الجزء الثاني: الدولة الاستيطانية الإحلالية
الباب الأول: الاستعمار الاستيطاني الصهيوني
أسطورة الاسـتعمارالاسـتيطاني الغربي
Myth of Western Settler Colonialism
الاستعمار الاستيطاني (الإحلالي أو المبني على الأبارتهايد) هو انتقال كتلة بشرية من مكانها وزمانها إلى مكان وزمان آخر، حيث تقوم الكتلة الواحدة بإبادة السكان الأصليين أو طردهم أو استعبادهم، أو خليط من كل هذه الأمور (كم حدث في أمريكا الشمالية وفي فلسطين). ومهما بلغ الإنسان من وحشية وحياد، فهو لا يستطيع القيام بمثل هذه الأفعال إلا إذا كان هناك مبرر، وهذه هي وظيفة الأسطورة (التي نُعرِّفها بأنها نموذج معرفي، أي رؤية كاملة للكون [الإله ـ الإنسان ـ الطبيعة]، ولكن علاقتها بالواقع واهية إلى أقصى درجة).
1 ـ إذا كان جوهر الأسطورة، أية أسطورة، هو إلغاء الزمان أو تجميده والانفصال عن المكان، فإن هذا الاتجاه يأخذ شكلاً متطرفاً في حالة أسطورة الاستعمار الاستيطاني بشكل عام، الذي ينطلق من الإنكار الكامل للتاريخ بشكل متطرف، وإعلان نهايته. ويزداد الإنكار حدة وعنفاً في حالة المجتمعات الاستيطانية الإحلالية، التي لابد أن تُغيِّب السكان الأصليين تماماً. ونقطة البداية عند المستوطنين البيض المهاجرين من العالم الغربي هي عادةً رفض تاريخ بلادهم الأصلية، باعتباره تاريخ اضطهاد وكفر. ويحاول المهاجرون أن يضعوا "حلاً نهائياً" لمشاكلهم وأن يبدأوا من نقطة الصفر الفردوسية في الأرض الجديدة. ومع هذا يتباهى هؤلاء المستوطنون بانتمائهم للعالم الغربي الذي لفظهم. ويتضح هذا الجانب في أسطورة الاستيطان الصهيونية التي تبدأ برفض تاريخ اليهود في المنفى (وضمن ذلك العالم الغربي). والصهيونية هي الحل النهائي الذي يطرحه الصهاينة والاستيطان في صهيون هو نقطة البداية والصفر، ومع هذا لا يكف الصهاينة عن الحديث عن دولتهم باعتبارها واحة الديموقراطية الغربية في الشرق وقاعدة الحضارة الغربية فيه.
2 ـ ينكر المستوطنون البيض تاريخ السكان الأصليين في الأرض التي سيهاجرون إليها ويستوطنون فيها. فهي عادةً أرض عذراء بلا تاريخ، غير مأهولة بالبشر (أرض بلا شعب)، على عكس الأرض التي يأتي منها المستوطنون، فهي مكتظة بالسكان.
ومرة أخرى نجد أن أسطورة الاستيطان الصهيونية تعبِّر عن هذا بشكل متبلور، إذ يزعم الصهاينة أن فلسطين هي إسرائيل أو صهيون، وأن تاريخها قد توقَّف تماماً برحيل اليهود عنها. بل إن تاريخ اليهود أنفسهم قد توقَّف هو الآخر برحيلهم عنها، ولن يُستأنف هذا التاريخ إلا بعودتهم إليها، ولكنه تاريخ جديد خال من الاضطهاد والصراع، فهو أقرب إلى التاريخ المقدَّس.
3 ـ لا تؤكد أسطورة الاستيطان الغربية نهاية التاريخ وحسب وإنما نهاية الجغرافيا كذلك، فالأرض التي يستوطن فيها الإنسان الأبيض هي أرض وحسب، ليس لها حدود واضحة، ولذا فهي تتسع حسب قوة الإنسان الأبيض الذاتية، كلما زاد عدد المستوطنين وازدادوا قوة اتسعت الحدود. ومن هنا فكرة الرائد والجبهة المتسعة دائماً. والرائد هو الذي يرتاد أرضاً جديدة دائماً، لا يعرف حدوداً ولا قيوداً ولا سدود. وارتباط نهاية التاريخ بنهاية الجغرافيا أمر متوقَّع، ففكرة الحدود فكرة إنسانية حضارية غير طبيعية، أما عالم الطبيعة فلا يعرف الإنسان، ومن ثم فهو لا يعرف الحدود.
وأسطورة الاستيطان الصهيونية هي أسطورة التوسع بالدرجة الأولى، فإرتس يسرائيل ليس لها حدود واضحة، فالعهد القديم يحتوي أكثر من خريطة. والمستوطنون الصهاينة أطلقوا على أنفسهم مصطلح «حالوتسيم»، أي »رواد. «
4 ـ إذا حدث أن كانت الأرض العذراء مأهولة بالسكان فإن أسطورة الاستيطان الغربية تحاول تهميشهم، فهم قليلو العدد متخلفون يفتقرون إلى الفنون والعلوم والمهارات المختلفة، يهملون الثروات الطبيعية الكامنة في الأرض. وهم عادةً مجرد رحالة لا يستقرون في أرض ما، وهم شعب لا تاريخ له، فأعضاؤه جزء لا يتجزأ من الطبيعة (كالثعالب والذئاب) ومن ثم لا حقوق لهم. لكل هذا فإن وجود مثل هؤلاء الناس هو وجود عرضي ومن الضروري وضع حل جذري ونهائي للمشكلة الديموجرافية، أي مشكلة وجود السكان الأصليين في الأرض العذراء، وضرورة اجتثاث شأفتهم تماماً.
وأسطورة الاستيطان الصهيونية تنظر للوجود الفلسطيني في فلسطين باعتباره أمراً عرضياً هامشياً، والاعتذاريات الصهيونية مليئة بالحديث عن فلسطين باعتبارها أرض مهجورة مهملة، وكثيراً ما يتحدث الصهاينة عن الفلسطينيين كما لو كانوا جزءاً من الطبيعة بلا تاريخ. وكل هذا ينتهي بطبيعة الحال بتأكيد حق اليهود المطلق في فلسطين (ومن هنا قانون العودة) وينكرون هذا الحق على الفلسطينيين (ومن هنا مخيمات اللاجئين). وتحاول الحركة الصهيونية وضع حل نهائي للمشكلة الديموجرافية فقامت أحياناً بالإبادة (دير ياسين ـ كفر قاسم) ولكن الطرد كان الشكل الأساسي. وبعد اتفاقيات أوسلو أخذ الحل النهائي شكل عزل السكان الأصليين داخل مجموعة من القرى والمدن ومحاصرتهم بالقوات العسكرية الإسرائيلية والطرق الالتفافية.
5 ـ تم تبرير الرؤى الاستيطانية الإحلالية عن طريق القصص الإنجيلية، وهنا يحدث تلاق كامل بين أسطورة الاستيطان الغربية العامة وأسطورة الاستيطان الصهيونية. فالمستوطنون البيض (وضمنهم الصهاينة) ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم من الآباء (البطارقة) الذين تركوا بلادهم ليستقروا في بلاد أكثر اتساعاً، أو في أرض عذراء لم يستوطن فيها أحد من قبل. وهم مثل العبرانيين يخرجون من مصر (أو بابل) أرض المنفى البغيضة، وينسلخون من تاريخها ليعودوا إلى صهيون (الجديدة) بأن "يصعدوا" لها. فإن وجدوها مأهولة فأهلها إذن من الكنعانيين الذين لا حق لهم في الأرض ومصيرهم هو الحل النهائي: الطرد أو الإبادة.
وغني عن القول أننا حينما نتحدث عن «أسطورة» فنحن لا نتحدث عن واقع تشكَّل ولا حتى عن برنامج عمل، وإنما عن قصة أو قصص يوجد فيها بشكل كامن نموذج معرفي، وهذه القصة مستبطنة تماماً، تعبِّر عن نفسها بشكل جزئي وتتحقق بعض جوانبها في أماكن وأزمنة متفرقة، ولا تتحقق مجتمعة إلا في لحظة نماذجية نادرة.
الاستعمار الاستيطاني الصهيوني: أهدافه وآلياته وسماته الأساسية
Zionist Settler Colonialism: Objectives, Methods, and Main Traits
تنطلق الحركة الصهيونية من أن اليهود شعب واحد بلا أرض، وأن فلسطين أرض بلا شعب. ومن ثم يرى الصهاينة أن فلسطين هي المسرح الذي يتحقق فيه الشروع الصهيوني، وأنها في واقع الأمر ملك للشعب اليهودي، سواء كان يشغلها الفلسطينيون أم لا.
ووضع هذه الرؤية الأسطورية موضع التنفيذ لم يكن أمراً سهلاً، إذ أن المستوطنين الصهاينة حلّوا في أرض لا يعرفونها وهي أرض مأهولة بالسكان، ومن هنا كان من الضروري أن يُنظِّموا أنفسهم بطريقة صارمة، وأن تكون لهم مؤسساتهم الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية لوضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ. فتم تأسيس الوكالة اليهودية ومهمتها القيام بمعظم عمليات التخطيط والتطبيق الفعلي لهجرة وتدريب المستوطنين وتأمين كل ما يحتاجونه من وسائل وأدوات إنتاج وخدمات للمهاجرين. وكانت مهمة الصندوق القومي اليهودي شراء الأرض لصالح الفلسطيني. وتُعتبَر المؤسسة العسكرية والتنظيمات شبه العسكرية من أبرز القواعد التي تضطلع بتطبيق المخطط الاستيطاني الصهيوني والمحافظة على استمرار العملية الاستيطانية وحمايتها. فتقوم المؤسسة العسكرية بتعبئة الجماهير وتجنيدهم حول فكرة الاستيطان باعتبارها المثل الأعلى للمواطن الإسرائيلي. أما التنظيمات العسكرية وشبه العسكرية مثل الهاجاناه والناحال والجدناع فتقوم بأدوار الحراسة والأدوار الأمنية ورفع الروح المعنوية.
ويمكن القول بأن الأهداف والسمات الأساسية للاستيطان الصهيوني هي ما يلي:
1 ـ يهدف الاستيطان الصهيوني إلى أن تحل الكتلة البشرية (الصهيونية) الواحدة محل السكان الأصليين فهو استعمار إحلالي، وإحلاليته هي سمته الأولى والأساسية (حتى عام 1967). (انظر الباب المعنون «إحلالية الاستعمار الاستيطاني الصهيوني»).
2 ـ حدَّدت منظمة الهاجاناه جوهر الإستراتيجية الاستيطانية عندما أكدت (عام 1943) أن الاستيطان ليس هدفاً في حد ذاته، وإنما هو وسيلة الاستيلاء السياسي على البلد، أي فلسطين. وقد استمرت هذه السياسة قبل وبعد عام 1948، أي أنها العنصر الأساسي الثابت في الإستراتيجية الصهيونية. ومن ثم عرَّف بن جوريون الصهيونية بأنها الاستيطان، وهو مُحق في ذلك تماماً. ولذا يمكن القول بأن الاستيطان هو نفسه التوسع الصهيوني، لا يوجد أيّ فاصل بينهما. وهـذه هـي السمـة البنيـوية الثـانية من سمـات الاسـتيطان الصهيـوني.
3 ـ ثمة سمة بنيوية ثالثة يتسم بها الاستيطان الصهيوني هي أنه ليس مشروعاً اقتصادياً وإنما مشروع عسكري إستراتيجي، ولذا فهو لا يخضع لمعايير الجدوى الاقتصادية، ولابد أن يموَّل من الخارج (الخارج يمكن أن يكون الدياسبورا اليهودية الثرية [أي الجماعات اليهودية في العالم] أو الراعي الإمبريالي).
4 ـ يتسم الاستيطان الصهيوني بأنه استيطان جماعي عسكري بسبب الهاجس الأمني (استجابة لمقاومة السكان) ولأن جماعة المستوطنين ترفض الاندماج في المحيط الحضاري الجديد الذي انتقلت إليه (انظر: «الاقتصاد الاستيطاني في فلسطين قبل عام 1948: أسباب ظهوره») وتساهم عمليات التمويل من الخارج في تعميق هذه السمة.
5 ـ ارتبط انتشار المستوطنات بحركة الهجرة اليهودية، وهو ما جعل إستراتيجية الاستيطان تتخذ خطاً متوازياً مع الخطوات التي قطعها المشروع الصهيوني لجذب المهاجرين اليهود واقتلاعهم من البلاد التي أقاموا فيها.
6 ـ من المُلاحَظ أن المؤسسات الاستيطانية الصهيونية تقف على رأسها بدلاً من أن تقف على قدميها (ويمكن أن نسميها الهرم الاستيطاني الصهيوني المقلوب)، فقد كان هناك مزارع الكيبوتس وهي تنظيمات زراعية هدفها الاستيلاء على الأرض التي ستُزرع وتكوين طبقة مزارعين يهود. كما كان هناك الهستدروت، وهو نقابة عمال تهدف إلى خَلْق الطبقة العمالية (وذلك على خلاف النقابات العمالية التي لا تظهر إلا كتعبير عن وضع قائم بالفعل). ثم كانت هناك جماعات الحراس المختلفة مثل الحارس والهاجاناه والبالماخ وهي تنظيمات عسكرية تهدف إلى خَلْق الشعب اليهودي (أي أن الجيش يسبق الشعب، أو كما قال شاعر إسرائيلي: كل الشعوب تملك سلاح طيران إلا في إسرائيل حيث يوجد سلاح طيران يملك شعباً). بل إن الجامعة العبرية نفسها أُسِّـست بادئ الأمر كمبان وهيئة تدريس في انتظار الطلبة. ويمكن سحب هذا المنطق على كل الحركة الصهيونية، فهي قد بدأت بتأليف الحكومة التي كان هدفها الأساسي إقامة الدولة التي كانت ترمي أساساً إلى تجميع السكان (حكومة فدولة فشعب). وما من شك في أن هذا يعود إلى أن الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة هي صيغة غير يهودية تم تهـويدها لتجنيد المـادة البشرية التي رفضت هـذه الصيغة أو تملَّـصت منها. كما أن الأصول الطبقية لبعض العناصر البشرية المستوطنة صعَّبت عليهم الاضطلاع بوظائف معينة، ولذا كان حتمياً أن يسبق عملية الاستيطان مؤسسات استيطانية مختلفة، مهمتها جذب المستوطنين وتدريبهم. كما أن من أهم سمات الاستيطان الصهيوني أن الكيان الاجتماعي الصهيوني في فلسطين لم يكن متكاملاً، بل كان في مرحلة بداية التكوُّن والتشكُّل، ولم يكن هدف المستوطنين الاندماج في المجتمع القائم بل إقامة كيان اجتماعي وسياسي مستقل.
ويُعَد عام 1967 لحظة فارقة في تاريخ الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين، إذ ضمت الدولة الصهيونية مساحات شاسعة من الأراضي، وقرَّرت الاحتفاظ بها وتأسيس المستوطنات فيها، رغم وجود كثافة سكانية فلسطينية فيها. ومن ثم تحوَّل الاستعمار الاستيطاني الصهيوني من استعمار استيطاني إحلالي إلى استعمار اسـتيطاني مبني على الأبارتهايد وفكـرة المعازل البشرية للسكان الأصليين. ولكن، مع هذا، لم تتغيَّر الثوابت الإستراتيجية الصهيونية، وإن اختلفت الأهداف والآليات بسبب تغيُّر الظروف.
ويمكن تحديد أهداف الاستيطان الصهيوني في الأراضي المحتلة بعد عام 1967 بما يلي:
1 ـ تهيئة الفرصة لوجود عسكري إسرائيلي، سواء من خلال قوات الجيش الرئيسية أو عن طريق الاستعانة بمستوطنين مسلحين يتبعون هذه القوات أو باستخدام وحدات من جيش الاحتلال يتم نشرها.
2 ـ أن تكون المستوطنات رأس جسر لكسب مزيد من الأرض من خلال نزع الملكية أو سُبل أخرى أكثر دهاءً مثل إزالة المزروعات واقتلاع الأشجار ورفض التصريح بإقامة مبـان جديـدة أو إصلاح المبـاني القديمة.
3 ـ خَلْق الحقائق الاستيطانية الجديدة في الأراضي المحتلة بحيث تصبح العـودة إلى حـدود عام 1967 مستحيلة. ومما يجـدر ذكره أن الاسـتيطان قام، دائماً، بدور أساسي في رسم حدود الكيان الصهيوني، وخصوصاً منذ بداية عرض خطط تقسيم فلسطين في النصف الثاني من الثلاثينيات، وصولاً إلى صدور قرار تقسيمها سنة 1947. ولا شك في أن الإسرائيليين يطمعون في أن يقوم الاستيطان الجديد بدور مماثل في توسيع حدود كيانهم.
واستهدفت السياسة الاستيطانية بناء خط من المستوطنات من الجولان حتى شرم الشيخ مروراً بغور الأردن. وأهم مشروع استيطاني كان مشروع إيجال آلون الذي استهدف بناء حاجز بين الضفتين الغربية والشرقية وتصحيح الحدود وتعديل مسار الخط الأخضر، وتجزئة الضفة الغربية إلى منطقتين.
4 ـ إيجاد القاعدة البشرية من المهاجرين اليهود من مختلف أنحاء العالم.
5 ـ بعد فشل الصهاينة في "إقناع" الفلسطينيين (عن طريق شراء الأراضي والإرهاب) بترك الأرض بحيث تصبح أرضاً بلا شعب، قرَّر الصهاينة اللجوء إلى أسلوب الأبارتهايد التقليدي وهو تأسيس المعازل، ومن ثم أصبح من أهم أهداف المستوطنات قطع التواصل بين مناطق سكنى الفلسطينيين، بحيث ينقطع الاستمرار بين المراكز السكانية الفلسطينية الأساسية، أي أن وظيفة المستوطنات أصبحت تحويل الضفة الغربية إلى كانتونات ممزقة مفصولة بعضها عن بعض ولا تربطها سوى ممرات محدودة تحيط بها من كل جانب المستوطنات والثكنات العسكرية للجيش الإسرائيلي بحيث لا يستطيع الفلسطينيون التحرك بحرية داخل الأراضي المحتلة. وبالفعل قامت المستوطنات الموزَّعة في كتل أو أطواق بخدمة إستراتيجية "الفصل" و"الوصل" الاستيطانية. فالأطواق الاستيطانية المحيطة بالقدس تؤمن التواصل فيما بينها وبين القدس الغربية، وتفصل القدس الشرقية عن سائر الضفة، كما تفصل شمال الضفة عن جنوبها، في آن واحد. كما أن الشريط الاستيطاني المحاذي للخـط الأخضر يُشـكِّل اسـتمراراً إقليمياً لفلسـطين المحتلة سـنة 1948، وعازلاً بين الفلسطينيين على جانبي الخط، على غرار الهدف الذي حدده دروبلس لخطة "الكواكب السبعة". وينطبق الأمر نفسه على كتلتي الاستيطان في جنوب مرتفعات الجولان وشمالها، وعلى كتلة مستوطنات إيرز الناشئة في شمال قطاع غزة. أما كتلة قطيف الاستيطانية في جنوب القطاع فتُشكِّل تطويقاً لمدن القطاع، وعازلاً صهيونياً على الحدود الفلسطينية ـ المصرية.
وشهد الاستيطان الإسرائيلي، خلال هذه الفترة، تقلبات في الوتيرة وتغيرات في التركيز الجغرافي، تعود أساساً إلى اختلاف الحزب/الائتلاف الحزبي الحاكم، وبالتالي، اختلاف تكتيكه الاستيطاني باختلاف نظرته السياسية الأمنية إلى الأراضي المحتلة ومتسقبلها. ومع ذلك، فإن الخريطة الاستيطانية الراهنة جاءت نتاجاً للتفاعل والتجاذب بين هذا التباين التكتيكي والإجماع القومي الإستراتيجي الذي يلف مختلف الأحزاب الصهيونية (عدم العودة إلى حدود 1967، وخصوصاً تهويد القدس وضمها إلى إسرائيل).
ففي بداية الاستيطان بعد حرب يونيه 1967، كان هناك منطق سياسي وراء إنشاء المستوطنات، إذ تم تحضيرها استناداً إلى الخطة التي وضعها ييجال آلون، وعلى أساس الاحتياجات "الأمنية" الحيوية لدولة إسرائيل، وأصبحت هذه الخطة منذ أن وُضعت الموجِّه الأساسي لسياسة حزب العمل تجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة، كما كانت الموجِّه الأساسي لنمط الحلول السياسية التي تقترحها أو تقبلها إسرائيل.
ولكن حتى حكومات حزب العمـل، خرجـت عن معـايير مشـروع آلون، إما خضوعاً للمتزمتين حين أنشأوا مستعمرة كريات أربع في الخليل، أو نزوة وزير الدفاع موشي ديان، الذي أنشأ مستعمرة يميت في سيناء، أو نتيجة صراعات داخلية بين إسحق رابين وشمعون بيريز في عهد حكومة رابين الأولى، حيث حدث توسُّع في مناطق معينة في الضفة الغربية لا تشملها خطة آلون. ولكن سلوكها كان محكوماً بالمنطق الداخلي لبنية الاستيطان الصهيوني، التي تتجه نحو المزيد من ضم الأراضي والتوسع.
والخروج على قواعد خطة آلون في عهد حزب العمل كان بمنزلة قطرات خفيفة نسبياً، ولكن هذه القطرات تحوَّلت في عهد حكومات الليكود إلى طوفان، وبعد إخلاء مستعمرة يميت إثر توقيع الصلح المصري ـ الإسرائيلي، وبعد الفشل في حرب لبنان عام 1982، أرادت حكومات حزب الليكود إرضاء ناخبيها فضاعفت زخم الاستيطان، ولم يعارض حزب العمل ذلك، وغطى موافقته آنذاك، بموقف سياسي يقول "ضمن العلاقات السلمية من الممكن أن تظل مستوطنات يهودية تحت السيادة العربية، كما توجد مدن وقرى عربية تحت السيادة الإسرائيلية".
لقد جاءت المحصلة الاستيطانية منسجمة مع جوهر الإستراتيجية الاستيطانية الصهيونية سواء من جهة انتشار المستوطنات أو تركيزها. فمن جهة الانتشار غطت المستوطنات مختلف أنحاء الأراضي العربية المحتلة بهدف إحكام السيطرة عليها، فأُقيمت مستوطنات لا مبرر أمنياً لها ولا جدوى اقتصادية لها، مثل مستوطنة نتساريم في غزة، وهذه حال المسـتوطنات التي أقامها المعراخ في وسـط الجولان إثر حرب 1973، والمستوطنات التي نثرها الليكود في سائر أنحاء الضفة خارج مناطق الأمن.
الطبيعة العسـكرية للاستعمار الاستيطانى الصهيـوني
Military Nature of Zionist Settler Colonialism
اختيرت فلسطين كبقعة لتوطين اليهود فيها وإقامة الدولة الوظيفية القتالية بسبب موقعها الإستراتيجي. ففلسطين ليست معروفة بثرواتها الطبيعية، وهي صغيرة الرقعة، وأرضها ليست خصبة (فهي ليست في ثراء ولا خصوبة أوغنده التي وقع عليها الاختيار في بادئ الأمر لتكون الوطن اليهودي الجديد ثم عُدل عنها). وموقع فلسطين هو الذي جعلها ضحية مباشرة للاغتصاب الاستعماري الغربي ثم الصهيوني. وقد قال نابليون: "إن من يسيطر في المعركة على تقاطع الطرق يصبح سيد الأرض". وفلسطين التي تطل على البحر المتوسط والأحمر وقناة السويس، والتي تُقسِّم العالم العربي إلى قسمين وتقع على نقطة الالتقاء بين آسيا وأفريقيا، هي ولا شك موقع ممتاز لإقامة قاعدة لخدمة مصالح الاستعمار الغربي ليفرض إرادته وهيمنته. وبالفعل، لا يمكن أن نرى الدولة الصهيونية إلا باعتبارها معسكراً كبيراً يخضع أساساً للاعتبارات الإستراتيجية العسكرية وليس للاعتبارات الاقتصادية.
وينطبق الشيء نفسه على الاستيطان الصهيوني ككل فهو مشروع عسكري بالدرجة الأولى، وهو كذلك الهدف الكامن وراء كل مستوطنة على حدة، فهي كيان صهيوني مُصغَّر في طبيعة بنائها ونوعية أعمال مستوطنيها أنفسهم وموقعها (وبخاصة قبل عام 1948). فهندسة بناء المستوطنات وطبيعة تنظيمها الداخلي آنذاك تكشف عن أغراض هي أقرب ما تكون إلى الطبيعة العسكرية البحتة. إذ كان يُخطِّط لبناء المستوطنات في أماكن يَسهُل الدفاع عنها كرؤوس التلال والهضاب وعلى مشارف الوديان والممرات. وليس من الصدفة أن تكون أول مستوطنة صهيونية في فلسطين (عام 1868) قد أقيمت على جبل الكرمل المشرف على حيفا. وأن تكون معظم المستوطنات التي أنشئت بعد ذلك، خلال فترة الاستعمار البريطاني، قد أنشأت على مفارق الطرق، وعلى المرتفعات المشرفة على أماكن التجمُّعات العربية في المدن والقرى، وعلى الطريق بين يافا والقدس. وليس غريباً أن نجد أن العسكريين البريطانيين هم الذين اختاروا في بداية الأمر كل المستوطنات الأولى. وليس غريباً أن نجد كذلك أن مواقع بعض المستوطنات الزراعية في ذلك الوقت لا تؤهلها للزراعة. وبيَّن آلون كيف أن الموقع الدقيق للمباني والمنشآت وجميع المرافق في كل مستوطنة جديدة كانت تقرر اختياره هيئة أركان الهاجاناه، بغية تأمين الترتيب الأفضل للهجوم والدفاع (حبيب قهوجي).
وقد كان الفلاحون العرب يسمون هذه المستوطنات «القلاع»، وكانوا محقين تماماً في تسميتهم هذه. فكل مستعمرة صُمِّمت لتكون بمنزلة قلعة حصينة قادرة على الدفاع عن نفسها وعن المستعمرات المجاورة أيضاً (وهي تُذكِّر الدارس بالمعبد/القلعة في أوكرانيا إبان حكم الإقطاع الاستيطاني البولندي فيها). ويُعتبَر هذا التصميم تطبيقاً للتشكيل العسكري الروماني المعروف باسم «الدفاع على شكل أضلاع مغلقة» حيث كانت كل مستعمرة تقوم بتوفير الاحتياجات الأساسية لأعضائها ذاتياً.
ورغم أن المستوطنات كانت مستوطنات زراعية إلا أن الزراعة الاستيطانية لا علاقة لها بالاستثمار الزراعي. فالموقع وليس التربة هو العنصر الذي يتم على أساسه الاختيار. ولذا فنحن نسميها «الزراعة المسلحة».
وكان المستوطنون يقيمون مستوطناتهم الزراعية على طريقة السور والبرج. فكانوا يأتون بألواح جاهزة وبرج مراقبة وسياج وخيام على أن تنقل كلها خلسة في ليلة واحدة بمساعدة مئات المستوطنين ويحيطون الأرض العربية المغتصبة بسور من الأسلاك الشائكة ثم يبنون برج مراقبة مزوداً بالأسلحة. وفي الصباح تكون المستوطنة الجديدة جاهزة، وقادرة على صد "الإرهابيين" العرب الذين اغتُصبت أرضهم أثناء الليل. ثم تبدأ عملية الزراعة والقتال.
وكانت كل مستعمرة (شأنها شأن المُستوطَن الصهيوني ككل) تتخذ موقعها ضمن إقليم عربي لتخترق تماسكه وتجانسه وأمنه وفي دفاعها عن "أمنها" تدخل حالة صراع مع المجتمع المحيط بها وتستولى على مزيد من الأرض.
والطبيعة العسكرية للاستيطان هي رد فعل للرفض العربي. ولكنها، في الوقت نفسه، جزء لا يتجزأ من المخطَّط الصهيوني الإستراتيجي الذي يهدف إلى تأسيس تجمُّع استيطاني له هويته وحدوده الحضارية والاقتصادية والاجتماعية التي تفصله عما حوله والاستيلاء على الأرض العربية، ويهدف كذلك إلى تقسيم العالم العربي عن طريق عملية الاستيلاء هذه. ويمكن تلخيص تكامل البُعْد الاستيطاني والبُعْد العسكري في المستوطنات بأن الواحد منهما يخدم الآخر، فالاستعمار الاستيطاني يخدم العمل العسكري فيما يلي:
1 ـ تشارك المستوطنات في عملية البناء العسكري الدفاعي، وخصوصاً فيما يتعـلق بتأمـين الحـدود الخارجية والمناطق الداخلية الحيوية.
2 ـ تشكل المستوطنات قواعد للقوات المسلحة ومراكز لوثوبها خارج أراضي إسرائيل لتحقيق المزيد من التوسع الإقليمي.
3 ـ المستوطنات في واقع الأمر مستودع للقوى البشرية المدربة عسكرياً واللازمة للقوات المسلحة.
4 ـ بعد ضم المناطق الجديدة تقوم المستوطنات بملء الفراغ وخلق الوجود المادي السكاني لها.
وإذا كانت المستوطنات تخدم الإستراتيجية العسكرية الصهيونية فالعكس أيضاً صحيح فالمؤسسة العسكرية تخدم المستوطنات.
1 ـ تقوم القوة العسكرية الصهيونية بتوفير الأراضي والمشاركة في الدفاع عنها، وبالتالي تهيئة الظروف المناسبة لازدهار الاستعمار الاستيطاني.
2 ـ تقوم المؤسسة العسكرية بتخليق الزارع الجندي اللازم لإقامة المستعمرات الدفاعية الحصينة وتأمين الحدود.
إن الاستيطان الصهيوني هو جوهر المشروع الاستيطاني الصهيوني الذي يهدف إلى اغتصاب الأرض الفلسطينية العربية من أهلها وإحلال عنصر بشري وافد محلهم، ولذا فهو مشروع لا يمكن تنفيذه إلا بالعنف، ومن هنا طبيعته العسكرية. ويمكن دراسة طريقة توزيع المستوطنات الصهيونية وإعادة انتشار القوات المسلحة الإسرائيلية في الإطار نفسه.
الاستعمار الاستيطاني الصهيوني قبل عام 1948: تاريخ
Zionist Settler Colonialism before 1948: History
قبل ظهور الحركة الصهيونية، لم يكن ثمة استيطان يهودي في فلسطين. فأعضاء الجماعات اليهودية (الذين لم يتجاوز عددهم 25 ألفاً) كانوا يقطـنون في التجمـعات المدنية، وبخاصة مدن القدس وطبريه وصفد، وقد استقروا في فلسطين لأسباب دينية لا علاقة لها بالمشروع الصهيوني، ولم يكن هناك وجود للاستيطان الزراعي الذي لم يبدأ إلا عام 1878 عندما توجهت مجموعة من يهود القدس ـ بعد حصولها على دعم خارجي ـ إلى السهل الساحلي حيث تمكَّنت من تأسيس مستوطنة بتاح تكفا. ومع ظهور حركة أحبّاء صهيون وبداية موجات الهجرة الاستيطانية عام 1880، أمكن تأسيس عدد من المستوطنات الزراعية. فتم عام 1882 تأسيس مستوطنات ريشون لتسيون، وزخرون يعقوب، وروش بينا. وفي سنة 1883، أُسِّست مستوطنتا يسود همعلية وإكرون، وأُقيمت مستوطنة جديرا عام 1884.
غير أن هذه المستوطنات لم تلبث أن تعرضت لخسائر فادحة ولجأت إلى الاعتماد على الدعم الخارجي، وبخاصة البارون روتشيلد. وقد مكَّن هذا الدعم المستوطنات القديمة من الاستمرار، كما مكَّن من إقامة ثلاث مستوطنات أخرى عام 1890 (رحوبوت، ومشمارهياردن، والخضيرة). ولكن مع إقامة تنظيمات صهيونية توطينية ابتداءً من عام 1891، انتهى دور البارون روتشيلد وانتقلت مسئولية رعاية المستوطنات إلى الجمعية الاستعمارية اليهودية (بيكا) التي عملت في البداية على تزويد المستوطنات القائمة بالقروض المالية، وإقامة المزارع التدريبية للعمال الزراعيين، وذلك بعد أن نقلت هذه المسئوليات من رجال البارون روتشيلد. وحتى سنة 1898، كان قد تم تأسيس 22 مستوطنة يهودية (بلغت مجموع مساحاتها نحو 200 ألف دونم) وبلغ مجموع سكانها (آنذاك) 4900 نسمة تقريباً.
ومع انعقاد المؤتمر الصهيوني الثاني 1898 وإقرار قانون المنظمة الصهيونية العالمية، أخذت هذه المنظمة على عاتقها كل الشئون المتعلقة باستيطان فلسطين ـ وبذلك انتهى ما يُسمَّى «الصهيونية العملية» أو «التسللية». وبدأت هذه المنظمة نشاطها الفعلي عام 1901 مع تأسيس الصندوق القومي اليهودي. وأسهم تأسيس مكتب فلسطين برئاسة آرثر روبين عام 1907 ـ 1908 في زيادة نشاط هذه المؤسسة حيث باشرت أعمالها الفعلية عام 1908 بتأسيس مشروعها الأول وهو مزرعة أم جوني في الجانب الغربي لنهر الأردن جنوب بحيرة طبرية، وفيما بعد شرقي النهر في المستوطنات التي أصبحت تحمل اسم «كينرت دجانيا». ومع بداية الحرب العالمية الأولى عام 1914، كان هناك 47 مستوطنة يهودية في فلسطين أُقيمت 14 منها بدعم من المنظمة الصهيونية بإشراف مكتب فلسطين.
وتُعتبَر مرحلة الانتداب البريطاني على فلسطين (أي وضع فلسطين في قبضة الراعي الإمبريالي) المرحلة الذهبية للصهيونية. فبعد صدور وعد بلفور عام 1917 ومنح القوة الإمبريالية الغربية دعمها القوي للمشروع الصهيوني وبداية موجة الهجرة الصهيونية الثالثة 1919 وإعلان شرعية الهجرة 1921، وتأسيس قسم الاستيطان في المنظمة الصهيونية الذي حل محل مكتب فلسطين، وتنامي الوجود السياسي للحركة الصهيونية، توسعت النشاطات الاستيطانية واكتسبت أبعاداً أيديولوجية مع تبلور الأنماط الأساسية الثلاث للمستوطنات: الكيبوتس والموشاف والقرى التعاونية أو تعاونيات الطبقة المتوسطة.
وقد أخذت النوايا السياسية لعمليات الاستيطان في الاتضاح للفلسطينيين، الأمر الذي فجّر عمليات المقاومة، حيث هوجم عدد من المستوطنات التي أُقيمت في الجليل الأعلى (تل حاي وكفار جلعادي)، وبدأت عام 1929 أول دراسة علمية لخدمة أغراض التخطيط الاستيطاني على المستوى القطري.
ومع صدور الكتاب الأبيض عام 1930، قرَّرت المنظمة الصهيونية الإسراع في عمليات الاستيطان وفي إقامة نقاط قوية في المناطق التي لم يسكن بها المستوطنون الصهاينة في السابق، وذلك بهدف خلق خريطة سكانية يهودية تشمل أوسع مساحة جغرافية ممكنة للاستعداد لاحتمال طرح تقسيم فلسطين، حيث جرى تركيز عمليات الاستيطان باتباع مبدأ الزراعة المختلطة للمساعدة في عمليات الاكتفاء الذاتي الغذائي للمستوطنة في أعقاب تأزم الأوضاع داخل فلسطين. ويُطلَق على المستوطنات التي أُقيمت خلال تلك الفترة اسم «السور والبرج» (بالعبرية: خوما ومجدال) وصفاً للطابع العسكري لتلك المستوطنات التي ترافقت مع بداية الثورة الفلسطينية عام1936.
وفي غضون الحرب العالمية الثانية وبعدها، أُقيم نحو 94 مستوطنة. وبعد انتهاء الحرب، اتجهت الجهود الاستيطانية للتوسع الجغرافي لاستيطان منطقة النقب في عامي 1946 و1947، ومرت أنابيب المياه إلى هذه المستوطنات من المناطق الوسطى في فلسطين. ونشطت الوكالة اليهودية في فترة الانتداب في تنظيم عمليات الاستيطان وأقامت لذلك عدداً من المشاريع الاستيطانية الخاصة ابتداءً من سنة 1930 وحتى الحرب العالمية الثانية. ومن هذه المشاريع مشروع الألف عائلة الذي تم بمقتضاه إقامة عدة مستوطنات في السهل الساحلي، وكذلك مشـاريع توطين اليهود المشـردين في أعقـاب عام 1933.
واستمرت محاولات الاستيلاء على الأراضي في أية بقعة يمكن الوصول إليها، إلا أن التركيز كان على المناطق السهلية بشكل عام حيث تتميَّز الأراضي بالجودة ووفرة المياه. وحتى عام 1948، كان حوالي 25% من المستوطنات اليهودية موجودة في منطقة سهول الخضيرة، ونسبة 12% منها في سهول يافا، و17% في سهول طبريا والحولة وبيسان، و11% في سهل الجليل الأسفل ومرج ابن عامر، و4% في كل من منطقتي الجليل الأعلى ومرتفعات القدس. أما منطقة النقب، فقد بلغت نسبة المستوطنات اليهودية فيها 9% تقريباً من إجمالي المستوطنات اليهودية. وبلغت مساحة الجزر التي أُقيمت عليها إسرائيل في فلسطين حسب خطوط الهدنة عام 1947 حوالي 20.700.000 دونم منها 425 ألف دونم مسطحات مائية.
وقد تزايد عدد المستوطنات في الفترة من 1822 ـ 1899 ليصبح 22 مستوطنة استوطنها 5210 مستوطنين، وزاد في الفترة 1900 ـ 1907 ليصبح 27 مستوطنة اتسعت لـ 7000 مستوطن، وزاد ليصبح 47 مستوطنة في الفترة 1908 ـ 1914 حيث وسعت 12 ألف مستوطن. وارتفع عام 1922 فأصبح 71 مستوطنة وسعت 14.920 مستوطناً. وفي عام 1944، وصل عدد المستوطنات إلى 259 مستوطنة ضمت 143.000 مستوطناً. وعند قيام الدولة الصهيونية كانت تضم 277 مستوطنة.
ثم أُعلن قيام الدولة الاستيطانية الصهيونية التي تُمثل المستوطنة الصهيونية الكبرى التي تضم كل المستوطنات الزراعية والصناعية والمدنية والكيبوتسات والموشافات في منتصف آيار ـ مايو 1948.
الاستعمار الاستيطان الصهيوني حتى عام 1967: تاريخ
Zionist Settler Colonialism till 1967: History
في خلال الفترة من عام 1948 حتى عام 1967 تم التوسع الاستيطاني عبر سلسلة من القوانين والإجراءات المتعسفة ضد الفلسطينيين. وأهم تلك القوانين: قانون أملاك الغائبين المتروكة (1950) والذي يتيح للحكومة الإسرائيلية أن تستولي على الأرض التي هجرها ساكنوها (اللاجئون ثم النازحون الذين تم إرهابهم وإجلاؤهم عن أراضيهم)، وقانون استملاك الأراضي (1952)، وقانون التصرف (1953) الذي يتيح للحكومة الإسرائيلية الحصول على الأراضي التي لم يمكِّنها القانون الأول من الاستيلاء عليها تحت دعوى طلبها لأغراض الدفاع والتوطين إذا لم يتصرف صاحب الأرض المطلوبة فعلياً في الأرض، وقانون تقادم العهد أو مرور الزمن (1957). وينص دستور الصندوق القومي اليهودي على أن الأراضي الفلسطينية التي يستولي عليها الصندوق تعتبر ملكاً للشعب اليهودي لا يجوز التصرف فيها.
وقد عبَّرت القوانين المذكورة عن نزوع المشروع الصهيوني إلى إضفاء الشرعية على الاحتلال الذي تم بفعل القوة، وقد تمكَّنت السلطات الإسرائيلية من استخدام أملاك العرب الفلسطينيين الذين غادروا بيوتهم وتركوا أملاكهم وعيَّنت قيماً أو حارساً على أملاكهم لتتمكن من خلال سـتار الأمن والمصلحـة العامـة من منع الغائبين من العودة إلى قراهم وأحيائهم. وقد اعتبرت أصحاب الأملاك الذين أُجبروا على الابتعاد عنها من الغائبين، وقامت السلطات الإسرائيلية باستخدام تلك الأملاك لإسكان المهاجرين اليهود، وضمت بعض الأراضي في المناطق الريفية إلى المستعمرات من موشافات وكيبوتسات مجاورة لتلك القرى، واعتبر المواطنون العرب الفلسطينيون في حكم الغائبين حتى لو كانوا يقيمون على بُعد بضعة كيلو مترات من قراهم الأصلية.
وفوق ذلك امتد تطبيق قانون أملاك الغائبين ليشمل أملاك الوقف الإسلامي، حيث أصبح الحارس على أملاك الغائبين مسئولاً عن تأجير واستخدام أملاك الوقف الإسلامي، وتبلغ نسبتها في حوانيت بعض المدن أكثر من 70% من مجموع عدد تلك الحوانيت.
وتنفيذاً لمبدأ مصادرة الأراضي صادرت سلطات التجمُّع الصهيوني بعد عام 1948 40% من الأراضي التي يملكها السكان العرب تحت ذريعة أنها أملاك غائبين، وموضوع الأملاك المتروكة هو الذي جعل إسرائيل دولة ذات مقومات، فمن بين مجموع 370مستعمرة أُقيمت 350 مستعمرة منها على أراضي الغائبين بين عامي 1948 ـ 1953. وفي عام 1954 كان ثُلث عدد سكان إسرائيل وثُلث المهاجرين يقيمون على أراضي الغائبين. وقد استولت سلطات الكيان الصهيوني على ما يقارب 20.5 مليون دونم من مجموع مساحة أراضي فلسطين بأكملها. ومن الذرائع التي اتخذتها السلطات الصهيونية مصادرة الأراضي لأغراض التدريبات العسكرية والذريعة الأمنية، إما لقربها من معسكرات الجيش أو لقربها من إحدى المستعمرات أو لوقوعها في مكان إستراتيجي. بالإضافة إلى مصادرة الأراضي الأميرية بحجة أن ملكيتها تعود للدولة وليس للعرب.
ويُلاحَظ أن المستوطنات الزراعية المتباعدة كانت تُمثِّل أساس الاستيطان الصهيوني ووسيلته. إلا أن ظاهرة التجمع في المدن أصبحت لا تُمثِّل، فيما بعد، نسبة ليست عالية فحسب بل نسبة في ارتفاع مستمر حيث يبدو أن المستوطنات لم تَعُد مطمح الصهاينة الاستيطانيين. (حتى نهاية 1978، كان حوالي 90% من اليهود في إسرائيل من سكان المدن(
الاستعمار الاستيطاني الصهيوني منذ عام 1967 حتى الوقت الحاضر: تاريخ
Zionist Settler Colonialism from 1967 till the Present: History
استمرت السلطات الإسرائيلية في عمليات الاستيلاء "القانوني" على الأرض. فعلى سبيل المثال يحظر الحاكم العسكري على الفلسطينيين تسجيل الأراضي منذ 1967، وهو يمنع الفلسطينيين الذين لا يقيمون في الضفة وغزة حالياً من وراثة الأرض. ويجب أن يصادق الحاكم العسكري على جميع صفقات الأراضي، كما أن سجلات الأرض تحت سيطرته ويمكن أن يكون التبليغ بشأن مصادرة الأراضي شفوياً. ومن المحظور تقديم التماس إلى المحاكم المحلية، والسبيل الوحيد للاعتراض هو تقديم التماس إلى المحكمة الإسرائيلية العليا أو إلى لجنة اعتراضات استشارية عسكرية.
ونتيجة تطبيق تلك الإجراءات بلغت نسبة الأراضي التي استولت عليها السلطات الصهيونية 70% من مساحة أراضي الضفة الغربية، في حين بلغت النسبة 42% في قطاع غزة، بالإضافة إلى مساحة كبيرة من الجولان حيث أقيم عليها 30 مستعمرة. وإذا علمنا بأن ما استولت عليه سلطات ومنظمات الكيان الصهيوني عام 1948 بلغ حوالي 80% من مجموع مساحة فلسطين، فإن هذا يعني أن 20% فقط من مساحة فلسطين هي مساحة الضفة الغربية وقطاع غزة. وما استولت عليه سلطات الاحتلال فيهما وصل إلى أكثر من 70% من مساحتها.
فبعد عام 1967 صُودرت 350 ألف دونم من القدس والضفة الغربية علاوة على 400 ألف دونم هي أراضي الغائبين، فضلاً عن إغلاق أكثر من مليون دونم بأوامر عسكرية. وفي قطاع غزة، صُودرت نسبة 33% من مجموع مساحته البالغة 400 ألف دونم منها 40 ألف دونم من الأراضي العامة، و93 ألف دونم تعتبرها السلطات ذات ملكية غير واضحة، بالإضافة إلى أملاك الغائبين التي تقدر بحوالي ثمانية آلاف دونم.
وقد وصـل عـدد المسـتوطنات في الضفة الغربية خلال عقد من الزمن، هي فترة حكم المعراخ 1967 ـ 1977، إلى 22 مستوطنة أنشأتها ألوية تابعة للحركات الاستيطانية العمالية، وتركزت في منطقة الأمن (14 مستوطنة في غور الأردن، و6 مستوطنات في غوش عتسيون)، هذا باستثناء منطقة القدس التي صادرت فيها حكومة المعراخ 17 ألف دونم وأقامت الضواحي الاستيطانية الأساسية عليها (راموت ـ نفي يعقوب ـ رامات إشكول ـ سنهدريا الموسعة ـ غفعات همفاتير ـ التلة الفرنسية ـ قصر المندوب). وانتهى عهد المعراخ في قطاع غزة عام 1977 مع إقامة 6 مستوطنات. أما مرتفعات الجولان في هذه الفترة فقد أقيم فيها 11 مستوطنة (9 في الجنوب، و2 في القنيطرة) بعد عام واحد من الاحتلال. وبنهاية عام 1972 كان قد أقيم 15 مستوطنة منها 6 كيبوبتسات يستوطنها جميعاً 1727 مستوطناً. وبعد حرب 1973 تمكَّن المعراخ حتى عام 1977 من إنشـاء 26 مسـتوطنة.
وفي عهد الليكود استندت عملية الاستيطان إلى خطة إيريل شارون وهي خطة "العمود الفقري المزدوج" والتي تتضمن خطين متوازيين ساحلي وداخلي تربط بينهما شبكة من المواصلات الطولية والعرضية، حيث يمتد الخط الشرقي من الجولان شمالاً حتى شرم الشيخ جنوباً، أما الخط الساحلي فيحوي أكثر من 75% من سكان إسرائيل.
وحينما تولى إيريل شارون وزارة الدفاع عام 1981، انطلق من ضرورة تثبيت «العمق الإستراتيجي» من أجل وضع نظام دفاعي إقليمي مكوَّن من المستوطنات المحيطة بحدود إسرائيل في الضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان والجليل والنقب، باعتبارها مختلفة عن المستوطنات التي أُقيمت لأسباب دينية أو اقتصادية.
أما الخطة الأكثر خطورة فهي خطة متتياهو دوربلس الرئيس الثاني لقسم الاستيطان في الوكالة اليهودية، وترمي خطته إلى بناء 10 ـ 15 مستوطنة سنوياً لاستيعاب 100 ـ 150 ألف مستوطن خلال 5 سنوات. واستهدفت هذه الخطة إقامة المستوطنات بين المدن والتجمُّعات العربية وأن تكون المستوطنات كتلاً متراصة عن طريق الاستيطان المُختلَط بما يسمح بتعدد أنماط الإنتاج بين صناعي وزراعي وخدمات، وذلك بهدف جعل قيـام دولة غير يهودية في الدولة مهمـة مسـتحيلة واقعياً. وقد ركَّزت خطة الليكود على الضفة وغزة بعد توقيع اتفاقية كامـب ديفـيد لتلافي احتمـال إخلاء مستوطنات منهما كما حدث في سيناء. وتم تكثيف الاستيطان في القدس الشرقية، وبخاصة بين الأحياء العربية لتحويلها إلى جزر صغيرة في بحر المستوطنات الصهيونية.
وفي عهد الليكود 1977 ـ 1984 تم في الأربعة أعوام الأولى فقط إقامة 51 مستوطنة أخرى، ووصل عدد المستوطنين فيها في تلك الفترة إلى 45 ألف مستوطن بحلول عام 1984وكان ذلك في الضفة، باستثناء القدس. كما أُقيمت بقطاع غزة خمس مستوطنات في تلك الفترة تركزت في فترة الثمانينيات. وفي عام 1981 قرَّر الكنيست ضم الجولان. وفي فترة حكم الليكود تأسَّست 9 مستوطنات وبلغ عدد المستوطنين في الجولان 8000 مستوطن. وفي هذه الفترة بدأت الأصوات تتعالى داخل إسرائيل لاستيطان وتهويد أراضي الجليل التي أصبحت ذات أغلبية عربية. وابتداءً من عام 1977، شرع الكيان الصهيوني في عملية تهويد واسـعة للجليل الغربي تضمنها مشـروعا كل من فايتـس (1977 ـ 1992)، ومشروع دروبلس (1979 ـ 1984) وهما مشروعان للتوطين، كان يهدف أولهما إلى تعزيز الاستيطان في مناطق الجليل والنقب وغزة، أما الثاني فكان يهدف إلى تعزيز الاستيطان بإقامة 30 نقطة مراقبة استيطانية في الجليل.
ويبدو أن الضفة أصبحت فيما بعد الساحة الأساسية المستهدفة. فباستثناء بضعة مستوطنات في سيناء والجولان وغزة، أُسِّست معظم المستوطنات في الضفة الغربية وضمن ذلك القدس الشرقية. ففي عهد حكومة الائتلاف بين المعراخ والليكود (1984 ـ 1990) كان ثمة قرار بتجميد الاستيطان إلا أنه كان وهماً حيث حرصت الحكومة على تعزيز المستوطنات القائمة، وتضمن البرنامج الحكومي إقامة 5 ـ 6 مستوطنات خلال عام واحد، وبلغ عدد المستوطنات التي أُسِّست في هذه الفترة 25 مستوطنة تركَّز أغلبها في الجليل. ومع نهاية عام 1990 كان في الضفة الغربية (باستثناء القدس) نحو 150 مستوطنة يقطنها 90 ألف مستوطن يهودي تقريباً. وفي الفترة نفسها تم تأسيس مستوطنتين في قطاع غزة هما: رفيح يام عـام 1984، ودوجـيت عام 1990 يقطنهما 200 مستوطن. ولم تحدث زيادة في عدد مستوطنات الجولان حتى أوائل التسعينيات.
ومع تدفُّق المهاجرين السوفييت في أوائل التسعينيات، تبنَّى الليكود خطة استيطانية جديدة في الأراضي المحتلة مثل الخطة الاستيطانية الخمسية الشاملة وخطة الكواكب السبعة التي كانت تهدف إلى محو الخط الأخضر وإدخال عازل بين الفلسطينيين بإقامة مستوطنات على جانبيه.
ومن جهة أخرى، لم يَحل عقد مؤتمر مدريد سنة 1991 والمفاوضات التي تلته دون استمرار النشاط الاستيطاني، بل إن المؤتمر نفسه كان مناسبة للقيام بمثل هذا النشاط.
وغداة عودة حزب العمل إلى سدة الحكم، في صيف سنة 1992، اتخذت الحكومة الجديدة قراراً بتجميد البناء في المناطق، شمل 6681 وحدة سكنية. لكن القرار تضمن استثناءين مهمين: أجزاء معينة من الضفة (وغيرها)، يعتبرها حزب العمل، تقليدياً، مناطق "أمنية" (وضمنها القدس الكبرى)؛ ونحو 10آلاف وحدة سكنية في مناطق مختلفة، بدعوى أنها في مراحل متقدمة من البناء. وقد تم "التجميد" على خلفية التمييز الذي يتصف تصوُّر الحزب به، بين مستوطنات "أمنية" وأخرى "سياسية"، وهو تصوُّر ينسجم، إلى حدٍّ بعيد، مع مشروع آلون، ويشمل أساساً القدس الكبرى وغور الأردن وغوش عتسيون. ومما يُقلِّل أهمية "التجميد" أن جزءاً كبيراً من أعمال البناء في المستوطنات أصبح يتم، منذ أعوام طويلة، على أيدي شركات البناء الخاصة والمقاولين والمستوطنين أنفسهم.
لقد ارتفع عدد المستوطنين اليهود في عهد الحكومة العمالية بين عامي 1992 و1996 من حوالي مائة ألف في يونيه 1992 إلى حوالي 152 ألف مستوطن في يونيه 1996 ثموصل إلى حوالي 180 ألف مستوطن في نهاية عام 1997. وفي يوليه 1993 كان عدد المستوطنين اليهود في القدس الشرقية قد بلغ 160 ألف شخص يتوزعون على ثمانية أحياء استيطانية مقابل 155 ألف فلسطيني يعيشون بالمدينة، يُضاف إلى هذه الأحياء تلك النقاط الاستيطانية داخل أسوار المدينة القديمة، والمستوطنات الواقعة ضمن نطاق القدس الكبرى. وقد وُضعت خطة في نهاية عام 1994 ترمي إلى زيادة عدد سكان القدس من اليهود بنحو 130 ألف نسمة أخرى في المدينة فقط. وبلغ عدد المستوطنات عام 1992 مع نهاية حكم الليكود 16 مستوطنة بالإضافة إلى كفار يام التي لا تُعتبَر مستوطنة بحسب بعض التعريفات، علاوة على مجمع إيرز الصناعي. وذكر مجلس المستعمرات أن عدد المستوطنين وصل في أواخر عام 1993 إلى 5900 مستوطن في غزة، في حين بلغ عدد المستعمرات في الجولان في نفس التاريخ 38 مستوطنة يقطنها 13 ألف مستوطن. ويوجد في الأراضي العربية الفلسطينية والسورية المحتلة (حتى عام 1995) نحو 210 مستوطنة تضم حوالي 300 ألف مستوطن.
ويشير الدكتور خليل التفكجي مدير إدارة الخرائط في جمعية الدراسات العربية إلى أن مستوطنات الضفة الغربية تتركز في أربع مناطق أساسية هي:
1 ـ منطقة غور الأردن المعروفة بطريق آلون مروراً بمناطق نابلس وقلقيلية وطولكرم شمال الضفة الغربية.
2 ـ منطقة اللطرون المحصورة بين شمال غرب مدينة القدس وغرب مدينة رام الله.
3 ـ منطقة مستوطنات شمرون وآرييل المحصورة بين جنوب نابلس وشمال رام الله.
4 ـ منطقة مستوطنات غوش عتصيون المنتشرة بين مدن بيت لحم والخليل جنوب الضفة.
ويمكن النظر إلى هذه المستوطنات كمستوطنات ذات أهمية إستراتيجية وعسكرية، بينما تتوزع نحو 70 مستوطنة أخرى صغيرة مبعثرة بين التجمُّعات الفلسطينية في الضفة الغربية.
ويمكن ملاحظة أن الكتلة الاستيطانية الضخمة في جنوب غرب نابلس، أصبحت أغلبية يهودية في قلب هذه المنطقة، وتضم مستعمرات هذه الكتل، مستعمرات أورونيت. فسكان هذه المجموعة من المنطقة أصبحوا أكبر من المجموع العام للسـكان العرب ومن ضمنها مدينة قلقيلية.
هذا الخط من المستعمرات الذي يمتد من كفار سابا من الناحية الغربية باتجاه منطقة زعترة (جنوب نابلس) باتجاه الشرق يقسم الضفة الغربية إلى جزأين شمالي وجنوبي. وأي إنسان يخرج من منطقة كفار سابا باتجاه الغور يشعر بأنه داخل إسرائيل وليس داخل الضفة الغربية نتيجة وجود أغلبية يهودية على جانبي الخط ومستعمرات على جانبي الطريق، بالإضافة إلى الشوارع العريضة.
أما من منطقة غوش عتصيون التي تقع جنوب القدس بين مدن بيت لحم والخليل وجنوب الضفة، فهي تفصل بيت لحم عن الخليل، وتؤدي في النهاية إلى إنشاء القدس الكبرى (المتروبوليتان).
والكتلة الاستيطانية التي يُطلَق عليها نجوم شارون السبعة تمتد من منطقة اللطرون ـ عمواس ـ يالو وتتجه شمالاً بمحاذاة الخط الأخضر بحيث أن جزءاً من هذه المستوطنات تم بناؤه داخل إسرائيل وجزءاً آخر في المنطقة الحرام التي كانت تفصل الحدود الأردنية عن الحدود الإسرائيلية وحدود الضفة الغربية. ففي منطقة اللطرون فإن أكبر مستوطنة تنشأ الآن يُطلَق عليها «مودعين»، والتي ستصبح ثاني أكبر مدينة ما بين تل أبيب والقدس.
واختيار هذه المنطقة جاء ليخدم توسع تل أبيب التي إذا توسعت فإنها لابد أن تتوسع باتجاه الشرق أو الغرب، أما جهة الغرب فالتوسع مستحيل أو مكلف جداً، بسبب البحر، أو باتجاه الشرق، وهي مناطق زراعية، وهو ما ترفضه إسرائيل وبالتالي فقد تم بناء جسر أي بناء منطقة القفز نحو أقدام جبال الضفة الغربية لبناء مستعمرات ضخمة تأكل من الضفة الغربية التي تمتد من منطقة اللطرون جنوباً حتى منطقة أم الفحم أو منطقة جنين في المنطقة الشمالية، ومن هنا جاء مشروع يوسي الفرت يضم 11% من مساحة الضفة الغربية باتجاه إسرائيل، لأن هذه الكتل الاستيطانية التي تم تشكيلها على طول الخط الأخضر من الجنوب باتجاه الشمال، شكلت حدوداً جديدة بحيث أن يوئيل زنغر، المستشار القانوني لوزارة الخارجية أثناء حكومة العمل السابقة، اعترف، لأول مرة، بأن السلطات الإسرائيلية تبني فوق الخط الأخضر جنوب مدينة قلقيلية.
ويبلغ حجم الدعم السنوي الحكومي للمستوطنات حوالي 300 مليون دولار في شكل تخفيضات في الضرائب على الرواتب والخدمات السكنية، فمن يشتري بيتاً في إسرائيل عليه أن يدفع ضريبة بمقدار 5% من قيمة البيت، بينما تصل النسبة إلى 0.5% في الأراضي المحتلة. وكل إسرائيلي يريد الاستثمار في الضفة وغزة يمكنه أن يحصل على 38% من قيمة الاستثمار أو على إعفاء من الضرائب لمدة عشر سنوات أو على ضمان من الدولة لثُلثي قيمة المبلغ المستثمر، وهذه التسهيلات تثير حفيظة بعض القطاعات داخل إسرائيل مثل رجال الصناعة.
ورغم هذه الجهود المبذولة من أجل دعم ونشر الاستيطان والمستوطنات في الأراضي المحتلة عبر الخطط والمشاريع الاستعمارية المختلفة، فقد واجهت الحركة الاستيطانية المعضلة الأساسية والمتمثلة في غياب المستوطنين وإحجام اليهود عن الهجرة إلى إسرائيل رغم الدعم الكبير الذي تلقته الحركة الصهيونية من خلال هجرة اليهود السوفييت، مما يشير إلى عدم الرغبة اليهودية في الإقامة في المستوطنات رغم الحوافز المادية والدعم السخي الذي تقدمه الحكومة الإسرائيلية للمستوطنين. فالمستوطن اليهودي السوفيتي أو غيره في الأراضي العربية لم يأت إلى فلسطين كي يحارب أو يناضل من أجل غاية معيَّنة، ولكنه جاء ليستمتع بحياة اقتصادية مرفهة.
وقد ذكر التقرير الذي أعدته القنصلية الأمريكية في القدس (في مايو 1997) أن 25% من المنازل في المستعمرات الإسرائيلية في الضفة الغربية خالية و56% في قطاع غزة و28% في الجولان، ويكشف هذا التقرير عن مشاكل نقص المعلومات بل تناقُضها بشأن الاستيطان، فآخر إحصاء رسمي إسرائيلي وارد في كتاب الإحصاء السنوي لعام 1996، والذي يورد أرقام 1995 أشار إلى أن المستوطنات تضم 33610 منزلاً منها 4066 منزلاً خالياً، أي بنسبة 12%. ففي الضفة الغربية هناك 31763 منزلاً منها 3312 منزلاً خالياً بنسبة 10.4%، وفي قطاع غزة 1847 منزل منها 754 منزلاً خالياً، وفي الجولان 8800 منزل منها 880 منزلاً فارغاً.
وذكرت حركة السلام الآن أن طواقمها الميدانية وجدت أحياء بكاملها فارغة وغير مسكونة، هذا عدا البيوت المتفرقة. بينما صرَّح رئيس شعبة الاستيطان في الوكالة اليهودية سالي مريدور أن "غالبية المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية لا يوجد فيها بيت واحد خال، وتلك التي توجد فيها منازل فارغة لا تصل نسبتها إلى 5%، معظمها خالية لأسباب فنية، وليس بسبب نقص في السكان"!
ورغم هذا التناقُض فيمكن القول بأن المعلومات الأمريكية ـ بصرف النظر عن سبب النشر ـ قريبة جداً من الواقع، لأنه من المعروف أن آلاف اليهود المقيمين داخل الخط الأخضر، يستغلون التسهيلات الكبيرة التي تُعطَى للمستوطنات من أجل شراء المنازل بها، حيث يصل سعرها إلى نسبة 25% من أسعار مثيلاتها من المنازل داخل إسرائيل، ويُدفَع ثمنها بأقساط مريحة وبفوائد قليلة جداً، ومعظم هؤلاء المشترين لا يسكنون فيها بل يستخدمونها في الإجازات. ولكن وفقاً للأوضاع الأمنية، وكذلك في حالة الاضطرار إلى إخلاء مستوطنات عند توقيع اتفاقات سلام نهائية، يستطيع هؤلاء طلب أسعار مضاعفة للبيوت مثلما حدث للمستوطنين في مستعمرة ياميت في سيناء، حيث حصلوا على تعويضات ضخمة.
مســتوطنة جبـل أبـو غنيــم (هارهوما(
Abu Ghoneim (Har Homa) Settlement
خلافاً لما تصوَّره البعض فإن توقيع اتفاق أوسلو فَتَح الشهية الاسـتيطانية في الأراضي المحتلـة، وبخاصـة في القدس والخط الأخضر، وذلك استمراراً لسياسة الأمر الواقع الإسرائيلية التي قلَّصت ـ منذ عام 1967 ـ الوجود الفلسطيني في القدس الشرقية إلى جزر بشرية متباعدة ومبعثرة ومحاطة بمستوطنات يهودية، واعتماد سياسة تهويد المدينة محلياً إما بإرغام الفلسطينيين على الرحيل، وإما بتقليص وجودهم إلى جيتوات صغيرة منفصلة، وقد طُبِّقت مثل هذه الإجراءات بطرق ثلاثة:
1 ـ توسيع المساحة المضمومة إلى أقصى حد.
2 ـ تقليص السكان العرب وزيادة السكان اليهود إلى أقصى حد.
3 ـ إحاطة المساكن العربية بمستوطنات سكنية يهودية ضخمة.
وتسعى الحكومة الإسرائيلية بقرار الاستيطان في جبل أبو غنيم الصادر في فبراير 1997 إلى إكمال فصل كل الأحياء العربية في المدينة المحتلة منذ عام 1967 عن بقية أنحاء الضفة الغربية (كلمة «هار» تعني «تل» و«هوما» تعني «السياج»). وستنضم مستوطنة جبل أبو غنيم المقرر إقامتها في جنوب القدس إلى تسعة أحياء يهودية أخرى تمت إقامتها في القدس الشرقية منذ عام 1967 وتربط بينها شبكة طرق سريعة وخدمات من حي جيلو اليهودي في أقصى الجنوب الغربي إلى راموت في الشمال الغربي. وستكتمل الحلقة اليهودية حول القدس تماماً مع مشروع البوابة الشرقية (إيسترن جيت) الذي وصل إلى مراحل متقدمة في التخطـيط في وزارة البنيـة التحتية التي يرأسـها إيريل شـارون.
وجبل أبو غنيم يقع على مسافة كيلو مترين شمال مدينة بيت لحم. وبعد حرب 1967 قررت سلطات الاحتلال فصل جبل أبو غنيم عن بيت لحم واعتبرته امتداداً لبلدية القدس، وهو أرض مشجَّرة في قسم منها، وتبلغ مساحته 1850 دونماً، وهو الاحتياطي شبه الوحيد من الأراضي بيد المواطنين العرب لبناء مساكن جديدة، ويقع في الجبل دير مسيحي بيزنطي، كان يستضيف الحجاج القادمين من كنيسة القيامة.
وفي عام 1991 جدت مصادرة الأراضي المحيطة بجبل أبو غنيم، وتتضمن الخطة الاستيطانية في جبل أبو غنيم إقامة 6500 وحدة سكنية بهدف استيعاب 40 ألف مستوطن وهو ما يرفع عدد اليهود في القدس الشرقية إلى أكثر من مائتي ألف مستوطن، حيث يتم في المرحلة الأولى بناء 1250 وحدة سـكنية. ولكن يبـدو أن المشـروع أكـبر من ذلك المعلن عنه، فقد كشف نائب رئيس بلدية القدس الذي يقود لجنة التنظيم والبناء فيها، أوري لوفليانسكي (من حزب ديجل هتوراه الأصولي الإشكنازي) "أن المشروع يقضي ببناء 18 ألف وحدة سكنية تتسع لـ 150 ألف يهودي". وعندما سئل عن تفسيره لهذه الأرقام الضخمة، وما إذا كان مبالغاً فيها قال: "احسبوا معدل أفراد كل عائلة يهودية متدينة، تعرفون الجواب". والمعروف أن معدل عدد أفراد العائلة اليهودية المتدينة 8 ـ 9 أنفس.
وفي محاولة لتبرير مشروع الاستيطان في جبل أبو غنيم أكدت السلطات الإسرائيلية وجود قرار ببناء وحدات سكنية للعرب في القدس قد تصل إلى 3016 وحدة، ولكن المعروف أن اتخاذ القرار لا يعني البناء الفعلي، ومقابل الدعم المادي والقروض الكبيرة بفوائد رمزية وأمد طويل التي تقدمها الحكومة للمستوطنين فإن العرب محرومون من تلك المميزات، والحكومة الإسرائيلية ترفض منح تراخيص بناء للعرب.
إن خطورة الاستيطان في جبل أبو غنيم، فضلاً عن كل كونها واقعاً احتلالياً استيطانياً توسعياً، تتضمن النقاط التالية:
* خنق مدن بيت لحم حيث يبقيها دون أراض لاحتواء الزيادة السكانية الطبيعية. وبيت لحم وأراضيها سوف تكون في حصار إذ تحيط بها من الشمال مستعمرة جبل أبو غنيم، ومن الجنوب مستعمرة كفار عتسـيون، ومن الغرب مسـتعمرة بيتار العليـا، ومن الشرق مستعمرة تفوح.
* ربط مستوطنة جيلو بالمستوطنة التي يراد إقامتها في جبل أبو غنيم بواسطة الطرق الالتفافية حيث ستفصل هذه الشوارع بيت لحم عن شرق القدس وغربها، مع كل ما يترتب على ذلك من فصل اقتصادي وحياتي للمواطنين العرب الفلسطينيين.
* انتهاك قدسية الأماكن المسيحية الأثرية، حيث يوجد في أبو غنيم بئر القديس تيودور والدير البيزنطي وكنيسة بئر قاديسمو وهو المكان الذي رحلت منه السيدة العذراء قبل توجهها لبيت لحم وإنجاب المسيح.
* حرمان المنطقة من دخلها السياحي حيث تُبنَى المستوطنات الجديدة.
* والمسألة الخطيرة جداً في استيطان وتهويد جبل أبو غنيم، تتمثل في تمزيق وحدة الأراضي الفلسطينية والتواصل الإقليمي فيها وتغيير ملامحها الجغرافية والديموجرافية، حيث تصبح الضفة الغربية مُقسَّمة ومشطورة فعلياً إلى منطقة شمالية تمتد من شمال القدس ورام الله حتى شمال الضفة عند جنين وطولكرم، ومنطقة جنوبية إلى جنوب دائرة استيطان القدس الكبرى وحتى الخليل وبذا تصبح الأراضي الفلسطينية محشـورة في ثلاثة كانتونات هي غزة، شـمال القدس حتى جنين وطولكرم، وجنوب القدس حتى الخليل، ويمكن أن يُفتَح بذلك طريق آخر لتشطير جديد في إطار مفاوضات الحل الدائم مع تمسك إسـرائيل بوجود الكتل الاستيطانية الموزَّعة في أنحاء الأرض المحتلة.
الجيبان الاستيطانيان في إسـرائيل وجنوب أفريقيا: منظـور مـقارن
Two Settler Enclaves in Israel and South Africa: Comparative Perspective
يأخذ الاستعمار الاستيطاني شكل هجرة جماعية منظمة لكتلة سكانية من العالم الغربي لأرض خارج أوربا. وتتم هذه الهجرة تحت الإشراف الكامل لدولة غربية لها مشروع استعماري (تُسمَّى «الدولة الأم») أو بدعم مالي وعسكري منها. ويوجد نوعان من الاستعمار الاستيطاني:
1 ـ الاستعمار الاستيطاني الذي يهدف لاستغلال كل من الأرض ومَنْ عليها من البشر، وهذا هو الاستعمار الاستيطاني المبني على التفرقة اللونية (التي يُقال لها الأبارتهايد). وجنوب أفريقيا من أفضل الأمثلة على ذلك النوع من الاستعمار. كما يمكن القول بأن الولايات المتحدة ابتداءً من منتصف القرن التاسع عشر تنتمي هي الأخرى لهذا النمط.
2 ـ الاستعمار الاستيطاني الذي يهدف إلى استغلال الأرض بدون سكانها، وهذا هو النوع الإحلالي حيث يحل العنصر السكاني الوافد محل العنصر السكاني الأصلي الذي يكون مصيره الطرد أو الإبادة. والولايات المتحدة في سنوات الاستيطان الأولى هي أكثر الأمثلة تبلوراً على هذا النوع من الاستعمار. والدولة الصهيونية مثل آخر (وإن كانت الإبادة هي الآلية الأساسية في حالة الولايات المتحدة، بينما نجد أن الطرد هو الآلية الأساسية في حالة الدولة الصهيونية). وكما تحوَّلت الولايات المتحدة من النظام الاستيطاني الإحلالي إلى النظام المبني على الأبارتهايد، تحوَّلت الدولة الصهيونية هي الأخرى بعد عام 1967 من النظام الإحلالي إلى النظام المبني على الأبارتهايد.
وهكذا يمكن القول بأنه رغم الاختلاف العميق بين إسرائيل وجنوب أفريقيا من منظور مرحلة التكوين الأولى، إلا أن التطورات التاريخية اللاحقة جعلت نُقَط التماثل بين الجيبين الاستيطانيين أكثر أهمية من نُقَط الاختلاف بينهما، ولها مقدرة تفسيرية أعلى.
ولنحاول الآن أن نتناول بعض نقط الالتقاء هذه:
1 ـ كلتا الدولتين بدأ كجيب استيطاني يخدم المصالح الغربية على عدة مستويات (قاعدة إستراتيجية وعسكرية ـ استيعاب الفائض البشري ـ عمالة رخيصة ـ مصدر للمواد الخام) نظير الدعم والحماية الغربيين. وليس من قبيل الصدفة أن الشخصيات الأساسية وراء إصدار وعد بلفور هي نفسها الشخصيات التي كانت وراء إصدار إعلان اتحاد جنوب أفريقيا وهم: آرثر بلفور ولويد جورج واللورد ملنر وإيان سمطس.
2 ـ كانت الدولة الإمبريالية الأم عادةً ما تعطي إحدى الشركات حق استغلال رقعة من الأرض ثم تتحول هذه الشركة نفسها إلى حكومة المُستوطَن. وقد قامت المنظمة الصهيونية/الوكالة اليهودية بهذا الدور في حالة المشروع الصهيوني.
3 ـ تستمر العلاقة بين الدولة الأم والجيب الاستيطاني حتى بعد إعلان "استقلال" الدولة، إذ أن الدولة الاستيطانية ترى نفسها جزءاً لا يتجزأ من التشكيل الحضاري الغربي.
ومع هذا لا تتسم العلاقة بين الوطن الأم والدولة الاستيطانية بالمودة دائماً، فرغم ادعاء الرابطة الحضارية إلا أن العلاقة مع الوطن الأم هي علاقة نفعية. فالدولة الاستيطانية دولة وظيفية يستند وجودها إلى وظيفتها، فإن فَقَدت وظيفتها أو أصبحت تكاليف دعمها أعلى من عائدها فَقَدت وجودها (كما حدث مع كل الجيوب الاستيطانية ومنها جنوب أفريقيا). وعادةً ما يحدث الصدام بين الوطن الأم والجيب الاستيطاني بسبب اختلاف رقعة المصالح. فالوطن الأم له مصالح عالمية إمبريالية عريضة، أما الجيب الاسـتيطاني فمصـالحه محليـة ضيقة. وأحياناً يأخذ التوتر شكل مواجهة مسلحة (حرب بريطانيا مع البوير ـ المواجهة العسكرية بين حكومة الانتداب البريطاني وبعض المنظمات العسكرية الصهيونية ـ المواجهة العسكرية بين الحكومة الفرنسية والمستوطنين الفرنسيين في الجزائر)، أو مواجهة سياسية (موقف الدول الغربية من نظام الأبارتهايد ـ التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل إبان حرب 1956).
4 ـ يُلاحَظ أن الخطاب الاستعماري الاستيطاني خطاب توراتي. فالمستوطنون سواء في جنوب أفريقيا أو إسرائيل هم «عبرانيون» أو «شعب مختار» أو «جماعة يسرائيل»، واعتذاريات المستوطنين عادةً اعتذاريات توراتية، فالأرض التي يستولون عليها هي صهيون، أرض وعد الإله بها أعضاء هذا الشعب دون غيرهم. والسكان الأصليون إن هم إلا «كنعانيين» أو «عماليق»، وجودهم عرضي في هذه الأرض (أو غير موجودين أساساً). ولذا فمصيرهم الإبادة أو الطرد أو أن يتحولوا إلى عمالة رخيصة.
5 ـ عادةً ما ترى الجيوب الاستيطانية نفسها باعتبارها موجودة عرضاً في المكان الذي توجد فيه (أفريقيا أو العالم العربي) ولكنها، في واقع الأمر، ليست منه. وذلك لأنها جزء من التاريخ الأوربي (وإن كان الصهاينة أيضاً يرون أنفسهم جزءاً من التاريخ اليهودي). ومع هذا يمكن القول بأن الكتل الاستيطانية عادةً كتل معادية للتاريخ، فقد جاء المستوطنون من أوربا التي لفظتهم إلى أرض عذراء (صهيون الجديدة) لا تاريخ لها ـ حسب تصوُّرهم ـ يمكنهم أن يبدأوا فيها من نقطة الصفر. (وإنكار تاريخ البلد الجديد مسألة أساسية من الناحية المعرفية والنفسية، لأن المستوطنين لو اعترف بوجود تاريخ لسكانه الأصليين لفقدوا شرعية وجودهم).
6 ـ عادةً ما يتبنَّى الجيب الاستيطاني رؤية قومية عضوية، إذ يرى المستوطنون أن ثمة وحدة عضوية تضمهم كلهم وتربطهم بأرضهم. هذا على مستوى الإدراك والرؤية، أما على مستوى البنية الفعلية فالأمر جدُّ مختلف. ففي جنوب أفريقيا ـ على سبيل المثال ـ نجد أن المستوطنين هناك قد انقسموا إلى شيع وجماعات، ولكن الانقسام بين العنصر الهولندي والعنصر البريطاني يظل أهم الانقسامات. وفي إسرائيل نجد أيضاً انقسامات حادة بين أعضاء الجماعات اليهودية المختلفة التي هاجرت إلى إسرائيل، ولكن مع هذا يظل الانقسام الأساسي هو الانقسام بين السفارد والإشكناز.
7 ـ يتفرع من هذا كله خطاب عنصري يؤكد التفاوت بين الكتلة الوافدة (التي يُنسَب لها التفوق العرْقي والحضاري)، والسكان الأصليين (الذين يُنسَب لهم التخلف العرْقي والحضاري).
8 ـ ويترجم هذا نفسه إلى نظرية في الحقوق. فحقوق الكتلة الاستيطانية حقوق مطلقة، أما السكان الأصليون فلا حقوق لهم، وإن كان ثمة حقوق فهي عرضية (كنعانية) تجُّبُها حقوق المستوطنين (العبرانيين!).
9 ـ انطلاقاً من كل هذا يتحدد مفهوم المواطنة في البلدين، فالمواطن ليـس من يعيـش في الجيب الاسـتيطاني وإنما هـو صاحب الحقوق المطلقـة، أي اليهـودي في الدولة الصهيونية، والأبيـض في جنوب أفريقيا. ويتضح هذا في قانون العودة الإسرائيلي الذي يمنح حق العودة لليهود وحسب، كما يتضح في قوانين الهجرة في جنوب أفريقيا التي تمنع هجرة غير البيض. هذا يعني أن التمييز العنصري في الجيوب الاستيطانية لا يُشكِّل انحرافاً عن القانون أو خرقاً له (كما هو الحال الآن في الولايات المتحدة) وإنما هو من صميم القانون نفسه. فمقولة «يهودي» و«أبيض» هي مقولات قانونية تمنح صاحبها حقوقاً قانونية وسياسية ومزايا اقتصادية تنكرها على من هو غير يهودي في إسرائيل، ومن هو غير أبيض في جنوب أفريقيا.
10 ـ تترجم نظرية الحقوق (والتفاوت) نفسها إلى بنية سياسية واجتماعية وثقافية. فعلى المستوى السياسي ينشأ نظامان سياسيان واحد ديموقراطي حديث مقصور على المستوطنين، والآخر شمولي يحكم علاقة الجماعة الاستيطانية بأصحاب الأرض الأصليين. وبينما يُسمَح لأعضاء الكتلة الوافدة بالتنظيم السياسي والمهني، يُحرَّم هذا على السكان الأصليين. ويُلاحَظ أنه رغم أن النظام الاستيطاني نظام غربي حديث إلا أنه يُشكل عنصراً أساسياً في محاولات إعاقة تحديث السكان الأصليين.
11 ـ أما في المجال الاقتصادي فنجد أن المستوطنين يحاولون الاستيلاء على الأرض إما عن طريق الاستيلاء المباشر أو عن طريق شرائها أو عن طريق إصدار قوانين تُسهِّل عملية الاستيلاء هذه ونقل الأرض من السكان الأصليين للمستوطنين. وهذه عملية مستمرة لا تتوقف إذ أن الجيب الاستيطاني بسبب إحساسه بالعزلة وبسبب خوفه من المشكلة الديموجرافية يسمح لمزيد من المهاجرين بالاستيطان، الأمر الذي يتطلب المزيد من الأرض، فيزداد الصراع. وقد قام المستوطنون البيض في جنوب أفريقيا بالتوسع على حساب السكان الأصليين البوشمان والهوتنتوت والبانتو، تماماً مثلما قام المستوطنون الصهاينة بالتوسع على حساب الفلسطينيين.
ويتقاضى العمال من السكان الأصليين أجوراً أقل كثيراً من التي يتقاضاها العمال الاستيطانيون. كما أن معظم العمال من السكان الأصليين عليهم الانتقال من أماكن انتقالهم إلى أماكن عملهم، وهو ما يعني جهداً إضافياً شاقاً يتجشمه العامل دون مقابل. كما يقوم النظام الاستيطاني بإعاقة تطوُّر اقتصاد محلي للسكان الأصليين أو أي شكل من أشكال التراكم الرأسمالي.
12 ـ ويُلاحَظ على المستوى الثقافي ظهور نظامين قوميين: القومية الأولى قومية أصحاب الأرض الأصليين سواء الفلسطينيين أو الأفارقة في كلتا الدولتين، أما القومية الثانية فهي قومية مصطنعة، وهي قومية المستوطنين الذين لا تتوافر لهم في مجموعهم من البداية غالبية خصائص القومية الواحدة. ومع هذا يُحتفَل "بالقومية" الاصطناعية الواحدة وتصبح رموزها هي الرموز السائدة في الدول الاستيطانية. وفي مجال التعليم، لا تُتاح لأبناء السكان الأصليين فرص تعليمية متميِّزة، خشية أن يحققوا حراكاً اجتماعياً وثقافياً وتظهر بينهم نخبة متعلمة تقود كفاحهم الوطني.
13 ـ تواجه الجيوب الاستيطانية مشكلة ديموجرافية دائمة إذ أن السكان الأصليين يأخذون في التكاثر. ولذا لابد أن يضمن الجيب الاستيطاني تدفُّق الهجرة من الغرب. وتُستصدَر التشريعات المختلفة لهذا الهدف (كما أسلفنا) وتُعدُّ الهجرة قضية أمنية عسكرية.
14 ـ لابد أن تساند نظرية الحقوق هذه ومحاولة ترجمتها إلى بنية اجتماعية وسياسية قدراً كبيراً من العنف الفكري والإرهاب الفعلي والقمع المستمر بهدف إبادة السكان أو طردهم أو استرقاقهم. وآليات الإرهاب تبدأ من عمليات المذابح المباشرة (دير ياسين وشاربفيل) والطرد الجماعي والعقاب الجماعي ووضع السكان في معازل جماعية (البانتوستان في جنوب أفريقيا ـ المناطق العسكرية من الضفة في فلسطين المحتلة)، وفرض شبكة أمنية ضخمة وشبكة مواصلات ومجموعة من القوانين (مثل ضرورة استصدار تصريح من السلطات) بهدف تقييد حرية انتقال السكان الأصليين من مكان لآخر وتقليل الاحتكاك بين السكان الأصليين والمستوطنين.
15 ـ رغم كل عمليات القمع هذه يظهر ما يمكن تسميته «شرعية الوجود»، أي إحساس المستوطنين الوافدين أن السكان الأصليين لا يزالون هناك يطالبون بحقوقهم ويحاربون من أجلها، وتأكيد هذا الوجود يعني في واقع الأمر غياب/اختفاء المستوطنين. ولذا يصر المستوطنون على أن وجودهم مهدد دائماً. ولذا فهدف الأمن القومي في النظم الاستيطانية هو البقاء (وأهم مقومات البقاء القوة العسكرية وتدفُّق المادة البشرية بشكل دائم).
وهذا التوافق والإدراك المتبادل لوحدة المصير أدَّى إلى خلق درجة كبيرة من الاعتماد المتبادل بين الدولتين في عدة مجالات. ففي المجال التجاري كانت العلاقات بين الجيبين الاستيطانيين من القوة بحيث نجد أن جنوب أفريقيا ـ قبل زوال النظام العنصري ـ كانت شريكة إسرائيل الأولى في التجارة. ولم يكن التعاون العسكري بين الدولتين أقل قوة، فقد أرسلت الدولة الصهيونية متطوعين إسرائيليين ليحاربوا جنباً إلى جنب مع قوات جنوب أفريقيا في حربها ضد قوى التحرر الوطني. وشاركت جنوب أفريقيا بدورها في إمداد إسرائيل بالسلاح في حرب إسرائيل ضد العرب. ويُعدُّ التعاون في مجال صناعة الأسلحة من أهم أشكال التعاون، وكانت الدولتان تحاولان تنسيق جهودهما لتحقيق الاستقلال في مجـال إنتاج المعـدات العسـكرية وفي مجـال السلاح النووي.
ومع بداية التسعينيات تمت تصفية كل الجيوب الاستيطانية في أنحاء العالم. ولم يتبق غير إسرائيل وجنوب أفريقيا: الأولى تقبع على بوابة أفريقيا (تفصل بينها وبين آسيا)، والثانية تقبع في أطرافها. فكأنهما كانا يُشكلان ما يشبه الكماشة التي تطبق على أفريقيا. وبزوال الجيب الاستيطاني في جنوب أفريقيا، لم يبق سوى إسرائيل، الحفرية الأخيرة في نظام قضي وانتهى.
الباب الثانى: إحلالية الاستعمار الاستيطاني الصهيوني
إحلالية الاستعمار الاستيطاني الصهيوني
Depopulation as a Structural Trait of Zionist Settler Colonialism
كلمة «إحلال» من فعل «أحلَّ»، والاستعمار الاستيطاني الإحلالي يُطلَق على هذا النوع من الاستعمار حين يقوم العنصر السكاني الوافد (عادةً الأبيض) بالتخلص من السكان الأصليين إما عن طريق الطرد أو عن طريق الإبادة حتى يُفرغ الأرض منهم ويحل هو محلهم. وفي أمريكا اللاتينية، كان هدف الاستعمار الاستيطاني هو استغلال كلٍّ من الأرض وسكانها عن طريق إنشاء المزارع الكبيرة التي يقوم السكان الأصليون بزراعتها لتحقيق فائض القيمة من خلالهم، ولذا لم يُطرَد السكان الأصليون. أما في الولايات المتحدة، فقد كان المستوطنون البيوريتان يبغون الحصول على الأرض فقط لإنشاء مجتمع جديد، فكان طرد أو إبادة السكان الأصليين وإحلال عنصر جديد محل العنصر القديم أمراً لا مفر منه. وكانت جنوب أفريقيا، حتى عهد قريب، من هذا النوع الإحلالي، فنجد أن المستوطنين البيض استولوا على خير أراضيها وطردوا السكان الأصليين منها. ولكن، بمرور الزمن، طرأت تغيرات بنيوية على الدولة الاستيطانية في جنوب أفريقيا، وأصبح تحقيق فائض القيمة واستغلال السكان الأصليين أحد الأهداف السياسية. ولذا، كان يوجد في جنوب أفريقيا استعمار استيطاني يقوم بتجميع السود في أماكن عمل ومدن مستقلة (بانتوستان) تقع خارج حدود المناطق والمدن البيضاء، ولكنها تقع بالقرب منها حتى يتسنى للعمال السود الهجرة اليومية داخل المناطق البيضاء للعمل فيها.
والأمر بالنسبة لإسرائيل لا يختلف كثيراً عنه في جنوب أفريقيا إذ أن الهدف من الصهيونية هو إنشاء دولة وظيفية قتالية تستوعب الفائض البشري اليهودي وتقوم بحماية المصالح الغربية. وحتى تحتفظ هذه الدولة بكفاءتها القتالية، لابد أن تظل هذه الدولة بمعزل عن الجماهير (العربية) التي ستحارب ضدها، ولذا كان طرد العرب من نطاق الدولة الصهيونية ضرورياً حتى تظل يهودية خالصة، فكأن يهودية الدولة مرتبطة بوظيفتها القتالية ووظيفتها مرتبطة بإحلاليتها.
وقد كان جابوتنسكي مدركاً لشيء من هذا القبيل حين بيَّن أن الدولة الصهيونية المحاطة بالعرب من كل جانب، ستسعى دائماً إلى الاعتماد على "إمبراطورية قوية غير عربية غير إسلامية". وقد اعتبر جابوتنسكي هذه الانعزالية "أساساً إلهياً لإقامة تحالف دائم بين إنجلترا وفلسطين اليهودية (واليهودية فقط)". (يرى أعضاء الجماعات الوظيفية أن عزلتهم علامة من علامات الاختيار الإلهي ومن علامات تميُّزهم على العالمين)، وإصرار جابوتنسكي على صفة اليهودية هو إصرار على العزلة، فالعزلة هي أساس الكفاءة الوظيفية. ففلسطين عربية ستدور في الفلك العربي (على حد قوله)، بل وستهدد المصالح الغربية (على حد قول نوردو)، ذلك لأن العرب عنصر مشكوك في ولائه. أما فلسطين اليهودية (الوظيفية) ذات التوجه الحضاري الغربي فستكون حليفاً موثوقاً به وسيشكل سكانها عنصراً موالياً للغرب بشكل دائم، فهو بسبب عزلته لا ينتمي للمنطقة (على حد قول جابوتنسكي ونوردو ووايزمان).
وقد قام الصهاينة بتهويد دوافع طرد العرب بطرق مختلفة. وتذهب العقيدة الصهيونية إلى أنها تهدف إلى توطين اليهود في دولة يهودية خالصة (ومن ثم طرد العرب) لأيِّ سبب من الأسباب الآتية:
1 - أن تصبح الدولة مركزاً ثقافياً ليهود العالم.
2 - أن يحقق اليهود حلمهم الأزلي بالعودة لوطنهم الأصلي.
3 - أن يتم تطبيع الشخصية اليهودية حتى يصبح اليهود أمة مثل كل الأمم (ومن هنا المفاهيم العمالية المختلفة عن اقتحام العمل والحراسة والزراعة والإنتاج).
4 - أن يؤسس اليهود دولة يمارسون من خلالها سيادتهم ومشاركتهم في صنع القرار والتاريخ.
وعلى كل صهيوني أن يختار الديباجات التي تلائمه. ولكن، مهما كانت الدوافع، فإن الأمر المهم هو أن تكون الدولة المُزمَع إنشاؤها دولة يهودية خالصة ليس فيها عنصر غير يهودي بحيث أصبح حضور الدولة يعني غياب العرب (ومن ثم أصبح حضور العرب يؤدي إلى غياب الدولة)، ومن هنا طرح كل من الاستعماريين غير اليهود والصهاينة اليهود شعار «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض». ولكن مثل هذه الأرض لا توجد إلا على سطح القمر (على حد قول حنه أرنت). ولذا، كان يتحتم على الاستعمار الصهيوني أن يستولي على قطعة أرض ثم يفرغها من سكانها عن طريق العنف. ولذا فطرد الفلسطينيين من أراضيهم جزء عضوي من الرؤية الاستيطانية الصهيونية، ولا تزال هذه هي السمة الأساسية للاستعمار الصهيوني في فلسطين، فهو استعمار استيطاني إحلالي، وإحلاليته إحدى مصادر خصوصيته بل تفرُّده، وهي في الواقع مصدر صهيونيته ويهوديته المزعومة.
وإخلاء فلسطين من كل سكانها أو معظمهم (على أقل تقدير) هو أحد ثوابت الفكر الصهيوني، وهو أمر منطقي ومفهوم إذ لو تم الاستيلاء على الأرض مع بقاء سكانها عليها لأصبح من المستحيل تأسيس الدولة اليهودية، ولتم تأسيس دولة تمثل سكانها بغض النظر عن انتمائهم الديني أو الإثني وتكتسب هويتها الإثنية الأساسية من الانتماء الإثني لأغلبية سكانها. ومثل هذه الدولة الأخيرة لا تُعَدُّ تحقيقاً للحلم الصهيوني الذي يطمح إلى تأسيس الدولة/الجيتو. ومن هنا، كان اختفاء العرب ضرورياً. والعنصرية الصهيونية ليست مسألة عَرَضية، ولا قضية انحلال خلقي أو طغيان فرد أو مجموعة من الأفراد. وإنما هي خاصية بنيوية لأنه (لكي يتحقق الحلم الصهيوني) لابد أن يختفي السكان الأصليون، ولو لم يختـفوا لما تحقق الحلم. ولهـذا، نجد أن الصهـاينة (كل الصهاينة، بغض النظر عن انتمائهم الديني أو السياسي، وبغض النظر عن القيم الأخلاقية التي يؤمنون بها) يسهمون في البنية العنصرية وينمونها. فالمستوطن اليهودي الذي يصل إلى فلسطين سوف يسهم - حتى لو كان حاملاً مشعل الحرية والإخاء والمساواة وملوِّحاً بأكثر الألوية الثورية حُمرة - في اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم وفي تشويه علاقاتهم الاجتماعية والاقتصادية والحضارية، ويعمل (شاء أم أبى) على تقوية مجتمع استيطاني مبني على الاغتصاب. وهذه مشكلة أخلاقية حقيقية تواجه الإسرائيليين الذين يرفضون الصهيونية، والمولودون على أرض فلسطين المحتلة. ويؤكد كل هذا التوجه إسرائيل زانجويل إذ يقول: "إن أردنا أن نعطي بلداً لشعب بلا أرض، فمن الحماقة أن نسمح بأن يصبح في هذا الوطن شعب".
وقد كان بن جوريون مدركاً تماماً للفرق بين الاستعمار الاستيطاني والاستعمار الإحلالي. وفي إطار إدراكه هذا، اقترح على ديجول أن يتبنَّى الشـكل الإحلالي من الاسـتعمار الاسـتيطاني حلاًّ للمشكلة الجزائرية، فتقوم فرنسا بإخلاء المنطقة الساحلية من الجزائر من سكانها العرب، ليُوطَّن فيها الأوربيون وحدهم أو يقيموا فيها المستوطنات، ثم تُعلَن دولة مستقلة لسكانها حق تقرير المصير (وكان رد ديجـول يتسـم بالذكاء التاريخي إذ قال: "أتريدني أن أخلق إسرائيل أخرى؟"). وقد أشار كارل كاوتسكي إشارة عابرة لتلك السمة المميِّزة والأساسية للاستعمار الاستيطاني الصهيوني في كلاسيكيته هل يُشكِّل اليهود جنساً؟ كما تَكهَّن بأن يعاني المستوطنون اليهود الكثير خلال النضال العربي من أجل الاستقلال، "ذلك لأن الاستعمار اليهودي لفلسطين يدل على أنهم ينوون البقاء فيها، وعلى أنهم لا ينوون عدم استغلال السكان الأصليين فحسب بل طردهم نهائياً".
وثمة عناصر خاصة بالاستعمار الاستيطاني الإحلالي الصهيوني تضمن استمرار آليات الاحتكاك والتوتر بينه وبين السكان الأصليين وسكان المنطقة ككل. فمعظم التجارب الإحلالية الأخرى حلت مشكلتها السكانية (أي وجود سكان أصليين) بعدة طرق: التهجير أو الإبادة أو التزاوج مع عناصر السكان الأصليين، أو بمركب من هذه العناصر. ولكن التجربة الاستيطانية الصهيونية تختلف عن معظم التجارب الإحلالية الأخرى فيما يلي:
1 - أنها بدأت في أواخر القرن التاسع عشر، أي في تاريخ متأخر نوعاً عن التجارب الأخرى.
2 - أنها لم تتم في المناطق النائية عن العالم القديم (الأمريكتين وأستراليا ونيوزيلندا) وإنما تمت في وسط المشرق العربي، في منطقة تضم كثافة بشرية لها امتداد تاريخي طويل وتقاليد حضارية راسخة وامتداد بشري وحضاري يقع خارج حدود فلسطين.
ولكل هذا، فإن حل التهجير صعب إلى حدٍّ ما، كما أن حل الإبادة يكاد يكون مستحيلاً. والتزاوج أمر غير مطروح أصلاً، وهو ما يجعل المسألة الفلسطينية (السكانية والتاريخية) مستعصية على الحل الاستعماري التقليدي الذي مورس في مناطق أخرى في مراحل تاريخية سابقة، ولذا فإن من المتوقع استمرار التوتر والعزلة والشراسة.
والتعرف على الجذور الحضارية للاستعمار الاستيطاني الإحلالي له أهميته، إذ يبدو أن النوع الاستيطاني (غير الإحلالي) في الجزائر وأنجولا قد نشأ في الدول الكاثوليكية بينما تعود جذور النوع الإحلالي في جنوب أفريقيا والولايات المتحدة إلى الدول البروتستانتية ذات النزوع الحلولي. فالحلولية الكمونية تؤدي إلى حلول المطلق في النسبي وكمونه فيه بل توحُّده به، ولذا يتوحد الدال والمدلول وتُسد كل الثغرات، وهو ما يؤدي إلى انتشار التفسيرات الحرفية للعهد القديم والتي تخلق حالة عقلية تُسهِّل عملية نقل السكان وتجعلها أمراً طبيعياً، فالأوامر المقدَّسة الحرفية بتدمير الكنعانيين قد جاءت من عل ولا يمكن تفسيرها إلا بشكل حرفيّ. كما أن معظم اعتذاريات الاستعمار الاستيطاني والاستعمار الاستيطاني الإحلالي مُستمَدة من العهد القديم. والكنيسة القومية هي عادةً كنيسة حلولية، إذ أنها موضع الحلول وكل عضو فيها وكل مؤمن بعقيدتها هو عضو في جماعة مقدَّسة - جماعة من الأنبياء أو أشباه الأنبياء. وهي، لهذا السبب، كنيسة مقتصرة على مجموعة بشرية يجمعها انتماء إثني أو عرْقي واحد (كما هو الحال مع الكنيسة الهولندية الإصلاحية في جنوب أفريقيا التي لا تسمح للسود بالانضمام إليها). مثل هذه الكنيسة تضفي قدراً من القداسة على الأفعال التي يأتيها أعضاؤها، وتقدم التبريرات الدينية التي تكون عادةً ذات طابع إنجيلي مقدَّس. فتسوغ عمليات الطرد باعتبار أن الآخر يقع خارج نطاق القداسة. أما الكنيسة الكاثوليكية، فقد حاصرت الحلول الإلهي، وهي تؤمن بالتفسيرات الرمزية والروحية بحيث تفسر أوامر الطرد والإبادة تفسيراً رمزياً، الأمر الذي يخلق مجالاً للحوار مع النص المقدَّس. وهي أيضاً كنيسة عالمية، أي كنيسة تفتح أبوابها لأي إنسان، فهي تمنح المؤمن (سواء كان من المستوطنين أو كان من السكان الأصليين) حقوقاً معينة بغض النظر عن انتمائه القومي أو العنصري، وهو ما يجعل تبنِّي المستوطنين الذين يتبعون الكنيسة العالمية الرؤية الحلولية للكون والنمط الإحلالي من الاستعمار أمراً صعباً.
وكان هرتزل يدرك تماماً الاعتراض الكاثوليكي على مشروعه، ولكنه كان يعتقد أن هذا الموقف قد نَجَم عن المنافسة المستعرة بين كنيستين أو ديانتين عالميتين (اليهودية والكاثوليكية) تتنازعان القدس (باعتبارها قاعدة أرشميدس)، وهو تفسير ينم عن عدم الفهم وعن عدم إدراك لطبيعة اليهودية. ومهما يكن الأمر، فيبدو أن هناك نوعاً من العلاقة الأساسية التي تستحق المزيد من الدراسة بين الشكل المحدد الذي تتخذه مختلف الجيوب الاستيطانية، وبين جذورها الحضارية. ولعل أطروحة فيبر، بشأن علاقة الرأسمالية بالبروتستانتية، قد تساعد بعض الشيء في هذا المضمار، شريطة أن يضع الدارس في الاعتبار الأطروحات الخاصة بالحلولية والإحلالية والعلاقة بينهما.
ومهما كان الأمر، فإن إحلالية الاستعمار الاستيطاني الصهيوني صفة بنيوية لصيقة به، ويشهد الواقع التاريخي بذلك. ففي عام 1948 (أي قبل إعلان الدولة)، بلغ عدد اليهود في الأراضي المحتلة 649.633 يهودياً. ولو جمعنا هذا العدد في عائلات تتألف الواحدة منها من خمسة أشخاص لحصلنا على رقم 129.927 عائلة على حين كانت أملاك اليهود المشتراه حتى 1948 لا تتسع إلا إلى 35.521 عائلة يهودية - أي أن هناك 97.406 عائلة فائضة عن القدرة الاستيعابية التي يفترض وجودها في الأملاك. ولهذا، فإن استقلال إسرائيل كان يعني طرد العرب.
وترى وثيقة أصدرها مكتب الإحصاء المركزي في إسرائيل أن عدد اللاجئين بعد حرب 1948 هو 577.000 لاجئ، وتخالفها وثيقة وزارة الخارجية البريطانية التي صدرت بهذا الصدد وقد حسبتهم بما يقارب 711.000 لاجئ عربي. ويشير تقرير المفوض العام لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (أوثروا) في شهر يوليه 1993 إلى مليون و199 ألف لاجئ (1960) زاد عددهم إلى مليون و425 ألف لاجئ عام 1970 ثم إلى مليون 844 ألف عام 1980 وإلى مليونين و423 ألف لاجئ عام 1990، ليصل العدد عام 1994 إلى مليونين و908 ألف لاجئين.
وقد واصلت إسرائيل الإبعاد في الفترة من 1967 وحتى عملية إبعاد "مرج الزهور" وقد بلغ عدد المُبعدين 1.120.889 لاجئاً عام 1994.
هؤلاء المبعدون حل محلهم مستوطنون بطبيعة الحال بلغ عددهم في الفترة من 1948 - 1966 (1.199.739) مهاجراً، وفي الفترة 1967 - 1970 (109.425) مهاجراً، وفي الفترة 1971 - 1985 (403.706). وقد استمرت الهجرة الصهيونية الاستيطانية الإحلالية مع ضغط الرئيس الأمريكي ريجان على نظيره السوفيتي جورباتشوف لتهجير يهود سوفييت. وقد تصاعدت معدلات الهجرة الاستيطانية الإحلالية بعد عام 1948 واستمرت عمليات طرد السكان الأصليين. وفيما يلي جدول يبيِّن الميزان السكاني في فلسطين المحتلة قبل وبعد إعلان الدولة الاستيطانية الإحلالية:
تطور عدد سكان إسرائيل ، اليهود والعرب ، ونسبة العرب من مجموع السكان
بين 8/11/1948 ونهاية 1993
)الأعداد بالآلاف(
السنة / العدد الإجمالي / يهود / عرب / نسبة العرب من مجموع السكان
8-11-1948 / 872.7 / 716.7 / 156.0 / 17.9
نهاية 1948 /---- / 758.7 / ---- / -----
نهاية 1949 / 1.173.9 / 1.013.9 / 160.0 / 13.6
نهاية 1950 /1.370.1 / 1.203.0 / 167.1 /12.2
نهاية 1951 /1.577.8 / 1.404.4 / 173.4 / 11.0
نهاية 1952 / 1.629.5 / 1.450.2 / 179.3 / 11.0
نهاية 1953 / 1.669.4 / 1.483.6 / 185.8 / 11.2
نهاية 1954 / 1.717.8 / 1.526.0 / 191.8 / 11.2
نهاية 1955 / 1.789.1 / 1.590.5 / 198.6 / 11.1
نهاية 1956 / 1.872.4 / 1.667.5 / 204.9 / 10.9
نهاية 1957 / 1.976.0 / 1.762.8 / 213.1 / 10.8
نهاية 1958 / 2.031.7 / 1.810.2 / 221.5 / 10.9
نهاية 1959 / 2.088.7 / 1.858.8 / 229.8 / 10.9
نهاية 1960 / 2.150.4 / 1.911.3 / 239.2 / 11.1
نهاية 1961 / 2.234.2 / 1.981.7 / 252.5 / 11.3
نهاية 1962 / 2.331.8 / 2.068.9 / 262.9 / 11.3
نهاية 1963 / 2.430.1 / 2.155.6 / 274.6 / 11.3
نهاية 1964 / 2.525.6 / 2.239.2 / 286.4 / 11.3
نهاية 1965 / 2.598.4 / 2.299.1 / 299.3 / 11.5
نهاية 1966 / 2.657.4 / 2.344.9 / 312.5 /11.8
نهاية 1967 / 2.776.3 / 2.383.6 / 392.7 / 14.1
نهاية 1968 / 2.841.1 /2.432.8 / 406.3 / 14.3
نهاية 1969 / 2.929.5 / 422.6 / 422.6 / 14.4
نهاية 1970 / 3.022.1 / 2.582.0 / 440.0 / 14.6
نهاية 1971 / 3.120.7 / 2.662.0 / 485.6 / 14.7
نهاية 1972 / 3.225.0 / 2.752.7 / 472.3 / 14.6
نهاية 1973 / 3.338.2 /2.845.0 / 493.2 / 14.8
نهاية 1974 / 3.421.6 / 2.906.9 / 514.7 / 15.0
نهاية 1975 / 3.493.2 / 2.959.4 / 533.8 / 15.3
نهاية 1976 / 3.575.4 / 3.020.4 / 555.0 / 15.5
نهاية 1977 / 3.653.2 / 3.077.3 / 575.9 / 15.8
نهاية 1978 / 3.737.6 / 3.141.2 / 596.4 / 16.0
نهاية 1979 / 3.836.2 / 3.218.4 / 617.8 / 16.1
نهاية 1980 / 3.921.7 / 3.282.7 / 639.0 / 16.3
نهاية 1981 / 3.977.7 / 3.320.3 / 657.4 / 16.5
نهاية 1982 / 4.063.6 / 3.373.2 / 690.4 / 17.0
نهاية 1983 / 4.118.6 / 3.412.5 / 706.1 / 17.1
نهاية 1984 / 4.199.7 / 3.471.7 / 727.9 / 17.3
نهاية 1985 / 4.226.2 / 3.517.2 / 749.0 / 17.6
نهاية 1986 / 4.331.3 / 3.561.4 / 769.9 / 17.8
نهاية 1987 / 4.406.5 / 3.612.9 / 793.6 / 18.0
نهاية 1988 / 4.876.8 / 3.659.0 / 817.7 / 18.3
نهاية 1989 / 4.559.6 / 3.717.1 / 842.5 / 18.5
نهاية 1990 / 4.821.7 / 3.946.7 / 875.0 / 18.1
نهاية 1991 / 5.058.8 / 4.144.6 / 914.3 / 18.1
نهاية 1992 / 5.195.9 / 4.242.5 / 953.4 / 18.3
نهاية 1993 / 5.327.6 / 4.335.2 / 992.5 / 18.6
ويُعدُّ قانون العودة التعبير القانوني الواضح عن طبيعة الاستعمار الاستيطاني الإحلالي. ويبدو أن الاستعمار الصهيوني بدأ يفقد شيئاً من طبيعته الإحلالية بعد عام 1967، ويكتسب بدلاً من ذلك شكلاً مماثلاً للاستعمار الاستيطاني في جنوب أفريقيا القائم على التفرقة اللونية والذي يقوم على استغلال الأرض والسكان معاً. ولكن، تجـب الإشـارة إلى أن ثمة رفضـاً عمـيقاً لهذا التحول بين بعض الصهاينة، لأنه يعني أن الدولة اليهودية ستفقد هويتها الخالصة. ولم تحل اتفاقية أوسلو أياً من الإشكاليات الأساسية للاستعمار الاستيطاني الإحلالي الصهيوني.
حتميـــة طـــرد الفلســـطينيين ونقلـــهم (ترانســـفير(
Inevitability of the Zionist Tranfer of the Palestinians
يهدف المخطَّط الصهيوني (شأنه شأن أي مشروع استيطاني إحلالي) إلى طَرْد وترحيل السكان الأصليين الذين يشغلون الأرض التي سيُقام فيها التجمُّع الصهيوني. وهذا أمر حتمي حتى يتسنى إقامة دولة يهودية خالصة لا تشوبها أية شوائب عرْقية أو حضارية أخرى. ولذا طُرح شعار "أرض بلا شعب". وهو ما يجعل طرد الفلسطينيين أمراً حتمياً نابعاً من منطلق الصهيونية الداخلي.
وقد كتب هرتزل في يومياته عن الطرق والوسائل المختلفة لنزع ملكية الفقراء، ونقلهم، واستخدام السكان الأصليين في نقل الثعابين وما شابه ذلك، ثم إعطائهم وظائف في دول أخرى يقيمون فيها بصفة مؤقتة. وحينما كتب هرتزل لتشامبرلين عن قبرص، بوصفها موقعاً ممكناً آخر للاستيطان الصهيوني، لم يتردد في أن يرسم له الخطوط العريضة لطريقة إخلائها من السكان "سيُرحَّل المسلمون، أما اليونانيون فسيبيعون أرضهم بكل سرور نظير ثمن مرتفع ثم يهاجرون إما إلى اليونان أو إلى كريت".
كما نجد أن إسرائيل زانجويل، المفكر الصهيوني البريطاني، يؤكد في كتاباته الأولى ضرورة طرد العرب وترحيلهم، فيقول: "يجب ألا يُسمَح للعرب أن يحولوا دون تحقيق المشروع الصهيوني ولذا لابد من إقناعهم بالهجرة الجماعية... أليست لهم بلاد العرب كلها... ليس ثمة من سبب خاص يحمل العرب على التشبث بهذه الكيلو مترات القليلة... فهم بـدو رُحل يطوون خيامهم ويَنْسَـلون في صمت وينتقلون من مكان لآخر".
وذكر جوزيف وايتز، مسئول الاستيطان في الوكالة اليهودية، في عدد 29 سبتمبر 1967 من جريدة دافار، أنه، هو وغيره من الزعماء الصهاينة، قد توصلوا إلى نتيجة مفادها أنه "لا يوجد مكان لكلا الشعبين (العربي واليهودي) في هذا البلد" وأن تحقيق الأهداف الصهيونية يتطلب تفريغ فلسطين، أو جزء منها، من سكانها، وأنه ينبغي لذلك نَقْل العرب، كل العرب، إلى الدول المجاورة. وبعد إتمام عملية نَقْل السكان هذه سـتتمكن فلسـطين من استيعاب الملايين من اليـهود.
وكان جابوتنسكي بطبيعة الحال من مؤيدي هذا المخطَّط، فأعد حيلة جديرة بعقله الصهيوني الصغير، إذ اقترح أن تعلن المنظمة الصهيونية العالمية معارضتها نزوح العرب عن فلسطين، وبذا تهدئ مخاوف العرب بشأن مخطَّط نَقْل السكان الأصليين، بل سيظن هؤلاء السكان، السذج، أن الصهاينة يريدون منهم البقاء حتى يتسنى لهم استغلالهم، ولذا فإنهم سيحملون متاعهم ويرحلون. وهذه الخطة، أو الحيلة تتسم بالغباء أكثر مما تتسم بالخبث، فقد أثبت الفلاحون العرب أنهم أقل جهـلاً مما كان يتصـور الزعيم الصهيوني، وأكثر ارتياباً مما تَعشَّم.
ويمكن القول بأن جابوتنسكي "متطرف"، ولكن سنجد أن وايزمان كان من المطالبين بهذا، وقد نشرت مجلة الجويش كرونيكل، في 13 أغسطس 1937، وثيقة، وقعها وايزمان بالحروف الأولى من اسمه، تدل على أن الزعيم الصهيوني كان يرى أن نجاح مشروع التقسيم يتوقف على مدى إخلاص الحكومة البريطانية للتوصية الخاصة بنقل السكان. ولا يختلف آرثر روبين مدير دائرة الاستيطان الصهيوني كثيراً عن ذلك. فقد اقترح منذ مايو 1911 "ترحيلاً محدوداً" للفلاحين العرب الذين سيُجرَّدون من أمـلاكهم إلى منطقتي حلب وحمص في شـمال سوريا. كان تجريد المزارعين العرب وإجلاؤهم عن أراضيهم، كما كتب روبين بعد تسعة عشر عاماً، أمراً لا مفر منه، لأن "الأرض هي الشرط الحيوي لاستيطاننا فلسطين. لكن لما لم يكن ثمة أرض قابلة للزراعة إلا وهي مزروعة من قبل، فقد نجد أننا حيثما نشتري أرضاً ونسكنها لابد لزرَّاعها الحاليين من أن يُطرَدوا منها...".
ولم تكن خطة نقل المواطنين اليهود مقصورة على أولئك الذين استوطنوا الأرض من أجل أغراض رأسمالية دنيئة، أو لأسباب قومية عادية، بل كانت أيضاً خطة تبناها أولئك الذين استوطنوا فلسطين لكي يقيموا فيها مجتمعاً مثالياً قوامه المساواة. وقد أبدى بوروخوف، أبو اليسار الصهيوني، وعياً ملحوظاً بحقيقة أن الحل الصهيوني، الذي يتلخص في نقل اليهود وتوطينهم في أرض خاصة بهم، لا يمكن أن يتم "بدون نضال مرير وبدون قسوة وظلم وبدون معاناة البريء والمذنب على السواء". وفي تحديد إطار تَصوُّره لمستقبل المواطنين، قال إن المهاجرين اليهود سيقومون ببناء فلسطين، وأن السكان الأصليين سيتم استيعابهم، في الوقت المناسب، من جانب اليهود من الناحيتين الاقتصادية والثقافية على السواء. "إن تاريخ الاستيطان الصهيوني سيُكتَب بالعرَق والدموع والدم".
وقد وصف الكاتب الإسرائيلي موشي سميلانسكي ما تصوَّره اجتماعاً للرواد الصهاينة الاشتراكيين، في عام 1891، حيث تم توجيه بعض الأسئلة الخاصة بالعرب:
ـ "إن الأرض في يهودا والخليل يحتلها العرب".
ـ "حسناً سنأخذها منهم".
ـ "كيف؟" (صمت).
ـ "إن الثوري لا يوجه أسئلة ساذجة ".
ـ "حسناً، إذن، أيها الثوري، قل لنا كيف؟".
وجاءت الإجابة في شكل عبـارات واضحة لا لبـس فيها ولا إبهام: "إن الأمر بسيط جداً. سنزعجهم بغارات متكررة حتى يرحلوا.. دعهم يذهبوا إلى ما وراء الأردن". وعندما حاول صوت قَلق أن يعرف ما إذا كانت هذه ستكون النهاية أم لا، جاءت الإجابة، مرة أخرى، محددة وقاطعة: "حالما يصبح لنا مُستوطَنة كبيرة هنا، سنستولي على الأرض وسنصبح أقوياء وعندئذ سنولي الضفة الشرقية اهتمامنا وسنطردهم من هناك أيضاً، دعهم يعودوا إلى الدول العربية".
ثمة رؤية إحلالية صهيونية واضحة لها منطقها الواضح الحتمي، تحوَّلت إلى خطة لحل مشكلة الصهاينة الديموجرافية (التي تشبه مشكلة الإنسان الأبيض الديموجرافية في جميع الجيوب الاستيطانية) وهذه المشكلة عادةً ما يُطرَح حل نهائي جذري لحلها، وقد تتأرجح بين حد أقصى (الترانسفير الكامل أو الإبادة الجسدية الكاملة) أو حد أدنى، خلق أغلبية من العنصر السكاني الجديد. المتحرك هو الحدان الأعلى والأدنى، أما الثابت فهي رؤية الترحيل والإحلال. وبين سنتي 1937 و1948، صيغت وقُدِّمت عدة خطط ترحيل صهيونية، منها: خطة سوسكين للترحيل القسري (سنة 1937)، وخطة فايتس للترحيل (ديسمبر 1937)، وخطة بونيه (يوليه 1938)، وخطة روبين (يونيه 1938)، وخطة الجزيرة (1938ـ 1942)، وخطة إدوارد نورمان للترحيل إلى العراق (1934 ـ 1948)، وخطة بن جوريون (1943 ـ 1948)، وخطة يوسف شختمان للترحيل القسري (1948)، وأثناء الفترة نفسها أُلِّفت ثلاث لجان ترحيل، نيطت بها مهمة مناقشة وتصميم الطرق العملية لترويج خطط الترحيل: اللجنتان الأوليان ألفتهما الوكالة اليهودية (1937 ـ 1942)، أما اللجنة الثالثة فقد ألفتها الحكومة الإسرائيلية سنة 1948.
والثوابت واضحة والخطة ليست أقل وضوحاً، والآلية في مثل هذه التجارب الاستيطانية الإحلالية معروفة، فالبشر لا يتركون أرضهم هكذا، ولا يطوون خيامهم ويَنْسَـلون من الأرض ويختفـون، كما كان يتمـنى زانجويل، ولابد من استخدام القوة والعنف. ومع هذا لا تفتأ الدعاية الصهيونية تنفي عن نفسها تهمة العنف العسكري الموجه ضد العرب. بل إن بن جوريون بلغت به الجرأة أن يزعم أن كل مفكري الصهيونية العظماء لم يطرأ لهم على بال قط أن الحلم الصهيوني لا يمكن تحقُّقه إلا من خلال الانتصار العسكري على العرب. ولكن بن جوريون، بلا شك، قرأ رسالة هرتزل إلى البارون دي هرش، التي يحدثه فيها عن خطته لخلق البروليتاريا اليهودية المثقفة من قيادات وكوادر الجيش الصهيوني التي ستبحث وتكتشف ثم تستولي على الأرض، أي الوطن القومي. ولا شك في أنه سمع بخطاب زانجويل (في مانشستر في أبريل 1905) الذي قال للصهاينة فيه: "لابد أن نُعد أنفسنا لإخراج القبائل [العربية] بقوة السـيف كما فعل آباؤنا، أو أن نكابد مشـقة وجود سـكان أجانب كُثر، معظمهم من المحمديين" (أي المسلمين). ولابد أنه قرأ ما كتبه أهرون أهرونسون عن ضرورة "إخراج المزارعين العرب بالقوة". وبعد وفاة هرتزل، واصل صديقه نوردو الدفاع عن العنف العسكري، فاقترح تعبئة جيش ضخم، قوامه 600.000 يهودي للذهاب إلى فلسطين حتى يفرض نفسه، بوصفه أغلبية سكانية على الفلسطينيين. وقد كان الزعيم الصهيوني العمالي جوزيف ترومبلدور أكثر تواضعاً، إذ اقترح تكوين جيش قوامه 100.000 فحسب.
أما جابوتنسكي، الوريث الحقيقي لفكر هرتزل، فقد رسم خطة لخلق أغلبية يهودية فورية في فلسطين، وسماها «مشروع نوردو». وعندما حذر أحد الصهاينة الألمان من نشوب حرب شاملة مع العرب، سخر جابوتنسكي منه، ثم ضرب أمثلة استقاها من تاريخ الاستعمار الغربي في أفريقيا وآسيا: "إن التاريخ يعلمنا أن كل المستعمرين قوبلوا بقليل من التشجيع من جانب السكان الأصليين.. وقد يكون ذلك مدعاة للحزن. ونحن اليهود لن نشذ عن القاعدة". وفي خطابه أمام اللجنة الملكية لفلسطين، عام 1937، قال جابوتنسكي "إن أمة كأمتكم، عريقة في تجربتها الاستعمارية العملاقة، تعرف بكل تأكيد أن المشروع الاستعماري لم ينجح دون نزاعات مع السكان.. (ولذا يجب) السماح لليهود بإقامة حرس خـاص بهـم، مثل الأوربيين في كينيا". وبعـد عـام من ذلك التاريخ، وخلال اجتماع فرعة منظمة بيتار في بولندا ـ وهي منظمة عسكرية صهيونية ـ لعب مناحم بيجين، تلميذ جابوتنسكي المخلص، دوراً مؤثراً وفعالاً في تغيير يمين الولاء ليتضمن قسماً بالاستيلاء على الوطـن اليهودي بقوة السـلاح. وقد تولَّى بيجين زعامة المنظمة عام 1939.
ومن المعروف أنه مع بداية هذا القرن كان الشباب، من عمال صهيون الذين استوطنوا فلسطين يسيرون مسلحين بعصي كبيرة وبعضهم يسير حاملاً مدى ومسدسات. وفي عام 1907 تأسست منظمة عسكرية صهيونية سرية شعارها "لقد سقطت يهودا بالدم والنار وستنهض بالطريقة نفسها". وقد تحوَّل اسم هذه المنظمة عام 1909 إلى منظمة الهاجاناه. وقد أسقطت الهاجاناه وهي الذراع العسكري للوكالة اليهودية، وللمنظمة الصهيونية العالمية، الشعار الإرهابي آنف الذكر. ولكن الأرجون (أو هاجاناه بيت)، التي كان يترأسها مناحم بيجين، احتفظت به. وقد اتخذت الأرجون ـ رمزاً لها ـ يداً تمسك بندقية فوق خريطة فلسطين وشرق الأردن، أيضاً، نقشت تحته هذه الكلمات: "هكذا فقط"، وفي سنة 1948 اندمجت كل من الهاجاناه، والأرجون لتكوِّنا جيش الدفاع الإسرائيلي. ومن المستحيل أن يكون كل هذا قد فات على بن جوريون، وقد كان واحداً من أهم المخططين الأساسيين في مُخطَّط الاستيطان والتوسع الصهيوني.
وخلال السنوات الأولى للاستيطان الصهيوني تم تحصين المستوطنات التعاونية الزراعية بمعدات بدائية، تحوَّلت فيما بعد إلى التاكتيك المسمى «البرج والسور». وبعد عام 1948 أصبحت إسرائيل كلها "الدولة القلعة" أو "الجيتو المسلح". وقد تنبأ جابوتنسكي بهذا الوضع حينما قال إن "سوراً حديدياً من القوات المسلحة اليهودية سيقوم بالدفـاع عن عملية الاسـتيطان الصهيوني". وبعد إنشـاء الدولة الصهيونية، أصبح الحديث عن نقل (ترانسفير) العرب خافتاً ولكنه لم ينته قط، إذ لا تزال مشكلة إسرائيل السكانية قائمة، وخصوصاً أن المصادر البشرية للهجرة الاستيطانية آخذة في الجفاف.
طرد ونقل (ترانسفير) الفلسطينيين
Transfer of the Palestinians
إن إفراغ فلسطين من سكانها هو هدف صهيوني، وضرورة يحتمها منطق الأسطورة والعنف الإدراكي الصهيوني. ولكي يحقق الصهاينة مخططهم تبنوا تكتيكات مختلفة، فلم يكن العنف المسلح الوسيلة الوحيدة، وإنما استخدموا وسائل أخرى أيضاً. وقد اتهم عالم الاجتماع البولندي اليهودي، لودفيج جومبلوفيتش، هرتزل بالسذاجة السياسية، ثم طرح عليه سؤلاً بلاغياً: "هل تريد أن تؤسس دولة بدون عنف مسلح أو مكر؟ هكذا... بالتقسيط المريح؟". ومن المؤكد أن العنف المسلح والمكر هما الأداتان اللتان استخدمهما الصهاينة. ويتمثل المكر في نشر الذعر والإرهاب بين العرب، أما العنف فيتمثل في تعريضهم للإرهاب الفعلي. ويمكن القول بأن الإرهاب الصريح ضد الفلسطينيين قد استُخدم قبل 1948، ثم خلال فترة الحرب كلها، أما نشر الرعب بين السـكان، أي الحرب النفسـية، فقد تصـاعدت حدتها في المرحلة الأخـيرة. وليس لهذا التمييز بين العنف المسلح والمكر أية أهمية، إلا من الناحية التحليلية البحتة، حيث إن الأسلوبين متداخلان، بل إنهما، في الواقع، مجرد عنصرين في مخطط واحد متكامل. ففي حالة مذبحة دير ياسين، على سبيل المثال، حرص الصهاينة حرصاً شديداً على إطلاع جميع الفلسطينيين على الحادث، ليقوموا من خلاله بغرس الخوف والهلع في القلوب.
وكان أكثر أساليب الحرب النفسية شيوعاً هو أسلوب استخدام مكبرات الصوت والإذاعات لخلق جو من الذعر بين سكان قُضي على قياداتهم أثناء الثورات المتكررة السابقة، ولا سيما بعد قمع ثورة عام 1936 ضد الاحتلال البريطاني. وعلى سبيل المثال، فقد حذر راديو الهاجاناه العرب، يوم 19 فبراير عام 1948، من أن الزعماء العرب سيتجاهلون أمرهم. وفي الساعة السادسة من مساء يوم 10 مارس أذاع الراديو أن "الدول العربية تتآمر مع بريطانيا ضد الفلسطينيين". وفي الساعة السادسة من مساء يوم 14 مارس عام 1948 أذاع الراديو "إن سـكان يافا في حـالة ذعر كبيرة؛ إلى درجة أنهم ظلوا داخل منازلهـم". وأشار الكاتب اليهودي هاري ليفين في مذكراته إلى البيان، الذي كان قد سمعه يوم 15 مايو أثناء إذاعته من عربات مكبرات الصوت الصهيونية باللغة العربية، والذي كان يحث العرب على "مغادرة الحي قبل الساعة الخامسة والربع صباحاً"، ثم نصحهم بقوله: "ارحموا زوجاتكم وأطفالكم، واخرجوا من حمام الدم هذا... اخرجوا من طريق أريحا، الذي ما زال مفتوحاً. وإن مكثتم هنا، فإنكم بذلك ستجلبون على أنفسكم الكارثة"، وقد تجولت أيضاً مكبرات الصوت التابعة للهاجاناه في جميع أنحاء حيفا، تهدد الناس، وتحثهم على الفرار مع أسرهم (وذلك وفقاً لما جاء في كتاب المؤلف الصهيوني جون كيمشي الأعمدة السبعة المنهارة).
إن الإشارات المتكررة إلى الكوارث المُتوقَّعة والانهيار الوشيك هي من الموضوعات الأساسية التي ركزت عليها إذاعة الهاجاناه، ومكبرات الصوت التابعة لها، في المناطق الآهلة بالسكان العرب. وثمة موضوع آخر تكرر في الحرب النفسية التي شنها المستعمرون الاستيطانيون، هو خطر انتشار الأوبئة الوشيك. ففي الساعة السابعة والنصف مساء يوم 20 مارس 1948 بدأت الإذاعة الصهيونية في إذاعة بيان باللغة العربية جاء فيه: "هل تعلمون أنه يُعتبَر واجباً مقدَّساً عليكم أن تُطعِّموا أنفسكم على وجه السرعة ضد الكوليرا والتيفوس وما شابه ذلك من الأمراض، حيث إن من المتوقع انتشار مثل هذه الأمراض في شهري أبريل ومايو بين العرب في التجمعات الحضرية". وقد تم استخدام الموضوع نفسه يوم 18 فبراير عام 1948، عندما أكدت السـلطات الصهيونية، عن طريق الراديو، أن المتطوعين العرب "يحملون وباء الجدري"، وأضافت تقول، يوم 27 فبراير، إن "الأطباء الفلسطينيين قد أخذوا يفرون".
ويُقدِّم إيجال آلون، وزير الخارجية الإسرائيلية السابق، تقريراً في كتاب البالماخ عن مساهمته في تكتيكات الإرهاب: "جمعت جميع العمد اليهود، الذين لهم صلة بالعرب في مختلف القرى، وطلبت منهم أن يهمسوا في أُذن بعض العرب بأن قوة عسكرية يهودية كبيرة وصلت إلى منطقة الجليل، وأنها ستحرق سائر قرى منطقة الحولة. وينبغي عليهم أن يقترحوا على هؤلاء العرب، بصفتهم أصدقاء لهم، الهرب، حيث ما زال هناك وقت لتنفيذ ذلك". وشرح آلون كلامه بقوله: "وانتشرت الشائعة في جميع مناطق الحولة بأن الوقت قد حان للفرار، وبلغ عدد الهاربين آلافاً لا تُحصَى. وبذلك حقق التكتيك هدفه تماماً... وتم تنظيف المناطق الواسعة ". وكلمة «تنظيف» مناسبة جداً للتعبير عما يدور في ذهن الاستعماري الاستيطاني الإحلالي الذي لم يُردْ الأرض فحسب، وإنما أراد تفريغها من سكانها. (وهي الكلمة نفسها التي استخدمها الصرب في حديثهم عن إبادة أهل البوسنة من المسلمين).
هذا عن أساليب الحرب النفسية، أو أساليب المكر التي اتبعها الصهاينة، وهي، بلا شك أساليب كانت مبتكرة. ولكن الملاحظ الموضوعي لا يملك إلا أن يشهد بأن العقل الصهيوني بمقدرته اللامتناهية على الإبداع في مجال العنف المسلح أو الإرهاب، قد طوَّر وجدَّد في مجال العنف المباشر، أكثر من تجديده في مجال المكر والحرب النفسية.
ولعل من أهم الشخصيات في مجال العنف المسلح الصهيوني غير اليهودي أورد وينجيت. ويمكننا أن نذكر هنا مساهماته في تدعيم تقاليد الإرهاب الصهيوني وتطويرها بما يتفق مع خصوصية الموقف في فلسطين. وقد نجح وينجيت في الحصول على موافقة القيادة البريطانية على تشكيل الفرقة الليلية، التي كان الهدف منها هجومياً وليس دفاعياً. فبدلاً من انتظار الهجوم العربي، طالب وينجيت بأن يقوم المستوطنون بتشكيل وحدات متحركة ليقوموا بالبحث عن العدو في أرضه خلال ظلمة الليل. والافتراضات هنا غريبة بعض الشيء، إذ تفترض أن الفلاحين الفلسطينيين، داخل فلسطين نفسها، يمكن أن يكونوا في حالة "هجوم" في أي وقت من الأوقات. ففي تصوري أنهم طالما ظلوا في فلسطين، فهم في حالة دفاع مشروع عن النفس، ولكن إذا ما عدنا للتصورات الصهيونية والاسترجاعية فإننا سنجد أن الأغيار الذين يقطنون فلسطين هم معتدون، بالضرورة. وقد اعترض بعض أعضاء الهاجاناه على خطط وينجيت خشية أن يؤدي الموقف الهجومي المقترح إلى زيادة حدة توتر العلاقات بين المستوطنين الصهاينة وجيرانهم العرب. بيد أن وينجيت أصر على موقفه، وتم تشكيل الفرقة الليلية.
وكانت العمليات العسكرية تبدأ عادةً بأن يطلق وينجيت بعض العيارات النارية على إحدى القرى العربية، فيستفز العرب بذلك ويردون بوابل من الطلقات النارية. وحينما يتجمع العرب بحثاً عن المهاجمين، يتم حصارهم بسرعة. وفي إحدى الغارات قتل الصهاينة، تحت قيادة وينجيت، خمســة من تسـعة من العرب الذين ذهبـوا يبحثون عن المهاجمين، وأُسر الأربعة الآخرون. وقام وينجيت بتهنئة أعضاء فرقته في "هدوء وسكون"، ثم بدأ التحقيق مع العرب بشأن أسلحتهم المخبأة. وعندما رفض العرب الإدلاء بأية معلومات عنها، انحنى وينجيت وتناول حفنة من الرمال والزلط من الأرض وأرغم أول عربي على مضغها ودفع بها في حنجرته حتى كادت أن تخنقه "وتزهق روحه". ولكن العرب مع هذا لم يستسـلموا.
وهـنا انتهـج الصهيوني غير اليهودي أسـلوباً آخر، إذ التفت إلى أحد اليهود وأشار إلى العربي قائلاً: "أطلق الرصاص على هذا الرجل". فتردد اليهودي، في بادئ الأمر، ولكن وينجيت قال: في صوت يشوبه التوتر "ألم تسمع؟ أطلق الرصاص عليه". فقام المستوطن الصهيوني ـ ممتثلاً ـ بإطلاق الرصاص على العربي، واضطر المسجونون العرب الآخرون إلى أن يتكلموا في النهاية. وقد أشار الجنرال دايان في مذكراته إلى أن الكثير من الرجال الذين كانوا يعملون مع وينجيت "قد أصبحوا ضباطاً في الجيش الإسرائيلي، الذي حارب العرب وهزمهم". وأوضح دايان أن الذين استفادوا من معرفة وينجيت وتكتيكاته لم يكونوا مساعديه المباشرين فقط بل إن كل قائد في الجيش الإسرائيلي حتى اليوم هو تلميذ من تلاميذ وينجيت: "لقد أعطانا التكتيك الذي نسير عليه اليوم، وكان هو الإلهام الذي نستوحي منـه تكتيكـاتنا، لقد كان ـ بالنسبة لنا ـ الديناميكية التي تعطينا القوة".
استفادت قوات الغزو الصهيونية من فكر وينجيت الإرهابي العسكري قبل 1948وبعدها (فكرة الضربة المجهضة على سبيل المثال)، ولكن ما يهمنا هنا هو الغارات الليلية التي كانت تشنها الهاجاناه والبالماخ عام 1948. فقد أشار دايان إلى أن الهاجاناه والبالماخ كانتا تشنان هذا النوع من الغارات خلال عام 1948. وكما أشار المؤرخ اليهودي أرييه يتشاكي فإن التكتيكات كانت شديدة البساطة: "هجوم على قرية العدو، ثم تدمير أكبر عدد ممكن من المنازل". وكانت النتائج بسيطة بالمثل: "مصرع عدد كبير من المسنين والنساء والأطفال في أيِّ مكان تواجه فيه القوة التي تشن الهجوم أية مقاومة".
ولكن الهاجاناه أدخلت، على ما يبدو، بعض التحسينات المهمة على تكتيكاتها، ولا سيما في نهاية عهد الانتداب. ففي الهجوم على القرى العربية كان رجال الهاجاناه يضعون، أولاً، وبهدوء، شحنات متفجرة حول المنازل المبنية من الحجارة، ويبللون إطارات النوافذ والأبواب بالبنيزين. وبمجـرد أن يتم تنفيـذ هذه الخطوة، يفتحون نيرانهم، في الوقت الذي يبدأ انفجار الديناميت، فيحترق السكان النائمون حتى الموت.
وقد علق حاييم وايزمان على نتائج الإرهاب والمكر الصهيونيين قائلاً: إن خروج العرب بشكل جماعي كان تبسيطاً لمهمة إسرائيل ونجـاحاً مزدوجاً: انتصـار إقليمي، وحل ديموجرافي نهائي. إن الأرض، بعد تفريغها من سكانها، أصبحت بلا شعب حتى يأتي الشعب الذي لا أرض له.
قانـون العـودة: قانون صهيوني أساسي
Law of Return: A Zionist Basic Law
«قانون العودة» قانون صدر في إسرائيل عام 1950 يمنح أي يهودي في العالم حق الهجرة إلى فلسطين وأن يصبح مواطناً فور وصوله. ومن المعروف أن جميع أجنحة الصهيونية تعاونت في مرحلة ما قبل 1948 على إنجاز أهم عنصر مُتضمَّن في الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة، أي التخلص من السكان الأصليين وتغييبهم. وثمة أدبيات ثرية في هذا الموضوع توثق النية الصهيونية المبيتة لطرد العرب، وتبيِّن الطرق المختلفة التي لجأت إليها قوات المستوطنين لطرد الفلسطينيين وتفريغ فلسطين من سكانها. ولكن المشروع الصهيوني لم يُحقِّق النجاح الكامل إذ بقيت أقلية من العرب (وهي آخذة في التزايد). وقد لجأت دولة المستوطنين إلى اتخاذ إجراءات قانونية للضرب على يد هذه الأقلية العربية وتكبيلها. ولم يكن ذلك أمراً عسيراً، إذ ورثت هذه الدولة، فيما ورثت، خاصية اليهودية باعتبارها خاصية رئيسية ومحورية تسم اليهود الذين تقوم على خدمتهم مجموعة من المؤسسات الاستيطانية المقصورة عليهم. وبصدور قـانون العـودة في يولــيه 1950، تحوَّلـت خاصية اليهودية هذه إلى مقولة قانونية تمنح صاحبها حقاً تنكره على غير اليهود.
وقد صدر هذا القانون عن الكنيست الأول عام 1950، وخضع لتعديل لاحق في أغسطس عام 1954، وهو ينطلق من الافتراض الصهيوني القائل بأن اليهود "شعب بلا أرض"، شعب عضوي نُفي قسراً من وطنه فلسطين منذ ألفي عام. ولكن هذا النفي لم يؤثر في أعضاء هذا الشـعب، فغالبيتهم ـ حسب التصوُّر الصهيوني ـ مرتبطون عضوياً ارتباطاً تاماً بوطنهم ويريدون "العودة" إليه لينهوا حالة الشتات وليحققوا وحدة الشعب اليهودي بأرضه اليهودية. ومن هنا تسمية القانون بـ «قانون العودة».
ويعني هذا الافتراض أيضاً أن فلسطين "أرض بلا شعب"، وأنه إن وُجد شعب فيها في عشرات القرون الماضية فهو وجود عرضي ومؤقت ولا يُضفي على أعضاء هذا الشعب أية حقوق ثابتة، إذ أن اليهود وحدهم لهم حقـوق عضوية مطلقـة في أرض فلسـطين، أو إرتـس يسرائيل، كما يُقال في الأدبيات الصهيونية والإسرائيلية واليهودية.
لكل هذا نص قانون العودة صراحةً على حق كل يهودي في الهجرة أو العودة إلى إسرائيل (بعد آلاف السنين "من الغياب المؤقت")، وأنكر بشكل ضمني هذا الحق على الفلسطينيين الذين هاجروا من أرضهم عام 1948 حتى يبـقى المجـال الحيوي لليهود وللدولة اليهودية. خالياً من العرب. ونص القانون على حق كل يهودي في الهجرة إلى إسرائيل ما لم يكن وزير الداخلية مقتنعاً بأن طالب الهجرة يمارس نشاطاً موجَّهاً ضد اليهود، أو يمكن أن يعرض الأمن والصحة العامة للخطر، أو أن له ماضياً إجرامياً. وتضمَّن مواد هذا القانون الفريد حق اليهودي، في حالة رفض هجرته لغير الأسباب السابقة، في اللجوء إلى المحكمة العليا الإسرائيلية لإجبار السلطات على السماح له بذلك حتى لو ظل مواطناً أجنبياً على أرض دولة أخرى. كما يمنح القانون الأشخاص الذين يدخلون إسرائيل بموجبه الجنسية وحقوق المواطنة على الفور.
وبموجب المادة الرابعة من قانون العودة، يُعتبَر كل يهودي هاجر إلى فلسطين (قبل سريان القانون) وكل يهودي مولود فيها (قبل سريانه أو بعده) شخصاً جاء إلى فلسطين بصفة "مهاجر عائد". ورغم أن هذا القانون قانون هجرة وليس قانون جنسية، فإن اعتماد جوهره في قانون الجنسية الإسرائيلية جعل منهما كلاًّ متكاملاً.
وقد أشار بن جوريون إلى طبيعة قانون العودة إبان عرضه على الكنيست، حيث ذكر أن هذا القانون لا يمنح اليهودي "الحق" في الهجرة إليها، فهذا الحق كامن في كل يهودي باعتباره يهودياً، وإنما يهدف القانون إلى تحديد طابع الدولة الصهيونية وهدفها الفريد، فهذه الدولة تختلف عن بقية دول العالم من حيث عناصر قيامها وأهدافها، وسلطتها محصورة في سكانها ولكن أبوابها مفتوحة لكل يهودي حيث وُجد. وأكد بن جوريون أن قانون العودة هو التعبير القانوني عن الرؤية الصهيونية (من هنا وصفنا لقانون العودة بـ «الصهيوني»).
وفي مارس عام 1970، أدخل الكنيست تعديلاً جديداً على القانون، عقب نشوب أزمة وزارية متكررة الحدوث حول تعريف اليهودي. وتَضمَّن التعديل أن اليهودي هو «المولود لأم يهودية أو المهتدي إلى الدين اليهودي والذي لا يدين بدين آخر». كما نص على أن تُمنَح الجنسية الإسرائيلية بصورة آلية لجميع أفراد الأسرة المهاجرة من غير اليهود.
وعُدِّل قانون العودة فيما بعد، ووفقاً لهذا التعديل لا تُشتَرط الإقامة في إسرائيل أو إتقان اللغة العبرية أو حتى التنازل عن الجنسية الأخرى، ويُكتفى للاستفادة بقانون العودة أن يعرب المهاجر على نيته في الاستقرار في إسرائيل.
وقد قارن كثير من الكُتَّاب اليهود والإسرائيليين بين قانون العودة والقوانين النازية. فعلى سبيل المثال، أعـرب الأستاذ الإسرائيلي د. كونفيتس ـ خلال النقاش الذي دار قبل الموافقة على قانون العودة ـ عن مخاوفه من احتمال مقارنة هذا القانون بالقوانين النازية، ما دام يُجسِّد مبدأ التمييز بين الأفراد على أساس ديني أو عرْقي.
وبعد صدور هذا القانون، حذَّرت جريدة جويش نيوزلتر، في عددها الصادر في 12 مايو 1952، من أن هذا القانون يعيد إلى الذاكرة النظرية العنصرية الخطيرة القائلة بأن الفرد الألماني يتمتع بمزايا جنسيته، بغض النظر عن المكان الذي يوجد فيه.
وفي مقارنة عقدها روفن جراس بين قانون العودة والقوانين النازية، بيَّن أن قانون العودة يمنح امتيازات الهجرة لأيِّ يهودي بموجب تعريف قـوانين نورمبرج: أي أن يكون جـده يهـودياً. ويؤكد حاييم كوهين، الذي كان قاضياً بالمحكمة العلـيا في إسـرائيل أن "من سخرية الأقدار المريرة أن تُستخدَم نفس الأطروحات البيولوجية والعنصرية التي روَّج لها النازيون والتي أوحت لهم بقوانين نورمبرج الشائنة، كأساس لتعريف الوضع اليهودي داخل دولة إسرائيل".
وهناك، على الأقل، حالة واحدة معروفة، قامت فيها السلطات الدينية في إسرائيل بالرجوع إلى السجلات النازية، للتأكد من الهوية العنصرية الدينية الإثنية لأحد المواطنين الإسرائيليين. ورغم أن قانون العودة هو الإطار القانوني للإحلالية والتوسعية والعنصرية الصهيونية، وهو مصدر الهوية اليهودية المزعومة للدولة الصهيونية (ومن ثم فهو أساس عزلتها وعدائها لجيرانها)، ورغم أن أعداد اليهود التي ترغب في "العودة" إلى إسرائيل آخذة في التناقص (ومن هنا الضغط على اليهود السوفييت للهجرة إلى إسرائيل)، فإن جميع اتفاقيات ومعاهدات السلام لم تتعرض له من قريب أو بعيد. بل طُلب من منظمة التحرير الفلسطينية أن تلغي بنوداً أساسية في ميثاقها، بينما لم يطلب أحد من إسرائيل أن تلغي قانون العودة.
ونحن نرى أن قانون العودة هو أهم تجسد للاستيطانية الإحلالية الصهيونية، أي أهم تجسد لجوهر الصهيونية. ولا يوجد حل إلا بمحو هذا الجوهر، أي نزع الصبغة الصهيونية عن الكيان الصهيوني. ويمكن أن يأخذ هذا المطلب المجرد شكلاً إجرائياً متعيناً من خلال إما إلغاء قانون العودة أو أنسنته بمعنى أن يطبق على كل من الفلسطينيين واليهود دون تمييز، وأن يكون المقياس الوحيد هو حاجة فلسطين المحتلة إلى كثافة بشرية ومقدرتها الاستيطانية.
الطرق الالتفافية
By-Pass Roads
هي طرق تبنيها الدولة الاستيطانية الإحلالية الصهيونية يقتصر استخدامها على المستوطنين الصهاينة في الضفة الغربية بحيث تتحوَّل التجمُّعات الفلسطينية إلى كانتونات مُحاصَرة بالمستوطنات والطرق الالتفافية والمنشآت العسكرية. والطرق الالتفافية بذلك تكون بمنزلة سياج أمني حول المستوطنات، كما أنها تجعل المستوطنين الذين يعيشون وسط القرى والمدن العربية قادرين على التحرك دون أن يضطروا إلى عبور الأراضي الفلسطينية أو مواجهة الفلسطينيين.
وتستند خطة الاستيطان أمناه (وهي برنامج واسع للاستيطان والبناء في أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة) على نظام متكامل من الطرق الالتفافية أعلنها الجيش الإسرائيلي رسمياً في أواخر سنة 1994 أثناء حكم حزب العمل واكتسبت شرعيتها من خلال اتفاق توسيع الحكم الذاتي عام 1995 (أوسلو ـ2) وموافقة السلطة الفلسطينية عليها لارتباطها بخطة إعادة الانتشار من المناطق الفلسطينية الآهلة.
وقد كثَّفت إسرائيل بناء هذه الطرق التي تخترق معظم مناطق الضفة الغربية المأهولة بالسكان منذ عام 1995، يتم من خلالها تجديد طرق ترابية قائمة وشق أخرى، إضافة إلى فتح طرق سريعة من الشمال إلى الجنوب عبر وادي الأردن، وشق مداخل ومخارج جديدة في شمال الضفة الغربية، وشق مجموعة طرق عسكرية. وأهم هذه الطرق الطريق رقم 60، والطريق رقم 20.
وقد بلغ عدد هذه الطرق عام1996 حوالي عشرين طريقاً تغطي 400 كم تتفرع من الطريق الرئيسي المعروف باسم «الطريق 60» الذي يمتد من الشمال إلى الجنوب لجزئي الضفة الغربية. وبعض هذه الطرق ما زال قيد الإنشاء، وتعتزم سلطات الاحتلال بناء خمس طرق أخرى. ويلتف الطريق 60 حول المدن الفلسطينية في الضفة ويربط عشرات المستوطنات المنتشرة في كل أنحاء الضفة.
ويتم الاستيلاء على معظم الأراضي اللازمة لبناء هذه الطرق من خلال أوامر وضع اليد، وهي غطاء قانوني يحجب المصادرة، وهي أولى الخطوات نحو المصادرة النهائية، والتبرير المعطى في أكثرية أوامر وضع اليد هو الأمن والضرورة العسكرية، وهو تبرير لا يمكِّن المُلاك الفلسطينيين من الاحتجاج ضده.
وتؤدي هذه الطرق إلى إتلاف آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية وتدمير مئات المنازل، وإلحاق خسائر فادحة لأن هذه الأراضي مزروعة بكثافة بأشجار الزيتون، الأمر الذي يؤدي إلى تدمير مصدر رزق العائلات الفلسطينية الوحيد. كما يؤدي شق هذه الطرق إلى إعاقة نمو القرى الفلسطينية والحد من قدرة البلديات الفلسطينية على توسيع الخدمات البلدية.
كل هذا يجعلنا نرى الطرق الالتفافية لا باعتبارها مجرد ظاهرة سياسية اقتصادية وإنما صورة مجازية تعبِّر بشكل متبلور عما آل إليه الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الصهيوني في فلسطين المحتلة. فهو استيطان يستند إلى أكذوبة (أرض بلا شعب) لم يَعُد بمقدور صاحبها الاستمرار فيها فدب فيها الموت. ولكن الأكذوبة أساسية لبقائه واستمراره ولذا فهو يحاول أن يتشبث بها ويبث فيها الحياة بقدر الإمكان بالطرق الالتفافية، فهي محاولة أخيرة يائسة بعد أن فشل الاستيطان الصهيوني في جانبه الإحلالي، ولم يتمكن من إبادة الشعب أو طرده أو حتى تقليل كثافته وأثبتت فلسطين أنها ليست أرضاً بلا شعب بل أرض مأهولة يزرعها ويحرثها نسلها. ولذا فالحل أن تصبح فلسطين "أرضاً يسكنها شعب لا تقع عيوننا عليه، فكأنها بالفعل أرض بلا شـعب، وإن ظـهر الشـعب على طرقنـا الالتـفافـية حصدته رصاصات جيش الدفاع الإسرائيلي، فتستمر الأكذوبة".
ومن الواضح أن فلسـطين ثابتة، فمدنها وقراها لا تتحول، وسكانها لا يكفون عن المقاومة. فالطرق الالتفافية من ثم تعبير عن قدرة الصهاينة على خداع الذات. ولكنه خداع للذات يكلف صاحبه الكثير من الناحيتين الاقتصادية والعسكرية. فالطرق الالتفافية تتناقض مع أبسط معايير الجدوى الاقتصادية (أن يكون هناك طريق للمستعمر وآخر للسكان الأصليين) وهدفها تحقيق قدر كبير من الراحة النفسية لصاحبه. ولكن لا شك في أن وجود الجنود الإسرائيليين لحراسة هذه الطرق يؤدي إلى القلق ويُذكِّر المستوطنين "بالشعب الذي لا تقع عيوننا عليه".
والطرق الالتفافية تُذكِّر المرء بتجربة أعضاء الجماعات اليهودية في أوكرانيا حين أسس النبلاء البولنديين (شلاختا) للمتلزمين اليهود (أرانداتور) مدناً صغيرة شُتلت شتلاً في أوكرانيا (الشتتل) وهي جيتوات متكاملة كان أعضاء الجماعة اليهودية الوظيفية يمارسون فيها حياتهم كاملة، لا يتعاملون مع البيئة الجغرافية والتاريخية والاجتماعية المحيطة (بل والمحدقة) بهم، فهم فيها وليسوا منها، لا يتعاملون مع الأغيار إلا في السوق، في عمليات التبادل المجردة، التي لا تتخللها أية حميمية ولا تعبِّر عن أيِّ تراحم. والطرق الالتفافية تحقق هذا للمستوطنات الصهيونية المشتولة في الضفة الغربية، فهم في الضفة الغربية وليسوا منها، ولا يقابلون السكان الأصليين إلا في السوق.
ورغم أن إقامة الشتتلات كان يهدف إلى حماية أعضاء الجماعة اليهودية، حتى يمكنهم الاستمرار في استغلال الفلاحين الأوكرانيين لصالح النبلاء البولنديين، فإن الشتتلات تحوَّلت إلى معازل محصنة مسلحة، وحتى المعبد اليهودي نفسه تمت إعادة صياغته معمارياً بحيث أصبح معبداً وقلعة في آن واحد، يتعبد فيه اليهود ومنه يقاتلون، معبداً له أبراج بها كوات تخرج منها المدافع والبنادق، وهو ما يُذكِّرنا بالدولة الصهيونية الوظيفية، التي تزعم أنها في الشرق الأوسط وليست منه، والتي تحاول ألا تتعامل مع العرب إلا في السوق الشرق أوسطية. فهي الدولة/الشتتل، أو الدولة/الجيتو وهي في الوقت نفسه المعبد/القلعة.
وقد كان الجنود البولنديون يقومون على حراسة الشتتلات حتى لا يهاجمها الفلاحون الأوكرانيون، وهذا ما يفعله الدعم العسكري والاقتصادي الأمريكي الذي يصب في الكيان الصهيوني فيقوي عضده ويجعله قادراً على بناء طرق التفافية ليس لها أية جدوى اقتصادية. وحينما هبت انتفاضة شميلنكي لم تكتسح في طريقها القوات البولندية وحسب وإنما اكتسحت الشتتلات المحصنة والمعابد/القلاع أيضاً.
ومن هنا خطورة الطرق الالتفافية، فبدلاً من أن يواجه الإسرائيليون طبيعة وضعهم ويتعاملوا معه خارج الإطار الصهيوني (الذي يؤدي إلى عَزْل الآخر وتحصين الذات وإطاحتها بسياج عسكرية) فإنهم يحاولون إطالة عمر الأكذوبة، وهو ما يعني أن الفلسطينيين لن ينالوا حقوقهم إلا من خلال الانتفاضات المتتالية، التي ستقضي على الطرق الالتفافية وغيرها من الطرق.
المعــــــــــــــــــازل
Ghettos; Palestinustans
«المعازل» كلمة عربية تُستخدَم لوصف القرى والمدن العربية في الضفة الغربية، وربما يقابلها في اللغة الإنجليزية كلمة «جيتو». فبعد أن تحقَّق الصهاينة من أن فلسطين أرضاً بلا شعب، وبعد إدراكهم أن الشعب لا يود أن يخضع لآليات الترانسفير المختلفة، بل إنه يتوالد ويتكاثر تقرَّر تأسيس مستعمرات استيطانية صهيونية في مناطق إستراتيجية وطرق التفافية مختلفة تربط هذه المستعمرات بحيث تتحوَّل القرى والمدن الفلسطينية إلى "مناطق" مأهولة بالسكان معزولة خاضعة للرقابة العسكرية الصارمة، وتمارس حق تقرير المصير في حدود المفهوم الصهيوني للإدارة الذاتية بحيث تتحول فلسطين من وطن إلى أرض، ومجموعة من القرى والمدن الممتازة "يُعزَل" الفلسطينيون فيها ويتم حصارهم.
وهذا المفهـوم ليـس جديـداً. فالنازيون أسَّسوا جيتوات خاصة باليهود (في وارسو ولودز) كانت تتمتع بصلاحيات إدارية واسعة لا تختلف كثيراً عن الصلاحيات التي تتمتع بها السلطة الفلسطينية. كما أن مفهوم البانتوستان أي المعازل التي تم تأسيسها في جنـوب أفريقيـا للسـكان السـود لا تخـتلف كثيراً عن المعازل التي أسَّسها المستوطنون الصهاينة ومن هنا تسميتنا لها «الفلسطينوستان».
البلــدوزر الإسـرائيلي
The Israeli Bulldozer
يرتبط الاستيطان الصهيوني في الأذهان بالمدفع الرشاش والنابالم والقنابل. ولكن هناك رموزاً أخرى أصبحت ذات أهمية خاصة. فمع بدايات الاستيطان كان هناك أسلوب السور والبرج في اغتصاب الأرض وطرد سكانها حيث كان يُحضر مئات من المستوطنين الصهاينة أبراج مراقبة والأكواخ الجاهزة في ظلام الليل، ثم يحيطون قطعة أرض بالأسلاك الشائكة يقيمون فيها أبراج الحراسة بحيث يستيقظ أصحاب الأرض في الصباح فيجابهون أمراً واقعاً مسلحاً لا يملكون إلا الخضوع له أو الحرب ضده.
ومع ظهور الدولة الصهيونية تطوَّر هذا الأسلوب، فلم يعد هناك حاجة لبرج الحراسة، إذ تأتي القوات الإسرائيلية ومعها البلدوزر الإسرائيلي.
والبلدوزر الإسرائيلي له طبيعة مزدوجة فهو يُستخدَم لهدم بيوت الفلسطينيين من جانب وبناء المستوطنات من جانب آخر، ومن ثم فهو رمز حقيقي للاستعمار الاستيطاني الإحلالي. وعملية هدم بيت فلسطيني تشبه عملية حربية يشارك فيها مئات الجنود الإسرائيليون في سواد الليل أو عند الفجر ويصحبها حظر التجول في عموم القرية أو البلدة. وهذا الاستخدام المُبالَغ فيه بل الاستعراضي لرموز العنف يجعل هدم بيت واحد بمنزلة رسالة نفسية لبلدة بأسرها. وعملية الهدم نفسها تجرى بشكل بالغ التكثيف والكثافة (دقائق معدودة بين الإنذار بمغادرة البيت وبين تفجيره بالديناميت وإزالته بالبلدوزر).
ولا يخفى ما يحمله هذا التكثيف من دلالة، فالبيت الذي بناه الأجداد والآباء وتحوَّل إلى مخزن للحياة المشتركة والتراث والذكريات والأحلام على مدى عشرات السنين ينهار أمام أصحابه في دقائق وربما دون أن يتمكنوا من إنقاذ ما يمكن إنقـاذه من مقتنيـات تحتـضن معنى الحياة المشتركة عميقة الجذور.
ثم يبدأ البلدوزر بعد ذلك في عمليات تمهيد الأرض اللازمة لبناء المستوطنات الصهيونية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق