وأجهل الناس في ارتفاع منزلته، من ظنّ أنّ عِرضه في خفارة قُدرته، وأن المُقدم عليه مُتعرض لنكيره، وخير من هذا الظن أن يحتمل ألم مُفارقة المال ببعض الميسور، حتى لا يقرف بشيء لا غاسل له، ولا نافح عنه؛ ما الذي ربح اليزيدي حين آسد الشاعر الذي حرمه على نفسه حتى قال فيه شيئاً شافياً لغليله منه بما بقي على أُست الدهر، وذلك قوله:
بَنو اليَزيديّ في أدبارهم شعَرٌ ... قد شابَ ممّا عليه تُحلَبُ الكَمَرُ
أَمَّا حُبيْشَةُ منهم فهُو ممتَحَنٌ ... من البغاء بما لم يمتَحَن بَشَرُ
بوُدّه أَن كلَّ الناسِ من حُمُرٍ ... وكلَّ جَارحة في جِسْمِه ذَكَرُ
والله للخروج من الطّارف والتّالد أسهل من التعرّض لهذا القول والصبر عليه وقلّة الاكتراث به، ولهذا بكت العرب من وقع الهِجاء كما تبكي الثَّكْلى من النساء، وذلك لشرف نفوسها ونزاهتها عن كل ما يتخوَّن جمالها ويعيب فعالها.
ومما يُختَل به الرئيس ويَذهل عليه أنه ينظر إلى جماعة بين يديه قد أحسن إلى كلّ واحد منهم وقرّبه وأعطاه واختصّه بشيء وأنابه بحال، وإذا رأى واحداً بعد هؤلاء لا نباهة لقدره، ولا جهارة لمنظره، ولا شُهرة لاسمه ومنصبه حقَره، وثنى طرْفه عنه، وأغضاه دونه، ولم يهشّ لذكره ورؤيته، واعتقد أنه ليس بذي محلٍّ يبالي به، ولا يبين في غمار الباقين؛ أو يجب على ذلك المحروم أن يذكره بما هو أغلب عليه، وأشهر عنه، وأن يعدَّ نيل غيره كرماً قد عمَّ، وأن كان إخفاقه وحده لؤماً قد خص؟ وهذا موضع يُشكِل قليلاً، وتطول فيه الخصومة بين الآمل والمأمول، على أن الكرم والاحتجاج لا يجتمعان، واللُّؤم والاحتيال لا يفترقان؛ وقد ألمَّ الشاعر بطرف من هذا المعنى بقوله:
إِن تكلَّمتُ لم يكُن لكلامي ... موقعٌ والسكوتُ ليس بمُجْدِي
فأَبنِ لي أَكُلُّ هذا التواني ... في جَميع الإِخوان أَم فيَّ وحْدِي
أَم ترى ما اصطنَعته عند غيري ... واجب أَن أَعدَّه لك عِندي
والذي أقول غير محتشم ولا مراقب: أنّ السؤدد لا يكون إلا باحتمال خِصال من الصَّبر والحِلْم والتكَرُّم والبذل والعَطاء والتفقُّد، وهنّ أثقل مما يُعانيه الزائر بأمله، والفقير برجائه، والشاعر بطَمَعه، والمُنتجِع بزيارته؛ اللّهم إلا أن يكون السّيد يجري في هذه الأخلاق والشِّيم على الهوى فيُعطي من كان روحاً عنده، وأحلى شمائل وألطف فضلاً، وأعبر قولاً، فهذا ليس عليه من ثقل السُّؤدد شيء، لأنه قد ميّز ما يخفّ عليه مما يثقل، وما يتصل بنفسه مما ينبو عنه، وما هذا السؤدد ما قال أبو الأسود الدِّبلي لعُبيد الله بن زياد: إنك لن تسُود حتى تصبر على سرار الشيوخ البُخر، وهذا الكلام كالميل، وقال الشاعر،
لا تحسِب المجدَ تَمراً أَنت آكِلُه ... لن تِبْلُغَ المجدَ حتى تلعَقَ الصَّبِرا
وقيل لعديّ بن حاتم: مَن السيد؟ قال: الأحمق في ماله، الذّليل في عِرضه، المُطّرح لحقده، المعْنيّ بأمر جماعته؛ فليس يسود المرء إلا بعد أن يسهر من أول ليله إلى آخره فِكراً في قضاء الحقوق، وكفّ السَّفاه، وازدِراع المحبّة في القلوب، وبعث الألسنة على الشُكر؛ وفي الجملة من جهل حقك، فليس يلزمك أن تعترف بحقه، ومَن لم ينظر فيما لك عليه، لم يجب عليك أن تنظر فيما له عليك؛ وقد قال رسوله صلّى الله عليه: " لا خيْر لكَ في صُحبَة مَن لا يَرى لك مثلَ ما ترى له " .
وقد قيل تواضَع للمُحسن إليك وإن كان عبداً حبشياً، وانتصف ممن أساء إليك وإن كان حُراً قُرشياً؛ ومن صفات الكريم ما قال الشاعر:
وإنّ الكريمَ من تلفَّت حولَه ... وإِن اللَّئيم دائمُ الطَّرْف أَقوَدُ
وقال آخر:
لَحا الله أكبانا زِناداً وشَرَّنا ... وأَيسَرنا عن عِرض والِده ذَبّا
رأيتُك لما نِلتَ مالاً وعَضَّنا ... زمانٌ تَرى في حدّ أنيابه سَغْبا
جعلتَ لنا ذنباً لتمنع نائلاً ... فأَمسِك ولا تجعَل غِناك لنا ذَنباً
وقال آخر:
نالَ الغِنا بعدَ فقْرٍ فاستغاثَ به ... كما استغاثَ بباقي ريقِه الشَّرِقُ
(1/20)
________________________________________
وإذا احتججتُ بالعيان في وصف هذين الرّجلين في الكرم واللؤم فقد رفعت المِرْية، وإذا أقمت الشاهد على الدّعوى فقد منعت من اللائمة، وإذا رأيت الضرورة فقد بلغت الغاية؛ وأيُّ خفقةٍ للقلب بعد اليقين، وأيُّ وحشةٍ للنفس بعد الاستصبار، أم أيُّ بقية على المُحتج إذا وصل البرهان، أم كيف يُستحيا في الحق وإن كان مُرّاً، أم كيف يُعتذَر من الصّدق وإن كان موجعاً.
هذا ما لا يُكلّفه حكيم، ولا يأمر به مُرشد، ولا يحثّ عليه ناصح.
وهذا مبدأ أخذي في حديث ابن عبّاد على ما يتّفق من تربيته ووضعه، غير آخذٍ في أُهبةٍ، ولا مُحتفلٍ بتقدِمة.
فأول ما أذكر من ذلك ما أدلُّ به على سَعَة كلامه، وفصاحة لسانه، وقوة جأْشه، وشدة مُنَّته، وإن كان في فحواه ما يدل على رقاعته وانتكاث مَريرته، وضعف حوله، وركاكة عقله وانحلال عقده.
لمّا رجع من هَمَذان سنة تسع وستين وثلاثمائة بعد أن فارق حَضرَة عضُدِ الدّولة استقبله الناس من الرَّيّ وما يليها، واجتمعوا بِساوَةَ، ودونها وفوقها، وكان قد أعدَّ لكل واحدٍ منهم كلاماً يلقاهُ به عند رؤيته وأين كانوا يقعون منه، وأين كانوا يبيتون عندهُ؛ وهذا الذي ذهب به في الإعجاب والكِبر، وبعثه على احتقار الناس، وتركه في التّيهِ المُضلّ.
فأول من دنا منه القاضي أبو الحسن الهمذاني وهو من قرية يقال لها أَسَدآباد، فقال له: أيها القاضي! ما فارقتُك شوقاً إليك، ولا فارقتني وَجْداً عليك، ولقد مرَّت بعد ذلك مجالس كانت تقتضيك وتُحظيك وترتضيك؛ ولو شهِدتَني بين أهلها وقد علوتُهم ببياني ولساني وجدلي، لأنشدتُ قول حسّان بن ثابت في ابن عباس ورأيتني أولَى به منه، فإنَّ حسّان قال:
إذا ما ابنُ عبّاس بَدا لك وَجهُه ... رأيتَ له في كلّ مجمعة فضْلا
إذا قال لم يترُك مقالاً لقائل ... بملتَقَطاتٍ لا تَرى بينها فصْلا
كفى وَشفى ما في النُّفوسِ فلَم يَدَع ... لذي إِرْبةٍ في القَوْل جدّاً ولا هَزْلا
سَموتَ إلى العَلْيا بغيْر مشقةٍ ... فنِلتَ ذُراها لا دَنيّاً ولا وَغْلا
ولذكرت أيها القاضي قول الآخر وأنشدته: فإنه قال فيمن وقفَ موقفي، وقرفَ مقرفي، وتصرَّف مُتصرفي، وانصرف مُنصَرَفي، واغتَرف مُغْتَرَفي:
إذا قال لم يَترُك وَلم يَقِفْ ... لِعيٍّ ولَم يَثْنِ اللّسانِ على هُجْر
يُصَرّف بالقول اللّسانَ إذا انتَحى ... وينظرُ في أَعطافِهِ نظَرَ الصَّقْرِ
ولقد أودعت صدر عضد الدولة ما يطول به التفاته إليّ، ويُديم حسرته عليّ، ولقد رأى ما لم يرَ قبله مثله، ولا يرى بعده شكله؛ فالحمد لله الذي أوفدني عليه على ما يَسُر الوليّ، وأصدرني عنه على ما يسوء العدوّ.
أيها القاضي كيف الحال والنفس، وكيف الإمتاع والأُنس، وكيف المجلس والدَّرس، وكيف القرص والجرْس، وكيف الدَّس والدعْس، وكيف الفرس والمَرْس وكاد لا يخرج من هذا الهذيان لتهيّجه واحتدامه، وشدة خَيلائه وغُلوائه. والهمذاني مثلُ الفارة بين يدي السِّنَّور قد تضاءل وقُمؤ لا يصعَد له نفَس إلاّ بنزع تذلُّلاً وتقلُّلاً، هذت على كِبره في مجلسه مع نذالته في نفسه.
ثم نظر إليّ الزَّعفرانيّ رئيس أصحاب الرأي فقال: أيها الشيخ! سرَّني لقاؤك وساءني عناؤك وقد بلغني عُدَواؤك وما خيَّله إليك خُيلاؤك وأرجو أن أعيش حتى يُردّعليك غُلواؤك؛ ما كان عندي أنك تُقدم على ما أقدمت عليه، وتنتهي في عداوتك لأهل " العدْل والتوحيد " إلى ما انتهيت إليه؛ ولي معك - إن شاء الله - نهارٌ له ذيل، وليل يتبعه ليل، وثُبورٌ يتّصل به ويل، وقطْر يدوم معه سَيْل؛ (وَسَيَعْلَمُ الكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّار).
قال الزَّعفرانيّ: " حَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوَكِيلً " .
ثم أبصرَ أبا طاهر الشيخ الحنفي فقال:
(1/21)
________________________________________
أيها الشيخ! ما أدري أ أشكوك أم أشكو إليك، أما شكواي منك فلأنّك لم تكاتبني بحرف، حتى كأنّا لم نتلاحظ بطرف، ولم نتحافظ على إِلف، ولم نتلاق على ظرف؛ وأما شكواي إليك فهو أنّي ذممتُ الناس بعدك، وذكرت لهم عَهْدك، وعرضت بينهم وُدَّك، وقدحت عليهم زَنْدك، ونشرت عندهم غرائب ما عندك؛ فاشتاقوا إليك بتشويقي، واستصْفَوك بتزْويقي، وأثنَوا عليك يتنميقي وترويقي؛ وهكذا عمل الأحباب إذا تناءت بهم الرّكاب، والتوَت دونهم الأعناق، واضطرمت في صدورهم نارُ الاشتياق.
فالحمد لله الذي أعاد الشعب ملتئماً، والشمل منتظماً، والقلوب وادعة، والأهواء جامعة؛ حمداً يتّصل بالمزيد، على عادة السادة مع العبيد، عند كل قريب وبعيد.
ثم التفت إلى ابن القطّان القزويني الحنفي، وكان من ظرفاء العلماء، فقال: أيها الشيخ! كدت والله أحلم بك في اليقظة، وأشتمل عليك دون الحفظة، لأنك قد ملكت ني غاية المكانة والحظوة؛ والله ما أسَغتُ بعدك ريقاً إلاّ على جَرَض، ولا سلكتُ دونك طريقاً إلا على مضَض، ولا وجدتُ للظَّرف سوقاً إلاّ بالعرض. سقى الله ربعاً أنت ساكنه بنزاهتك، وطبعاً أنت طابته ببراعتك، ومغرساً أنت نبْعُه بنباهتك، وأصلاً أنت فرعه بفقاهتك.
وقال للعباداني: أيها القاضي! أيَسُرُّك أن أشتاقك وتسلو عني، وأن أسأل عنك فتنسلّ مني، وأن أُكاتبك فتتغافل، وأُطالبك بالجواب فتتكاسل؛ وهذا ما لا أحتمله من صاحب خُراسان، ولا يطمع منّي فيه ملك بني ساسان؛ متى كنتُ منديلاً ليد؟ ومتى نزلت على هذا الحدّ لأحد؟ إن انكفأتَ إليّ بالعُذر انكفاء، وإلاّ اندرأت عليك بالعذل اندراء، ثم لا يكون لك معي قرار بحال، ولا يبقى لك بمكاني استكثار إلا على وبالٍ وخبال.
ثم طلع أبو طالب العلوي فقال: أيها الشريف! جعلت حسناتك عندي سيئات، ثم أضفت إليها هَناتٍ بعد هنات، ولم تفكر في ماضٍ ولا آت، أضعت العهد وأخلفت الوعد، وحققت النحس وأبطلت السَّعد؛ وحُلت سراباً للحيران، بعد ما كانت شراباً للحرَّان، وظننت أنك قد شبعت مني، أو اتعضت عني، هيهات! وأنَّى لك بمثلي، أو بمن يعثر في ذيلي، أو له نهارٌ كنهاري أو ليلٌ كليلي؟
وهَل عائضٌ مِنّي، وإِن جلَّ، عَائضُ
أنا واحد هذا العالم، وأنت بما تسمع عالم؛ لا إله إلا الله، وسبحان الله.
أيها الشريف! أين الحق الذي وكَّدناه أيام كادت الشمس عنا تزول؟ والزَّمان علينا يصول، وأنا أقول، وأنت تقول، والحال بيننا يحول؟ سقى الله ليلة تشييعك وتوديعك، وأنت متنكر تنكراً يسوء الوليّ، وأنا مفكّر تفكّراً يسُرّ العدو، هذا ونحن متوجهون إلى ورامين خوفاً من ذلك الجاهل المهين، يعني بالجاهل المهين ذا الكفايتين حين أخرجه من الريّ بعد أن ألَّب عليه وكاد يُؤتى على نفسه الخبيثة، وهو حديث له فَرْش، وما أنا بصدده يمنع من اقتصاصه، ولعله يجري على وجهه فيما بعد؛ ولقد ظلم بقوله، وكان بالجهل والمهانة أحقّ، وسيَمر ما يدل على قولي ويُصحّح حكْمي، ويبيّن لك أنه لم يكن معه إلا الجدُّ المساعد فقط، وباقي ذلك تشبُّع وإيهام وتمويه وكذِب وبَهْتٌ ووقاحة.
ثم نظر إلى أبي محمد كاتب الشروط فقال: أيها الشيخ! الحمد لله الذي كفانا شرّك، ووقانا عُرَّك، وصرف عنّا ضُرَّك، وأرانا فيحك وحرَّك؛ دببت الضرّاء إلينا، ومشيت الخَمَر علينا، ونحن نَحيسُ لك الحَيس ونصفك باللَّبابة والكَيس، ونقول ليس مثله ليس، وأنت خلال ذلك تقابلنا بالوَيْح والوَيْس؛ لولا أنك قَرحان لسقط العَشَا بك منّا على سِرحان.
وقال لابن أبي خراسان الفقيه الشافعي: أيها الشيخ! ألغيتَ ذكرنا عن لسانك، واستمررت على الخلوة بإنسانك، جارياً على نسيانك، مُستهتراً بفتيانك وافتنانك، غير عاطفٍ على إخوانك وأخدانك؛ لولا أنني أرعى قديماً قد أضعته، وأُعطيك من رعايتي ما قد منعته، لكان لي ولك حديث، إما طيّب وإما خبيث؛ خلَّفتك محتسباً فخلفت مكتسباً، وتركتك آمراً بالمعروف فلحِقتُك راكباً للمنكر، قد يفيل الرأيّ ويخيب الظن، ويكذب الأمل، وقد قال الأول:
أَلا رُبَّ من تغتَشُّه لك ناصِحٌ ... ومؤتَمنٍ بالغَيْب وهو ظَنِين
ثم نظر إلى الشادياشي فقال: يا أبا عليّ! كيف أنت وكيف كنت؟ فقال: يا مولانا
لا كنتُ إِن كنت أدري كيف كنت ولا ... لا كنتُ إن كنتُ أَدري كيف لم أَكن
(1/22)
________________________________________
فقال: أغرب يا ساقط يا هابط، يا من يذهب إلى الحائط بالغائط، ليس هذا من نحت يدِك ولا هو مما نشأَ من عندك، هذا لمحمد بن عبد الله بن طاهر، أوله:
كتبت تسأَل عني كيف كنتُ وما ... لاقيت بعدك من غمّ ومن حَزَنِ
لا كنتُ إِن كنتُ أَدري كيف كنتُ ولا ... لا كنتُ إِن كنتُ أدري كيف لم أَكنِ
وكان ينشد وهو يلوي رقبته، ويجحظ حَدَقته، ويُنزي أطراف منكبه ويتسايل ويتمايل، كأنه (الَّذِي يَتَخَبَّطَهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ).
ثم قال: يا أبا علي! لا تُعوِّل على اير في سراويل غيرك، لا ايرَ إلا ايرٌ تمَطّى تحت عانتك، فإنك إن عولت على ذلك خانك وشانك وفضح خانك ومَانَك.
ثم نظر إلى غلامٍ قد بقل وجهه كان يُتَّهم به على الوجه الأقبح، فالتوى وتقلقل، وقال: ادْنُ يا بُنيّ! كيف كنت؟ ولم حملت على نفسك هذا العناء؟ وجهُك هذا الحسن لا يبتذل للشحوب، ولا يُعرض لِلَفحات الشمس بين الطلوع والغروب، أنت يجب أن تكون في بِذْلة بين حجَلةٍ وكِلّةٍ، تُزاح بك العلّة، وتُعلا فيك القُلّة، وتُشفى منك الغُلَّة.
هذا آخر حديث الاستقبال، وقد حذفت منه أشياء كثيرة من رقاعاته، لأنَّ الغرض غير مقصور على فنٍّ واحد من حديثه.
وقال يوماً في دار الإمارة لفَيْرُوزَان المجُوسي، وكان الخرائطيّ حاضراً، في شيء نابذه عليه؛ إنما أنت مجش محش لا تهش ولا تبش ولا تَمْتِش.
فقال له فيروزان: أيها الصّاحب! برئت من النار إن كنت أدري ما تقول، إن كان من رأيك أن تشتمني فقُل ما شئت بعد أن أعلم، فإن العِرض لك، والنَّفس فِداؤك، لست من الزّنج، ولا من البربر، ولا من الغُزّ، كلِّمنا بما نعقل على العادة التي عليها العمل؛ والله ما هذا من لُغة آبائك الفُرس، ولا لغة أهل دينك من هذا السَّواد؛ فقد خالَطْنا الناس فما سمعنا منهم هذا النَّمط، وإني أظن أنك لو دعوت الله بهذا الكلام لما أجابك، ولو سألته لما أعطاك، ولو استغفرت الله به ما غفر لك؛ وحقيق على الله ذلك.
فقال الخرائطيّ: أيها الصاحب! والله لقد صدق فلا تغضب، فليس كل من وثق بأنه لا يُراجع في قوله رَكِب ما يُحَمَّقُ فيه شاهداً أو غائباً.
فقام عنهما خَزْيان يُردّد ريقه حِقداً عليهما، وكان ذلك سبباً كبيراً في فساد أمرهما.
وقلتُ للزّعفراني الشاعر، وكان من أهل بغداد: اصدُقني أيها الشيخ عن هذا الإنسان، كيف وجدته في طول ما عجمت عودَه، وتصفّحت أخلاقه، وخبرت دِخلته.
فقال: وجدته كليل الكرم، حادّ اللؤم، رقيع الظاهر، مُريب الباطن، دنِس الجيب، مُثرياً من العيب، كأنه خلق عبثاً مما مُلي خُبثاً؛ سفهه ينفي حكمة خالقة، وغِناه يدعو إلى الكفر برازقه؛ وأنا أستغفر الله من قولي فيه ونفاقي معه؛ ولعن الله الفقر فهو الذي يُحيل المروءة، ويقدح في الديانة؛ ولو كان لي ببغداد قوتٌ يحفظ عليَّ ماء الوجه ما صبرت على هذا الرّقيع البارد المطاع ساعة، ولكن ما أصنع قد قلّبت أمري ظهراً لبطن، مالي إلى الرزق باب إلاّ منه، وأنشد:
وَالرّزق كالوَسميّ رُبَّتَما عَدا ... روضَ القَطا وسقَى مَهامِه جِلّقِ
فإذا سمعت بحوَّّلٍ متأَله ... متأَدب فهو الذي لم يُرزَقِ
والرِّزقُ يخطيء بابَ عاقل قومه ... ويَبيتُ بَواباً لبابِ الأَحمقِ
وأنشد أيضاً:
الرّزقُ قد يأتيك في وَقتِه ... والحرصُ لا يُغني ولا يُجدي
كم قاعدٍ يبلغ مأْمولَه ... وَطالبٍ مضطرب يُكدي
فاسترزِق الرازقَ مِن فضلِه ... وارضَ بما يُوليك من رفدِ
وثِق بإِحسانٍ له واسعٍ ... فهكذا عاداتُه عندي
وأنشد القرمسيني قال: أنشدنا عليُّ بن سليمان الأخفش لشاعر:
قد يُرزَق المرء لم تتعَب رواحلُه ... ويُحرم الرزقَ من لم يُؤتَ من تَعَب
يا ثابتَ العقل كم عايَنْتَ ذا أَدب ... الرزقُ أَعدَى له من ثابت الجَرَب
وإِنني واجدٌ في النّاس واحدةً ... الرزقُ والنُّوكُ مقرونان في نسب
وخصلةً قلَّ فيها من يُنازِعُني ... الرزقُ أَروَغُ شيءٍ عن ذوِي الأَدبِ
وقلت للمسيَّبي:ما قولك في ابن عباد؟
(1/23)
________________________________________
فقال: له في الخلاعة قرآن مُعجر، وفي الرّقاعة آية مُنزلة، وفي الحسد عرق ضارب، وفي الكذب عارٌ لازب؛ لا ينزع عن المساوي إلا مَلَلا، ولا يأتي الخير إلا كسلاً؛ ظاهره ضلالة، وباطنه جهالة، وليس له في الكرم دلالة، ولا في الإحسان إلى الأحرار آلة؛ فسبحان من خلقه غيظاً لأهل الفضل والأدب، وأعطاه فيضاً من المال والنشب! وقلت لأبي بكر الخوارزمي الشاعر، وكان قد خَبَره: كيف وجدت الصاحب، وقد أعطاك وأولاك وقدَّمك وآثرك، وسفر لك إلى عضد الدولة، وهو اليوم شاه الملوك، حتى ملأتَ عيابك تِبراً، وحقائبك ثياباً، ورواحلك زادا؟ فقال: دعني مما هنالك، والله إنه لخواز في المكارم، صبار على الملائم، زحّاف إلى المآثم، سمّاع للنمائم، مِقدام على العظائم؛ يدعو إلى " العدل والتوحيد " ، ويدّعي " الوعد والتخليد " ، ثم يخلو باستعمال الأُيُور، ويشتمل على الفسوق والفجور، ويُمسي وهو بُور ويُصبح وما على وجهه نور.
وكان الخوارزمي من أفصح الناس، ما رأينا في العجم مثله، وإنما نوَّله الصاحب ما نوّله، وخوّله ما خوّله، لأنه كان أذكاه عيناً على محمد بن إبراهيم صاحب الجيش بنيسابور، واستملى فيه أخبار المشرق، وبهذا المعنى استدرَّ له من ملِك بغداد بوساطة ابن يوسف، وكان الظاهر أنه إنما يعطيه لأدبه، ويجيزه لشعره، ويصطفيه لفضله.
ولقد قات للزعفرانيّ: أرى الخوارزميّ سيّءَ الرأي في ابن عبّاد مع ما يصل إليه منه، فما السبب؟ فقال: ابن عبّاد سيءُ السياسة لصنائعه، وذلك أنه يعطي الإنسان عطية ما، ثم يبلوه بجفاءٍ يتمنّى معه لَقْط النّوى من السِّكك، والمصطنع الكريم هو الذي يكون اصطناعه بلسانه فوق اصطناعه بيده؛ وإني أحدثك ببعض ما عامل به الخوارزمي ليصحّ لك القياس عليه، والتعجب منه.
حضر الخوارزمي يوماً، وجرى حديث القَافة، فقال الخوارزمي: دخل محرز المدْلجيّ على رسول الله صلى الله عليه ونظر إلى أقدام أُسامة، وزيد، فقال: هذه أقدامٌ بعضها من بعض، وصحّف البائس كما يُصحّف الناس، العلماء فمن دونهم، وكان ابن عبّاد على بركة، فما زال يدور حول البركة وهو يصفع الخوارزمي ويقول: محرز؟ بحياتي؟ إلى أن رعَف الخوارزمي فتنحى وخرج.
فهذا وما داناه هو الذي كان يُفسد به ما يفعله من الخير والبر.
وحدّثني بذكْوِ أبي بكرٍ عيناً بخراسان أبو الطيب النصراني، وكان علي السرِّ عند مؤيّد الدولة وكان يعرف من مخازي ابن عبادٍ عجائب؛ سمعته يقول: لو بُحتُ بما في نفسي من حديث هذا المأبون لتصدَّع الجبل، ولتقلّع الجَندَل.
وكان ابن عبّاد شديد السفه عجيب المناقصة، سريع التحوّل من هيئة إلى هيئة، مُستقبلاً للأحرار بكل فرْية وفاحشة؛ كان يقول للإنسان الذي قد قدم عليه من أهل العلم: تقدّم يا أخي! وتكلّم، واستأنس، وافترِح، وانبسِط، ولا تُرع، واحسبني في جوف مرقعة، ولا يهولك هذا الحشم والخدَم، وهذه الغاشية والحاشية، وهذه المرتبة والمسْطَبة، وهذا الطارق والرِّواق، وهذه المجالس والطنافس؛ فإن سلطان العلم فوق سلطان الولاية، وشرف العلم أعلى من شرف المال، فليفرح روعك ولينعم بالُك، وقُل ما شئت، وانصُر ما أردت، فلست تجد عندنا إلا الإنصاف والإسعاف والإتحاف والإطراف، والمقاربة والمواهبة، والموانسة والمقابسة، وعلى هذا التنزيل، ومن كان يحفظ ما يهذي به في هذا وغيره؟ حتى إذا استقى ما عند ذلك الإنسان بهذه الزّخارف والحيل، وسال الرجل معه في حدُوره على مذهب الثّقة، وركب في مناظرته، وردعه وحاجّه، وراجعه وضاجعه وشاكعه ووضع يده على النكتة الفاصلة، والأمر القاطع تنمَّر له، وتنغّر عليه، واستحصد غضباً وتلظّى لهباً وقال بعد وثبتين أو ثلاث: يا غلام! خذ بيد هذا الكلب إلى الحبس، وضعه فيه بعد أن تصبّ على كاهله وظهره وجنبيه خمس مئة عَصا؛ فإنه مُعاند ضدّ، يحتاج إلى أن يُشدّ بالقِدّ، ساقط هابط، كلبٌ نبّاح، متعجرف وقَاح؛ أعجبه صبري، وغرّه حلمي، ولقد أخلف ظني، وعدت على نفسي من أجله بالتوبيخ، وما خلق الله العصا باطلاً، ولا ترك خلقه هاملاً.
(1/24)
________________________________________
فيُقام ذلك البائس على هذه الحال التي تسمَع، على أن مسموعك دون مُشاهدتك لو شاهدت، ومن لم يحضر ذلك المجلس لم يرَ منظراً رفيعاً ورجلاً رقيعاً؛ وقد عامل بما وصفتُ الحريري غلام ابن طرارة والجامدي الشاعر الوارد عليه من البصرة، وأبا زيد الكلابي وغيرهم.
وكان أبو الفضل أعني ابن العميد إذا رآه يقول: أحسَب أن عينيه رُكّبتا من زئبق وعنقه عُمل بلولب.
وصدق، لأنه كان ظريف التّثني والتلوّي شديد التفكّك والتفتّل كثير التعوّج والتموّج، في شكل المرأة المومسة والفاجرة الماجنة، والمخنَّث الأشمط.
وسمعت أبا الفضل الهَرَوي يقول له يوماً: لو وُضع في خزانة الكتب للوقف شيءٌ من الطبّ لكان ذلك باباً من المنافع لحاضرة والفوائد المجّلة والخير العامّ.
فقال على حدّته وجنونه: الطبّ - يا أبا الفضل - سُلَّم الإلحاد، ولقد أسررت في هذا القول حسواً في ارتغاءٍ، أنت مُهندس، وأنت متّهم، ويكفي منك في هذا المعنى ما هو دون هذا.
فانخزل الهروي وكان جباناً، وأخذ يتلافى ما فرط منه.
قال أصحابنا بالريّ: وكيف يسوغ له أن يقول هذا، وهو يُشاور الطبيب في كل غداة، ويعتمد على الطبّ في كلّ عارض، ويجمع الكتب فيه، ويرجع إليه؛ وليس هذا بأعجب من عيبه لعلم النجوم وذمِّه لأهله، وهو لا يُفارق التقويم، ولا يخلو يوماً من النَّظر فيه مرّات؛ لأنه كان لا يركب إذا وجد نحساً، هذا على تقليده فيه، لأنه ما كان يعرف حرفاً من علم النُّجوم، لا على طريقة مَن ينظر في أحكامه، ولا على مذهب من يختاره لهيئته، فهل رأيت بهتاً أشدّ من هذا؟ ومناقضة أقبح من هذا؟ يذمّ شيئاً في الظاهر، ثم يحبه في الباطن، ويزهد غيره في شيء وهو يؤثره.
وكان من ضعف عقله يقول: يجوز أن يكون الفلك من سَلْجَم أو جَزَر أو فجل؛ قال هذا للصاغاني أبي حامد ونحن حضور، وهو مع هذا العقل السّخيف يطلب كتب الأوائل ويجمعها، وينظر فيها، ويشتهي أن يفتح فاتح عليه شيئاً منها في السرّ، وعلى وجه التهجين لا على وجه التَّقبُّل، ويقول في أبي حسن العامري: قال الخرائي كذا وكذا، وإذا خَلا نظر في كتبه ومصنّفاته، وكان أخذها من أبي الحسن الطبري، طبيب رُكن الدّولة، وكان مع هذا المذهب الذي يُدِلّ به ويُسمّيه " العدل والتوحيد " قليل التوجُّه إلى القبلة، قليل الركوع والسُّجود، وكان مع حفظه الغزير، عليه مؤونة في تلاوة آية من كتاب الله عزّ وجلّ، إذا أراد أن يستدل بها في المناظرة والجدل، أو يذكر وجهاً من وجوهها في المذاكرة، ولم يكن عليه طابع العبادة، ولا سيّما المتألّهين، وكان مع هذا سفّاكاً للدماء، قتّالاً للنُّظراء والأكفاء، وكان شديد الحسّ لأهل الفضل والدراية، ولأصحاب الحفظ والرواية، وكان جلّ حسده لمن كتب فأحسن الخطّ وأجاد اللفظ، وتأتى للرسم وملّح في الاستعارة، وكان إذا سمع من إنسان كلاماً منظوماً، ومعنىً قويماً، ولفظاً مسجوعاً، ونثراً مطبوعاً، وبياناً بليغاً، وغرضاً حكيماً انتقض طِباعه وذهب عليه أمره وتبدّد حلمه وزال عنه تماسكه والتهب كأنه نار، واضطرب كأنه شَرار، وحدّث نفسه بقتله أو نفيه أو إغراقه وإبعاده وحرمانه.
قلت للتَّميمي الشاعر المصريّ بالرغيب: كيف ترى هذا الرجل أعني ابن عبّاد؟ فقال: طويل العنان في اللؤم، قصير الباع في الكرم، وثّاباً على الشرّ، مُقْعداً عن الخير، كافراً بالنّعم، متحرّشاً بالنّقم، جبّاهاً بالمكروه، سفيهاً في الجملة، خليعاً في التفصيل.
قلت: أين هو من صاحبكم بمصر أعني ابن كِلّس؟ فقال: ذاك رجل له دارُ ضيافة، وله زوّارٌ كالقطر، لا يعرف مَحْكاً ولا لجاجاً ولا مجادلة، ولا كياداً ولا مُخاتلة، يعطي على القصد والتأميل، والرجاء والتوجه، والطمع والطلب، وسائر الوسائل عنده، بعد هذه الأوائل، فضلٌ يستحق به الزيادة، وليس هناك امتحان ولا مُحاسبة ولا احتجاج ولا تعيير، المالُ مصبوب، والخازنُ قائم، والمُفرّق مُجزِّف، والنّداء عالٍ، والواصل موصول، والمؤمَّل مشكور، والرّاحل شاكر؛ وِزارة ذاك نيابةٌ عن خِلافة، ووزارة هذا خلافة عن عَمالة.
هل ترى هاهُنا صلةً ترتفع عن مئة درهم إلى ألف؟
(1/25)
________________________________________
أَليس أنبل من وردَ عليه البديهي وهو شيخه في العروض، وعنه أخذ القوافي، وبفتحه وهدايته قال الشعر؟ هل زاده في طول مُقامه إلى رحيله على خمسة آلاف درهم تفاريق؟ وإن أَقلّ ضيف بمصر يصير إليه مثل هذا في أول يوم.
وقد سألت جماعة من سادة الناس عنه، وحصّلت عن كل واحد منهم جواباً يمر بك فيما تستقبل، وأذكرها هنا أشياء حدّثني بها بطانته وخدمه.
حدثني الجرفادقاني أبو بكر وكان كاتب داره، قال: يبلغ من سُخنَة عينِ صاحبنا أنه لا يسكت عما لا يعرف، ولا يسأم نفسه فيما لا يفي به ولا يكمل له، ويظن أنه إن سكت عنه فُطن لنقصه وإن اختال وموّه جاز ذلك وخفي واستتر ولم يظهر، ولم يعلم أنّ ذلك الاحتيال طريقٌ إلى الإغراء بمعرفة الحال، وصَدَق القائل: كاد المريب يقول: خُذُوني.
قات له: ما الذي حَداك على هذه المقدّمة؟ قال: قال لي في بعض هذه الأيام: ارفع حسابك قد أخّرته وقصّرت فيه واغتنمت سكوتي وشغلي بتدبير المُلك وسياسة الأولياء والجُند، والرَّعايا والمُدن، وما عليَّ من أعباء الدولة وحفظ البيضة ومُشارفة الأطراف النائية والدَّانية باللسان والقلم، والرأي والتدبير، والبسط والقبض، والإبرام والنَّقض، وما على قلبي من الفكر في الأمور الظاهرة والغامضة؛ وهذا لعمري باب مُطمِع وإِمساكي عنه مُغْرٍ بالفساد مُولع، فبادر عافاك الله إلى عمل حساب بتفصيل بابٍ بابٍ تُبيّن فيه أمر داري، وما يجري عليه دخلي وخرجي.
قلت له: وهذا كله بسبب قوله هات حسابك بما تُراعيه؟ وصدق هذا الكاتب، كان يأخذ طرفاً من الحديث فيمدُّه إلى الفَلَك بالغَثاثة والجهل والهذر.
قال أبو بكر: فتفرَّدتُ أياماً وحرَّرت الحساب على قاعدته وأصله والرسم الذي هو مألوف بين أهله، وحملته إليه، فأخذه من يدي وأمرَّ عينه فيه من غير تثبُّت أو فحص أو مسألة، ثم حذفَ به إليَّ وقال: أهذا كتاب، أهذا تحرير، أَهذا تقرير، أَهذا تفصيل، أَهذا تحصيل؟ والله لولا أني قد ربّيتُك في داري، وشغلت بتخريجك ليلي ونهاري، ولك حُرمة الصِّبا، وتلزمُني رعاية الأبناء، لأَطعمتك هذا الطومار، وأَحرقتُك بالنفط والنار، وأَدّبت بل كل كاتب وحاسب، وجعلتك مُثلةً لكل شاهد وغائب.
أمِثلي يُموّه عليه، ويُطمع فيما لديه، وأنا خلقت الكتابة والحِسابة؛ والله ما أنام ليلةً إلاّ وأحصّل في نفسي ارتفاع العراق ودخل الآفاق؛ أَغَرَّك مني أني أجررتُ: رَسَنَك، وأخفيتُ قبيحك وأبديتُ حَسَنك؟ غيِّر هذا الذي رفعت، واعرف قبلُ وبعدُ ما صنعت، واعلم أنك من الآخرة قد رجعت فَزِد في صلاتك وصَدقتك، ولا تعوّل على قِحتك وصَلابة حَدَقتِك.
قال: فوالله ما هالني كلامه، ولا أَحاك في هذيانه، لأني كنت أعلم جهله بالحساب، ونقصه في هذا الباب، فذهبتُ، وأفسدتُ وقدّمتُ وأخَّرت، وكايدت وتعمّدت؛ ثم ردَدتُّه إليه فنظر فيه، ثم ضحك في وجهي وقال: أحسنت بارك الله عليك، وهكذا أردت، وهذا بعينه طلبت ولو تغافلتُ عنك أول الأمر لما تيقَّظت في الثاني.
فهذا كما ترى أعجبَ منه كيف شئت.
ومن رقاعاته أيضاً: سمعته يوماً يقول: وقد جرى حديث الأبهريّ المتكلّم، وكان يُكنى أبا سعيد، فقال: لعن الله ذلك الملعون المأبون المأفون، جاءَني بوجه مكَلحَّ، وأنف مُفلطَح، ورأس مسَفّح، وذقن مسَلّح، وسُرْم مفتّح، ولسان مبلّح، فكلَّمني في مسألة الأصلح، فقلت له: اغرب عليك غضبُ الله الأترح، الذي يلزم ولا يبرح.
وشتم يوماً رجلاً فقال: لعن الله هذا الأهوج الأعوج، الأفلج الأفحج، الذي إذا قام تحلج، وإذا مشى تدحرج، وإن عدا تفجفج.
بالله يا أصحابنا حدثوني، أهذا عقل رئيس، أو بلاغة كاتب، أو كلام متماسك؟ لم تجنّون به، وتتهالكون فيه؟ وتغيظون أهل الفضل به؟ هل هناك إلاّ الجدّ الذي يرفع مَن هو أنذل منه، ويضع مَن هو أرفع منه؟ ولقد حدثت بهذا الحديث أبا السلم الشاعر، فأنشدني لشاعر:
سبحان من أَنزل الدنيا منازِلها ... وصيَّر الناسَ مَشنوءاً ومومُوقا
فَعاقِلٌ فَطِن أَعيَتْ مذاهبُه ... وجاهلٌ خَرِقٌ تَلقاه مَرزوقا
كأَنّه من خليج البحر مُغترف ... ولم يكن بارتزاق القُوت محقوقا
هذا الذي ترك الأَلبابَ حائرةً ... وصَيَّر العاقل النحرير زنديقا
(1/26)
________________________________________
وحدثني المأموني عند روايتي هذا الحديث: سمعته أنا يقول على غير هذا الوجه، قال: جاءَني فلان بهامة مسطَّحة، وأرنبة مفلطحة، ولحية مسرَّحة، وقفحة مسلحة، وجبهة موقّحة، وجملة مقبّحة، يناظرني في المصلحة، فهممت والله أن أصلبه على باب المسْلحة. وباب المسلَحة بالري سوقٌ معروفة.
وهذا الكلام الثاني هو الأول يشقق ويؤذي، ويصيح ويهذي، ويوهِم ويدّعي، وقاحةً وجهلاً وازدراء للناس، وحقراً لكل من يرى من أهل الفضل والأدب، والحرية والحسب.
وكان كَلَفه بالسَّجع في الكلام والقلم عند الجدّ والهزل يزيد على كلف كلّ من رأيناه في هذه البلاد.
قلت للمسيّبي: أين يبلغ في عشقه للسَّجع، قال: يبلغ به ذلك أنه لو رأى سجعة تنحلّ بموقعها عُروة الملك، ويضطرب بها حبلُ الدولة، ويحتاج من أجلها إلى غُرْمٍ ثقيل وكلفةٍ صعبة، وتجشّم أمور، وركوب أهوال، لكان يخفّ عليه أن لا يفرج عنها ويخلّيها، بل يأتي لها ويستعملها، ولا يعبأ بجميع ما وصفت من عاقبتها.
وقال علي بن قاسم الكاتب: السجع لهذا الرجل بمنزلة العَصَا للأعمى، والأعمى إذا فقد عصاه فقد أُقعد، وهذا إذا ترك السّجع فقد أُفحِم.
وقاتُ للخليلي: كيف كان ابن العميد أبو الفضل يقدّم هذا ويرشّحه وهذا عقله ولفظه وشمائله؟ فقال: كان يسترفعه ويضحك منه ولا يغتاظ لأنه كان تحت تدبيره. والرّقاعة الخالية من القدرة مقبولة، وإنما تضاعف اليوم حديثُه في الرّقاعة لأنه أصبح بسيط اللسان بالدولة، مُطاع الأمر في القريب والبعيد؛ ونعوذ بالله من جنون موصول بانقياد الأمور وطاعة الرجال. وكان يقول: هو مع هذا الطيش والخفّة، والتفتل والتثني أفضلُ من أبيه؛ فإن أباه كان ثورا خوّاراً، وحماراً نهّاقاً.
وكان أيضاً يقدَح ابنه أبا الفتح به، ويبعثه على الحركة والنُّطق، وكان أيضاً مظنوناً به وهو غلام ما بقل وجهه.
قال: وأسباب الجدّ عجيبة، وكما لا يدري الإنسان من أين يُخفق كذلك لا يدري من أين ينال.
فقلت للخليلي: أما كان ابن العميد يسمع كلامع؟ قال: بلى، وكان يقول: سجعُه يدل على الخلاعة والمجانة، وخطه يدل على الشلل والزّمانة، وصياحه يدل على أنه قد غُلب بالقمار في الحانة، وما نظرتُ إليه قطّ في وقت إلاّ خِلتُ أنه قد سَقاه العباره دواء مذ ساعة.
وهو أحمق بالطبع إلاّ أنه طيّب، وإن كان له يومٌ تضاعف حمقه، وذهب طيبه، وضرَّ أهل النعم والمروّات والأدب بالحسد والكِبر والإعنات.
قلت للخليلي: هل عرفت طالعه؟ قال: حدثني أصحابنا منهم الهروي أن طالعه الجوزاء كط، والشّعرى اليمانية كط، وكان زحل في الحادي عشر في الحمل كح، والقمر فيه يط والشمس في السنبلة يج، والزهرة فيها ي، والمشتري في الميزان كد، والمريخ في العقرب ز، وسَهم السَّعادة في القوس يد، وسهم الغيب في الجدي يد، والرأس في الثالث في الأسد يا. قال: وخفي عليَّ عطارد. وذكر أنه ولد سنة ثلاثمائة وست وعشرين من الهجرة، ولأربع عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة روز سروش من ماه شهرير.
قلت فأين وُلد؟ فقال: كان عندنا أنه ولد بطالقان، وقال لنا قوم: بل بإِصطَخْر. وقال لي غير الخليلي: كان عُطارد في السُنبلة ط ي.
وكنتُ بالري سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، وابن عبَّاد بها مع مؤيد الدولة قد وردا في مهمّات وحوائج، وعقد ابنُ عبّاد مجلس جدَل وكنَّا نبيت عنده في داره بباب سين معنا الضَّرير أبو العباس القاصّ وأبو الحَوراء الرّقي، وأبو عبد الله النحوي الزَّعفراني، وجماعة من الغرباء فرأى ليلةً في مجلسه وجهاً غريباً صاحب مرقّعة، فأراد أن يفُرَّه، ويعرف ما عنده، وكان الشاب من أهل سَمرقند زعم أنه يعرف بأبي واقد الكَراييسي.
فقال له: يا أخ انبسط واستأنس وتكلّم؛ فلك منّا جانب وطِيّ ومشرب رَوِيّ، ولن تَرى إلا الخير، بم تُعرَف؟ قال: أُعرف بدَقّاق.
قال: تَدُقّ ماذا؟ قال:أَدُقّ الخصم إذا زاغ عن سبيل الحق. فلما سمع هذا تنكّر وعجب، لأنه فُجئ ببَديعة.
فقال: دَعْ ذا، تكلّم.
قال: أتكلَّم سائلاً؟ والله ما بي حاجةً إلى مسألة، أم أتكلم مسؤولاً؟ فوالله إني لأكسَل عن الجواب، أم أتكلّك مقرِّراً؟ فوالله إني لأكره أن أُبدد الدّر في غير موضعه، وإني لكَما قال الأول:
لقد عجَمتْني العاجِمات فلم تَجد ... هَلُوعاً ولا لينَ المجَسَّة في العَجْمِ
(1/27)
________________________________________
وكَاشَفتُ أَقواماً فأَبديتُ وَصْمَهُم ... وما لِلأَعادي في قَناتيَ من وَصْمِ
فقال له: يا هذا، ما مذهبك؟ قال: مذهبي أن لا أقرّ على الضيم، ولا أنام على الهون، ولا أُعطي صمتي لمن لم يكن وليَّ نعمتي، ولم يصل عِصمته بعصمتي.
قال: هذا مذهب حسن، ومن هذا الذي يأتي الضَّيم طائعاً، ويركب الهَوْن سامعاً؛ ولكن ما نِحلتُك التي تنصُرها؟ قال: نِحْلتي طوِيةَ صدري، ولستُ أتقرَّب بها إلى مخلوق، ولا أُنادي عليها في سُوق، ولا أعرضها على شاكّ، ولا أُجادل عليها المؤمن.
قال: فما تقول في القرآن؟ قال: وما أقول في كلام ربّ العالمين الذي يعجَز عنه الخلق إذا أرادوا الاطّلاع على غيبه، وبحثوا عن خافي سرّه، وعجائب حكمته، فكيف إذا حاولوا مُقابلته بمثله، وليس له مثلٌ مظنون فكيف عن مثل متيقّن؟ قال ابن عبّاد: صَدقت، ولكن أَ مخلوقٌ هو أم غير مخلوق؟ فقال: إن كان مخلوقاً كما تزعُم فما ينفعك؟ وإن كان غير مخلوق كما يزعُم خصمك فماذا يضرّك؟ فقال: يا هذا أَ بهذا العقل تناظر في دين الله وتقوم على عبادة الله؟ قال: إن كان كلام الله فينبغي إيماني به وعملي بمُحكَمه، وتسليمي لمُتشابهه، وإن كان كلام غيره، وحاش لله من ذلك ما ضرّني.
فأمسك عنه ابن عبّاد وهو مَغيظ، ثم قال له: أنت لم تخرج من خُراسان بعد. فمكث الرجل ساعةً ثم نهض. فقال له ابنُ عبّاد: إلى أين يا هذا قد تكسّر الليل، بتْ هاهنا.
فقال: أنا بعد لم أخرجُ من خُراسان، فكيف أبيتُ بالريّ، وخرج. فارتاب به ابنُ عبّاد، فقفّاه بصاحبٍ له، ووصّاه بأن يتبع خُطاه ويبلغ مَداه من حيث لا يفطن له ولا يراه، فما راغ الرجل عن باب رُكن الدَّولة حتى دخل، ووصل في ذلك الوقت الفائت إليه.
فقيل لابن عبّاد ذلك فطار نومُه من عينه، وقال: أيُّ شيطانٍ هبطَ علينا وأحصى ما كنّا فيه بيننا، وبلغ أَربَه منّا، وأخذ حاجته من عندنا، بلسانٍ سليط وطبع مريد.
فحدثني الهَرَوي، وكان يبيتُ عند ركن الدولة: أن ركن الدولة قال للخراساني: كيف رأيت كاتب ابننا؟ قال: رأيت وجهه وجه خنزير، وعقله عقل سِنّور، وكلامه كلام مُبَرسم، وحركته حركة مخنّث، ونظره نظر فاجر، ورأيه رأي مُوسْوَس، وأعضاءع أعضاء مفلوج؛ ولقد عشّانا وتعشّى معنا فما زال يذكر القِدر والخبز والأدم والبوارد، والغضائر والمطابخ حتى عرقت جباهنا من الحياء والانخزال، واسترخَت أيدينا من الخجل.
فقال له ركن الدولة: لو علمت أنك هكذا تنقلب عن مجلسه لما أَذِنتُ لك في لقائه، ولكن قد فات.
قال الهرويّ: وكان هذا الكراييسيّ عيناً لركن الدولة بخُراسان، فلذلك كان قريباً منه وكان أحد رجالات الدنيا، ولم يتمكّن من مُكاثرته.
وقلت للخليلي: بم انفرج ما بين هذا الرجل، أعني ابن عباد وصاحبكم أعني أبا الفتح ذا الكفايتين؟ فقال: كان صاحبنا غِرَاً صعب القياد شديد الزَّهو؛ وهذا على رقاعته لتي تَرَى، ولم يكن بينهما عاقل يرأب المصدوع، ويصل المقطوع، ويرفع الموضوع، ويردّ هذا عن حدّته بلسانه، ويكف ذاك عن تيههِ وامتنانه. وقد كان ركن الدولة يكنُفهما بظله، ويكُفُّهما بفضله، ويخفض لهما جناح إحسانه، ويمزج بينهما في استخدامه، ويجمعهما على طاعته لصحّة رأيه وحسن مداراته؛ ونفوسهما على ذلك تغلي، وصدورهما تفيض، والألسنة تكَنّي، والحواجب تتغامز، والشِّفاه تلتوي، والأعين تختلج، والوشاة تدبُّ، والزمان يعمل عمله؛ فلما مضى سائسهما تفارقا القرحة، وتنازعا الرتبة فكان ما كان.
قلت: ما الذي كان ينقم هذا من ذاك، وذاك من هذا؟ فقال: كان صاحبنا يقول: أشدّ ما عليّ أن خصمي مُعلِّم مأْبون. وكان هذا يقول: كيف أُسامي حَدَثاً صغير الرأس، كليل اللسان، قليل الهمّة، الخيرُ عنده حرّ والدِّرهم في نفسه ربّ؛ وكان يُنشد فيه:
فتىً يمنعُ الطَّعا ... م ولا يمنَع الحُرَمْ
فجميع النساءِ في ال ... حِلّ والمطْبخُ الحَرَمْ
فهذا هذا.
قلت لأبي عُبيد النصراني ببغداد، وكان سهل البلاغة حلو اللفظ، حسن الاقتضاب، غريب الإشارة، مليح الفصل والوصل: كيف ترى كتابة ابن عباد؟
(1/28)
________________________________________
فقال: هي شوهاء فيها شيء في غاية التنقيح، وفيها شيء في غاية الركاكة، وبينهما فُتور راكد، بمذاهب المعلمين الحمقى المتعاقلين أشبه منها بمذاهب السلف الأولين من الكتّاب وأصحاب الدواوين.
قال: السّجع الذي يَلْهَج به هو مما يقع في الكلام، ولكن ينبغي أن يكون كالطّراز في الثوب، والصَّنفة في الرداء، والخط في العَصب، والملح في الطّعام، والخال في الوجه؛ ولو كان الوجهُ كله خالاً لكان مقلياً.
قال: وبديعه في هذا الفن لا تُستَر ركاكته في سائر فنون الكلام، فإن فنون الكلام محصَّلة على التقريب بين البدَد والسجع والوزن، وما يُسمّيه قوم تجنيساً وتطبيقاً.
قال: ومنها شيء يجب أن يُسمّى المسلسل، وأمثلته في كلام أبي عُثمان موجودة، ثم قال: والذي ينبغي أن يُهجَر رأساً، ويُرغب عنهجُملة التكلُّف والإغلاق، واستعمال الغريب والعَويص، وما يستهلك المعنى أو يفسده أو يُحيله، ويجب أن يكون الغرض الأول في صحّة المعنى، والغرض الثاني في تخيّر اللفظ، والغرض الثالث في تسهيل النّظم وحلاوة التأليف، واجتلاب الرّونق، والاقتصاد في المواخاة، واستدامة الحال، ليستمر الثاني على الأول، والثالث على الثاني، وأن تتوفَّى الفضاء الذي يَعرض بين الفضل والفصل.
قلت: ما معنى الفَضاء؟ قال: عَدَم الرِّباط بين المتقدِّم والمتأخِّر، وهو النُّبُوُّ العارض في النَّفس عند سماعه وتحصيله.
قال: والهُجنة التي ليس بعدها هُجنة، والركاكة التي ليس فوقها ركاكة، الوَلوعُ بالغريب، وما يُشكل فيه الإعراب، ويتجاذبه التأويل؛ فإنَّ هذا وما شاكله كُلفة على النفس عند سماعه، ومؤونة على الطَّبع عند تخيّره، ومشقّة على اللّسان عند اللّفظ به.
ثم قال: فخَيْر الكلام - على هذا التصفُّح والتحصيل - ما أيّده العقل بالحقيقة، وساعده اللفظ بالرّقة، وكان له سهولة في السّمع، ووَقْع في النّفس، وعذوبة في القلب، ورَوْح في الصدر؛ إذا ورد لم يُحجب، وإذا صدر لم يُنْسَ، وإذا طال لم يُملّ، وإذا قصُر لك يُحقر، له غَنج كغنج العين، ودلّ كدلِّ الحبيب، ولذّة كلذّة الغِناء، وانقياد كانقياد الذّليل، وتيهٌ كتيه العزيز، وجَمْشٌ كجمش الغانية، ووقارٌ كوقار الشّيخ، وحلاوة كحلاوة العافية، ولينٌ كلين الصّيّب، وأخذٌ كأخذ الخمر، وولوجٌ كولوج النسيم، ووقعٌ كوقع القطر، وريحٌ كريح العِطر، واستواءٌ كاستواء السَّطر، وسبْكٌ كسبك التِّبر، يجمعُ لك بين الصّحة والبهجة والتّمام.
فأما صحته فمن جهة شهادة العقل بالصواب، وأما بهجته فمن جهة جوْهر اللّفظ، واعتدال القسمة، وأما تمامه فمن جهة النّظر الذي يستعير من النفس شغفها، ويستثير من الرُّوح كَلَفها.
وقال: قال أبو الرَّبيع: الكتّاب سبعة: الكامل، والأعزل، والمبهِم، والرِّقاعيّ، والمُخِيل، والمخلّط، والسّكّيت.
فأما الكامل فهو الذي له في الإنشاء والإملاء حظٌّ. والأعزل: الذي يُمْلي ولا يكتب. والمبْهم: الذي يكتُب ولا يُملي. والرقاعيّ: الذي يبلغ في الرِّقاع حاجته، ولا يصلُح لعظم الكتابة؛ والمُخيل: الذي له عارضةٌ وبيان، ورِواية وإنشاء، وتعرُّفٌ بالآداب، ولا طبعَ له في الكتابة؛ وإذا كان عاقلاً صلُح لمنادمة الملوك. والمخلّط: الذي يُرى له في الكتاب الواحد بلاغةٌ جيّدة وفَدامة عجيبة. والسّكّيت: المتخلّف المتبلّد، وربّما جاء بالشيء المحتمل إذا تَعَنَّى فيه.
قلت فمِن أيهم ابنُ عباد؟ قال: هو مُشكِل، لا يجوز أن تهضمه فتضعه في أسفل سافلين، ولا يجوز أن تغلظ فيه فترفعه إلى أعلى عِلِّيِّين، ثم ضَعْه بين هذين أين شئت، على أنه على كلّ حال جبلي.
قلتُ له: قد استمرّ قولك بما لو كان تصنيفاً لك لساغَ، وبقي تمامُه في كلمة هذا وقتُ المسألة عنها ومعرفة الحال فيها.
قال: قُل، فقد استرسلنا في الحديث، وتباثثنا كلّ ضمير.
قلتُ: كيف ترى كتابنا أعني القرآن؟ وأنت رجلٌ قد أشرفت على غاية هذا الباب، واستوعبْتَ جميع ما فيه.
(1/29)
________________________________________
قال: ذاك كلامٌ ليس فيه أثرٌ للصَّنعة، ولا علامة للتكلُّف، وهو كلام منسكب انسكاباً، وجارٍ جرياً يزيد من لُطفه على الطبع، بقدر ما يزيد الطبع على التصنُّع، قليله كثير، وكثيره غزير، ومعناه أقوَم من لفظه، ولفظه أرشق من وزنه، ووزنه أعدل من نظمه، ونظمه أحلى من نثره، ومجموعه أبْهى من مفرّقه، ومُفرّقه أظرف من مجموعه، وبعضه أغرب من كله، وكلّه أعجب من بعضه؛ وهو شيء يستوي تعجّب الجاهل، وتحيُّر العالم، ويستعلي الذهن ويستغرق الفهم، ويحجب الرُّؤية عن الإدراك، ويرُدُّها إلى البديهة في التسليم، وهذا يصحُّ ويبينُ لمن كان ذا أداة تامّة، وعقلٍ ثابت، وعلمٍ غزير، وطبعٍ سجيح، وبصر بالجوهر صحيح، ومعرفة بالصورة والصُّورة، وتمييز بين الحال والحال، ورِفقٍ فيما يزيد البيان عنه، لا يحمّله ما لا يُطيق، ولا يحتمل له ما لا يجب، فيكون في جميع ذلك كالطبيب الحاذق، والنّاصح المُشفِق.
قلت له: إنما يكون هذا كله وما هو عتيد عندك داعياً إلى الإيمان به، والتصديق لصاحبه.
فقال: أتُراني لا أنصح لنفسي في قضاء الحق عنها مجْتلباً للسعادة، كما لا أنصح لها في اقتضاء الحق لها مُكتسِباً للزيادة؟ بلى والله! ولكن وراءَ هذا ما يُشكل ويُعضِل، ويَطول ويُمِلّ.
وكان هذا الرجل ممن يدون كلامه كما يدون كلام ابن هلال الصّابي......... صاحباً له: يا هذا! انفع صاحبك على كل حال وإن ضرّك، وزيّنه زإن عَرَّك، وحسِّن به ظنّك وإن غرّك.
ومما يدلّ على ولوع ابن عبّاد بالسجع ومجاوزة الحدّ فيه بالإفراط قوله يوماً: حدّثني أبو علي ابن باش، وكان من سادة النّاش، جعل السين شِيناَ ومرَّ في الحديث وقال: هذه لُغة. وكذب وكان كَذوباً.
وكان أبو مالك يكتب بين يديه فقال له: إنما أنت خطّ وقطّ فقط. وفتَّت أطرافه بحركاته تخنّثاً وتأنّثاً.
وقال لعبد الله المعلم، وقد أنشده: يا عبد الله! أنت طويل النفس، عتيق القَوْس، شديد المَرس.
وقال الشيخ من خراسان في شيء جَرَى: والله لولا شيء لقطعتك تقطيعاً، وبضَّعتك تبضيعاً، ووزّعتك توزيعاً، ومزّعتك تمزيعاً، وجرّعتك تجريعاً، وأدخلتك في حر أمّك، ثم توقف وقفةً وقال: جميعاً.
ومِلح هذه الحكاية ينتثر في الكتابة، وبهاؤها ينتقص بالرواية دون مشاهدة الحال وسماع اللفظ، وملاحة الشكل في التحرك والتثني، والترنّح والتهادي،ومدّ اليد، وليّ العنق، وهزّ الرأس والأكتاف، واستعمال الأعضاء والمفاصل.
وقلت لابن القصار الفقيه: لو ناظرته، وكان يذهب مذهب القلانسي. فقال: الرجل كلف بالمذهب لا يُفهمك ما يقول استكباراً عليك، ولا يَفهم ما تقول استحقاراً لك.
وطلع عليّ يوماً في داره وأنا قاعد في كسر رواق أكتب له شيئاً قد كادني به، فلما أبصرته قمت قائماً، صاح بحلق مشقوق: اقعد! فالورَّاقون أخسّ من أن يقوموا لنا، فهممت بكلامٍ، فقال لي الزعفراني الشاعر: احتمل فإن الرجل رقيع، فغلب علي الضّحك، واستحال الغيظ تعجُّباً من خفّته وسخفه، لأنه قال هذا وقد لَوى شِدقه وشَمَخ أنفه وأمال عنقه واعترض في انتصابه وانتصب في اعتراضه، وخرج في مَسْك مجنون قد أفلت من دير حَنون. والوصف لا يأتي على كُنه هذه الحال لأن حقائقها لا تدرك إلا باللّحظ، ولا يؤتى عليها باللفظ.
أَ فهذا كلُّه من شمائل الرّؤساء وكلام الكُبراء وسِيرة أهل العقل والرّزانة؟ لا، والله! وتُرباً لمن يقول غير هذا.
وسمعت الخثعمي الكاتب كاتب علي بن كامة يقول: ما رأيت في طول عمري مع عُلوّ سِنّي وكثرة تجارتي تتبُّعي رجلاً أجمع للمخازي والمقابح والرقاعات والجهالات والخساسات والفواحش والخبائث من ابن عبّاد؛ أَفْيَلُ الناس رأياً إذا ارتأَى، وأنكلهم عن الخصم إذا تراءى، وأقلّهم وفاءً لمن جعله الله وليّ نعمته، وأوقحهم وجهاً مع كلّ إنسان، ولأحدهم لساناً بكل خنىً وفحش، وأحسدهم لنظيرٍ ولمن دون النَّظير، وأسعاهم بالفساد على الصغير والكبير، وأخطبهم على الدّين، وأضرّهم للمسلمين، وأفجرهم من بين العالمين، فقلت له: ما الذي يمدُّه على ما هو فيه، وبأي شيءٍ يطرد له ما هو عليه؟
(1/30)
________________________________________
فقال: لم يبق فيمن فوقه من ينتقد، ولا فيمن دونه من يُزاحم؛ قد خلا له الجوّ فهو يبيض ويصفر، ويتمطّى ويبوع، ويقول سبعاً في ثمان؛ لم يذلَّ لأحدٍ وذلَّ له كل مُحتاج، وأمر كل إنسان وما نهاه إنسان، وضَرع إليه كل محتاج، وما احتاج إلى غيره، ونشأَ على البطر والجنون، وعلى الخلاعة والمجون؛ فبهذا وأشباهه فسدت أخلاقه، وساء أدبه، وبذُؤ لسانه، ووقح وجهه، وغلط في نفسه غلطاً شديداً؛ وأُعجب بعربيته إعجاباً بعيداً؛ وهكذا يفسد كل من فقد المخطِّئ له إذا أخطأَ، والموبّخ له إذا أساء، والمقوّم له إذا اعوجّ؛ لا يسمع إلاّ: صدَقَ سيدنا، وأصاب مولانا؛ وماله في الزّمان ثانٍ، ولم يُعْرَف فيمن تقدّم له نظير.
رجل في هذه المملكة الواسعة العريضة على ما ترى من التمكن والاستعلاء، وهو لا يُحصّل شيئاً من خرابها وعمارتها، ولا ينظر في مصلحتها ومفسدتها، ولا يعرف المُختلس منها ولا الضّائع بين الناظرين فيها. أعمال بائرة، وبلادٌ غامرة، وأموال محتجنة، وطمع مستحكم، وضعف غالب وعدوٌّ راصد، ووقت فائت بالفُرَص، وخوف مؤذن بسُوء العاقبة؛ وهو قاعد في صدر مجلسه يقول: قال شيخنا أبو علي وأبو هاشم، تارةً يتقلّس ويتعمّم ويتلحّى ويناظر العامّة؛ هذا البقّال وهذا الخبّاز وهذا الخُلقانيّ وهذا الإسكافَ بالفارسيّة إما بالدَّرية، وإما بالرّزاية وإما بغيرهما؛ ويرى أنه في شيء مهم، وأنه في نشر مذهب ونُصرة دين؛ وتارة يناغي هذا الأمرد، ويعاتب هذا الخادم، وينشد الشعر البارد الذي يُورث الفالج:
أبا يوسفٍ إن العثانين آفة ... على حامِليها فاتخذ لحيةً قصْدا
ولا تَكُ مشغوفاً بسَحْب فضولَها ... ولا تُوِلَها إلا الإبادةَ والحصْدَا
وينشد:
قد استوجَب في الحكم سُليمان بن مختار
بما طوَّل من لحي ... ته التحريق بالنارِ
أو النتفَ أو الجزَّ ... أو النشرَ بمنشارِ
فقَد صارَ بها أَشه ... رَ من رايةِ بيْطَارِ
فإذا أَمَلَّ الشعر قال: قال سعيد بن حُميد لأبي هفّان: إن ضرطتُ عليك لأُبلّغنك إلى فَيْد. فقال أبو هفّان: زدني أخرى تُبلّغني مكة، فإني صرُورة.
أَ تدري يا أبا فلان ما الصَّرورة، وكم لغة فيها، وما أصلُها، وما نظيرتها؟ ويقول: ضرب المتوكّل على قفحة عُبادة فضرط، فقال: ويحك ما هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، خليفة يقرع باب قومٍ فلا يجيبونه؟ ويقول: مَرَّ بعليّ بن الحسين العلويّ رجل عبّاسيّ مأبون، فقال: من هذا؟ فقيل: هذا تيس الجِنّ.
فقال: ينبغي أن يُقال له نَعجة الإنس.
ويقول: جمع مُزَبّد بين قَبحةٍ وصديقها في بيت فتعاتبا، فأراد أن يجامعها فامتنعت وقالت: ليس هذا موضع ذا، فسمعها مُزَبّد فقال: يا زانية فأين موضعه أبين القبْر والمِنبر والله ما بُني هذا البيت إلا من جذْرِ القِحاب، ولا وُزِن ثمن خشبه إلا من أثمان نِعالٍ اختُطِفت في شهر رمضان من المساجد، وما اشتريت أرضه إلا من السّرقة، وما أعرف موضعاً أحقّ بالزّنا فيه منه.
وكان ينشد لابن الحجّاج كلّ سُخف ويستجيده ويُعجب به؛ أنشد له يوماً:
يسائلني محمّد عن أَخيهِ ... وعنهُ وقد بَلوتُهما شديدا
فقلتُ كلاكما جِعسٌ ولكن ... أَخوك، الحقَّ، أَكثَرُ منكَ دُودا
ويقول: امرؤ القيس والنّابغة يقصّران عن هذا الفن.
وينشد أيضاً له:
ومصرّفٍ أَنفاسَ ليثٍ خادِرٍ ... يصْدُرن عن لهواتِ كلبٍ رابضِ
ذي لثّةٍ غرويةِ الريا وذِي ... لحمٍ مُصِلٍّ في لعابٍ حامِضِ
رثِّ الثيات يحز منبته دما ... فكأَنما شَفتاه شفْرَا حائضِ
لم أَدرِ ماذَا قالَ إلا أَنه ... ما زَال يفسو ضِرسُه في عَارضتي
ومن أحاديثه السَّخيفة التي يتنّزه عنها الرؤساء، قال: قدِم أبو فِرعون الأعرابي وكان يسمّى سلمان البصرة، فنظر إلى بعض آل المهلّب على بابه قد فرش له، ووصيفة أدماء كأنها طبية قائمة تذبُّ عنه، فجعل يجمح إليها ويحدّ النظر، فقال له صاحبها أتشتهيها؟ قال: إي والذي خلَقها.
قال: فهل لك أن تكشف عما معك بين يديّ وتنكحها وتنكحها وأنا أنظر؛ فإن فعلت ذلك فهي لك.
(1/31)
________________________________________
فلما ألقاها وأخرج متاعَه كأنه عمود البيت، وبرّك عليها صاح به الناس: زَرّ، زَرّ، فأكثروا عليه، فاستحيا وفتر وولّى هارباً والناس في إثره يصيحون، وأخذ برأس متاعه وقال:
يالك من ايرٍ جُزيتَ شرّا
أَقمتُه حتى إذا اكفَهرّا
واضطَرَبت أَعراقُه ودَرّا
عادَ إليَّ وجهُه مُزْوَرّا
أُرِيد جُوَّا ويريد بَرَّا
كأَنَّه صاحبُ ذنبٍ فرَّا
كأَنما أَلقِم شيئاً مُرّا
وما عليك أَن يُقالَ زرَّا؟
وحدّث أيضاً: قال عُبادة: اختصم الحر والحجر في الجلدة التي بينهما، فكان كل يدّعيها، فتقدّما إلى الاير. فقال ليست لأحدكما.
قالا: فلمن هي؟ قال: هي لي إذا دخلتُ حططتُ عليها رحلي، وإذا خرجت استرحت عندها من كَربي.
وحَكى يوماً عن جحظة قال: كانت لي جارية فحبلت، فقلت لها: يا ملعونة مَن أحبلك! قالت: مَن غرَّقه يا مولاي.
قال: وقيل لعُبادة: لم صار الصَّفع بالقرع على القفا ثقيلاً، وفي الجوف خفيفاً، قال: لأنه ينزل على القفا جملة ويدخُل في الجوف تفاريق.
وكان ديدَنُه السُّخف والخلاعة والمُجون، والرواية عن مُزبّد المدني وأبي الحرث حمين وعُبادة، وجحظة ونَضْلة بن البك ومَن أشبه هؤلاء. وكان يضع أحاديث من الفواحش على بني ثوابة ويرويها عنهم ويَسمُهم بها. وكان القوم مُعاذِين منها، على ما حدّثنا شيوخ جِلّة كرماء لهم دين ومروّة. وكان يتكذّب على اليزيديين وغيرهم. وكان أكثر هذا فيه، وإنما كان يتحدّث بمثله تَبَرُّؤاً ونزاهة، وكان أدنسَ من الخنزير.
ولمثل هذه الخصال كتب إليه أبو راغب، فتىً من آل أبي جعفر العُتبي الوزير بخراسان رسالةً هتكه بها؛ وأنا أرويها لتعلم أني لم أتفرّد بتهجينه والنكير عليه، بل كلّ حُرّ كريم، وكل ديّن مذكور، وكل ذي مروّة ظاهرة معي فيما نثوتُ عنه وكرهته منه؛ فإن لم تعبأ بما تسمع مني فاعبأ بمن لعلّه عندك أشف مني، ولا تتسرع إلى عيبي هذا الرجل بما قد دوّنته حتى تتبيّن الأمر على حقّه وصدقه.
كتب أبو راغب: أصلحك الله أيها الرجل لنفسك، فإنك إذا صلحت لنفسك صلحت لقريبك وبعيدك.
أما بعد فإن بُعد صِيتك بعثَني على تصفُّح شأنك، وتصفُّحي لذلك وقفني على أحوال كرهتها لك، وأنفتُ منها لمن بلغ دَرجتك، والعيب منك مُضاعف، واللّسان فيك جوّال، والحقد عليك سريع؛ ولولا الحال التي أنت عليها من القُدرة والتمكُّن لكان العذر يناضل عنك، والتوبيخ يتبدّد دونك، وما أحسن ما قال شاعر عصْرك في نظمه:
ولك أَرَ في عيوبِ الناسِ شيئاً ... كنقص القادرين عَلَى اللتمامِ
قد خولّك الله ما يفوت ذرع همّتك، وآتاك ما يتجاوز اشتطاطك في حُكمك، من المال والثروة والرياسة والعلم والقوة والمكانة؛ ولم يخصّك بهذا كله بسابقةٍ لك عنده، ولا حقّ لك عليه، بل كلّه تفضُّل في الأول، واختبار في الثاني، وثواب أو عقاب في الثالث.
ولقد شاهدت وسطي في تعرُّف أخبارك، واستعنت كلّ عينٍ وأُذن في معرفة ليلك ونهارك، فلم أجد في تفصيل ذلك إلا ما يعصب برأسك العار، ويحشد عليك أسباب الدّمار، وتكون عاقبتُك منه دخول النار؛ لأنك تظهر القول بالوعيد ثم تركب كلّ بعير كبير، من أخذ المال المحرَّم، واستباحة الحريم المصون، وقتل النّفس المؤمنة، ومُساهمة الفسَقة الفجرة، وخِدمة الظلمة الغَشمة، وتقديم أهل المُجون والعيارة، وفي عُشر هذا سقوط المروّة، والإنسلاخ من الديانة.
فيا أيها المُدِلُّ بالتّوحيد والعدل أَ هذا كله في مذهبك أو في مذاهب أسلافك؟ مثل واصِل بن عطاء وعَمرو بن عُبيد، وأبي موسى المُرْدار، والجعفَرين؟ أما كانوا - مع بِدعتهم التي شانوا بها وجه الإسلام، وكادوا بها أهله - مجتهدين في غير ما أنت به راضٍ لنفسك ومُصرٌّ عليه باغترارك؟ إن الله لا يخادع، ولا منجاة للعبد إلا بالطاعة الخالصة، والتوبة النّصوح؛ هذا إذا كان الإيمان ساكن صدره والخوف من الله متردداً في أقطار فكره، واليقين بالمعاد عمود دينه، والعلم بالجزاء راسخاً في فؤاده؛ فأمّا إذا كان عارياً من هذا كله فهو الكافر بعينه الذي سمعت به، وعاقبة الكافرين (جَهنَّمَّ يَصْلَوْنَها وبِئسَ الْمَصِيرُ).
(1/32)
________________________________________
والله ما حركتني لنبذ هذا الكلام إليك حِيبةٌ عليك؛ لأني لم أنتجِعك، ولم أطمع في مالك، ولا عرفت وجهي، ولا سمعت باسمي، لكن أبت نفسي أن تقرّ على الجهل بحالك، وبِدُخلة ما يكون أمثالك، فآثرتُ نصيحتك؛ فإن النّبي صلى الله عليه قال: " الدِّين النَّصِيحة " . وما أخوفني أن تكون جرأتك على هَتك حُرُمات الدين، ومُعارضة الصالحين، مع العكوفة على الخُسران المبين، إنما قَويت ورَبت لأنك شارد على ربك، نافر من دين نبيّك، مُدَّع له بلسانك، شاكٌّ فيه بفؤادك، مُتعجّب ممّن له إخلاص، أو له بالدَّينونة اختصاص؛والويل لك إن كنت بهذا قانعاً من نفسك في الحال الأُولى، ثم الويل لك مع الثُّبور إن كنت جاهلاً بما عليك في الحال الأخرى.
حدّثني أي أمرٍ أنت فيه على رشد، وآخذ منه باحتياط؟ أما أنت عليه مع الغلمان المُرْد الجُرد؟ أم ما أنت مشهور به من المجانة والسُخف؟ ثم تدّعي الإطعام للخاصّ والعام، وقد شاهدنا فوجدنا على بابك قوماً يضربون بالمقارع وجوه الناس، ويُحطُّون على رؤوسهم العذاب، طرداً لهم وإبعاداً، أَ فَما هذا بأمرك وعينك وأُذنك؟ فلِم تتكلّف ما لا تُقرّ به؟ ولِمَ تدّعي مالا تسلم فيه؟ لقد وقفنا عياناً من استخفافك بالأحرار، ووضعك من ذوي الأقدار، وكُفرك بوليّ نعمتك، وتعرّيك من كل شبهة في أمرك، ما لو تنفَّسنا به بين الناس، أو رسمناه بالقلم بالقرطاس، لكان ذلك زائداً على تمرّد فرعون، وكفر أبي جهل وجُرأة ديك الجن.
لقد قيسَتْ مروّتك إلى مروات قوم قُرفوا بالزندقة فوُجدت مروّاتهم فوق ديانتك، ولقد رأينا قوماً لم يتحلّوا بالدعوى تحلّيك استنفدوا قوتهم في طلب مرضاة مؤمِّليهم ومُنتجعي قطْرهم، وبلغوا من ذلك المبالغ. وأنت مع تمكّنك ويسارك لم تسمح من الشاة بظلفها، ثم ملأت الدنيا بَقْباقاً بالامتنان على الصغير والكبير، كأنك خالق الخلق وباسط الرزق. انظر أيها الرجل أي آخر سوءٍ لك؛ والله إنك شديد الثقة، وقد قيل: رب واثق خَجِل. أيها الرجل!
ما طار طَير فارتَفَعْ ... إلاّ كما طار وقَعْ
أما تعتبر بما آل إليه أمر ذي الكفايتين مع ذلك البأو والخُنزُرانة؟ أما رأيت بعينك في هذه السنين ما يحدوك على الأخذ بالوثيقة لنفسك؟ وكف اليد عن كثير مما يوتغ دينك، ويهشم أنف مُروتك، ويقطع عرق أُبوتك، ويهيج الألسنة على تبكيتك، ويبسط الأيدي في الدعاء عليك، ويحشو القلوب في الدعاء عليك، ويحشو القلوب تمنِّي زوال دولتك.
فاتَّعظ بقول الشاعر:
يا أيها الباغِي عَلَى الأَحرار ... ثقةً بلِين مَقادَة الأَقدارِ
لا تَغْتَررْ بمدىً تَطاولَ حينُه ... فالظلْمُ يُقصِر من خُطى الأَعمارِ
والعيشُ نَهْلةُ واردٍ ولَرُبَّما ... سُدَّت عليه مَدارجُ الإِصدارِ
وأختم قولي هذا بما قال بعض السّلف لأصحابه، قال: أُحذِّركم الدُّنيا وأُخوّفكم يوم التَّناد، يوم لا يُعرف لخيرٍ أَمَدٌ، ولا ينقطع لشرٍّ أمد، ولا يعتصم من الله أحد.
وأرجو أن تسمع ما صدقت القول فيه بانتصاح، وتعرف ما تؤتيه بارتياح، والسلام.
قال: ويقول أيضاً: قال أبو العيناء لحجّاج الكاتب: ابنك في أي شيء هو من النّحو؟ قال: هو في باب الفاعل والمفعول. قال: هو إذن في باب والدَيه.
ويقول: قيل لأعرابي: اشترى الأمير سراويل من فَنَك. قال: التقى الثوبان.
ويُنشد:
شيخٌ لنا يُعرَفُ بالخُلْدِي ... يُريده في غلظ المُردِي
أَدْخَلنِي يوماً إلى دارِه ... فناكَني والايرُ من عندي
قال الخثعمي: وهو في هذا اكله على نَزَق فيه شديد، وقهقهة عالية، وتفكُّك قبيح، وسيَلان مُنكر، وشمائل مندثرة.
الويلُ له! هلاّ ترك هذه السخافات والحماقات على قومٍ يليق بهم هذا النّمط، وأقبل على الدّولة فنظم مختلّها، وسدّد التي ليس لها محصول.
يا قوم! أيُّ دينٍ يصحّ له وقد قتل آل العميد؟ وأي وفاءٍ يسلم له وقد سمّ أولاد بُويه الذي هو وليّ نعمته، وحافظ مُهجته، وباسط يديه، وبه نال ما نال، وبلغ ما بلغ؟ وأيّ مُروّة تبقى له، وهو يمنّ بالقليل إذا أعطى؟ وأي كرم يُعتقد فيه، وهو يَغُرّ الآمل ويسحبه على الوعد حتى إذا انتهى فقراً أو ضجراً حرمه حرماناً يابساً، ورده ردّاً مُرّاً، وأعطاه شيئاً قليلاً وقحاً؟
(1/33)
________________________________________
وهل تجد فيمن تقدّم عنده ونفق عليه غير ابن المنجّم وهو يعبث بلحيته وهامته؛ ويسخر منه ويضحك به؛ ويعمل له الشعر في النّوروز والمهرجان وغيرهما، ويسمعه في هيئة يوم المحفل، ويطرب على إنشاده ويقول: ما أحسن شعرك! وما أسلسَ طبعك! ويُطيعه على ذاك، ويتقدّم إليه بالقيادة وبكل ما لا يُجيزه الدين والمروة؛ وكذلك ابنُ نجم الآخر أبو محمد جِبسٌ جاهل صلِف،وسبيله وحديثه أو يقول: وردتُ على مولانا الصاحب، وأنا كالبدر إذا طلع، فعشِقني وعشق عِذاري وهام بسببي ورُزِقتُ منه، وخففت على قلبه، وحظِيت عنده، وكان يُعجبه منّي ما لا يجوز التحدّث به.
وصدق الخثعمي في هذا كله؛ كان أبو محمد يقول ما هو أكبر مما قال، وكان مع ذلك في مَسك كلبٍ خِسّةً ولؤماً وطمعاً؛ رأيته يوماً وقد كتب لإنسانٍ كتاباً بمكنسةٍ أخذها منه وجعلها في كُمّه.
وقضى لآخر حاجةً بعشر باذنجانات، والباذنجان إذ ذاك بالريّ مائة بدانق.
وقال أيضاً الخثعمي: وهل يتقدّم عنده إلا هؤلاء الهُوج الطَّغام الذين يجوبون الدنيا، ويدخلون كل ميدان، ويسخرون منه فيقولون: فعَل مولانا، وكان مولانا، وما رأينا مثل مولانا؛ وإن رأى مولانا أمكننا من نسْخ رسائله وكَتْبِ ألفاظه، فإذا سمع هذا وأشباهه ماعَ وسال وترَجْرَج وذابَ وأعطى عليه وجاد.
وقال أيضاً: كيف يُدَّعى له التَّبريز في كل علم وهو لا يعرف النحو إلاّ ما جلّ منه، ومن الكلام إلا ما وضح؛ ثم هو في اللّغة على تصحيفٍ شديد، وتخليط كثير، وفي الأخبار على تمويهٍ لا يخفى على مُميّز؛ وقد أفسد رسائله بطريقة المتكلّمين، وأفسد طريقة المتكلّمين بطريقة الكُتّاب، وكذلك النّحو واللغة والحديث، وهذا وصفٌ لا يدفعه إلا مُكابر.
وصدقَ هذا الشيخ، فإني رأيت ابن ثابت البغدادي المحدّث، وقد سأله عشيةَ يومٍ عن قول النبي صلّى الله عليه: " قَوِّموا صُفُوفَكم فَتراصُّوا، لاَ تَتخلَّلكم الشياطين كأنّها بَناتُ الحذَف " : ما الحذف؟ فلم يُجبه وقال: سأقول لك، وأخذَ في حديث آخر.
قال الخثعمي: وهو مع هذا كلّه يكذب صُراحاً في كل شيء، يقول: كان عندنا معلّم، وسُئل عن " يوسف " أَ ذكر هو أم أُنثى؟ فقال: " يُوسف " يُذكَّر ويؤنَّث، ألا ترى إلى قول الله عزّ وجلّ: (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا)، ثم قال: (وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ)، وقد اجتمعت له العلامتان.
واكن هذا ينسبه إلى إنسان معروف بالأدب، ولكنه كان يُحمّق ابن عبّاد وينُث مخازيه، فكان هذا يضعُ عليه نوادر باردة.
قال: ويقول: دخلت بغداد فلقيت أبا سعيد السِّيرافي، وعليّ بن عيسى، والمَراغيّ؛ وناظرتُ المراغيّ في " عَسَى " و " لعلّ " و " كاد " وغير ذلك فأبرزتُ وذُكرت، وأشير إليّ بالأصابع، وفسح لي في المجامع؛ وكذلك ناظرتُ فلاناً وفلاناً، وأفدتهم أكثر مّما استفدتُ منهم.
وسألت أنا أبا سعيدٍ عن هذا فقال:سُبحان الله! وسكت استعظاماً لهذا الحديث ونفياً له. وهو كما أومأ إليه.
وقلتُ للمراغي: أ كان لهذا الحديث أصلٌ فقال: لا، والله.
وقال الخثعمي: وهل يدلّ ولوعه بالعَروض إلا على سوء الطبع وقلّة التأتّي؟ وكان أخذها عن البديهي، وإنما ردؤ شعر البديهيّ أيضاً لمثل هذا، وبلغ من جنونه عليها أعني العَروض أنه كان يُلقيها على كل إنسان، ويطالب به كلّ شاعر وكاتب، حتى أخذ في هذه الأيام يلقّن غُلاماً تركياً وآخر قُوهياً وآخر زنجياً؛ وكان يُظهر بهذا وما أشبهه الحذقَ والبراعة والتخريج.
ثم ينظر في كتاب " الفصيح " ، " ومختصر " الجَرْمي، ويقول: ما رأيتُ كاتباً يُخطئ إلا من هذا، ولا يَلحَن إلا من هذا. وهذا - حفظك الله - منه مُغالط، إن الكاتب قد يُخطئ من غيرهما أيضاً، وهو ذاك المُخطئ المحرِّف إذا وزنتَ كلامه بالقسطاس، واعتبرته بالقياس على ما أوضحه العلماء والنحويون، قال: ومَن أرادَ ذلك بيّنتُ له، فليس الباب دونه مُغلقاً ولا الطريق إليه مُتعسَّفاً.
ثم قال الخثعمي: وهل مَداره إلا على السُّخف والجَبَه والمكابرة والبَهت، يقول فيمن هو أكتب منه وأعَفُّ وأَسرَى:
حجر أَبي نَصْرِ بن كوشاد ... أَوسعُ من مصرَ وبَغدادِ
قلتُ له: هل لك في فَيشَةٍ ... فقال مولايَ وأُسْتاذِي
أَ فهذه مخايل ذوي الأقدار والرياسة؟ أم مخايل أصحاب الرَّعاع والسفلة؟
(1/34)
________________________________________
وهل شاع القول بتكافؤ الأدلة في هذه الناحية إلا به؟ وكثرا المِراءُ والدل والشّكّ إلا في أيامه، لأنه منع أهل القصص من القصص والذكر والزّجر والمواعظ والرقائق، ومنع من رواية الحديث - وقال: " الحديث " حشو - وتفسير القرآن، ونشر التأويل، وسماع قول الصحابة والتّابعين، وما يُعنَى بين الحلال والحرام، ويتعلّق بجلائل الأحكام، وطَرَدَهم ونَفاهم؛ منهم: ابن فارس، والرُّويانيّ، وابن بابَوَيه، وابن العطّار، وابن شاذان، والبَلخيّ، وفلان وفلان؛ وأجلس النجّار يخدع الديلم بالزّيدية، وزعم أنه على مقالة زيد بن عليّ ورأيه ودينه ومذهبه، وزيدٌ يعلم الله - بريءٌ منه، لفسقه وفجوره وتهتُّكه وظُلمه وغَصْبه ونهْبه وقتْله النفس المحّرمة، وأخذه الأموال المحظورة. أتُرانا لا نعرف مذهبَ زيد، وأن جميع ما هو فيه مخالف للدين والإسلام.
وقال الخثعمي: زعم أنه إنما منَع المذكّرين والقُصّاص لئلا يفشو الحشو والتشبيه ولِئلا يُنشِّئوا عليه الصغير والكبير، فهلاّ منع من الكلام والجدل لئلا يفشو الإلحاد، ولا تكثر الشُّبه؟ ثم يجلس لأصحاب الحديث، ويروي ويُفسل ويكذب ويختلق الإسناد ويبتِك المتن. فأي عيبٍ لم يظهر به ولم يغلب عليه؟ وأيّ خِزْيٍ لم يبن ولم يكثر؟ وأي فعلٍ سيءٍ لا فعله؟ أَ ليس هو سبب كل قبيحة، وفاتح كل باب شرّ؟ فما هذا الغلط فيه؟ وما هذا التعصّب له؟ وما هذا اللّجاجُ بسببه؟ أَ من العدل الذي يُدل به في مذهبه أن يجور ويغصب، ويقتل؟ أم من التديُّن ب " التوحيد " أن يركب الفاحش ويأتي القاذورات؟ ويخلو بالأُبَن والسوءات؟ ويتسنّم الكبائر المبيرات؟ ثم يبني داراً يسمّيها دار التوبة استهزاءً وسخرية وسُخْنَةَ عين؟ أم من المعروف أن يتعاطى كل منكرٍ قولاً وفعلاً؟ إني لأظن أن من ينصر هذا الرجل لأَعمى أصمّ قد أسلمه الله من يده، وألجأه إلى الشيطان قرينه.
أم من العقل والمروّة والكرم والفتوة أن يقول: أين مائدتنا من مائدة مطرّف؟ يعني أبا نصر مطرف بن أحمد وزير مرداويج الجبلي، وكان أكرم الناس؛ ومن مائدة المهلبي؟ ومن مائدة ابن العميد؟ وأين طعامنا من طعامه؟ وأين إطعامنا من إطعامه؟ وكان أبو الفضل سيّداً، ولكن لم يشُقُّ غبارنا، ولا أَدرك شِوارنا، ولا مسح عذارنا، ولا عرف عَرارنا لا في علم الدين، ولا فيما يرجع إلى منافع المسلمين. فأما ابنه فقد عرفتم قدره في هذا وفي غيره؛ طيَّاش قلاّش، ليس عنده إلا قاش وقماش، مثل ابن عياش والهروي والحواش.
يا قوم! هذا كلام من له عقل ويرجع إلى رزانة؟ ثم يقول في مجلسه: أنا الذُّعاف لمن حساني، والجُراف لمن عصاني، والجُحاف لمن عَناني أو حرّك عِناني؛ أَخْمصي فوق هامة الدّهر، أين ابنُ الزيّات منّا؟ أين ابن خاقان من غُلامنا، يعني أبا العياس الضّبي، ومن عليُّ بن عيسى الحشوي، ومن ابن الفرات الأرعن، ومن ابن مُقلة الخطّاط، ومن الحسن بن وهب الضرّاط؟ هل كانوا إلاّ دوننا إذا ذُكرت سيادتنا، وشوهدت سعادتنا. وُلدت والشِّعرى في طالعي، ولولا دقيقة لأدركتُ النبوّة، وقد أدركت النبوّة إذ قُمت بالذّبّ عنها والنُّصرة لها؛ فمن ذا يجارينا ويُمارينا ويبارينا ويُهادينا ويُضارينا ويُسارينا ويُشارينا؟ وكاد الخثعمي لا يقطع هذا المجلس لطول ما مرّ فيه، وشِدّة ما أهمّه منه.
فهذا كما ترى.
وقلتُ للمسيبي يوماً: لم انقطعت عن هذا الرجل، وقد كان مُحسناً إليك، مُقدِّماً لك، مُعجباً بك؟ فقال: الصَّبر على الرَّقاعة مُعوز، ومُكاذبة النّفس وخِداع العقل من الكلَف الشاقة والأمور الصّعبة، ولَعَن الله الرّغيف إذا لم يصب إلا بضَعَة النّفس، وغضاضة القدر، وكدّ الروح، ومفارقة الأدب الحسن، ودَنس العِرض النَّقي، وتمزيق الدّين المعتَقَد، وكسب الزّور المُحبِط، وإزالة المروّة المخدومة؛ وإني لَكما قال الشاعر:
وإِني عَلَى عُدْمي لَصاحِبُ هِمّةٍ ... لها مذهَبٌ بين المَجَرَّة والنَّسْرِ
وإِنَّ امرءاً دُنْياهُ اَكبَر هَمِّهِ ... لَمسْتمسِكٌ منها بحَبْل غُرورِ
وسمعته يقول لابن ثابت: جعلك الله ممّن إذا خَرئ شطَّر، وإذا بالَ قطّر، وإذا فَسَا غَبَّر، وإذا ضَرط كبَّر، وإذا عَفَج عَبّر.
(1/35)
________________________________________
وهذا سُخف لا يليق بأصحاب الفُرضة، والذين نشؤوا بالمزرفة، واختلفوا إلى الخندق ودار بانُوكَه والزبد والخُلْد.
وسمعته يقول: أنشدني صِقلاب، وابنُ باب، وقرأتُ على ابن البوّاب، وسمعت من ابن الحُباب، ورويتُ لأبي المرتاب الدّباب كلّ شيءٍ عُجاب.
ولقد تحيّر المهلّبي منّي، وعرف مُعِزّ الدولة فضْلي وأدبي وأكبر قدري، وبلغ الحدّ الأقصى في أمري.
وأنشدني أو دُلَف الخَزْرَجيّ عندما رأى من كلَفه بالمذهب وإفراطه في التعصُّب:
يا بن عَبّادِ بنِ عَبّا ... سِ بنِ عبْد الله خُذْها
تُنكِر الجَبْرَ وقَد أُخْ ... رِجْتَ لِلْعَالَم كُرْها
وكان إذا نشط واهتزّ لا يُسمع منه إلا حديث عُبادة وجَحْشَويه وأمثال هؤلاء.
وكان يضع على بني ثوابة كلَّ حِكاية غَثَّةٍ فاحشةٍ؛ وكان إذا أراد أن ينفي عن نفسه ما يُقرف به، قال: قيل لقاضي الفتيان: نيك الرّجال ريبة. فقال: هذا من أراجيف الزُّناة.
وقيل لابن ماسَوَيْه: الباقلَّى مقشورةً أصحُّ في الجوف.
فقال: هذا من طِبّ الجِياع.
وقيل للُوطي: إن اللّواط إذا استحكم صار حُلاقاً قال: هذا من توليد أصحاب القِحاب.
فأما الذي يدلّ على كلام المُبرسَمين والمجانين ومن قد شُهر بالصَّرع والماليخوُليا فما سمعته يقول لشيخٍ خُراساني قد دَعَا به وأكرمَه وتوفّر له وكلَّمه؛ فسمعته يقول: ما يجب أن يكون لا يقتضي، وما يكون منه لا يجب أن يكون، وقد يجب أن يكون ما يكون، ويكون ما يجب أن لا يكون، وإنما لا يكون ما يجب أن يكون، ويكون ما يجب أن لا يكون؛ لأن ما لا يجب أن يكون ليس في وزن ما يكون، والكون والوجوب لا يتلازمان، بل يجتمعان ثم يفترقان، والاجتماع والافتراق عليهما جاريان؛ فلهذا يُرى الواجب كائناً والكائن واجباً، وما أكثر من يظنّ أن الكون متضمّن الوجوب، والوُجوب متضمّن الكون، وتحصيل الفَضْل بينهما بالنّظر من سِحر العقل.
وهذا فنٌ لم أجد فيه لمشايخنا شوطاً محموداً، ولعلي أُملي فيه كلاماً بسيطاً بجميع ما يكون شرحاً له إن شاء الله.
فلما خرجنا قلتُ للشيخ الخراساني، وقد أخذنا في المؤانسة وتجاذينا أطراف الحديث كما قال الشاعر:
أَخذْنا بأَطرافِ الأَحادِيث بينَنَا ... وسَالَتْ بأَعْناقِ الْمَطِيِّ الأَباطحُ
كيف سمعت الليلة ذلك الكلام في الكون والإيجاب؟ فقال: يا حبيبي! إما أن يكون هذا الرجل مرحوماً في أيديكم أو تكونوا مرحومين في يده. أما في بلدكم مارستان؟ أما للسلطان شفقة على هذا الإنسان، أما له من يأخذ بيده وينصح له في نفسه ويكسح هذا الجزء من عقله، إنا لله وإنا إليه راجعون؛ غُمَّ عليّ باسمه عندنا بخُراسان، وطُنِزَ بنا به في تلك البلدان، وقد كان، والله، يلوحُ خلل كبير لقوم من أهل العقل والأدب والحِكمة من رسائله ورِقاعه، وكانوا يحملون الذّنب على الورّاقين.
وقال يوماً آخر لابن القطّن أبي الحسن الفقيه المتكلّم: أيها الشيخ أنت على الحقّ؟ قال: نعم.
قال: واللهُ الحقّ؟ قال: نعم.
قال: فأنت على الله.
فقال القصّار: الحمد لله على سرعة هذا الانقطاع، وسُطوه هذا البُرهان، ولُزوم هذا الحكم.
فلما خرج قلنا له: هلاّ فصّلت أيها الشيخ وقد عرّض بك، وتضاحك عند الإشارة إليك؟ فقال: وما مُنا قَلتي رجلاً لو كان في المارستان مغلولاً لكنت لا آمن جانبه إذا كلّمته، فكيف وهو مُطلق مطاع، ونعوذ بالله من مجنون قادر مُطاع، كما نعوذ به من عاقل ضعيفٍ مَعْصيّ؛ ثم قال: وهذا الكلام من صاحبه سوء أدب، وضعف عقل، وجَسارة نفس، واجتلاب مقت، وقلّة دين؛ إن الحقَّ الحقّ اسمان يقعان بالاشتراك في اللّفظ على معنيين مُختلفين، وأنا على الحق، ولكن الحق الذي ضدّه الباطل، ولستُ على الحق الذي لا ضدّ له؛ والحقّ يُطلق على الله ويُراد أنه محقِّق، والحق يُطلق على ما عداه ويُراد به أنه محقَّق؛ والله الحق المُحِقُّ المحقِّقُ، وما جاوزه فهو الحق المُحقّ المُحقَّق؛ وإذا قيل في وجهٍ آخر: الله محقَّق فالمراد به غير هذا، لأنه يُراد به أنه مُثبت موجود، ومعتَقَد مشهود له بالوحدة والقدرة والحِكمة والمشيئة.
وحدّثنا ابن عباد يوماً قال:
(1/36)
________________________________________
ما قطعني إلا شابٌّ ورَد علينا أصبهان من بغداذ، فقصدني فأذنت له، وكان عليه مُرقَّعة، وفي رجله نعل طاق. فنظرت إلى حاجبي، فقال له، وهو يصعد إليَّ: اخلع نعلك، قال: ولم؟ ولعلّي أحتاج إليها بعد ساعة، فغلبني الضحك وقلت: أَ تُراه يريد أن يصفعني بها.
وقال لي علي بن الحسن الكاتب: هجرني في هذه الأيام هجراً أضرَّ بي، وكشف مستور حالي، وذهب عليَّ أمري، ولم أهتد إلى وجه حيلةٍ في مصلحتي، وورد المهرجان فدخلت عليه في غمار الناس، فلما أنشد يونس تقدّمتُ وأنشدتُ، فلم يهشّ لي ولم ينظر إليّ، وكنت ضمَّنتُ أبياتي بيتاً له من قصيدة على رويّ قصيدتي، فلما مرّ به هذا البيت هبّ من كسله ونظر إليّ كالمنكر عليّ، فطأطأتُ رأسي، وقلتُ بصوتٍ خفيض: لا تلم، ولا تزد في القُرحة، فما عليّ محمل؛ وإنما سرقتُ هذا البيت من قافيتك لأُزيّن بها قافيتي، وأنت بحمد الله تجود بكل عِلقٍ ثمين، وتهب كل جوهرٍ مكنون، أَ تُراك تُشاحُّني على هذا القدر، وتفضحني في هذا المشهد؟ فرفع رأسه وصوته وقال: يا بُني أعد هذا البيت. فأعدته، فقال: طنَّانٌ والله! يا هذا! ارجع إلى أول قصيدتك، فقد سهونا عنك، وطارَ الفكرُ بنا في شيءٍ آخر؛ والدُّنيا مَشغلة، وصار ذلك ظلماً لك لا عن قصدٍ منا ولا تعمُّد.
قال: فأعدتها وأمررتها وأطربتُ بإنشادها، وفَغَرتُ فمي بقوافيها؛ فلما بلغت آخرها قال: الزَم هذا الفنّ فإنه حسن الدِّيباجة، وكأنَّ البُحتريّ قد استخلفك، وأكْثُر بحضرتنا وارتفِع بخِدمتنا، وابذُل نفسك في طاعتنا نكُن من وراء مصالحك بأداء حقّك والجذْب بضبعِك، والزيادة في قدرك على أقرانك.
قال: فلم أرَ بعد ذلك لا الخير، حتى عراه ملل آخر، فعاد إلى عادته، ثم وضعني في الحبسِ سنة، وجمَع كتبي وأحرقها بالنار، وفيها كتب الفرّاء والكسائي، ومصاحف القرآن، وأصول كثيرة في الفقه والكلام، فلم يميّزها من كتب الأوائل، وأمر بطرح النّار فيها من غير تثبّت، لفَرط جهله وشدّة نزقه.
أَ فهذا يا قوم من سيرة أهل الدين، أو أخلاق ذوي الرياسة، أو من جنس ما يُعتاد ممن له عقل أو تماسك؟ وهَلاّ طرح النار في خزانة كتبه على قياس هذا؟ فإن فيها كتب ابن الرَّوَندي، وكلام ابن أبي العَوجاء في مُعارضة القرآن بزعمه، وصالح بن عبد القُدُّوس، وأبي سعيد الحصيري مع غيره من كتب أرسطا طاليس وأشباهه. ولكن من شاء حَمّق نفسه.
كان الأقطع المنشد الكوفي يقول كثيراً: لو لم تستدلّ على جنون هذا الرّجل وقلّة دينه وضعف عقله إلا بنفاقي عليه لكفى؛ لأني رجل قُطعت في اللّصوصية، فما قولُك في لصٍ مقامر؟ أقودُ وأَلوط وأَزني وأنمُّ وأضرِب، وليس عندي من خيرات الدُّنيا شيء؛ لأني لا أُصلي ولا أصوم، ولا أُزكّي ولا أحُجّ، ونشأتُ في المساطب والشطوط والفُرض والمواخير، ومشيت مع البطّالين سنين وسنين، وجرحت وخنقت وطررت ونقبت وقتلت وسلبت وكذبت وكفرت وشربت وسكرت وشابكت وساكنت وماحكت ودامكت. ولم يبق في الدنيا منكر إلا أتيت، ولا خَنَى إلا ركبت؛ وهو على هذا يُغريبي ويلجّ معي ويؤذيني ويمنعني من الرّجوع إلى بيتي وامرأتي، قد حبسني في داره هكذا، فإذا اغتلمت جلدت عُميرة ضرورة.
وصدق هذا الشيخ، كذا كان مذهبه، وعليه شاخ، ولكنّ ابن عبّاد كان يتعلم منه كلام المُكَدِّين، ومُناغاة الشحّاذين، وعبارة المقامرين ومن يصرّ في اللعب بالكعبتين، ويضجر ويكفر وينخر ويشقّ المِئزر، ويبزق في الجوّ؛ وكان لا يجد هذا عند أحدٍ كما يجده عنده، فلذلك كان يتمسك به.
وكان الكوفي هذا، مع ما وصفناه، طيّباً مليحاً نظيفاً فصيحاً، وهو الذي حدثنا عن بعض أصحابه في المسطبة.
قال: قلنا له: إنك تُحب الطِّيب، وتلهج بالنكاح وتُفرط.
قال: فقال لنا: والله ما أقتدي في هذا إلا بنبيّنا صلى الله عليه، فأنه قال: " حُبِّب إليَّ من دنياكم ثلاثة الطِّيب والنّسَاء " .
قال: فقلنا له: ففي الخبر: " وجُعلت قُرَّةُ عيني في الصلاة " وأنت لا تُصلّي أصلاً.
فقال: يا حمقى لو صلّيت لكنت نبياً، وقد قال صلى الله عليه: " لا نبيَّ بَعْدي " .
ورأيتُ الأقطع هذا واقفاً بين يدي ابن عبّاد في صحن الدار، وذاك أيضاً واقف، فطلع أبو صالح الورّاق، فقال ابن عباد حين نظر إليه وإلى لحيته المسرّحة:
ولحيةٍ كأنّها القِباطِي
فقال الأقطع بلاّ وقفة:
(1/37)
________________________________________
جعَلتُها وقفاً عَلَى ضراطي
وكان أبو صالح هذا يقول: أنا من ولد محمد بن يزداد الوزير.
وكان ابن عبّاد يطالب الأقطع بأن يحفظ قصائده في أهل البيت ويُنشدها الناس على مَذهب النَّوْح، وكان يُعطيه على كل بيت درهماً، وإذا لم يُحكِم ضربه لكلّ بيت ضربةً بعصاً عَجْراء. فكان الأقطع المسكين كلّ يوم يُضرب.
فقلت له: من كلفك الصبر على هذا الضرب؟ احفظ كما كُنت تحفظ واربح الدّراهم، وتخلّص من الألم.
فقال: والله لو ضربني بكلّ عصاً في الأرض كان أخفّ عليّ من حفظ شعره الغَثّ، وإنشاد قافيته الباردة، والله وإن شعره في أهل البيت خِراء. فهذا قوله.
وكان لا يدع الأقطع لينصرف إلى منزله، وكان يشكو الشبق، وكانت امرأته تأتيه في كل قليل إلى دهليز الباب وتُغيّر ثيابه، وتُصلح أمره، وتحدّثه وتنصرف بشيء معه قد جمعه فصادف الأقطع يوماً الدهليز خالياً، وكانت الهاجرة منعت من الحركة، فراودها وطرحها في المكان المُتَخطّى وتقمّمها وأخذ في عمله، فرمقه بعض السِّتريين فعَدا ورَفَع الحديث إلى ابن عباد، وذكر الحال والصورة، فهاج من مقيله البارد ومكانه الظليل، وحَشيته التي قد استلقى عليها، حاسِراً حافياً، قد جعل طرف كمه على رأسه بلا سراويل، ولَقَط قدمه لقطاً حتى وقف على الأقطع وهو يكوم يُولج ويُخرج ويرهز ذاهب العقل.
فقال له: يا أقطع ويلك يا ابن الزّانية إِيش هذا في داري!؟ فقال: أيها الصاحب! اذهب ليس هذا موضع النظارة، هذه امرأتي بشهود وعُدول وعقد وقبالة، اذهب اذهب، يَهذي ولا يعقل حتى أفرَغَ، وسيّدي على رأسه يضحك ويصفّق ويرقص. ثم أخذ بيده على تلك الحال، وهو يشد تكَّتَه، وابنُ عباد يُعينه، وأدخله إلى مقيلة يعاتبه ويسأله عن العمل والحال؟ وكيف استطابه وكيف هاج؟ ثم خلع عليه، ووَهب لامرأته ثياباً وطيباً.
أَ فهذا من المروّة والفضيلة وأدب الرياسة وآيين الوزارة؟ أَ هكذا كانت البرامكة وهو لا يرضاهم؟ أم هكذا كان حامد بن العباس، والعباس بن الحسن، وآل الفرات، وآل الجرّاح، وهو لا يزنهم بشيء فيمن تأخّر؟ إن من يستحسن هذا وأمثاله، ويعذر أهله في الرياسة والجلالة لَضعيف النَّحيزة سليب المروّة؛ وإن من ينظر هذا وشبهه لصفيق الوجه قليل المعرفة.
وقال لابن الزيّات المتكلّم يوماً في مناظرته: لا تعبثْ بلحيتك.
فقال ابن الزيّات: وما عليك منها؟ هي لحيتي.
قال: أنا سلطان.
قال: أَ في عهدك النظر في لحيتي؟ قال أصحابنا: بل قال له: أنا سلطان، وإذا خرجتَ من عندي ولحيتك على غير الشكل الذي دخلت عليّ به ظنَّ الناس أني ظلمتك فيها عند المناظرة والخلاف، وأنا أحب صيانتك وصيانتي عند الناس بسببك.
وقلتُ لابن الزيّات ببغداد: كيف رأيت ابن عبّاد؟ قال: هو كالحِر، لا يرجع إليه من خرج منه.
وقلت للجيلوهي الشاعر، وكان شيخاً له تجربة ومعرفة بأيام الناس ومَشاهَدة: حدِّثني عن ابن عباد.
قال: مغرور من نفسه لمواتاة جده، وتصديق ذوي الأطماع في جميع دعواه، وما أحوجه إلى إنصاف الناس من نفسه بأحد شيئين: إما بأن لا يدّعي الكمال، أو بأن لا يُبكِّت الرجال؛ فلا هو بريءٌ من النّقص، ولا هو غير مُستحق للتَّبكيت؛ وليس من لا يمكن أن يواجه بالنقص الذي فيه وبالتوّبيخ الذي يستحقه على فعله، ليدٍ له في السلطان قوية، وشمسٍ له في الدولة طالعة - ينبغي أن يركب هاك الناس ويأكلهم بلسانه؛ فريح الدولة قد تركُد، والضَّعف يزول، والحَشَم يتحوّل، وقد يُقال وراء ظهره ما يُربي على ما هو عليه، ولو قصر يده على فضله الذي له لم تَشَلَّ، ولو وقف قدمه عند غايته لم تزل، ولكنه يجري طلقاً ثم يكبو، وينصلت للقراع ثم ينبو، ويتطاول إلى ما لا يناله ثم يخبو؛ وهذا طريق الجاهلين المغترين.
ثم قال: والكذب من آفاته، وهو خُلق يَعرُّ المروّة ويشين الديانة، ويسقط الهيبة، ويجلب الخِزي، ويستدعي المقت، ويقرّب الموت؛ وقلّ من لهج به إلا كان حتفه فيه، وما رُئي شيء أمحَى لنضارة الوجه ولبهجة العلم ولزينة البيان منه.
قال: وعلى ذلك فما رأيت رئيساً يُحسن ما يحسن من الإحسان إلا هو مردود بالتنكد، لأنه ما هنّأ قطّ بنعمته، ولا أمتع بإحسانه. ولا ترك له يداً بيضاء عند أحدٍ إلا وكرَّ عليها بالتسويد.
(1/38)
________________________________________
قال: وقد شاهدتُ النّافقين عليه، والمتقدّمين لديه، ووقفت على مَوَاتِّهم ووسائلهم وأسبابهم وذرائعهم فلم أجد فيهم إلا مَخْشيَّ اللسان استكفّ شرّه بالإحسان كالخوارزمي وغيره، أو مرتبطاً لأمر يُراد منه لا يفي به سواه كالهمذاني ومن جرى مجراه، أو ملعوباً به قرّب على ظنّه وريبة وحالٍ زائدة على القُبح والفضيحة، كفلان وفلان وهم الدُّهم؛ ولم أجد في ضروب المتوسّلين إليه، بعد هؤلاء، من وَصَل إلى درهمٍ من ماله إلا ببذل النفس وإذالة العِرض، ومواصلة البُكور والرّواح واستنشاق الغبار والرياح وتجرع العبط والكد، ومزاحمة أهل الجهل والنقص، ومُغالبة ذُلّ الحجاب وسوء أدب البوّاب والرضا بالهزء والسخرية؛ وما ابيضت له يد عند أحد، ولا تمّت له نعمة على أحد، لملله وحسده، وضجره ونكده، وامتنانه وكثرة ذكره لفضله ومدحه لنفسه. والعرب تقول في حِكَمها: المنّة تُزرِي بالأَلبّاء.
على أن عطاءه لا يزيد على مائة درهم وثوب إلى خمسمائة، وما يبلغ إلى ألف نادر، وما يُوفي على الألف بديع، بل قد نال به ناس من عرض جاهه على السنين ما يزيد قدره على هذا بأضعاف، وعدد هؤلاء قليل جداً، وذلك أيضاً بابتذال النفس وهتك الستر، والإفراج عن الدين والمروة والعِرض والأَنَفة.
قال: وأي عقلٍ يكون لمن يقول: لم يكن في الدولتين الأموية والعباسية مثلي، وهذا الكلام قد دوّنه في بعض كُتُبه؛ وقد حكيتُ هذا بمدينة السّلام فسمعه قومٌ كرام يرجعون إلى فضل كثير وبصائر حسنة منهم ابن البقّال الشاعر، ومحسِّن ابن التَّنوخي، وابن فتاش المصري فضحكوا وهزئوا، وشعثوا عرضه، وجحدوا محاسنه التي لو سكت عليها لسلمت له، ولادّعى في جملتها أكثر مما يدّعيه لنفسه؛ ولعمري ما كان له فيمن تقدّم في الدولتين مثل ولا شبيه، ولكن في الخلاعة والمجون، والرَّقاعة والجنون.
قال: ومن العجب أنه يدّعي " العدل والتوحيد " وهو لا يُفيق مِن قَتْلِ مَن ظَنَّ به عداوته والوقيعة فيه، أو القدح في رُقعةٍ له، وإن كان ذلك الإنسان من الصالحين العابدين.
ولقد بلغ من ركاكته أنه كان عنده أبو طالب العَلويّ، فكان إذا سمع منه كلاماً يسجع فيه، وخبراً يُنمّقه ويرويه، يبلق عينيه وينشر منخريه، ويُري أنه قد لحقه غَشيٌ حتى يُرشّ على وجهه ماء الورد. فإذا أفاق قيل له، ما أصابك؟ م عَراك؟ ما الذي نابك وتغشّاك؟ فيقول: ما زال كلام مولانا يروقني ويُونقني حتى فارقني لُبّي وزايلني ذِهني واسترخت له مفاصلي وتحلّلت عُرى قلبي وذهل عقلي وحِيل بيني وبين رُشدي؛ فيتهلّل وجه ابن عبّاد عند ذلك، وينتفش ويضمحل عجباً وجهلاً، ثم يأمر له بالتكرمة والحِباء والصِّلة والعطاء، ويقدمه على بني عمه وبني أبيه.
من ينخدع هكذا فلا يكون ممن له في الكتابة قسط، أو في التماسك نصيب، وهو بالنساء الرُّعن والصبيان الضعاف أشبه منه بالرؤساء والكِبار.
وحدثني الشاذياشي قال: حُجبت مدة عنه فضقت ذرعاً بذلك، فإن الجاه الذي كنت مَدَدته انزوى، والأمر الذي قوّمته تأوّد، وأخذت المادّة تقف، والحال ينقص، والذِّكر يقلّ، فأحييت الليل أرقاً وفكراً فيما أعتلّ فقدح لي الخاطر بحيلة، فأصبحتُ وكتبت رقعةً ذكرت فيها: " إني رجل امتُحنتُ بما لم يمتحن به أحد غشي بابك، ونال إحسانك واستمرع فناءك، واستحصد جنابك؛ إني بعد هذا الدأب الشديد والنَّصب المتّصل، والقراءة والنَّسخ، والبحث والمناظرة، والصَّبر والمناصحة، قد شككت في مسائل " الأصول الخمسة " التي عليها مدار المذهب، وركن المقالة، وهذه محنة بل فتنة، بل شيء فيه هلاكي وخُسران عملي، فالله الله فيّ، تداركني فإني من الأموات بين الأحياء، غريب الدّار، خائب الأمل، بائر البضاعة، خاسر الصّفقة، طلبت الزيادة على ما كان عندي فأتلفتُ ما كان معي " .
قال: فلما قرأ الرُّقعة قلق في نصابه، وأقبل على أصحابه وقال: مسكين الشاذياشيّ لقد نزل به أمر عظيم، وحلّ به خطب جسيم، ودُهي في دينه، وأُصيب بيقينه؛ إن هذا لهو البلاء المبين. عليَّ به، هاتوه البائس. ودُعيتُ فأدْناني ولا طفني، وقال لي: ما هذا الشكّ الذي اعتراك، وأين أنت عن القاضي أبي الحسن حتى يحلّ ذاك؟ قلتُ: لستُ أثق إلا ببيان مولانا، ولا عجب من بيانه، ولكن العجب من إنصافه مع سلطانه، وحُسن إقباله مع أشغاله.
(1/39)
________________________________________
قال: فانفسخَ عقده، وابتلّ شنُّهَ، واستحال ذلك المللُ استطرافاً وذلك النُّبوُّ استعطافاً، وأقبل يقول: هاتِ، وأنا أهاتيه هكذا أياماً وليالي، أَتأطَّر له تارةً بالاستحسان والقبول، وأتعسّر عليه تارة بالتوّقف والفتور، ولا أفارق الكيْس والحيلة، حتى استنفدتُ قوّته وقوتي له، ثم قبّلت أطرافه وتباكيتُ، وقلتُ: يا مولانا أسلمتُ على يدك، ونجوت من النار بإرشادك.
فقال: يا أبا عليّ! اكثُر عندنا، واقتبس علمنا، قد ذلّلنا لك الحجاب، وتقدّمنا بذلك إلى الحُجَّاب، فاسكن واطمئن، وطب نفساً وارفئنّ، ولا تقلق فترْجَحِنّ.
قال: فانصرفت من مجلسه قرير العين، ممدود الجاه، مملو اليد، ونفسي ريّا بكل أمل، وتفتّحت عليّ أبواب الرّزق، وجمعتُ إجّانة كبيرة خضراء دنانير.
قال الجيلوهي: وحديث هذا الرجل ذُو شجون، على أنك إذا أنصفت لم تجد له نظيراً في دهرك، ومتى بُليت به طلبت الخلاص منه ولو بفقرك.
قال: وما أخوفني أني إذا دفعت إلى غيره بعده تمنَّيتُه، فأكون كما قال الشاعر:
عتَبتُ عَلَى بشرٍ فلما فقَدتُه ... وجرَّبت أَقواماً بَكيْتُ علَى بشْرٍ
هكذا أنشد، وغيره يُنشد: " على عَمرو " ؛ والصحيح " على سَلْم " وله حديث.
قال: ومن خواص ما فيه حُبّه للعامّة، وذاك بقدر بغضِهِ للخاصّة. وقد قال يوماً: أنا أعلم أن الحجاب قبيح وبغيض، والصبر عليه متعذّر، وهو الذي يُورث العداوة الشديدة، ويبعث على القالة الشنيعة، ويمحو كلّ حسنة، ويُهجِّن كل نعمة، ويثير كلّ نقمة، ويُبدي كلّ عَورة، ويُبرز كلّ سوأَة؛ وقد دُهي الناس منه قديماً وحديثاً، لكنّي أتلذّذ به، ولستُ أجد طعم هذه المرتبة العلية، ولا أعرف ثمرة هذه الحال السَّنية إلا بعد أن أحتجب ويقف الناس على منازلهم بالباب، وأعلم أن صدورهم تغلي بالغيظ، وألسنتهم تجري بالعيب، وأهواءهم تأْتلف على القِلى والبُغض؛ فإن الحديث ينخرق بكل معنىً إلى سوء، ولكن لا أسمح بحلاوة الدولة، وبجلالة الصَّولة، وبهيبة المكانة، وبما أن سهوت عنه صرتُ إلى المهانة.
قال هذا الشيخ: وهذا قول من نصّ الله على خذلانه، وأسلمه إلى حوله، وأنطقه بلسان إبليس الذي هو عدوّ الله، ولا شكّ أن هذا المذهب من علامات الشَّقاء في الدنيا، وآيات الخُسران في العاقبة، ولن يُقدم عليه إلا من قد سمح بعرضه، واستهان بشنيع القالة في نفسه وأبيه وعمّه وأُسرته، وجميع من ضَرَب في مذهبه بسهم، وشابهه بوجه.
وحدثني ابن الثلاّج المتكلم، وكان ديِّناً صدوقاً، قال: العجب أن ابن عبّاد يدّعي أنه قرأ على شيخنا أبي عبد الله البصريّ، ولقد كذب في دعواه وفجر في قوله؛ لقد ورد علينا بغداذ وهو ينصر ابن كُلاّبٍ على حدّ المبتدئين، فحمله مِسكَويه إليّ، ثم دخل الواسطيّ عليه وفتح باب المذهب له، ولم يكن غير ذلك.
وكان أبو عبد الله لا يعرفه ولا يعدّه، لأنه كان لا يدري ما يكون منه ويصير إليه في الثاني.
وما قدرُ كُويتبٍ يرد مع صاحبه، لا سنَّ له ولا شُهرة، ولا إفضال ولا توسُّع، ولا حاشية ولا حَشَم؟ ودارت الأيام ودالت الأحوال، فكتب هذا الشيخ إلى هذا الإنسان بعماد الدين؛ وأنا أبرأُ إلى الله من دين هذا عِمادُه؛ وكتب هذا إلى ذاك بالشّيخ المُرشد، وأيُّ إرشادٍ كان عنده؟ وكيف يكون مُرشداً من ليس برشيد؟ وكيف يكون رشيداً من لا يُفارق الغيّ؟ إن كنت تشكّ في أمره فانظر إلى غِلمانه: الرَّازي، وابن الغازي، وابن طرفان، والبزاز، والنَّصيبي أبي إِسحق، والصَّيرَفيّ، والهَمَذانيّ، والدّامغِانيّ، عِصابة الكُفر، ما فيهم من يرجع إلى ورع وتُقىً، أو إلى مُراقبة وحَياء أو هدى.
ولقد رأيتُ أبا عبد الله البصري في مجلس عِزّ الدولة سنة ستين في شهر رمضان، والجماعة هنا: أبو حامد المرورّوذي وأبو بكر الرّازي، وعلي بن عيسى، وابن نبهان، وابن كعب الأنصاري، والأبهَري وابن طَرَارَة، وأبو الجيش شيخ الشيعة وابن معروف وابن أبي شيبان، وابن قُريعة، وناسٌ كثير، وهو في إيوانٍ فسيح في صدره مَنْ حَضَروا من أجله، وأبو الوفاء المهندس نقيب المجلس ومُرتّب القوم.
فسئل البصري في مسألة فأظهر أنه في بقية علّته، وأنه لا يقدر على الكلام.
(1/40)
________________________________________
ثم قام عليّ بن عيسى الشيخ الصالح وقال: هذا مجلس يُبتهى بحضوره لشرفه، ويُفتخر بالكلام فيه لكثرة من يعرف ويُنصف، والمُغالطة فيه مأمونة، وليس في كلّ أوانٍ يتّفق هذا الجمع، وبيننا وبين هذا الشيخ، يعني أبا عبد الله، مسألة من أجلها ومن أجل نظائرها قد استجاز تكفيرنا وتفسيقنا والتَّشنيعَ علينا وتنفير المقتبسين منا، وها أنا قد ابتديتُ سائلاً فلينصُر مذهبه كيف شاء، وإنما هو دينٌ، فيجب أن نبحث عنه من العارفين.
فقال عزُّ الدولة: كلام منصف، ما أسمع بأساً ولا أرى ظِنَّة، يحثُّ بذلك على الجواب.
فاصفرَّ أبو عبد الله وقلق، وفطِن أبو الوفاء وكان ضَلْعُه معه، وصَفُوه له، فحال بينه وبين الأمير وقال: الشيخ عليل، وإنما حضر للخدمة، وبعض غلمانه ينوب عنه، ولا ينبغي أن يتعَب فيحْمى جسمه، ويُخاف نكسُه، ويصير ما قُصد من قضاءِ حقه في التجمُّل بحضوره سبباً للتألم.
ثم أقبل أبو الوفاء على عليّ بن عيسى فقال: يُكلّمك أيها الشيخ من غلمانه من تُحب.
فقال: لا حاجة إلى الكلام مع غلمانه، إنما كان الكلام معه هو القصد، لأن الاجتماع بيننا يقلّ، ولأن الخصومة تكون معه الفيصل، وذاك أنه يُكتب كلامي سائلاً، وكلامه مُجيباً، ثم لا نزاع.
فأما أصحابه فإنهم يكلّمون أصحابي وذاك قائم بينهم، وكانت البغية قطع المادّة، وحسم الشَّغب، وبلوغ الحدّ، وإذا وقع الإباء فلا لجاج، وإذا عُرف المراد فلا حجاج.
ثم قال عزّ الدولة: هاتوا شيئاً آخر قبل أن يتصرَّم النهار بما ليس له درٌّ، وكان فصيحاً.
فأعرض أبو الجيش الخراساني وكان متكلّم الشيعة، فسأل عن القرآن وقال: أروني من القرآن تنزيله على هيئته الأُولى حين نزل به جبريل على قلب محمد صلى الله عليه، فتلاه على أُمّته بلسانه، فإني أجد عند حمَلَته اختلافاً كثيراً في تحريفه وتصحيفه، ونقصه وزيادته، وإعرابه وغريبه ووضعه وترتيبه؛ ولهذا وأشباهه اختُلف في تأويله، وشُكّ في تنزيله، وكثُر خوضُ الناس فيه وفي تفسيره، والاحتجاج له؛ ولقد سبَق علمي أن كلام الله لا يكون في حكم كلام عباده، وأن ما يجوز على ذلك لا يجوز على هذا، لأن الله حكيم كريم رحيم، والحكمة والكرم والرحمة تأبى ما تصفون به في كتاب ربّكم، وتستجيزونه في كلام خالقكم.
قال: وهذا الذي قلتُ بيِّن معروف؛ القرأَةُ تختلف ضرباً من الاختلاف، والنَّقلة تختلف ضرباً آخر، والفقهاء تختلف على قدر ذلك ضرباً آخر، وكذلك أصحاب الكلام؛ وحتى أفضى هذا إلى طعن الزّنادقة فيه، وانجرَّ عليه قدح الملحدين به، وقال كلاماً كثيراً من هذا الجنس، فكلّهم كاعَ عن الجواب، وكاد أبو الجيش بعد تذرُّعه بالقول يشمتُ ويبالغ في التَّشنيع.
فقال عزّ الدولة: يا أبا الجيش أنت في معركة لا مُبارٍ لك فيها، فافرِ كيف شئت وذر، والله المستعان.
فانبرى أبو حامد وتكلّك بملءِ فيه، ومحق أبا الجيش وبيّض وجوه الناس.
فلما خرج قال له محمد بن صالح الهاشميّ: لقد دعمت الإسلام بدِعامةٍ لا يُزعزها الزّمان، ولقد حصّنت الدين حَصانةً الله يُجزيك عنها، ورسوله صلّى الله عليه يُكافئك عليها.
ولولا أن هذه الرسالة لا تحتمل المسألة والجواب بما فيها من فنون القول لأتيتُ بالمجلس على وجهه.
فهذا كان اقتدار البصري جُعل في المناظرة، وقوّته عند لقاء الخصم ونُصرة المذهب والدّين.
ولقد ذَكَا عيناً عشرين سنة على صاحب بغداذ لصاحب... حتى آلت الأمور إلى ما عرفه الصّغير والكبير بأصحابه أصحاب المحابر والأقلام والكرارس.
ولقد بلغ من قلة دينه أنه صنّف رسالة ذكر فيها الدّلالة على أنه هو المهدي المنتظر. قال: فإن معنى المهدي أن الله هَدَاك، وهدى أهل العدل والتوحيد لك؛ وأما المنتظر فلأَنّا كنا ننتظرك بالعراق؛ وهذه الرسالة مشهورة وحُملت في جُملة الهدايا إلى قابوس.
وسمعت أبا محمد الفرغاني الحنيفي يقول: ما خلوت بفكري في أمري ومُلازمتي هذا الرجل - يعني البصري - إلا ظننتُ أن الله تعالى يرسل عليّ صاعقة أو يجعلني آية وعبرةً باقية.
(1/41)
________________________________________
وأما ابن أبي كانون فإني قلت له يوماً: مالي أراك واجماً من غير عارضٍ، وطويل السكوت من غير عيّ، وكثير الفكر من غير وسواس، وشديد الحُزن من غير إفلاس؟ ليس لك أُنس بالجماعة، ولا تفكُّه بالمحادثة، ولا استماع بالمجالسة، بعد ما عهدتك في حدثان مقدَمك وأنت تتَّقد كالنار، وتزخر كالبحر، وتأرَنُ كالمُهر، وتذكو كالقنبر.
فقال: ومن أولى بالبال الكاسف والغمّ الطويل والأرق الدّائم منّي؟ فارقتُ وطني وأهلي وإخواني ومعارفي وجميع ما كنت آلفه وأحيا به، وأشتمُّ روح العيش منه، وتجرّعتُ مرارة بُعدي عنهم، وصبرتُ نفسي على ما نالهم بخروجي من بينهم وسلوتي دونهم، وما نزل بي بعدهم من جفاء الغُربة ووحشة الوحدة، وشَظف العيش بالقلّة - كلّ ذلك طمعاً فيما أًبرّد به غليل قلبي في الدّين والمذهب، وأنفي به الحَرج من صدري وأسعد، وأن آخذ من هذا الشيخ ما أهتدي به وأسكن إليه، وأجعله عُدّة لآخرتي. والآن قد حصلت - بعد الرسالة الطويلة والمنازعة الشديدة وبعد البحث ولنّظر والكشف والجدل، وبعد اعتبار هذا الشيخ في نفسه وسيرته وما عليه أصحابه والمتقدّمين عنده - على حالٍ عسراء، وغايةٍ عمياء، وما أراه إلاّ صاحب دنيا يعمل للعاجلة، ولا أرى أصحابه المُطيفين به إلا كذلك، وإن هذا مما يؤلم القلب، ويُفرَّق البال، ويحشد الهمّ، وينفّر اليأس؛ فلذلك ما تراني على غير ما عهدتني عليه.
وأما ابن بُنان الورّاق فإني سمعته يقول: لقد خطب البصري على الإسلام بما لا يقدر عليه الرّوم والتّرك.
قلت: وكيف ذاك وأنت لا ترى اليوم ببغداذ مجلساً أبهى من مجلسه، لما يجتمع فيه من مشايخ العراق وشبّان خراسان وفقهاء كل مصرر، وما في هؤلاء أحد إلا وهو يصلح أن يكون داعية صُقعٍ وإمامَ بلد؟ فقال لي: صدَقت، فهل تعرف فيهم من إذا ذُكر الله وجِل قلبُه واقشعرّ جلده، واطمأنّ صدره؟ وإذا سمع موعظةً دمعت عينه وخشعت نفسه أو سُمع نشيجُه؟ وإذا عرضت له منالة عفّت نفسه؟ أو إذا هاجته شهوةٌ اتّقى عندها ربّه؟ أو إذا لزمه إنكار أمرٍ بذل فيه وُسعه.
أما ترى اللّعب والمزاح والسَفه والقِحة والتَّجليحَ والفسق والفجور فاشيةً فيهم، وغالبه عليهم، وظاهرة بينهم؟ أما لك في الرازي أبي الفتح عِبرةً؟ أما لك بابن طَرْخان خِبرة؟ فما زال يقول هذا وأشباهه حتى سدّدتُ وقطعتُ عليه.
وكان أبو إسحاق النّصيبي من أفسق الفاسقين، وهو يُلقّب بُمقعدة، لا أعلم في الدنيا قاذورةً إلا أتاها، ولا خساسة إلا أظهرها وجاهر بها، هكذا كان ببغداذ، ثم بالدِّينَوَر عند أبي عمرو كاتب فخر الدولة الإصبهاني، وحديثه بإصبهان مشهور، وكذلك بالصّيْمَرة، وكيف أكل في نهار شهر رمضان من غير عُذر، وكيف تهتّك بجماعة من الأحداث. نعوذُ بالله من الخذلان.
وحدثنا أبو سليمان محمد بن طاهر السِّجستاني، وكان بعيداً من التَّزيُّد شديد التّوقي، قال: حضرت وليمة في قطيعة الربيع، فلقيني فيها البصري أبو عبد الله، فجلس إلى جانبي، وتصرّف في الحديث معي، وأرخى عنانه إليّ إلى أن قال لي: يا أبا سليمان، هل وجدتم في فلسفتكم شيئاً تسكنون إليه، وتعتمدون عليه؟ فأنا من الكلام ومَذاهب أهل الجدل على غُرور.
قال: فسكتُّ من أجل الموضع، وقلتُ:
الناس أَخيافٌ وشتَّى في الشّيَمْ ... وكلهم يَجمعهم بيتُ الأَدَمْ
فقال: آخِرُ ما عندي أن الأدلّة تتكافأ، وأن المذاهب والآراء والنِّحل جارية بين أربابها على قوة النتائج وضعفها، وجودة العبارة ورداءتها.
قال: وقلتُ له: ما بعد نظرك نظر، ولا بعد تحصيلك تحصيل، وانتهى.
وأمثل من شاهدناه عندنا ببغداذ: الواسطيّ أبو القاسم. وكان يبرأ إلى الله من البصري جُعَل، ويلعنه عند الوليّ والعدوّ تقرباً إلى الله.
وكان ابن الثلاّج يقول: حكَم الله بيننا وبين ابن عباد وفلان، فإنهما سلّطا هذا الإنسان في هذا المكان حتى أفسد من أجابه إلى المذهب، ونفّر من أراد أن ينظر في " العدل والتوحيد " .
(1/42)
________________________________________
وسمعتُ الفرغانيّ يقول: لولا أني لا أعرف في جميع المذاهب أقوى من مذهب المعتزلة لَناديتُ على أصحابي بمخازيهم التي يشتملون عليها ويُجاهرون بها، في الأسواق والشوارع، بل في المَحاضِر المشهورة والمنابر الرفيعة، ولكن لهم حُرمة الدعوى وذمام النّسب إلى المقالة، ورجاءٌ في الإقلاع والتّوبة، فإن اليأس غير غالب ما دامت الاستطاعة موجودة، والنُّزوع ممكناً، والتّلافي مظنوناً.
ذاك حديث ابن عباد، وهذا حديث شيخه وإمامه ومُرشده بزعمه، وهو المرشد والهادي لمن أخذ عنه واقتدى به. يا قوم! أين يُذهب بكم؟! ما هذا العَمَى الذي قد غلب عليكم، والهوى الذي قد أصمّ آذانكم وأعمى أبصاركم؟ وماهذا الأمر الذي قد حال دون العيان، وطمس وجه الرُّشد، وقلب أثر الحسّ؟ أَ ليس هذا القائل في مُجونه وتلعُّبه بدينه:
مِن عَملِي مِن عَملِي ... نيكُ الرّجال البُزَّل
وإِنما أَنِيكُهم ... لأَنّني مُعتَزِلي
تلميذُ شيخٍ فاضلٍ ... مُلقَّبٍ بالجُعَل
أَ فهكذا يكون من كان عماد الدّين، وناصر الإسلام والمسلمين؟ الويل له، ثم الويل لمن يتولاّه وينصره.
قال يوماً لابن فشيشا صاحب مَصْطَبَةِ المُكْدين بالريّ:
لا تُبطئَنَّ عن اللذات إِن حضَرت ... لكن تَبَنَّك ولا تحفل بتأَنيب
ولا تَزُقّ إذا ما نِلتَ ذاك وبت ... مع شَوْزَرٍ وافر الأَرداف محبوب
فالصَّمْي والمَتْرمن بعد القُشام به ... طيبُ الحياة فلا تعدِل عن الطيب
خذ في القُشام وخذ في الصَّمي بالكوب ... فالدَّهر يمزج تكسيحاً بتهريب
أَ فهذا كلام من يدعو إلى الله، ويُحبُّ أن يُستجاب له، ويُجرى على طريقته، ويكون ذريعةً بين الله والعبد؟ هذا - عافاك الله - باللعنة الأولى، وبالبراءة منه ومن أصحابه أحقّ. ما أقلّ حياء هؤلاء وأشدّ تكاذبهم ومكابرتهم! وإذا ضربت عن باب الدّين، ورجعت إلى الكفاية التي زعم أنه بها تكفّى، وأنه كافي الكُفاة، وأنه واحد الدنيا.
هل كان يعرف من الحساب باباً؟ هل عقد جماعة؟ هل عُقدت له فتكلم عليها؟ هل قرأ مؤامرة؟ هل عرف منها حدٍ؟ هل أمكنه أن يحتجّ على عامل أو يناظر ناظراً؟ أو يُخاطب مُشرفاً، أو يرسم في العمل رسماً، أو يُجيب عن كتابٍ واحد في العمالة؟ وفيما يتعلق بأبواب النظر في العمارة، هل ناظر خائناً مُتقطِعاً، أو استدرك مالاً مُختلساً؟ هل فصل حكُومة بين كاتبين، أو قطع خصومة يبين جُنديين؟ هل رأينا ثَمَّ إلاّ الرَّقاعة والتدفق، والجنون والهذيان، والتَّسايل والتمايل، والبقبقة والطقطقة، والقرقرة والبربرة؟ إلا أنه غُلط فيه ووُثق به، ووُكل إليه الرأي، ولك يؤذن لأحدٍ في تحريكه بكلمة، ولا في مضادّته بحرف، حتى تمّ له ذلك كله بأسهل وجه مع الجوّ المُواتي والأمر المُنقاد، وحُب أن يعتقد أن ذاك عن كفاية في الصناعة وحِذق ٍ في العمل، وسعة علمٍ بالكتابة الدّيوانية والرّسوم الخراجية.
وسُئل يوماً عن قول الشاعر:
سَقَوني النَّسْيَ ثم تكَنَّفُوني ... عُداةَ الله مِن كَذِبٍ وزُورِ
فقال: الخمر تسمّى نسْيا.
فقيل له: ولم؟ فقال: ليس للأسماء علل.
فلما خلوت بالزعفراني الشاعر قال لي: أخطأ، فإن الأسماء ضرب منها مُبتدأ، فالغرض فيه اختصاص العين به ليقع التمييز بينه وبين غيره، وضرب آخر يؤخذ من أصل الفعل وهو الذي سمي مُشتقّاً لتكون فيه دلالتان: دلالة كدلالة الأول في اختصاص العين، ودلالة على النعت.
والنَّسي في أسماء الخمر من الضرب الثاني، لأن الخمر تنسأ العقل أي تؤخّره، وقال: هذا قاله بعض العلماء.
فقلتُ له: هلاّ قُلت هذا في المجلس؟ فقال: لو قلت هناك لما وجدتني عندك قاعداً مطمئناً.
قلتُ: صدقتَ، الرجل حسُود.
فقال: ولربّه كَنود، ولآياته عَنيد، كأنه من اليهود، أو من بقية ثمود.
ولقد غضب يوماً م شيء رواه المِصريّ، وحجبه أياماً؛ وذلك أنه روى أن امرأةً جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلّم فيما رواه عبد الله بت عمرو بن العاص، فقالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وِعاءً، وحجري له حِواء، وثديي سِقاء، وزَعَم أبوه أنه ينزعه مني.
(1/43)
________________________________________
فقال رسول الله صلى عليه وسلم: أنتِ أحقُّ به ما لم تنكحي.
وكان غضبه من الحسد، لأنه روى هذا في عُرض حديثٍ بفصاحةٍ وتسهّل.
وله مثل هذا كثير، كان لا يستطيع أن يسمع من أحد كلاماً منظوماً.
قال لأبي السلم مسلم الأعرابي يوماً: ما خبرُك مع فلان؟ قال: انقلبتُ عنه خاسئاً وأنا حسير.
قال: لا تنتجع أمثاله.
قال: أيها الصاحب، ما أعلمني بمظانّ الرَّجاء والخيبة! ولكني ربما اغتررتُ بالشكّ اغتراراً، وانجررت على الشوك انجراراً، وآخر دعواي أن الحمد لله الذي لم يقطع أمَلي من خيره حتى غمرني بأيادي غيره، وذاك أنت.
وكان حسده لغيره على فصلٍ حسن، ولفظٍ حرّ، بقدر إعجابه بما يقوله ويكتبه؛ كتب يوماً إلى إنسان: " وأُقسم أنك لو كتبتَ بأجنحة الملائكة المقرَّبين على جِباه الحُور العِين، مستمداً من أحداق الولدان المخلّدين، جوازاً على الصّراط المستقيم إلى جنّات النَّعيم لما حَسُن هذا البخل " .
فأخذ يُعيد هذا ويُبديه، ويقول: كيف ترون؟ وكيف تسمعون؟ وهل قرأتم شبيهه؟ وروى في مجلسه يوماً ابن ثابت البغدادي حكاية الخليل، فأحسنَ سياقتها وإمرارها، فحببه أياماً وأخَّر عنه رسمه. وقال: تبسَّط في مجلسنا، واسْحَنفر بحضرتنا، وترك توقيرنا وهيبتنا، حتى تشفّع في أمره أبو الحسن الطبيب وغيره فعاد له على تشفّ.
وأنا أسوق حكاية الخليل حتى تكون فائدة في هذا الكلام الذي قد نشبنا فيه.
قال الخليل: دخلتُ على سليمان بن علي وهو والي البصرة فوجدته يُسقط في كلامه، فجلستُ حتى انصرف الناس.
فقال: هل من حاجةٍ أبا عبد الررحمن؟ قلت: أكبر الحوائج.
قال: قل، فإن مسائلك مقضية، ووسائلك قوية.
قلت: أنت سليمان بن عليّ، وكان عليٌّ في العلم علياً، وكان عبد الله بن العباس الحَبْرَ والبحر، وكان العباس بن عبد المطّلب إذا تكلّم أخذ سامعه ما يأخذ النَّشوان على نقْر العيدان؛ وأراك تُسقط في كلامك، وهذا لا يشبه منصبك ومحْتِدك.
قال: فكأنما فُقئَ في وجهه الرمان خجلاً.
فقال: لن تسمعه بعدها، فاحتجب عن الناس برهةً، وأكبَّ على النظر، ثم أذن للناس في مجلسٍ عام، فدخلتُ عليه في ثُمَّةٍ من الناس، فوجدته يُفصح حتى خِلته مَعدَّ بن عدنان. فجلست حتى انصرف الناس.
فقال: كيف رأيت أبا عبد الرحمن.
قلت: رأيتُ كلّ ما سرّ في الأمير، وأنشدته:
لا يكون السَّرِيُّ مثلَ الزَّرِيِّ ... لاَ ولا ذو الذّكاءِ مثلَ الغَبِيِّ
لا يكون الأَلدُّ ذو المِقْوَل المُرْ ... هَف عند الخِصَام مثل العَيِيِّ
قيمةُ المرءِ كلُّ ما يُحسِن المَرْ ... ءُ قضاءٌ من الإِمام عَليِّ
أَيُّ شيءٍ من اللّباس عَلى ذي السَّرْو أَبهَى من اللّسانِ السَّرِيِّ
يَنظم الحجة الشتيتة في السِّلْك من القول مثل نَظم الهديّ
وَتَرى اللَّحن في لسَان أَخي الهِمّة مثل الصَّدَا عَلى المشرفيّ
فاطلب النحو للقُرَان وللشعر مُقيماً والمسنَد المرْويِّ
والخطابُ البليغُ عند حِجاج الْ ... قوم يُزهَى بمثله في النَّدِىّ
كلُّ ذي الجهل بالفنون يُعادِي ... ها ويزري منها بغير الزَّرِيِّ
قال: وانصرفتُ. فشيّعني غلامه على كتفه بدرة فرددتها عليه، وكتبتُ إليه:
أبلِغ سليمانَ أَنّي عنه في سَعَةٍ ... وفي غِنىً غيرَ أَني لَستُ ذَا مالٍ
سَخَّى بنفْسِيَ أَنّي لا أَرَى أَحداً ... يَموتُ هَزلاً ولا يَبْقَى على حالِ
والرِّزْقُ عن قَدَرٍ لاَ العَجْزُ يَدْفعُه ... ولا يَزِيدُك فيه حَولُ محتَالِ
وقال يوماً: " فَعْلٌ وأَفعالٌ " قليل، وزعم أصحابنا النّحويون أنه ما جاء إلاّ زند وأزناد، وفرخ وأفراخ، وفرد وأفراد.
فقلت: أنا أحفظ ثلاثين حرفاً كلها " فَعْلٌ وأَفعال " .
قال: هات يا مُدَّعي! فسردتُ الحروف ودلّلتُ على مواضعها من الكتب.
ثم قلتُ: وليس للنّحويّ أن يجزم مثل هذا الحكم إلا بعد التبحّر والسَّماع الواسع، وليس للتقليد وجهٌ إذا كانت الرواية شائعة، والقياس مطّرداً، وهذا كقولهم: فَعيلٌ على عشرة أوجُه، وقد وجدته أنا على أكثر من عشرين وجهاً، وما انتهيتُ في التَّتبع إلى أقصاه.
(1/44)
________________________________________
فقال: خروجك من دعواك في فعلٍ يدلنا على قيامك بالحجّة في فعيل، ولكننا لا نأذن في اقتصاصك، ولا نهبُ آذاننا لكلامك، ولم يَفِ ما أتيتَ به يجُرأتك في مجلسنا وتبسّطك بحضرتنا.
وسألني عن أبي حامد المرورُّوذِي. فوصفتُ له نباهته وتقدّمه وحفظه وبيانه.
فقال: ما تحفظ عنه؟ قلت: أشياء مختلفة، فإنه أقام عندنا ببغداذ في آخر أيامه سنتين، ولقد رأيته في مجلس أبي الفرج محمد بن العباس في أيام وزارته، بعد أبي الفضل العباس بن الحسين، وهو يتدفّق بالكلام مع ابن طَرارَة.
فلما انتهى قال له أبو الحسن إسحاق الطبري: ارسُم لنا كلاماً خفيفاً في الدّليل، والحُجّة، والبُرهان، والبيان، والقِياس، والعِلّة، والحُكم، والاسم، والفِعل، والحَرف، والنَّصّ، والظاهر، والباطِن، والتأْويل، والتفسير، والفحْوَى، والاستحسان، والتّقليد، والاقتداء، والإجماع، والأَصل، والفَرْع، والوُجُوب، والجواز.
فاندفع فقال: الدّليل: ما سلكَكَ إلى المطلوب.
والحجّة: ما وثَقك من نفسك.
والبيان: ما انكشف به الملْتَمس.
والقياس: ما أعارك شِبهه من غيره، أو استعار شبه غيره من نفسه.
والعلّةُ: ما اقتضى أبداً حكماً باللّزوم.
والحكم: ما وجَب بالعلّة.
والاسم: ما صحّت به الإشارة إلى مُشارٍ إليه.
والفِعل: ما شاعَ في الزّمان.
والحرف: ما ائتلف به اللفظ.
والنّص: ما أغنى بنفسه لاستقلاله.
والظاهر: ما سبق إلى النّفس بلا جالب.
والباطن: ما غِيضَ عليه بالتّفسير.
والتأويل: الجهة المتباعدة عن المراد، ومع ذلك فهي مشمولة تارةً بالقصد، وتارةً بغير القصد.
والفَحْوى: الجهة القريبة.
والتفسير: عبارة عن عبارة على طريق الخلافة.
والاستحسان: القول الأَوْلَى والأشبه في ظاهر الحال.
والتقليد: قبول بلا بيان.
والاقتداء: سلوك مع عالم سالف.
والإجماع: اتّفاق الآراء الكثيرة.
والأصل: ما لم ينظر إلى ما قبله، لأنه بنفسه قبل غيره.
والفرعُ: ما انشعب عن الأول والوجوب: ما لم يَسَع الإضراب عنه.
والجواز: ما وقف بين الواجب وبين غير الواجب.
وكاد لا يسكت.
فقال له أبو الفرج: ما كان أبو محمد المهلبي يُثني عليك جُزافاً، ولا يشغف بك على طريق الهوى.
فقال لي: كيف حفظت هذا؟ قلت: كنّا جماعةً نتعاون على ذلك، ونرسم في ألواح.
فقال لي: إني لشديد الحَسرة على فوْت لقائه، ومما يزيدني عجباً به أنه كان على مذهب أصحابنا، ولو نصر في الأحكام مذهب أبي حنيفة لكان قدوة لأهل زمانه.
وقال له بعض الغرباء: إذا قلت عشي الرجل كما تقول: عمي الرجل، وتقول: يعشَى كما تقول يعمى، وقلت أعشى كما تقول: أعمى، فهلاّ قلت: امرأة عشْياء كما قلت عَمياء، ولك مع ذلك شفةٌ لَمْيَاء وفاه ظَمْياء؟ قال: فهكذا أقول.
قال له: قد خالفت العلماء، لأنهم نُّصوا عَشْواء كما قالوا: ناقةٌ عشواء.
فقال: في هذا نظر.
وأخطأ. وأي نظر في المسموع؟ وحدثني محمد بن المُرزبان قال: كنا بين يديه ليلة فنعس، وأخذ إنسان يقرأ " والصَّافات " ، فاتّفق أن بعض هؤلاء الأجلاف من أهل ما وراء النهر نعس أيضاً، وضرط ضرطةً منكرة، فانتبه وقال: يا أصحابنا نمنا على " الصّافّات " ، وانتبهنا على " المُرْسَلات " .
هذا من ملاحاته.
وحدثني أيضاً قال: انفلتت ليلة أُخرى ضرطةٌ من بعض الحاضرين، وهو في الجدل، فقال على حدَّته وجنونه: " كانت بَيْعةَ أبي بَكر " ، خُذوا فيما أنتم فيه، يعني " كانت فَلتةً " لأنه قيل في بيعة أبي بكر " كانت فَلْتة " .
أَ فهذا من المجون المستطاب؟ أو من جنس ما يجب أن يكون مَحكياً عن الرؤساء الدَّيّانين والكُبراء المستبصرين، والذين يدّعون لأنفسهم الفضل والمروة والديانة، واحتقار الناس؟ وقال له ابن ثابت الحوي يوماً: أنا آكل التّمر على أنه كان مرة رُطباً، يتملّح معه، أي أميلُ إلى الحدث وإن بقل وجهه، لأنه قد كان مرةً أمرَد.
فقال له: فكُل الخَرا على أنه مرةً كان هَريسةً.
وسمعته يُنشد في الشاعر الملقّب بالمشوق:
ودَيُّوثٍ يقال له المَشُوق ... لَه من عِرسه كَسْبٌ وسوقُ
فكَم خيْرٍ يُساق إِليهِ منها ... وكم أيرِ إِلى حِرِها يَسُوقُ
وكان يُنشد في شيخ كاتب من أهل جُرجَان:
جزِعتُ من أَمرٍ فظيع قد حَدثْ
(1/45)
________________________________________
ابن تَميم وهْو شيخٌ لا حَدَثْ
قَدْ حبَسَ الأَصلَعَ في بيتِ الحدَث
ورأيتُ شيخاً قدِم مع الحاجّ من خُراسان يُعرف بالخشوعي، من الكرَّامية أصحاب البرانس، حضر مجلسه وناظره في مسألة الجسم، وكان يقول، وهو مذهب هشام بن الحكم في التكلمين المتقدّمين: لما كان مُثبتاً بالعقل دون غيره، وكنتُ لا أُثبِتُ بالعقل، إلا مَعقولاً، كما لا أُثبتُ بالسَّمعِ إلاّ مسموعاً، وكما لا أُثبتُ بالبصر إلا مُبصَراً؛ وكان إثباتُ العقل لمن هو غير جسمٍ في المُشاهدة غير معقول، وجب أن يكون جسماً لأنه قد كان دخل في قسمة المعقول؛ وإن بطل أن يكون جسماً بطل أن يكون معقولاً، وقد ثبت أنه معقول؛ فإذاً قد ثبت أنه جِسم.
فقال ابن عباد: هاتوا مسألة أخرى، فسماع كلام الحُكْل أرجع بالفائدة من هذا، وأخذَ في مسألة أخرى.
وحكى قوم منهم أبو طاهر الأنماطي والقطّان أنه قد شُدِه ولم يحضره في الحال شيء، وكان الخَصْم أَلدَّ ذا سلاطةٍ قليل الاكتراث، حضر غير طائع، وتكلم غير متَروّع.
وعاد هذا الشيخ في مجلس آخر، فقال له: أتقول إن الله جسم؟ قال: نعم.
قال: فإذا كان جسماً جاز أن يكون فوقه شيءٌ أو تحته شيء، أو عن يمينه شيء، أو عن يساره شيء.
قال: نعم.
قال: فما تُنكر أن يكون معبودك الآن في هذا الصّندوق؟ فخمد الخُراساني خمدةً م اشتعل فقال: أَ ليس عندك أن الله متكلم بكلامٍ يفعله في الأحوال المختلفة؟ فقال: بلى.
قال: فما تُنكر لأن يكون هذا الحمار يُنغط، فيُحلُّ الله كلامه في جُرذانِه، فيقول: أنا ربكم الأعلى، وتسمع ذلك منه.
فانخزل ابن عبّاد وقال: خذوا في غير هذا.
والسخفُ والجُرأة وسوء الأدب وإطلاق اللّسان بما لا يجوز دِيناً ومروّة غالبة على أصحاب الكلام؛ والتُّقى والرَّهبة والروع بعيدةٌ من هذه الطبقة.
وحكى يوماً في نوادره الفاترة ما يدلّ على قلّة دين القوم وسوء استبصارهم وشدّة استهانتهم بما يقولونه مُحقّين ومُبطلين، وأن الدَّيدن هو الهذيان والرَّقاعة والتعصُّب والإيهام، وليس لوجه الله في ذلك شيء، لا فيما يجدّون به، ولا فيما يهزلون فيه، لا حشمة ولا تقوى، ولا مُراقبة ولا بُقْيا؛ قد جعلوا الله عُرضةً للخصومات بالوساوس، ودينه مِنديلاً لكل يدٍ.
سأل ملحِد موحِّداً فقال: ما الدليل على أن للعالم صانعاً؟ فقال: الدليل على ذلك شِعرة أمِّك، لأنها كلما نتفتها بالدِّبْق نبتت؛ فلو لم يكن هناك مُنبت لما نبتت.
فقال الملحد: هذا ينقلب عليك لأنه يقال لك: الدليل على أن العالم ليس له صانع نواةُ أمك، لأنها إذا قُطعت مرةً لم تنبتُ بعد ذلك.
وحكى يوماً آخر فقال: اجتمع رجلان؛ أحدهما يقول بقول هِشام، والآخر يقول بقول الجَوالِقيّ.
فقال صاحب الجوالقي لصاحب هشام: صِف لي ربّك الذي تعبُده. فوصفه، فقال: هو جِسم ولكن لا يد له ولا جارحة ولا آلة.
فقال له صاحب الجوالقيّ: أيسرُّك أن يكون لك بهذه الصِّفة ابن؟ قال: لا.
قال: أَ فما تستحي أن تصف ربّك بصفةٍ لا ترضاها لولدك؟ ثم قال صاحب هشام: قد سمعت قولنا، فصف لي أنت ربّك. فوصف فيما وصف: أنه جَعْد قطِطٌ في أتَمّ تمامٍ وأحسن حُسن وأَحلى صورة وأَعدَل هيئة وأجمَل شارة.
فقال له صاحب هشام: أَ فيسرُّك أن تكون لك جارية بهذه الصّفة تطؤها؟ قال: نعم.
قال: أَ فما تستحي من عبادة من تحب مُباضعته؟ وذلك أن من أحبَّ مباضعة مثله فقد أوقع عليه الشَّهوة، تعالى الله عن هذه السخافات والجهالات، وإن قوماً يلهجون بهذا وأشباهه لَغي بعد من الهُدى والنُّهى.
وسمعته يسبُّ أصحاب الهندسة ويقول: جاءني بعض هؤلاء الحمْقى ورغَّبني في الهندسة، فابتدأ، فأثبت خمسةً وعشرين، وخطّ خطّاً، ووضع شكلاً، وطوّل وزعم أنه يعمل برهاناً على ذلك. فقلت له: إني كنتُ أعرف أن خمسة في خمسة خمسةٌ وعشرون ضرورة، وقد شككت الآن، فأنا مجتهد حتى أعلمه بالاستدلال. وهذا هو الخَسار والدّمار.
ولو كان له سهْم يسير من العقل ما باح على نفسه بهذا القول، ولو سُمع من غيره لوجب إنكاره، ولو حقق قول القائل: من جهل شيئاً عاداه. أَ تُراه ما سمع كلام ابن ثوابه في مثل هذا، وكيف نُسب فيه إلى الرّقاعة، وكيف رحِمه أهل الحِكمة، وكيف هزئ به قومٌ وجدوا طريقاً إلى ذلك.
(1/46)
________________________________________
وأنا أحكي لك في هذا المكان الكلام وإن تنفّست الرسالة، لتعلم أن من شاء حَمَّق نفسه، وأن الله إذا شاء خذل عبده وأشْمَت به أعاديه.
حدثنا أبو بكر الصَّيمريُّ قال: حدثنا ابن سمكة قال: حدثنا ابن مُحارب قال: سمعتُ أحمد بن الطيّب يقول: إن صديقاً لابن ثوابة الكاتب أبي العباس يُكنّى أبا عبيدة قال له ذات يوم: إنك رجلٌ - بحمد الله ومنّه - ذو أدب وفَصاحة وبراعة وبلاغة؛ فلو أكملت فضائلك بأن تُضيف إليها معرفة البُرهان القياسيّ، وعلم الأشكال الهندسية الدّالة على حقائق الأشياء، وقرأتَ كتاب " أُقليدس " وتدبّرته؟ فقال له ابن ثوابة: وما " أُقلِيدس " ؟ قال له: رجل من علماء الروم يُسمى بهذا الاسم، وضع كتاباً فيه أشكال كثيرة مختلفة تدل على حقائق الأشياء المعلومة والمغيّبة، يَشحَذ الذهن ويدقّق الفهم، ويُلطّف المعرفة، ويصفّي الحاسّة، ويثبت الرَّوية؛ ومنه انفتح الخط وعُرفت مقادير حروف المعجم.
فقال له أبو العباس ابن ثوابة: وكيف ذاك؟ قال: لا تعلم هو حتى تشاهد الأشكال وتُعاين البرهان.
قال له: فافعل ما بَدَا لك. فأتاه برجل يقال له قُويري مشهور مقدّم، ولم يعد إليه بعد ذلك.
قال أحمد بن الطيّب: فاستطرفت ذلك وعجِبتُ منه، وسألت المُخبر عن انصراف قُويري أي شيء كان سببه؟ فأجابني بأن لا أعلم، فكتبت إلى ابن ثوابة رقعة نُسْخَتها: بسم الله الرحمن الرحيم.
اتّصل بي - جعلني الله فِداك - أن رجلاً من إخوانك أشار عليك بتكميل فضائلك وتقويتها بمعرفة شيءٍ من القياس البُرهاني، وطمأنينتك إليه، وأنك أصغيت إلى قوله وأذنتَ له، وأنه أحضرك رجلاً كان غايةً في سوء الأدب، معْدِناً من معادن الكُفْر، وإماماً من أئمة الشّرك؛ لاستفزازك واستغوائك، يُخادعك في عقلك الرَّصين، ويُنازلك في ثقافة فهمك المتين، فأبى الله العزيز إلاّ جميل عوائده الحسنة قِبَلك، ومِننه السَّوابق لدي، وفضله الدائم عندك، بأن أتى على قواعد بُرهانه من ذروته، وحطّ عوالي أركانه من أقصى معاقد أُسِّه، فأحببتُ استعلام ذلك على كنهه من جهتك، ليكون شُكري لك على ما كان منك حسب لومي لصاحبك على ما كان منه، ولأَتَلافَى الفارط في ذلك بتدبّر أُسُسِه إن شاء الله.
قال: فأجابني ابن ثوابة برُقعة نُسختُها: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلت رُقعتك - أعزّك الله - وفهمتُ فحواها، وتدبّرتُ مُضمَّنها، والخبرُ كما اتّصل بك، والأمر كما بلغك. وقد لخصته وبيَّنته حتى كأنك معنا وشاهِدُنا.
فأول ما أقول: الحمد لله وليّ النِّعم، والمتوحِّد بالقسم، إليه يُردّ علمُ السّاعة وإليه المصير؛ وإياه أسأل إيزاعَ الشكر على ذلك وعلى ما منَحنا من وُدّك وإتمامه بيننا بمنّه.
ومما أحببتُ إعلامك وتعريفكه مما تأدّى إليك، أن أبا عُبيدة - عليه لعنةُ الله تَتْرى - بنحسِه ودسّه ودحْسِه اغتالني ليكلم ديني من حيث لا أعلم، وينقُلني عما أعتقده وأراه وأُضمره من الإيمان بالله عز وجلّ ورسوله صلى الله عليه، فوطّدَ لي الزّندقة بتزْيِينه الهندسة، وأنه يأتيني برجل يُفيدني علماً شريفاً تكمل به فضائلي - فيما زعم - فقلتُ: عسى أن أُفيد به براعةً في صناعة، أو كمالاً في مُروَّةٍ، أو نُسْكاً في دين، أو فخاراً عند الأَكفاء. فأجبته بأن هلُمّ به! فأتاني بشيخ ديرانيّ شاخص النظر، منتشر عصب البصر، طويل مشذّب، محزوم الوسط، متزمّل في مسكه، فاستعذتُ بالرحمن إذ نزغني الشيطان، ومجلسي قد غصَّ بالأشراف من كل الأطراف، كلهم يرمُقه ويتشوّف إلى رفْعي مجلسه وإدنائِه وتقريبه، ويعظّمونه ويحيُّونه، والله محيط بالكافرين.
فأخذ مجلسه، ولَوَى أشداقه، وفتح أوساقه، فتبيّنت في مُشاهدته النِّفاق، وفي ألفاظه الشِّقاق.
فقلتُ له: بلغني أن عندك معرفة بالهندسة، وعلماً واصلاً إلى فضل يفيد الناظر فيه حكمةً وتقدُّماً في كل صنعة؛ فهلُمَّ أفِدنا شيئاً منها عسى أن يكون عوناً لنا على دينٍ أو دنيا، وزَيْناً في مروّة أو مُفاخرة لدى الأكفاء، ومُفيداً نسكاً وزُهداً، (فذَلِكَ هُوِ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)، (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ)، (وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ).
(1/47)
________________________________________
قال: فأحضِرني دواةً وقرطاساً، فأحضرتُهما، فأخذ القلم فنكَت به نكتةً نقط منها نقطة، فَخيُّلها بصري ولحظها طرفي كأصغر من حبّة الذّر، فزمزم عليها بوسواسه، وتلا عليها من مُحكم أسفار أباطيله، ثم أعلن عليها جاهراً بإفكه؛ وأقبل عليّ فقال: أيها الرجل! إن هذه النقطة شيء ما لا جزء له.
فقلت: أضلَلْتني وربِّ الكعبة! وما الشيء الذي لا جُزء له؟ فقال: كالبسيط. فأذهلني وحيّرني، وكاد يأتي على حِلمي وعقل لولا أن هداني ربّي؛ لأنه أتاني بلُغةٍ ما سمعتها والله من عربيّ ولا عجميّ، وقد أحطتُ علماً بلُغات العرب، وقُمتُ بها واستثرتُها جاهداً واختبرتها عامداً، وصرت فيها إلى ما لا أحسب أحداً يتقدّمني إلى المعرفة به، ولا يسبقني إلى دقيقة وجليله.
فقلت له: وما الشيء البسيط؟ فقال: كالله تعالى وكالنفس.
فقلت له: إنك من المُلحدين، أتضرب لله أمثالاً؟ والله تعالى يقول: (فَلاَ تَضْرِبُوا للهِ الأَمْثَالَ إنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ).
لعَن الله مرشداً أرشدني إليك، ودالاً دلّني عليك، فما ساقك إليّ إلاّ قضاء سوء ولا كسحك نحوي إلا الحَيْن، أعوذ بالله من الحين، وأبرأ إليه منكم ومما تُلحدون، والله وليُّ المؤمنين (إِني بَريءِ مِمَّا تُشْرِكُونَ)، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العليّ العظيم.
فلما سمع مقالتي كره استعاذتي فاستخفّه الغضب، فأقبل عليّ مستبسلاً فقال: إني أرى فصاحة لسانك سبباً لعُجمة فَهمك، وتذَرُّعك بقولك آفةً من آفات عقلك.
فلولا من حضر - والله - المجلس وإصغاؤهم إليه مستصوبين أباطيله، مُستحسنين أكاذيبه، وما رأيت من استهوائه إياهم بخُدعة، وما تبيّنتُ من تَوازُرهم لأمرت بسلّ لسانِهِ اللُّكع الألكن.
وأمرتُ بإخراجه إلى حَرّ نار الله وسقره وغضبه ولَعْنتِه.
فنظرتُ إلى أمارات الغضب في وجوه الحاضرين، فقلتُ: ما غضبُكم لنصرانيّ يشرك بالله ويتّخذ له من دونه الأنداد، ويُعلن بالإلحاد؟ ولولا مكانكم لنَهَكتُه عقوبةً.
فقال لي رجل منهم: إنه أنسانٌ حكيم، فغاظني قوله.
فقلت: لعن الله حكمةً مشوبةً بكُفر.
فقال لي آخر: إن عندي مُسلماً يتقدّم أهل هذا العِلم.
فرجوت - مع ذكرهِ الإسلام - خيراً فقلت: ائتني به، فأتاني برجل قصير دحداح مجدُورٍ آدم أخفش العينين أجلح أفطس سيِّئ النّظر قبيح الزيّ، فسلّم فرددتُ عليه السلام، ورفعت مجلسه وأكرمته، وقلت له: ما اسمك؟ فقال: أُعرف بكنيةٍ قد غلبت عليّ.
فقلتُ: أبو مَن؟ فقال: أبو يحيى.
فتفاءلتُ بملَك الموت عليه السلام، وقلتُ: اللهم إني أعوذ بك من الهندسة، فاكفني اللهمَّ شرَّها، فإنه لا يصرف السوء إلا أنت، وقرأتُ " الحمد " ، و " المعَوِّذَتَيْن " ، و " قل هو الله أحد " ثلاثاً، وقلتُ له: إن صديقاً لي جاءني بنصرانيٍّ يتّخذ الأنداد، ويدّعي أن لله الأولاد ليُغويني ويستفزّني (ولَوْلاَ رَحْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرينَ)، فصرفته أقبح صرف، ثم ذُكِرتَ لي فرجوت - بذكر إسلامك - خيراً.
فهلُمَّ أفِدنا شيئاً من هندستك، وأقبسنا من طرائف حكمتك ما يكون لنا سبباً إلى رحمة الله ووسيلة إلى غُفرانه، فإنها أربح تجارة وأعودُ بضاعة.
فقال: أحضرني دواةً وقرطاساً.
فقلت: أَ تدعو بالدَّواة والقرطاس، وقد بُليتُ منهما ببليّة كَلْمُها لا يندَمِل عن سُوَيداءِ قلبي؟ قال: وكيف كان ذلك؟ قلت له: إن النصراني نقط لي نقطةً كأصغر من سمّ الخياط، وقال لي: إنها معقولة كربّك الأعلى، فوالله ما عدا فرعون في إفكه وكُفره.
فقال لي: فإني أُعفيك، لعنَ الله قُويري وما كان يصنع بالنُّقطة؟ وهل بلغت أنت أن تعرف النقطة؟ فقلت: استجهلني وربّ الكعبة، وأنا قد أخذت بأزمّة الكتابة، ونهضت بأعبائها، واستقللت بثقلها يقول لي، لا تعرف فحوى النُّقطة، فنازعتني نفسي في معاجلته بغليظ العُقوبة، ثم استعطفني الحِلم إلى الأخذ بالفضل.
(1/48)
________________________________________
ودعا بغُلامه وقال: ائتني بالتّخت، فوالله ما رأيت مخلوقاً بأسرع إحضاراً له من ذلك الغلام، فأتاه، فتخيَلت به هيئةً منكرة ولم أدر ما هو، وجعلت أُصوّب الفكر فيه تارةً وأًصعّد أُخرى، وأجيل الرأي ملياً وأُطرق طويلاً، لا أعلم أي شيءٍ هو، أَ صندوق هو؟ فإذا ليس بصندوق، أَ تخت هو؟ فإذا ليس بتخت، فتخيّلته كتابوت لحد. فقلت: لحدُ الملحد يُلحد به وبالنّاس عن الحقّ. ثم أخرج من كُمّه مِيلاً عظيماً فظننته متطبّباً وإنه لمن شرار المتطبّبين.
فقلت له: إن أمرَك لعَجَب كله ولم أرَ في أميال المتطبِّبين كميلك، أتقفأُ به الأعين؟ فقال: لستُ متطبِّباً ولكني أخطُ به الهندسة على هذا التخت.
فقلت له: إنك وإن كنت مبايناً للنصراني في دينه، إنك لمؤازره في كُفره، أَ تخطُّ على تختٍ بميلك لِتعدل بي عن وضح الفجر إلى غسق الليل؟ وتميل بي إلى الكذب باللَّوح المحفوظ وكاتبيه الكرام؟ أَ إِيايَ تستهوي؟ أم حَسبتني ممّن يهتزّ لمكايدكم؟ فقال: لستُ أذكر لك لوحاً محفوظاً ولا مُضيعاً، ولا كاتباً كريماً ولا لئيماً، ولكني أخُطُّ به الهندسة، وأُقيم عليها البرهان بالقياس والفلسفة.
وأخذ يخطّ وقلبي مُروَّع يجب وَجيباً.
فقال لي غير مُستعظِمٍ: إن هذا الخط طول بلا عرض، فذكرت صراط ربّي المستقيم، وقلتُ له: قاتلك الله! أَ تدري ما تقول؟ تعالى صراط ربّي عن تخطيطك وتشبيهك وتبديلك وتحريفك وتضليلك، إنه لصراطٌ مستقيم، وإنه لأَحدُّ من السيف الباتر، والحُسام القاطع، وأدقُّ من الشَّعر، وأطول مما تمسحون، وأبعَد مما تذرعون، ومداه بعيد، وهولَهُ شديد؛ أَ تطمع أن تُزحزِحَني عن صراط ربي أم حسبتني غُمْراً غبياً لا أعلم ما في باطن ألفاظك ومكنون معانيك؟ والله ما خططت الخطّ وأخبرت أنه طولٌ بلا عرض إلا حيلةً بالصراط المستقيم لتُزِلَّ قدمي عنه، وأن تُرديني في نار جهنّم.
أعوذ بالله وأبرأ إليه من الهندسة، ومما تدلُّ عليه وترشد إليه، وإني بريءٌ من المهندسين وما يُعلنون ويُسرُّون، ومما به يعملون؛ ولَبئس ما سوّلت لك نفسك أن تكون من خزنتها بل من وقودها، وإنّ لك فيها لأنكالاً وسلاسل وأغلالا، (وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وعَذَاباً أَليماً). قُم إلى لعنة الله وغضبه! فأخذ يتكلم. فقلت: سُدّوا فاه مخافة أن يبدر منه مثل ما بدّر من المضلِّل الأول، وأمرتُ بسحبه فسُحب إلى أليم عذاب الله ونارٍ (وَقُودُها النَّاسُ والحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ).
ثم أخذتُ قرطاساً وكتبتُ بيدي يميناً آليتُ فيه بكل عهدٍ مُؤكَّد، وعقدٍ مُردَّد، ويمينٍ ليست لها كفّارة - أن لا أنظر في الهندسة أبدا، ولا أطلبها، ولا أتعلّمها من أحدٍ سرّاً ولا جهراً، ولا على وجهٍ من الوجوه، ولا بسببٍ من الأسباب؛ وأكَّدتُ بمثل ذلك على عقبي وعلى أعقاب أعقابهم: أن لا ينظروا فيها ولا يتعلّموها ما قامت السموات والأرض، إلى أن تقوم الساعة (لِميقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ).
فهذا بيانُ ما سألت - أعزّك الله - عنه مما دُفعتُ إليه وامتٌحنت به، ولتعلم ما كان مني، ولولا وَعكةٌ أنا في عَقابيلها لحضرتك مُشافِها، وأخذتُ بحظّي المُتمنّي من الأُنس بك، والاستراحة إليك؛ فمَهِّد على ذلك عُذري، فإنّك غير مُباين لفكري، والسّلام.
رسالة أبي العباس أحمد بن يحيى بن محمد بن ثوابة إلى أبي العباس أحمد بن الطيّب هذه، فيها مُعتبر واسع، وإشراف على عقلٍ مدخول، وهي شقيقة قول ابن عبّاد في الحكاية التي جرت قبل هذه؛ وليس ينبغي أن يُغتَرّ بالإنسان إذا كان فصيحَ العبارة، كثير التّشقيق، مديدَ النّفس، قادراً على السّجع، سهل الارتجال؛ فقد يأتلف هذا كلُّه والعقل ناقص، وقد يُفقَد هذا كلّه والعقلُ راجح.
وقلتُ لأبي سعيد السيرافيّ شيخ الدُّنيا: قال أبو زيدك يقال إنه لكثير فضيض الكلام، أَ يرادُ بهذا مدح المذكور أم الزِّراية عليه؟ فقال لي: هو إلى الزّراية أقرب؛ لأن الفَضّ كسرٌ، ومنه: فضضت ختم الكتاب، ومنه: ضَرَبه فصار فُضاضا؛ والصّحيح خير من المكسور، وكأنه يراد بهذا أنه يرمي بهذا بالكلام مكسَّراً غير صحيح.
وإنما أتيت بهذا لأني سألت مرةً أبا السلم عن ابن عبّاد، فقال: إنه لكثير فضيض الكلام، ثم مرَّ بي لأبي زيد.
بَنو اليَزيديّ في أدبارهم شعَرٌ ... قد شابَ ممّا عليه تُحلَبُ الكَمَرُ
أَمَّا حُبيْشَةُ منهم فهُو ممتَحَنٌ ... من البغاء بما لم يمتَحَن بَشَرُ
بوُدّه أَن كلَّ الناسِ من حُمُرٍ ... وكلَّ جَارحة في جِسْمِه ذَكَرُ
والله للخروج من الطّارف والتّالد أسهل من التعرّض لهذا القول والصبر عليه وقلّة الاكتراث به، ولهذا بكت العرب من وقع الهِجاء كما تبكي الثَّكْلى من النساء، وذلك لشرف نفوسها ونزاهتها عن كل ما يتخوَّن جمالها ويعيب فعالها.
ومما يُختَل به الرئيس ويَذهل عليه أنه ينظر إلى جماعة بين يديه قد أحسن إلى كلّ واحد منهم وقرّبه وأعطاه واختصّه بشيء وأنابه بحال، وإذا رأى واحداً بعد هؤلاء لا نباهة لقدره، ولا جهارة لمنظره، ولا شُهرة لاسمه ومنصبه حقَره، وثنى طرْفه عنه، وأغضاه دونه، ولم يهشّ لذكره ورؤيته، واعتقد أنه ليس بذي محلٍّ يبالي به، ولا يبين في غمار الباقين؛ أو يجب على ذلك المحروم أن يذكره بما هو أغلب عليه، وأشهر عنه، وأن يعدَّ نيل غيره كرماً قد عمَّ، وأن كان إخفاقه وحده لؤماً قد خص؟ وهذا موضع يُشكِل قليلاً، وتطول فيه الخصومة بين الآمل والمأمول، على أن الكرم والاحتجاج لا يجتمعان، واللُّؤم والاحتيال لا يفترقان؛ وقد ألمَّ الشاعر بطرف من هذا المعنى بقوله:
إِن تكلَّمتُ لم يكُن لكلامي ... موقعٌ والسكوتُ ليس بمُجْدِي
فأَبنِ لي أَكُلُّ هذا التواني ... في جَميع الإِخوان أَم فيَّ وحْدِي
أَم ترى ما اصطنَعته عند غيري ... واجب أَن أَعدَّه لك عِندي
والذي أقول غير محتشم ولا مراقب: أنّ السؤدد لا يكون إلا باحتمال خِصال من الصَّبر والحِلْم والتكَرُّم والبذل والعَطاء والتفقُّد، وهنّ أثقل مما يُعانيه الزائر بأمله، والفقير برجائه، والشاعر بطَمَعه، والمُنتجِع بزيارته؛ اللّهم إلا أن يكون السّيد يجري في هذه الأخلاق والشِّيم على الهوى فيُعطي من كان روحاً عنده، وأحلى شمائل وألطف فضلاً، وأعبر قولاً، فهذا ليس عليه من ثقل السُّؤدد شيء، لأنه قد ميّز ما يخفّ عليه مما يثقل، وما يتصل بنفسه مما ينبو عنه، وما هذا السؤدد ما قال أبو الأسود الدِّبلي لعُبيد الله بن زياد: إنك لن تسُود حتى تصبر على سرار الشيوخ البُخر، وهذا الكلام كالميل، وقال الشاعر،
لا تحسِب المجدَ تَمراً أَنت آكِلُه ... لن تِبْلُغَ المجدَ حتى تلعَقَ الصَّبِرا
وقيل لعديّ بن حاتم: مَن السيد؟ قال: الأحمق في ماله، الذّليل في عِرضه، المُطّرح لحقده، المعْنيّ بأمر جماعته؛ فليس يسود المرء إلا بعد أن يسهر من أول ليله إلى آخره فِكراً في قضاء الحقوق، وكفّ السَّفاه، وازدِراع المحبّة في القلوب، وبعث الألسنة على الشُكر؛ وفي الجملة من جهل حقك، فليس يلزمك أن تعترف بحقه، ومَن لم ينظر فيما لك عليه، لم يجب عليك أن تنظر فيما له عليك؛ وقد قال رسوله صلّى الله عليه: " لا خيْر لكَ في صُحبَة مَن لا يَرى لك مثلَ ما ترى له " .
وقد قيل تواضَع للمُحسن إليك وإن كان عبداً حبشياً، وانتصف ممن أساء إليك وإن كان حُراً قُرشياً؛ ومن صفات الكريم ما قال الشاعر:
وإنّ الكريمَ من تلفَّت حولَه ... وإِن اللَّئيم دائمُ الطَّرْف أَقوَدُ
وقال آخر:
لَحا الله أكبانا زِناداً وشَرَّنا ... وأَيسَرنا عن عِرض والِده ذَبّا
رأيتُك لما نِلتَ مالاً وعَضَّنا ... زمانٌ تَرى في حدّ أنيابه سَغْبا
جعلتَ لنا ذنباً لتمنع نائلاً ... فأَمسِك ولا تجعَل غِناك لنا ذَنباً
وقال آخر:
نالَ الغِنا بعدَ فقْرٍ فاستغاثَ به ... كما استغاثَ بباقي ريقِه الشَّرِقُ
(1/20)
________________________________________
وإذا احتججتُ بالعيان في وصف هذين الرّجلين في الكرم واللؤم فقد رفعت المِرْية، وإذا أقمت الشاهد على الدّعوى فقد منعت من اللائمة، وإذا رأيت الضرورة فقد بلغت الغاية؛ وأيُّ خفقةٍ للقلب بعد اليقين، وأيُّ وحشةٍ للنفس بعد الاستصبار، أم أيُّ بقية على المُحتج إذا وصل البرهان، أم كيف يُستحيا في الحق وإن كان مُرّاً، أم كيف يُعتذَر من الصّدق وإن كان موجعاً.
هذا ما لا يُكلّفه حكيم، ولا يأمر به مُرشد، ولا يحثّ عليه ناصح.
وهذا مبدأ أخذي في حديث ابن عبّاد على ما يتّفق من تربيته ووضعه، غير آخذٍ في أُهبةٍ، ولا مُحتفلٍ بتقدِمة.
فأول ما أذكر من ذلك ما أدلُّ به على سَعَة كلامه، وفصاحة لسانه، وقوة جأْشه، وشدة مُنَّته، وإن كان في فحواه ما يدل على رقاعته وانتكاث مَريرته، وضعف حوله، وركاكة عقله وانحلال عقده.
لمّا رجع من هَمَذان سنة تسع وستين وثلاثمائة بعد أن فارق حَضرَة عضُدِ الدّولة استقبله الناس من الرَّيّ وما يليها، واجتمعوا بِساوَةَ، ودونها وفوقها، وكان قد أعدَّ لكل واحدٍ منهم كلاماً يلقاهُ به عند رؤيته وأين كانوا يقعون منه، وأين كانوا يبيتون عندهُ؛ وهذا الذي ذهب به في الإعجاب والكِبر، وبعثه على احتقار الناس، وتركه في التّيهِ المُضلّ.
فأول من دنا منه القاضي أبو الحسن الهمذاني وهو من قرية يقال لها أَسَدآباد، فقال له: أيها القاضي! ما فارقتُك شوقاً إليك، ولا فارقتني وَجْداً عليك، ولقد مرَّت بعد ذلك مجالس كانت تقتضيك وتُحظيك وترتضيك؛ ولو شهِدتَني بين أهلها وقد علوتُهم ببياني ولساني وجدلي، لأنشدتُ قول حسّان بن ثابت في ابن عباس ورأيتني أولَى به منه، فإنَّ حسّان قال:
إذا ما ابنُ عبّاس بَدا لك وَجهُه ... رأيتَ له في كلّ مجمعة فضْلا
إذا قال لم يترُك مقالاً لقائل ... بملتَقَطاتٍ لا تَرى بينها فصْلا
كفى وَشفى ما في النُّفوسِ فلَم يَدَع ... لذي إِرْبةٍ في القَوْل جدّاً ولا هَزْلا
سَموتَ إلى العَلْيا بغيْر مشقةٍ ... فنِلتَ ذُراها لا دَنيّاً ولا وَغْلا
ولذكرت أيها القاضي قول الآخر وأنشدته: فإنه قال فيمن وقفَ موقفي، وقرفَ مقرفي، وتصرَّف مُتصرفي، وانصرف مُنصَرَفي، واغتَرف مُغْتَرَفي:
إذا قال لم يَترُك وَلم يَقِفْ ... لِعيٍّ ولَم يَثْنِ اللّسانِ على هُجْر
يُصَرّف بالقول اللّسانَ إذا انتَحى ... وينظرُ في أَعطافِهِ نظَرَ الصَّقْرِ
ولقد أودعت صدر عضد الدولة ما يطول به التفاته إليّ، ويُديم حسرته عليّ، ولقد رأى ما لم يرَ قبله مثله، ولا يرى بعده شكله؛ فالحمد لله الذي أوفدني عليه على ما يَسُر الوليّ، وأصدرني عنه على ما يسوء العدوّ.
أيها القاضي كيف الحال والنفس، وكيف الإمتاع والأُنس، وكيف المجلس والدَّرس، وكيف القرص والجرْس، وكيف الدَّس والدعْس، وكيف الفرس والمَرْس وكاد لا يخرج من هذا الهذيان لتهيّجه واحتدامه، وشدة خَيلائه وغُلوائه. والهمذاني مثلُ الفارة بين يدي السِّنَّور قد تضاءل وقُمؤ لا يصعَد له نفَس إلاّ بنزع تذلُّلاً وتقلُّلاً، هذت على كِبره في مجلسه مع نذالته في نفسه.
ثم نظر إليّ الزَّعفرانيّ رئيس أصحاب الرأي فقال: أيها الشيخ! سرَّني لقاؤك وساءني عناؤك وقد بلغني عُدَواؤك وما خيَّله إليك خُيلاؤك وأرجو أن أعيش حتى يُردّعليك غُلواؤك؛ ما كان عندي أنك تُقدم على ما أقدمت عليه، وتنتهي في عداوتك لأهل " العدْل والتوحيد " إلى ما انتهيت إليه؛ ولي معك - إن شاء الله - نهارٌ له ذيل، وليل يتبعه ليل، وثُبورٌ يتّصل به ويل، وقطْر يدوم معه سَيْل؛ (وَسَيَعْلَمُ الكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّار).
قال الزَّعفرانيّ: " حَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوَكِيلً " .
ثم أبصرَ أبا طاهر الشيخ الحنفي فقال:
(1/21)
________________________________________
أيها الشيخ! ما أدري أ أشكوك أم أشكو إليك، أما شكواي منك فلأنّك لم تكاتبني بحرف، حتى كأنّا لم نتلاحظ بطرف، ولم نتحافظ على إِلف، ولم نتلاق على ظرف؛ وأما شكواي إليك فهو أنّي ذممتُ الناس بعدك، وذكرت لهم عَهْدك، وعرضت بينهم وُدَّك، وقدحت عليهم زَنْدك، ونشرت عندهم غرائب ما عندك؛ فاشتاقوا إليك بتشويقي، واستصْفَوك بتزْويقي، وأثنَوا عليك يتنميقي وترويقي؛ وهكذا عمل الأحباب إذا تناءت بهم الرّكاب، والتوَت دونهم الأعناق، واضطرمت في صدورهم نارُ الاشتياق.
فالحمد لله الذي أعاد الشعب ملتئماً، والشمل منتظماً، والقلوب وادعة، والأهواء جامعة؛ حمداً يتّصل بالمزيد، على عادة السادة مع العبيد، عند كل قريب وبعيد.
ثم التفت إلى ابن القطّان القزويني الحنفي، وكان من ظرفاء العلماء، فقال: أيها الشيخ! كدت والله أحلم بك في اليقظة، وأشتمل عليك دون الحفظة، لأنك قد ملكت ني غاية المكانة والحظوة؛ والله ما أسَغتُ بعدك ريقاً إلاّ على جَرَض، ولا سلكتُ دونك طريقاً إلا على مضَض، ولا وجدتُ للظَّرف سوقاً إلاّ بالعرض. سقى الله ربعاً أنت ساكنه بنزاهتك، وطبعاً أنت طابته ببراعتك، ومغرساً أنت نبْعُه بنباهتك، وأصلاً أنت فرعه بفقاهتك.
وقال للعباداني: أيها القاضي! أيَسُرُّك أن أشتاقك وتسلو عني، وأن أسأل عنك فتنسلّ مني، وأن أُكاتبك فتتغافل، وأُطالبك بالجواب فتتكاسل؛ وهذا ما لا أحتمله من صاحب خُراسان، ولا يطمع منّي فيه ملك بني ساسان؛ متى كنتُ منديلاً ليد؟ ومتى نزلت على هذا الحدّ لأحد؟ إن انكفأتَ إليّ بالعُذر انكفاء، وإلاّ اندرأت عليك بالعذل اندراء، ثم لا يكون لك معي قرار بحال، ولا يبقى لك بمكاني استكثار إلا على وبالٍ وخبال.
ثم طلع أبو طالب العلوي فقال: أيها الشريف! جعلت حسناتك عندي سيئات، ثم أضفت إليها هَناتٍ بعد هنات، ولم تفكر في ماضٍ ولا آت، أضعت العهد وأخلفت الوعد، وحققت النحس وأبطلت السَّعد؛ وحُلت سراباً للحيران، بعد ما كانت شراباً للحرَّان، وظننت أنك قد شبعت مني، أو اتعضت عني، هيهات! وأنَّى لك بمثلي، أو بمن يعثر في ذيلي، أو له نهارٌ كنهاري أو ليلٌ كليلي؟
وهَل عائضٌ مِنّي، وإِن جلَّ، عَائضُ
أنا واحد هذا العالم، وأنت بما تسمع عالم؛ لا إله إلا الله، وسبحان الله.
أيها الشريف! أين الحق الذي وكَّدناه أيام كادت الشمس عنا تزول؟ والزَّمان علينا يصول، وأنا أقول، وأنت تقول، والحال بيننا يحول؟ سقى الله ليلة تشييعك وتوديعك، وأنت متنكر تنكراً يسوء الوليّ، وأنا مفكّر تفكّراً يسُرّ العدو، هذا ونحن متوجهون إلى ورامين خوفاً من ذلك الجاهل المهين، يعني بالجاهل المهين ذا الكفايتين حين أخرجه من الريّ بعد أن ألَّب عليه وكاد يُؤتى على نفسه الخبيثة، وهو حديث له فَرْش، وما أنا بصدده يمنع من اقتصاصه، ولعله يجري على وجهه فيما بعد؛ ولقد ظلم بقوله، وكان بالجهل والمهانة أحقّ، وسيَمر ما يدل على قولي ويُصحّح حكْمي، ويبيّن لك أنه لم يكن معه إلا الجدُّ المساعد فقط، وباقي ذلك تشبُّع وإيهام وتمويه وكذِب وبَهْتٌ ووقاحة.
ثم نظر إلى أبي محمد كاتب الشروط فقال: أيها الشيخ! الحمد لله الذي كفانا شرّك، ووقانا عُرَّك، وصرف عنّا ضُرَّك، وأرانا فيحك وحرَّك؛ دببت الضرّاء إلينا، ومشيت الخَمَر علينا، ونحن نَحيسُ لك الحَيس ونصفك باللَّبابة والكَيس، ونقول ليس مثله ليس، وأنت خلال ذلك تقابلنا بالوَيْح والوَيْس؛ لولا أنك قَرحان لسقط العَشَا بك منّا على سِرحان.
وقال لابن أبي خراسان الفقيه الشافعي: أيها الشيخ! ألغيتَ ذكرنا عن لسانك، واستمررت على الخلوة بإنسانك، جارياً على نسيانك، مُستهتراً بفتيانك وافتنانك، غير عاطفٍ على إخوانك وأخدانك؛ لولا أنني أرعى قديماً قد أضعته، وأُعطيك من رعايتي ما قد منعته، لكان لي ولك حديث، إما طيّب وإما خبيث؛ خلَّفتك محتسباً فخلفت مكتسباً، وتركتك آمراً بالمعروف فلحِقتُك راكباً للمنكر، قد يفيل الرأيّ ويخيب الظن، ويكذب الأمل، وقد قال الأول:
أَلا رُبَّ من تغتَشُّه لك ناصِحٌ ... ومؤتَمنٍ بالغَيْب وهو ظَنِين
ثم نظر إلى الشادياشي فقال: يا أبا عليّ! كيف أنت وكيف كنت؟ فقال: يا مولانا
لا كنتُ إِن كنت أدري كيف كنت ولا ... لا كنتُ إن كنتُ أَدري كيف لم أَكن
(1/22)
________________________________________
فقال: أغرب يا ساقط يا هابط، يا من يذهب إلى الحائط بالغائط، ليس هذا من نحت يدِك ولا هو مما نشأَ من عندك، هذا لمحمد بن عبد الله بن طاهر، أوله:
كتبت تسأَل عني كيف كنتُ وما ... لاقيت بعدك من غمّ ومن حَزَنِ
لا كنتُ إِن كنتُ أَدري كيف كنتُ ولا ... لا كنتُ إِن كنتُ أدري كيف لم أَكنِ
وكان ينشد وهو يلوي رقبته، ويجحظ حَدَقته، ويُنزي أطراف منكبه ويتسايل ويتمايل، كأنه (الَّذِي يَتَخَبَّطَهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ).
ثم قال: يا أبا علي! لا تُعوِّل على اير في سراويل غيرك، لا ايرَ إلا ايرٌ تمَطّى تحت عانتك، فإنك إن عولت على ذلك خانك وشانك وفضح خانك ومَانَك.
ثم نظر إلى غلامٍ قد بقل وجهه كان يُتَّهم به على الوجه الأقبح، فالتوى وتقلقل، وقال: ادْنُ يا بُنيّ! كيف كنت؟ ولم حملت على نفسك هذا العناء؟ وجهُك هذا الحسن لا يبتذل للشحوب، ولا يُعرض لِلَفحات الشمس بين الطلوع والغروب، أنت يجب أن تكون في بِذْلة بين حجَلةٍ وكِلّةٍ، تُزاح بك العلّة، وتُعلا فيك القُلّة، وتُشفى منك الغُلَّة.
هذا آخر حديث الاستقبال، وقد حذفت منه أشياء كثيرة من رقاعاته، لأنَّ الغرض غير مقصور على فنٍّ واحد من حديثه.
وقال يوماً في دار الإمارة لفَيْرُوزَان المجُوسي، وكان الخرائطيّ حاضراً، في شيء نابذه عليه؛ إنما أنت مجش محش لا تهش ولا تبش ولا تَمْتِش.
فقال له فيروزان: أيها الصّاحب! برئت من النار إن كنت أدري ما تقول، إن كان من رأيك أن تشتمني فقُل ما شئت بعد أن أعلم، فإن العِرض لك، والنَّفس فِداؤك، لست من الزّنج، ولا من البربر، ولا من الغُزّ، كلِّمنا بما نعقل على العادة التي عليها العمل؛ والله ما هذا من لُغة آبائك الفُرس، ولا لغة أهل دينك من هذا السَّواد؛ فقد خالَطْنا الناس فما سمعنا منهم هذا النَّمط، وإني أظن أنك لو دعوت الله بهذا الكلام لما أجابك، ولو سألته لما أعطاك، ولو استغفرت الله به ما غفر لك؛ وحقيق على الله ذلك.
فقال الخرائطيّ: أيها الصاحب! والله لقد صدق فلا تغضب، فليس كل من وثق بأنه لا يُراجع في قوله رَكِب ما يُحَمَّقُ فيه شاهداً أو غائباً.
فقام عنهما خَزْيان يُردّد ريقه حِقداً عليهما، وكان ذلك سبباً كبيراً في فساد أمرهما.
وقلتُ للزّعفراني الشاعر، وكان من أهل بغداد: اصدُقني أيها الشيخ عن هذا الإنسان، كيف وجدته في طول ما عجمت عودَه، وتصفّحت أخلاقه، وخبرت دِخلته.
فقال: وجدته كليل الكرم، حادّ اللؤم، رقيع الظاهر، مُريب الباطن، دنِس الجيب، مُثرياً من العيب، كأنه خلق عبثاً مما مُلي خُبثاً؛ سفهه ينفي حكمة خالقة، وغِناه يدعو إلى الكفر برازقه؛ وأنا أستغفر الله من قولي فيه ونفاقي معه؛ ولعن الله الفقر فهو الذي يُحيل المروءة، ويقدح في الديانة؛ ولو كان لي ببغداد قوتٌ يحفظ عليَّ ماء الوجه ما صبرت على هذا الرّقيع البارد المطاع ساعة، ولكن ما أصنع قد قلّبت أمري ظهراً لبطن، مالي إلى الرزق باب إلاّ منه، وأنشد:
وَالرّزق كالوَسميّ رُبَّتَما عَدا ... روضَ القَطا وسقَى مَهامِه جِلّقِ
فإذا سمعت بحوَّّلٍ متأَله ... متأَدب فهو الذي لم يُرزَقِ
والرِّزقُ يخطيء بابَ عاقل قومه ... ويَبيتُ بَواباً لبابِ الأَحمقِ
وأنشد أيضاً:
الرّزقُ قد يأتيك في وَقتِه ... والحرصُ لا يُغني ولا يُجدي
كم قاعدٍ يبلغ مأْمولَه ... وَطالبٍ مضطرب يُكدي
فاسترزِق الرازقَ مِن فضلِه ... وارضَ بما يُوليك من رفدِ
وثِق بإِحسانٍ له واسعٍ ... فهكذا عاداتُه عندي
وأنشد القرمسيني قال: أنشدنا عليُّ بن سليمان الأخفش لشاعر:
قد يُرزَق المرء لم تتعَب رواحلُه ... ويُحرم الرزقَ من لم يُؤتَ من تَعَب
يا ثابتَ العقل كم عايَنْتَ ذا أَدب ... الرزقُ أَعدَى له من ثابت الجَرَب
وإِنني واجدٌ في النّاس واحدةً ... الرزقُ والنُّوكُ مقرونان في نسب
وخصلةً قلَّ فيها من يُنازِعُني ... الرزقُ أَروَغُ شيءٍ عن ذوِي الأَدبِ
وقلت للمسيَّبي:ما قولك في ابن عباد؟
(1/23)
________________________________________
فقال: له في الخلاعة قرآن مُعجر، وفي الرّقاعة آية مُنزلة، وفي الحسد عرق ضارب، وفي الكذب عارٌ لازب؛ لا ينزع عن المساوي إلا مَلَلا، ولا يأتي الخير إلا كسلاً؛ ظاهره ضلالة، وباطنه جهالة، وليس له في الكرم دلالة، ولا في الإحسان إلى الأحرار آلة؛ فسبحان من خلقه غيظاً لأهل الفضل والأدب، وأعطاه فيضاً من المال والنشب! وقلت لأبي بكر الخوارزمي الشاعر، وكان قد خَبَره: كيف وجدت الصاحب، وقد أعطاك وأولاك وقدَّمك وآثرك، وسفر لك إلى عضد الدولة، وهو اليوم شاه الملوك، حتى ملأتَ عيابك تِبراً، وحقائبك ثياباً، ورواحلك زادا؟ فقال: دعني مما هنالك، والله إنه لخواز في المكارم، صبار على الملائم، زحّاف إلى المآثم، سمّاع للنمائم، مِقدام على العظائم؛ يدعو إلى " العدل والتوحيد " ، ويدّعي " الوعد والتخليد " ، ثم يخلو باستعمال الأُيُور، ويشتمل على الفسوق والفجور، ويُمسي وهو بُور ويُصبح وما على وجهه نور.
وكان الخوارزمي من أفصح الناس، ما رأينا في العجم مثله، وإنما نوَّله الصاحب ما نوّله، وخوّله ما خوّله، لأنه كان أذكاه عيناً على محمد بن إبراهيم صاحب الجيش بنيسابور، واستملى فيه أخبار المشرق، وبهذا المعنى استدرَّ له من ملِك بغداد بوساطة ابن يوسف، وكان الظاهر أنه إنما يعطيه لأدبه، ويجيزه لشعره، ويصطفيه لفضله.
ولقد قات للزعفرانيّ: أرى الخوارزميّ سيّءَ الرأي في ابن عبّاد مع ما يصل إليه منه، فما السبب؟ فقال: ابن عبّاد سيءُ السياسة لصنائعه، وذلك أنه يعطي الإنسان عطية ما، ثم يبلوه بجفاءٍ يتمنّى معه لَقْط النّوى من السِّكك، والمصطنع الكريم هو الذي يكون اصطناعه بلسانه فوق اصطناعه بيده؛ وإني أحدثك ببعض ما عامل به الخوارزمي ليصحّ لك القياس عليه، والتعجب منه.
حضر الخوارزمي يوماً، وجرى حديث القَافة، فقال الخوارزمي: دخل محرز المدْلجيّ على رسول الله صلى الله عليه ونظر إلى أقدام أُسامة، وزيد، فقال: هذه أقدامٌ بعضها من بعض، وصحّف البائس كما يُصحّف الناس، العلماء فمن دونهم، وكان ابن عبّاد على بركة، فما زال يدور حول البركة وهو يصفع الخوارزمي ويقول: محرز؟ بحياتي؟ إلى أن رعَف الخوارزمي فتنحى وخرج.
فهذا وما داناه هو الذي كان يُفسد به ما يفعله من الخير والبر.
وحدّثني بذكْوِ أبي بكرٍ عيناً بخراسان أبو الطيب النصراني، وكان علي السرِّ عند مؤيّد الدولة وكان يعرف من مخازي ابن عبادٍ عجائب؛ سمعته يقول: لو بُحتُ بما في نفسي من حديث هذا المأبون لتصدَّع الجبل، ولتقلّع الجَندَل.
وكان ابن عبّاد شديد السفه عجيب المناقصة، سريع التحوّل من هيئة إلى هيئة، مُستقبلاً للأحرار بكل فرْية وفاحشة؛ كان يقول للإنسان الذي قد قدم عليه من أهل العلم: تقدّم يا أخي! وتكلّم، واستأنس، وافترِح، وانبسِط، ولا تُرع، واحسبني في جوف مرقعة، ولا يهولك هذا الحشم والخدَم، وهذه الغاشية والحاشية، وهذه المرتبة والمسْطَبة، وهذا الطارق والرِّواق، وهذه المجالس والطنافس؛ فإن سلطان العلم فوق سلطان الولاية، وشرف العلم أعلى من شرف المال، فليفرح روعك ولينعم بالُك، وقُل ما شئت، وانصُر ما أردت، فلست تجد عندنا إلا الإنصاف والإسعاف والإتحاف والإطراف، والمقاربة والمواهبة، والموانسة والمقابسة، وعلى هذا التنزيل، ومن كان يحفظ ما يهذي به في هذا وغيره؟ حتى إذا استقى ما عند ذلك الإنسان بهذه الزّخارف والحيل، وسال الرجل معه في حدُوره على مذهب الثّقة، وركب في مناظرته، وردعه وحاجّه، وراجعه وضاجعه وشاكعه ووضع يده على النكتة الفاصلة، والأمر القاطع تنمَّر له، وتنغّر عليه، واستحصد غضباً وتلظّى لهباً وقال بعد وثبتين أو ثلاث: يا غلام! خذ بيد هذا الكلب إلى الحبس، وضعه فيه بعد أن تصبّ على كاهله وظهره وجنبيه خمس مئة عَصا؛ فإنه مُعاند ضدّ، يحتاج إلى أن يُشدّ بالقِدّ، ساقط هابط، كلبٌ نبّاح، متعجرف وقَاح؛ أعجبه صبري، وغرّه حلمي، ولقد أخلف ظني، وعدت على نفسي من أجله بالتوبيخ، وما خلق الله العصا باطلاً، ولا ترك خلقه هاملاً.
(1/24)
________________________________________
فيُقام ذلك البائس على هذه الحال التي تسمَع، على أن مسموعك دون مُشاهدتك لو شاهدت، ومن لم يحضر ذلك المجلس لم يرَ منظراً رفيعاً ورجلاً رقيعاً؛ وقد عامل بما وصفتُ الحريري غلام ابن طرارة والجامدي الشاعر الوارد عليه من البصرة، وأبا زيد الكلابي وغيرهم.
وكان أبو الفضل أعني ابن العميد إذا رآه يقول: أحسَب أن عينيه رُكّبتا من زئبق وعنقه عُمل بلولب.
وصدق، لأنه كان ظريف التّثني والتلوّي شديد التفكّك والتفتّل كثير التعوّج والتموّج، في شكل المرأة المومسة والفاجرة الماجنة، والمخنَّث الأشمط.
وسمعت أبا الفضل الهَرَوي يقول له يوماً: لو وُضع في خزانة الكتب للوقف شيءٌ من الطبّ لكان ذلك باباً من المنافع لحاضرة والفوائد المجّلة والخير العامّ.
فقال على حدّته وجنونه: الطبّ - يا أبا الفضل - سُلَّم الإلحاد، ولقد أسررت في هذا القول حسواً في ارتغاءٍ، أنت مُهندس، وأنت متّهم، ويكفي منك في هذا المعنى ما هو دون هذا.
فانخزل الهروي وكان جباناً، وأخذ يتلافى ما فرط منه.
قال أصحابنا بالريّ: وكيف يسوغ له أن يقول هذا، وهو يُشاور الطبيب في كل غداة، ويعتمد على الطبّ في كلّ عارض، ويجمع الكتب فيه، ويرجع إليه؛ وليس هذا بأعجب من عيبه لعلم النجوم وذمِّه لأهله، وهو لا يُفارق التقويم، ولا يخلو يوماً من النَّظر فيه مرّات؛ لأنه كان لا يركب إذا وجد نحساً، هذا على تقليده فيه، لأنه ما كان يعرف حرفاً من علم النُّجوم، لا على طريقة مَن ينظر في أحكامه، ولا على مذهب من يختاره لهيئته، فهل رأيت بهتاً أشدّ من هذا؟ ومناقضة أقبح من هذا؟ يذمّ شيئاً في الظاهر، ثم يحبه في الباطن، ويزهد غيره في شيء وهو يؤثره.
وكان من ضعف عقله يقول: يجوز أن يكون الفلك من سَلْجَم أو جَزَر أو فجل؛ قال هذا للصاغاني أبي حامد ونحن حضور، وهو مع هذا العقل السّخيف يطلب كتب الأوائل ويجمعها، وينظر فيها، ويشتهي أن يفتح فاتح عليه شيئاً منها في السرّ، وعلى وجه التهجين لا على وجه التَّقبُّل، ويقول في أبي حسن العامري: قال الخرائي كذا وكذا، وإذا خَلا نظر في كتبه ومصنّفاته، وكان أخذها من أبي الحسن الطبري، طبيب رُكن الدّولة، وكان مع هذا المذهب الذي يُدِلّ به ويُسمّيه " العدل والتوحيد " قليل التوجُّه إلى القبلة، قليل الركوع والسُّجود، وكان مع حفظه الغزير، عليه مؤونة في تلاوة آية من كتاب الله عزّ وجلّ، إذا أراد أن يستدل بها في المناظرة والجدل، أو يذكر وجهاً من وجوهها في المذاكرة، ولم يكن عليه طابع العبادة، ولا سيّما المتألّهين، وكان مع هذا سفّاكاً للدماء، قتّالاً للنُّظراء والأكفاء، وكان شديد الحسّ لأهل الفضل والدراية، ولأصحاب الحفظ والرواية، وكان جلّ حسده لمن كتب فأحسن الخطّ وأجاد اللفظ، وتأتى للرسم وملّح في الاستعارة، وكان إذا سمع من إنسان كلاماً منظوماً، ومعنىً قويماً، ولفظاً مسجوعاً، ونثراً مطبوعاً، وبياناً بليغاً، وغرضاً حكيماً انتقض طِباعه وذهب عليه أمره وتبدّد حلمه وزال عنه تماسكه والتهب كأنه نار، واضطرب كأنه شَرار، وحدّث نفسه بقتله أو نفيه أو إغراقه وإبعاده وحرمانه.
قلت للتَّميمي الشاعر المصريّ بالرغيب: كيف ترى هذا الرجل أعني ابن عبّاد؟ فقال: طويل العنان في اللؤم، قصير الباع في الكرم، وثّاباً على الشرّ، مُقْعداً عن الخير، كافراً بالنّعم، متحرّشاً بالنّقم، جبّاهاً بالمكروه، سفيهاً في الجملة، خليعاً في التفصيل.
قلت: أين هو من صاحبكم بمصر أعني ابن كِلّس؟ فقال: ذاك رجل له دارُ ضيافة، وله زوّارٌ كالقطر، لا يعرف مَحْكاً ولا لجاجاً ولا مجادلة، ولا كياداً ولا مُخاتلة، يعطي على القصد والتأميل، والرجاء والتوجه، والطمع والطلب، وسائر الوسائل عنده، بعد هذه الأوائل، فضلٌ يستحق به الزيادة، وليس هناك امتحان ولا مُحاسبة ولا احتجاج ولا تعيير، المالُ مصبوب، والخازنُ قائم، والمُفرّق مُجزِّف، والنّداء عالٍ، والواصل موصول، والمؤمَّل مشكور، والرّاحل شاكر؛ وِزارة ذاك نيابةٌ عن خِلافة، ووزارة هذا خلافة عن عَمالة.
هل ترى هاهُنا صلةً ترتفع عن مئة درهم إلى ألف؟
(1/25)
________________________________________
أَليس أنبل من وردَ عليه البديهي وهو شيخه في العروض، وعنه أخذ القوافي، وبفتحه وهدايته قال الشعر؟ هل زاده في طول مُقامه إلى رحيله على خمسة آلاف درهم تفاريق؟ وإن أَقلّ ضيف بمصر يصير إليه مثل هذا في أول يوم.
وقد سألت جماعة من سادة الناس عنه، وحصّلت عن كل واحد منهم جواباً يمر بك فيما تستقبل، وأذكرها هنا أشياء حدّثني بها بطانته وخدمه.
حدثني الجرفادقاني أبو بكر وكان كاتب داره، قال: يبلغ من سُخنَة عينِ صاحبنا أنه لا يسكت عما لا يعرف، ولا يسأم نفسه فيما لا يفي به ولا يكمل له، ويظن أنه إن سكت عنه فُطن لنقصه وإن اختال وموّه جاز ذلك وخفي واستتر ولم يظهر، ولم يعلم أنّ ذلك الاحتيال طريقٌ إلى الإغراء بمعرفة الحال، وصَدَق القائل: كاد المريب يقول: خُذُوني.
قات له: ما الذي حَداك على هذه المقدّمة؟ قال: قال لي في بعض هذه الأيام: ارفع حسابك قد أخّرته وقصّرت فيه واغتنمت سكوتي وشغلي بتدبير المُلك وسياسة الأولياء والجُند، والرَّعايا والمُدن، وما عليَّ من أعباء الدولة وحفظ البيضة ومُشارفة الأطراف النائية والدَّانية باللسان والقلم، والرأي والتدبير، والبسط والقبض، والإبرام والنَّقض، وما على قلبي من الفكر في الأمور الظاهرة والغامضة؛ وهذا لعمري باب مُطمِع وإِمساكي عنه مُغْرٍ بالفساد مُولع، فبادر عافاك الله إلى عمل حساب بتفصيل بابٍ بابٍ تُبيّن فيه أمر داري، وما يجري عليه دخلي وخرجي.
قلت له: وهذا كله بسبب قوله هات حسابك بما تُراعيه؟ وصدق هذا الكاتب، كان يأخذ طرفاً من الحديث فيمدُّه إلى الفَلَك بالغَثاثة والجهل والهذر.
قال أبو بكر: فتفرَّدتُ أياماً وحرَّرت الحساب على قاعدته وأصله والرسم الذي هو مألوف بين أهله، وحملته إليه، فأخذه من يدي وأمرَّ عينه فيه من غير تثبُّت أو فحص أو مسألة، ثم حذفَ به إليَّ وقال: أهذا كتاب، أهذا تحرير، أَهذا تقرير، أَهذا تفصيل، أَهذا تحصيل؟ والله لولا أني قد ربّيتُك في داري، وشغلت بتخريجك ليلي ونهاري، ولك حُرمة الصِّبا، وتلزمُني رعاية الأبناء، لأَطعمتك هذا الطومار، وأَحرقتُك بالنفط والنار، وأَدّبت بل كل كاتب وحاسب، وجعلتك مُثلةً لكل شاهد وغائب.
أمِثلي يُموّه عليه، ويُطمع فيما لديه، وأنا خلقت الكتابة والحِسابة؛ والله ما أنام ليلةً إلاّ وأحصّل في نفسي ارتفاع العراق ودخل الآفاق؛ أَغَرَّك مني أني أجررتُ: رَسَنَك، وأخفيتُ قبيحك وأبديتُ حَسَنك؟ غيِّر هذا الذي رفعت، واعرف قبلُ وبعدُ ما صنعت، واعلم أنك من الآخرة قد رجعت فَزِد في صلاتك وصَدقتك، ولا تعوّل على قِحتك وصَلابة حَدَقتِك.
قال: فوالله ما هالني كلامه، ولا أَحاك في هذيانه، لأني كنت أعلم جهله بالحساب، ونقصه في هذا الباب، فذهبتُ، وأفسدتُ وقدّمتُ وأخَّرت، وكايدت وتعمّدت؛ ثم ردَدتُّه إليه فنظر فيه، ثم ضحك في وجهي وقال: أحسنت بارك الله عليك، وهكذا أردت، وهذا بعينه طلبت ولو تغافلتُ عنك أول الأمر لما تيقَّظت في الثاني.
فهذا كما ترى أعجبَ منه كيف شئت.
ومن رقاعاته أيضاً: سمعته يوماً يقول: وقد جرى حديث الأبهريّ المتكلّم، وكان يُكنى أبا سعيد، فقال: لعن الله ذلك الملعون المأبون المأفون، جاءَني بوجه مكَلحَّ، وأنف مُفلطَح، ورأس مسَفّح، وذقن مسَلّح، وسُرْم مفتّح، ولسان مبلّح، فكلَّمني في مسألة الأصلح، فقلت له: اغرب عليك غضبُ الله الأترح، الذي يلزم ولا يبرح.
وشتم يوماً رجلاً فقال: لعن الله هذا الأهوج الأعوج، الأفلج الأفحج، الذي إذا قام تحلج، وإذا مشى تدحرج، وإن عدا تفجفج.
بالله يا أصحابنا حدثوني، أهذا عقل رئيس، أو بلاغة كاتب، أو كلام متماسك؟ لم تجنّون به، وتتهالكون فيه؟ وتغيظون أهل الفضل به؟ هل هناك إلاّ الجدّ الذي يرفع مَن هو أنذل منه، ويضع مَن هو أرفع منه؟ ولقد حدثت بهذا الحديث أبا السلم الشاعر، فأنشدني لشاعر:
سبحان من أَنزل الدنيا منازِلها ... وصيَّر الناسَ مَشنوءاً ومومُوقا
فَعاقِلٌ فَطِن أَعيَتْ مذاهبُه ... وجاهلٌ خَرِقٌ تَلقاه مَرزوقا
كأَنّه من خليج البحر مُغترف ... ولم يكن بارتزاق القُوت محقوقا
هذا الذي ترك الأَلبابَ حائرةً ... وصَيَّر العاقل النحرير زنديقا
(1/26)
________________________________________
وحدثني المأموني عند روايتي هذا الحديث: سمعته أنا يقول على غير هذا الوجه، قال: جاءَني فلان بهامة مسطَّحة، وأرنبة مفلطحة، ولحية مسرَّحة، وقفحة مسلحة، وجبهة موقّحة، وجملة مقبّحة، يناظرني في المصلحة، فهممت والله أن أصلبه على باب المسْلحة. وباب المسلَحة بالري سوقٌ معروفة.
وهذا الكلام الثاني هو الأول يشقق ويؤذي، ويصيح ويهذي، ويوهِم ويدّعي، وقاحةً وجهلاً وازدراء للناس، وحقراً لكل من يرى من أهل الفضل والأدب، والحرية والحسب.
وكان كَلَفه بالسَّجع في الكلام والقلم عند الجدّ والهزل يزيد على كلف كلّ من رأيناه في هذه البلاد.
قلت للمسيّبي: أين يبلغ في عشقه للسَّجع، قال: يبلغ به ذلك أنه لو رأى سجعة تنحلّ بموقعها عُروة الملك، ويضطرب بها حبلُ الدولة، ويحتاج من أجلها إلى غُرْمٍ ثقيل وكلفةٍ صعبة، وتجشّم أمور، وركوب أهوال، لكان يخفّ عليه أن لا يفرج عنها ويخلّيها، بل يأتي لها ويستعملها، ولا يعبأ بجميع ما وصفت من عاقبتها.
وقال علي بن قاسم الكاتب: السجع لهذا الرجل بمنزلة العَصَا للأعمى، والأعمى إذا فقد عصاه فقد أُقعد، وهذا إذا ترك السّجع فقد أُفحِم.
وقاتُ للخليلي: كيف كان ابن العميد أبو الفضل يقدّم هذا ويرشّحه وهذا عقله ولفظه وشمائله؟ فقال: كان يسترفعه ويضحك منه ولا يغتاظ لأنه كان تحت تدبيره. والرّقاعة الخالية من القدرة مقبولة، وإنما تضاعف اليوم حديثُه في الرّقاعة لأنه أصبح بسيط اللسان بالدولة، مُطاع الأمر في القريب والبعيد؛ ونعوذ بالله من جنون موصول بانقياد الأمور وطاعة الرجال. وكان يقول: هو مع هذا الطيش والخفّة، والتفتل والتثني أفضلُ من أبيه؛ فإن أباه كان ثورا خوّاراً، وحماراً نهّاقاً.
وكان أيضاً يقدَح ابنه أبا الفتح به، ويبعثه على الحركة والنُّطق، وكان أيضاً مظنوناً به وهو غلام ما بقل وجهه.
قال: وأسباب الجدّ عجيبة، وكما لا يدري الإنسان من أين يُخفق كذلك لا يدري من أين ينال.
فقلت للخليلي: أما كان ابن العميد يسمع كلامع؟ قال: بلى، وكان يقول: سجعُه يدل على الخلاعة والمجانة، وخطه يدل على الشلل والزّمانة، وصياحه يدل على أنه قد غُلب بالقمار في الحانة، وما نظرتُ إليه قطّ في وقت إلاّ خِلتُ أنه قد سَقاه العباره دواء مذ ساعة.
وهو أحمق بالطبع إلاّ أنه طيّب، وإن كان له يومٌ تضاعف حمقه، وذهب طيبه، وضرَّ أهل النعم والمروّات والأدب بالحسد والكِبر والإعنات.
قلت للخليلي: هل عرفت طالعه؟ قال: حدثني أصحابنا منهم الهروي أن طالعه الجوزاء كط، والشّعرى اليمانية كط، وكان زحل في الحادي عشر في الحمل كح، والقمر فيه يط والشمس في السنبلة يج، والزهرة فيها ي، والمشتري في الميزان كد، والمريخ في العقرب ز، وسَهم السَّعادة في القوس يد، وسهم الغيب في الجدي يد، والرأس في الثالث في الأسد يا. قال: وخفي عليَّ عطارد. وذكر أنه ولد سنة ثلاثمائة وست وعشرين من الهجرة، ولأربع عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة روز سروش من ماه شهرير.
قلت فأين وُلد؟ فقال: كان عندنا أنه ولد بطالقان، وقال لنا قوم: بل بإِصطَخْر. وقال لي غير الخليلي: كان عُطارد في السُنبلة ط ي.
وكنتُ بالري سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، وابن عبَّاد بها مع مؤيد الدولة قد وردا في مهمّات وحوائج، وعقد ابنُ عبّاد مجلس جدَل وكنَّا نبيت عنده في داره بباب سين معنا الضَّرير أبو العباس القاصّ وأبو الحَوراء الرّقي، وأبو عبد الله النحوي الزَّعفراني، وجماعة من الغرباء فرأى ليلةً في مجلسه وجهاً غريباً صاحب مرقّعة، فأراد أن يفُرَّه، ويعرف ما عنده، وكان الشاب من أهل سَمرقند زعم أنه يعرف بأبي واقد الكَراييسي.
فقال له: يا أخ انبسط واستأنس وتكلّم؛ فلك منّا جانب وطِيّ ومشرب رَوِيّ، ولن تَرى إلا الخير، بم تُعرَف؟ قال: أُعرف بدَقّاق.
قال: تَدُقّ ماذا؟ قال:أَدُقّ الخصم إذا زاغ عن سبيل الحق. فلما سمع هذا تنكّر وعجب، لأنه فُجئ ببَديعة.
فقال: دَعْ ذا، تكلّم.
قال: أتكلَّم سائلاً؟ والله ما بي حاجةً إلى مسألة، أم أتكلم مسؤولاً؟ فوالله إني لأكسَل عن الجواب، أم أتكلّك مقرِّراً؟ فوالله إني لأكره أن أُبدد الدّر في غير موضعه، وإني لكَما قال الأول:
لقد عجَمتْني العاجِمات فلم تَجد ... هَلُوعاً ولا لينَ المجَسَّة في العَجْمِ
(1/27)
________________________________________
وكَاشَفتُ أَقواماً فأَبديتُ وَصْمَهُم ... وما لِلأَعادي في قَناتيَ من وَصْمِ
فقال له: يا هذا، ما مذهبك؟ قال: مذهبي أن لا أقرّ على الضيم، ولا أنام على الهون، ولا أُعطي صمتي لمن لم يكن وليَّ نعمتي، ولم يصل عِصمته بعصمتي.
قال: هذا مذهب حسن، ومن هذا الذي يأتي الضَّيم طائعاً، ويركب الهَوْن سامعاً؛ ولكن ما نِحلتُك التي تنصُرها؟ قال: نِحْلتي طوِيةَ صدري، ولستُ أتقرَّب بها إلى مخلوق، ولا أُنادي عليها في سُوق، ولا أعرضها على شاكّ، ولا أُجادل عليها المؤمن.
قال: فما تقول في القرآن؟ قال: وما أقول في كلام ربّ العالمين الذي يعجَز عنه الخلق إذا أرادوا الاطّلاع على غيبه، وبحثوا عن خافي سرّه، وعجائب حكمته، فكيف إذا حاولوا مُقابلته بمثله، وليس له مثلٌ مظنون فكيف عن مثل متيقّن؟ قال ابن عبّاد: صَدقت، ولكن أَ مخلوقٌ هو أم غير مخلوق؟ فقال: إن كان مخلوقاً كما تزعُم فما ينفعك؟ وإن كان غير مخلوق كما يزعُم خصمك فماذا يضرّك؟ فقال: يا هذا أَ بهذا العقل تناظر في دين الله وتقوم على عبادة الله؟ قال: إن كان كلام الله فينبغي إيماني به وعملي بمُحكَمه، وتسليمي لمُتشابهه، وإن كان كلام غيره، وحاش لله من ذلك ما ضرّني.
فأمسك عنه ابن عبّاد وهو مَغيظ، ثم قال له: أنت لم تخرج من خُراسان بعد. فمكث الرجل ساعةً ثم نهض. فقال له ابنُ عبّاد: إلى أين يا هذا قد تكسّر الليل، بتْ هاهنا.
فقال: أنا بعد لم أخرجُ من خُراسان، فكيف أبيتُ بالريّ، وخرج. فارتاب به ابنُ عبّاد، فقفّاه بصاحبٍ له، ووصّاه بأن يتبع خُطاه ويبلغ مَداه من حيث لا يفطن له ولا يراه، فما راغ الرجل عن باب رُكن الدَّولة حتى دخل، ووصل في ذلك الوقت الفائت إليه.
فقيل لابن عبّاد ذلك فطار نومُه من عينه، وقال: أيُّ شيطانٍ هبطَ علينا وأحصى ما كنّا فيه بيننا، وبلغ أَربَه منّا، وأخذ حاجته من عندنا، بلسانٍ سليط وطبع مريد.
فحدثني الهَرَوي، وكان يبيتُ عند ركن الدولة: أن ركن الدولة قال للخراساني: كيف رأيت كاتب ابننا؟ قال: رأيت وجهه وجه خنزير، وعقله عقل سِنّور، وكلامه كلام مُبَرسم، وحركته حركة مخنّث، ونظره نظر فاجر، ورأيه رأي مُوسْوَس، وأعضاءع أعضاء مفلوج؛ ولقد عشّانا وتعشّى معنا فما زال يذكر القِدر والخبز والأدم والبوارد، والغضائر والمطابخ حتى عرقت جباهنا من الحياء والانخزال، واسترخَت أيدينا من الخجل.
فقال له ركن الدولة: لو علمت أنك هكذا تنقلب عن مجلسه لما أَذِنتُ لك في لقائه، ولكن قد فات.
قال الهرويّ: وكان هذا الكراييسيّ عيناً لركن الدولة بخُراسان، فلذلك كان قريباً منه وكان أحد رجالات الدنيا، ولم يتمكّن من مُكاثرته.
وقلت للخليلي: بم انفرج ما بين هذا الرجل، أعني ابن عباد وصاحبكم أعني أبا الفتح ذا الكفايتين؟ فقال: كان صاحبنا غِرَاً صعب القياد شديد الزَّهو؛ وهذا على رقاعته لتي تَرَى، ولم يكن بينهما عاقل يرأب المصدوع، ويصل المقطوع، ويرفع الموضوع، ويردّ هذا عن حدّته بلسانه، ويكف ذاك عن تيههِ وامتنانه. وقد كان ركن الدولة يكنُفهما بظله، ويكُفُّهما بفضله، ويخفض لهما جناح إحسانه، ويمزج بينهما في استخدامه، ويجمعهما على طاعته لصحّة رأيه وحسن مداراته؛ ونفوسهما على ذلك تغلي، وصدورهما تفيض، والألسنة تكَنّي، والحواجب تتغامز، والشِّفاه تلتوي، والأعين تختلج، والوشاة تدبُّ، والزمان يعمل عمله؛ فلما مضى سائسهما تفارقا القرحة، وتنازعا الرتبة فكان ما كان.
قلت: ما الذي كان ينقم هذا من ذاك، وذاك من هذا؟ فقال: كان صاحبنا يقول: أشدّ ما عليّ أن خصمي مُعلِّم مأْبون. وكان هذا يقول: كيف أُسامي حَدَثاً صغير الرأس، كليل اللسان، قليل الهمّة، الخيرُ عنده حرّ والدِّرهم في نفسه ربّ؛ وكان يُنشد فيه:
فتىً يمنعُ الطَّعا ... م ولا يمنَع الحُرَمْ
فجميع النساءِ في ال ... حِلّ والمطْبخُ الحَرَمْ
فهذا هذا.
قلت لأبي عُبيد النصراني ببغداد، وكان سهل البلاغة حلو اللفظ، حسن الاقتضاب، غريب الإشارة، مليح الفصل والوصل: كيف ترى كتابة ابن عباد؟
(1/28)
________________________________________
فقال: هي شوهاء فيها شيء في غاية التنقيح، وفيها شيء في غاية الركاكة، وبينهما فُتور راكد، بمذاهب المعلمين الحمقى المتعاقلين أشبه منها بمذاهب السلف الأولين من الكتّاب وأصحاب الدواوين.
قال: السّجع الذي يَلْهَج به هو مما يقع في الكلام، ولكن ينبغي أن يكون كالطّراز في الثوب، والصَّنفة في الرداء، والخط في العَصب، والملح في الطّعام، والخال في الوجه؛ ولو كان الوجهُ كله خالاً لكان مقلياً.
قال: وبديعه في هذا الفن لا تُستَر ركاكته في سائر فنون الكلام، فإن فنون الكلام محصَّلة على التقريب بين البدَد والسجع والوزن، وما يُسمّيه قوم تجنيساً وتطبيقاً.
قال: ومنها شيء يجب أن يُسمّى المسلسل، وأمثلته في كلام أبي عُثمان موجودة، ثم قال: والذي ينبغي أن يُهجَر رأساً، ويُرغب عنهجُملة التكلُّف والإغلاق، واستعمال الغريب والعَويص، وما يستهلك المعنى أو يفسده أو يُحيله، ويجب أن يكون الغرض الأول في صحّة المعنى، والغرض الثاني في تخيّر اللفظ، والغرض الثالث في تسهيل النّظم وحلاوة التأليف، واجتلاب الرّونق، والاقتصاد في المواخاة، واستدامة الحال، ليستمر الثاني على الأول، والثالث على الثاني، وأن تتوفَّى الفضاء الذي يَعرض بين الفضل والفصل.
قلت: ما معنى الفَضاء؟ قال: عَدَم الرِّباط بين المتقدِّم والمتأخِّر، وهو النُّبُوُّ العارض في النَّفس عند سماعه وتحصيله.
قال: والهُجنة التي ليس بعدها هُجنة، والركاكة التي ليس فوقها ركاكة، الوَلوعُ بالغريب، وما يُشكل فيه الإعراب، ويتجاذبه التأويل؛ فإنَّ هذا وما شاكله كُلفة على النفس عند سماعه، ومؤونة على الطَّبع عند تخيّره، ومشقّة على اللّسان عند اللّفظ به.
ثم قال: فخَيْر الكلام - على هذا التصفُّح والتحصيل - ما أيّده العقل بالحقيقة، وساعده اللفظ بالرّقة، وكان له سهولة في السّمع، ووَقْع في النّفس، وعذوبة في القلب، ورَوْح في الصدر؛ إذا ورد لم يُحجب، وإذا صدر لم يُنْسَ، وإذا طال لم يُملّ، وإذا قصُر لك يُحقر، له غَنج كغنج العين، ودلّ كدلِّ الحبيب، ولذّة كلذّة الغِناء، وانقياد كانقياد الذّليل، وتيهٌ كتيه العزيز، وجَمْشٌ كجمش الغانية، ووقارٌ كوقار الشّيخ، وحلاوة كحلاوة العافية، ولينٌ كلين الصّيّب، وأخذٌ كأخذ الخمر، وولوجٌ كولوج النسيم، ووقعٌ كوقع القطر، وريحٌ كريح العِطر، واستواءٌ كاستواء السَّطر، وسبْكٌ كسبك التِّبر، يجمعُ لك بين الصّحة والبهجة والتّمام.
فأما صحته فمن جهة شهادة العقل بالصواب، وأما بهجته فمن جهة جوْهر اللّفظ، واعتدال القسمة، وأما تمامه فمن جهة النّظر الذي يستعير من النفس شغفها، ويستثير من الرُّوح كَلَفها.
وقال: قال أبو الرَّبيع: الكتّاب سبعة: الكامل، والأعزل، والمبهِم، والرِّقاعيّ، والمُخِيل، والمخلّط، والسّكّيت.
فأما الكامل فهو الذي له في الإنشاء والإملاء حظٌّ. والأعزل: الذي يُمْلي ولا يكتب. والمبْهم: الذي يكتُب ولا يُملي. والرقاعيّ: الذي يبلغ في الرِّقاع حاجته، ولا يصلُح لعظم الكتابة؛ والمُخيل: الذي له عارضةٌ وبيان، ورِواية وإنشاء، وتعرُّفٌ بالآداب، ولا طبعَ له في الكتابة؛ وإذا كان عاقلاً صلُح لمنادمة الملوك. والمخلّط: الذي يُرى له في الكتاب الواحد بلاغةٌ جيّدة وفَدامة عجيبة. والسّكّيت: المتخلّف المتبلّد، وربّما جاء بالشيء المحتمل إذا تَعَنَّى فيه.
قلت فمِن أيهم ابنُ عباد؟ قال: هو مُشكِل، لا يجوز أن تهضمه فتضعه في أسفل سافلين، ولا يجوز أن تغلظ فيه فترفعه إلى أعلى عِلِّيِّين، ثم ضَعْه بين هذين أين شئت، على أنه على كلّ حال جبلي.
قلتُ له: قد استمرّ قولك بما لو كان تصنيفاً لك لساغَ، وبقي تمامُه في كلمة هذا وقتُ المسألة عنها ومعرفة الحال فيها.
قال: قُل، فقد استرسلنا في الحديث، وتباثثنا كلّ ضمير.
قلتُ: كيف ترى كتابنا أعني القرآن؟ وأنت رجلٌ قد أشرفت على غاية هذا الباب، واستوعبْتَ جميع ما فيه.
(1/29)
________________________________________
قال: ذاك كلامٌ ليس فيه أثرٌ للصَّنعة، ولا علامة للتكلُّف، وهو كلام منسكب انسكاباً، وجارٍ جرياً يزيد من لُطفه على الطبع، بقدر ما يزيد الطبع على التصنُّع، قليله كثير، وكثيره غزير، ومعناه أقوَم من لفظه، ولفظه أرشق من وزنه، ووزنه أعدل من نظمه، ونظمه أحلى من نثره، ومجموعه أبْهى من مفرّقه، ومُفرّقه أظرف من مجموعه، وبعضه أغرب من كله، وكلّه أعجب من بعضه؛ وهو شيء يستوي تعجّب الجاهل، وتحيُّر العالم، ويستعلي الذهن ويستغرق الفهم، ويحجب الرُّؤية عن الإدراك، ويرُدُّها إلى البديهة في التسليم، وهذا يصحُّ ويبينُ لمن كان ذا أداة تامّة، وعقلٍ ثابت، وعلمٍ غزير، وطبعٍ سجيح، وبصر بالجوهر صحيح، ومعرفة بالصورة والصُّورة، وتمييز بين الحال والحال، ورِفقٍ فيما يزيد البيان عنه، لا يحمّله ما لا يُطيق، ولا يحتمل له ما لا يجب، فيكون في جميع ذلك كالطبيب الحاذق، والنّاصح المُشفِق.
قلت له: إنما يكون هذا كله وما هو عتيد عندك داعياً إلى الإيمان به، والتصديق لصاحبه.
فقال: أتُراني لا أنصح لنفسي في قضاء الحق عنها مجْتلباً للسعادة، كما لا أنصح لها في اقتضاء الحق لها مُكتسِباً للزيادة؟ بلى والله! ولكن وراءَ هذا ما يُشكل ويُعضِل، ويَطول ويُمِلّ.
وكان هذا الرجل ممن يدون كلامه كما يدون كلام ابن هلال الصّابي......... صاحباً له: يا هذا! انفع صاحبك على كل حال وإن ضرّك، وزيّنه زإن عَرَّك، وحسِّن به ظنّك وإن غرّك.
ومما يدلّ على ولوع ابن عبّاد بالسجع ومجاوزة الحدّ فيه بالإفراط قوله يوماً: حدّثني أبو علي ابن باش، وكان من سادة النّاش، جعل السين شِيناَ ومرَّ في الحديث وقال: هذه لُغة. وكذب وكان كَذوباً.
وكان أبو مالك يكتب بين يديه فقال له: إنما أنت خطّ وقطّ فقط. وفتَّت أطرافه بحركاته تخنّثاً وتأنّثاً.
وقال لعبد الله المعلم، وقد أنشده: يا عبد الله! أنت طويل النفس، عتيق القَوْس، شديد المَرس.
وقال الشيخ من خراسان في شيء جَرَى: والله لولا شيء لقطعتك تقطيعاً، وبضَّعتك تبضيعاً، ووزّعتك توزيعاً، ومزّعتك تمزيعاً، وجرّعتك تجريعاً، وأدخلتك في حر أمّك، ثم توقف وقفةً وقال: جميعاً.
ومِلح هذه الحكاية ينتثر في الكتابة، وبهاؤها ينتقص بالرواية دون مشاهدة الحال وسماع اللفظ، وملاحة الشكل في التحرك والتثني، والترنّح والتهادي،ومدّ اليد، وليّ العنق، وهزّ الرأس والأكتاف، واستعمال الأعضاء والمفاصل.
وقلت لابن القصار الفقيه: لو ناظرته، وكان يذهب مذهب القلانسي. فقال: الرجل كلف بالمذهب لا يُفهمك ما يقول استكباراً عليك، ولا يَفهم ما تقول استحقاراً لك.
وطلع عليّ يوماً في داره وأنا قاعد في كسر رواق أكتب له شيئاً قد كادني به، فلما أبصرته قمت قائماً، صاح بحلق مشقوق: اقعد! فالورَّاقون أخسّ من أن يقوموا لنا، فهممت بكلامٍ، فقال لي الزعفراني الشاعر: احتمل فإن الرجل رقيع، فغلب علي الضّحك، واستحال الغيظ تعجُّباً من خفّته وسخفه، لأنه قال هذا وقد لَوى شِدقه وشَمَخ أنفه وأمال عنقه واعترض في انتصابه وانتصب في اعتراضه، وخرج في مَسْك مجنون قد أفلت من دير حَنون. والوصف لا يأتي على كُنه هذه الحال لأن حقائقها لا تدرك إلا باللّحظ، ولا يؤتى عليها باللفظ.
أَ فهذا كلُّه من شمائل الرّؤساء وكلام الكُبراء وسِيرة أهل العقل والرّزانة؟ لا، والله! وتُرباً لمن يقول غير هذا.
وسمعت الخثعمي الكاتب كاتب علي بن كامة يقول: ما رأيت في طول عمري مع عُلوّ سِنّي وكثرة تجارتي تتبُّعي رجلاً أجمع للمخازي والمقابح والرقاعات والجهالات والخساسات والفواحش والخبائث من ابن عبّاد؛ أَفْيَلُ الناس رأياً إذا ارتأَى، وأنكلهم عن الخصم إذا تراءى، وأقلّهم وفاءً لمن جعله الله وليّ نعمته، وأوقحهم وجهاً مع كلّ إنسان، ولأحدهم لساناً بكل خنىً وفحش، وأحسدهم لنظيرٍ ولمن دون النَّظير، وأسعاهم بالفساد على الصغير والكبير، وأخطبهم على الدّين، وأضرّهم للمسلمين، وأفجرهم من بين العالمين، فقلت له: ما الذي يمدُّه على ما هو فيه، وبأي شيءٍ يطرد له ما هو عليه؟
(1/30)
________________________________________
فقال: لم يبق فيمن فوقه من ينتقد، ولا فيمن دونه من يُزاحم؛ قد خلا له الجوّ فهو يبيض ويصفر، ويتمطّى ويبوع، ويقول سبعاً في ثمان؛ لم يذلَّ لأحدٍ وذلَّ له كل مُحتاج، وأمر كل إنسان وما نهاه إنسان، وضَرع إليه كل محتاج، وما احتاج إلى غيره، ونشأَ على البطر والجنون، وعلى الخلاعة والمجون؛ فبهذا وأشباهه فسدت أخلاقه، وساء أدبه، وبذُؤ لسانه، ووقح وجهه، وغلط في نفسه غلطاً شديداً؛ وأُعجب بعربيته إعجاباً بعيداً؛ وهكذا يفسد كل من فقد المخطِّئ له إذا أخطأَ، والموبّخ له إذا أساء، والمقوّم له إذا اعوجّ؛ لا يسمع إلاّ: صدَقَ سيدنا، وأصاب مولانا؛ وماله في الزّمان ثانٍ، ولم يُعْرَف فيمن تقدّم له نظير.
رجل في هذه المملكة الواسعة العريضة على ما ترى من التمكن والاستعلاء، وهو لا يُحصّل شيئاً من خرابها وعمارتها، ولا ينظر في مصلحتها ومفسدتها، ولا يعرف المُختلس منها ولا الضّائع بين الناظرين فيها. أعمال بائرة، وبلادٌ غامرة، وأموال محتجنة، وطمع مستحكم، وضعف غالب وعدوٌّ راصد، ووقت فائت بالفُرَص، وخوف مؤذن بسُوء العاقبة؛ وهو قاعد في صدر مجلسه يقول: قال شيخنا أبو علي وأبو هاشم، تارةً يتقلّس ويتعمّم ويتلحّى ويناظر العامّة؛ هذا البقّال وهذا الخبّاز وهذا الخُلقانيّ وهذا الإسكافَ بالفارسيّة إما بالدَّرية، وإما بالرّزاية وإما بغيرهما؛ ويرى أنه في شيء مهم، وأنه في نشر مذهب ونُصرة دين؛ وتارة يناغي هذا الأمرد، ويعاتب هذا الخادم، وينشد الشعر البارد الذي يُورث الفالج:
أبا يوسفٍ إن العثانين آفة ... على حامِليها فاتخذ لحيةً قصْدا
ولا تَكُ مشغوفاً بسَحْب فضولَها ... ولا تُوِلَها إلا الإبادةَ والحصْدَا
وينشد:
قد استوجَب في الحكم سُليمان بن مختار
بما طوَّل من لحي ... ته التحريق بالنارِ
أو النتفَ أو الجزَّ ... أو النشرَ بمنشارِ
فقَد صارَ بها أَشه ... رَ من رايةِ بيْطَارِ
فإذا أَمَلَّ الشعر قال: قال سعيد بن حُميد لأبي هفّان: إن ضرطتُ عليك لأُبلّغنك إلى فَيْد. فقال أبو هفّان: زدني أخرى تُبلّغني مكة، فإني صرُورة.
أَ تدري يا أبا فلان ما الصَّرورة، وكم لغة فيها، وما أصلُها، وما نظيرتها؟ ويقول: ضرب المتوكّل على قفحة عُبادة فضرط، فقال: ويحك ما هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، خليفة يقرع باب قومٍ فلا يجيبونه؟ ويقول: مَرَّ بعليّ بن الحسين العلويّ رجل عبّاسيّ مأبون، فقال: من هذا؟ فقيل: هذا تيس الجِنّ.
فقال: ينبغي أن يُقال له نَعجة الإنس.
ويقول: جمع مُزَبّد بين قَبحةٍ وصديقها في بيت فتعاتبا، فأراد أن يجامعها فامتنعت وقالت: ليس هذا موضع ذا، فسمعها مُزَبّد فقال: يا زانية فأين موضعه أبين القبْر والمِنبر والله ما بُني هذا البيت إلا من جذْرِ القِحاب، ولا وُزِن ثمن خشبه إلا من أثمان نِعالٍ اختُطِفت في شهر رمضان من المساجد، وما اشتريت أرضه إلا من السّرقة، وما أعرف موضعاً أحقّ بالزّنا فيه منه.
وكان ينشد لابن الحجّاج كلّ سُخف ويستجيده ويُعجب به؛ أنشد له يوماً:
يسائلني محمّد عن أَخيهِ ... وعنهُ وقد بَلوتُهما شديدا
فقلتُ كلاكما جِعسٌ ولكن ... أَخوك، الحقَّ، أَكثَرُ منكَ دُودا
ويقول: امرؤ القيس والنّابغة يقصّران عن هذا الفن.
وينشد أيضاً له:
ومصرّفٍ أَنفاسَ ليثٍ خادِرٍ ... يصْدُرن عن لهواتِ كلبٍ رابضِ
ذي لثّةٍ غرويةِ الريا وذِي ... لحمٍ مُصِلٍّ في لعابٍ حامِضِ
رثِّ الثيات يحز منبته دما ... فكأَنما شَفتاه شفْرَا حائضِ
لم أَدرِ ماذَا قالَ إلا أَنه ... ما زَال يفسو ضِرسُه في عَارضتي
ومن أحاديثه السَّخيفة التي يتنّزه عنها الرؤساء، قال: قدِم أبو فِرعون الأعرابي وكان يسمّى سلمان البصرة، فنظر إلى بعض آل المهلّب على بابه قد فرش له، ووصيفة أدماء كأنها طبية قائمة تذبُّ عنه، فجعل يجمح إليها ويحدّ النظر، فقال له صاحبها أتشتهيها؟ قال: إي والذي خلَقها.
قال: فهل لك أن تكشف عما معك بين يديّ وتنكحها وتنكحها وأنا أنظر؛ فإن فعلت ذلك فهي لك.
(1/31)
________________________________________
فلما ألقاها وأخرج متاعَه كأنه عمود البيت، وبرّك عليها صاح به الناس: زَرّ، زَرّ، فأكثروا عليه، فاستحيا وفتر وولّى هارباً والناس في إثره يصيحون، وأخذ برأس متاعه وقال:
يالك من ايرٍ جُزيتَ شرّا
أَقمتُه حتى إذا اكفَهرّا
واضطَرَبت أَعراقُه ودَرّا
عادَ إليَّ وجهُه مُزْوَرّا
أُرِيد جُوَّا ويريد بَرَّا
كأَنَّه صاحبُ ذنبٍ فرَّا
كأَنما أَلقِم شيئاً مُرّا
وما عليك أَن يُقالَ زرَّا؟
وحدّث أيضاً: قال عُبادة: اختصم الحر والحجر في الجلدة التي بينهما، فكان كل يدّعيها، فتقدّما إلى الاير. فقال ليست لأحدكما.
قالا: فلمن هي؟ قال: هي لي إذا دخلتُ حططتُ عليها رحلي، وإذا خرجت استرحت عندها من كَربي.
وحَكى يوماً عن جحظة قال: كانت لي جارية فحبلت، فقلت لها: يا ملعونة مَن أحبلك! قالت: مَن غرَّقه يا مولاي.
قال: وقيل لعُبادة: لم صار الصَّفع بالقرع على القفا ثقيلاً، وفي الجوف خفيفاً، قال: لأنه ينزل على القفا جملة ويدخُل في الجوف تفاريق.
وكان ديدَنُه السُّخف والخلاعة والمُجون، والرواية عن مُزبّد المدني وأبي الحرث حمين وعُبادة، وجحظة ونَضْلة بن البك ومَن أشبه هؤلاء. وكان يضع أحاديث من الفواحش على بني ثوابة ويرويها عنهم ويَسمُهم بها. وكان القوم مُعاذِين منها، على ما حدّثنا شيوخ جِلّة كرماء لهم دين ومروّة. وكان يتكذّب على اليزيديين وغيرهم. وكان أكثر هذا فيه، وإنما كان يتحدّث بمثله تَبَرُّؤاً ونزاهة، وكان أدنسَ من الخنزير.
ولمثل هذه الخصال كتب إليه أبو راغب، فتىً من آل أبي جعفر العُتبي الوزير بخراسان رسالةً هتكه بها؛ وأنا أرويها لتعلم أني لم أتفرّد بتهجينه والنكير عليه، بل كلّ حُرّ كريم، وكل ديّن مذكور، وكل ذي مروّة ظاهرة معي فيما نثوتُ عنه وكرهته منه؛ فإن لم تعبأ بما تسمع مني فاعبأ بمن لعلّه عندك أشف مني، ولا تتسرع إلى عيبي هذا الرجل بما قد دوّنته حتى تتبيّن الأمر على حقّه وصدقه.
كتب أبو راغب: أصلحك الله أيها الرجل لنفسك، فإنك إذا صلحت لنفسك صلحت لقريبك وبعيدك.
أما بعد فإن بُعد صِيتك بعثَني على تصفُّح شأنك، وتصفُّحي لذلك وقفني على أحوال كرهتها لك، وأنفتُ منها لمن بلغ دَرجتك، والعيب منك مُضاعف، واللّسان فيك جوّال، والحقد عليك سريع؛ ولولا الحال التي أنت عليها من القُدرة والتمكُّن لكان العذر يناضل عنك، والتوبيخ يتبدّد دونك، وما أحسن ما قال شاعر عصْرك في نظمه:
ولك أَرَ في عيوبِ الناسِ شيئاً ... كنقص القادرين عَلَى اللتمامِ
قد خولّك الله ما يفوت ذرع همّتك، وآتاك ما يتجاوز اشتطاطك في حُكمك، من المال والثروة والرياسة والعلم والقوة والمكانة؛ ولم يخصّك بهذا كله بسابقةٍ لك عنده، ولا حقّ لك عليه، بل كلّه تفضُّل في الأول، واختبار في الثاني، وثواب أو عقاب في الثالث.
ولقد شاهدت وسطي في تعرُّف أخبارك، واستعنت كلّ عينٍ وأُذن في معرفة ليلك ونهارك، فلم أجد في تفصيل ذلك إلا ما يعصب برأسك العار، ويحشد عليك أسباب الدّمار، وتكون عاقبتُك منه دخول النار؛ لأنك تظهر القول بالوعيد ثم تركب كلّ بعير كبير، من أخذ المال المحرَّم، واستباحة الحريم المصون، وقتل النّفس المؤمنة، ومُساهمة الفسَقة الفجرة، وخِدمة الظلمة الغَشمة، وتقديم أهل المُجون والعيارة، وفي عُشر هذا سقوط المروّة، والإنسلاخ من الديانة.
فيا أيها المُدِلُّ بالتّوحيد والعدل أَ هذا كله في مذهبك أو في مذاهب أسلافك؟ مثل واصِل بن عطاء وعَمرو بن عُبيد، وأبي موسى المُرْدار، والجعفَرين؟ أما كانوا - مع بِدعتهم التي شانوا بها وجه الإسلام، وكادوا بها أهله - مجتهدين في غير ما أنت به راضٍ لنفسك ومُصرٌّ عليه باغترارك؟ إن الله لا يخادع، ولا منجاة للعبد إلا بالطاعة الخالصة، والتوبة النّصوح؛ هذا إذا كان الإيمان ساكن صدره والخوف من الله متردداً في أقطار فكره، واليقين بالمعاد عمود دينه، والعلم بالجزاء راسخاً في فؤاده؛ فأمّا إذا كان عارياً من هذا كله فهو الكافر بعينه الذي سمعت به، وعاقبة الكافرين (جَهنَّمَّ يَصْلَوْنَها وبِئسَ الْمَصِيرُ).
(1/32)
________________________________________
والله ما حركتني لنبذ هذا الكلام إليك حِيبةٌ عليك؛ لأني لم أنتجِعك، ولم أطمع في مالك، ولا عرفت وجهي، ولا سمعت باسمي، لكن أبت نفسي أن تقرّ على الجهل بحالك، وبِدُخلة ما يكون أمثالك، فآثرتُ نصيحتك؛ فإن النّبي صلى الله عليه قال: " الدِّين النَّصِيحة " . وما أخوفني أن تكون جرأتك على هَتك حُرُمات الدين، ومُعارضة الصالحين، مع العكوفة على الخُسران المبين، إنما قَويت ورَبت لأنك شارد على ربك، نافر من دين نبيّك، مُدَّع له بلسانك، شاكٌّ فيه بفؤادك، مُتعجّب ممّن له إخلاص، أو له بالدَّينونة اختصاص؛والويل لك إن كنت بهذا قانعاً من نفسك في الحال الأُولى، ثم الويل لك مع الثُّبور إن كنت جاهلاً بما عليك في الحال الأخرى.
حدّثني أي أمرٍ أنت فيه على رشد، وآخذ منه باحتياط؟ أما أنت عليه مع الغلمان المُرْد الجُرد؟ أم ما أنت مشهور به من المجانة والسُخف؟ ثم تدّعي الإطعام للخاصّ والعام، وقد شاهدنا فوجدنا على بابك قوماً يضربون بالمقارع وجوه الناس، ويُحطُّون على رؤوسهم العذاب، طرداً لهم وإبعاداً، أَ فَما هذا بأمرك وعينك وأُذنك؟ فلِم تتكلّف ما لا تُقرّ به؟ ولِمَ تدّعي مالا تسلم فيه؟ لقد وقفنا عياناً من استخفافك بالأحرار، ووضعك من ذوي الأقدار، وكُفرك بوليّ نعمتك، وتعرّيك من كل شبهة في أمرك، ما لو تنفَّسنا به بين الناس، أو رسمناه بالقلم بالقرطاس، لكان ذلك زائداً على تمرّد فرعون، وكفر أبي جهل وجُرأة ديك الجن.
لقد قيسَتْ مروّتك إلى مروات قوم قُرفوا بالزندقة فوُجدت مروّاتهم فوق ديانتك، ولقد رأينا قوماً لم يتحلّوا بالدعوى تحلّيك استنفدوا قوتهم في طلب مرضاة مؤمِّليهم ومُنتجعي قطْرهم، وبلغوا من ذلك المبالغ. وأنت مع تمكّنك ويسارك لم تسمح من الشاة بظلفها، ثم ملأت الدنيا بَقْباقاً بالامتنان على الصغير والكبير، كأنك خالق الخلق وباسط الرزق. انظر أيها الرجل أي آخر سوءٍ لك؛ والله إنك شديد الثقة، وقد قيل: رب واثق خَجِل. أيها الرجل!
ما طار طَير فارتَفَعْ ... إلاّ كما طار وقَعْ
أما تعتبر بما آل إليه أمر ذي الكفايتين مع ذلك البأو والخُنزُرانة؟ أما رأيت بعينك في هذه السنين ما يحدوك على الأخذ بالوثيقة لنفسك؟ وكف اليد عن كثير مما يوتغ دينك، ويهشم أنف مُروتك، ويقطع عرق أُبوتك، ويهيج الألسنة على تبكيتك، ويبسط الأيدي في الدعاء عليك، ويحشو القلوب في الدعاء عليك، ويحشو القلوب تمنِّي زوال دولتك.
فاتَّعظ بقول الشاعر:
يا أيها الباغِي عَلَى الأَحرار ... ثقةً بلِين مَقادَة الأَقدارِ
لا تَغْتَررْ بمدىً تَطاولَ حينُه ... فالظلْمُ يُقصِر من خُطى الأَعمارِ
والعيشُ نَهْلةُ واردٍ ولَرُبَّما ... سُدَّت عليه مَدارجُ الإِصدارِ
وأختم قولي هذا بما قال بعض السّلف لأصحابه، قال: أُحذِّركم الدُّنيا وأُخوّفكم يوم التَّناد، يوم لا يُعرف لخيرٍ أَمَدٌ، ولا ينقطع لشرٍّ أمد، ولا يعتصم من الله أحد.
وأرجو أن تسمع ما صدقت القول فيه بانتصاح، وتعرف ما تؤتيه بارتياح، والسلام.
قال: ويقول أيضاً: قال أبو العيناء لحجّاج الكاتب: ابنك في أي شيء هو من النّحو؟ قال: هو في باب الفاعل والمفعول. قال: هو إذن في باب والدَيه.
ويقول: قيل لأعرابي: اشترى الأمير سراويل من فَنَك. قال: التقى الثوبان.
ويُنشد:
شيخٌ لنا يُعرَفُ بالخُلْدِي ... يُريده في غلظ المُردِي
أَدْخَلنِي يوماً إلى دارِه ... فناكَني والايرُ من عندي
قال الخثعمي: وهو في هذا اكله على نَزَق فيه شديد، وقهقهة عالية، وتفكُّك قبيح، وسيَلان مُنكر، وشمائل مندثرة.
الويلُ له! هلاّ ترك هذه السخافات والحماقات على قومٍ يليق بهم هذا النّمط، وأقبل على الدّولة فنظم مختلّها، وسدّد التي ليس لها محصول.
يا قوم! أيُّ دينٍ يصحّ له وقد قتل آل العميد؟ وأي وفاءٍ يسلم له وقد سمّ أولاد بُويه الذي هو وليّ نعمته، وحافظ مُهجته، وباسط يديه، وبه نال ما نال، وبلغ ما بلغ؟ وأيّ مُروّة تبقى له، وهو يمنّ بالقليل إذا أعطى؟ وأي كرم يُعتقد فيه، وهو يَغُرّ الآمل ويسحبه على الوعد حتى إذا انتهى فقراً أو ضجراً حرمه حرماناً يابساً، ورده ردّاً مُرّاً، وأعطاه شيئاً قليلاً وقحاً؟
(1/33)
________________________________________
وهل تجد فيمن تقدّم عنده ونفق عليه غير ابن المنجّم وهو يعبث بلحيته وهامته؛ ويسخر منه ويضحك به؛ ويعمل له الشعر في النّوروز والمهرجان وغيرهما، ويسمعه في هيئة يوم المحفل، ويطرب على إنشاده ويقول: ما أحسن شعرك! وما أسلسَ طبعك! ويُطيعه على ذاك، ويتقدّم إليه بالقيادة وبكل ما لا يُجيزه الدين والمروة؛ وكذلك ابنُ نجم الآخر أبو محمد جِبسٌ جاهل صلِف،وسبيله وحديثه أو يقول: وردتُ على مولانا الصاحب، وأنا كالبدر إذا طلع، فعشِقني وعشق عِذاري وهام بسببي ورُزِقتُ منه، وخففت على قلبه، وحظِيت عنده، وكان يُعجبه منّي ما لا يجوز التحدّث به.
وصدق الخثعمي في هذا كله؛ كان أبو محمد يقول ما هو أكبر مما قال، وكان مع ذلك في مَسك كلبٍ خِسّةً ولؤماً وطمعاً؛ رأيته يوماً وقد كتب لإنسانٍ كتاباً بمكنسةٍ أخذها منه وجعلها في كُمّه.
وقضى لآخر حاجةً بعشر باذنجانات، والباذنجان إذ ذاك بالريّ مائة بدانق.
وقال أيضاً الخثعمي: وهل يتقدّم عنده إلا هؤلاء الهُوج الطَّغام الذين يجوبون الدنيا، ويدخلون كل ميدان، ويسخرون منه فيقولون: فعَل مولانا، وكان مولانا، وما رأينا مثل مولانا؛ وإن رأى مولانا أمكننا من نسْخ رسائله وكَتْبِ ألفاظه، فإذا سمع هذا وأشباهه ماعَ وسال وترَجْرَج وذابَ وأعطى عليه وجاد.
وقال أيضاً: كيف يُدَّعى له التَّبريز في كل علم وهو لا يعرف النحو إلاّ ما جلّ منه، ومن الكلام إلا ما وضح؛ ثم هو في اللّغة على تصحيفٍ شديد، وتخليط كثير، وفي الأخبار على تمويهٍ لا يخفى على مُميّز؛ وقد أفسد رسائله بطريقة المتكلّمين، وأفسد طريقة المتكلّمين بطريقة الكُتّاب، وكذلك النّحو واللغة والحديث، وهذا وصفٌ لا يدفعه إلا مُكابر.
وصدقَ هذا الشيخ، فإني رأيت ابن ثابت البغدادي المحدّث، وقد سأله عشيةَ يومٍ عن قول النبي صلّى الله عليه: " قَوِّموا صُفُوفَكم فَتراصُّوا، لاَ تَتخلَّلكم الشياطين كأنّها بَناتُ الحذَف " : ما الحذف؟ فلم يُجبه وقال: سأقول لك، وأخذَ في حديث آخر.
قال الخثعمي: وهو مع هذا كلّه يكذب صُراحاً في كل شيء، يقول: كان عندنا معلّم، وسُئل عن " يوسف " أَ ذكر هو أم أُنثى؟ فقال: " يُوسف " يُذكَّر ويؤنَّث، ألا ترى إلى قول الله عزّ وجلّ: (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا)، ثم قال: (وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ)، وقد اجتمعت له العلامتان.
واكن هذا ينسبه إلى إنسان معروف بالأدب، ولكنه كان يُحمّق ابن عبّاد وينُث مخازيه، فكان هذا يضعُ عليه نوادر باردة.
قال: ويقول: دخلت بغداد فلقيت أبا سعيد السِّيرافي، وعليّ بن عيسى، والمَراغيّ؛ وناظرتُ المراغيّ في " عَسَى " و " لعلّ " و " كاد " وغير ذلك فأبرزتُ وذُكرت، وأشير إليّ بالأصابع، وفسح لي في المجامع؛ وكذلك ناظرتُ فلاناً وفلاناً، وأفدتهم أكثر مّما استفدتُ منهم.
وسألت أنا أبا سعيدٍ عن هذا فقال:سُبحان الله! وسكت استعظاماً لهذا الحديث ونفياً له. وهو كما أومأ إليه.
وقلتُ للمراغي: أ كان لهذا الحديث أصلٌ فقال: لا، والله.
وقال الخثعمي: وهل يدلّ ولوعه بالعَروض إلا على سوء الطبع وقلّة التأتّي؟ وكان أخذها عن البديهي، وإنما ردؤ شعر البديهيّ أيضاً لمثل هذا، وبلغ من جنونه عليها أعني العَروض أنه كان يُلقيها على كل إنسان، ويطالب به كلّ شاعر وكاتب، حتى أخذ في هذه الأيام يلقّن غُلاماً تركياً وآخر قُوهياً وآخر زنجياً؛ وكان يُظهر بهذا وما أشبهه الحذقَ والبراعة والتخريج.
ثم ينظر في كتاب " الفصيح " ، " ومختصر " الجَرْمي، ويقول: ما رأيتُ كاتباً يُخطئ إلا من هذا، ولا يَلحَن إلا من هذا. وهذا - حفظك الله - منه مُغالط، إن الكاتب قد يُخطئ من غيرهما أيضاً، وهو ذاك المُخطئ المحرِّف إذا وزنتَ كلامه بالقسطاس، واعتبرته بالقياس على ما أوضحه العلماء والنحويون، قال: ومَن أرادَ ذلك بيّنتُ له، فليس الباب دونه مُغلقاً ولا الطريق إليه مُتعسَّفاً.
ثم قال الخثعمي: وهل مَداره إلا على السُّخف والجَبَه والمكابرة والبَهت، يقول فيمن هو أكتب منه وأعَفُّ وأَسرَى:
حجر أَبي نَصْرِ بن كوشاد ... أَوسعُ من مصرَ وبَغدادِ
قلتُ له: هل لك في فَيشَةٍ ... فقال مولايَ وأُسْتاذِي
أَ فهذه مخايل ذوي الأقدار والرياسة؟ أم مخايل أصحاب الرَّعاع والسفلة؟
(1/34)
________________________________________
وهل شاع القول بتكافؤ الأدلة في هذه الناحية إلا به؟ وكثرا المِراءُ والدل والشّكّ إلا في أيامه، لأنه منع أهل القصص من القصص والذكر والزّجر والمواعظ والرقائق، ومنع من رواية الحديث - وقال: " الحديث " حشو - وتفسير القرآن، ونشر التأويل، وسماع قول الصحابة والتّابعين، وما يُعنَى بين الحلال والحرام، ويتعلّق بجلائل الأحكام، وطَرَدَهم ونَفاهم؛ منهم: ابن فارس، والرُّويانيّ، وابن بابَوَيه، وابن العطّار، وابن شاذان، والبَلخيّ، وفلان وفلان؛ وأجلس النجّار يخدع الديلم بالزّيدية، وزعم أنه على مقالة زيد بن عليّ ورأيه ودينه ومذهبه، وزيدٌ يعلم الله - بريءٌ منه، لفسقه وفجوره وتهتُّكه وظُلمه وغَصْبه ونهْبه وقتْله النفس المحّرمة، وأخذه الأموال المحظورة. أتُرانا لا نعرف مذهبَ زيد، وأن جميع ما هو فيه مخالف للدين والإسلام.
وقال الخثعمي: زعم أنه إنما منَع المذكّرين والقُصّاص لئلا يفشو الحشو والتشبيه ولِئلا يُنشِّئوا عليه الصغير والكبير، فهلاّ منع من الكلام والجدل لئلا يفشو الإلحاد، ولا تكثر الشُّبه؟ ثم يجلس لأصحاب الحديث، ويروي ويُفسل ويكذب ويختلق الإسناد ويبتِك المتن. فأي عيبٍ لم يظهر به ولم يغلب عليه؟ وأيّ خِزْيٍ لم يبن ولم يكثر؟ وأي فعلٍ سيءٍ لا فعله؟ أَ ليس هو سبب كل قبيحة، وفاتح كل باب شرّ؟ فما هذا الغلط فيه؟ وما هذا التعصّب له؟ وما هذا اللّجاجُ بسببه؟ أَ من العدل الذي يُدل به في مذهبه أن يجور ويغصب، ويقتل؟ أم من التديُّن ب " التوحيد " أن يركب الفاحش ويأتي القاذورات؟ ويخلو بالأُبَن والسوءات؟ ويتسنّم الكبائر المبيرات؟ ثم يبني داراً يسمّيها دار التوبة استهزاءً وسخرية وسُخْنَةَ عين؟ أم من المعروف أن يتعاطى كل منكرٍ قولاً وفعلاً؟ إني لأظن أن من ينصر هذا الرجل لأَعمى أصمّ قد أسلمه الله من يده، وألجأه إلى الشيطان قرينه.
أم من العقل والمروّة والكرم والفتوة أن يقول: أين مائدتنا من مائدة مطرّف؟ يعني أبا نصر مطرف بن أحمد وزير مرداويج الجبلي، وكان أكرم الناس؛ ومن مائدة المهلبي؟ ومن مائدة ابن العميد؟ وأين طعامنا من طعامه؟ وأين إطعامنا من إطعامه؟ وكان أبو الفضل سيّداً، ولكن لم يشُقُّ غبارنا، ولا أَدرك شِوارنا، ولا مسح عذارنا، ولا عرف عَرارنا لا في علم الدين، ولا فيما يرجع إلى منافع المسلمين. فأما ابنه فقد عرفتم قدره في هذا وفي غيره؛ طيَّاش قلاّش، ليس عنده إلا قاش وقماش، مثل ابن عياش والهروي والحواش.
يا قوم! هذا كلام من له عقل ويرجع إلى رزانة؟ ثم يقول في مجلسه: أنا الذُّعاف لمن حساني، والجُراف لمن عصاني، والجُحاف لمن عَناني أو حرّك عِناني؛ أَخْمصي فوق هامة الدّهر، أين ابنُ الزيّات منّا؟ أين ابن خاقان من غُلامنا، يعني أبا العياس الضّبي، ومن عليُّ بن عيسى الحشوي، ومن ابن الفرات الأرعن، ومن ابن مُقلة الخطّاط، ومن الحسن بن وهب الضرّاط؟ هل كانوا إلاّ دوننا إذا ذُكرت سيادتنا، وشوهدت سعادتنا. وُلدت والشِّعرى في طالعي، ولولا دقيقة لأدركتُ النبوّة، وقد أدركت النبوّة إذ قُمت بالذّبّ عنها والنُّصرة لها؛ فمن ذا يجارينا ويُمارينا ويبارينا ويُهادينا ويُضارينا ويُسارينا ويُشارينا؟ وكاد الخثعمي لا يقطع هذا المجلس لطول ما مرّ فيه، وشِدّة ما أهمّه منه.
فهذا كما ترى.
وقلتُ للمسيبي يوماً: لم انقطعت عن هذا الرجل، وقد كان مُحسناً إليك، مُقدِّماً لك، مُعجباً بك؟ فقال: الصَّبر على الرَّقاعة مُعوز، ومُكاذبة النّفس وخِداع العقل من الكلَف الشاقة والأمور الصّعبة، ولَعَن الله الرّغيف إذا لم يصب إلا بضَعَة النّفس، وغضاضة القدر، وكدّ الروح، ومفارقة الأدب الحسن، ودَنس العِرض النَّقي، وتمزيق الدّين المعتَقَد، وكسب الزّور المُحبِط، وإزالة المروّة المخدومة؛ وإني لَكما قال الشاعر:
وإِني عَلَى عُدْمي لَصاحِبُ هِمّةٍ ... لها مذهَبٌ بين المَجَرَّة والنَّسْرِ
وإِنَّ امرءاً دُنْياهُ اَكبَر هَمِّهِ ... لَمسْتمسِكٌ منها بحَبْل غُرورِ
وسمعته يقول لابن ثابت: جعلك الله ممّن إذا خَرئ شطَّر، وإذا بالَ قطّر، وإذا فَسَا غَبَّر، وإذا ضَرط كبَّر، وإذا عَفَج عَبّر.
(1/35)
________________________________________
وهذا سُخف لا يليق بأصحاب الفُرضة، والذين نشؤوا بالمزرفة، واختلفوا إلى الخندق ودار بانُوكَه والزبد والخُلْد.
وسمعته يقول: أنشدني صِقلاب، وابنُ باب، وقرأتُ على ابن البوّاب، وسمعت من ابن الحُباب، ورويتُ لأبي المرتاب الدّباب كلّ شيءٍ عُجاب.
ولقد تحيّر المهلّبي منّي، وعرف مُعِزّ الدولة فضْلي وأدبي وأكبر قدري، وبلغ الحدّ الأقصى في أمري.
وأنشدني أو دُلَف الخَزْرَجيّ عندما رأى من كلَفه بالمذهب وإفراطه في التعصُّب:
يا بن عَبّادِ بنِ عَبّا ... سِ بنِ عبْد الله خُذْها
تُنكِر الجَبْرَ وقَد أُخْ ... رِجْتَ لِلْعَالَم كُرْها
وكان إذا نشط واهتزّ لا يُسمع منه إلا حديث عُبادة وجَحْشَويه وأمثال هؤلاء.
وكان يضع على بني ثوابة كلَّ حِكاية غَثَّةٍ فاحشةٍ؛ وكان إذا أراد أن ينفي عن نفسه ما يُقرف به، قال: قيل لقاضي الفتيان: نيك الرّجال ريبة. فقال: هذا من أراجيف الزُّناة.
وقيل لابن ماسَوَيْه: الباقلَّى مقشورةً أصحُّ في الجوف.
فقال: هذا من طِبّ الجِياع.
وقيل للُوطي: إن اللّواط إذا استحكم صار حُلاقاً قال: هذا من توليد أصحاب القِحاب.
فأما الذي يدلّ على كلام المُبرسَمين والمجانين ومن قد شُهر بالصَّرع والماليخوُليا فما سمعته يقول لشيخٍ خُراساني قد دَعَا به وأكرمَه وتوفّر له وكلَّمه؛ فسمعته يقول: ما يجب أن يكون لا يقتضي، وما يكون منه لا يجب أن يكون، وقد يجب أن يكون ما يكون، ويكون ما يجب أن لا يكون، وإنما لا يكون ما يجب أن يكون، ويكون ما يجب أن لا يكون؛ لأن ما لا يجب أن يكون ليس في وزن ما يكون، والكون والوجوب لا يتلازمان، بل يجتمعان ثم يفترقان، والاجتماع والافتراق عليهما جاريان؛ فلهذا يُرى الواجب كائناً والكائن واجباً، وما أكثر من يظنّ أن الكون متضمّن الوجوب، والوُجوب متضمّن الكون، وتحصيل الفَضْل بينهما بالنّظر من سِحر العقل.
وهذا فنٌ لم أجد فيه لمشايخنا شوطاً محموداً، ولعلي أُملي فيه كلاماً بسيطاً بجميع ما يكون شرحاً له إن شاء الله.
فلما خرجنا قلتُ للشيخ الخراساني، وقد أخذنا في المؤانسة وتجاذينا أطراف الحديث كما قال الشاعر:
أَخذْنا بأَطرافِ الأَحادِيث بينَنَا ... وسَالَتْ بأَعْناقِ الْمَطِيِّ الأَباطحُ
كيف سمعت الليلة ذلك الكلام في الكون والإيجاب؟ فقال: يا حبيبي! إما أن يكون هذا الرجل مرحوماً في أيديكم أو تكونوا مرحومين في يده. أما في بلدكم مارستان؟ أما للسلطان شفقة على هذا الإنسان، أما له من يأخذ بيده وينصح له في نفسه ويكسح هذا الجزء من عقله، إنا لله وإنا إليه راجعون؛ غُمَّ عليّ باسمه عندنا بخُراسان، وطُنِزَ بنا به في تلك البلدان، وقد كان، والله، يلوحُ خلل كبير لقوم من أهل العقل والأدب والحِكمة من رسائله ورِقاعه، وكانوا يحملون الذّنب على الورّاقين.
وقال يوماً آخر لابن القطّن أبي الحسن الفقيه المتكلّم: أيها الشيخ أنت على الحقّ؟ قال: نعم.
قال: واللهُ الحقّ؟ قال: نعم.
قال: فأنت على الله.
فقال القصّار: الحمد لله على سرعة هذا الانقطاع، وسُطوه هذا البُرهان، ولُزوم هذا الحكم.
فلما خرج قلنا له: هلاّ فصّلت أيها الشيخ وقد عرّض بك، وتضاحك عند الإشارة إليك؟ فقال: وما مُنا قَلتي رجلاً لو كان في المارستان مغلولاً لكنت لا آمن جانبه إذا كلّمته، فكيف وهو مُطلق مطاع، ونعوذ بالله من مجنون قادر مُطاع، كما نعوذ به من عاقل ضعيفٍ مَعْصيّ؛ ثم قال: وهذا الكلام من صاحبه سوء أدب، وضعف عقل، وجَسارة نفس، واجتلاب مقت، وقلّة دين؛ إن الحقَّ الحقّ اسمان يقعان بالاشتراك في اللّفظ على معنيين مُختلفين، وأنا على الحق، ولكن الحق الذي ضدّه الباطل، ولستُ على الحق الذي لا ضدّ له؛ والحقّ يُطلق على الله ويُراد أنه محقِّق، والحق يُطلق على ما عداه ويُراد به أنه محقَّق؛ والله الحق المُحِقُّ المحقِّقُ، وما جاوزه فهو الحق المُحقّ المُحقَّق؛ وإذا قيل في وجهٍ آخر: الله محقَّق فالمراد به غير هذا، لأنه يُراد به أنه مُثبت موجود، ومعتَقَد مشهود له بالوحدة والقدرة والحِكمة والمشيئة.
وحدّثنا ابن عباد يوماً قال:
(1/36)
________________________________________
ما قطعني إلا شابٌّ ورَد علينا أصبهان من بغداذ، فقصدني فأذنت له، وكان عليه مُرقَّعة، وفي رجله نعل طاق. فنظرت إلى حاجبي، فقال له، وهو يصعد إليَّ: اخلع نعلك، قال: ولم؟ ولعلّي أحتاج إليها بعد ساعة، فغلبني الضحك وقلت: أَ تُراه يريد أن يصفعني بها.
وقال لي علي بن الحسن الكاتب: هجرني في هذه الأيام هجراً أضرَّ بي، وكشف مستور حالي، وذهب عليَّ أمري، ولم أهتد إلى وجه حيلةٍ في مصلحتي، وورد المهرجان فدخلت عليه في غمار الناس، فلما أنشد يونس تقدّمتُ وأنشدتُ، فلم يهشّ لي ولم ينظر إليّ، وكنت ضمَّنتُ أبياتي بيتاً له من قصيدة على رويّ قصيدتي، فلما مرّ به هذا البيت هبّ من كسله ونظر إليّ كالمنكر عليّ، فطأطأتُ رأسي، وقلتُ بصوتٍ خفيض: لا تلم، ولا تزد في القُرحة، فما عليّ محمل؛ وإنما سرقتُ هذا البيت من قافيتك لأُزيّن بها قافيتي، وأنت بحمد الله تجود بكل عِلقٍ ثمين، وتهب كل جوهرٍ مكنون، أَ تُراك تُشاحُّني على هذا القدر، وتفضحني في هذا المشهد؟ فرفع رأسه وصوته وقال: يا بُني أعد هذا البيت. فأعدته، فقال: طنَّانٌ والله! يا هذا! ارجع إلى أول قصيدتك، فقد سهونا عنك، وطارَ الفكرُ بنا في شيءٍ آخر؛ والدُّنيا مَشغلة، وصار ذلك ظلماً لك لا عن قصدٍ منا ولا تعمُّد.
قال: فأعدتها وأمررتها وأطربتُ بإنشادها، وفَغَرتُ فمي بقوافيها؛ فلما بلغت آخرها قال: الزَم هذا الفنّ فإنه حسن الدِّيباجة، وكأنَّ البُحتريّ قد استخلفك، وأكْثُر بحضرتنا وارتفِع بخِدمتنا، وابذُل نفسك في طاعتنا نكُن من وراء مصالحك بأداء حقّك والجذْب بضبعِك، والزيادة في قدرك على أقرانك.
قال: فلم أرَ بعد ذلك لا الخير، حتى عراه ملل آخر، فعاد إلى عادته، ثم وضعني في الحبسِ سنة، وجمَع كتبي وأحرقها بالنار، وفيها كتب الفرّاء والكسائي، ومصاحف القرآن، وأصول كثيرة في الفقه والكلام، فلم يميّزها من كتب الأوائل، وأمر بطرح النّار فيها من غير تثبّت، لفَرط جهله وشدّة نزقه.
أَ فهذا يا قوم من سيرة أهل الدين، أو أخلاق ذوي الرياسة، أو من جنس ما يُعتاد ممن له عقل أو تماسك؟ وهَلاّ طرح النار في خزانة كتبه على قياس هذا؟ فإن فيها كتب ابن الرَّوَندي، وكلام ابن أبي العَوجاء في مُعارضة القرآن بزعمه، وصالح بن عبد القُدُّوس، وأبي سعيد الحصيري مع غيره من كتب أرسطا طاليس وأشباهه. ولكن من شاء حَمّق نفسه.
كان الأقطع المنشد الكوفي يقول كثيراً: لو لم تستدلّ على جنون هذا الرّجل وقلّة دينه وضعف عقله إلا بنفاقي عليه لكفى؛ لأني رجل قُطعت في اللّصوصية، فما قولُك في لصٍ مقامر؟ أقودُ وأَلوط وأَزني وأنمُّ وأضرِب، وليس عندي من خيرات الدُّنيا شيء؛ لأني لا أُصلي ولا أصوم، ولا أُزكّي ولا أحُجّ، ونشأتُ في المساطب والشطوط والفُرض والمواخير، ومشيت مع البطّالين سنين وسنين، وجرحت وخنقت وطررت ونقبت وقتلت وسلبت وكذبت وكفرت وشربت وسكرت وشابكت وساكنت وماحكت ودامكت. ولم يبق في الدنيا منكر إلا أتيت، ولا خَنَى إلا ركبت؛ وهو على هذا يُغريبي ويلجّ معي ويؤذيني ويمنعني من الرّجوع إلى بيتي وامرأتي، قد حبسني في داره هكذا، فإذا اغتلمت جلدت عُميرة ضرورة.
وصدق هذا الشيخ، كذا كان مذهبه، وعليه شاخ، ولكنّ ابن عبّاد كان يتعلم منه كلام المُكَدِّين، ومُناغاة الشحّاذين، وعبارة المقامرين ومن يصرّ في اللعب بالكعبتين، ويضجر ويكفر وينخر ويشقّ المِئزر، ويبزق في الجوّ؛ وكان لا يجد هذا عند أحدٍ كما يجده عنده، فلذلك كان يتمسك به.
وكان الكوفي هذا، مع ما وصفناه، طيّباً مليحاً نظيفاً فصيحاً، وهو الذي حدثنا عن بعض أصحابه في المسطبة.
قال: قلنا له: إنك تُحب الطِّيب، وتلهج بالنكاح وتُفرط.
قال: فقال لنا: والله ما أقتدي في هذا إلا بنبيّنا صلى الله عليه، فأنه قال: " حُبِّب إليَّ من دنياكم ثلاثة الطِّيب والنّسَاء " .
قال: فقلنا له: ففي الخبر: " وجُعلت قُرَّةُ عيني في الصلاة " وأنت لا تُصلّي أصلاً.
فقال: يا حمقى لو صلّيت لكنت نبياً، وقد قال صلى الله عليه: " لا نبيَّ بَعْدي " .
ورأيتُ الأقطع هذا واقفاً بين يدي ابن عبّاد في صحن الدار، وذاك أيضاً واقف، فطلع أبو صالح الورّاق، فقال ابن عباد حين نظر إليه وإلى لحيته المسرّحة:
ولحيةٍ كأنّها القِباطِي
فقال الأقطع بلاّ وقفة:
(1/37)
________________________________________
جعَلتُها وقفاً عَلَى ضراطي
وكان أبو صالح هذا يقول: أنا من ولد محمد بن يزداد الوزير.
وكان ابن عبّاد يطالب الأقطع بأن يحفظ قصائده في أهل البيت ويُنشدها الناس على مَذهب النَّوْح، وكان يُعطيه على كل بيت درهماً، وإذا لم يُحكِم ضربه لكلّ بيت ضربةً بعصاً عَجْراء. فكان الأقطع المسكين كلّ يوم يُضرب.
فقلت له: من كلفك الصبر على هذا الضرب؟ احفظ كما كُنت تحفظ واربح الدّراهم، وتخلّص من الألم.
فقال: والله لو ضربني بكلّ عصاً في الأرض كان أخفّ عليّ من حفظ شعره الغَثّ، وإنشاد قافيته الباردة، والله وإن شعره في أهل البيت خِراء. فهذا قوله.
وكان لا يدع الأقطع لينصرف إلى منزله، وكان يشكو الشبق، وكانت امرأته تأتيه في كل قليل إلى دهليز الباب وتُغيّر ثيابه، وتُصلح أمره، وتحدّثه وتنصرف بشيء معه قد جمعه فصادف الأقطع يوماً الدهليز خالياً، وكانت الهاجرة منعت من الحركة، فراودها وطرحها في المكان المُتَخطّى وتقمّمها وأخذ في عمله، فرمقه بعض السِّتريين فعَدا ورَفَع الحديث إلى ابن عباد، وذكر الحال والصورة، فهاج من مقيله البارد ومكانه الظليل، وحَشيته التي قد استلقى عليها، حاسِراً حافياً، قد جعل طرف كمه على رأسه بلا سراويل، ولَقَط قدمه لقطاً حتى وقف على الأقطع وهو يكوم يُولج ويُخرج ويرهز ذاهب العقل.
فقال له: يا أقطع ويلك يا ابن الزّانية إِيش هذا في داري!؟ فقال: أيها الصاحب! اذهب ليس هذا موضع النظارة، هذه امرأتي بشهود وعُدول وعقد وقبالة، اذهب اذهب، يَهذي ولا يعقل حتى أفرَغَ، وسيّدي على رأسه يضحك ويصفّق ويرقص. ثم أخذ بيده على تلك الحال، وهو يشد تكَّتَه، وابنُ عباد يُعينه، وأدخله إلى مقيلة يعاتبه ويسأله عن العمل والحال؟ وكيف استطابه وكيف هاج؟ ثم خلع عليه، ووَهب لامرأته ثياباً وطيباً.
أَ فهذا من المروّة والفضيلة وأدب الرياسة وآيين الوزارة؟ أَ هكذا كانت البرامكة وهو لا يرضاهم؟ أم هكذا كان حامد بن العباس، والعباس بن الحسن، وآل الفرات، وآل الجرّاح، وهو لا يزنهم بشيء فيمن تأخّر؟ إن من يستحسن هذا وأمثاله، ويعذر أهله في الرياسة والجلالة لَضعيف النَّحيزة سليب المروّة؛ وإن من ينظر هذا وشبهه لصفيق الوجه قليل المعرفة.
وقال لابن الزيّات المتكلّم يوماً في مناظرته: لا تعبثْ بلحيتك.
فقال ابن الزيّات: وما عليك منها؟ هي لحيتي.
قال: أنا سلطان.
قال: أَ في عهدك النظر في لحيتي؟ قال أصحابنا: بل قال له: أنا سلطان، وإذا خرجتَ من عندي ولحيتك على غير الشكل الذي دخلت عليّ به ظنَّ الناس أني ظلمتك فيها عند المناظرة والخلاف، وأنا أحب صيانتك وصيانتي عند الناس بسببك.
وقلتُ لابن الزيّات ببغداد: كيف رأيت ابن عبّاد؟ قال: هو كالحِر، لا يرجع إليه من خرج منه.
وقلت للجيلوهي الشاعر، وكان شيخاً له تجربة ومعرفة بأيام الناس ومَشاهَدة: حدِّثني عن ابن عباد.
قال: مغرور من نفسه لمواتاة جده، وتصديق ذوي الأطماع في جميع دعواه، وما أحوجه إلى إنصاف الناس من نفسه بأحد شيئين: إما بأن لا يدّعي الكمال، أو بأن لا يُبكِّت الرجال؛ فلا هو بريءٌ من النّقص، ولا هو غير مُستحق للتَّبكيت؛ وليس من لا يمكن أن يواجه بالنقص الذي فيه وبالتوّبيخ الذي يستحقه على فعله، ليدٍ له في السلطان قوية، وشمسٍ له في الدولة طالعة - ينبغي أن يركب هاك الناس ويأكلهم بلسانه؛ فريح الدولة قد تركُد، والضَّعف يزول، والحَشَم يتحوّل، وقد يُقال وراء ظهره ما يُربي على ما هو عليه، ولو قصر يده على فضله الذي له لم تَشَلَّ، ولو وقف قدمه عند غايته لم تزل، ولكنه يجري طلقاً ثم يكبو، وينصلت للقراع ثم ينبو، ويتطاول إلى ما لا يناله ثم يخبو؛ وهذا طريق الجاهلين المغترين.
ثم قال: والكذب من آفاته، وهو خُلق يَعرُّ المروّة ويشين الديانة، ويسقط الهيبة، ويجلب الخِزي، ويستدعي المقت، ويقرّب الموت؛ وقلّ من لهج به إلا كان حتفه فيه، وما رُئي شيء أمحَى لنضارة الوجه ولبهجة العلم ولزينة البيان منه.
قال: وعلى ذلك فما رأيت رئيساً يُحسن ما يحسن من الإحسان إلا هو مردود بالتنكد، لأنه ما هنّأ قطّ بنعمته، ولا أمتع بإحسانه. ولا ترك له يداً بيضاء عند أحدٍ إلا وكرَّ عليها بالتسويد.
(1/38)
________________________________________
قال: وقد شاهدتُ النّافقين عليه، والمتقدّمين لديه، ووقفت على مَوَاتِّهم ووسائلهم وأسبابهم وذرائعهم فلم أجد فيهم إلا مَخْشيَّ اللسان استكفّ شرّه بالإحسان كالخوارزمي وغيره، أو مرتبطاً لأمر يُراد منه لا يفي به سواه كالهمذاني ومن جرى مجراه، أو ملعوباً به قرّب على ظنّه وريبة وحالٍ زائدة على القُبح والفضيحة، كفلان وفلان وهم الدُّهم؛ ولم أجد في ضروب المتوسّلين إليه، بعد هؤلاء، من وَصَل إلى درهمٍ من ماله إلا ببذل النفس وإذالة العِرض، ومواصلة البُكور والرّواح واستنشاق الغبار والرياح وتجرع العبط والكد، ومزاحمة أهل الجهل والنقص، ومُغالبة ذُلّ الحجاب وسوء أدب البوّاب والرضا بالهزء والسخرية؛ وما ابيضت له يد عند أحد، ولا تمّت له نعمة على أحد، لملله وحسده، وضجره ونكده، وامتنانه وكثرة ذكره لفضله ومدحه لنفسه. والعرب تقول في حِكَمها: المنّة تُزرِي بالأَلبّاء.
على أن عطاءه لا يزيد على مائة درهم وثوب إلى خمسمائة، وما يبلغ إلى ألف نادر، وما يُوفي على الألف بديع، بل قد نال به ناس من عرض جاهه على السنين ما يزيد قدره على هذا بأضعاف، وعدد هؤلاء قليل جداً، وذلك أيضاً بابتذال النفس وهتك الستر، والإفراج عن الدين والمروة والعِرض والأَنَفة.
قال: وأي عقلٍ يكون لمن يقول: لم يكن في الدولتين الأموية والعباسية مثلي، وهذا الكلام قد دوّنه في بعض كُتُبه؛ وقد حكيتُ هذا بمدينة السّلام فسمعه قومٌ كرام يرجعون إلى فضل كثير وبصائر حسنة منهم ابن البقّال الشاعر، ومحسِّن ابن التَّنوخي، وابن فتاش المصري فضحكوا وهزئوا، وشعثوا عرضه، وجحدوا محاسنه التي لو سكت عليها لسلمت له، ولادّعى في جملتها أكثر مما يدّعيه لنفسه؛ ولعمري ما كان له فيمن تقدّم في الدولتين مثل ولا شبيه، ولكن في الخلاعة والمجون، والرَّقاعة والجنون.
قال: ومن العجب أنه يدّعي " العدل والتوحيد " وهو لا يُفيق مِن قَتْلِ مَن ظَنَّ به عداوته والوقيعة فيه، أو القدح في رُقعةٍ له، وإن كان ذلك الإنسان من الصالحين العابدين.
ولقد بلغ من ركاكته أنه كان عنده أبو طالب العَلويّ، فكان إذا سمع منه كلاماً يسجع فيه، وخبراً يُنمّقه ويرويه، يبلق عينيه وينشر منخريه، ويُري أنه قد لحقه غَشيٌ حتى يُرشّ على وجهه ماء الورد. فإذا أفاق قيل له، ما أصابك؟ م عَراك؟ ما الذي نابك وتغشّاك؟ فيقول: ما زال كلام مولانا يروقني ويُونقني حتى فارقني لُبّي وزايلني ذِهني واسترخت له مفاصلي وتحلّلت عُرى قلبي وذهل عقلي وحِيل بيني وبين رُشدي؛ فيتهلّل وجه ابن عبّاد عند ذلك، وينتفش ويضمحل عجباً وجهلاً، ثم يأمر له بالتكرمة والحِباء والصِّلة والعطاء، ويقدمه على بني عمه وبني أبيه.
من ينخدع هكذا فلا يكون ممن له في الكتابة قسط، أو في التماسك نصيب، وهو بالنساء الرُّعن والصبيان الضعاف أشبه منه بالرؤساء والكِبار.
وحدثني الشاذياشي قال: حُجبت مدة عنه فضقت ذرعاً بذلك، فإن الجاه الذي كنت مَدَدته انزوى، والأمر الذي قوّمته تأوّد، وأخذت المادّة تقف، والحال ينقص، والذِّكر يقلّ، فأحييت الليل أرقاً وفكراً فيما أعتلّ فقدح لي الخاطر بحيلة، فأصبحتُ وكتبت رقعةً ذكرت فيها: " إني رجل امتُحنتُ بما لم يمتحن به أحد غشي بابك، ونال إحسانك واستمرع فناءك، واستحصد جنابك؛ إني بعد هذا الدأب الشديد والنَّصب المتّصل، والقراءة والنَّسخ، والبحث والمناظرة، والصَّبر والمناصحة، قد شككت في مسائل " الأصول الخمسة " التي عليها مدار المذهب، وركن المقالة، وهذه محنة بل فتنة، بل شيء فيه هلاكي وخُسران عملي، فالله الله فيّ، تداركني فإني من الأموات بين الأحياء، غريب الدّار، خائب الأمل، بائر البضاعة، خاسر الصّفقة، طلبت الزيادة على ما كان عندي فأتلفتُ ما كان معي " .
قال: فلما قرأ الرُّقعة قلق في نصابه، وأقبل على أصحابه وقال: مسكين الشاذياشيّ لقد نزل به أمر عظيم، وحلّ به خطب جسيم، ودُهي في دينه، وأُصيب بيقينه؛ إن هذا لهو البلاء المبين. عليَّ به، هاتوه البائس. ودُعيتُ فأدْناني ولا طفني، وقال لي: ما هذا الشكّ الذي اعتراك، وأين أنت عن القاضي أبي الحسن حتى يحلّ ذاك؟ قلتُ: لستُ أثق إلا ببيان مولانا، ولا عجب من بيانه، ولكن العجب من إنصافه مع سلطانه، وحُسن إقباله مع أشغاله.
(1/39)
________________________________________
قال: فانفسخَ عقده، وابتلّ شنُّهَ، واستحال ذلك المللُ استطرافاً وذلك النُّبوُّ استعطافاً، وأقبل يقول: هاتِ، وأنا أهاتيه هكذا أياماً وليالي، أَتأطَّر له تارةً بالاستحسان والقبول، وأتعسّر عليه تارة بالتوّقف والفتور، ولا أفارق الكيْس والحيلة، حتى استنفدتُ قوّته وقوتي له، ثم قبّلت أطرافه وتباكيتُ، وقلتُ: يا مولانا أسلمتُ على يدك، ونجوت من النار بإرشادك.
فقال: يا أبا عليّ! اكثُر عندنا، واقتبس علمنا، قد ذلّلنا لك الحجاب، وتقدّمنا بذلك إلى الحُجَّاب، فاسكن واطمئن، وطب نفساً وارفئنّ، ولا تقلق فترْجَحِنّ.
قال: فانصرفت من مجلسه قرير العين، ممدود الجاه، مملو اليد، ونفسي ريّا بكل أمل، وتفتّحت عليّ أبواب الرّزق، وجمعتُ إجّانة كبيرة خضراء دنانير.
قال الجيلوهي: وحديث هذا الرجل ذُو شجون، على أنك إذا أنصفت لم تجد له نظيراً في دهرك، ومتى بُليت به طلبت الخلاص منه ولو بفقرك.
قال: وما أخوفني أني إذا دفعت إلى غيره بعده تمنَّيتُه، فأكون كما قال الشاعر:
عتَبتُ عَلَى بشرٍ فلما فقَدتُه ... وجرَّبت أَقواماً بَكيْتُ علَى بشْرٍ
هكذا أنشد، وغيره يُنشد: " على عَمرو " ؛ والصحيح " على سَلْم " وله حديث.
قال: ومن خواص ما فيه حُبّه للعامّة، وذاك بقدر بغضِهِ للخاصّة. وقد قال يوماً: أنا أعلم أن الحجاب قبيح وبغيض، والصبر عليه متعذّر، وهو الذي يُورث العداوة الشديدة، ويبعث على القالة الشنيعة، ويمحو كلّ حسنة، ويُهجِّن كل نعمة، ويثير كلّ نقمة، ويُبدي كلّ عَورة، ويُبرز كلّ سوأَة؛ وقد دُهي الناس منه قديماً وحديثاً، لكنّي أتلذّذ به، ولستُ أجد طعم هذه المرتبة العلية، ولا أعرف ثمرة هذه الحال السَّنية إلا بعد أن أحتجب ويقف الناس على منازلهم بالباب، وأعلم أن صدورهم تغلي بالغيظ، وألسنتهم تجري بالعيب، وأهواءهم تأْتلف على القِلى والبُغض؛ فإن الحديث ينخرق بكل معنىً إلى سوء، ولكن لا أسمح بحلاوة الدولة، وبجلالة الصَّولة، وبهيبة المكانة، وبما أن سهوت عنه صرتُ إلى المهانة.
قال هذا الشيخ: وهذا قول من نصّ الله على خذلانه، وأسلمه إلى حوله، وأنطقه بلسان إبليس الذي هو عدوّ الله، ولا شكّ أن هذا المذهب من علامات الشَّقاء في الدنيا، وآيات الخُسران في العاقبة، ولن يُقدم عليه إلا من قد سمح بعرضه، واستهان بشنيع القالة في نفسه وأبيه وعمّه وأُسرته، وجميع من ضَرَب في مذهبه بسهم، وشابهه بوجه.
وحدثني ابن الثلاّج المتكلم، وكان ديِّناً صدوقاً، قال: العجب أن ابن عبّاد يدّعي أنه قرأ على شيخنا أبي عبد الله البصريّ، ولقد كذب في دعواه وفجر في قوله؛ لقد ورد علينا بغداذ وهو ينصر ابن كُلاّبٍ على حدّ المبتدئين، فحمله مِسكَويه إليّ، ثم دخل الواسطيّ عليه وفتح باب المذهب له، ولم يكن غير ذلك.
وكان أبو عبد الله لا يعرفه ولا يعدّه، لأنه كان لا يدري ما يكون منه ويصير إليه في الثاني.
وما قدرُ كُويتبٍ يرد مع صاحبه، لا سنَّ له ولا شُهرة، ولا إفضال ولا توسُّع، ولا حاشية ولا حَشَم؟ ودارت الأيام ودالت الأحوال، فكتب هذا الشيخ إلى هذا الإنسان بعماد الدين؛ وأنا أبرأُ إلى الله من دين هذا عِمادُه؛ وكتب هذا إلى ذاك بالشّيخ المُرشد، وأيُّ إرشادٍ كان عنده؟ وكيف يكون مُرشداً من ليس برشيد؟ وكيف يكون رشيداً من لا يُفارق الغيّ؟ إن كنت تشكّ في أمره فانظر إلى غِلمانه: الرَّازي، وابن الغازي، وابن طرفان، والبزاز، والنَّصيبي أبي إِسحق، والصَّيرَفيّ، والهَمَذانيّ، والدّامغِانيّ، عِصابة الكُفر، ما فيهم من يرجع إلى ورع وتُقىً، أو إلى مُراقبة وحَياء أو هدى.
ولقد رأيتُ أبا عبد الله البصري في مجلس عِزّ الدولة سنة ستين في شهر رمضان، والجماعة هنا: أبو حامد المرورّوذي وأبو بكر الرّازي، وعلي بن عيسى، وابن نبهان، وابن كعب الأنصاري، والأبهَري وابن طَرَارَة، وأبو الجيش شيخ الشيعة وابن معروف وابن أبي شيبان، وابن قُريعة، وناسٌ كثير، وهو في إيوانٍ فسيح في صدره مَنْ حَضَروا من أجله، وأبو الوفاء المهندس نقيب المجلس ومُرتّب القوم.
فسئل البصري في مسألة فأظهر أنه في بقية علّته، وأنه لا يقدر على الكلام.
(1/40)
________________________________________
ثم قام عليّ بن عيسى الشيخ الصالح وقال: هذا مجلس يُبتهى بحضوره لشرفه، ويُفتخر بالكلام فيه لكثرة من يعرف ويُنصف، والمُغالطة فيه مأمونة، وليس في كلّ أوانٍ يتّفق هذا الجمع، وبيننا وبين هذا الشيخ، يعني أبا عبد الله، مسألة من أجلها ومن أجل نظائرها قد استجاز تكفيرنا وتفسيقنا والتَّشنيعَ علينا وتنفير المقتبسين منا، وها أنا قد ابتديتُ سائلاً فلينصُر مذهبه كيف شاء، وإنما هو دينٌ، فيجب أن نبحث عنه من العارفين.
فقال عزُّ الدولة: كلام منصف، ما أسمع بأساً ولا أرى ظِنَّة، يحثُّ بذلك على الجواب.
فاصفرَّ أبو عبد الله وقلق، وفطِن أبو الوفاء وكان ضَلْعُه معه، وصَفُوه له، فحال بينه وبين الأمير وقال: الشيخ عليل، وإنما حضر للخدمة، وبعض غلمانه ينوب عنه، ولا ينبغي أن يتعَب فيحْمى جسمه، ويُخاف نكسُه، ويصير ما قُصد من قضاءِ حقه في التجمُّل بحضوره سبباً للتألم.
ثم أقبل أبو الوفاء على عليّ بن عيسى فقال: يُكلّمك أيها الشيخ من غلمانه من تُحب.
فقال: لا حاجة إلى الكلام مع غلمانه، إنما كان الكلام معه هو القصد، لأن الاجتماع بيننا يقلّ، ولأن الخصومة تكون معه الفيصل، وذاك أنه يُكتب كلامي سائلاً، وكلامه مُجيباً، ثم لا نزاع.
فأما أصحابه فإنهم يكلّمون أصحابي وذاك قائم بينهم، وكانت البغية قطع المادّة، وحسم الشَّغب، وبلوغ الحدّ، وإذا وقع الإباء فلا لجاج، وإذا عُرف المراد فلا حجاج.
ثم قال عزّ الدولة: هاتوا شيئاً آخر قبل أن يتصرَّم النهار بما ليس له درٌّ، وكان فصيحاً.
فأعرض أبو الجيش الخراساني وكان متكلّم الشيعة، فسأل عن القرآن وقال: أروني من القرآن تنزيله على هيئته الأُولى حين نزل به جبريل على قلب محمد صلى الله عليه، فتلاه على أُمّته بلسانه، فإني أجد عند حمَلَته اختلافاً كثيراً في تحريفه وتصحيفه، ونقصه وزيادته، وإعرابه وغريبه ووضعه وترتيبه؛ ولهذا وأشباهه اختُلف في تأويله، وشُكّ في تنزيله، وكثُر خوضُ الناس فيه وفي تفسيره، والاحتجاج له؛ ولقد سبَق علمي أن كلام الله لا يكون في حكم كلام عباده، وأن ما يجوز على ذلك لا يجوز على هذا، لأن الله حكيم كريم رحيم، والحكمة والكرم والرحمة تأبى ما تصفون به في كتاب ربّكم، وتستجيزونه في كلام خالقكم.
قال: وهذا الذي قلتُ بيِّن معروف؛ القرأَةُ تختلف ضرباً من الاختلاف، والنَّقلة تختلف ضرباً آخر، والفقهاء تختلف على قدر ذلك ضرباً آخر، وكذلك أصحاب الكلام؛ وحتى أفضى هذا إلى طعن الزّنادقة فيه، وانجرَّ عليه قدح الملحدين به، وقال كلاماً كثيراً من هذا الجنس، فكلّهم كاعَ عن الجواب، وكاد أبو الجيش بعد تذرُّعه بالقول يشمتُ ويبالغ في التَّشنيع.
فقال عزّ الدولة: يا أبا الجيش أنت في معركة لا مُبارٍ لك فيها، فافرِ كيف شئت وذر، والله المستعان.
فانبرى أبو حامد وتكلّك بملءِ فيه، ومحق أبا الجيش وبيّض وجوه الناس.
فلما خرج قال له محمد بن صالح الهاشميّ: لقد دعمت الإسلام بدِعامةٍ لا يُزعزها الزّمان، ولقد حصّنت الدين حَصانةً الله يُجزيك عنها، ورسوله صلّى الله عليه يُكافئك عليها.
ولولا أن هذه الرسالة لا تحتمل المسألة والجواب بما فيها من فنون القول لأتيتُ بالمجلس على وجهه.
فهذا كان اقتدار البصري جُعل في المناظرة، وقوّته عند لقاء الخصم ونُصرة المذهب والدّين.
ولقد ذَكَا عيناً عشرين سنة على صاحب بغداذ لصاحب... حتى آلت الأمور إلى ما عرفه الصّغير والكبير بأصحابه أصحاب المحابر والأقلام والكرارس.
ولقد بلغ من قلة دينه أنه صنّف رسالة ذكر فيها الدّلالة على أنه هو المهدي المنتظر. قال: فإن معنى المهدي أن الله هَدَاك، وهدى أهل العدل والتوحيد لك؛ وأما المنتظر فلأَنّا كنا ننتظرك بالعراق؛ وهذه الرسالة مشهورة وحُملت في جُملة الهدايا إلى قابوس.
وسمعت أبا محمد الفرغاني الحنيفي يقول: ما خلوت بفكري في أمري ومُلازمتي هذا الرجل - يعني البصري - إلا ظننتُ أن الله تعالى يرسل عليّ صاعقة أو يجعلني آية وعبرةً باقية.
(1/41)
________________________________________
وأما ابن أبي كانون فإني قلت له يوماً: مالي أراك واجماً من غير عارضٍ، وطويل السكوت من غير عيّ، وكثير الفكر من غير وسواس، وشديد الحُزن من غير إفلاس؟ ليس لك أُنس بالجماعة، ولا تفكُّه بالمحادثة، ولا استماع بالمجالسة، بعد ما عهدتك في حدثان مقدَمك وأنت تتَّقد كالنار، وتزخر كالبحر، وتأرَنُ كالمُهر، وتذكو كالقنبر.
فقال: ومن أولى بالبال الكاسف والغمّ الطويل والأرق الدّائم منّي؟ فارقتُ وطني وأهلي وإخواني ومعارفي وجميع ما كنت آلفه وأحيا به، وأشتمُّ روح العيش منه، وتجرّعتُ مرارة بُعدي عنهم، وصبرتُ نفسي على ما نالهم بخروجي من بينهم وسلوتي دونهم، وما نزل بي بعدهم من جفاء الغُربة ووحشة الوحدة، وشَظف العيش بالقلّة - كلّ ذلك طمعاً فيما أًبرّد به غليل قلبي في الدّين والمذهب، وأنفي به الحَرج من صدري وأسعد، وأن آخذ من هذا الشيخ ما أهتدي به وأسكن إليه، وأجعله عُدّة لآخرتي. والآن قد حصلت - بعد الرسالة الطويلة والمنازعة الشديدة وبعد البحث ولنّظر والكشف والجدل، وبعد اعتبار هذا الشيخ في نفسه وسيرته وما عليه أصحابه والمتقدّمين عنده - على حالٍ عسراء، وغايةٍ عمياء، وما أراه إلاّ صاحب دنيا يعمل للعاجلة، ولا أرى أصحابه المُطيفين به إلا كذلك، وإن هذا مما يؤلم القلب، ويُفرَّق البال، ويحشد الهمّ، وينفّر اليأس؛ فلذلك ما تراني على غير ما عهدتني عليه.
وأما ابن بُنان الورّاق فإني سمعته يقول: لقد خطب البصري على الإسلام بما لا يقدر عليه الرّوم والتّرك.
قلت: وكيف ذاك وأنت لا ترى اليوم ببغداذ مجلساً أبهى من مجلسه، لما يجتمع فيه من مشايخ العراق وشبّان خراسان وفقهاء كل مصرر، وما في هؤلاء أحد إلا وهو يصلح أن يكون داعية صُقعٍ وإمامَ بلد؟ فقال لي: صدَقت، فهل تعرف فيهم من إذا ذُكر الله وجِل قلبُه واقشعرّ جلده، واطمأنّ صدره؟ وإذا سمع موعظةً دمعت عينه وخشعت نفسه أو سُمع نشيجُه؟ وإذا عرضت له منالة عفّت نفسه؟ أو إذا هاجته شهوةٌ اتّقى عندها ربّه؟ أو إذا لزمه إنكار أمرٍ بذل فيه وُسعه.
أما ترى اللّعب والمزاح والسَفه والقِحة والتَّجليحَ والفسق والفجور فاشيةً فيهم، وغالبه عليهم، وظاهرة بينهم؟ أما لك في الرازي أبي الفتح عِبرةً؟ أما لك بابن طَرْخان خِبرة؟ فما زال يقول هذا وأشباهه حتى سدّدتُ وقطعتُ عليه.
وكان أبو إسحاق النّصيبي من أفسق الفاسقين، وهو يُلقّب بُمقعدة، لا أعلم في الدنيا قاذورةً إلا أتاها، ولا خساسة إلا أظهرها وجاهر بها، هكذا كان ببغداذ، ثم بالدِّينَوَر عند أبي عمرو كاتب فخر الدولة الإصبهاني، وحديثه بإصبهان مشهور، وكذلك بالصّيْمَرة، وكيف أكل في نهار شهر رمضان من غير عُذر، وكيف تهتّك بجماعة من الأحداث. نعوذُ بالله من الخذلان.
وحدثنا أبو سليمان محمد بن طاهر السِّجستاني، وكان بعيداً من التَّزيُّد شديد التّوقي، قال: حضرت وليمة في قطيعة الربيع، فلقيني فيها البصري أبو عبد الله، فجلس إلى جانبي، وتصرّف في الحديث معي، وأرخى عنانه إليّ إلى أن قال لي: يا أبا سليمان، هل وجدتم في فلسفتكم شيئاً تسكنون إليه، وتعتمدون عليه؟ فأنا من الكلام ومَذاهب أهل الجدل على غُرور.
قال: فسكتُّ من أجل الموضع، وقلتُ:
الناس أَخيافٌ وشتَّى في الشّيَمْ ... وكلهم يَجمعهم بيتُ الأَدَمْ
فقال: آخِرُ ما عندي أن الأدلّة تتكافأ، وأن المذاهب والآراء والنِّحل جارية بين أربابها على قوة النتائج وضعفها، وجودة العبارة ورداءتها.
قال: وقلتُ له: ما بعد نظرك نظر، ولا بعد تحصيلك تحصيل، وانتهى.
وأمثل من شاهدناه عندنا ببغداذ: الواسطيّ أبو القاسم. وكان يبرأ إلى الله من البصري جُعَل، ويلعنه عند الوليّ والعدوّ تقرباً إلى الله.
وكان ابن الثلاّج يقول: حكَم الله بيننا وبين ابن عباد وفلان، فإنهما سلّطا هذا الإنسان في هذا المكان حتى أفسد من أجابه إلى المذهب، ونفّر من أراد أن ينظر في " العدل والتوحيد " .
(1/42)
________________________________________
وسمعتُ الفرغانيّ يقول: لولا أني لا أعرف في جميع المذاهب أقوى من مذهب المعتزلة لَناديتُ على أصحابي بمخازيهم التي يشتملون عليها ويُجاهرون بها، في الأسواق والشوارع، بل في المَحاضِر المشهورة والمنابر الرفيعة، ولكن لهم حُرمة الدعوى وذمام النّسب إلى المقالة، ورجاءٌ في الإقلاع والتّوبة، فإن اليأس غير غالب ما دامت الاستطاعة موجودة، والنُّزوع ممكناً، والتّلافي مظنوناً.
ذاك حديث ابن عباد، وهذا حديث شيخه وإمامه ومُرشده بزعمه، وهو المرشد والهادي لمن أخذ عنه واقتدى به. يا قوم! أين يُذهب بكم؟! ما هذا العَمَى الذي قد غلب عليكم، والهوى الذي قد أصمّ آذانكم وأعمى أبصاركم؟ وماهذا الأمر الذي قد حال دون العيان، وطمس وجه الرُّشد، وقلب أثر الحسّ؟ أَ ليس هذا القائل في مُجونه وتلعُّبه بدينه:
مِن عَملِي مِن عَملِي ... نيكُ الرّجال البُزَّل
وإِنما أَنِيكُهم ... لأَنّني مُعتَزِلي
تلميذُ شيخٍ فاضلٍ ... مُلقَّبٍ بالجُعَل
أَ فهكذا يكون من كان عماد الدّين، وناصر الإسلام والمسلمين؟ الويل له، ثم الويل لمن يتولاّه وينصره.
قال يوماً لابن فشيشا صاحب مَصْطَبَةِ المُكْدين بالريّ:
لا تُبطئَنَّ عن اللذات إِن حضَرت ... لكن تَبَنَّك ولا تحفل بتأَنيب
ولا تَزُقّ إذا ما نِلتَ ذاك وبت ... مع شَوْزَرٍ وافر الأَرداف محبوب
فالصَّمْي والمَتْرمن بعد القُشام به ... طيبُ الحياة فلا تعدِل عن الطيب
خذ في القُشام وخذ في الصَّمي بالكوب ... فالدَّهر يمزج تكسيحاً بتهريب
أَ فهذا كلام من يدعو إلى الله، ويُحبُّ أن يُستجاب له، ويُجرى على طريقته، ويكون ذريعةً بين الله والعبد؟ هذا - عافاك الله - باللعنة الأولى، وبالبراءة منه ومن أصحابه أحقّ. ما أقلّ حياء هؤلاء وأشدّ تكاذبهم ومكابرتهم! وإذا ضربت عن باب الدّين، ورجعت إلى الكفاية التي زعم أنه بها تكفّى، وأنه كافي الكُفاة، وأنه واحد الدنيا.
هل كان يعرف من الحساب باباً؟ هل عقد جماعة؟ هل عُقدت له فتكلم عليها؟ هل قرأ مؤامرة؟ هل عرف منها حدٍ؟ هل أمكنه أن يحتجّ على عامل أو يناظر ناظراً؟ أو يُخاطب مُشرفاً، أو يرسم في العمل رسماً، أو يُجيب عن كتابٍ واحد في العمالة؟ وفيما يتعلق بأبواب النظر في العمارة، هل ناظر خائناً مُتقطِعاً، أو استدرك مالاً مُختلساً؟ هل فصل حكُومة بين كاتبين، أو قطع خصومة يبين جُنديين؟ هل رأينا ثَمَّ إلاّ الرَّقاعة والتدفق، والجنون والهذيان، والتَّسايل والتمايل، والبقبقة والطقطقة، والقرقرة والبربرة؟ إلا أنه غُلط فيه ووُثق به، ووُكل إليه الرأي، ولك يؤذن لأحدٍ في تحريكه بكلمة، ولا في مضادّته بحرف، حتى تمّ له ذلك كله بأسهل وجه مع الجوّ المُواتي والأمر المُنقاد، وحُب أن يعتقد أن ذاك عن كفاية في الصناعة وحِذق ٍ في العمل، وسعة علمٍ بالكتابة الدّيوانية والرّسوم الخراجية.
وسُئل يوماً عن قول الشاعر:
سَقَوني النَّسْيَ ثم تكَنَّفُوني ... عُداةَ الله مِن كَذِبٍ وزُورِ
فقال: الخمر تسمّى نسْيا.
فقيل له: ولم؟ فقال: ليس للأسماء علل.
فلما خلوت بالزعفراني الشاعر قال لي: أخطأ، فإن الأسماء ضرب منها مُبتدأ، فالغرض فيه اختصاص العين به ليقع التمييز بينه وبين غيره، وضرب آخر يؤخذ من أصل الفعل وهو الذي سمي مُشتقّاً لتكون فيه دلالتان: دلالة كدلالة الأول في اختصاص العين، ودلالة على النعت.
والنَّسي في أسماء الخمر من الضرب الثاني، لأن الخمر تنسأ العقل أي تؤخّره، وقال: هذا قاله بعض العلماء.
فقلتُ له: هلاّ قُلت هذا في المجلس؟ فقال: لو قلت هناك لما وجدتني عندك قاعداً مطمئناً.
قلتُ: صدقتَ، الرجل حسُود.
فقال: ولربّه كَنود، ولآياته عَنيد، كأنه من اليهود، أو من بقية ثمود.
ولقد غضب يوماً م شيء رواه المِصريّ، وحجبه أياماً؛ وذلك أنه روى أن امرأةً جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلّم فيما رواه عبد الله بت عمرو بن العاص، فقالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وِعاءً، وحجري له حِواء، وثديي سِقاء، وزَعَم أبوه أنه ينزعه مني.
(1/43)
________________________________________
فقال رسول الله صلى عليه وسلم: أنتِ أحقُّ به ما لم تنكحي.
وكان غضبه من الحسد، لأنه روى هذا في عُرض حديثٍ بفصاحةٍ وتسهّل.
وله مثل هذا كثير، كان لا يستطيع أن يسمع من أحد كلاماً منظوماً.
قال لأبي السلم مسلم الأعرابي يوماً: ما خبرُك مع فلان؟ قال: انقلبتُ عنه خاسئاً وأنا حسير.
قال: لا تنتجع أمثاله.
قال: أيها الصاحب، ما أعلمني بمظانّ الرَّجاء والخيبة! ولكني ربما اغتررتُ بالشكّ اغتراراً، وانجررت على الشوك انجراراً، وآخر دعواي أن الحمد لله الذي لم يقطع أمَلي من خيره حتى غمرني بأيادي غيره، وذاك أنت.
وكان حسده لغيره على فصلٍ حسن، ولفظٍ حرّ، بقدر إعجابه بما يقوله ويكتبه؛ كتب يوماً إلى إنسان: " وأُقسم أنك لو كتبتَ بأجنحة الملائكة المقرَّبين على جِباه الحُور العِين، مستمداً من أحداق الولدان المخلّدين، جوازاً على الصّراط المستقيم إلى جنّات النَّعيم لما حَسُن هذا البخل " .
فأخذ يُعيد هذا ويُبديه، ويقول: كيف ترون؟ وكيف تسمعون؟ وهل قرأتم شبيهه؟ وروى في مجلسه يوماً ابن ثابت البغدادي حكاية الخليل، فأحسنَ سياقتها وإمرارها، فحببه أياماً وأخَّر عنه رسمه. وقال: تبسَّط في مجلسنا، واسْحَنفر بحضرتنا، وترك توقيرنا وهيبتنا، حتى تشفّع في أمره أبو الحسن الطبيب وغيره فعاد له على تشفّ.
وأنا أسوق حكاية الخليل حتى تكون فائدة في هذا الكلام الذي قد نشبنا فيه.
قال الخليل: دخلتُ على سليمان بن علي وهو والي البصرة فوجدته يُسقط في كلامه، فجلستُ حتى انصرف الناس.
فقال: هل من حاجةٍ أبا عبد الررحمن؟ قلت: أكبر الحوائج.
قال: قل، فإن مسائلك مقضية، ووسائلك قوية.
قلت: أنت سليمان بن عليّ، وكان عليٌّ في العلم علياً، وكان عبد الله بن العباس الحَبْرَ والبحر، وكان العباس بن عبد المطّلب إذا تكلّم أخذ سامعه ما يأخذ النَّشوان على نقْر العيدان؛ وأراك تُسقط في كلامك، وهذا لا يشبه منصبك ومحْتِدك.
قال: فكأنما فُقئَ في وجهه الرمان خجلاً.
فقال: لن تسمعه بعدها، فاحتجب عن الناس برهةً، وأكبَّ على النظر، ثم أذن للناس في مجلسٍ عام، فدخلتُ عليه في ثُمَّةٍ من الناس، فوجدته يُفصح حتى خِلته مَعدَّ بن عدنان. فجلست حتى انصرف الناس.
فقال: كيف رأيت أبا عبد الرحمن.
قلت: رأيتُ كلّ ما سرّ في الأمير، وأنشدته:
لا يكون السَّرِيُّ مثلَ الزَّرِيِّ ... لاَ ولا ذو الذّكاءِ مثلَ الغَبِيِّ
لا يكون الأَلدُّ ذو المِقْوَل المُرْ ... هَف عند الخِصَام مثل العَيِيِّ
قيمةُ المرءِ كلُّ ما يُحسِن المَرْ ... ءُ قضاءٌ من الإِمام عَليِّ
أَيُّ شيءٍ من اللّباس عَلى ذي السَّرْو أَبهَى من اللّسانِ السَّرِيِّ
يَنظم الحجة الشتيتة في السِّلْك من القول مثل نَظم الهديّ
وَتَرى اللَّحن في لسَان أَخي الهِمّة مثل الصَّدَا عَلى المشرفيّ
فاطلب النحو للقُرَان وللشعر مُقيماً والمسنَد المرْويِّ
والخطابُ البليغُ عند حِجاج الْ ... قوم يُزهَى بمثله في النَّدِىّ
كلُّ ذي الجهل بالفنون يُعادِي ... ها ويزري منها بغير الزَّرِيِّ
قال: وانصرفتُ. فشيّعني غلامه على كتفه بدرة فرددتها عليه، وكتبتُ إليه:
أبلِغ سليمانَ أَنّي عنه في سَعَةٍ ... وفي غِنىً غيرَ أَني لَستُ ذَا مالٍ
سَخَّى بنفْسِيَ أَنّي لا أَرَى أَحداً ... يَموتُ هَزلاً ولا يَبْقَى على حالِ
والرِّزْقُ عن قَدَرٍ لاَ العَجْزُ يَدْفعُه ... ولا يَزِيدُك فيه حَولُ محتَالِ
وقال يوماً: " فَعْلٌ وأَفعالٌ " قليل، وزعم أصحابنا النّحويون أنه ما جاء إلاّ زند وأزناد، وفرخ وأفراخ، وفرد وأفراد.
فقلت: أنا أحفظ ثلاثين حرفاً كلها " فَعْلٌ وأَفعال " .
قال: هات يا مُدَّعي! فسردتُ الحروف ودلّلتُ على مواضعها من الكتب.
ثم قلتُ: وليس للنّحويّ أن يجزم مثل هذا الحكم إلا بعد التبحّر والسَّماع الواسع، وليس للتقليد وجهٌ إذا كانت الرواية شائعة، والقياس مطّرداً، وهذا كقولهم: فَعيلٌ على عشرة أوجُه، وقد وجدته أنا على أكثر من عشرين وجهاً، وما انتهيتُ في التَّتبع إلى أقصاه.
(1/44)
________________________________________
فقال: خروجك من دعواك في فعلٍ يدلنا على قيامك بالحجّة في فعيل، ولكننا لا نأذن في اقتصاصك، ولا نهبُ آذاننا لكلامك، ولم يَفِ ما أتيتَ به يجُرأتك في مجلسنا وتبسّطك بحضرتنا.
وسألني عن أبي حامد المرورُّوذِي. فوصفتُ له نباهته وتقدّمه وحفظه وبيانه.
فقال: ما تحفظ عنه؟ قلت: أشياء مختلفة، فإنه أقام عندنا ببغداذ في آخر أيامه سنتين، ولقد رأيته في مجلس أبي الفرج محمد بن العباس في أيام وزارته، بعد أبي الفضل العباس بن الحسين، وهو يتدفّق بالكلام مع ابن طَرارَة.
فلما انتهى قال له أبو الحسن إسحاق الطبري: ارسُم لنا كلاماً خفيفاً في الدّليل، والحُجّة، والبُرهان، والبيان، والقِياس، والعِلّة، والحُكم، والاسم، والفِعل، والحَرف، والنَّصّ، والظاهر، والباطِن، والتأْويل، والتفسير، والفحْوَى، والاستحسان، والتّقليد، والاقتداء، والإجماع، والأَصل، والفَرْع، والوُجُوب، والجواز.
فاندفع فقال: الدّليل: ما سلكَكَ إلى المطلوب.
والحجّة: ما وثَقك من نفسك.
والبيان: ما انكشف به الملْتَمس.
والقياس: ما أعارك شِبهه من غيره، أو استعار شبه غيره من نفسه.
والعلّةُ: ما اقتضى أبداً حكماً باللّزوم.
والحكم: ما وجَب بالعلّة.
والاسم: ما صحّت به الإشارة إلى مُشارٍ إليه.
والفِعل: ما شاعَ في الزّمان.
والحرف: ما ائتلف به اللفظ.
والنّص: ما أغنى بنفسه لاستقلاله.
والظاهر: ما سبق إلى النّفس بلا جالب.
والباطن: ما غِيضَ عليه بالتّفسير.
والتأويل: الجهة المتباعدة عن المراد، ومع ذلك فهي مشمولة تارةً بالقصد، وتارةً بغير القصد.
والفَحْوى: الجهة القريبة.
والتفسير: عبارة عن عبارة على طريق الخلافة.
والاستحسان: القول الأَوْلَى والأشبه في ظاهر الحال.
والتقليد: قبول بلا بيان.
والاقتداء: سلوك مع عالم سالف.
والإجماع: اتّفاق الآراء الكثيرة.
والأصل: ما لم ينظر إلى ما قبله، لأنه بنفسه قبل غيره.
والفرعُ: ما انشعب عن الأول والوجوب: ما لم يَسَع الإضراب عنه.
والجواز: ما وقف بين الواجب وبين غير الواجب.
وكاد لا يسكت.
فقال له أبو الفرج: ما كان أبو محمد المهلبي يُثني عليك جُزافاً، ولا يشغف بك على طريق الهوى.
فقال لي: كيف حفظت هذا؟ قلت: كنّا جماعةً نتعاون على ذلك، ونرسم في ألواح.
فقال لي: إني لشديد الحَسرة على فوْت لقائه، ومما يزيدني عجباً به أنه كان على مذهب أصحابنا، ولو نصر في الأحكام مذهب أبي حنيفة لكان قدوة لأهل زمانه.
وقال له بعض الغرباء: إذا قلت عشي الرجل كما تقول: عمي الرجل، وتقول: يعشَى كما تقول يعمى، وقلت أعشى كما تقول: أعمى، فهلاّ قلت: امرأة عشْياء كما قلت عَمياء، ولك مع ذلك شفةٌ لَمْيَاء وفاه ظَمْياء؟ قال: فهكذا أقول.
قال له: قد خالفت العلماء، لأنهم نُّصوا عَشْواء كما قالوا: ناقةٌ عشواء.
فقال: في هذا نظر.
وأخطأ. وأي نظر في المسموع؟ وحدثني محمد بن المُرزبان قال: كنا بين يديه ليلة فنعس، وأخذ إنسان يقرأ " والصَّافات " ، فاتّفق أن بعض هؤلاء الأجلاف من أهل ما وراء النهر نعس أيضاً، وضرط ضرطةً منكرة، فانتبه وقال: يا أصحابنا نمنا على " الصّافّات " ، وانتبهنا على " المُرْسَلات " .
هذا من ملاحاته.
وحدثني أيضاً قال: انفلتت ليلة أُخرى ضرطةٌ من بعض الحاضرين، وهو في الجدل، فقال على حدَّته وجنونه: " كانت بَيْعةَ أبي بَكر " ، خُذوا فيما أنتم فيه، يعني " كانت فَلتةً " لأنه قيل في بيعة أبي بكر " كانت فَلْتة " .
أَ فهذا من المجون المستطاب؟ أو من جنس ما يجب أن يكون مَحكياً عن الرؤساء الدَّيّانين والكُبراء المستبصرين، والذين يدّعون لأنفسهم الفضل والمروة والديانة، واحتقار الناس؟ وقال له ابن ثابت الحوي يوماً: أنا آكل التّمر على أنه كان مرة رُطباً، يتملّح معه، أي أميلُ إلى الحدث وإن بقل وجهه، لأنه قد كان مرةً أمرَد.
فقال له: فكُل الخَرا على أنه مرةً كان هَريسةً.
وسمعته يُنشد في الشاعر الملقّب بالمشوق:
ودَيُّوثٍ يقال له المَشُوق ... لَه من عِرسه كَسْبٌ وسوقُ
فكَم خيْرٍ يُساق إِليهِ منها ... وكم أيرِ إِلى حِرِها يَسُوقُ
وكان يُنشد في شيخ كاتب من أهل جُرجَان:
جزِعتُ من أَمرٍ فظيع قد حَدثْ
(1/45)
________________________________________
ابن تَميم وهْو شيخٌ لا حَدَثْ
قَدْ حبَسَ الأَصلَعَ في بيتِ الحدَث
ورأيتُ شيخاً قدِم مع الحاجّ من خُراسان يُعرف بالخشوعي، من الكرَّامية أصحاب البرانس، حضر مجلسه وناظره في مسألة الجسم، وكان يقول، وهو مذهب هشام بن الحكم في التكلمين المتقدّمين: لما كان مُثبتاً بالعقل دون غيره، وكنتُ لا أُثبِتُ بالعقل، إلا مَعقولاً، كما لا أُثبتُ بالسَّمعِ إلاّ مسموعاً، وكما لا أُثبتُ بالبصر إلا مُبصَراً؛ وكان إثباتُ العقل لمن هو غير جسمٍ في المُشاهدة غير معقول، وجب أن يكون جسماً لأنه قد كان دخل في قسمة المعقول؛ وإن بطل أن يكون جسماً بطل أن يكون معقولاً، وقد ثبت أنه معقول؛ فإذاً قد ثبت أنه جِسم.
فقال ابن عباد: هاتوا مسألة أخرى، فسماع كلام الحُكْل أرجع بالفائدة من هذا، وأخذَ في مسألة أخرى.
وحكى قوم منهم أبو طاهر الأنماطي والقطّان أنه قد شُدِه ولم يحضره في الحال شيء، وكان الخَصْم أَلدَّ ذا سلاطةٍ قليل الاكتراث، حضر غير طائع، وتكلم غير متَروّع.
وعاد هذا الشيخ في مجلس آخر، فقال له: أتقول إن الله جسم؟ قال: نعم.
قال: فإذا كان جسماً جاز أن يكون فوقه شيءٌ أو تحته شيء، أو عن يمينه شيء، أو عن يساره شيء.
قال: نعم.
قال: فما تُنكر أن يكون معبودك الآن في هذا الصّندوق؟ فخمد الخُراساني خمدةً م اشتعل فقال: أَ ليس عندك أن الله متكلم بكلامٍ يفعله في الأحوال المختلفة؟ فقال: بلى.
قال: فما تُنكر لأن يكون هذا الحمار يُنغط، فيُحلُّ الله كلامه في جُرذانِه، فيقول: أنا ربكم الأعلى، وتسمع ذلك منه.
فانخزل ابن عبّاد وقال: خذوا في غير هذا.
والسخفُ والجُرأة وسوء الأدب وإطلاق اللّسان بما لا يجوز دِيناً ومروّة غالبة على أصحاب الكلام؛ والتُّقى والرَّهبة والروع بعيدةٌ من هذه الطبقة.
وحكى يوماً في نوادره الفاترة ما يدلّ على قلّة دين القوم وسوء استبصارهم وشدّة استهانتهم بما يقولونه مُحقّين ومُبطلين، وأن الدَّيدن هو الهذيان والرَّقاعة والتعصُّب والإيهام، وليس لوجه الله في ذلك شيء، لا فيما يجدّون به، ولا فيما يهزلون فيه، لا حشمة ولا تقوى، ولا مُراقبة ولا بُقْيا؛ قد جعلوا الله عُرضةً للخصومات بالوساوس، ودينه مِنديلاً لكل يدٍ.
سأل ملحِد موحِّداً فقال: ما الدليل على أن للعالم صانعاً؟ فقال: الدليل على ذلك شِعرة أمِّك، لأنها كلما نتفتها بالدِّبْق نبتت؛ فلو لم يكن هناك مُنبت لما نبتت.
فقال الملحد: هذا ينقلب عليك لأنه يقال لك: الدليل على أن العالم ليس له صانع نواةُ أمك، لأنها إذا قُطعت مرةً لم تنبتُ بعد ذلك.
وحكى يوماً آخر فقال: اجتمع رجلان؛ أحدهما يقول بقول هِشام، والآخر يقول بقول الجَوالِقيّ.
فقال صاحب الجوالقي لصاحب هشام: صِف لي ربّك الذي تعبُده. فوصفه، فقال: هو جِسم ولكن لا يد له ولا جارحة ولا آلة.
فقال له صاحب الجوالقيّ: أيسرُّك أن يكون لك بهذه الصِّفة ابن؟ قال: لا.
قال: أَ فما تستحي أن تصف ربّك بصفةٍ لا ترضاها لولدك؟ ثم قال صاحب هشام: قد سمعت قولنا، فصف لي أنت ربّك. فوصف فيما وصف: أنه جَعْد قطِطٌ في أتَمّ تمامٍ وأحسن حُسن وأَحلى صورة وأَعدَل هيئة وأجمَل شارة.
فقال له صاحب هشام: أَ فيسرُّك أن تكون لك جارية بهذه الصّفة تطؤها؟ قال: نعم.
قال: أَ فما تستحي من عبادة من تحب مُباضعته؟ وذلك أن من أحبَّ مباضعة مثله فقد أوقع عليه الشَّهوة، تعالى الله عن هذه السخافات والجهالات، وإن قوماً يلهجون بهذا وأشباهه لَغي بعد من الهُدى والنُّهى.
وسمعته يسبُّ أصحاب الهندسة ويقول: جاءني بعض هؤلاء الحمْقى ورغَّبني في الهندسة، فابتدأ، فأثبت خمسةً وعشرين، وخطّ خطّاً، ووضع شكلاً، وطوّل وزعم أنه يعمل برهاناً على ذلك. فقلت له: إني كنتُ أعرف أن خمسة في خمسة خمسةٌ وعشرون ضرورة، وقد شككت الآن، فأنا مجتهد حتى أعلمه بالاستدلال. وهذا هو الخَسار والدّمار.
ولو كان له سهْم يسير من العقل ما باح على نفسه بهذا القول، ولو سُمع من غيره لوجب إنكاره، ولو حقق قول القائل: من جهل شيئاً عاداه. أَ تُراه ما سمع كلام ابن ثوابه في مثل هذا، وكيف نُسب فيه إلى الرّقاعة، وكيف رحِمه أهل الحِكمة، وكيف هزئ به قومٌ وجدوا طريقاً إلى ذلك.
(1/46)
________________________________________
وأنا أحكي لك في هذا المكان الكلام وإن تنفّست الرسالة، لتعلم أن من شاء حَمَّق نفسه، وأن الله إذا شاء خذل عبده وأشْمَت به أعاديه.
حدثنا أبو بكر الصَّيمريُّ قال: حدثنا ابن سمكة قال: حدثنا ابن مُحارب قال: سمعتُ أحمد بن الطيّب يقول: إن صديقاً لابن ثوابة الكاتب أبي العباس يُكنّى أبا عبيدة قال له ذات يوم: إنك رجلٌ - بحمد الله ومنّه - ذو أدب وفَصاحة وبراعة وبلاغة؛ فلو أكملت فضائلك بأن تُضيف إليها معرفة البُرهان القياسيّ، وعلم الأشكال الهندسية الدّالة على حقائق الأشياء، وقرأتَ كتاب " أُقليدس " وتدبّرته؟ فقال له ابن ثوابة: وما " أُقلِيدس " ؟ قال له: رجل من علماء الروم يُسمى بهذا الاسم، وضع كتاباً فيه أشكال كثيرة مختلفة تدل على حقائق الأشياء المعلومة والمغيّبة، يَشحَذ الذهن ويدقّق الفهم، ويُلطّف المعرفة، ويصفّي الحاسّة، ويثبت الرَّوية؛ ومنه انفتح الخط وعُرفت مقادير حروف المعجم.
فقال له أبو العباس ابن ثوابة: وكيف ذاك؟ قال: لا تعلم هو حتى تشاهد الأشكال وتُعاين البرهان.
قال له: فافعل ما بَدَا لك. فأتاه برجل يقال له قُويري مشهور مقدّم، ولم يعد إليه بعد ذلك.
قال أحمد بن الطيّب: فاستطرفت ذلك وعجِبتُ منه، وسألت المُخبر عن انصراف قُويري أي شيء كان سببه؟ فأجابني بأن لا أعلم، فكتبت إلى ابن ثوابة رقعة نُسْخَتها: بسم الله الرحمن الرحيم.
اتّصل بي - جعلني الله فِداك - أن رجلاً من إخوانك أشار عليك بتكميل فضائلك وتقويتها بمعرفة شيءٍ من القياس البُرهاني، وطمأنينتك إليه، وأنك أصغيت إلى قوله وأذنتَ له، وأنه أحضرك رجلاً كان غايةً في سوء الأدب، معْدِناً من معادن الكُفْر، وإماماً من أئمة الشّرك؛ لاستفزازك واستغوائك، يُخادعك في عقلك الرَّصين، ويُنازلك في ثقافة فهمك المتين، فأبى الله العزيز إلاّ جميل عوائده الحسنة قِبَلك، ومِننه السَّوابق لدي، وفضله الدائم عندك، بأن أتى على قواعد بُرهانه من ذروته، وحطّ عوالي أركانه من أقصى معاقد أُسِّه، فأحببتُ استعلام ذلك على كنهه من جهتك، ليكون شُكري لك على ما كان منك حسب لومي لصاحبك على ما كان منه، ولأَتَلافَى الفارط في ذلك بتدبّر أُسُسِه إن شاء الله.
قال: فأجابني ابن ثوابة برُقعة نُسختُها: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلت رُقعتك - أعزّك الله - وفهمتُ فحواها، وتدبّرتُ مُضمَّنها، والخبرُ كما اتّصل بك، والأمر كما بلغك. وقد لخصته وبيَّنته حتى كأنك معنا وشاهِدُنا.
فأول ما أقول: الحمد لله وليّ النِّعم، والمتوحِّد بالقسم، إليه يُردّ علمُ السّاعة وإليه المصير؛ وإياه أسأل إيزاعَ الشكر على ذلك وعلى ما منَحنا من وُدّك وإتمامه بيننا بمنّه.
ومما أحببتُ إعلامك وتعريفكه مما تأدّى إليك، أن أبا عُبيدة - عليه لعنةُ الله تَتْرى - بنحسِه ودسّه ودحْسِه اغتالني ليكلم ديني من حيث لا أعلم، وينقُلني عما أعتقده وأراه وأُضمره من الإيمان بالله عز وجلّ ورسوله صلى الله عليه، فوطّدَ لي الزّندقة بتزْيِينه الهندسة، وأنه يأتيني برجل يُفيدني علماً شريفاً تكمل به فضائلي - فيما زعم - فقلتُ: عسى أن أُفيد به براعةً في صناعة، أو كمالاً في مُروَّةٍ، أو نُسْكاً في دين، أو فخاراً عند الأَكفاء. فأجبته بأن هلُمّ به! فأتاني بشيخ ديرانيّ شاخص النظر، منتشر عصب البصر، طويل مشذّب، محزوم الوسط، متزمّل في مسكه، فاستعذتُ بالرحمن إذ نزغني الشيطان، ومجلسي قد غصَّ بالأشراف من كل الأطراف، كلهم يرمُقه ويتشوّف إلى رفْعي مجلسه وإدنائِه وتقريبه، ويعظّمونه ويحيُّونه، والله محيط بالكافرين.
فأخذ مجلسه، ولَوَى أشداقه، وفتح أوساقه، فتبيّنت في مُشاهدته النِّفاق، وفي ألفاظه الشِّقاق.
فقلتُ له: بلغني أن عندك معرفة بالهندسة، وعلماً واصلاً إلى فضل يفيد الناظر فيه حكمةً وتقدُّماً في كل صنعة؛ فهلُمَّ أفِدنا شيئاً منها عسى أن يكون عوناً لنا على دينٍ أو دنيا، وزَيْناً في مروّة أو مُفاخرة لدى الأكفاء، ومُفيداً نسكاً وزُهداً، (فذَلِكَ هُوِ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)، (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ)، (وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ).
(1/47)
________________________________________
قال: فأحضِرني دواةً وقرطاساً، فأحضرتُهما، فأخذ القلم فنكَت به نكتةً نقط منها نقطة، فَخيُّلها بصري ولحظها طرفي كأصغر من حبّة الذّر، فزمزم عليها بوسواسه، وتلا عليها من مُحكم أسفار أباطيله، ثم أعلن عليها جاهراً بإفكه؛ وأقبل عليّ فقال: أيها الرجل! إن هذه النقطة شيء ما لا جزء له.
فقلت: أضلَلْتني وربِّ الكعبة! وما الشيء الذي لا جُزء له؟ فقال: كالبسيط. فأذهلني وحيّرني، وكاد يأتي على حِلمي وعقل لولا أن هداني ربّي؛ لأنه أتاني بلُغةٍ ما سمعتها والله من عربيّ ولا عجميّ، وقد أحطتُ علماً بلُغات العرب، وقُمتُ بها واستثرتُها جاهداً واختبرتها عامداً، وصرت فيها إلى ما لا أحسب أحداً يتقدّمني إلى المعرفة به، ولا يسبقني إلى دقيقة وجليله.
فقلت له: وما الشيء البسيط؟ فقال: كالله تعالى وكالنفس.
فقلت له: إنك من المُلحدين، أتضرب لله أمثالاً؟ والله تعالى يقول: (فَلاَ تَضْرِبُوا للهِ الأَمْثَالَ إنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ).
لعَن الله مرشداً أرشدني إليك، ودالاً دلّني عليك، فما ساقك إليّ إلاّ قضاء سوء ولا كسحك نحوي إلا الحَيْن، أعوذ بالله من الحين، وأبرأ إليه منكم ومما تُلحدون، والله وليُّ المؤمنين (إِني بَريءِ مِمَّا تُشْرِكُونَ)، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العليّ العظيم.
فلما سمع مقالتي كره استعاذتي فاستخفّه الغضب، فأقبل عليّ مستبسلاً فقال: إني أرى فصاحة لسانك سبباً لعُجمة فَهمك، وتذَرُّعك بقولك آفةً من آفات عقلك.
فلولا من حضر - والله - المجلس وإصغاؤهم إليه مستصوبين أباطيله، مُستحسنين أكاذيبه، وما رأيت من استهوائه إياهم بخُدعة، وما تبيّنتُ من تَوازُرهم لأمرت بسلّ لسانِهِ اللُّكع الألكن.
وأمرتُ بإخراجه إلى حَرّ نار الله وسقره وغضبه ولَعْنتِه.
فنظرتُ إلى أمارات الغضب في وجوه الحاضرين، فقلتُ: ما غضبُكم لنصرانيّ يشرك بالله ويتّخذ له من دونه الأنداد، ويُعلن بالإلحاد؟ ولولا مكانكم لنَهَكتُه عقوبةً.
فقال لي رجل منهم: إنه أنسانٌ حكيم، فغاظني قوله.
فقلت: لعن الله حكمةً مشوبةً بكُفر.
فقال لي آخر: إن عندي مُسلماً يتقدّم أهل هذا العِلم.
فرجوت - مع ذكرهِ الإسلام - خيراً فقلت: ائتني به، فأتاني برجل قصير دحداح مجدُورٍ آدم أخفش العينين أجلح أفطس سيِّئ النّظر قبيح الزيّ، فسلّم فرددتُ عليه السلام، ورفعت مجلسه وأكرمته، وقلت له: ما اسمك؟ فقال: أُعرف بكنيةٍ قد غلبت عليّ.
فقلتُ: أبو مَن؟ فقال: أبو يحيى.
فتفاءلتُ بملَك الموت عليه السلام، وقلتُ: اللهم إني أعوذ بك من الهندسة، فاكفني اللهمَّ شرَّها، فإنه لا يصرف السوء إلا أنت، وقرأتُ " الحمد " ، و " المعَوِّذَتَيْن " ، و " قل هو الله أحد " ثلاثاً، وقلتُ له: إن صديقاً لي جاءني بنصرانيٍّ يتّخذ الأنداد، ويدّعي أن لله الأولاد ليُغويني ويستفزّني (ولَوْلاَ رَحْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرينَ)، فصرفته أقبح صرف، ثم ذُكِرتَ لي فرجوت - بذكر إسلامك - خيراً.
فهلُمَّ أفِدنا شيئاً من هندستك، وأقبسنا من طرائف حكمتك ما يكون لنا سبباً إلى رحمة الله ووسيلة إلى غُفرانه، فإنها أربح تجارة وأعودُ بضاعة.
فقال: أحضرني دواةً وقرطاساً.
فقلت: أَ تدعو بالدَّواة والقرطاس، وقد بُليتُ منهما ببليّة كَلْمُها لا يندَمِل عن سُوَيداءِ قلبي؟ قال: وكيف كان ذلك؟ قلت له: إن النصراني نقط لي نقطةً كأصغر من سمّ الخياط، وقال لي: إنها معقولة كربّك الأعلى، فوالله ما عدا فرعون في إفكه وكُفره.
فقال لي: فإني أُعفيك، لعنَ الله قُويري وما كان يصنع بالنُّقطة؟ وهل بلغت أنت أن تعرف النقطة؟ فقلت: استجهلني وربّ الكعبة، وأنا قد أخذت بأزمّة الكتابة، ونهضت بأعبائها، واستقللت بثقلها يقول لي، لا تعرف فحوى النُّقطة، فنازعتني نفسي في معاجلته بغليظ العُقوبة، ثم استعطفني الحِلم إلى الأخذ بالفضل.
(1/48)
________________________________________
ودعا بغُلامه وقال: ائتني بالتّخت، فوالله ما رأيت مخلوقاً بأسرع إحضاراً له من ذلك الغلام، فأتاه، فتخيَلت به هيئةً منكرة ولم أدر ما هو، وجعلت أُصوّب الفكر فيه تارةً وأًصعّد أُخرى، وأجيل الرأي ملياً وأُطرق طويلاً، لا أعلم أي شيءٍ هو، أَ صندوق هو؟ فإذا ليس بصندوق، أَ تخت هو؟ فإذا ليس بتخت، فتخيّلته كتابوت لحد. فقلت: لحدُ الملحد يُلحد به وبالنّاس عن الحقّ. ثم أخرج من كُمّه مِيلاً عظيماً فظننته متطبّباً وإنه لمن شرار المتطبّبين.
فقلت له: إن أمرَك لعَجَب كله ولم أرَ في أميال المتطبِّبين كميلك، أتقفأُ به الأعين؟ فقال: لستُ متطبِّباً ولكني أخطُ به الهندسة على هذا التخت.
فقلت له: إنك وإن كنت مبايناً للنصراني في دينه، إنك لمؤازره في كُفره، أَ تخطُّ على تختٍ بميلك لِتعدل بي عن وضح الفجر إلى غسق الليل؟ وتميل بي إلى الكذب باللَّوح المحفوظ وكاتبيه الكرام؟ أَ إِيايَ تستهوي؟ أم حَسبتني ممّن يهتزّ لمكايدكم؟ فقال: لستُ أذكر لك لوحاً محفوظاً ولا مُضيعاً، ولا كاتباً كريماً ولا لئيماً، ولكني أخُطُّ به الهندسة، وأُقيم عليها البرهان بالقياس والفلسفة.
وأخذ يخطّ وقلبي مُروَّع يجب وَجيباً.
فقال لي غير مُستعظِمٍ: إن هذا الخط طول بلا عرض، فذكرت صراط ربّي المستقيم، وقلتُ له: قاتلك الله! أَ تدري ما تقول؟ تعالى صراط ربّي عن تخطيطك وتشبيهك وتبديلك وتحريفك وتضليلك، إنه لصراطٌ مستقيم، وإنه لأَحدُّ من السيف الباتر، والحُسام القاطع، وأدقُّ من الشَّعر، وأطول مما تمسحون، وأبعَد مما تذرعون، ومداه بعيد، وهولَهُ شديد؛ أَ تطمع أن تُزحزِحَني عن صراط ربي أم حسبتني غُمْراً غبياً لا أعلم ما في باطن ألفاظك ومكنون معانيك؟ والله ما خططت الخطّ وأخبرت أنه طولٌ بلا عرض إلا حيلةً بالصراط المستقيم لتُزِلَّ قدمي عنه، وأن تُرديني في نار جهنّم.
أعوذ بالله وأبرأ إليه من الهندسة، ومما تدلُّ عليه وترشد إليه، وإني بريءٌ من المهندسين وما يُعلنون ويُسرُّون، ومما به يعملون؛ ولَبئس ما سوّلت لك نفسك أن تكون من خزنتها بل من وقودها، وإنّ لك فيها لأنكالاً وسلاسل وأغلالا، (وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وعَذَاباً أَليماً). قُم إلى لعنة الله وغضبه! فأخذ يتكلم. فقلت: سُدّوا فاه مخافة أن يبدر منه مثل ما بدّر من المضلِّل الأول، وأمرتُ بسحبه فسُحب إلى أليم عذاب الله ونارٍ (وَقُودُها النَّاسُ والحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ).
ثم أخذتُ قرطاساً وكتبتُ بيدي يميناً آليتُ فيه بكل عهدٍ مُؤكَّد، وعقدٍ مُردَّد، ويمينٍ ليست لها كفّارة - أن لا أنظر في الهندسة أبدا، ولا أطلبها، ولا أتعلّمها من أحدٍ سرّاً ولا جهراً، ولا على وجهٍ من الوجوه، ولا بسببٍ من الأسباب؛ وأكَّدتُ بمثل ذلك على عقبي وعلى أعقاب أعقابهم: أن لا ينظروا فيها ولا يتعلّموها ما قامت السموات والأرض، إلى أن تقوم الساعة (لِميقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ).
فهذا بيانُ ما سألت - أعزّك الله - عنه مما دُفعتُ إليه وامتٌحنت به، ولتعلم ما كان مني، ولولا وَعكةٌ أنا في عَقابيلها لحضرتك مُشافِها، وأخذتُ بحظّي المُتمنّي من الأُنس بك، والاستراحة إليك؛ فمَهِّد على ذلك عُذري، فإنّك غير مُباين لفكري، والسّلام.
رسالة أبي العباس أحمد بن يحيى بن محمد بن ثوابة إلى أبي العباس أحمد بن الطيّب هذه، فيها مُعتبر واسع، وإشراف على عقلٍ مدخول، وهي شقيقة قول ابن عبّاد في الحكاية التي جرت قبل هذه؛ وليس ينبغي أن يُغتَرّ بالإنسان إذا كان فصيحَ العبارة، كثير التّشقيق، مديدَ النّفس، قادراً على السّجع، سهل الارتجال؛ فقد يأتلف هذا كلُّه والعقل ناقص، وقد يُفقَد هذا كلّه والعقلُ راجح.
وقلتُ لأبي سعيد السيرافيّ شيخ الدُّنيا: قال أبو زيدك يقال إنه لكثير فضيض الكلام، أَ يرادُ بهذا مدح المذكور أم الزِّراية عليه؟ فقال لي: هو إلى الزّراية أقرب؛ لأن الفَضّ كسرٌ، ومنه: فضضت ختم الكتاب، ومنه: ضَرَبه فصار فُضاضا؛ والصّحيح خير من المكسور، وكأنه يراد بهذا أنه يرمي بهذا بالكلام مكسَّراً غير صحيح.
وإنما أتيت بهذا لأني سألت مرةً أبا السلم عن ابن عبّاد، فقال: إنه لكثير فضيض الكلام، ثم مرَّ بي لأبي زيد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق