنشاط التوطيني هنا ليس ذا مضمون صهيوني، وخصوصاً أن هذه الجمعيات كانت تحاول أيضاً المساهمة في عملية دمج المهاجرين اليهود في مجتمعاتهم.
وقد كرسـت المنظـمة جـل طاقـتها لمواجهة حملات العداء لليهود، ونشر الكتابات الرامية إلى التعريف باليهودية، كما كانت تقوم بتمويل ومؤازرة الدعاوى القانونية ضد التشهير باليهود أو باليهودية. وبعد وصول هتلر إلى السلطة عام 1933، اتجهت المنظمة إلى تقديم الاستشارات القانونية والاستثمارية لليهود الألمان.
وقد تغيَّر اسم المنظمة في عام 1935 ليصبح «الاتحاد المركزي لليهود في ألمانيا»، ثم تغيَّر ثانيةً عام 1936 ليصبح «الاتحاد المركزي اليهودي»، ثم تم حلها في عام 1938 وجرى دمجها في منظمة المجلس الموحَّد لليهود الألمان.
ويُلاحَظ أن النازيين كانوا لا يفضلون التعامل مع الاتحاد المركزي للمواطنين الألمان بسبب اتجاهاته الاندماجية إذ أن النازيين يؤمنون بالشعب العضوي الذي لا يمكن أن يندمج فيه أعضاء الشعوب. ولذا، ومن وجهة نظرهم، كان دعاة الاندماج بين الألمان اليهود هم الأعداء الحقيقيون الذين يزيفون الواقع ويودون التسلل في صفوف الألمان بهدف تخريبهم من الداخل، هذا على عكس الصهاينة الذين يؤمنون مثلهم بفكرة الشعب العضوي اليهودي، ومن ثم يقفون ضد الاندماج. ولكل هذا، كان النازيون يؤثرون التعامل معهم.
حاخامات الاحتجاج
Protest Rabbis
استخدم هرتزل مصطلح «حاخامات الاحتجاج» عام 1897 ليصف به مجموعة من الحاخامات الألمان الذين احتجوا على انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول وحذروا قيادات الطائفة اليهودية والحاخامات من الاشتراك. وقد نجم عن الاحتجاج الأول تغيير مكان انعقاد المؤتمر الذي كان قد خُطِّط له أساساً أن ينعقد في ميونخ. وبعد أن فشل حاخامات الاحتجاج في منع انعقاد المؤتمر الأول، نشروا مقالاً مؤداه أن الصهيونية تناقض آمال اليهود.
ونظراً لانفصال هرتزل (وبقية أعضاء القيادة الصهيونية) عن الدين اليهودي، وعدم إدراكهم كثيراً من مفاهيمه، فإن هذا الهجوم كان يمثل مفاجأة كاملة بالنسبة إليهم. فكتب نوردو يتحدث عن خيانة الحاخامات وكيف أنهم "يجب أن يحافظوا على حب اليهود لشعبهم ولإرتس يسرائيل". وقد كان نوردو يجهل أن الحب التقليدي لصهيون هو حب ديني لا يترجم نفسه إلى عودة جسدية حرفية بل يحرِّم مثل هذه العودة، وأنه يختلف تماماً عن الحب القومي العلماني لأرض الأجداد الذي يُترجم نفسه إلى استيطان.
اليهودية الاستيطانية
Settler Judaism
«اليهودية الاستيطانية» مصطلح يعني أن اليهودية قد تم علمنتها تماماً واستيعابها في المنظومة الصهيونية حتى أصبح أعضاء الجماعات اليهودية يظنون أن اليهودية هي الصهيونية وأن أهم عمل ديني يهودي هو الاستيطان، وبخاصة في الضفة الغربية. وقد نحت المصطلح بعض أعضاء الجماعات اليهودية من المعارضين لعملية دمج اليهودية بالصهيونية والتوحيد بينهما.
المقاومـــة العربيــة اليهوديـــة للصهيونيــة
The Resistance of Jewish Arabs to Zionism
تباينت مواقف يهود الأقطار العربية تجاه الصهيونية، ووصل الأمر ببعضها حد مقاومة هذه الحركة. وإذا كان طبيعياً أن تجد الصهيونية من يؤيدها وسط هؤلاء؛ فإن من الطبيعي، أيضاً، أن يعارضها آخرون منهم، وأن يناصبوها العداء؛ بعضهم بسبب فكره الماركسي، المعادي للصهيونية، أصلاً؛ والبعض الآخر لوعيه بأن الصهيونية ستجلب على اليهود عداء العرب، وتضرب مصالح اليهود في الأقطار العربية، التي طالما ظلَّلهم التسامح الذي سادها.
لعل أهم المنظمات التي أسسها بهود من الأقطار العربية، وعملت على محاربة الصهيونية، "عصبة مكافحة الصهيونية" في العراق؛ و"الرابطة الإسرائيلية لمكافحة الصهيونية" في مصر.
وما أن وضـعت الحـرب العالمية الثانية أوزارها (1939 ـ 1945)، حتى صعَّدت الإدارة الأمريكية جهودها الرامية إلى التعجيل بإقامة الدولة اليهودية. وفي العراق سمحت حكومته بتشكيل أحزاب سياسية؛ وهو ما حدا باللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي (السري)، أواسط سنة 1945، إلى طلب ترخيص لحزب سياسي علني، باسم "حزب التحرر الوطني"؛ فيما كلفت اللجنة المركزية أعضاء يهود في الحزب الشيوعي بالعمل من أجل تأسيس منظمة جماهيرية لمكافحة الصهيونية. وكان اليهود يشكلون في العراق أقلية نشيطة، اقتصادياً وسياسياً وثقافياً؛ الأمر الذي أهَّلهم لاحتلال موقع متميِّز في المجتمع العراقي.
أما الأعضاء الذين كلفوا من قبل اللجنة المركزية للحزب، فهم: يهودا صديق؛ ويوسف هارون زلخة؛ ومسعد قطَّان؛ وإبراهيم ناجي؛ ويعقوب فرايم؛ ونعيم شوع؛ ويوسف زلوف. حيث عقدوا عدة اجتماعات، صاغوا خلالها برنامجاً سياسياً، ونظاماً داخلياً لعصبة مكافحة الصهيونية، التي طلبوا ترخيصاً لها من الحكومة العراقية. وما إن حصلوا عليه، حتى تألفت هيئة إدارية للعصبة، ترأسها يوسف هارون زلخة؛ فيما ترأس هيئة الرقابة يهودا صديق.
وقد كان يهود العراق في أمسِّ الحاجة إلى توثيق صلاتهم بالشعب العراقي، وتحقيق اندماجهم فيه، وإقناعه بانعدام الصلة بين يهود العراق والحركة الصهيونية.
أصدرت العصبة عدة كراسات؛ كما عمدت إلى نشر برنامجها، جماهيرياً؛ وعقدت اجتماعات ومؤتمرات جماهيرية حاشدة في مقرها، بالكرخ، أحد أحياء العاصمة العراقية، بغداد؛ وأصدرت جريدتها العصبة، عن دار الحكمة للطباعة، المملوكة للعصبة نفسها. ونشرت هذه الجريدة سلسلة مقالات، شرحت أهداف العصبة، سرعان ما جمعتها قيادة العصبة، وأصدرتها في كتاب، حـمل عنـوان نحـن نكافـح في ســبيل من؟ وضد مـن نـكافح؟. وفيه فصلت اليهودية عن الصهيونية، "المرتبطة بالاستعمار العالمي، وعلى رأسه الاستعمار الأمريكي". مؤكدة أنه "ليس لليهود قضية منفصلة عن قضايا شعوبهم". واعتبر الكتاب الصهيونية" عميلاً للإمبريالية، وأداة لها"؛ ورأت في "الفاشية والصهيونية توءمين لبغيّ واحدة، هي العنصرية". وأكدت أن الصهيونية إنما تهدف إلى دق إسفين بين اليهود والعرب، بما يصرف هؤلاء وأولئك عن النضال الوطني. ويعلن الكتاب عداء العصبة للوطن القومي اليهودي، لأنه "يُفرِّق بين اليهود ومواطنيهم في الوطن الواحد، ولأنه يستهدف شطر فلسطين العربية عن جسم البلاد العربية، وإفناء شعبنا العربي". ورغم أن الصهيونية تتلون أمام اليهود، بما يرضي فريقاً منهم، إلا أن دينها "نفاق ورياء، وقوميتها عنصرية اعتدائية، واشتراكيتها انتهازية". ورأى الكراسة أن الصهيونية تطمع، فقط، في إغراق الأسواق بالبضائع، لتضرب الصناعة الوطنية، وتسيطر على التجارة. أما تبنِّي الاستعمار للصهيونية، فلأنها أداته في قلب الوطن العربي. واعتبرت العصبة غياب الديموقراطية عن الأقطار العربية عاملاً منشطاً للصهيونية في هذه الأقطار. وطالبت بضرورة إشراك المنظمات الشعبية في الكفاح من أجل طرد الاستعمار البريطاني، الذي أوجد الصهيونية في فلسطين.
حين حلَّت الذكرى الثامنة والعشرون لصدور وعد بلفور (2/11/1945)، أصدرت العصبة بياناً، ضمَّنته استنكارها هذا الوعد. وأضاف البيان أن "الاستعمار يستطيع أن يتكرم بفلسطين، مئات المرات، طالما أنها ليسـت بلاده، وطالما أنه يجـد في ذلك ربحـاً له ومغنماً". واعتبر البيان غاية الاستعمار وعميلته الصهيونية من "وعد بلفور"، تحويل "نضال العرب، الموجَّه ضد الاستعمار، نحو جماهير اليهود، وبذلك تخلق منهم حاجزاً يختفي وراءه الاستعمار، ولو كان المستعمرون يعطفون، حقاً، "على اليهود لعاملوهم معاملة طيبة في أوربا". وأكد بيان العصبة "أن حل المشكلة اليهودية يتم بحل مشكلة البلدان التي يعيش فيها اليهود. أما [حل] فلسطين، فهو فضلاً عن أنه لا يحل المشكلة اليهودية، فهو اعتداء صريح غاشم على حقوق الشعب العربي". ودعت قيادة العصبة في بيانها المواطنين "إلى النضال من أجل استقلال فلسطين، استقلالاً تاماً، وتأليف حكومة ديموقراطية عربية فيها، ومنع الهجمة الصهيونية إلى فلسطين؛ وإيقاف انتقال الأراضي إلى الصهاينة". وهي أهداف الحركة الوطنية الفلسطينية نفسها آنذاك.
في فبراير 1946، تقرَّر إرسال لجنة تحقيق أنجلو ـ أمريكية إلى فلسطين، لبحث إمكانية استيعابها مئة ألف مهاجر يهودي جديد؛ فأصدرت العصبة بياناً، ذكَّرت فيه بما كانت رددته، قبلئذ، من "أن مشكلة فلسطين يجب أن تُفصَل عن المشكلة اليهودية، لأن المشكلة الأولى ما هي إلا مشكلة شعب يناضل في سبيل حريته واستقلاله". وتساءل بيان العصبة: "فإذا كانت المشكلة اليهودية لا تربط بمشاكل الشعوب المناضلة الأخرى، فلماذا ـ إذن ـ تربط بمشكلة الشعب الفلسطيني العربي المناضل؟!". يردف البيان، مؤكداً "... وأن قضية فلسطن لا تحتاج إلى تحقيق". وزود البيان بقرار سلطات الانتداب البريطاني في فلسطين القاضي بالسماح، شهرياً، بهجرة ألف وخمسمائة يهودي إلى فلسطين. وشددت العصبة في بيانها على "أن العرب لا يمكن أن يحصلوا على حرياتهم واستقلالهم، إلا بالاعتماد على أنفسهم، وبالتعاون مع قوى الشعوب المعادية للظلم والاستعمار". وطالب البيان رؤساء الحكومات العربية بالعمل على رفع قضية فلسطين إلى مجلس الأمن الدولي، لإلغاء الانتداب، ومنحها استقلالاً تاماً.
في الوقت نفسه، بادرت العصبة إلى إرسال مذكرتين، أولاهما إلى رؤساء الحكومات العربية، وثانيتهما إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية؛ نددت فيهما باللجنة الأنجلوـ أمريكية، بعد أن اعتبرتها ستاراً مهلهلاً "يختفي وراءه الاستعماران البريطاني والأمريكي، بقصد القيام بهجوم جديد، لدعم الصهيونية، وتثبيت أقدام الاستعمار في فلسطين، وباقي البلاد العربية".
في السياق نفسه، أصدرت العصبة بياناً "إلى الجماهير العربية"، ندَّدت فيه بقرار الكونجرس الأمريكي السماح لمئة ألف يهودي بالهجرة إلى فلسطين. ونبهت العصبة إلى مؤامرة بريطانية ترمي إلى تقسيم فلسطين. وأكدت عجز اللجنة الأنجلو ـ أمريكية "عن إصدار حـكم يمس جـوهر القضية... إلغاء الانتداب البريطاني، وتأليف حكومة وطنية ديموقراطية في فلسطين". وانتهى بيان العصبة إلى "أن حل قضية فلسطين لن يتم إلا عن طريق توحيد نضال الشعوب العربية، واعتمادها ـ بالدرجة الأولى ـ على كفاحها الوطني المشترك، وعلى رفع قضية فلسطين إلى مجلس الأمن...".
بمجـرد صدور بيان اللجنـة الأنجلو ـ أمريكـية، شــاركت العصبة، أواخر مايو 1946 الحزب الشيوعي العراقي وحزب التحرر الوطني [تحت التأسيس]، في تنظيم مظاهرة حاشدة، ندَّدت بهذا البيان الاستعماري، واصطدمت بقوات الجيش العراقي، وهو ما دفع الحكومة العراقية إلى تعطيل صحيفة العصبة لمدة سنة. فوجهت العصبة مذكرة إلى رئيس جمعية الصحفيين في بغداد، رأت فيها أن "للاستعمار والصهيونية دخلاً، قد حمل السلطات على إصدار قرار التعطيل... لغرض إيقاف الحملة الوطنية المثارة، اليوم، في سبيل فلسطين العربية"؛ وأن هذا التعطيل "معناه تكميم أفواه الشعب. معناه تجريده من أداة فعالة، توجه نضاله. معناه ترك البسطاء من أبناء شعبنا فريسة الدعايات الأجنبية.
في يونيه 1946، اعتقلت الحكومة العراقية قادة العصبة؛ لكن بعد أن حرثت العصبة عميقاً في الحياة السياسية والفكرية للمجتمع العراقي، فكشفت أغراض اللجنة الأنجلو أمريكية، وطالبت بانتزاع قضية فلسـطين من أيدي الحكـومات البريطانية، ونقلها إلى مجلـس الأمن، ودعت إلى إغلاق الحدود في وجه الجيش البريطاني، المتنقل بين العراق وفلسطين، وعملت على أن يُنظَّم الدفاع عن فلسطين على أساس شعبي، "يعتمد على قوانا الداخلية، وعلى حقنا الدولي"؛ ونبذ "حُسن الظن بالمستعمرين"، أو انتظار حل مشاكلنا الوطنية على أيدي "لجانهم التحقيقية، وموائدهم المستديرة". كما دأبت العصبة على دعوة المنظمات الشعبية الديموقراطية في الأقطار العربية إلى مؤتمر يوحد جهودها "من أجل تحرير فلسطين والبلاد العربية". ولطالما لجأت العصبة إلى عقد مؤتمرات جماهيرية حاشدة، لتعبئة الشعب العراقي في هذا الصدد. كما ألغـمت الاسـتعمار البريطـاني في أهم قاعدة اجتماعية يستند إليها، وهي الأقليات الدينية والعرْقية. لذا كان طبيعياً أن تحتل صحيفة العصبة المكان الأول بين الصحف العرْقية، من حيث المادة وكمية المطبوع. فضلاً عن أن العصبة قدمت القضية الفلسطينية إلى الشعب العراقي "بشكل علمي واقعي"؛ وعرَّت الصهيونية، وفضحت أغراض الاستعمار، وروابطه بالصهيونية.
بيد أن محكمة عراقية أصدرت حكمها بالسجن المؤبد على يوسف هارون زلخة، مدعية أنه إنما يترأس عصبة للكفاح من أجل الصهيونية لا ضدها. فيما كانت الحكومة العراقية تعجل بتهجير زهاء مائة وثلاثين ألف يهودي من العراق إلى فلسطين المحتلة، مقابل عشرة دنانير عن كل مهاجر يصل إلى هناك، تدخل جيوب متنفذين في الحكومة العراقية.
في السياق نفسه تكوَّنت، في مصر، أواسط سنة 1946، "الرابطة الإسرائيلية لمكافحة الصهيونية"، بمبادرة من منظمة "إيسكرا" الشيوعية المصرية السرية، حيث كلفت "قسم اليهود" في المنظمة بتأسيس هذه الرابطة، بعد تعاظُم الخطر الصهيوني، والتهاب القضية الفلسطينية، وهو ما تطلَّب تنظيماً جماهيرياً، يؤكد انفصال الدين اليهودي عن الصهيونية، الحركة السياسية الموالية للاستعمار، ومن هنا عداء الصهيونية لليهود، فضلاً عن عدائها للحركات الوطنية. كما يناضل هذا التنظيم ضد الصهيونية ولأن هذا التنظيم سيحصر نشاطه في الوسط اليهودي المصري، لذا كان طبيعياً أن يقوم على أكتاف اليهود.
هكذا تأسست "الرابطة الإسرائيلية لمكافحة الصهيونية". ولخصت أهدافها "في محاربة العنصرية، ومكافحة الاستعمار، وربيبته الصهيونية". وشدَّدت على أن جماهير اليهود تعادي الصهيونية. ودعت الرابطة إلى "تكتيل جميـع العناصر الوطنيـة المخلصة، لتحطيم الاستعمار، وقهـر الصهــيونية، وإيجـاد شرق عربي حر مسـتقل، يظلله التسـامح، وجو الأخـاء المطهر من العنـصرية العصبية المقيتة، التي لن يكسب من ورائها سوى الغاصب المحتل".
ضمت اللجنة التأسيسية للرابطة في عضويتها: عزرا هراري (أمين السر)؛ ومارسيل إسرائيل؛ وإدوار متالون؛ وهانزين كاسفلت؛ وإدوارد ليني.
رأت الرابطة أنها بمناهضتها للصهيونية "تخدم المصالح الحقيقية للطائفة اليهودية المصرية" وقد وقعت الرابطة بين مطرقة الحكومة المصرية المستبدة، وسندان الصهيونية النشيطة في مصر. مع ذلك، نجحت الرابطة في إصدار كراسة واحدة، في يونيه 1946. وفي مايو 1947 اعتقلت حكومة محمود فهمي النقراشي المصرية أعضاء اللجنة التأسيسية للرابطة، وأفرجت عنهم، بعد 48 ساعة.
في الكراسة عددت الرابطة أهدافها، في:
1) الكفاح ضد الدعاية الصهيونية التي تتعارض مع مصالح كل من اليهود والعرب.
2) الربط الوثيق بين يهود مصر والشعب المصري، في الكفاح من أجل الاستقلال والديموقراطية.
3) العمل على حل مشكلة اليهود المشردين".
رغم عمر الرابطة القصير، إلا أنها نجحت في إلقاء حزمة أضواء على طبيعة الصهيونية، وروابطها الحميمة بالاستعمار، وخطرهما على الحركات الوطنية العربية وعلى جموع اليهود؛ كما أوضحت الرابطة أن الدولة اليهودية ستساعد على تثبيت أقدام المستعمرين في المنطقة، وتربط اليهود بعجلة الاستعمار، وتصبح الدولة رأس الرمح الاستعماري ضد شعوب البلاد العربية". وأدانت الرابطة الهجرة اليهودية إلى فلسطين، التي تعارضها أغلبية الشعب الفلسطيني، وتؤدي "بإخواننا اليهود إلى أن يعيشوا في جو حرب أهلية في فلسطين". وأعربت الرابطة عن ثقتها في أن "فلسطين الحرة المستقلة ستشترك ـ عن طيب خاطر ـ مع الدول الديموقراطية الأخرى، في إيواء اليهود المشردين". واقترحت الرابطة حلاً لمسألة المشردين اليهود، مؤداه "إعادتهم إلى البلاد التي طردتهـم منها الفاشية"، واسـتقبال من يُرفَض منهــم في سائر الأقطار.
كما ندَّدت الرابطة بالإرهاب الصهيوني في فلسطين، ووصفته بالفاشـية، وبأنه موجَّه ضــد الجماهير اليهودية، ولحساب المستعمرين؛ الذين وجدوا فيه ذريعة لاستمرار قمعهم للشعب الفلسطيني. ورأت الرابطة في "تكوين جبهة موحدة مع الحركة التحريرية العربية في سبيل فلسطين حرة مستقلة ديموقراطية... طريق الخلاص الوحيد للجماهير اليهودية في فلسطين".
وفيما يتصل بالتأييد الذي تلقاه الصهيونية في أوساط اليهود المصريين، قدمت الرابطة تفسيراً طبقياً. ذلك أن أغلب يهود مصر ينتمون إلى الطبقات المتوسطة؛ "فصاحب الخدمة اليهودي، والتاجر الصغير، والمستخدم، الذين يقاسون شظف العيش، كثيراً ما يقعون فريسة للدعاية الصهيونية، التي تجعلهم يحلمون بالهرب من حياتهم الصعبة، ليعيشوا في فلسطين... [إضافة إلى] ضغط أصحاب الأعمال الصهيونيين، أو المجندين للصهيونية". ولا ترى الرابطة من سبيل أمام يهود مصر إلا "الانضمام إلى الحركة الوطنية المصرية، والتضامن التام معها، في سبيل تحقيق جميع أهدافها، إذ لا تختلف مصالح الجماهير اليهودية، بتاتاً، عن مصالح الشعب المصري، عادةً".
أما العداء لليهودية، فترى الرابطة أنه سلاح في أيدي أعداء التقدم والحرية. وأن المشكلة اليهودية أصبحت، اليوم، ذات ثلاثة جوانب متمايزة: أولها مشكلة الأقليات اليهودية في أرجاء العالم؛ وثانيها يهود فلسطين؛ وثالثها اليهود الذين لا مأوى لهم. وأنكرت الرابطة على اليهود حق إقامة دولة خاصة بهم. وأكدت أن العداء لليهودية لا يتقدم إلا حيث تتراجع الديموقراطية. واتهمت الرابطة الصهيونيين "بصرف اليهود عن الكفاح ضد عدوهم الأول ـ ألا وهو الفاشية". ورأت "أن سلام الأقليات اليهودية لن يُكفَل، إلا بالتحالف مع القوى الديموقراطية، التي بتحقيقها للحرية والرفاهية لكل الشعب ستحقق بهذا الحرية والرفاهية لليهود".
وانتهت الرابطة في كراستها إلى أن "الطريق الوحيد الذي يجب أن يسلكه يهود فلسطين هو التفاهم مع العرب، والاتحاد معهم، لتحرير فلسطين من نير الاستعمار". ذلك "أن فلسطين مستقلة ديموقراطية هي الوحيدة التي تستطيع أن تضمن للسكان اليهود حياة رغدة، حرة، ومثمرة".
ما كان لنشاط الرابطة أن يستمر دون رد فعل عنيف من الحركة الصهيونية في مصر، التي اسـتقرت بالبوليـس المصري وببـعض البلطجية، وعمدت إلى طرد الشيوعيين اليهود من نادي مكابي القاهرة. وفي السياق نفسه، اجتمعت الجمعيات الصهيونية في مصر، واعتمدت ميزانية مقدارها عشرة آلاف جنيه، لمحاربة الشيوعيين اليهود في مصر وأنشطتهم المتزايدة.
تصاعدت المواجهة بين الصهيونيين والشيوعيين اليهود، ولجأ الأخيرون إلى نشر مقالات في يومية صوت الأمة القاهرية الوفدية، ومنها كشف انتساب البورجوازية اليهودية في مصر للصهيونية. كما ألقت هذه المقالات الضوء على "أوكار الصهيونية في مصر"؛ وفي مقدمتها "مكابي القاهرة"، مقر النشاط التخريبي والدعوة للصهيونية. حيث تعلو جدرانه شعارات تدعو للهجرة إلى فلسطين "الوطن القومي لليهود"؛ وتشيد بالصهيونية، باعتبارها حركة وطنية.
في مجال كشف "الأوكار الصهيونية"، نشرت صوت الأمة حلقة أخرى، خصصتها لكشف "شركة الإعلانات الشرقية"، باعتبارها وكراً صهيونياً. وكانت الشركة تصدر صحيفتين بالفرنسية (لابورص؛ و البروجريه)؛ وصحيفتين أخريين بالإنجليزية (الإجبشيان جازيت؛ و الإجبشيان ميل)". وعـادت ملكـية الشـركة لبعـض الصهاينة والإنجليز. وجعلت مهمتها الدفاع عن الاستعمار والصهيونية، ومهاجمة الوطن والوطنيين المصريين، حتى وصفتهم "بأنهم جماعة من الرعاع". ولطالما أثارت خوف الأجانب "من الحركة الوطنية في مصر". وأدانت صحف هذه الشركة "الحركة الوطنية العربية في فلسطين بأنها حركة رجعية". وألقى مقال صوت الأمة الضوء على احتكار هذه الشركة للإعلانات في مصر، وهو ما أوقع عدداً كبيراً من الصحف والمجلات المصرية تحت سيطرة هذه الشركة.
تطور الصراع بين اليهود الصهيونيين وخصومهم اليهود الشيوعيين إلى الاشتباك بالأيدي، غير مرة، وفيها سالت الدماء. ونفى الرأسمالي اليهودي المصري الكبير، رئيس مكابي القاهرة، كليمان شيكوريل، إلى صوت الأمة أن يكون المكابي وكراً للصهيونية. وإن لم يعلن شيكوريل معاداته للصهيونية، على نحو ما فعل خصومه الشيوعيون اليهود.
ونشرت صوت الأمة مقالاً آخر، تناول استخدام المدارس الأجنبية، والسفارة البريطانية في بث السموم الاستعمارية، بينما يستخدم الصهاينة المدارس اليهودية في نشر دعايتهم، وجَمْع التبرعات، ويديرون من نواديهم المؤتمرات ضد الشعب الفلسطيني. وقد تبع هذا مقال آخر، كشف النقاب عن لجنة تكوَّنت من كبار الماليين اليهود المناصرين للصهيونية في مصر، تحصل جنيهاً مصرياً واحداً من كل يهودي قادر، لحساب الأنشطة الصهيونية.
في أواسط يونيو 1947، أبلغت وزارة الشئون الاجتماعية المصرية سكرتير الرابطة، عزرا هراري "بعدم الموافقة على تكوين الرابطة، لأسباب تتعلق بالأمن العام" كأن مكافحة الصهيونية تخل بالأمن المصري، بينما النشاط الصهيوني يدعمه ويعززه.
في مايو 1948، ألقت سلطات الأمن المصرية القبض على كل اليهود المصريين المعادين للصهيونية، وأبعدت النسبة الأكبر منهم عن البلاد، فانحسر الأساس الجماهيري للرابطة، وكفت عن الحركة.
التملص اليهودي من الصهيونية
Jewish Evasion of Zionism
«التملص من الصهيونية» هو محاولة أعضاء الجماعات اليهودية التظاهر بالولاء للصهيونية وإعلان ذلك ودفع التبرعات وكتابة الخطابات للضغط من أجل إسرائيل، ولكن الموقف المعلن ليس له علاقة كبيرة بسلوكهم السياسي أو الثقافي المتعين. وقد وصف آحاد هعام هذا الموقف بقوله: إن موقف أعضاء الجماعات اليهودية من الشتات سلبي من الناحية الذاتية، إيجابي من الناحية الموضـوعية. وتعـود هذه الظـاهرة إلى أن الصهيونية، بعد وعد بلفور، أحكمت قبضتها على أعضاء الجماعات اليهودية حتى أصبحت كما لو كانت حركة شعبية كاسحة، بعد أن كانت حركة أقلية. ولذا، فإن هناك انطباعاً لدى الكثيرين بأن كل اليهود صهاينة وأن حركات رفض الصهيونية بين الجماعات اليهودية أصبحت ضعيفة كسيحة.
ولكن الصورة الحقيقية غير ذلك، فثمة مقاومة يهودية خفية للصهيونية تأخذ شكل تملُّص يأخذ بدوره عدة أشكال:
1 ـ توجيه النقد للدولة الصهيونية واتهامها بعدم الالتزام بمنظومة القيم التي يؤمن بها اليهودي الذي يوجه النقد (الأرثوذكسية، العلمانية، الاشتراكية... إلخ)
2 ـ رفض المفهوم الصهيوني الخاص بمركزية إسرائيل في حياة الدياسبورا وطرح مفهوم مركزية الدياسبورا بدلاً من ذلك.
3 ـ رفض الهجرة إلى إسرائيل. وهذا هو أهم أشكال التملص.
وقد رأى بن جوريون ضرورة التفرقة بين الصهاينة الحقيقيين الاستيطانيين الذين يهاجرون ويستوطنون فلسطين لبناء الوطن القومي، والصهاينة الزائفين التوطينيين الذن يتظاهرون بالولاء، واقترح تسميتهم «أصدقاء صهيون» حتى يظل مصطلح «صهيوني» مصطلحاً ذا دلالة.
عدم الاكتراث اليهودي بالصهيونية
Jewish Indifference to Zionism
عبارة «عدم الاكتراث بالصهيونية» هي ترجمتنا لعبارة «نان زايونيزم Non-Zionism»، والتي تعني حرفياً «اللا صهيونية» (مقابل «التعاطف مع الصهيونية»، و«رفض الصهيونية»). وقد اخترنا هذه العبارة لأن اليهودي إن لم يكن منتمياً إلى الصهيونية ولا متعاطفاً معها، ولا رافضاً لها ولا متملصاً منها، فإن هذا يعني في واقع الأمر أنه يعتقد أن الصهيونية لا تعنيه أصـلاً، شـأنه شـأن أي مواطن غير يهودي في بلده. وحيث إن الأمر لا يعنيه، فهو غير مُطالَب بتحديد موقف منها. والواقع أن كثيراً من كبار المفكرين والأدباء اليهود غير مكترثين بالصهيونية (ولا باليهودية). ويمكن اعتبار عدم الاكتراث بالصهيونية أحد أشكال التملص منها.
الناطوري كارتا (نواطير المدينة(
Naturei Karta
«نواطير المدينة» أو «حُرَّاس المدينة» ترجمة للعبارة الآرامية «ناطوري كارتا»، وهي منظمة يهودية دولية معادية للصهيونية، وقد جاء في التلمود أن حاخامين من حاخامات اليهود ذهبا إلى فلسطين للتأكد من أن كل مدينة من مدنها تضم مدرسة وبيت عبادة حيث يتعلم الأطفال الشريعة، وسألا أهل إحدى المدن عن حراس المدينة (ناطوري كارتا) فأتى سكان المدينة بالشرطة، فقال الحاخامان: "هذان ليسا حرس المدينة، هذان مخربا المدينة (بالآرامية: ماخريفي كارتا)، فحراس ونواطير المدينة الحقيقيون هم الذين يُصلُّون في بيوت العبادة ويدرسون التوراة ويعلمونها للأطفال". ونواطير المدينة جماعة دينية يهودية أرثوذكسية من أكثر الجماعات عداءً للدولة الصهيونية، وقد ارتبطت كلمة «أرثوذكسية» في الخطاب الصحفي والإعلامي الشائع بتأييد التوسع والاستيطان والعنصرية الصهيونية، وهذا يدل على مدى سطوة الإعلام الصهيوني الذي يحدِّد معنى الكلمات ويفرض الدلالات. فاليهودية الحاخامية الأرثوذكسية ظلت ترفض الصهيونية حتى عهد قريب، وهو رفض ينطلق من عدة أفكار (أو عقائد) جوهرية في العقيدة اليهودية. وما حدث هو أن العقيدة اليهودية تمت صهينتها من الداخل، بينما ظل أعضاء جماعة نواطير المدينة متمسكين بمبادئهم الدينية، والعقيدة الدينــية (على عكس العقيدة العلمانية) لا تتغيَّر ولا تخضع لموافقة أو رفض الأغلبية، ولذا إن انضمت الأغلبية الساحقة من الأرثوذكس للصهيونية ذات الديباجة الأرثوذكسية وذات المضمــون العلماني، فهذا لا يغيِّر من الأمور شيئاً.
ولكن الإعلام الغربي الصهيوني (العلماني) يصر على أن يستخدم كلمة «أرثوذكسي» بمعنى «متشدد» أو «متعصب» للإشارة إلى هؤلاء اليهود الأرثوذكس الذين تخلوا عن أرثوذكسيتهم وانسحبوا من المعارضة الدينية وانضموا للمعسكر الصهيوني العلماني.
ويرى أعضاء نواطير المدينة أن الصهيونية لا تمثل استمراراً للتراث الديني اليهودي أو تنفيذاً للتعاليم اليهودية وإنما رفضاً لها وانسلاخاً عن التراث الديني، بل إن الصهيونية من منظور الناطوري كارتا هي أخطر المؤامرات شيطانية ضد اليهودية. ولعل الفكرة الأساسية التي يرتكز إليها الرفض الأرثوذكسي للصهيونية هي فكرة الشعب اليهودي بالمفهوم الديني، فالشعب اليهودي بالنسبة لأعضاء هذه الجمعية ليس شعباً بالمعنى المُتعارَف عليه، وإنما هو أساساً جماعة دينية ظهرت إلى الوجود منذ ثلاثة آلاف عام. ويستمد هذا الشعب وجوده من ميثاقـه مع الخالق وهـو ميثاق دائم لا يمكن فهـمه. وحسـب هذا الميثاق، يلتزم كل اليهود بالتوراة وتعاليمها التي يقوم الحاخامات بتفسيرها كلٌّ في جيله. ورغم أن عقائد اليهود تشير إلى أنهم "شعب الله المختار"، إلا أن الهدف من هذا الاختيار ـ حسب أحد التفسيرات الدينية ـ ليس تمكين اليهود من السيطرة على العالم وإنما العكس، فقد اصطفى الإله اليهود ليقوموا على خدمته في الدنيا، وهم بهـذه الطـريقة يقومـون على خـدمة الجـنس البشري بأسره. وقد تم اختيار اليهود لا لأنهم شعب متعجرف أو جماعة منتصرة، وإنما لأنهم أكثر الناس تواضعاً وسلاماً. بل إن الاختيار يفرض على اليهود واجبات أكثر مما يمنحهم من حقوق. فترى الشريعة اليهودية أن هناك سبعة قوانين أساسية ملزمة لكل البشر كي يصبحوا بشراً (شريعة نوح)، وهناك عشرة قوانين (الوصايا العشر) ملزمة لأتباع الديانات التوحيدية (الإسلام والمسيحية)، ولكن اليهودي وحده عليه الالتزام بالأوامر والنواهي (متسفوت)، وهذه القوانين ملزمة لكل منْ وُلد لأم يهودية أو اعتنق اليهودية.
انطلاقاً من هذا الإيمان بإنسانية مشتركة وخصوصية دينية مستقلة يؤكد أعضاء جمعية نواطير المدينة أن اليهودية تبغض سفك الدماء بل تنادي بتحاشي ذلك بأي ثمن. بل يؤكدون أن العقيدة اليهودية تحض اليهودي على عدم المشاركة في السلطة الدنيوية وعلى رَفْض حمل السلاح. فعلى اليهود أن يتركوا مثل هذه الأمور للدولة التي يعيشون في كنفها. وهم يشيرون إلى واقعة يوحنان بن زكاي، الحاخام اليهودي مؤسس حلقة يفنه التلمودية الذي آثر أن يستسلم للرومان أثناء حصارهم للقـدس على أن يقـاومهم. وكان بذلك يهـدف إلى إنقاذ اليهودية، ولم يكترث من قريب أو بعيد بالدولة اليهودية. وحسب رأي أعضاء جماعة الناطوري كارتا، يعود الاستمرار اليهودي إلى الإصرار على أن اليهودية عقيدة دينية وليست حركة قومية. وتشير أدبيات الجماعة إلى الصراع الذي نشب بين الأنبياء والدولة العبرية، وخصوصاً أثناء حصار البابليين للقدس، إذ كان النبي إرميا يحرض على الاستسلام والتخلي عن السلطة السياسية حتى يمكن إنقاذ الهيكل من الخراب، فألقته السلطة السياسية في السجن. وبعد السبي إلى بابل طلـب إرميا من اليهود أن يعـبِّروا عن ولائهم للدولة التي يعيـشون في كنفها.
على العكس من هذا يرى الصهاينة أن اليهود إن هم إلا شعب مثل كل الشعوب يجب أن يحملوا السلاح ويلجأوا للعنف حتى يستعيدوا احترامهم لأنفسهم واعتزازهم بها، وأن يكون عندهم جيوش وبحرية وطيران وعلم خاص بهم، كما يؤمن الصهاينة بأن اليهود يجب ألا يخضعوا إلا للقانون العلماني، أما القانون الديني فيجب أن يطويه النسيان. بل إن الصهاينة ينكرون الطبيعة المقدَّسة للتوراة وينظرون إليها (وإلى الكتب الدينية اليهودية الأخرى) باعتبارها نوعاً من أنواع الفولكلور الذي يجب الحفاظ عليه باعتباره فلكلوراً وحسب.
وتتحول فكرة الاختيار الديني عند الصهانية إلى أفكار عنصرية سياسية، فيصير العنصر اليهودي عنصراً متفوقاً، ويمنح هذا التفوق اليهود حقوقاً معينة تَجبُّ حقوق الآخرين، ولذا يصبح من حقهم الاستيلاء على فلسطين وطرد العرب. وبدلاً من أن يخضع اليهودي لقوانين ديانته، فإن عليه أن يخضع للقوانين العلمانية السائدة بغض النظر عن اتفاقها مع القوانين الأخلاقية أو عدم اتفاقها.
وإذا كان نواطير المدينة يرون أن اليهودي يكتسب هويته من خلال أداء الشعائر الدينية، فإن الصهاينة يرون أن الإنسان من الممكن أن يبقى يهودياً بشكل عام حتى لو لم يمارس أياً من هذه الشعائر مثل الامتناع عن العمل يوم السبت أو الالتزام بقوانين الطعام (مثل عدم أكل لحم الخنزير) أو اتباع التشريعات الخاصة بالزواج، بل حتى إن أنكر وجود الإله. واليهودي الخيِّر لم يَعُد هو اليهودي التَقي الذي يتبع تعاليم دينه وينفذها وإنما هو اليهودي الذي يدفع بسخاء للدولة الصهيونية. وليس هناك ما يبعث على الدهشة من هذا الوضع فمؤسسو الحركة الصهيونية رفضوا الدين اليهودي ولم يلتزموا قط بتعاليمه أو قيمه الأخلاقية. وإذا كان المتدينون ينظرون إلى اللغة العبرية باعتبارها لغة دينية يَحرُم استخدامها في الشئون الدنيوية، فإن الصهاينة جعلوها لغة الحديث اليومية في المُستوطَن الصهيوني ثم جعلوها اللغة الرسمية للدولة.
وفيما يخص علاقة اليهودي بأرض الميعاد، يؤكد نواطير المدينة أن اليهـودي المتدين يتجـه بعواطفه وقلبه لهـذه الأرض (صهيون، أو إرتس يسرائيل، أو أرض الميعاد المقدَّسة) وخصوصاً مدينة القدس، فهم يذكرونها في صلواتهم عدة مرات كل يوم. ولقد تلا اليهود هذه الصلوات آلاف السنين، ولكن هذه الصلوات لا علاقة لها بالصهيونية أو بفكرة العودة الصهيونية. فنفي اليهودي من أرض الميعاد هو من الأوامر الربانية التي لا يمكن مخالفتها أو التمرد عليها، ولذا لا يملك اليهودي المتدين إلا أن يستمر في صلواته إلى أن يستجيب الإله لدعائه ويأمر بعودة اليهود.
فالماشيَّح المُنتظَر هو وحده القادر على إقامة الدولة، وحين يعود سيؤسس مملكة الكهنة والقديسين. أما الصهاينة فهم يحاولون التعجيل بالنهاية (دوحيكات هاكتس) ويدعون إلى العودة بقوة السلاح دون انتظار مشيئة الإله. ولذا، فدولة إسرائيل في نظر نواطير المدينة ثمرة الغطرسة الآثمة لأنها قامت على يد نفر من الكافرين الذين تمردوا على مشيئة الإله، وهي خيانة للشعب اليهودي الذي تأسَّس كجماعة دينية في سيناء (لا في أرض الميعاد). لكل هذه الأسباب يرفض نواطير المدينة دولة إسرائيل وكل مؤسساتها، بل يرفضون زيارة الحائط الغربي (حائط المبكى) لأن القدس تم فتحها بالقوة.
وتدَّعي الصهيونية أنها تحمي أمن اليهود بعد أن تعرَّضوا للإرهاب في الشتات آلاف السنين، وأنها بعثت الروح العسكرية في اليهود مرة أخرى لهذا السبب. وتبين أدبيات الناطوري كارتا أن عدد اليهود الذين قُتلوا في الأعوام القليلة الماضية ـ في حروب إسرائيل ـ يفوق كثيراً عدد اليهود الذين قُتلوا في أي مكان آخر. إن أمن اليهود يكمن في إمكانية تَصالُحهم مع الدول التي يعيشون بين ظهرانيها (كما قال النبي إرميا منذ أكثر من 2500 سنة)، ولهذا فإن تصوُّر أن الدولة الصهيونية ذات الجيوش الصهيونية يمكنها أن تحمي اليهود هو تصوُّر خاطئ من أساسه. بل إن الجيتو الصهيوني الكبير يحتاج إلى دعم يهود المنفى لحماية أمنه أكثر من احتياج يهود المنفى إليه.
وتذهب أدبيات نواطير المدينة إلى أكثر من هذا، إذ يوجهون الاتهام للحركة الصهيونية بأنها حركة معادية لليهود، فالدولة الصهيونية تدَّعي أنها دولة كل اليهود، وأن اليهودي يتوجه بولائه للدولة اليهـودية وحـدها وليس للدولة التي يعيش فيها، وبالتالي فهي تخلق لليهود مشكلة ازدواج الولاء وتدعم الاتهامات المعادية لليهود. ولأن الصهيونية تزدهر بازدهار معاداة اليهود، فهي تُروِّج لها. بل إن الصهيونية تحاول أن تُقوِّض وضع اليهود أينما وُجدوا حتى تضطرهم للهجرة إلى إسرائيل. ومن الحقائق غير المعروفة التي يحاول نواطير المدينة تعريف الناس بها أن الصهاينة تعاونوا مع النازيين حتى يقضوا على يهود شرق أوربا باعتبار أن جماهير شرق أوربا اليهودية كانت القاعدة العريضة التي يستند إليها الرفض الديني للصهيونية، ووجود مثل هذا الرفض على مستوى جماهيري واسع كان سيسحب من الصهيونية أية شرعية.
وقد نجحت جماعة نواطير المدينة في الإفلات من براثن الصهيونية لأنها غلَّبت الطبقة التوحيدية داخل العقيدة اليهودية على الطبقة الحلولية التخصيصية الوثنية التي تجعل اليهود وحدهم مركز اهتمام الإله، وتمسكت بالحل الحاخامي لمشكلة الحلول.
1 ـ فعلى سبيل المثال، فصلت اليهودية الحاخامية العقيدة اليهودية عن الأرض المقدَّسـة، وهو ما يعني عـدم حـلول الإله في أرض بعينها، فهو مفارق للعالم.
2 ـ تمسكت اليهودية الحاخامية بمسألة أن اختيار اليهود أمر منوط بتنفيذهم الشريعة، وهو ما يعني أن الذات اليهودية لم تَعُد مقدَّسة من خلال الوراثة (وهو أمر مألوف في الأنساق الحلولية). وإنما تُكتَسب القداسة من خلال ما يقوم به اليهودي من أفعال أخلاقية.
3 ـ جعلت اليهودية الحاخامية العودة (وتأسيس الدولة) مسألة منوطة بالأمر الإلهي ولا دخل للبشر فيها.
وقد أصر نواطير المدينة على هذه العناصر كلها، وهو ما يعني أنهم يؤمنون بفصل الخالق عن المخلوق، كما أكدوا عنصر الإنسانية المشتركة بين اليهود والأغيار، وهو عنصر موجود في التلمود وإن كانت بعض التفسيرات تتعمد إغفاله. وتمسُّك نواطير المدينة بالطبقة التوحيـدية هو الذي عصمهم من السـقوط في الوثنية الصهـيونية العلمانية، أي الترجمة الحديثة للطبقة الحلولية التقليدية.
وجماعة نواطير المدينة جماعة دولية تضم اليهود المتدينين في الولايات المتحدة وفي كل أنحاء العالم الذين يعارضون الصهيونية ودولتها. وكانت الجماعة جزءاً من حركة أجودات إسرائيل الأرثوذكسية التي قامت عام 1912 في شرق أوربا محاولةً تجميع اليهود الأرثوذكس من أجل معارضة الاتجاهات العلمانية خصوصاً الصهيونية. وبعد صدور وعد بلفور قدمت أجودات إسرائيل احتجاجاً إلى عصبة الأمم ضد الهيمنة الصهيونية على اليهود في فلسطين، كما أنهم رفضوا الانضمام إلى الفاعد ليومي أو اللجنة القومية (الكيان السياسي الصهيوني الذي كان من المفترض أن يمثل كل يهود فلسطين). وقد حاربت جماعة أجودات إسرائيل الوكالة اليهودية والمنظمة الصهيونية العالمية بكل ضراوة. وفي عام 1927، طلبت بشكل رسمي من عصبة الأمم أن تبلغ سلطات الانتداب البريطاني في فلسطين أن يكون لليهود المتدينين الحق في ألا ينضموا لهذه اللجنة وأن يكون لهم كيانهم السياسي المستقل. وقد قُبل طلبهم بشأن عدم الانضمام ورفض الشق الخاص بالاستقلال.
ولكن موقف الأجودات تحـوَّل بالتـدريج إلى المصـالحة مع الصهيونية، وانتهى بهم الأمر إلى مناصرتها والاندماج فيها. وقد تم هذا عن طريق تعديل متتالية الخلاص، فالمتتالية التقليدية هي: نفي ـ انتظار الماشيَّح ـ عودة الماشيَّح إلى فلسطين في آخر الأيام ـ عودة الشعب تحت قيادته. وقد عُدِّلت المتتالية لتصبح كما يلي: نفي ـ انتظار الماشيَّح ـ عودة مجموعة من اليهود للاستيطان في فلسطين للإعداد لعودة الماشيَّح ـ عودة الماشيَّح في آخر الأيام ـ عودة الشعب تحت قيادته.
وبدأت أجودات إسرائيل تتحدث عن وعد بلفور (بل عن الانتداب البريطاني) باعتبار أنه من وحي الوعد الإلهي لليهود ثم اعترفت بشرعية العمل الصهيوني وقامت بجمع التبرعات لصالح المنظمات العسكرية الاستيطانية الصهيونية مثل الهاجاناه (وفيما بعد شارك ممثلو أجودات إسرائيل في أولى حكومات المُستوطَن الصهيوني).
وبسبب هذه المواقف الموالية للصهيونية، انشق عن حركة أجودات إسرائيل بعض الأعضاء الذين قَدموا إلى فلسطين عام 1935 وافدين من ألمانيا وبولندا، وشكَّلوا تَكتُّل حيفرات حاييم الذي أصبح فيما بعد يُدعَى «ناطوري كارتا». ومن المعضلات الجوهرية التي يواجهها نواطير المدينة أنهم يعارضون فكرة التنظيم نفسها، فهم يرون أنفسهم جماعة دينية، وبالتالي فهم ينظرون إلى فكرة التنظيم السياسي باعتبارها فكرة غريبة بل معادية لهم (على عكس الصهاينة الذين قاموا من البداية بتنظيم أنفسهم تنظيماً دقيقاً واستغلوا الضغوط الدولية والمناورات السياسية خير استغلال). ومع هذا، بدأت الجماعة في نهاية الأمر نشاطها فاتهمت حركة أجودات إسرائيل بأنها، مثل حركة المزراحي (الصهيونية الدينية)، تمالئ الصهيونية. وأصدرت (منذ عام 1944) صحيفتها الخاصة وأخذت تشكل مجتمعها الخاص المستقل عن الكيان الصهيوني والقائم على التدين والزهد من جهة، والقطيعة مع المُستوطَن الصهيوني من جهة أخرى.
ولنواطير المدينة نمط حياتهم الاجتماعي والاقتصادي الخاص. ونسـاء نواطير المدينـة زاهـدات في الملبـس والمظهر الخارجي والمساحيق، وهن لا يتبرجن ويلبسن الملابس البسيطة (فهن يكتفين بالطهارة الروحية، على حد قول الحاخام هيرش ـ سكرتير عام الجمعية) كما يكرسن حياتهن لأسرهن. أما الرجل، فإنه يدرس التوراة والتلمود ويرعى أسرته ويمارس الحرف المتاحة له. ويرتدي رجال نواطير المدينة القمصان البيضاء بدون أربطة العنق والمعاطف السوداء والقبعات ذات الحواف العريضة (التي كانت شائعة في شرق أوربا) ولا يشذبون لحاهم أو سوالفهم الطويلة. وتتقيد الجماعة ككل بأسلوب الحياة بين يهود اليديشية في بولندا وروسيا. والحي الذي يقطنون فيه في القدس هو حي مائة شعاريم (المائة بوابة). أما في تل أبيب، فهم يوجدون في حي بناي براك، وفي نيويورك يتركزون في بروكلين في حي وليامز برج. وغداة إعـلان قـيام إســرائيل عام 1948، قامت الجمعية بإرسال رفضها قيام الدولة إلى الأمم المتحدة. وخلال معركة القدس، دعت الجمعية إلى هدنة وإلى تدويل القدس حتى يتم فصلها عن الكيان الصهيوني. وبلغ الأمر ببعض أعضائها أن أعلنوا صراحةً رغبتهم في العيش تحت الحكم الأردني. وقد أرسل الحاخام هيرش برقية إلى الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة يطلب بموجبها أن تعلن الأمم المتحدة أن حي المائة شعاريم إمارة مستقلة على غرار إمارة موناكو.
ولا تعترف جماعة نواطير المدينة بالدولة الصهيونية حتى الوقت الحاضر، ويقوم أعضاؤها بتنكيس الأعلام والصيام في يوم إعلان تأسيس الدولة الصهيونية. وهم ينظمون المظاهرات والاحتجاجات السياسية ضدها. وتتبنَّى جماعة ناطوري كارتا موقفاً إيجابياً من منظمة التحرير الفلسطينية ومن حقوق العرب في فلسطين وتعلن أن أعضاءها على استعداد لأن يعيشوا كأقلية دينية تحت حكم حكومة فلسطينية تضمن حقوقهم السياسية. وتتعرض الجماعة ـ كما هو متوقع ـ لمضايقات كثيرة ومتواصلة من السلطات الصهيونية حيث تقوم الشرطة الإسرائيلية بين الفينة والأخرى بمداهمة حي المائة شعاريم (بكلابها وهراواتها) لاعتقال بعض أعضاء الجماعة وخرق حرمات منازلهم، هذا بالإضافة إلى أن الحكومة الصهيونية تحاول تقليص حدود الحي بقصد خَنْقه وحَصْر خطره.
وقد بدأت جماعة الناطوري كارتا في الآونة الأخيرة في إعادة تنظيم نفسها وزيادة نشاطها وتكثيفه، كما بدأت تتعامل مع وسائل الإعلام والمنظمات الدولية المختلفة بشكل أكثر كفاءة، فأصبح لها مراقب في هيئة الأمم المتحدة. وقد قامت بدور فعال أثناء مناقشة قرار هيئة الأمم الخاص باعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية، كما أنها تقوم الآن بدور تربوي واسع في صفوف اليهود وغير اليهود. وهي تدعو لإسقاط دولة إسرائيل وإقامة دولة فلسطينية في كل الأراضي الفلسطينية وتدويل القدس. ولجمعية نواطير المدينة مجلس إداري يتكون من سبعة رجال لهم القرار في إدارة شئون الجماعة في الحياة الدنيوية والدينية. ويبلغ عدد أعضاء الجمعية حوالي 60 ألفاً، وأكبر تَجمُّع لهم في بروكلين في نيويورك، كما توجد جماعات صغيرة في لندن وأنتويرب ومونتريال وفي القدس.
بريــرا
Breira
«بريرا» كلمة عبرية تعني «الاختيار»، و«بريرا» جماعة يهودية أمريكية تحاول التملص من الصهيونية، أطلقت على نفسها هذا الاسم للرد على الشعار الإسرائيلي «إين بريرا ein briera» (أي «لا اختيار»). وقد ازدهرت هذه الجمعية في منتصف السبعينيات. وكانت تضم في صفوفها تحالفاً بين اليهود المتدينين (محافظين وإصلاحيين وأرثوذكس) واليهود غير المتدينين. ورغم أن أعضاء بريرا كانوا يسمون أنفسهم صهاينة، ويتبنون كثيراً من المواقف الصهيونية، ويؤكدون حق إسرائيل في البقاء، إلا أن الصهيونية التي كانوا يؤمنون بها كانت صهيونية توطينية مخففة (صهيونية الإحسان والإنقاذ والحفاظ على الهوية اليهودية أينما وُجدت) تؤمن بمركزية الدياسبورا (الجماعات اليهودية في العالم) في الولايات المتحدة وغيرها من الدول. وهم، لهذا السبب، كانوا يحاولون الحفاظ على مسافة بينهم وبين الدولة الصهيونية ليضمنوا استقلالهم الثقافي. كما أنها كانت صهيونية دخلت عليها قيم دينية وأخلاقية جعلت من المستحيل على أعضاء بريرا تَقبُّل سياسات إسرائيل دون تساؤل. وقد كان أعضاء هذه الجمعية يشجعون الاتجاهات المعتدلة داخل إسرائيل وينشئون علاقات مع من يُطلَق عليهم «الحمائم»، كما أنهم كانوا يؤيدون حق تقرير المصير للفلسطينين. ولكل هذا، لم تكن المؤسسة الصهيونية سعيدة بوجود هذه المنظمة، بل قضت عليها في نهاية الأمر.
الأجندة اليهودية الجديدة
New Jewish Agenda
منظمة أمريكية يهودية تأسَّست عام 1980، وهي من أهم المنظمات اليهـودية المتملـصة من الصـهيونية بعـد أن حُلَّت جماعة بريرا. وجماعة الأجندة اليهودية الجديدة من المنظمات التي يُقال لها «تقدمية»، ولذا نجد في برنامجها كل السياسات التقدمية الممكنة. وتزعم المنظمة أنها تَصدُر عن مفهوم «تيقون عولام» أي «إصلاح العالم»، وهو مفهوم قبَّالي حلولي يعني أن إصلاح العالم وتجميع شرارات الإله المتناثرة (أي ذاته) لا يمكن أن يتم إلا بمساعدة الشعب اليهودي. ومن يتصفح برنامج المنظمة يدرك على التو أنه لا علاقة له لا بالقبَّالاه ولا بالتراث اليهودي، وأنه إن كان يعبِّر عن أية حلولية فهي حلولية بدون إله أي حلولية المجتمعات العلمانية، إذ أن محرري برنامج أو أجندة الجماعة قد حولوا أنفسهم إلى مطلق يقرر كل القيم. والواقع أن القيم التي قرروا تبنيها هي القيم السائدة في الأوساط اليسارية التقدمية في الولايات المتحدة.
ومع هذا، يبدأ البرنامج بالديباجات القومية الإثنية المعتادة التي تضفي عليه الشرعية اليهودية اللازمة، فبعد الحديث عن التيقون عولام يتحدث أصحاب البرنامج عن إيمانهم بوحدة التاريخ اليهودي ووحدة المصير اليهودي، ثم يبدأ بعد ذلك الابتعاد التدريجي عن الحلولية التقليدية. فالأجندة اليهودية الجديدة تهتم ببقاء الشعب اليهودي وازدهاره. ولكن من الواضح أنها لم تُحوِّله إلى مطلق، فهو شرط الحياة وحسـب ولكنه ليـس هدفها، وهو الأساس المادي ولكنه ليس الهدف النهائي. وبعد هذا التعريف المبدئي، يذهب البرنامج إلى ضرورة أن تتقرَّر الأجندة من خلال "أخلاقياتنا" اليهودية، ومن خلال إمكانيات يهود الولايات المتحدة الإبداعية (لا من خلال أعدائنا). وانطلاقاً من هذه النقطة، تؤكد الأجندة البُعْد الروحي في حياة اليهود وضرورة بَعْث مؤسسة الصدقة (حالوقة) التراحمية. ثم يؤكد البرنامج أهمية ألا يتم تجنيد قيادات الجماعة اليهودية بناءً على وضعهم المالي. فمثل هذا الوضع أمر معاد لليهودية. والواقع أن طرح القضية على هذا النحو هو رسالة موجهة للقيادة الصهيونية في الولايات المتحدة التي تضم كثيراً من رجال الأعمال والصناعة. ثم يتوجَّه البرنامج بعد ذلك إلى أساس العلاقة مع إسرائيل، فيقرِّر أن كل اليهود مسئولون الواحد منهم عن الآخر (فالمسئولية مُتبادَلة)، ومصير الشعب اليهودي في أي مكان من العالم مرتبط بمصير اليهود في المكان الآخر لكن الارتباط هنا يعني الاستقلال وعدم التماثل. ومن هنا، يجب أن يهتم كل فريق بمصير وأمن الآخر بل بتوجُّهه الأخلاقي. ومعنى ذلك أن يهود العالم ويهود إسرائيل يجب أن يتعاملوا، الواحد منهما مع الآخر، على قدم المساواة. ورغم هذا الارتباط، فإن البرنامج يؤكد الاستقلال إذ أن القرارات الخاصة بإسرائيل وسياستها لابد أن يتخذها الإسرائيليون أنفسهم، تماماً كما ينبغي أن تُتخَّذ القرارات التي تؤثر في حياة الجـماعات اليهـودية من جـانب أعضاء هذه الجماعات. فهم، إذن، يرفضون مركزية إسرائيل في حياة الدياسبورا، ويرفضون المفهوم الصهيوني الخاص بتصفية الدياسبورا واستقلالها. ولذا، فإن الأجندة تؤيد حق اليهود السوفييت في الحصول على حقوقهم الثقافية، وهو مطلب غير صهيوني ينبني على استمرار وجود اليهود السوفييت في بلدهم وعدم هجرتهم.
وترى الأجندة ضرورة الدخول في حوار ديموقراطي بل صراع بين يهود العالم وإسرائيل، وأن من واجب كل فريق أن ينبه الآخر إلى نقط قوته ونقاط ضعفه، ومعنى ذلك أن من حق يهود العالم توجيه النقد لإسرائيل. بل إن الأجندة ترى أن توجيه مثل هذا النقد ليس حقاً ولكنه واجب.
وفي مجال توجيه النقد لإسرائيل، أكدت الأجندة حق الإسرائيليين في تقرير المصير وضرورة الحوار والاعتراف المتبادل بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وبعد هذا، تطالب الأجندة بكل شيء يُوصَف بأنه تَقدُّمي على وجه الأرض (أو في العالم الغربي على وجه التحديد): انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها عام 1967 ـ إنهاء الاحتلال وسياسة الضم والتوسع ـ وقف الاستيطان ـ المفاوضات المباشرة ـ إنهاء التمييز العنصري ضد السفارد والدروز والمزراحي والعرب ـ المساواة بين النساء والرجال ـ إنهاء احتكار المؤسسة الأرثوذكسية للحياة الدينية في إسرائيل ـ إنهاء التمييز ضد الشواذ جنسياً وضد المسنين ـ حرية الصحافة ـ الاهتمام بالبيئة ـ تأكيد أن دستور البلاد مبني على الاعتراف بحقوق كل المواطنين.
وعلى صعيد السياسة الخارجية، وجهت الأجندة النقد لإسرائيل لأنها تدعم النظم الفاشية في أمريكا اللاتينية وجنوب أفريقيا ولأنها تورِّد السلاح لهم. كما تطالب الأجندة بضرورة نزع السلاح على مستوى العالم بأسره وبوقف عسكرة الاقتصاد العالمي، وتدين الأسلحة النووية والكيماوية والبيولوجية... إلخ. وقد انضمت جماعة الأجندة اليهودية الجديدة إلى الفيدرالية اليهودية.
الباب الرابع: شخصيات ومنظمات يهودية معادية للصهيونية
عائلــة مـونتاجــو
Montagu Family
عائلة يهودية إنجليزية من رجال المال والسياسة، من أصل سفاردي. وقد كانت عائلة مونتاجو تعارض الحركة الصهيونية من منظور اندماجي. وفي عام 1853، أسَّس صمويل مونتاجو (1832 - 1911) البنك التجاري: صمويل مونتاجو وشركاه الذي ساهم من خلال نشاطه في مجال المبادلات المالية في جعل لندن المركز الرئيسي للمقاصة في سوق المال العالمي. وقد ظلت الخزانة تستشيره في العديد من الشئون المالية. وقد حصل صمويل عام 1907 على لقب «بارون»، وكان عضواً في البرلمان.
واهتم صمويل مونتاجو بالشئون اليهودية، فسافر إلى فلسطين وروسيا والولايات المتحدة، إلا أنه ظل معارضاً للصهيونية بشدة. وقد كان ولداه الاثنان لويس صمويل مونتاجو (1869 - 1927) وإدوين صمويل مونتاجو (1879 - 1924) من معارضي الصهيونية أيضاً. وقد عارض إدوين، الذي احـتل عـدة مناصـب ســياسية مهمة، وعد بلفور.
وقبل صدور الوعد بأسابيع قليلة، كتب إدوين مذكرة نبه فيها إلى ما ينطوي عليه وعد بلفور من كراهية لليهود وعداء لهم، وبيَّن أنه لا يمكن الحديث عن أمة يهودية أو جيش يهودي. وقد كانت الحركة الصهيونية في ذلك الوقت قد بدأت محاولتها، التي كُللت بالنجاح في نهاية الأمر، من أجل إنشاء فيلق يهودي يضم المهاجرين اليهود من شرق أوربا، تحارب إلى جانب القوات البريطانية لتأكيد الوجود اليهودي المستقل. وقد قال مونتاجو إن تأسيس مثل هذه الفرقة يعني أن أخاه وابن أخيه سيضطرون إلى الخدمة العسكرية جنباً إلى جنب مع أناس لا يفهمون اللغة الوحيدة التي يتكلمانها (الإنجليزية). ثم أشار مونتاجو إلى أن العودة التي يتحدث عنها الدين اليهودي لا يمكن أن تتم إلا تحت إشراف العناية الإلهية. وأضاف بعد ذلك متهكماً أن بلفور وروتشيلد ليسا هما المسيح المخلِّص. ويعترف مونتاجو بأن فلسطين تحتل مكانة خاصة في قلوب اليهود، ولكن هذا ينطبق أيضاً على المسيحيين ، بل إن الأراضي المقدَّسة (حسب تصوُّره) تلعب دوراً أكثر مركزية في الرؤية المسيحية. كما بيَّن مونتاجو أن أعضاء الوزارة البريطانية والصهاينة ينظرون إلـى فلسطين من زواية ضيقـة تركز على حقبة واحدة من تاريخ فلسطين، بمعنى أنها تتجاهل الحقب غير اليهودية المختلفة والتي تشمل الجزء الأكبر من تاريخ فلسطين (ويشير مونتاجو في مذكرة، أخرى إلى عروبة فلسطين وإلى تاريخها العربي الطويل). وفي نهاية المذكرة، يضع مونتاجو النقط على الحروف فيقول: "حينما يكون لليهودي وطن قومي، فسوف يَنتُج عن ذلك على وجه اليقين أن يزداد الاتجاه نحو حرماننا من حقوق المواطنة الإنجليزية. ستتحول فلسطين إلى جيتو العالم". ومعنى ذلك أن من يعادون اليهود والصهاينة يحاولون حَصْر اليهود داخل جيتو قومي مُوسَّع، ولكنه جيتو محاط بأسوار عالية تفصل الحضارة والشخصية اليهودية عن عالم الأغيار. واقترح مونتاجو حرمان كل صهيوني من حق التصويت بدلاً من حرمان اليهود البريطانيين من جنسيتهم، وأضاف أنه يميل إلى التعامل مع المنظمة الصهيونية بوصفها منظمة غير شرعية تعمل ضد المصلحة الغربية الإنجليزية.
وقد أدَّت ضغوط إدوين مونتاجو (وغيره) على الوزارة البريطانية إلى تعديل النص الأصلي لوعد بلفور، بحيث لا تصبح الدولة اليهودية المزمع إنشاؤها دولة كل يهود العالم وإنما دولة من يرغبون في الهجرة إليها. كما أعرب شقيقه عن أنه لا يعتبر اليهودية أكثر ديانة. ويُعتبر موقف عائلة مونتاجو من الحركة الصهيونية تعبيراً عن بعض الاتجاهات بين أعضاء الجماعات اليهودية المندمجين التي رفضت الصهيونية واعتبرتها تعبيراً عن عقلية الجيتو في خلطها بين الدين والقومية. كما رأت أن اليهود لا يشكلون سوى أقليات دينية يعتنق أعضاؤها الديانة اليهودية وينتمون، مثلهم مثل غيرهم من المواطنين، إلى دولتهم القومية التي هي مصدر ثقافتهم ومركز ولائهم. وقد رأى هؤلاء أن الصهيونية تشكل عقبة في طريق الاندماج السوي.
ومثل هذه العائلات كانت مُمثَّلة في مجلس مندوبي اليهود البريطانيين والهيئة اليهودية الإنجليزية التي عارضت الصهيونية ووعد بلفـور. وقد تهـاوت المعارضة على أسـاس اندماجي بعد صدور وعد بلفور، إذ لم يَعُد هناك مجال لازدواج الولاء لأن المشروع الصهيوني أصبح مشروعاً غربياً، بل مشروعاً استعمارياً إنجليزياً على وجه التحديد يخدم مصالح الوطن الأم.
مــوريتز جــودمان (1835-1918(Moritz Gudemann
حاخام وعالم ألماني منذ سنة 1894، وهو كبير حاخامات فيينا. له أعمال بارزة ضمن الإسهامات الثقافية لليهود، وبصفة خاصة في تاريخ التربية والثقافة عند أعضاء الجماعة اليهودية في الغرب في العصور الوسطى، مبنية على أثر البيئات غير اليهودية في الجماعات اليهودية.
وحينما كتب تيودور هرتزل كراسته المعنونة دولة اليهود، تصوَّر أن ثلاثة أشخاص قد يضعون فكرته موضع التنفيذ من بينهم جودمان (والآخران هما: دي هيرش وروتشيلد). فأرسل هرتزل أول خطاب إلى جودمان عام 1895 باعتباره واحداً من أهم المدافعين عن اليهودية، ولكن جودمان خيب ظنه إذ أنه كان من المدافعين عن اندماج اليهود في حضارات البلدان التي يعيشون في كنفها اندماجاً لا يؤدي بالضرورة إلى الانصهار. وحينما ظهرت كراسة هرتزل، أصدر جودمان كتيبه اليهودية القومية (عام1797) للرد عليه، وفيه حاول جودمان أن يثبت عدم وجود ما يُسمَّى بالشعب اليهودي. وقد طرح السؤال التالي على الصهاينة: من الأكثر اندماجاً: اليهودي الذي يحتفظ بشعائر دينه ويندمج في المحيط الحضاري أم اليهودي (أي الصهيوني) الذي يخرقها كلها ليحتفظ بهوية إثنية لا أساس لها؟ وقد هاجمه هرتزل ونوردو بشراسة، فكلاهما لم يكونا يكترثان بالدين اليهودي بقدر ما كانا يهتمان بالهوية اليهودية وبتحقيقها باعتبارها وسيلة لإفراغ أوربا من اليهود.
هرمـان كوهين (1842-1918(Hermann Cohen
فيلسوف ألماني يهودي من أتباع الفيلسوف كانط، ومُؤسِّس مدرسة فلسفية تُسمَّى مدرسة ماربورج للكانطية الجديدة. تلقَّى تعليماً دينياً حديثاً ليصبح حاخاماً، ولكنه عدل عن رأيه وحصل على الدكتوراه وقام بالتدريس في جامعات ألمانيا.
كان كوهين متأثراً بتفكير موسى بن ميمون العقلاني، وكان اندماجياً قليل الاهتمام بالعقيدة اليهودية، فقد كان يرى أن ثمة ترادفاً بين المسيحية واليهودية (وقد قال لأحد أصدقائه مرة: "ما تسميه المسيحية أسميه أنا يهودية الأنبياء"). ولذا، كان يَنصبُّ قدر كبير من اهتمامه على تقديم قراءة جديدة لأعمال كانط. وكان كوهين يرى أن العـلاقة بين الخـالق والإنسـان تبادلية، فالخــالق مصدر القانون، والإنسان مصدر الإحساس بالواجب. وكان يذهب إلى أن الإله فَرْض منطقي يلزم عن القول بوجود مَثَل أعلى للعالم ينبغي تحقيقه.
وبعد أن عُيِّن كوهين أستاذاً في الجامعة، اضطر إلى أن يتخذ موقفاً من اليهود واليهودية بعد هجوم المؤرخ ترياتشكه على اليهودية إذ نشر كتاباً بعنوان كلمة عن يهوديتنا (1879) ذكر فيه أن اليهودية هي الديانة القومية لعنصر قَبَلي قومي غريب، وأن فلاسفة اليهود الذين يُبشرون بتعاليم تبدو حديثة، باصطلاحات معاصرة، يُبشرون في الواقع بتعاليم يهودية خاصة، ويبرزون المفاهيم الدينية اليهودية الخالصة من خلال التعلق بالفلسفات الكبرى، ويهاجمون المسيحية من خلالها. فنشر كوهين كتاباً في العام التالي بعنوان اليهودية: اعتراف يرد فيه عليه. وقد أعلن كوهين في هذا الكتاب أن يهود ألمانيا تم دمجهم تماماً في المجتمع الألماني، وليس ثمة ازدواج في الولاء. بل إنه كان يرى أن ثمة تبادلاً اختيارياً بين العقيدة اليهودية والحضارة الألمانية، وهو الاتجاه نحو العالمية وإسقاط الجوانب الشخصية. بل كان يرى أن الدولة هي أداة هذا الاتجاه نحو العالمية والإنسانية العامة (وهو بهذا يبيِّن مدى استيعابه فكر الاستنارة الأممي الطبيعي. وهو الاتجاه الذي وصل إلى قمته النظرية عند هيجل وإلى قمته التطبيقية عند هتلر في الدولة النازية). وفي عام 1888، قال أحد المدرسين الألمان إن التلمود يقرر أن الشرائع التوراتية لا تنطبق إلا على العلاقات بين اليهود، أي على العلاقات بين بعضهم والبعض الآخر وليس على العلاقات القائمة بين اليهود والأغيار، ومن هنا فإن التلمود يصرح لليهود بسرقة الآخرين وخداعهم. وهنا حاول كوهين أن يوفق بين فكرة الشعب المختار الانعزالية وفكرة العصر المشيحاني في صيغتها العالمية التي تؤكد وحدة البشر ونزوع الإنسان نحو الكمال فألَّف كتاباً بعنوان الحب الأخوي في التلمود. وقد وجد كوهين أن الحلقة التي تربط المفهوم الأول بالثاني هي ذلك المفهـوم الخـاص باعتبار الخـالق حامياً للغرباء، فرسالة يسرائيل، أو مهمتها الروحية، تبدأ من حقيقة اختيارها. ولأن الإله محب من البداية للغرباء، فإن اختيار يسرائيل لا يهدف إلى عزلهم وإنما هو شيء مُوجَّه نحو وحدة الجنـس البشـري وإنشـاء مملكة الرب في الأرض. والهدف الأساسي من وجود الشعب اليهودي هو إشاعة المُثُل الأخلاقية للفكر التوحيدي في العالم بأسره. وهي المُثُل التي طوَّرها الأنبياء اليهود الذين ساعدوا الدين على التحرر من الأسطورة والسحر. ومن الواضح أن كوهين يرفض الرؤية الحلولية، وبالفعل نجده يؤكد في كتاباته أن الخالق كيان فريد يختلف بشكل مطلق عن كل المخلوقات (ومع هذا يؤكد كوهـين أن اليهودية تعتبر الإنسان شـريكاً للإله في عملية الخلق).
ويمثل شتات اليهود جانباً إيجابياً في قَدَرهم، إذ أنهم بذلك يصبحون أداة ربانية لتحقيق غاية التاريخ النهائية، وهي توحيد كل البشر. والماشيَّح رمز انتصار الخير وتَحقُّق الرغبة الإنسانية في الكمال، ومن ثم فهو ليس ذا مضمون قومي، كما هو الحال في اليهودية الحلولية. لكل هذا، عارض كوهين في مقاله الدين والصهيونية (عام 1924) الفكر الصهيوني باعتبار أنه يمثل نكوصاً وردَّة عن النزعة المثالية العالمية. ويمثل فكر كوهين محاولة مُخلصة لتخليص اليهودية من الطبقة الحلولية مع أنها تركت رواسب مختلفة في كتاباته مثل حديثه عن الرسالة الخاصة لجماعة يسرائيل، كما أن ثمة خلطاً محدوداً بين المطلق والنسبي. ومن أهم أعماله كتاب دين العقل - من مصادر اليهودية. وقد أثرت كتاباته في فرانز روزنزفايج ومارتن بوبر وجوزيف دوف وسولوفايتشيك.
يوســف ســوننفلـد (1848-1932)Yosef Sonnenfeld
كبير حاخامات اليهود الأرثوذكس في فلسطين إبان فترة بداية الانتداب البريطاني وحتى وفاته عام 1932. وُلد في المجر، ومات أبوه وهـو صغير. وعارض رغبـة زوج أمـه في تعليمـه تعليماً علمانياً في صغره، وأصر على الانخراط في سلك الحاخامية اليهودية. وقد حصل سـوننفلد على شـهادة ترسـيمه حاخاماً وهو في السادسـة عشرة من عمره، ثم التحق بحلقة الحاخام الشهير أبراهام شاح وسافر عام 1873 مع معلمه إلى فلسطين ليحيا ويستقر.
كان عدواً لا يهدأ للصهاينة ودعاواهم العلمانية. وقد رفض منصب حاخام القدس بعد تنحية الحاخام شمويل سالانت. كما حارب النفوذ الصهيوني في المدارس اليهودية، وحارب ضد سيطرة الصهاينة على التجمع اليهودي في فلسطين. التقى الحاخام سوننفلد بالملك حسين (ملك الحجاز) لطمأنته، والإعراب عن رغبة السكان اليهود الصادقة في التعاون والسلام وحسن الجوار مع أصدقائهم وجيرانهم العرب.
وأصدر الحاخام سوننفلد عام 1929 بياناً يدعو فيه السكان العرب إلى العيش في سلام وحب مع اليهود مؤكداً لهم رغبة اليهود في التعبد بإخلاص وفي الحياة الدينية الخالصة في الأرض المقدَّسة ورفض المشاركة في أية إدانة صهيونية عامة للانتداب لأنه كان مقتنعاً بأن الاستفزازات الصهيونية المُتعمَّدة للعرب هي سبب القلاقل. أرسل عام 1931 تحياته كالعادة إلى المؤتمر الإسلامي المنعقد في القدس داعياً للعيش في سلام على الأرض المقدَّسة.
إسرائيل فرومكين (1850-1914(Israel Frumkin
صحفي روسي يهودي وُلد في روسيا البيضاء. سافر إلى فلسطين مع أبويه وعمره 9 سنوات، تزوج ابنة مؤسس صحيفة هافاتزيليت، ثاني الصحـف العــبرية. وبعد ما أصبح رئيساً لتحريرها، استمر في هذا المنصب مدة 04 عاماً. كان ناقداً لاذعاً للمستوطنين اليهود الأوائل، كما نقد فسادهم المالي والأخلاقي مطالباً بإصلاح حركة التوطين ولكنه غيَّر موقفه مع وصول دفعات جديدة من المستوطنين عام 1882 إذ أصبح عدواً لدوداً لحركة أحباء صهيون وكذلك هرتزل وآحاد هعام فيما بعد، وعارض بشدة الحركات التوطينية مع إيضاح طابعها العلماني غير الديني.
ومع تزايد نجاحات الحركة الصهيونية وجذبها العديد من المؤيدين الأوربيين والغربيين، بدأ توزيع جريدته في التراجع حتى توقفت عام 1910. وموقف فرومكين يلقي الضوء على اختلاف طبيعة الهجرة اليهودية إلى فلسطين قبل بعد الحركة الصهيونية. فمعارضته انحلال المستوطنين اليهود المادي والأخلاقي تحوَّلت إلى معارضة كاملة لفكرة الاستيطان اليهودية مع الصهيونية. ولذا، نجد أن دوائر المعارف والموسوعات اليهودية والصهيونية تُقلِّل الكلام عنه جداً، رغم أهميته التاريخية.
لوسيان وولف (1857-1930(Lucien Wolf
صحفي ومؤرخ بريطاني يهودي، كرس حياته للدفاع عن حقوق اليهود في البلاد التي يعيشون فيها (أي أن موقفه مع الحقوق اليهودية كان موقفاً معارضاً للموقف الصهيوني). كتب كثيراً من المقالات للمجلات البريطانية اليهودية وغير اليهودية. وكان وولف عضواً في اللجنة الأجنبية المشتركة التي أسستها الهيئة اليهودية الإنجليزية ومجلس مندوبي يهود بريطانيا. وقد حاول قصارى جهده أن يجد حلاًّ للمسألة اليهودية أينما ظهرت، وتركزت جهوده على روسيا ورومانيا. ولكن يُلاحَظ أن وولف كان دائماً يبحث عن حل للمسألة اليهودية خارج إطار الصهيـونية. ولذا، فقـد كرَّس حياته للدفـاع عن حقوق اليهود في أوطانهم. وقد أصدر مؤتمر السلام (1919) اتفاقية الأقليات الخاصة بالحقوق العرْقية والدينية للأقليات نتيجة جهوده، وهي معاهدة تهدف إلى ضمان حقوق اليهود المدنية والدينية في بلادهم. تَعاوَن وولف مع كثير من الوفود اليهودية في مؤتمر السلام ما دامت تتحرك خارج أي إطار صهيوني. وقد استمر وولف في نشاطه بعد الحرب العالمية الأولى باعتباره ممثل اللجنة الأجنبية المُشترَكة والأليانس وجماعة الاستعمار اليهودي.
عارض وولف النشاط الصهيوني وكتب مقالة بعنوان "الخطر الصهيوني" (1904 نشرها في مجلة تايمز. وقد تَعاوَن وولف مع زانجويل في المنظمة الصهيونية الإقليمية. كما أسَّس جمعية التاريخ اليهودي في إنجلترا، وكتب مؤلفاً يفند فيه الحجج التي أتت في البروتوكولات، وله كتاب عن يهود المارانو.
نيثــان بيرنبـــاوم (1864-1937(Nathan Birnbaum
كاتب سياسي نمساوي يهودي. وُلد في فيينا لعائلة حسيدية. تعرَّف إلى مُثُل حركة الاستنارة، فتخلَّى عن العقيدة اليهودية وتَبنَّى الحلول الصهيونية، واشترك في تأسيس منظمة شبابية هي منظمة قديما (1882). وفي عام 1884، صدر أول أعداد مجلته الانعتاق الذاتي (سميت باسم كراسة بنسكر)، وكان هو ناشر المجلة ومحررها وطابعها. وقد بلور بيرنباوم الفكرة الصهيونية قبل ظهور هرتزل ونشر كتاباً عن المسألة اليهودية عام 1893 بعنوان البعث القومي للشعب اليهودي في أرضه كوسيلة لحل المسألة اليهودية.
تَعاوَن بيرنباوم في بداية الأمر مع المنظمة الصهيونية العالمية، وحضر المؤتمر الصهيوني الأول (1897 ومن المعروف أنه أول من استخدم كلمة «صهيونية» بمعناها الحديث (في مجلة الانعتاق الذاتي عام 1890). وقد عرَّف الصهيونية بأنها حركة ترى أن القومية والعرْق والشعب شيء واحد، وهي الدعوة التي جعلت السمات العرْقية اليهودية قيمة نهائية مطلقة بدلاً من الدين اليهودي، وخلَّصت اليهودية من المعتقدات المشيحانية. ولذا، فإن الصهيونية حركة للدفاع عن مصالح العرْق اليهودي. ولكن بعد عام 1897، ظهرت مشاكل بينه وبين التعريف الهرتزلي للأمة اليهودية، إذ أن هرتزل (وهو يهودي غير يهودي) كان يرى أن العداء لليهود هو مصدر تماسك اليهود ومصدر هويتهم. أما بيرنباوم، فكان يرى أن الهوية اليهودية لها قيمة في حد ذاتها وأن وجود اليهود في أنحاء العالم ليس أمراً سلبياً، وأن الثقافة اليهودية أمر يستحق التطوير (ومن هنا كانت محاضرته في المؤتمر الصهيوني الأول عن الصهيونية كحركة ثقافية). وهو، لهذا السبب، كان يرى أنه لا تَعارُض بين محاولته البحث عن وطن للفائض البشري اليهودي وولائه لوطنه كيهودي مندمج. ولهذا السبب، رشَّح بيرنباوم نفسه للبرلمان النمساوي كصهيوني عام 1907 (وخسر في الانتخابات). وقد تطوَّر موقفه هذا بالتدريج إلى أن أصبح من رافضي الصهيونية وأصبح من دعاة القومية اليديشية (قومية الدياسبورا) كحل للمسألة اليهودية. ولذا، نجده يؤكد أهمية الإسهامات الحضارية اليديشية وأهمية الحفاظ على هويتهم، فدافع عن اليديشية (مقابل العبرية) ودعا إلى مؤتمر تشيرنوفيتس 1908 الذي نادى بأن اليديشية هي اللغة اليهودية القومية، تماماً مثل العبرية.
ولكنه كما تجاوز الصهيونية، واكتشف قصورها واختزاليتها، اكتشف أيضاً أن الدعوة للقومية اليديشية أمر لا يكفي إذ اكتشف أن اليهود ليسوا جماعة عرقية أو إثنية وإنما هم جماعة دينية، وأن جوهر الوجود اليهودي هو العقـيدة اليهودية. وهذا ما يُفرِّق بين اليهـودي والوثني، ويُفرِّق بين الحياة السعيدة في العالم الرباني ووحشية الوثنية وأنانيتها. وقد كان اكتشاف بيرنباوم لحقيقة العالم الحديث ووحشيته وماديته اكتشافاً فجائياً غيَّر مجرى حياته تماماً، فاكتشف ما تصوَّر أنه المعنى الحقيقي لتاريخ العالم: نضال قوى الخير الرباني لهزيمة عالم الوثنيين. كما اكتشف أن الغرض من الوجود اليهودي هو الإبقاء على النور الإلهي مشتعلاً. ولذا، يجب أن يكرِّس اليهودي نفسه لخدمته كما فعل منذ بداية التاريخ. لكل هذا، اتجه بيرنباوم لليهودية الأرثوذكسية وانضم لجماعة أجودات إسرائيل وأصبح رافضاً تماماً للصهيونية.
وقد تَعمَّق هذا التيار عند بيرنباوم إلى درجة أنه كان يرى ضرورة عزل أعضاء الجماعات اليهودية عن العالم الوثني. ولذا، نادى بإنشاء مسـتعمرات لليهود (سـماهم «عوليـم» أي «الصاعدون») خـارج المدن الكبيرة، يمارس فيها اليهود الزراعة والحرف، ويمارسوا شعائرهم ويحافظوا على لغة اليهود وزيهم وثقافتهم.
ولبيرنباوم عدة مؤلفات من أهمها الاعترافات (1917)، كما نشر ابنه سولومون بيرنباوم مختارات من كتاباته بالإنجليزية بعنوان الجسر (1956(
يوسف دوشينسكي (1867-1948(Yosef Dushinsky
حاخام أرثوذكسي معاد للصهيونية، وُلد في المجر. أسس مدرسة حاخامية في جالانتا عام 1895، وزار فلسطين للمرة الأولى عام 1932. وقد تُوفي الحاخام الأكبر سوننفلد أثناء زيارته، فعُرض عليه منصب حاخام القدس لكنه رفض وعاد لتشيكوسلوفاكيا، ثم عاد وقَبل المنصب تحت ضغط حاخام فلنا وغيره من كبار الحاخامات عام 1933. وبدأ نشاطه ضد الدعاية الصهيونية فوراً. شهد عام 1936 أمام لجنة بيل ضد الصهاينة، وطلب رفع وصايتهم عن حياة اليهود، وأدان نظرة الدول إليهم باعتبارهم ممثلين لليهود. طلب عام 1946 من اللجنة الأنجلو أمريكية الخاصة أن يسمحوا لليهود بالعيش في سلام ودعة للعبادة في الأرض المقدَّسة وليس لإقامة دولة. ورفض، أمام اللجنة الخاصة للأمم المتحدة، إقامة الدولة الصهيونية التي اعتبرها الخطر الأول على يهود العالم. وطلب أن تُترك القدس (على الأقل) حرة مقدَّسة. واحتج علناً على تصرفات الصهاينة غير الأخلاقية، وأدان تجنيدهم النساء، بل دعا كل النساء حتى للانتحار بدلاً من ارتكاب المعاصي الأخلاقية. وحرَّم على طلابه حتى الاعتراف بدولة إسرائيل. وقد قابل الكونت برنادوت في محاولة لإطلاع الأمم المتحدة على رفض اليهود للدولة الصهيونية.
موريس كوهين (1880-1948(Morris Cohen
فيلسوف أمريكي يهودي. وُلد في روسيا ولكنه هاجر مع أسرته إلى الولايات المتحـدة وهو بعـد في الثانية عـشرة. درس في سـيتي كوليج، وحينما التحق بهارفارد درس مع وليام جيمس وجوشيا رويس (فلاسفة البرجماتية). عُيِّن أستاذاً للفلسفة في سيتي كوليج في نيويورك عام 1912 واستمر في التدريس فيها حتى عام 1938 ثم أصبح أستاذاً للفلسفة في جامعة شيكاغو بين عامي 1938 و1940، كما أصبح رئيساً للرابطة الفلسفية الأمريكية (1928).
تركَّز اهتمام كوهين على فقر الطبقات العاملة، وليعمق رؤيته لهذه القضية درس فلسفة القانون. واكتشف أن الموقف الرجعي المحافظ الذي يتخذه كثير من القضاة الأمريكيين نابع من فكرة القانون الطبيعي بينما ذهب هو إلى أن القانون هو نتاج تطوُّر تاريخي إنساني. ولكن أهم كتبه هو العقل والطبيعة: مقال في معنى المنهج العلمي (1931). كما كتب دراسة أخرى في الموضوع نفسه بعنوان مقــدمة للمنطق والمنهج العلمي (1934) بالاشتراك مع إرنست ناجل. أما أساس المنطق (1945)، فهو عن علاقة المنطق بالعلوم. وقد امتدت اهتمامات كوهين لتشمل الأخلاق، فكتب دراسة بعنوان معنى التاريخ البشري (1947) حيث يقدم رؤية للتاريخ باعتباره دورات من النمو والانحلال وليس خطاً مستقيماً. وذهب إلى أن التــاريخ دائري، إلا أن الحــق سـينجح في تأكيد نفسـه من وقت لآخر، أي أن الدائرية ليست كاملة. وقد عبَّر عن آراء مماثلة في مجموعة مقالاته عقيدة الليبرالي (1946(
وقد بيَّن كوهين كيف هيمنت أفكار القومية العضوية (التي تقف على الطرف النقيض من القومية الليبرالية)، وكيف عبَّرت عن نفسها من خلال الفكر الصهيوني. ويذهب كوهين إلى أن فلسفة الاندماج الليبرالية تعود إلى الفيلسوف إسبينوزا الذي بيَّن أن اليهود، مثل سائر الجماعات الإنسانية الأخرى، يرتبطون بوشائج المعاناة، وأن الأمم كلما ازدادت استنارة وأزالت القيود المفروضة على اليهود، سيتبنى هـؤلاء عادات الحـضارة الغــربية، وبذا ستُحل المسألة اليهودية. ولكن عملية تحرير اليهود وإعتاقهم لم تبدأ إلا في القرن التاسع عشر. ورغم أن اليهود تبنوا مُثُل الليبرالية العقلانية، إلا أن تحريرهم الكامل لم يتم ولم يُمنَحوا حقوقهم كافة إلا مع نهاية القرن التاسع عشر، ولذلك فقد اعتنق بعض اليهود مُثُل القومية الرومانتيكية التي بدأت في ألمانيا كرد فعل لمُثُل الثورة الفرنسية الليبرالية العقلانية المستنيرة. وقد أدَّى هذا بدوره إلى انتشار الفكر الصـهيوني الذي يسـتند إلى مقولات النظرية العرْقية. ولكن الصهاينة، بدلاً من أن يُنصِّبوا الجنس التيوتوني جنساً أسمى، يضعون اليهود في المكانة المتفوقة نفسها باعتبارهم الشعب الذي له «روحه» الفريدة التي لا يمكن أن تعبِّر عن نفسها إلا في فلسطين ومن خلال اللغة العبرية.
وقد صدرت بعد وفاته مجموعة مقالات بعنوان تأملات يهودي تائه (1950) وهي مجموعة مقالات قصيرة عن اليهودية.
يعقـوب دي هـان (1881-1924(
Yakov De Hann
أستاذ قانون دولي ورجل دين يهودي هولندي. وُلد لأسرة متوسطة متعلمة من اليهود الأرثوذكس حيث كان والده معلماً. تَخرَّج في مدرسة المعلمين حيث أظهر مقدرة فائقة في الشعر ونُشرت أشعاره في العديد من الصحف الهولندية وقدرته الأوساط الأدبية. وقد أعجبته الطبيبة يوهانا فان مارسيفين، وهي غير يهودية ومن أسرة غنية، وتحوَّل هذا الإعجاب إلى حب فتزوجا. وقد قامت زوجته الغنية بتمويل دراساته الجامعية حتى تَخرَّج حيث عمل بعدئذ محاضراً في الجامعة. انضم دي هان للاشتراكيين الديموقراطيين، وسافر إلى روسيا ضمن وفد حزبي، وعند عودته ألف كتاباً عن أحوال المعتقلين السياسيين في سجون القيـصر. وقد كانت رحلتـه تلك سـبباً في تَحوُّل مجرى حياته تحوُّلاً عميقاً، فقد تأثر كثيراً بمذابح اليهود ورفع تقريره للقصر الملكي الهولندي. لكنه وجد استهزاء من جانب المستشارين اليهود.
تراجع دي هان عن الاشتراكية وانفصل عن زوجته وعاد إلى اليهودية وأصدر عام 1918 كتاب الأنشودة اليهودية الذي تلقفته الدعاية الصهيونية، فهاجر إلى فلسطين باعتباره أول هولندي صهيوني يهاجر إلى هناك عام 1919. وعمل دي هان في فلسطين مراسلاً لجريدة هولندية تَصدُر في أمستردام، كما عمل أيضاً لجريدة ديلي إكسبريس اللندنية. وكان يلقي محاضرات في كلية القانون التابعة للحكومة في القدس حين تَعرَّف إلى الحاخام الأرثوذكسي سوننفلد وعرف وجهة النظر الأرثوذكسية اليهودية المتدينة في الصهيونية العنصرية العلمانية المتعصبة. وشيئاً فشيئاً غيَّر دي هان انتماءه السياسي والعقائدي وأصبح من أعداء الصهيونية والمتحدث باسم اليهودية الأرثوذكسية وأجودات إسرائيل (التي كانت حينذاك معادية تماماً للصهيونية من منطلق ديني)، وانبرى للدفاع عن حقوق العرب في أرضهم. وقد أرسل عشرات العرائض والدعاوى لعصبة الأمم رافضاً حق الصهاينة العلمانيين في التحدث باسم الجماعات اليهودية كلها وحصل في النهاية على حق أن يعتبر كل يهودي متدين نفسه خارج نطاق الوكالة اليهودية، وضمن ذلك حق رفض دفع الضرائب.
وقد أثارت مواقفه المتوالية ضد الصهيونية ونشاطه الفعال ضد الاستيطان الصهيوني استياء المؤسسة الصهيونية، فبدأت الصحف الصهيونية مثل هآرتس في مهاجمته بعنف، ودعته بالخائن، وأعلنت أنه عنصر خطر ينبغي التخلص منه. بيد أن هذا الهجوم المادي والمعنوي لم يثنه عن عزمه وعن كراهيته وعدائه للصهيونية التي كان يراها الخطر الأكبر على اليهودية بل على القيم الإنسانية كلها. ونظَّم الصهاينة مقاطعة شاملة لمحاضراته في الجامعة الأمر الذي دعا دي هان إلى الاستقالة. وكان رد دي هان على هذه الاعتداءات قوياً وحكيماً، فقد نظم اجتماعاً شديد الأهمية بين الشريف حسين ملك الحجاز والأمير عبد الله أمير إمارات شرق الأردن والملك فيصل ملك العراق وبين كبار الحاخامات اليهود الأرثوذكس. وقد صعَّد هذا الهجوم الصهيوني ضد اليهود الأرثوذكس عامة ودي هان على وجه الخصوص. وقد تلقى دي هان العديد من التهديدات بالقتل ما لم يترك فلسطين فوراً. بل إنه تنبأ بموته حين قال لمراسلين صحفيين فرنسيين "سوف ترون، سيقتلني الصهاينة، فهذا ديدنهم".
وفي 29 يونيه عام 1924، كتبت إحدى الجرائد الصهيونيـة محـذرة: "إن الخائن دي هان سيرحل إلى لندن ليخطب أمام مجلس العموم البريطاني ويحطم طموحات اليهود القومية". وفي 30 يونيه عام 1924، تم اغتياله بالفعل، وثبت تَقاعُس المستشفى الذي نُقل إليه عن إنقاذه، وكذلك فقد تغاضت قوات الشرطة المُكلَّفة بحمايته عن القيام بواجبها، وكان الصهاينة من الوقاحة بحيث إنهم اتهموا العرب بقتله وأرجعوا اغتياله إلى علاقة جنسية شاذة بينه وبين أحد العرب.
ومما يجدر ذكره أن موسوعة الثقافة اليهودية لا تذكر دي هان رغم أهميته الأدبية الكبرى في الأدب الهولندي المعاصر، فقد أثارت روايته الأولى جدلاً واسعاً لأنها دخلت منطقة محرمة حول العلاقات الشاذة بين الرجال في المدارس الداخلية. وعلى أساس هذه الرواية، كان الصهاينة يبنون اتهامهم له بالشذوذ والتورط في علاقات شاذة مع العرب. وبعد مرور خمسين عاماً من مقتل دي هان، اعترف الصهاينة بتدبير اغتياله، وبذا كان الحاخام دي هان أول الضحايا اليهود الذين اغتالهم الصهاينة.
يوئيـل تايتلــباوم (1887-1979(
Joel Teitelbaum
كبير حاخامات الفرقة الحسيدية المسماة «ساتمار» وجماعة نواطير المدينة الأرثوذكسية. وُلد في رومانيا داخل أسرة حاخامات عريقة. وقد تيتَّم صغيراً، ورُسِّم حاخاماً وعمره 17 عاماً. وقد أسَّس مدرسة حاخامية في ساتمار (رومانيا) عام 1906. كان الحاخام تايتلباوم، منذ البداية، عدواً لدوداً للصهيونية، وكان يرى أنها مصدر كل الموبقات والشرور. وقد سُجن في معسكرات الاعتقال النازية وهرب وأُعيد اعتقاله عدة مرات، ونجح في النهاية في الهرب إلى سويسرا ثم ذهب إلى فلسطين لفترة قصيرة. وفي فلسطين، طالب يهود العالم بإدانة الصهيونية وطرقها المخادعة والدنيئة ودعا إلى التنصل منها تماماً. ثم ارتحل إلى الولايات المتحدة حيث استقر هناك منذ عام 1946 وحتى وفاته. وأسَّس قرية حسيدية في وليامزبرج وهي ضاحية من ضواحي نيويورك، وأطلق عليها اسم قرية يوئيل. وقد لاقى الحاخام وفرقته الأمرَّين من قبَل سلطات نيويورك للحصول على التصريح بإقامة قريتهم تلك حتى نجحوا في ذلك. وكان الحاخام يُدين الصهيونية في كتاباته دائماً، كما كان يصفها بالخداع والكذب وبأنها ستؤدي بيهود العالم إلى الدمار والهلاك المادي والروحي. وحذَّر غير مرة من الحروب العدوانية التي تَشنُّها الدولة الصهيونية. وكان الحاخام لا يعترف بالدولة الصهيونية ويحرض على مقاطتعها. ولأنه حاخام القدس، فقد كان يزور فلسطين من وقت لآخر ولكنه كان يرفض أن يستقل القطارات التي تحمل رموز الدولة الصهيونية.
وقد أصدر الحاخام تايتلباوم كتاباً دينياً من ثلاثة أجزاء: يختص الجزء الأول ببعض المحظورات التي وردت في التلمود ومن أهمها ألا يثور اليهود ضد الأمم وألا يهاجروا هجرة جماعية إلى الأرض المقدَّسة. والجزء الثاني يختص بالحياة في الأرض المقدَّسة وبيَّن فيه أنه لا يوجد أي إصرار في التوراة على ذلك. والجزء الثالث كان عن استخدام العبرية كلغة تَخاطُب، وقد أدان ذلك بل حرَّمه معلناً أن هذا تدنيس للسان المقدَّس.
وقد أصدر تايتلباوم كذلك كتاباً دينياً حول حرب 1967 فأدانها وأنكر أن انتصارات القوات الصهيونية هو من قبيل المعجزات. وقاطع تايتلباوم حزب أجودات إسرائيل الديني لتخليه عن معارضة الصهيونية ودخوله الحكومة والكنيست.
هانـز كـون (1891-1971(Hans Kohn
مؤرخ أمريكي يهودي درس الدكتوراه في جامعة براغ، واستقر في فلسطين عام 1925 ولكنه تركها عام 1934، ثم استقر في الولايات المتحدة حيث عمل أستاذاً للتاريخ في كلية سميث كوليج من عام 1949 حتى عام 1962 وفي سيتي كوليج في نيويورك.
ويدور اهتمام كون حول فكرة القومية، وأهم أعماله هي: فكرة القومية (1944)، و عصر القومية (1962)، و مقدمة للدول القومية (1967). وله كتاب عن بوبر وهايني وآحاد هعام، واختياره لهذه الشخصيات يدل على قلقه من الفكرة الصهيونية، وهو قلق عبَّر عنه في دراسته صهيون وفكرة اليهودية القومية. ويقول كوهن في دراسته هذه: "لا توجد حضارة عظيمة لم تتأثر بالحضارات الأخرى أو تقتبس منها، سواء في مجال الدين أو في مجال اللغة أو القوانين أو العادات. وهكذا كان اليهود، فقد بلغوا درجة عالية من الامتياز بعد أن تركوا فلسطين واختلطوا بالشعوب الأخرى، ومن هنا ظهرت بينهم أسماء المشاهير أمثال هايني وماركس وبرجسون. وعلى حد قوله، فإن العودة للأصل ليست بالضرورة شيئاً إيجابياً يزيد من درجة الإبداع. فالفرنسيون لم يضرهم كثيراً تخليهم عن لغتهم الأصلية الغالية وتبنيهم لغة الغزاة الرومان. بل إن مصدر التشريع الأوربي كله هو القانون الروماني، وهو قانـون فُــرض فرضاً من الخــارج على أوربا ولـم ينبع من داخلها.
ويبيِّن هانز كون أن ثمة تيارين متعارضين داخل اليهودية: تيار قومي وآخر معاد للقومية، وأن التوراة جاء فيها أن زعماء الشعب اليهودي ذهبوا إلى النبي صمويل وطلبوا منه أن يُنصِّب عليهم ملكاً، أي أنهم كانوا يطلبون أن يكونوا مثل كل الأمم وأن تكون لهم حكومة مثل كل الحكومات ودولة مثل كل الدول. وحينما رفض النبي أن يفعل ذلك، أخبره الإله أن يساير اليهود لأنهم بإصرارهم على أن يكونوا مثل كل الشعوب الأخرى لم يرفضوا صمويل وإنما رفضوا الإله نفسه، فهم يودون أن يكونوا خدماً للدولة بدلاً من أن يقوموا على خدمة الإله. وقد أسَّس اليهود دولتهم بالفعل، ولكن الأنبياء أخذوا منها موقف المعارضة، فقام إرميا بالهجوم عليها كما قام عاموس بإعادة تفسير فكرة الشعب المختار حسب أسس جديدة، فالاختيار حسب تفسيره لا يعني أن الإله منح اليهود حقوقاً خاصة، ولا يعني أن انتصارهم على الآخرين أمر أكيد، وإنما يعني أن الإله سيُنزل بهم أشد العقاب إذا ارتكبوا أية خطايا حتى ولو كانت عادية "إياكم فقط عرفت من جميع قبائل الأرض لذلك أعاقبكم على جميع ذنوبكم" (عاموس 3/2). بل إن عاموس كان راديكالياً في تفسير فكرة أرض الميعاد نفسها، فحسب رؤيته لا يوجد أي فرق بين جماعة يسرائيل والأجناس الأخرى. إن مساعدة الإله لليهود على الخروج من أرض مصر ليست مقصورة على اليهود، فالإله يساعد كل الشعوب ولا يميِّز بين شعب وآخر. وقد جاء في سفر أشعياء هذه الرؤية العالمية الشاملة لمستقبل يضم كل البشر "في ذلك اليوم تكون سكة من مصر إلى آشور فيجيء الآشوريون إلى مصر والمصريون إلى آشور ويعبد المصريون مع الآشوريين... مبارك شعبي مصر وعمل يدي آشور وميراثي إسرائيل" (أشعياء 19/25).
ويذكر كون أيضاً في مجال تقديم رؤية اندماجية للتاريخ اليهودي حادثة يفنه، وذلك حين قام الحاخام يوحنان بن زكاي بالهرب من القدس أثناء حصار الرومان لها وأقام مدرسة تلمودية في يفنه وذلك حتى يضمن ألا يباد كل الفقهاء والحاخامات، ولا يبقى منهم أحد يحمل مشعل الشريعة وينقلها ويفسرها للشعب بعد سقوط القدس. وبهروبه هذا، تخلَّى يوحنان بن زكاي عن فكرة الدولة اليهودية، وأثبت أن الدولة في تاريخ اليهود ليست سوى ظاهرة عرضية وأن اليهودية كدين وكتراث حضاري ظاهرة فريدة مستمرة تضرب بجذورها في عالم الروح اليهودية. ومن الواضح أن الهدف من هذه القراءة للتاريخ اليهودي هو إثبات أن الرؤية الصهيونية لليهود واليهودية متناقضة مع تجربة اليهود التاريخية ومع القيم الأخلاقية والدينية التي تدافع عنها اليهودية كدين.
ويَظهَر التناقض بين الصهاينة والاندماجيين بشكل جلي في موقفهم من معاداة اليهود. فبينما يرى الصهاينة أنه مرض أزلي أو جرثومة حتمية خبيثة يصاب بها كل الأغيار في كل زمان ومكان، يؤكد هانز كون أن الاندماجيين ينظرون إليها بشكل عقلاني على أنها مرض اجتماعي يتغيَّر بتغير الظروف. وبالتالي، إذا ازدادت المجتمعات الإنسانية استنارة وعقلانية خفَّ خطر معاداة اليهود.
ويثير كون قضية تَعارُض الصهيونية مع حقوق اليهود، فالصهيونية لا تطالب بالحرية الفردية لليهود وإنما تطالب بالاستقلال الجماعي لهم وبحقهم في الهجرة، وهذا أمر يتنافى مع التقاليد الليبرالية التي لا تتعامل إلا مع الأفراد كأفراد ولا تتعامل إلا مع حقوق الأفراد داخل أوطانهم. وبالتالي، فإن الطرح الصهيوني لقضية الحقوق اليهودية يضر بهذه الحقوق وبحقوق كل يهودي يرغب في البـقاء في وطـنه وفي الحصول على حقوقه السياسية والمدنية.
ولم تُشر أيٌّ من الموسوعات اليهودية التي تناولت مؤلفات كون وفكره إلى موقفه من الصهيونية ككل واكتفت بالحديث عن كتاباته الأكاديمية العامة. وقد نشر كون سيرته الذاتية الحياة في ثورة عالمية (1964).
موشـيه منوهـين (1893-1982(Moshe Menuhin
مفكر يهودي مناهض للصهيونية ووالد عازف الكمان العالمي يهودا منوهين. وُلد عام 1893 في روسـيا من عائلة حــسيدية شهيرة، ثم هاجر إلى فلسطين ليعيش في كنف جده. تلقَّى تعليمه الأولى في المدارس التلمودية بالقدس ثم أكمل تعليمه الثانوي في مدرسة هرتزليا الصهيونية في تل أبيب. ثم ذهب إلى نيويورك حيث أتم دراساته الجامعية هناك عام 1917. وقد تأثر في هذه الفترة بآراء آحاد هعام ومارتن بوبر ويهودا ماجنيس، ومن ثم أعلن معارضته وعد بلفور والصهيونية الدبلوماسية (الاستعمارية) التي رآها مجرد تزييف لليهـودية، وخـطراً داهماً على البشرية ينذر دائماً بحــمامات دم. ومن ثم، فقد رفـض العـودة إلى فلســطين واستقر في كاليفورنيا.
وقد سافر منوهين مع أسرته لدول عديدة وتَقابَل مع عدة سياسيين مهمين في بلدان مختلفة، وعبَّر مراراً وتكراراً عن أسفه وقلقه بشأن الوضع المتدهور في الشرق الأوسط. وعن حزنه لآلام ومتاعب سكان فلسطين من العرب الذين يُطرَدون من ديارهم. انضم منوهين إلى المجلس الأمريكي لليهودية لعدة أعوام، وكان من محركي فكرة معارضة القومية اليهودية التي قادها برجر وعبَّر عن هذه المعارضة في كتابه انحطاط اليهودية في عصرنا (1969)، ولكنه استقال من المجلس الأمريكي لليهودية بعد أن تخلَّى عن سياسة معارضة الصهيونية عام 1967. وشارك منوهين في تأسيس منظمة "بدائل أمريكية يهودية للصهيونية"، ولكنه استقال منها عام 1972 لضعف تأثيرها وقلة حيلتها على حد قوله. واستمر مناهضاً شديداً للصهيونية التي رآها خطراً محدقاً بالعالم أجمع وباليهود، حيثما كانوا، بصفة خاصة. وأكد منوهين أن الصهيونية تتعارض مع انتماء اليهود القومي في البلاد التي ينتمون إليها، ومن ثم فإنها تشكل عقبة في سبيل أن يحيوا حياة طبيعية منتجة سواء على المستوى العملي أو على المستوى النفسي، وعبَّر منوهين عن هذه الآراء في كتابه نقاد الصهيونية اليهود (1974).
وقد شرح منوهين الفرق بين الصهيونية واليهودية مستخدماً التقليد اليهودي الشهير في مقارنة الكاهن بالنبي حيث قال: "لقد كان لدى الشعب اليهودي كهنة وأنبياء، وكان الكهنة [دعاة الحلولية الوثنية] على الدوام أبواق القوميين والسياسيين. أما الأنبياء وأتباعهم [دعاة الفكر التوحيدي] فقد كانوا يؤمنون بالنزعة الإنسانية العالمية والعدالة والإنصاف والرقي الأخلاقي".
امــرام بــلاو (1900-1974(Amram Blau
مؤسس حركة ناطوري كارتا، وُلد في القدس لأسرة يهودية وحارب ضد الحاخام الصهيوني كوك منذ شبابه، وأدان المدارس التي أقامها الصهاينة لتعليم العبرية الحديثة والتعاليم العلمانية. نجح بالمشاركة مع الحاخام سوننفلد في الحصول على موافقة حكومة الانتداب على الفصل بين اليهود الأرثوذكس والصهاينة. وعندما لاحَظ أن ثمة تقارباً بين حركة أجودات إسرائيل والصهاينة، انفصل عنها وأدان قادتها واتهمهم بالتواطؤ مع المارقين الصهاينة من أجل المال والجاه والسلطة، وأنشأ حركة الناطوري كارتا لحماية قداسة المدينة المقدَّسة (القدس). وتَظاهَر عام 1948 مع 6000 من اليهود احتجاجاً على قرار التقسيم وضد فكرة دولة إسرائيل التي رفضها حتى قبل أن تنشأ. وفي هذه المظاهرة، قامت القوات الصهيونية بإطلاق النار على المتظاهرين فجرحت العديد منهم. وعندما قامت دولة الصهاينة، رفض الحاخام بلاو الاعتراف بها ورفض الخضوع لقوانينها وتظاهر ضدها، وقامت الحكومة الإسرائيلية باعتقاله وسجنه عشرات المرات.
أرسل عام 1974 رسالة إلى الرئيس نيكسون من أجل فَصْل القدس عن دولة الصهاينة أو على الأقل إيجاد حل لمشكلة اليهود الأرثوذكس.
ميخائيـــل فيســمندل (1903-1957(icheal Weismandel
حاخام أرثوذكسي شهير من المجر. زار فلسطين لأول مرة عام 1935. بدأ رحلته لإنقاذ اليهود من الاضطهاد النازي منذ عام 1938، فعمل في هذا الاتجاه بشكل منقطع النظير طوال الفترة 1942-1944. وكان قد عقد اتفاقاً مع فيسلنكي نائب أيخمان لإنقاذ يهود سلوفاكيا مقابل رشوة تقدَّر بمبلغ 50 ألف دولار. كما أرسل رسائل عديدة تضمنت خطة لرشوة القيادة النازية كلها لإنقاذ اليهود من الإبادة. وكان الحاخام فايسمندل أول من فضح للعالم أهوال معسكرات الإبادة النازية بل أرسل للحلفاء خريطة المعسكر والسكك الحديدية المؤدية له من أجل قصفها بالطيران. وقامت القيادات الصهيونية بإعاقة خطة الحاخام فايسمندل. كما قام الحاخام الأمريكي ستيفن وايز بمظاهرة دعائية في نيويورك أثارت قضية رشوة القيادات النازية، الأمر الذي حدا بهذه القيادات إلى إنكار تَعامُلها مع فايسـمندل والمُـضي قـدماً في خطة الإبادة.
وقد أصدر فايسمندل كتابه الشهير من الأعماق الذي أثبت فيه بالوثائق والبراهين تواطؤ القيادات الصهيونية مع النازي من أجل المساعدة على هجرة اليهود إلى فلسطين وكذلك من أجل الحصول على الأموال من الحلفاء. وعارض فايسمندل إقامة دولة إسرائيل بكل قوته وخطب ضدها في الأمم المتحدة وفي وزارة الخارجية الأمريكية حيث كان قد استقر في الولايات المتحدة منذ عام 1946.
إلمــر بيرجـــر (1908-1996(Elmer Berger
حاخام أمريكي ويهودي اندماجي إصلاحي من أهم الشخصيات المعادية للصهيونية والرافضة لها. وُلد في كليفلاند ونُصِّب حاخاماً عام 1932. وساهم مع غيره من الإصلاحيين عام 1943 في تكوين منظمة المجلس الأمريكي لليهودية، وهو تنظيم يهودي معاد للصهيونية رأسه في البداية ليسنج روزنولد كان يهدف إلى تشجيع يهود الولايات المتحدة على الاندماج واعتبار اليهودية عقيدة (فقط) لا علاقة لها بالانتماء القومي. وعارض المجلس الجهود الرامية إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين أو في أي مكان. وقد شغل بيرجر منصب المدير التنفيذي للمجلس منذ إنشائه حتى عام 1955 ثم انتُخب عام 1955 نائباً للرئيس.
وقد عارض بيرجر، بشجاعة، قيام الدولة اليهودية في فلسطين، وأعرب عن اعتقاده بأن الصهاينة قد استغلوا قلق اليهود الأمريكيين مما حدث في أوربا على يد هتلر للوصول إلى أغراضهم. كما أنه يرى أن الصهيونية تهدف إلى قلب الدين إلى مبدأ سياسي. وكان بيرجر من أوائل من نددوا بالعنصرية الصهيونية، وقد صاغ مصطلح «إزالة الصبغة الصهيونية عن إسرائيل» معرباً عن أمله في إقامة دولة تضم اليهود والمسلمين والمسيحيين في سلام. وقام الحاخام بيرجر بزيارات متعددة للأقطار العربية. وفي عام 1964، أحرز بيرجر أعظم انتصاراته في إطار صراعه ضد الصهيونية، وذلك عندما حصل بالاشتراك مع البروفسور ميليسون على رفض رسمي من وزارة الخارجية الأمريكية لمقولة "القومية اليهودية" وذلك في إطار خطاب من فيلبس تالبوت ينص على أن هذا المفهوم ليست له قيمة قانونية في نطاق نصوص القانون الدولي.
وبعد حرب 1967، كثَّف الحاخام بيرجر جهوده ضد الصهيونية واتهم إسرائيل بأنها المعتدية وبأنها دولة عنصرية. وكان الانتصار الذي حققته إسرائيل عام 1967 قد غيَّر موقف العديد من أعضاء المجلس الأمريكي لليهودية، فاتهمه بعضهم بالتطرف في مصادقة العرب الأمر الذي حدا بالحاخام بيرجر إلى تقديم استقالته من المجلس عام 1968. وقد أدَّت هذه الاستقالة إلى تضاؤل نفوذ المجلس وانتهائه فعلياً بعد فقدانه قوته المحركة. بيد أن الحاخام بيرجر استمر في مناهضته الصهيونية ودعاه بعض أعضاء المجلس الذين يتفقون معه في الرأي إلى تأسيس منظمة بديلة. وفي عام 1969، أسَّس مع هؤلاء الأعضاء منظمة «بدائل أمريكية يهودية للصهيونية» وانتُخب رئيساً لها، وهي منظمة تؤكد القيم الإنسانية العالمية الموجودة في الديانة اليهودية، وتطرحها مقابل الدعاوى العنصرية التي تقول بوجود الشعب اليهودي ووجود رابطة روحية بينه وبين إسرائيل. وتركز المنظمة في دعايتها على فضح فكرة "الولاء المزدوج" الكامنة خلف هذه المقولة الصهيونية. وتضم المنظمة حوالي 1500 عضو وتَصدُر نشرة تقرير بدائل أمريكية يهودية للصهيونية يحرر الحاخام بيرجر معظم مادتها بالاشتراك مع مزفنسكي.
كما يشارك الحاخام بيرجر بانتظام في جميع المؤتمرات الدولية المعارضة للصهيونية. وتنظم المنظمة المؤتمرات المناهضة للصهيونية، بيد أن قدرتها المادية المحدودة تمنعها من التأثير الفعلي في الساحة الأمريكية السياسية. وقد كتب بيرجر العديد من الكتب المناهضة للصهيونية.
ويمثل الحاخام بيرجر وغيره من اليهود مناهضي الصهيونية في الولايات المتحدة ما يمكن أن ندعوه «مؤسسة الرجل الواحد»، وهو المثال الذي نراه يتكرر مع غيره، مثل: شيبر وهاناور ولين، وهي تلك المؤسسة التي تُصدر نشرات وتنظم مؤتمرات وتعقد ندوات يحضرها عدد محدود، وخلف كل هذا النشاط يقف فرد واحد يؤدي خروجه عنها أو موته لإنهاء المنظمة أو المؤسسة.
من أهم مؤلفات برجر: الورطة اليهودية (1945)، و تاريخ متحيز لليهودية (1951)، من يعرف أفضل من هذا فعليه أن يعلن ذلك (1955)، مذكرات يهودي معاد للصهيونية (1976)، اليهودية أم الصهيونية (1986)، السلام لفلسطين (1993)، والكتاب الأخير هو أهم كتبه العلمية ويضم تحليلاً لبعض الوثائق الرسمية الصهيونية والإسرائيلية.
حبيــب شـــيبر (1913- (
Haviv Schieber
مواطن إسرائيلي هاجر إلى الولايات المتحدة في منتصف الستينيات. وهو مناهض عنيد للصهيونية ويعتبر نفسه لاجئاً سياسياً في الولايات المتحدة. وقد أسَّس عام 1968 منظمة «لجنة دولة الأراضي المقدَّسة المعادية للصهيونية» التي تهدف إلى إقامة دولة منزوعة السلاح في الأراضي المقدَّسة بفلسطين تسمح بتعايش كل الأديان في سلام. ولأجل تحقيق ذلك، تهدف اللجنة إلى اجتثاث الصهيونية من المنطقة. والواقع أن شيبر هو المنظمة أساساً ومقرها في فيرفاكس بولاية فرجينيا. وعن طريق منظمته هذه، يقوم بإرسال خطابات تحث الحكومة الأمريكية على رفض المطالب الإسرائيلية وتدعوها إلى تَبنِّي مواقف ضد إسرائيل. وتعقد اللجنة المؤتمرات من أجل تحقيق أهدافها، مثل مؤتمر عام 1982 الذي دعـت فيه إلى خَلْق حكـومـة الأراضـي المقدَّســة في المنفى. وشيبر يعتبر نفسه متطرفاً يمينياً، وقد أعرب غير مرة عن اعتقاده بأن إسرائيل ألعوبة في يد السوفييت لهدم الديموقراطية الأمريكية وتقويضها. وقال إن من الأفضل إرسال الأموال والدعم العسكري الذي ترسله الولايات المتحدة لإسرائيل إلى السلفادور مثلاً. وغني عن القول أنه مع سقوط الاتحاد السوفيتي سقط شيبر نفسه، أو لعله يبحث الآن عن قضية جديدة يتبناها.
مكسيم رودنسون (1915- (
Maxime Rodinson
مفكر ماركسي ومستشرق فرنسي من أصل يهودي. وُلد في باريس عام 1915، وكان أبوه أحد مؤسسي اتحاد نقابات العمال اليهود في باريس. تلقَّى تعليمه الابتدائي في باريس ثم عمل كصبي تشهيلات قبل التحاقه بقسم اللغات الشرقية الحية في السوربون حيث درس اللغات السامية والإثنوجرافيا وعلم الاجتماع. خدم في الجيش الفرنسي في سوريا أثناء الحرب العالمية الثانية، وبقي لمدة 7 سنوات في لبنان حيث عمل كمدرس في مدارس إسلامية ثانوية وكموظف في الإدارة الفرنسية في سوريا ولبنان، وفي هذه الفترة قام بزيارات متعددة لمختلف دول الشرق الأوسط. انضم للحزب الشيوعي الفرنسي عام 1937، وتعرف إلى الشيوعيين والماركسيين واليسار العربي إبان إقامته في المنطقة. أصدر نشرة الشرق الأوسط الشهرية السياسية عامي 1950 و1951، وذلك بعد عودته لفرنسا عام 1947. وترك الحزب الشيوعي الفرنسي عام 1958، ولكنه استمر في صفوف اليسار الماركسي يعمل مديراً لقسم الشرق الأوسط في المعهد التطبيقي للدراسات العليات بالسوربون. له مؤلفات عديدة حول الإسلام والعروبة والمسـألة اليهـودية، من بينها: الإسلام والرأسمالية (1966)، و إسرائيل والرفض العربي (1968)، و الإسلام والماركسية (1972)، و إسرائيل واقع استعماري (1973)، و العرب (1979)، و محمد (1979)، و شعب يهودي أم مسألة يهودية (1981).
ويذهب رودنسون إلى أن المنطق الصهيوني منطق إحلالي يقوم على الإحلال القسري للسكان (العرب) بغيرهم (اليهود)، ومن ثم فهو عدواني واستعماري وعنصري، وهذا يعني أن الدولة الصهيونية دولة لخدمة الاستعمار ارتبطت - كحركة - بالاستعمار البريطاني منذ نشأتها ثم بالإمبريالية الأمريكية فيما بعد.
والعنصرية التي تقوم عليها الفكرة الصهيونية ودولة إسرائيل تؤدي إلى سيادة القيم الإسبرطية أي قيم المحاربين الدائمين، وهو المنطق الذي يحكم قادة إسرائيل. وهو يرى أن هذا المنطق نفسه قد أوصل المشروع الصهيوني إلى طريق مسدود، فلا يمكن تخيل بشر في حالة استنفار دائم. وتلجأ إسرائيل إلى المغامرات العسكرية وذلك لتهدئة حالة التهيج والاستنفار المستمرين بين المستوطنين وتنفيس الطاقة العدوانية لديهم. وهذا، بدوره، يخلق توترات جديدة ويزيد الاستنفار والتهيج، وهكذا في حلقة مفرغة مدمرة. ومن ثم، فإن التناقضات الداخلية تأكل الدولة الصهيونية من الداخل والمنظمات الصهيونية تتخبط في صراعات داخلية مدمرة.
ويرى رودنسون أن الصهيونية هي نتيجة ظاهرة معاداة اليهود، ويشير إلى أن معظم اليهود في أوربا كانوا في طريقهم للاندماج، ثم جـاءت النازية لتقـدم فرصة نادرة للحركة الصهيونية وتبث الروح فيها.
وقد لعب رودنسون دوراً مهماً في تقريب وجهات النظر وتسهيل الحوار بين منظمة التحرير الفلسطينية وبعض الجماعات المعتدلة واليسارية في إسرائيل، وذلك من منطلق إيمانه بالقيم الإنسانية العامة. بيد أنه لا يرى نفعاً كبيراً من هذا الحوار في أحسن الأحوال. فالحوار يفيد فقط في إطار الإستراتيجية العامة للطرفين المتحاورين، لكن القادة الإسرائيليين أفهموا شعبهم أن الفلسطيني حيوان يسير منتصب القامة، وأن الفلسطينيين من جانبهم يرفضون الحوار مع الإسرائيليين. ويرى رودنسون أن الغربيين يتأثرون كثيراً بما يحدث في إسرائيل أكثر مما يحدث في الدول العربية حيث لا يأبهون بما يحـدث في هذه البـلاد كثيراً أو لا يأبـهون بها على الإطلاق، فلا تزال المشاعر العنصرية وآثارها السياسية تطغى على حياة الغربيين. ويضرب رودنسون مثالاً لذلك بتزايد نمو الأحزاب العنصرية والنازية في الغرب الأوربي، ولذا فهو لا يعتقد في أطروحات غياب الإعلام العربي وتغيير الحالة الذهنية الغربية... إلخ. لأنه يرى أن المسألة أعقد كثيراً من ذلك وترجع إلى الطبيعة العنصرية الأساسية في بنية الحضارة الغربية.
ألفــريد ليلينتــال (1916- (
Alfred Lilienthal
محـام يهـودي أمريكي معـاد لإسرائيل والصـهيونية. وُلد عام 1916، وحصل على درجة البكالوريوس من جامعة كورنل عام 1934 ودرجة الدكتوراه في القانون من كلية الحقوق بجامعة كولومبيا عام 1939. وقد عمل في وزارة الخارجية الأمريكية في الفترة من 1941 - 1943، وخدم في الجيش الأمريكي في الفترة من 1943 - 1945 في منطقة الشرق الأوسط، ثم عاد لمنصبه في وزارة الخارجية في الفترة بين عامي 1945 و1947. وكان ليلينتال مستشاراً قانونياً لوفد الولايات المتحدة في مؤتمر سان فرانسيسكو الخاص بميثاق الأمم المتحدة عام 1945. واستقال من وزارة الخارجية عام 1947 وعمل بالمحاماة في العاصمة واشنطن منذ عام 1947.
وقد جذب ليلينتال الانتباه بمقال له نشرته مجلة ريدرز دايجست عنوانه "راية إسرائيل ليست رايتي" (1949) عبَّر فيه عن رفضه لفكرة الدولة اليهودية وأثار قضية الولاء المزدوج الذي تفرضه إسرائيل على اليهود الأمريكيين. وكانت تلك الفكرة موضوع كتابه الأول ما ثمن إسرائيل؟ (1954).
وثمة موضوعات أساسية متكررة في أطروحات ليلينتال هي:
1 - الولاء المزدوج وآثاره على اليهود الأمريكيين سواء على المستوى النفسي أو على المستوى العملي.
2 - الخطر الكامن على مصالح الولايات المتحدة نتيجة التأييد الأعمى للسياسات الإسرائيلية وعدم الاهتمام بالمنظور العربي أو بوجهة النظر العربية، وهي الفكرة التي عبَّر عنها في كتابه وهكذا يضيع الشرق الأوسط .
3 - التأثير غير المحدود الذي تمارسه الصهيونية على صناع القرار في الولايات المتحدة وفي وسائل الإعلام، وما يترتب على ذلك من مخاطر على الأمن والسلام العالميين. وقد عبَّر ليلينتال عن هذه الفكرة بوضوح في كتابه حلقة الوصل الصهيونية (ويحمل عنواناً فرعياً هو: ما ثمن السلام؟) الذي صدر عام 1978. وقد أصدر ليلينتال كتابين آخرين بالإضافة لما سبق هما: الوجه الآخر للعملة (1965)، و هؤلاء هم أصدقائي (1961). ويدعو ليلينتال إلى اعتراف الولايات المتحدة بمنظمة التحرير الفلسطينية وإلى تدخل اليهود الأمريكيين بشكل فعال من أجل إنهاء الصهيونية في الشرق الأوسط وقيام دولة مسالمة في فلسطين تجمع المسلمين واليهود والمسيحيين والعبرانيين على حد تعبيره "ولكن بدون صهيونية".
جيكوب بيتشوفسكي (1925- )
Jacob Petuchowsky
حاخام يهودي إصلاحي اندماجي. وُلد في برلين وتعلَّم في كلٍّ من برلين وإنجلترا واسكتلندا والولايات المتحدة الأمريكية التي هاجر إليها عام 1948. حصل على درجة الدكتوراه في اللاهوت ورُسِّم حاخاماً. عمل حتى 1955 في ويست فرجينيا وبنسلفانيا ثم عاد للتدريس في المعهد اليهودي للدين، وأصبح عام 1961عضواً في هيئة تدريس كلية الفلسفة والدين في كلية أنطاكية بولاية أوهايو، ثم عمل في الفترة من 1963 - 1964 كحاخام أول ومدير للدراسات اليهودية للكلية اليهودية بها.
ويُعَدُّ بيتشوفسكي كاتباً لاهوتياً شهيراً غزير الإنتاج، وفي كتابه منذ سيناء وحـتى الآن: وجـهة نظر جـديدة في التـوراة (1961)، أوضح الرابطة العضوية القوية بين اليهودية الإصلاحية والتقليد اليهودي الأصيل. فاليهودية الإصلاحية - حسب وجهة نظره - إن هي إلا تشكيل متطور من أشكال هذا التقليد. وعلى هذا الأســاس، يعادي الحاخام بتشوفسكي الصهيونية معاداة لا هوادة فيها، وأصدر عام 1966 كتابه إعادة النظر في صهيون حيث نبذ الدعاوى الصهيونية حول القومية اليهودية، كما أنكر أن تكون الصهيونية ناطقة بلسان كل اليهود، وأكد أن التقاليد اليهودية الحقة لا تتفق مع الصهيونية ورفض بشدة محاولات تلك الدولة (إسرائيل) التأثير على البنية الإجمالية للحياة اليهودية في الولايات المتحدة.
مــارك لــين (1927- )
Mark Lane
محام يهودي، وعضو مجلس نواب ولاية نيويورك سابقاً. اشتهر على مستوى الولايات المتحدة نتيجة دعاواه بأن لي هارفي أوزوالد ليس القاتل الحقيقي للرئيس كنيدي. وعاد لدائرة الضوء مرة ثانية عام 1978 بعد الانتحار الجماعي الذي قامت به حركة جيم جونز الدينية في جويانا بأمريكا اللاتينية، حيث كان لين محامي جونز.
ومنذ عام 1980، ركز لين اهتمامه على الشرق الأوسط وأسس منظمة المجلس القومي للشرق الأوسط وذلك في ممفيس بولاية تنسي. وتهدف المنظمة إلى تعريف الجمهور الأمريكي بالمشكلة الفلسطينية، وذلك من أجل تغيير سياسة الولايات المتحدة إزاء منظمة التحرير الفلسطينية. وقد أعرب لين عن إيمانه بأن كفاحه من أجل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني هو كفاح ضد معاداة اليهود، لأن الدولة اليهودية هي أقل الأماكن أمناً بالنسبة لليهود، ويرفض لين الدعاوى الصهيونية حول حقوق اليهود التاريخية والتوراتية في فلسطين ويرى أن إسرائيل دولة توسعية إمبريالية طردت العرب من ديارهم، ومن ثم فإن الإسرائيليين هم نازيون جدد ليس إلا.
وقد حاول لين أن يجتذب لمنظمته بعض الشخصيات السياسية المعتدلة مثل أندرو يونج سفير الولايات المتحدة السابق لدى الأمم المتحـدة. ورغـم فــشله في هذا، فقد نجح في أن يفتتح فرعين لمنظمته، الأول في كلية أنطاكية بولاية أوهايو والآخر في جامعة أنديانا في مدينة أنديانا بوليس.
ويدعو لين إلى إيقاف شحنات السلاح الأمريكية لإسرائيل ومشاركة منظمة التحرير في مؤتمر السلام الدولي، ومن ثم إقامة دولة ديموقراطية علمانية على كامل التراب الفلسطيني. وقد أدان بشدة عدوانية وقسوة أرييل شارون ومناحم بيجين والمذابح التي ارتكبتها إسرائيل في لبنان، وقارنها بما حدث على يد النازيين مؤكداً رؤيته لإسرائيل كدولة نازية المحتوى.
ونستطيع أن نضع لين في إطار أولئك اليهود الرافضين للصهيونية من منطلـق أخلاقي عقـلاني منطـقي، مثله مثل ألفرد ليلينتال وميزفنسكي.
نورتـون ميزفنسـكي (1932- (
Norton Mezvinsky
أستاذ تاريخ بجامعة كونتيكت. وُلد عام 1932 بولاية أيوا، وتخرَّج في جامعة أيوا ثم أكمل دراساته العليا بولاية ويسكونسين، وعمل بالتدريس في هارفارد وجامعات أمريكية أخرى. وفي عام 1983، أصبح عضواً مشاركاً في مركز دراسات الشرق الأوسط بهارفارد.
يُعتبر ميزفنسكي واحداً من أنشط اليهود المناهضين للصهيونية. عمل بين عامي 1966 و1967 مديراً تنفيذياً للمجلس الأمريكي لليهـودية، وهو المنـصب الذي كان إلمر بيرجـر يشغله حتى عام 1955. ويقوم ميزفنسكي بإلقاء المحاضرات ضد إسرائيل والصهيونية، ويهاجم بشدة أنشطة دولة إسرائيل والأسس النظرية للصهيونية. وقد ساهم ميزفنسكي في تحرير المرجع المهم وثائق عن إسرائيل بين عامي 1967 و1973، و قراءات نقدية للصهيونية (1975). كما شارك بعدة مقالات في العديد من الكتب والدوريات والمجلات والأبحاث المهتمة بالقضية الفلسطينية. ويعتبر ميزفنسكي تلميذاً للحاخام بيرجر، فمعاداته للصهيونية تنبني على أساس القيم الدينية الاندماجية والدفاع عن القيم الإنسانية - وذلك على الرغم من أن عائلته لها انتماء صهيوني قوي ورغم تأثره في شبابه بالفكر الصهيوني. وقد اشتهر ميزفنسكي في أواسط السبعينيات كمنظِّر معاد للصهيونية.
لينـــي برينــر (1937- (
Lenni Brenner
صحفي أمريكي يهودي ماركسي تروتسكي الاتجاه. وُلد في بروكلين عام 1937 ونشرت مقالاته في العديد من الصحف والمجلات. وهو من العناصر النشيطة المعادية للحرب والمناهضة للصهيونية ومن دعاة الحقوق المدنية في أمريكا.
في عام 1983، نشر برينر كتابه المهم الصهيونية في عصر الديكتاتورية الذي تُرجم للعربية ونُشر عام 1985. وتنبع أهمية الكتاب من أنه يوضح التواطؤ الصهيوني مع النازية والفاشية وغيرها من الحركات الشمولية في أوربا بالوثائق والأدلة، وبالتالي فإنه يثبت كذب الادعاء الصهيوني القائل بأن الصهاينة يمثلون اليهود في أنحاء العالم كافة، كما يوضح الطابع العنصري والعرْقي للحركة الصهيونية وتصرفاتها العملية النفعية التي أدَّت إلى مصرع مئات الألوف بل الملايين من البشر من اليهود وغيرهم في سبيل الوصول إلى غايتها: أموال اليهود الألمان ومادتهم البشرية الاستيطانية. ويوضح الكتاب أن الإرهابيين الذين تعاملوا مع النازي من قبل هم حكام إسرائيل اليوم، ويبين للقارئ سهولة التوحد بين الصهيونية والنازية لأن الأساس البنيوي واحد.
ونشر برينر عام 1984 كتابه الثاني الستار الحديدي: تاريخ الصهيونية التصحيحية. وهو يفضح في هذا الكتاب علاقات عصابتي إرجون وشتيرن بالنازي وتطورهما الإرهابي الحقيقي.
ويرتكز رفض برينر للصهيونية على منظومة اجتماعية أيديولوجية ترى أن الصهيونية حركة تعمل في خدمة قوى الاستعمار العالمي، وهي إحدى أطروحات الماركسيين الأساسية. ونرى في كتب برينر أن الجانب المعلوماتي والوثائقي متوفر بينما الجانب التحليلي محدود بعض الشـيء بسـبب هذا الالتزام العقائدي الذي يؤدي إلى محدودية الرؤية. بيد أنه من المهم أن نذكر في هذا الصدد أن معاداة برينر للصهيونية، رغم ارتكازها على أطروحات ماركسية تروتسكية، لا تعني أن كل اليسار الأمريكي التروتسكي يؤيد هذه الأطروحات.
إدمــوند هــاناور (1938- (
Edmund Hanauer
أستاذ علوم سياسية سابق ومن أنشط اليهود الأمريكيين المعادين للصهيونية. كان أحد أعضاء المجلس الأمريكي لليهودية ثم انفصل عنه مع انفصال الحاخام إلمر بيرجر وكان قد تَعرَّف إلى الحاخام بيرجر أثناء عملهما المشترك في المجلس الأمريكي لليهودية. وبعد الانفصال، اشترك مع بيرجر في منظمة «بدائل أمريكية يهودية للصهيونية». ولكنه، مع عام 1972، أسَّس منظمته الخاصة، وهي منظمة «البحث عن العدل والمساواة في فلسطين» والمعروفة اختصاراً باسم «سيرش» (أي «البحث»)، وهذه المنظمة مقرها في بوسطن وتصدر نشرة شهرية تُدعَى «نشرة أخبار فلسطين». ويشرك هاناور في المؤتمرات والندوات واللقاءات المعادية للصهيونية على طول الولايات المتحدة وعرضها، ويكتب بكثرة في كل الدوريات المناهضة للصهيونية. كما أنه يشرف على تحرير نشرة جمعيته.
والمنظمة لها مكتب في واشنطن منذ 1975، ولها علاقات جيدة مع منظمة التحرير الفلسطينية. ويدعو هاناور ومنظمته إلى اشتراك يهود أمريكا في الضغط على الحكومة الأمريكية من أجل اتخاذ سياسة غير منحازة في الشرق الأوسط من أجل تسوية شكلية وعادلة للمشكلة. والله أعلم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق