الاثنين، 5 أبريل 2010

أخلاق الوزيرين لابي حيان التوحيدي

كأنه يعافك أن تنظر إليه، أو يتقّزز منك إذا كلّمك؛ يتجعّد عليك قبل أن تلاطفه، ويردّك قبل أن تسأله، ويؤنسك قبل أن ترجوه، ويحرمك قبل أن تمتري معروفه، ويسفك دمك إن أكلتَ خبزه؛ والويل لمن أعرب عنده، واستمر في كلامه معه، أو تخيّر لفظة له، أو نشر أدبه.
وكان يقول لمن يراه بارع اللفظ، خفيف الروح، لذيذ الحديث، خفيف اللسان؛ يا قُسُّ بنَ ساعدة! هاتِ حديثك، يا سحبان وائل مُرَّ في هَزَارك، يا سعيد بن حُميد! لا تحفل بنظارتك.
كل هذا بهُزءٍ وسُخرية وتهافت وكشرٍ عن نابٍ أقلح، ومَضغٍ للكلام، وليِّ الشّفقة والشِّدق كأنه ثلجٌ جامد، أو شيء تارز.
ولهذا قال ابن أبي الثيّاب:
أبا الفَضل لاَ في الجِنّ أنتَ ولا الإنسِ ... وطبعُك طبْعُ الموتِ يُورد في اليبْسِ
فهذا هذا.
وحضرتُ مجلسه ذات عشيةٍ في شهر رمضان مع الفقهاء والزّعيم ابن شاذان، وهو على القضاء؛ فلما كادت الشمس تَجِب وهي حيّة بعد، وقف حاجب له حِيال الجماعة، وأشارَ بالقيام والانصراف، فقطعوا متن مسألة كانوا فيها وتركوها بَتْراء، وتبادروا إلى الخروج من الباب؛ وقعد عنهم شيّخ طبريُّ في كساءٍ عليه خَلَق.
فقال له الحاجب: قُم يا شيخ والْحَق بأصحابك، ما تأخُّرك عنهم، ولماذا أنت لازم مكانك من بعدهم؟ فقال الطبري: هذا فضل من الكلام، أنا رجل غريب قدمتُ اليوم من بلدي، ومحلّي من العلم قد بان في هذا المشهد العظيم الشرف، الكبير الفائدة، وهذا هو المساء، وأنا صائم، وإن خرجتُ أعجزُ عن مصلحتي في هذه العشيّة، والغريب أعمى، ولست أعدم ها هنا، إن شاء الله، ما يُمسكني إلى غد، ثم أغدو إلى شأني وما لا بُدّ منه لغريبٍ مثلي في بلد الغُربة.
فقال له الحاجب: أنت طبريُّ وليس في قلنسوتك حشوٌ ولا قُطن، والكلام معك يصدّع، وأقبَل بغضبٍ، وجذَب يده بِعُنف حتى أخرجه من المجلس بعد أن شتمه وخبّث القول له، ووكّل به من ألقاه وراء الباب مَدفوعاً في ظهره، مدقوقاً في قفاه، مشتوماً في وجهه.
وكل هذا بعين الرئيس الخسيس وسمعه، لأنه كان بهيئته في صدر مجلسه على حشيةٍ قد استلقى، وهو يسمع ويرى، فما قال في ذلك كلمة سوداء ولا بيضاء.
فلو شاهدت البائس الطبري على الباب، وقد احتَوَشَه المارّة يقولون له: يا شيخ! ما جِنايتك وما الذي دَهاك؟ قال: يا قوم! ذنبي أنني طمِعت في عشائهم، ورغِبت في المبيت عندهم، وأن أكون ضيفاً نازلاً بهم.
فقال له رجل منهم: أنت مجنون، لقد تخلّصت بدُعاء والدتك الصّالحة، وسلِمت سلامة عجيبة، أتطمع في طعام الأستاذ الرئيس، وإبليس لا يحدّث نفسه بهذا، والشياطين لا يقدرون على ذلك؟ ولقد أراد أن يُطيّر ابنه من رأس الجَوْسَق لأنه طلب زيادة رغيف في وظيفته.
وصُبّ على هامة أبي الفضل في تلك العشيّة من نوادر العامّة، وسخافات الحشوية من ضُروب الكذب والصّدق ما لا يُحصَّل؛ وللرازيّين جرأة على الكلام، وتخرّق في النوادر؛ ومن ذا الذي ردّ أفواه الغوغاء والأوباش؟ ولو افتدى من هذا كله برغيفين وقدرة لَحم لكان الرّبح معه، ولكنّ " الشقيّ بكلّ حَبْلٍ يُخْنَق " .
قال الخليلي مرّة: لا تنظر إلى نَقاء الثوب، وحُمرة الوجه، وفَرَاهة المركب، وإلى الضَّفف والحشد، والخيل المُسوَّمة العِتاق، ولكن انظر إلى عِرض الرّجل كيف هو؟ وإلى الشُّكر له كيف هو؟ وإلى درهمه من أين وجهه وإلى أبن توجّهه؟ واجهد أن تَسُلّ من تحت مُصلّى الرئيس أو مخدّته أو دواته تذكرته، وانظر فيها، فإن كان قد كتب بخطّه: يُتفقَّدُ فلان بكذا، أو يُسأل عن فلان ليُنظر في مصلحته، ويُحمل إلى فلان شيء من الحنطة وشيء من الذهب والفضة، ويُوفد فلان على فلان ليُصيب خيراً، ويُولى جميلاً، ويقلَّدُ فلان لينْجَبر قليلاً، ويُعفى عن فُلان وإن كان عظيم الجُرم، ويُستصلح أمر فلان وإن كان قد سدّ طريق ذلك، ويكلّم الأمير في باب فلان حتى بجدّد الرضا عنه.
فإن كانت التّذكرة مشتملة على هذه وأشباهها، فاعلم أن الله قد استخلف صاحبها على عباده، وجعله مناراً للمحتاجين في بلاده؛ وإن كان على غير هذا، فاغسل يدك منه بالأُشنان البارقي، ولا تَحُجَّه بأملك، ولا تقدّسه بثنائك، ولا تعْصِ ربَك بحسن ظنّك فيه، وعُدَّه في الموتى. وما أجود ما قال القائل:
من ضَنّ بمعروفٍ ... عَدَدناه من الموتَى
(1/72)
________________________________________
فكانَت راحةٌ منهُ ... ومِن سَوفَ ومِن حَتّى
فهل يكون - أبقاك الله - فعل ابن العميد بالشيخ الطّبري إلا فعل من خَذَله الله وأسلمه من يديه، ولم يؤهله لخير يُجْزَى به ويكون هو سبباً لتمامه؛ وهل هو إلا فعل ن في أصله خبث، وفي منشئه دَخَل، وفي طباعه خسّة ولؤم، مع قحة الوجه، ونذالة النّفس، وقلّة الاكتراث، والطُّغيان الذي هو باب الكُفر الذي هو خُسْران العاجلة والآجلة.
وقد كان يُمكن أن يدبّر ذلك الشيخ البائس بأقرب شيءٍ وأسهله، ولعلّه كان عند الله أبرَّ منه وأزكى؛ وكان يتّقي أن يُثنى عنه مثل هذا الحديث الذي مسموعه يغيظ، فكيف مشهوده؟ وإن طينةً تكون مبلولة بهذا الماء، موضوعة في هذا الهواء، مذكورة بهذه الأفعال والأسماء، أعتقد أن للكلب والقرد والخِنزير مزيةً عليها.
هذا، وهو صاحب المال المجموع، والذّخر الكثير، والضياع الفاشية، والصّامت الواسع؛ مع الاقتطاع والاحتجان، والسرقة والبَهت؛ كان ورِقه في ألف ألف درهم يردها في الخراج، وكان ارتقاعه يزل عن الحساب ويفوت التَّحصيل. وفيه قال ابن عبدان الإصفهاني:
الاستَاذون في الدّنيا كثيرٌ ... وما فيهم سِوى نَذلٍ خَسيسٍ
وكلُّهُم أَرواهمْ عن قَريب ... فِدَا الأَستاذِ سَيّدنا الرئيسِ
وسيدُنا الرئيسُ فِداءُ كلْبٍ ... فما هو بالرَّئيس ولا النَّفيسِ
والعجب من بخل هذا الرجل ونذالته، مع تفلسفه، وتكثره بذكر أفلاطون وسُقراط وأرسطوطاليس ومحبّته لهم، مع علمه بأن القوم قد تكلّموا في الأخلاق وحدّدوها وأوضحوا خفاياها، وميزوا رذائلها، وبيّنوا فضلها، وحثّوا على التخلّق بها، وساقوا ذلك كله على الزهد في الدنيا، والقناعة باليسير من حُطامها، وبذْل الفُضول منها للمحتاجين إليها والمنتجعين بسببها، والاقتصار على ما تماسك به الرّمق من جميع زخارفها، وتحصيل السّعادة العُظمى برفْض الشهوات القليلة والكثيرة فيها، والإحسان إلى الناس وغير الناس بغير امتنان ولا اعتداد، ولا طلب جزاء ولا استحماد؛ كأنه لم يسمع بما قال عبد الملك بن مروان، أو سمع، ولكن حمَّق عبد الملك عليه، ولم يعلم أن الصواب فيما قال، والحَزمَ مع ما اختار.
حكى العتبي قال: قال عبد الملك لأُميّة بن عبد الله بن خالد بن أُسيد: ما لك ولابن حُرثان حيث يقول فيك:
إذا هَتَف العُصفُورُ طار فُؤادُهُ ... وليثٌ حَديدُ النَّاب عند الثّرائدِ
قال: يا أمير المؤمنين، وجَب عليه حدٌّ فأقمته.
قال: فهلاّ درأته بالشُّبهات؟ قال: كان الحدُّ أبيَن، وكان زعمه أهوَن.
قال عبد الملك: يا بني أُمية! أَحسابكم أَنسابكم، لا تُعرِّضوها للجهّال؛ فإن كلامهم باقٍ ما بقي الدّهر. والله ما يسرّني أني هجيتُ بمثل هذا البيت وأن لي ما طلعت عليه الشمس:
تَبِيتُون في الْمَشْتَى مِلاَءً بُطونُكُم ... وجَارَاتُكم غرْثى يَبِتْن خَمائِصَا
ثم قال: وما على من مُدح بهذين البيتين أن لا يُمدح بغيرهما، وهما لزُهير:
هنالك إن يُستَخْبلوا المالَ يُخْبِلوا ... زإن يُسْألوا يُعطُوا وإن يَيْسَرُوا يُغْلُوا
***
عَلَى مُكْثِريهم حَقُّ مَنْ يَعْتَرِيهِمْ ... وَعندَ المُقِلِّينَ السَّماحةُ والبَذْلُ
قال الأندلسي: استفدنا من رواية هذا الشيخ أن هذا الخليفة روى: " يُستَخبلوا المالَ يُخبِلُوا " فإنه كان عندنا: " يُستَخْوَلوا المالَ يُخْوِلوا " ولكلٍّ وجه، ولكن الأُنس بهذه الرواية أكثر.
وصدق عبد الملك في مُناقلته لحُرثان، ودلّ على الكرم المنافس عليه، ونهى متابعة الهوى وقلة المبالاة، وسوء النّظر في العاقبة؛ وإن بعض الفتيان البطّالة إذا قال: " والله لأَتَعرَضنَّ لجنايةٍ أُضرَبُ عليها أَلف سَوطٍ فيصحّ عند الفتْيان صَبري " لأعذر عند الناس ممن يتعرّض لحرمان مختبطٍ لمعروف، ومنعٍ لمنتجع خير، وإساءة قِرى طارق، وتكليح وجهٍ في وجه سائل.
وما أسهل قول الإنسان: دع الشاعر فليقل ما شاء، ودع الزائر فليفْرِ فَرْيَهُ كيف أَحبّ! ولكنه إذا زلَّ القول، وطار الحديث، وتمّت النادرة، فأين المتدارك؟ وأين المعتذر؟ وأين المتلافي؟ هيهات!
(1/73)
________________________________________
والعرب تسمِّي رجلين مُخْلِداً؛ أحدهما؛ مَن يتأخّر شيبه، فتقول: هذا مُخْلِد، والآخر هو الذي يُمدَح بعد موته.
ومن لم يرغب في الثناء فقد رغب عن مِلّة إبراهيم خليل الرحمن، لأن الله تعالى أخبر أنه سأله ذلك، وما سأله إلا بعد أن أذِن له، وما أذن له إلا بعد أن علم أنه الخلق الأسنى والاختيار الأعلى، والطريقة المثلى، فقال: (وَاجْعَل لي لِسَانَ صِدْقٍ في الآخِرِين) وقال: (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ في الآخِرينَ).
ثم وضع الله من أقدار قوم وأبقى ذمّهم في الغابرين فقال: (فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ)، فرأى ذلك نهاية في تهجينهم والغض من أخطارهم، وأن يتحدث عنهم بما يبعث على الاعتبار بمن أساء لنفسه النّظر والاختيار، قال الشاعر:
ثَمَن المَعروف شُكْرٌ ... ويَدُ الإحسانِ ذُخْرُ
وثناءُ الحَيِّ لِلأمْ ... واتِ في الأحياء عُمْرُ
وقال أبو هفّان في ابن عبّاد:
للهِ دَرُّك قد أَكملتَ أربعةً ... ما هُنَّ في أحدٍ من سَائر البشرِ
العِرض مُمتَهَن والنّفسُ ساقِطةٌ ... والوجهُ من سَفَن والعَين من حَجَرِ
أنشد بعضهم في ابن عباد، وذمّ سجعه وعقله وخطّه وقال:
مُتَقلِّب كافي الكُفَاة وإنّما ... هو في الحَقيقة كافِرُ الكُفَّارِ
السَّجْع سَجعُ مُهوّس والخَطُّ خَطُّ مُنَقْرس والعقل عقلُ حمارِ
وقلت للنتيف المتكلم: أرى ابن عباد كثير الخلوة بهؤلاء العفاريت الذين تجاوزوا حدّ الغلومية، أَ تُرى ذلك لفحشاء وتُهمة؟ فقال: أَ ما سمعت قول الشاعر:
كم حَرْبةٍ في القَوم صارت جَعْبَةً ... فاستُر علَيه فالحديث يطولُ
وإذا الفتَى حاَمَى على ذِي لحيةٍ ... حُبّاً لَه فوراءَه عَاقُولُ
وكان قليل التّحاشي من القاذورات، وهو الذي ألصق به الرّيبة، وسوَّغ فيه الغيبة، وصار الإنسان إذا ذكر مساويه لا يخاف مأثماً، ولا يرتقب لا ئماً. على أن مساويه تفوت الحصْر، وتندُّ عن التَّحصيل.
قال ابن عباد لنُدَمائه: ما أول قول الشاعر:
وأَن غداً للناظرين قريبُ
فقال الخُوارزمي: أوله:
أَ لم تَرَ أَن اليَومَ أَسْرَعُ ذاهِبٍ
وقال ابن الأعرابي: تمامها لنصيح بن منظور الفقعسيّ، وهو:
إذا ما خَلوتَ الدَّهرَ يوماً فلا تقلْ ... خلوتُ ولكن قل عَلَيَّ رقيبُ
فلا تَحسَبَنَّ الله يَغفَلُ ساعةً ... ولا أنَّ ما يخْفى عَليْه يَغيبُ
فَأَحسِن وأَجْمل ما استَطعتَ فإنما ... بقَرضِك تُجْزَي والقُروضُ ضروبُ
فلا تَكُ مَغروراً تَعَلّلُ بالمُنَى ... وقُل إنما أُدْعَى غداً فأُجِيبُ
أَ لم تَرّ أَنَّ اليومَ أسرعُ ذاهب ... وأَنَّ غداً للنّاظرين قريبُ
وأنَّ المَنايا تحتَ كل ثنيَّةٍ ... لَهُنَّ سِهام ما تَزال تُصيبُ
ذهَبْن بإِخوَان الصَّفاء فأَصبَحَتْ ... لهُنَّ علينَا نَوبَةٌ سَتَنُوبُ
فأقبل عليه بوجهٍ كالِح أربَد، وقال: أعرفك نذلاً جاهلاً، مأبوناً باطلاً، إنما تُرينا من نفسك أنك تحفظ وتُحسن؛ التُّراب في فيك يا كلب، ومتى نبتَّ، ومن أبوك، وعمّن أخذت، وإلى من اختلفت؟ بلى، اختلفت عليك الأمور، وأُنفقت في دُبُرك أُيور، أنت بمخازيها مشهور، وقوّادُك بعد ما مات، وجذرك بعد ما نُسي؛ مثلك يجترئ في مجلسنا؟ ويقابل بوجهه وجهنا؟ والله لولا رعايتنا التي جَرَت بها عادتنا لعرفتنا وعرفتَ نفسك بنا. وعلى هذا وما كاد يسكت.
فكان جنونه غريباً في أنواع الجنون، لأن الجنون إذا زاحمه العقل، والعقل إذا طلاه الحُمق لم يكمل الإنسان؛ وأنت إذا قست هذا إلى العاقل، وإلى الأحمق، وإلى العاقل الذي يعتريه الحمق، وإلى الأحمق الذي يعتريه العقل.
فهذا كما ترى.
ومن تحلّى بالسيادة، وسام الناس الانقياد له بالطّاعة، يحتاج إلى خصالٍ كثيرة يكون مطبوعاً عليها سوى خصالٍ أُخر يكون مشغوفاً بها وباكتسابها من أصحابها، وبالمُجالسة والسَّماع والقراءة والتَّقبل. وما أحسن ما قال عَديّ بن حاتم في صِفة السيّد حين سُئل مَن السيّد؟
(1/74)
________________________________________
فقال: السيد هو الأخرق في ماله، الذّليل في عزّه، المطَّرح لحقده، المعنيُّ بأمر جماعته.
وكان ذو الكفايتين يقول: خرج ابن عباد من عندنا، يعني الريّ متوجهاً إلى أصفهان، ومنزله ورامين، فجاوزها إلى قرية غامرة على ماءٍ ملح، لا لشيء إلاّ ليكتب إلينا: كتابي من النَّوبهار، يوم السبت نصف النّهار.
يا قوم! هل هذا إلا رقاعة؟ واعلم - حاطك الله - أن الكمال عزيز، فإن ما ربحه أبو الفضل بالعقل خَسِره بالبخل، وكلّ ما زاد ابن عباد بالسخاء نقص بالحمق، على أن العقل لا يكون تامّاً وهناك خساسة، والسّخاء لا يكون محموداً وهناك حماقة، والبخل في الجملة غالب على المتفلسفين، كما أن الحماقة غالبة في الجملة على المُنشئين.
وسمعت علي ابن المُنجم يقول: وكان محذقاً حلو الحديث، وقد سُئل: لمَ غلب البُخل على كل مُتفلسف؟ فقال: وجدنا الغالب على الناظرين في حقائق الأمور، والباحثين عن أسرار الدّهور، وهم الموسومون بطلب الحِكمة التي هي الفلسفة، التمسُّك بكل عرض يملكونه، حتى إنهم لا يُفرجون عن شيء إلا بمشقة شديدة، ولا يجدون ألم الشُّح والبخل، ولا يأنفون من عارهما؛ وطلبنا العلّة في ذلك مع ما يقتضيه مذهبهم من الزُّهد والبذل والإيثار والتكرُّم، فوجدناها في آثار النجوم والنظر في دلالتها؛ وذلك أن الذي يدلّ على علم الحقائق والغَوْص فيها، واستيفاء الفكر فيها زُحل مع عطارد بالاشتراك. وزحل يوجب مع شهادته الأُولى الحَصرَ والحَسَد والضّيق والبُخْل؛ لأن البخل يكون من جهة الخوف من الفقر، وزحل يوجب عجز النفس، وخُضوعاً عند الحاجات، وإشفاقاً على الفائت لعُسر آثار زُحَل وكثرة تغيُّر أحوال عطارد.
قال: وهذه الدلالة موافقة لما في الطبيعيات، وذلك أن البرد واليبس، من آثار زحل، يوجبان عوارض السَّوداء؛ وأخلاق النفس تابعة بالنظر الأول لمزاج البدن، فلذلك يستحيل إليه، وكذلك حال عطارد في خصوصيته باليُبس، ولأن الحرارة معدومة في زحل وعطارد، والسَّخاء من جنس الشّجاعة المُشاكلة لقوة الحرارة، والبخل من جنس الجُبن المشاكل لقوة اليبس الذي يوجب العجز وضيق الصدر والخوف في الحاجات.
قال: ولأن الزهرة لها في الأمور الإلهية والدلالة على الوحي وطهارة الأخلاق مع ما توجبه من الشهود والنعمة والبذل والقوة الانفعالية بسبب الرطوبة الغالبة عليها؛ فهي إذا أعطت أعطت الحقائق بغير تكلّف، بل على سبيل الوحي، وتميل النفس إلى طهارة الأخلاق والتهاون بالمال للمُباينة الواقعة بين الأمور الإلهية والأمور الطبيعية التي بها يُطلب المال ويتمسك به، فالذي يشرك في تديره بين العلوم والخلُق الزُّهرة، ويكون صاحبها مصادقاً للحقائق عفواً مُبغضاً للمال طبعاً.
والذي يغلب على تدبيره في العلم والخلق زحل، وعُطارد يتكلف العلم ويحب المال، ويكون مغلوباً بالبُخل.
وكان جريج المقل إذا جرى حديث أبي الفضل قال:
صَبورٌ على سَوء الثَّناءِ وقاحُ
وأنشد فيه:
ولا يَستَوي عند كَشف الأُمو ... رِ باذلُ مَعروفِه والبخيلُ
ولا تعجب من إطلاق مثل هذا في ذوي الرياسة، فإنه مسبوق إليه في القديم والحديث؛ هذا محمد بن الجرّاح عمُّ عليّ بن عيسى الوزير ساقَ في كتابه في " أخبار الوزراء " فقال: كان آل برمك أندى من السّحاب، وآل وهب أخس من الكِلاب، وأنشد جريج المقل في أبي الفضل:
لنا فيلسوفٌ عالمٌ بالطبائع ... يُخَبِّرنا من طبّه بالبَدائع
رأى البُخْل حِذقاً فهو يَحمي ويحتمي ... فلستَ تَرى في دارِه غيرَ جائع
وَيزعم أَن الفَقْر في الجُودِ والنَّدَى ... وأن ليس حظٌ في اكتساب الصّنائع
ستَعلم بعدَ الموت أنّك نادِمٌ ... وأنّ الذي خلَّفتَ ليس بنَافِعِ
لقَد أَمِن الدُّنيا ولَم يخشَ صرفَها ... ولَم يَدْرِ أَن المرءَ رَهنُ الفجائع
وقال: كان يدّعي له العقل وهو لا يرجع إلى دين، وكل من فسد دينه فسد عقله. قد أعجبته فلسفته التي لا يحظى منها بطائل، ولا يتبيَّن بين أهلها بحقيقة. أَ مِن العقل أن ينشد كلّ شعرٍ لملحد، ويردّد كل لفظ غَث ومعنىً ثقيل؟ أنشد يوماً قول النَّضر بن الحارث:
(1/75)
________________________________________
يُخبِّرنا ابنُ كبشَة أن سَنَحْيا ... وكيفَ حياةُ أَصداءٍ وهَامِ
أَ يَقتُلُني إذا ما كنتُ حَياً ... ويُحيِيني إذا رمَّت عظامِي
وأنشد آخر:
أَصبحتُ جَمَّ بلابِل الصَّدر ... وأبيا منطوياً على غَمْر
إن بحت طُلَّ دَمي وإن ... أَسكتْ يَضيق بذاكُمُ صَدْري
وقال: هذا لصالح بن عبد القُدُّوس العاقل المُجيد، أما سمعت قوله الآخر:
باحَ لساني بمضمَر السِّرِّ ... وذاك أَني أَقول بالدَّهر
وليسَ بعدَ الممات مُنقلَبٌ ... وإِنما المَوْت بيضة العُقْر
وهذه أمور قبيحة من سفلة الناس، فكيف من عليتهم؟ وإذا سكت الناس عنهم في حياتهم خوفاً منهم، نطقوا بها بعد موتهم تقرباً إلى الله تعالى بالصدق عنهم.
فلا يَهِيدنَّك ما تسمع؛ فإن الله تعالى لا يُقيّص للمُحسن إلا المحسن، كما لا يُلجيء المُسيء إلا إلى المُسيء.
ورأيت العَسْجَديّ يقول لجريج المقل: كيف وجدت هذا الرجل؟ يعني أبا الفضْل.
فقال: يابس العود، ذميم المعهود، سيء الظن بالمعبود، ومثله لا يَمْجُد ولا يَسود.
فقال له العسجدي: أَ فلا ترى ذهه الأُبّهة والصِّيت والغاشية والموكب؟ فقال: هذا وإن كان من الدولة، فهي غير السُّؤدُد، والسلطان غير الكرم، والجِدة غير المحمدة؛ أين الزُّوار والمنتجعون؟ وأين الآملون الشاكرون، وأين المُثنون الحامدون؟ وأين الواصفون الصّادقون؟ وأين المنصَرِفون الرَّاضون؟ وأين دار الضيافة والخدم المرتبون للخدمة؟ هيهات! لا تجيءُ بالطَّقطَقة والرَّقرقة؛ أما تسمع الشعر:
أَبا جَعفرٍ ليس فضلُ الفتَى ... إذا راح في فَرْط إِعجابِهِ
ولا في فَراهة بِرْذَوْنِهِ ... ولا في نَظافة أَثوابِهِ
ولكنَّه في الفَعال الجَمِي ... لِ والحسَبِ الأَشرَف النَّابِهِ
وكان أبو الفضل يُطري البُحتريّ ويُعجب من عزله وتشبيبه، ويستسهل في الجملة طريقته، ورجل حاضرٌ يُخالفه في ذلك، فقال أبو الفضل:
البُحتريُّ يَرومُ غايةَ شِعرِهِ ... من لا يُقيم لنفسِهِ مِصْراعاً
أَنَّى يَرومُ مَنَالَه ولو ابتغَى ... تَقْويم قَافيةٍ له ما اسْطاعا
جَذَب العَلاءُ بضَبْعِهِ فأَحلَّه ... بينَ المَجَرَّةِ والسِّماك رِبَاعا
وغَدَوْتَ ملتزِمَ الحضيض فكلَّما ... فَرَعَ العُلا باعاً هَبَطتَ ذِراعاً
قال: فخري الرجل وسكت.
وحدثني أبو الطيب الكميائي قال: قلتُ لأبي الفضل - بعد أن سمّ الحاجب النَّيسابوري، وبعد أن خطب على حَمْد، ودَسَّ إلى ابن هنْدُو وغيرهم من أهل الكتابة والمروّة والنّعمة: لو كفَفت، فقد أسرَفت.
فقال: يا أبا الطيّب! أنا مُضطَرّ.
فقلت: أيّ اضطرار ها هنا؟ والله إن مُخادعتنا لأنفسنا في نفعنا وضرِّنا لأَعجب من مُكابرة غيرنا لنا في خيرنا وشرّنا، وهذا والله رَيْنُ القلب وصَدَأُ العقل، وفساد الاختيار وكَدر النفس، وسوء العادة، وعدم التّوفيق.
فقال: يا أبا الطَّيِّب! أنت تتكلم بالظاهر، وأنا أحترق في الباطن.
فقلت: إن كان عُذرك في هذه السيرة المخالفة لأهل الديانة وأصحاب الحِكمة قد بلغ بك هذا الوضوح والجَلاء فإنك معذور عندنا، ولعلّك أيضاً مأجور عند الله مالك الجزاء.
وإن كنت تعلم في حقيقته غير ما تُراجعني عليه القول، وتُناقلني فيه الحِجاج فإنك من الخاسرين الذين قد باءُوا بغضبٍ من الله على مذاهب الناس أجمعين.
فَبَكى.
فقلتُ: البكاء لا ينفع إن كان الإقلاع ممكناً، والنّدم لا يُجدي متى كان الإصدار قائماً؛ هذا كلُّه بسبب ابنك أبي الفتح؛ والله إنّ أيام ابنك لا تطول، وإنَّ عيشه لا يصفو، وإن حاله لا يستقيم وله أعداءٌ لا يتخلّص منهم؛ وقد دلَّ مولده على ذلك. وإنك لا تدفع عنه قضاء الله، وهو لا يُغني عنك من الله شيئاً. فعليك بِخُويْصَةِ نفسك.
وهذا موضع يُروى عنه بعض ما هو فائدة من الأدب والحكمة، وإن كان استيعاب ذلك شاقّاً؛ فإن الرجل كان كثير المحفوظ جيد الاقتضاب.
(1/76)
________________________________________
حدَّثني ابن فارس: جرى بين يديه أسماء الفرج وكثرتها، فقال بعض الحاضرين: ماذا أراد العرب بتكثيرها مع قُبحها؟ فقال: لما رأوا الشيء قبيحاً جعلوا يكنون عنه، وكانت الكناية عند فُشُوِّها تصير إلى حد الإسم الأول فينتقلون إلى كناية أخرى، فإذا اتّسعت أيضاً رأوا فيها من القبح مثل ما كنوا عنه من أجله، وعلى هذا، فكثرت الكنايات، وليس عندهم تكثيرها.
وحدثني الهروي قال: سألت يوماً ابنه أبا القاسم؛ أخاً كان لذي الكِفايتين مات قبله - عن قول الشاعر:
فما لَكُم طُلْسَ الثّياب كأَنكم ... ذئابُ الغَضَا والذئبُ بالليل أَطلَسُ
فقال ولده: هو ظاهر إلا أن يكون تحته معنىً.
قفلت ممازحاً له: أَ هو ظاهر لك أو ظاهر عنك أي غائب؛ ومعنى ظاهر عنك أي مُجانب لك بارزٌ عنك. ومنه قول الهُذليّ:
وعيَّرها الواشون أَني أُحبُّها ... وتلك شَكاةٌ ظاهرٌ عنكِ عارُها
وفسّر البيت فقال: مالكم مجاهرين لي بالعداوة ولا تجاملونني في حال، فالذّئب أصلح منكم لأنه بالليل أطلس أي مجاهر بالليل فقط، ومُداجٍ بالنهار؛ فهو مجاهر في وقتٍ ومُداج في وقت، وأنتم مُصرّون على العداوة.
وكان يحفظ فقراً كثيرة لابن المعتز، ويرويها في مجلسه في الوقت بعد الوقت، وكان يُوهم من حضر أنه من اقتضابه.
منها قوله: إن في الحكم: أن المتواضع من طلاب العلم والحِكَم أكثرهم حظاً، كما أن المكان المتطامن من أكثر البقاع ماءً.
وأنسُ الأمن بوحشة الوحدة، ووحدة الخوف تذهب بأُنس الجماعة.
ومنع الحافظ خيرٌ من عطاء المضيّع.
وإذا طرت فقع قريباً.
والرجال يُفيدون المال، والمال يُفيد الرجال.
إذا أبصرت العين الشّهوة عَمي القلب عن الاختيار.
من رأى الموتَ بعين أمله رآه بعيداً، ومن رآه بعين عقله رآه قريباً.
العقل صفاء النفس، والجهل كدرها.
لا تلبس السلطان في وقت اضطراب الأمور عليه، فإن البحر لا يكاد راكبه يسلم في حال سكونه، فكيف مع اختلاف رياحه واضطراب أمواجه.
وإن الله تعالى أضاف إلى كل مخلوق ضدّه ليدلّ على أن الوحدة له وحده.
كرمُ الله لا ينقص حِكمته. ولذلك لم تقع الإجابة لكلّ دعوة.
للطالب المُنجح لذّة الإدراك، وللطالب المحروم لذة اليأس.
ومن صحب السلطان فليصبر على قسوته كصبر الغوّاص على ملوحة ماء البحر.
والعالم يعرف الجاهل لأنه كان مرة جاهلاً، والجاهل لا يعرف العالم لأنه لم يكن مرة عالماً.
ومن جعل الحَمْد خاتماً للنّعمة جعله الله مفتاحاً للمزيد.
لو تميّزت الأشياء لكان الكذب مع الجُبن، والصِّدق مع الشَّجاعة، والراحة مع اليأس، والتّعب مع الطمع، والحرمان مع الحرص، والذُّلّ مع الدَّيْن.
ومالُ الميّت يُعزّي ورثته عنه.
كيف تريد من صديقك خُلُقاً واحداً وهو ذو أربع طبائع.
تُرقّع خرق الدنيا ويتّسع، وتشعبها وتنصدع، وتجمع منها ما لا يجتمع.
وكان مليّاً بهذا النّمط ويُفرغ في قالبه، ولكن لم يكن له منه إلاّ لقعة اللِّسان وصَدَى الصوت، وتقطيع اللفظ. فأما التحلي والعمل فكان منهما على بعد؛ والعقل متى لم يُثمر كرَماً فهو وبال، والحكمة متى لم تُورث عملاً فهي خَبال؛ والكرم ما قاله الأعرابي حين سُئل عنه، فإنه قال: أما الكرم في اللقاء فالبشاشة، وأما في العشرة فالهشاشة، وأما في الأخلاق فالسّماحة، وأما في الأفعال فالنصاحة، وأما في الغِنى فالمشاركة، وأما في الفقر فالمواساة.
قلت لأبي السلم نجبة بن علي: أَ ابن عباد أحبُّ إليك أم ابن العميد؟
(1/77)
________________________________________
قال: ما فيهما حبيب، على أني برقاعة هذا أشدُّ انتفاعاً مني بعقل ذاك؛ هذا يغضب إذا ترّفعت عن عطائه، وقبضت يدك عن قبول بِرِّه، ومشيت ناكباً عن بابه وقصده؛ وذلك كان يحقد إذا رجوته وتعرّضت له، ويغضب إذا أثنيت عليه وطمعت فيه؛ وهذا يكذب مُتماجناً، وذاك كان يصدق مع الدّماثة ويغيظ؛ وهذا يفعل الخير وإن قاله وأفشاه وبجِحَ به وسحب ذيله عليه، وذاك كان لا يُقلع عن الشر وإن قرع في وجهه باللائمة، وكُشِط عرضه بالمذمّة؛ وهمُّ هذا في الأخذ والإعطاء، والإبعاد والإدناء؛ وكان دأب ذاك الجمع والمنع والتفلسف ليقع اليأس منه، ويتلذذ بالخيبة عليه؛ وهذا يقول ويفعل بعض ما يقول متجلّداً، وكان ذاك لا يهم ولا ينوي ولا يظنّ ولا يحلم، فضلاً عن القول المٌطمع والعمل النافع؛ وعيبُ هذا أنه يذوب حتى لا يحصل لك منه شيء؛ وكان عيب ذاك أنه يجمد حتى لا تنتفع منه بشيء.
وقلت لأبي السلك يوماً، وقد خرج من دار ابن عباد: كيف ترى الناس؟ فقال: رأيت الداخل ساقطاً، والخارج ساخطاً، وأخذ من قول شبيب؛ فإنه خرج من دار المهلّبي وقال: تركت الداخل راجياً، والخارج راضياً.
وكان أبو السلم من فصحاء الناس؛ سمعته يقول: الكَسير يعثم والحَسِير يوثم.
وقال أيضاً: ما أحسَنَ مِنْقادَ هذا الطائر، بالدال.
وقال للبديهي، لما رأى تعسُّفه في العربية: يا هذا! الكلام لا يُواتيك قسراً ولا يُطيعك كارهاً، تكلّم عن سجية النفس، وعفو الطّباع، واطّرح البقية جانباً، وجانب التكلّف، واتّبع المعنى يتبعك اللفظ، والْحَظِ العقل، فنه نورك، والزم الجادة فهي مسلكك، ولا تذلنّ فتخزى، ولا تعزّن فتُقصَى، وتحكَّم وأنت مٌبقٍ، وخُذ كأنك مُعْطٍ، وكسِّر لهاتك بتصاريف الكلام مُشققاً لا مُتشدِّقاً، تبلغ إرادتك، تملك عادتك.
قلت له: كيف كان حديث ابن العميد؟ قال: " أَلذُّ من السَّلْوَى إذا ما نَشُورُها " وحديث ابن عباد أنتَن من الصُّنان، وأثقل من الصُّدام،وأبغض من القضض في الطعام، وأوحش من أضغاث الأحلام. يتحاشى كأنه صبي مترعرع، يطن أن الأرض لم تقلَّ غيره، وأن السماء لم تُظِلّ سِواه، أما سمعته يشتم في هذه الأيام إنساناً فقال: لعن الله الأهوج الأعوج الأفلج الأفحج الحَفَلَّج، الذي إذا قام لَجْلج وإذا مشى تفحّج، وإن تكلّم تلجلج، وإن تنعم تمجمج، وإن مشى تدحرج، وإن عدا تفجفج.
قال: فهل سمعت بكلام أنبى عن القلب وأسمَج من هذا؟ نعوذ بالله من العُجمة المخلوطة بالتّعريب، ومن العربية المخلوطة بالتعجيم.
ولو أن هذا النقص لم يدلّ إلاّ على اللفظ الذي معدنه اللّسان لكان العُذر أقرب، لكنه كاشفٌ لِعَوْرة العقل، هاتكٌ لستر المعرفة، ومن استدرجه الله إلى هذه الحال فقد خذله وإن ظنّ أنه منصور، وأفقره وإن حسِب أنه مُثْرٍ.
وسمعته يقول لكاتبٍ بين يديه، وقد كتبَ: " من إسماعيل بن عباد " ، وكانت العين من إسماعيل قد تطلّست، ولم يكن لها بياض المشقين بتعحرف للكاتب والقلم.
فقال: يا هذا! عيني هكذا ينبغي أن تُكتب بالله؟ أنت أعمى؟ أما ترى عيني؟ انظر إليها حسناً! أَ هي مطموسة، أَ هي مملوسَة، أَ هي مَطلوسَة، أَ هي مَهروسة، أَ هي ممْسوحَة، أَ هي مَنزوحة، أَ هي مَسطوحة؟ وما كاد يسكت.
وهل هذا إلا رقاعة وجهل وكلام رُقعاء المعلّمين والمخنّثين؟! وقال يوماً: ها هنا أشياء لا حقيقة لها.
منها: إمام الرافضَة، والاستطاعة مع الفِعل، والبَدَل للنجَار، والهيولَى.
فقال الحسين المتكلّم: والحال لأبي هاشم.
فقال: مما يوضح عندي معنى الحال أن مثلك لا يفهمه. وكان هذا الكلام بسبب تنكر له شديد.
فقلت أنشدني الأندلسيّ أبو محمد لبعض شعراء المغرب بيتاً ذكر فيه أشياء زعم أنه لا حقيقة لها.
فقال: وما ذاك البيت؟ فأنشدته:
الجودُ والغولُ والعَنقَاءُ ثالثةً ... أسماءُ أَشياءَ لم تُخلَق ولم تكُنِ
قال: أَ وَفي المغاربة من له هذا النَّمَط؟ قلت: سألته عن هذا فقال لي: في المغرب من يقدَّم نثره على نثر إبراهيم بن العبّاس الصُّولي، ويُقدَّم نظمه على نظم أبي تمّام.
فقال: فهل روَى لك غير هذا؟ قلت: نعم أنشدني لشاعر لهم يُعرف بأبي بكر محمد بن فرح في طفيلي يعرف بابن الإمام:
أَفدِيك من مُتوجّد غضبانِ ... حتى يَلُوحَ له ضَباب دخانِ
(1/78)
________________________________________
يَقتاده شَمُّ القُتارِ بأَنفِهِ ... مثل اقتِياد النجم للحيوانِ
وعَلاَ الدُّخانُ بشتّ طولة مُرْبياً ... يُبدِي كمينَ مطابخ الإِخوانِ
وبحانة المُلْهِين جاسُوسٌ لَه ... يُنيبه أَينَ تناكَح الزَّوجانِ
صَبٌّ إِلى الطَّوَفان مرتاحٌ إلى الجَوَلان مضطِغنٌ عَلَى الخلاّنِ
فَتَرى الإماميّين حول رِكابه ... كالخيل صايعةً ليوم رِهانِ
لَو يَسمعون بأَكلةٍ أَو شربةٍ ... بعُمان أَصبح جمعُهم بعمانِ
زارَ الفتَى القرشيَّ لا لتعهّدٍ ... منه، ولا شوق إلى لقْيَانِ
حتّى إذا وُضِع الخوانُ تساقطوا ... نَهماً عليه تساقط الذبّانِ
ورأيتَه من بينهم متخمّطاً ... في لقمة كتخمط السكرانِ
لم يَنصرف إلا وفي أكمامِهِ ... حمْل وفي أَعجافه حمْلانِ
وأَخو ثقيف فرَّ منه قاصداً ... جيّانَ لو أَعنَت قُرى جَيّانِ
لو حلّ نَجْرانَ لم يبعُد عَلَى ... عزَماتِ نِيّته مَدَى نَجْرانِ
كالموت تَسعَى في التخلّص جاهداً ... منه، وتلقَاه بكُلّ مَكان
فعجب من الأبيات وقال: ماذا قال لك في تفسير شت طوله؟ فقلت: زعم أنها بُليْدة.
قال: فما جَيّان؟ قلت: زعم أنه مكان يعرف هكذا.
قال: اكتب الأبيات إلى نجاح، وكان خازن كُتبه.
ثم قال: ما أنشدك شيئاً في الغَزَل؟ قلت: بلى! أنشدني لأبي عُمر الأندلسي:
مهلاً فَما دِينُ الهَوى كُفْرُ ولا ... أعتَدُّ عذلَك لي من التنزيلِ
***
من حاكمٌ بيني وبينَ عَذولي ... الشَّجْوُ شَجْوِي والعَويلُ عويلي
فبِأيّ جارحةٍ أصُون مُعذّبي ... سَلِمت من التَّعذيب والتَّنكيل
إن قلت في عيني فثّمَّ مدامعي ... أو قلتُ في كبِدي فثَمَّ غليلي
وأنشدني لهذا الشاعر بعينه أيضاً:
وأحورَ إن كلَّمتَه فهو شاعرٌ ... بياناً، وإِن لاحظتَه فهو ساحرُ
عَلَى خدّه للياسَمين غلائلٌ ... عليها من الوَرْد النضير ظهائرُ
حُسَامٌ بعينيه ونِطْعٌ بخدّه ... وصبغ دَمِ العُشَّاق في النطْع ظاهرُ
ولابن رَشيق أيضاً:
ولم أَدخُل الحمّام ساعةَ بينهم ... طِلابَ نعيم، قد رضيت ببوسِي
ولكن لتجري دَمعتي مُستهِلَّةً ... فأَبكي ولا يَدرِي بذاك جَليسي
فقال: كنت أحب أن أرى أبا محمد هذا، ولو انتجعنا لبلّغنا له مراده.
وأعدت هذه الكلمة على أبي محمد سنة سبعين، فقال: والله ما أُحبُّ أن أسمع حديثه فكيف أُوثِر أن أُبتَلَى برقاعته.
وله مع حسين المتكلم جواب آخر؛ تناظرا في مسألة حَمي الوطيس، والتحمت الحرب قال لحسين المتكلّم: هذا كلام من لا يعرف الكلام.
فقال: أيها الصاحب! رفقاً فإني أُعرف بحسين المتكلم، ولا يجوز أن أشتهر بشيءٍ لا أكون رأساً فيه.
فقال: وما في هذا؟ إبراهيم المسلم طبيب المارستان يُعرف بالمسلم وهو بعيد مما يُعرف به، قريب مما يقرَف به.
وجرى ليلةً حديث أبي سعيد السّيرافي، وكان ابن عباد يتعصّب له، ويقدّمه على أهل زمانه، ويزعم أنه حضر مجلسه، وأبان عن نفسه فيه، وصادَف من أبي سعيد طودَ حلم وبحر علم.
فقال أبو موسى المعلِّم: شيخٌ يعرف بالحسنكي: إلا أنه لم يعمل في شرح كتاب سيبويه شيئاً.
فنظر إليه ابن عباد متنمراً ولم يقل حرفاً. فعجبنا من ذلك. ثم إني توصلت ببعض أصحابه حتى سأله عن حِلمه عن أبي موسى مع ذبّه عن أبي سعيد، فسأله فقال: والله لقد ملكني الغيظ على ذلك الجاهل حتى عزب عني رأيي، ولم أجد في الحال شيئاً يشفي غلتي منه، فصار ذلك سبباً لسكوتي عنه، فتشابهت الحال الحلم، وما كان ذلك حلماً، ولكن طلباً لنوع من الاستخفاف لائق به. فوالله ما يدري ذلك الكلب ولا أحدٌ ممن خرج من قريته ورقةً من ذلك الكتاب، وهل سبق أحد إلى مثله من أول الكتاب إلى آخره مع كثرة فنونه وخوافي أسراره.
وكان أبو موسى هذا من طبرستان. فعُدَّ هذا التعصُّب من مناقب ابن عباد، وحُجب أبو موسى بعد.
(1/79)
________________________________________
وكان ابن عباد يتطلّب العلل للحجاب، ويتعلق بالريح، وكان له تلذّذ به، وقد حكيت ذلك آنفاً.
وما سمعت في تلافي المحجوب كلاماً ألطف من كلام حدثني به الخوارزمي عن السّلامي صاحب خراسان؛ قال السلامي: عاتبتُ أبا الفضل البلعمي وزير عبد الملك بن نوح بأبياتٍ على حِجابٍ نالني منه، فقال: لك عندنا - بما استعتبت - العُتْبى، وعلى ما استعديت العَدْوَى. أما نهارنا فمقسوم بين حوائج الناس وإنما نفرغ بالليل للاستئناس بوجوه الأولياء والخواص فاحضر بالنهار مباسطاً ومخالطاً، وبالليل مؤانساً ومجالساً.
وكان ابن عباد ضد هذا، لأنه كان يشتكي إليه فيقول: الشكوى إليَّ الحجاب إغراء، والصبر عليه يعطفني إلى بعض ما يُلتمس مني.
وسمعته يقول: لله عندي أياد متضاعفة، ونِعمٌ متكاثفة، ومن أجلّها أنه لم يغمسني في مذاهب الإمامية. ومع هذا كان إذا عمل قصيدة في أهل البيت غَلا وتجاوز، وغضّ من الصّدر الأول، وادّعى على الشيخين البُهتان، وعَرَّض وصرّح.
وهذا من فعلاته الذميمة، وجهالاته المشهورة.
وأنشد ثعلب في الحجاب أبياتاً وقال: ما سمعت بمثلها. هكذا سمعناه فيما قرئ على ابن مِقْسَم العطّار النّحوي سنة أربع وخمسين وثلاثمائة وهي:
إذا اعتصم الوالي بإغلاق بابه ... وردَّ ذوي الحاجات ضِيقُ حجابِهِ
ظننت به إحدى ثلاث وربما ... نَزعت بظن واقِعٍ بصَوابِهِ
فقلت به مسٌّ من العِيِّ حاضر ... وفي إذنِهِ للناس إظهارُ ما بِهِ
فإن لم يكن عِيّ اللّسَان فعارض ... من البُخل يَحمي مالَه عن طِلابِهِ
وإِن لم يكُن هذا وذاك فرِيبَةٌ ... يُصِرّ عليها عند إغلاق بابِهِ
وحدثني المرزباني قال: لقد أجاد البصير في قوله:
رُبَّ فتىً تُحمَد أَخلاقُه ... وتَسكُن الأَحرارُ في ذِمّتهِ
قد كثَّر الحاجبُ أَعداءَه ... وسلَّط الذّم عَلَى نعمتِهِ
ومن طريف ما حدثنا به ابن عباد في الوقت الذي تلاقت فيه العساكر بقصر الجصّ، قال: كنتُ في مقيلي فأتاني آتٍ قال:
اسقِني قهوةً بِفَرْطِ اختياري ... خرَجَ الملْك عن يَدَيْ بخْتِيار
وأما أبو الفتح ذو الكفايتين فإنه كان شاباً ذكياً متحركاً حسن الشّعر مليح الكتابة كثير المحاسن، ولم يظهر منه كلّ ما كان في قوته لقِصَر أيامه، واشتعال دولته وطفوها بسرعة.
ومن شعره:
إنّي متَى قَناني تنتَثِر ... أَوصالُها أُنبُوبةً أُنبُوبا
أَدعو بعَاليها العُلا فتُجيبُني ... وأَقِي بحدِّ سنَانِها المرهوبا
ومن شعره:
نَهضتْ تَثَنَّى في الكواعبْ ... كالبَدْر هادَتْه الكواكبْ
فتبرَّجتْ سُدف الدُّجَى ... وتبلّجت ظُلَم الغياهِبْ
للهِ أنت وهُنَّ إِذ ... يَختَلْن من كرمٍ صَواحِبْ
مُتَلألئاتٍ كللآ ... لي ضَمَّها عِقدُ الترائبْ
إني أُعيذكِ أَن تَرُدِّي ... مُقْلتي بمُنىً كَواذِبْ
وتسَوِّدي وجهَ الرَّجَا ... ءِ وتُغْلِقي فتحَ المذاهِبْ
أوَ مَا تَرَيْن مَدَامِعي ... سحّا سَحَائبُها سَواكِبْ
جادَت ديارَكِ أَين كا ... نَت مِثْلَها دِرَرُ السَّحائبْ
محلولَةَ الأَرماق فصْ ... ماءَ العُرَى وُطْفَ الهَيادبْ
وعَدَتْكِ داهيةُ اللَّيا ... لي والحوادثُ والنَّوائبْ
لاَ زِلْن منكِ بحيثُ أَن ... تِ من الشّوائب والمعَايبْ
إني إِذا أُعزَي إليْكِ من الأَقارب أَو أُقَاربْ
لا تَقْطَعِي حَبْلَ القري ... ب وتَكْفُرِي حَقَّ المُنَاسِبْ
فتُفارِقي خلُق الكَري ... مِ وتَضْرِبي مثَلاً لِضَارِبْ:
إنَّ الأَقَارب كالعَقا ... رِب بَل أَضَرُّ من العقارِبْ
لا تَبْخَلي إنَّ الكري ... مَة من مَواهِبها منَاهبْ
كُفِّي السيوفَ عن الحتُ ... وف وإن أطاعَتْها المضَاربْ
(1/80)
________________________________________
لا تَرْغَبي عَن ماجدٍ ... سَمْحِ الخلائق والضَّرائبْ
يُعزَى لآباءٍ غَطَا ... رفةٍ وأُمَّاتٍ نجَائبْ
إنيّ من النفَر الكرا ... مِ السَّادة الشُّم الذوائبْ
يَقِظٌ إذا كرِيَ اللئَا ... مُ عن العُلى كَكَرَى الأَرَانِبْ
أَسَدٌ إذَا وَنَتِ القرُوُ ... مُ عن الوَغَى وَنْيَ الثَّعَالِبْ
عَفٌّ أُطيل ظَمِيئَتيِ ... حتَّى أَرَى صَفْوَ المَشارِبْ
وأُذِلُّ نَفْسي في الكَري ... هَةِ أَو أرى كَرَم المنَاسِبْ
وإذا تُسِيءُ عِصابةٌ ... عَمَّمْتُها شرّ العصَائبْ
كَم مِن عَدُوٍّ كَاشِحٍ ... يَرنُو إليّ بطَرف عاتِبْ
يُبْدِي لنا وجهَ المُشَا ... جِر دونَه صَدْرُ المحَارِبْ
مُتَقلّصِ الأَحشاءِ من ... حسَدٍ دُوَيْن الصَّدْر رَاتِبْ
لَو شئتُ أَحرقُ أهلَه ... من نَهْضتي نارُ الحُبَاحِبْ
سلَّمتُه ليَد الحَوَا ... دِثِ والأمُور إلى عَواقبْ
إن لم تكُن فوقَ الأَكُ ... فّ يَدِي فكَانت للمُغَالِبْ
أو لم تكن فوق الذُّرَى ... قَدَمي فأَعْيَتْها المَذَاهِبْ
وله كلام كثير نظم ونثر. وله في وصف الفرس ما يوفى على كل منظوم، ولو أبقته الأيام لظهر منه فضل كبير.
ودخل بغداد فتكلف واحتفل، وعقد مجالس مختلفة للفقهاء يوماً، وللأدباء يوماً، وللمتكلمين يوماً، وللمتفلسفين يوماً، وفرق أموالاً خطيرة، وتفقد أبا سعيد السيرافي، وعليّ بن عيسى الرُّمّاني وغيرهما، وعرض عليهما المسير معه إلى الرّيّ، ووعدهم ومنّاهم، وأظهر المباهاة بهم، وكذلك خاطب أبا الحسن الأنصاري ابن كعب، وأبا سليمان السجستاني المنطقي، وابن البقّال الشاعر، وابن الأعوج النَّمَري وغيرهم.
ودخل شهر رمضان فاحتشد وبالغ، ووصل ووهب، وجرت في هذه المجالس غرائب العلم وبدائع الحِكمة؛ وخاصة ما جرى للمتفلسفين مع أبي الحسن العامريّ.
ولولا طول الرسالة لرسمت ذلك كله في هذا المكان.
فمن طريف ما جرى، وفي سماعه فائدة واعتبار: ما أَحكيه لك ها هنا.
انعقد المجلس في جمادى الآخرة سنة أربع وستين وثلاثمائة، وغصّ بأهله، فرأيت العامريّ، وقد انتدب فسأل أبا سعيد السّيرافي فقال: ما طبيعة الباء من (بسم الله الرحمن الرحيم)؟ فعجِب الناس من هذه المطالبة، ونزل بأبي سعيد ما كاد يشده به، فأنطقه الله بالسحر الحلال.
وذلك أنه قال: ما أحسن ما أدّبنا به بعض الموفّقين من المتقدّمين! فإنه قال:
وإذا خطَبْتَ عَلَى الرِّجال فلا تَكُن ... خَطِل الكلام تقُولُه مختالاً
واعلَم بأنّ السكوت لبابةً ... ومن التكلُّف ما يكون مُحالاً
والله يا شيخ لَعينك أكبر من قرارك، ولَمرآك أوْفى من دُخلتك، ولَمنشورك أبين من مطويّك؛ فما هذا الذي طوّعت له نفسك، وسدَّدَ عليه رأيك؛ إني أظن السّلامة بالسّكوت تعافُك، والغنيمة بالقول ترغب عنك. والله المستعان.
فقال ابن العميد، وقد أُعجب بما قال أبو سعيد:
فتَىً كان يَعلُو مفرقَ الحَقّ قولُه ... إذا الخطباءُ الصِّيد عصَّك قِيلُها
جَهِيرٌ ومُمتَدُّ العنان مُناقِلٌ ... بَصيرٌ بِعَوْرات الكَلام خبِيرُها
وقال:
والقائل القولَ الرّفيع الذي ... يَمْرَعُ منه البَلدُ الماحِلُ
ثم التفت إلى العامريّ وأنشد:
وإِن لساناً لم تُعِنْه لبابَةٌ ... كحاطِب ليلٍ يجمع الرّذْلَ حاطبهْ
***
وذي خَلَلٍ في القول يَحسَب أَنه ... مُصيب فما يُلْمِمْ به فَهْو قائلُهْ
***
وفي الصّمتِ ستْر للعَيِيّ وإنّما ... صحيفَةُ لب المرءِ أَن يتكلَّما
***
وفي الصَّمْت شتْر وهو أبهَى بذِي الحِجَا ... إذا لم يكن للنُّطق وجهٌ ومَذْهَبُ
هاتوا حديثاً آخر فقد يئسنا من هذا، ثم أقبل على ابن فارس معلّمه، فقال: يئسنا من كلام أصحابك في الفُرضة والشّط.
(1/81)
________________________________________
فلما خرجنا قلت لأبي سعيد السيرافي: أيها الشيخ! رأيت ما كان من هذا الرجل الخطير عندنا، الكبير في أنفسنا؟ فقال: ما دُهيت قطُّ بمثل ما دُهيت به اليوم، ولقد جَرت بيني وبين أبي بشر متّي صاحب شرح كتب المنطق سنة ست وعشرين وثلاثمائة في مجلس أبي الفتح الفضل بن جعفر الفرات ملحة كانت هذه أشوس وأشرس منها.
ولولا هربي من الإطالة، وثقل النّسخ، وإدخالي حديثاً في حديث، لحكيت المناظرة التي أومى إليها هذا الشيخ الذي كان إمام زمانه وعالم عصره، لأنه حدثني بها بزَوْبَرِها، وكانت في الفرق بين النحو والمنطق وريم أحدهما على الآخر، وإحصاء الفوائد لكل واحد منهما.
وحضرت المجلس يوماً آخر مع أبي سعيد وقد غصَّ بأعلام الدنيا، وبُنُود الآفاق، فجرى حديث أبي إسحاق الصّابي، فقال ذو الكفايتين: ذاك رجل له في كل طِراز نسجٌ، وفي كل فضاء رهج، وفي كل فلاةٍ ركبْ، وفي كل غمامة سَكْب؛ الكتابة تدّعيه بأكثر مما يدّعيها، والبلاغة تتحلّى به بأكثر مما يتحلّى هو بها. وما أحلى قوله:
حمراءُ مُصْفَرَّةُ الأَحشاءِ باعثةٌ ... طِيباً تخالُ به في البيت عَطَّاراً
كأَن في وسْطها تِبْراً يُخلّصِهُ ... قَيْنٌ يُضَرِّم في أورَاقِهِ النارَا
وقوله:
ما زلتُ في سُكْري أَلمِّع كفَّها ... وذِراعَها بالقَرْصِ والإِثآر
حتى تركت أَديمها وكأَنّما ... غُرِزَ البَنَفْسَجُ في الجُمّارِ
وبلغ المجلس أبا إسحاق فحضر وشكر، وطوى ونشر، وأورد وأصدر، وكان كاتب زمانه لساناً وقلماً وشمائل، وكان له مع ذلك يدٌ طويلة في العلم الرياضي.
وسمعت أبا إسحاق يقول: هو ابن أبيه، لله دَرّه! ثم أخذ في تعظيم أبيه، وقال: وكان من أماني الكُبَر لقاؤه، وإني لكثير الإعجاب بكلامه، لأني أجد فيه من العقل أكثر مما أجد فيه من اللفظ، وإني لأَظن أن عقل كل أحد كان ممزوجاً وكان عقله قُراحاً.
قال: ولقد قرأتُ له فصلاً من كتاب له إلى أبي غبد الله المكي العلَوي نديم عضُد الدولة يستحق أن يكتب بالذهب، وهو: ولأن تُدعى من بعيد مرّاتٍ خيرٌ من أن تقصَى من قريب مرّة، وليكن كلامك جواباً تتحرَّزُ فيه، ولا تُعجبَنَّ بتأتّي كلمةٍ محمودةٍ فيلِجَّ بك الإطناب توقُّعاً لمثلها؛ فربما عثرتَ بما يَهدِم ما بنَتْه الأُولى، ثم لا تسلم من تمثُّل صاحبك بقولهم: " رُبَّ رمية من غيرِ رامٍ " ، وبضاعتُك من النثر قليلة مُزْجاةٌ، وبالعقلِ يُزَمّ اللسان ويلزم السداد.
فلا تستفزنّك طرْبة الكريم على ما يُفِيتُك عقلك.
والشّفاعة لا تعرضنَّ لها، فإنها مخلقة للجاه؛ وإن اضطررت إليها فلا تهجُم عليها حتى تعرف وقتها، وتحصِّل وزنها؛ فيتقدُّمُك من يتكلّم فيها، فإن وجدت النفس بالإجابة سَمْحة، وإلى الإسعاف هَشّة، فأظهر ما في نفسك غير محقق ولا مُوهم أن في الردّ عليك ما يُوحشك، وفي المنع ما يقبِضك؛ وليكن انطلاق وجهك إذا دُفعت عن حاجتك أكثر منه عند نجاحها على يدك، ليخفّ كلامك ولا يثقل على مُستمعه منك.
أنا أقول ما أقول غير واعظٍ ولا مُرشد؛ فقد كمَّل الله خصالك، وحسَّن خِلالك إذ فضّلك في كلّ حالك، ولكني أُنبّه تنبيه المشارك. واعلم أن للذِّكرى موقعاً ونفعاً.
قلت له: وقد استحسنت له حسناً، وله أبلغ منه.
فقال: كذاك هو.
قلت: فإنه مع هذا قد أخطأ في العربية في موضع، فدللته عليه.
فقال: لله أبوك.
ولم أذكر الموضع - أيّدك الله بالعلم - لتكون أنت قارئه، أعني أنك تقرأ حرفاً حرفاً حتى تصيبه، فليس الخطأ المستدرك بالتتبّع كالمعثور عليه بالهُجُوم.
وكان ابن عباد يروي لأبي الفضل في رُقعةٍ إليه حين استكتبه لبويه، وهو: وبسم الله الرحمن الرحيم. مولاي وإن كان سيداً بهرتنا نفاسته، وابن صاحب تقدّمت علينا رياسته، فإنه يعدُّني سنداً ووالداً كما أعدُّه ولداً وواحداً، ومن حق هذا أن يعضد رأيي رأيه حتى يزداد إحكاماً وانتظاماً، ويتظاهر قوة وإبراماً.
وحضرت اليوم المجلس المعمور، فكان من مولانا كلام كثير، وخطابٌ طويل، فقلت إنه لم يزد على الإباء والاستعفاء، بعد التقصّي والاستيفاء، فأومأ إلى إجبار كالمسألة، وإكراه كالطلبة. وأقول بعد أن أقدم مُقدمة:
(1/82)
________________________________________
إن مولاي - وإن كان يستغني عن هذا العمل بتصُّونه وتقلُّله وعزوف نفسه عن التكثّر بالمال وتحصيله - فإن الأمر مفتقر إلى كفالته، ومحتاج إلى كفايته؛ وما أقول ما أقوله وغرضي إنشاء كتاب أو عقد حساب، أو تفريق مال وجمع، أو تقديم عطاء أو منع، لأن ذلك وإن كان مقصوداً، وفي آلات الوِزارة معدوداً، فإن في كتّابه من يفي به ويستوفيه، ويوفي عليه بأيسر مساعيه، لكن مولانا يريده لتهذيب من هو ولي عهده، ومن يرجوه ليومه وغده، ولا بدّ - وإن كان السِّنْخُ قويماً، والمحتد كريماً، والفضل عميماً، والمجد صميماً، ومركب العقل سليماً - من مناب من يعرف ما السياسة، وكيف الرياسة، وكيف تدبير العامّة والخاصّة، ومن أين تُجتلب الأصالة والإصابة، وبماذا تُعقد المهابة، وكيف تُرتّب المراتب وتُعالج الخطب، وكيف تردّ الخطوب إذا ضاقت المذاهب، وتعْصَى الشهوة لتُحرس الحِشمة، وتُهجر اللذة لتُحصَّن الإمرة.
ولا غنى عمن يقوم في وجه صاحبه فيرادّه إذا بدر منه الرأي المنقلب، ويراجعه إذا جَمَح به اللجّاج المرتكب، ويُعارضه إذا ألحَّ عليه الغَضب الملتهب؛ فما السبب في أن هلكت ممالك جمّة، وبلدان عِدّة، إلا بأن خضعت أقدارُ الوزارة وانقبضت أطراف الإمارة؛ وليس يفسد ما في الأرض ومن عليها - على ما أرى - إلا بالرجوع في مثل هذا إلى الأذناب.
فلا يَبْخَلَنَّ مولاي بنفسه على هذه الدولة، فمنها الأمين من قبْلِه، فإن كان مسموعاً كلامي، وموثوقاً به اهتمامي فلا يقعنّ انقباض عنّي، ولا إعراض عما سبق منّي. ومولاي مُحكّم بعد الإجابة إلى العمل فيما يشترطه، وغير مراجع فيما تقترحه، وهذا خطي به، وهو على وليّ النعمة حجة لا تبقى معها شبهة.
وسأُتبع هذه المخاطبة بالمشافهة إما بحضوري لديه، أو بتجشّمه إلى هذا العليل الذي قد ألحّ النقرس عليه والسلام.
وكان ابن عباد يحفظ هذه النسخة ويرويها ويفتخر بها. وقال لي أصحابنا بالرّيّ، منهم أبو غالب الكاتب الأعرج: إن هذه المخاطبة من كلام ابن عبّاد افتعلها عن ابن العميد إلى نفسه تشيُّعاً بها، ونفاقاً بذِكرها.
وحدثني اين خارجة قال: كان حمد بن محمد أبو الفرج الكاتب مكيناً عند رُكن الدولة، وكان أبو الفضل لا يُوفيه حقّه، ولا يحسب له تلك المكانة، فعاتبه حَمْد مراراً مُصرِّحاً وكانياً، ثم كتب إليه رقعة طواها على أبيات، وهي:
مالُك موفورٌ فما بالُه ... أَكْسِبك التّيهَ عَلَى المُعْدِم
ولمْ إِذا جئتَ نهضْنا وإن ... جئنا تطاولتَ ولم تُتْمِمِ
وإن خَرَجنا لم تقُل مثلَما ... نقولُ " قدّم طرفَهُ قدّمِ "
إن كنتَ ذا علْم فمَن ذا الذي ... مثلَ الذي تعلَمُ لم يَعلمِ
أو كنتَ في الغارب من دَولةٍ ... فلستُ مِن دونِك في المنسمِ
وقد وَلِينا وعُزِلنا كما ... أنتَ فلم نصغُرْ ولم نَعظُمِ
تكافأَت أَحوالُنا كلُّها ... فصِلْ على الإِنصَاف أَو فاصْرِمِ
قلت لابن خارجة: أَ ترى هذه الأبيات لحَمْد؟ قال: نعم.
قلت: أَ فعاد له إلى محبوبه؟ قال: كان حَرُوناُ، إذا أَبَى لا تأتِّى له، وإذا جمع لا حيلة فيه. " أكسَب " في البيت الأول مردود، غير أن ابن الأعرابي أجازه.
تصفّح أيّدك الله هذه الفِقَر، واعرف تَعَبي بها وإفادتي منها واشتفائي بذكرها والسلام.
فأما أبو محمد بن أبي الثياب، وهو عبد الرزاق بن الحسين البغدادي، فإنه كان ذا فضلٍ واسع، وشعر بارع، وعلم بكل شيء؛ كالمنطق وغريب اللغة.
وله رسالة من خراسان، لما استقرّت به الدار ببُخارا، كتبها إلى أبي الفضل، ولا بأس بسردها ها هنا لتعلم أن الحُرّ إذا ذاق الهوان ممن يستحق الكرامة عليه، شقّ جيبه مستعتباً، وأدرك طائلته مُكافحاً ومُنيِّباً.
كتب:
(1/83)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم. أيها الرجل الذي اختار لنفسه الوصف بالرياسة، فطالب الصغار والكبار بها في المكاتبة والمخاطبة! ما يسرّني حُسن ما أنت عليه، ولا يعجبني ظاهر ما تدّعيه بباطن ما تنقضه به. ألزم فناءَك هذه السّنين على مُقاساة كِبرك وتجعّد بنانك، وقلّة النّائل منك؛ مع تسيير فنون القريض فيك، ونثر أصناف البديع عليك، ومع التضاؤل لك، وإراقة ماء الوجه بين يديك، والصبر على مَلَلِك وصَلَفك، ومع فتحي عليك أبواب المنطق، وهِدايتي إياك إلى ضروب ما اقتبسته من أهل المغرب والمشرق؛ ثم يكون آخر أمرك في نظرك لي وإحسانك إليّ أن تقرنني بغلام غرّ جاهل، ونكد عارم، يزيد عليك في البخل، وينقص عنك في الحلم، وتكلّفني لصبر معه، والرضا بالخسف منه؟ ومن ذا علم أن رزق الله منتاب مرتاب وعاد، والمنّ فيه من سائقٍ وحادٍ، غمسَ نفسه في حياض الذل، وفارق حسن التوكل على الله الذي بيده ملكوت كل شيء؟ ولله ما اتخذت الليل جملاً هارباً من صُقعك، زاهداً في ضرّك ونفعك، إلاّ لقولك في انتشالك لأصحابك: " أبن أبي الثياب لازِقٌ بِبابنا لزوقَ اللّحم بالعظم، وجارٍ معنا جريَ الدم في اللّحم؛ ولو طردناه ما برِحَ، ولو فاز بغيرنا ما فرِح؛ وأين يجد جناباً أمرَعَ من جنابنا، وفناءً أخصب من فنائنا؟ أغرّكم أنه يتلوّى علينا وينحني لدينا؟ ذاك كله ريح، وهو يلبث في اللّوح، إن يوجَّه إلى خُراسان فما بها من ينقع ظَمْأَته، وإن عاد إلى بغداد، فهي التي عرفها وعرفته، وإن تطاول إلى الشام ومصر، فما بها من يجتلي غُرَّته أو يقبس حكمته، أو يصبر على جشعه الفاضح وسؤاله المُلحّ " .
فها أنا قد شخصت إلى المشرق، وحظيت عند ملكه، ووليت البريد له، وغلبت على مجلسه بالمؤانسة، وحولي الغاشية والضّفف، بعد ما كنت أُعانيه عندك من الشَّظف والجَعْف؛ وما كان كلامك ذاك لي إلا إغراء لي بطلب السعادة العاجلة ونيلها في سهولة، مع التخلص من الغيظ الذي كنت أجرعه عندك صباح مساء، والكذب الذي كنت أُنمّقه فيك في الجدّ والهزل، والخساسة التي كنت أسترها عليه في الصّحو السُّكر، والتلوّن الذي كنت أحتمله منك في الغضب والرّضا.
هذا والمنالة منك دون ما يمسك الرمق، والمبذول عليها فوق مل يجب لك بالحقّ؛ ولولا أني - مع ما أرد مَلّتَه من العتب عليك - أرجع إلى حفاظٍ لا تعرف منه إلا الاسم، لكان لي في جلدك حزّ ونهسْ، وعلى عرضك جَمْزٌ ورقص.
وما الذي يُرجى منك أكثر مما كان، وولادتك مشهورة ومنشؤك ظاهر، ومبادئ حالك في ارتفاعك محصَّلة، والألسنة بحقائقها دائرة، والأسماع إلى عجائبها صاغية، والقلوب في فضائحها متعجّبة.
ولك في براءة والدك منك كاف، وفي حديث والدتك ما هو غير خاف؛ ومما يدلّ على طلبي البُقيا أني اقتصرت في مكاتبتك على لفظ منثور، ولو نظمت ذلك لكان نقيعك منه يجرعك مضض النّدم على تقصيرك معي ومع نُظرائي فيما تقدّم.
فاذكر هذه اليد لي عندك في عرض ما تقرؤه من هذه الرقعة إليك، وقد شفيت بها فؤاداً كان يتلظّى أسفاً على خدمة ضاعت عندك، وحُرمةٍ بارت لديك؛ ولعلّي قد أطَرْتُك على كثير ممن يلزم فناءك طامعاً في خيرك، أو يشقى بمعرفتك ظاناً لدرك المطلوب منك، ثم ينقلب عنك بقلب أوقد من قلبي عليك، ولسان أذرب من لساني في عرضك.
عليك سلامٌ لا تواصلَ بعده ... فلا القلب محزون ولا الدمع سافحُ
والله لا حاق الشر إلا بأهله، ولا لصق العارُ إلا بكاسبه، ولا قيل في الخسيس النّذل إى دون ما يستحق، " ذق عُقَق " فقد فاتك من سَبق.
أفادني هذه الرسالة أبو جعفر الخطيب النَّيسابوري، وقال لي: أنا أوصلت الكتاب إلى أبي الفضل مختوماً بعد ما نسخته، قال: وعُدت إليه أُطالبه بالجواب، فقال لي: قد كتبتُ الجواب قبلك، وكان ذلك تحاجُزاً منه، لأنه كان قد انشوى بها حين قرَها.
ولقد أنشدني ابن أبي الثيّاب قصيدة في أبي الفضل، وأنا أرويها ها هنا لتعلم أنه كان مظلوماً فيها وفي أخواتها، ولتقف على طريقته الحلوة، ومعانيه السّهلة، ولفظه الخلوب؛ وقال لنا: كانت جائزتي عليها، بعد نظائر تقدمتها، جائزة لا أستجيز ذكرها، لأنها إن كانت تضع من صاحبها إنها لَتَضع منَي أيضاً. القصيدة:
بَرْحُ اشتِياق وادِّكارِ ... ولَهيبُ أنفاسٍ حِرارِ
(1/84)
________________________________________
ومَدامع عَبراتُها ... تَرفضُّ عن نومٍ مُطارِ
لله قلبي ما يُجِنُّ من الهموم وما يوارِي
لقد انقضَى سُكر الشَّبا ... ب وما انقضَى وصَبُ الخُمارِ
وكبِرْتُ عن وصْل الصّغا ... ر وما سلَوت عن الصغارِ
سقياً لتَغْليسي إلى ... باب الرُّصَافة وابتكارِي
أيام أخْطر في الصِّبا ... نشوانَ مَسْحوَب الإزار
حَجّي إلى حجر الصَّرا ... ة وفي حَدائقها اعتمارِي
ومواطِنُ اللذَّات أو ... طاني ودارُ الرّوم داري
كم رُضت فيها من نفا ... ر محرَّم حُلو النَفارِ
ورَعَيت من قُطْرُبُّلٍ ... روضَ الشقائق والبهارِ
ورفَعتُها مِسكيةً ... في ريطتَي خَزٍّ وقارِ
يُعطِي النديمَ بُزالُها ... ما شئتَ من نَوْرٍ ونارِ
كيفَ اعتدال مُعَذَّلٍ ... صحب الغُواة بلا عِذارِ
يستَنّ في طُرُق الصِّبا ... ويَعيث في سُبُل الخَسارِ
فيَصيد غزلانَ الكِنا ... سِ ويَدَّرِي بقَر الصُّؤارِ
من كل عَطشانِ الوشا ... حِ مميّلٍ شَرِق السِّوارِ
بيضٌ غريرَات طُبِعْ ... ن من الدَّلال عَلَى غِرارِ
وعَقائل تضْفو وِحا ... فَ شعورهنّ علَى المَداري
هيفٍ يصلن من الرَّوا ... دف بالزَّنَانير القصارِ
وتعلُّقي من طاعة الأُس ... تاذ بالحَبْل المُغَارِ
لقدِ اختلستُ مُنَى النُّفو ... سِ من ابيضاضٍ واحمرارِ
ولحَظت ما فَتر اللوا ... حظَ من فتور واحورارِ
يوم استقلّوا والدُّمو ... ع تَجود رَوضَ الجُلَّنارِ
لَهَفِي على صُبْح الجِبا ... هِ يَشِي بهِ ليلُ الطِّرارِ
وتواضُع الخد الأَسي ... ل لعَطْفَةِ الصُّدْغِ المُدارِ
خُذْ في هَزارِك يا غلا ... م فقد غَنِيتُ عن الهَزارِ
حَسْبي بأَلحانٍ قمَرْ ... تُ بهنَّ تَغريدَ القُمارِي
لم يَبْقَ لي عيشٌ يَلذّ سِوَى مُعاقرة العُقارِ
***
وإذا استهلَّ ابنُ العمي ... دِ تضاءَلت دِيمَ القِطارِ
خِرْقٌ صفَت أخلاقه ... صفوَ السَّبيك من النُّضارِ
فكأنما رُفِدت مَوا ... هِبُه بأمواج البحارِ
وكأنّ نشرَ حديثه ... نشرُ الخزامَى والعَرارِ
وكأننا مما تُفَرِّق ... راحتاه في نِثارِ
متَثَبِّتٌ يَغْنَى بمح ... مودِ الأَناةِ عن البِدَارِ
كَلِفٌ بطيّ السّرّ تح ... سَب صَدره ليلَ السِّرارِ
يأوِي إلى حِلْم يُعا ... ذُ بهِ ورأْي مسْتَشَارِ
ومُرجَّب يلقَى الحَوا ... دِثَ باحتمالٍ واصْطبارِ
يَرْبَا بِه عزُّ الفَخا ... رِ عن التعرُّض للفخارِ
وتَصونُ مَسمَعه المها ... بَة عن مُماراة المُمارِي
ويُغولُ أَيسَرُ سَعيه ... جَهْلَ المُنَافِس والمُبَارِي
كم يستُر الباغي عُلاَ ... ه ومَا لهنَّ من استِتارِ
هيهاتَ لا يخفَى عَلى لحظ العُيون سَنا النَّهارِ
قُل للمخيَّب وشْمَكي ... ر هدَمت مجدَ بني زيارِ
خرّبتَ دُورَ محمّد ... فأَبَى جوارَك للديارِ
وقرَيتَها ناراً فخصّ ... صميم قلبك بالأُوارِ
جلَب الجِيادَ إلى قرا ... رك فاجْتُثِثْتَ من القرارِ
زُجَّ النُّسورِ من الصَّفَا ... شُعْثَ المسوكِ من الخَبارِ
تَرْدِي كغِزلان الفلا ... ة بِمثل جِنَّان القِفارِ
ككَواسِر العِقبان طِر ... ن إليك بالأُسد الضَّوارِي
(1/85)
________________________________________
لمّا طلَعن علمتَ أَنك ... من جُموعك في اغترارِ
وفُللِتَ من ذاتِ اليمي ... ن لِشدّة ذات اليسارِ
بالخيل صانَ صدورَها ... في التّبتَّيّ من الصِّدارِ
ومَغاور يُغزِيهُم ... مَن لا يَمَلُّ من الغِوارِ
ليثٌ يَثور فيَسْتثي ... ر قَساطل النَّقْعِ المَثُارِ
فكأَنما هبواتُها ... حَرَقٌ من العَيّون هارِ
في وَقعةٍ قَسمت كُمَا ... تَك للمَنية والإسارِ
وفررتَ فيمن لا يَعُدُّ لمثلها غيرَ الفرارِ
متسربلاً من لؤم فع ... لِك خُطّتَيْ خِزْيٍ وعارِ
هذي النِّكاية لا النِّكا ... ية في البَنِيَّة والجدَارِ
إن الكِبار من الأَمو ... ر تُنال بالهِمَمِ الكِبارِ
***
وإلى أبي الفضل ابتَعث ... تُ هواجسَ الهِمَم السَّواري
ولقد تخيرتُ الرجا ... لَ فما دُفِعت عن الخِيارِ
حتى سكنتُ ظلالَه ... بعدَ ابتلاءٍ واختبارِ
***
يَغْدو عَلى حُرِّ البلا ... دِ غُدوَّ مطلوبٍ بثَار
فتُذِيلُه فتكاتُه ... وتُذيقه طعْمَ الصَّغارِ
***
فتَراه في العُسْر المُضِرّ ... يجودُ جودَ أولي اليسارِ
متهلّلاً للزائري ... ن مرحِّباً بالمُستَزارِ
إني اعتصمت بيُمنه ... فوُقِيت أسباب العثارِ
يا من له طيب الأُرو ... م ومن له طيب النِّجارِ
يا من له نور البدو ... ر ومن له شرف الدَّرَارِي
يا من به مَر ض الحِبا ... ءِ ومَن به حصَر الوقارِ
يا من لديه حَيا العُفا ... ة ومن لديه حِمَى الذِّمارِ
أنت الذي وهب الجرا ... ئرَ عَن علُوٍّ واقتدارِ
أنت الذي ضمن الوفا ... ءَ لجاره كرمَ الجِوارِ
أنت الذي حاز الخِطا ... رَ مضاؤه يوم الخِطارِ
فحويت مضمار العلا ... وجريت فيه بلا مُجارِ
يفديك مَن ظنَّ المكا ... رمَ في اقتصادٍ واقتصارِ
فعداه عن طَلَق الجِيا ... دِ سقوطُه دون العِثارِ
خذها ثمارَ علاك لا ... عرِيَت علاك من الثمارِ
عذراءَ يُخجِل حسنُها ... ما فيّ خَلْعِ العِذارِ
وحدثني جريج المقل الشاعر قال: لما قال أبو محمد:
يغدو عَلَى حُر البلا ... دِ غدوّ مطلوبٍ بثار
قلت له: ما أكذبَكَ لحاك الله! فقال: الذي يقبل هذا في نفسه أكذَبُ مني.
وقال جريج المقل: قد جُبت الآفاق، وسَبَرتُ أصناف الخلْق في الأخلاق، فما رأيت أخسَّ من هذا الرجل، يعني أبا الفضل.
وحدثني أبو غالب الكاتب الأصبهاني قال: كان أبو الفضل يُحاجي بكلام له من رآه، وهو: " سألت عمَّن شفّني وجدي به، وشفعني حُبّي له، وزعمت أني لو شئت لذَهِلْتُ عقله، ولو أردت لاعتَضت منه، " زعماً، لَعمُر أبيك، ليس بمَزْعَم "
(1/86)
________________________________________
كيف أسلو عنه وأنا أراه، أو أنساه وهو لي تجاه؟ هيهات! هو أغلب عليّ وأقرب إليّ من أن يرخى له عذاري، أو يخلّيني واختياري، بعد اختلاطي بملكه، وانخراطي في سلكه؛ وبعد أن ناط حبّه قلبي نائط، وساطه بدمي سائط؛ فهو جارٍ مني مجرى الروح في الأعضاء، ومتنسّم معي رَوْح الهواء، إن ذهبت عنه رجعت إليه، وإن هربت منه وقفت عليه، ما أُحب السُّلُّوَّ عنه مع هناته، وما أُوثر الخُلُوَّ منه على عِلاته؛ هذا على أنه إن أقبل لم يُهْنئني إقباله، وإن أعرض لم يطرقني خياله، يبعد عليّ مَناله، ويقرب من غيري نواله، ويردُ عيني خاسية، ويثني يدي خالية، وقد بسط مسافات النفس المتقاربة، وصدّق مَراميَ الظُّنون الكاذبة، وصْلُه يُنْذِرُ بضِدّه، وقُربه يُؤذِن ببُعده، يدنو عِدْل ما يَبرَح، ويأسُو مثل ما يجرح؛ فحاله أحوال، وخلّته خلال،وحربه سِجال. الحسن من عوائده، والجمال من منائحه، والبهاء من فصوله وصفاته، والسّناء من نعوته وسِماته؛ اسمه طِبق لمعناه، وفحواه وفق لنجواه،ولا يتشابه حالاه، ويتضارع قُطراه، من حيث تلقاه يستنير، ومن حيث تغشاه يستطير؛ كالبدر بين سُعوده قد وسطها وحفّت به يقدُمه النَّسران، ويتلوه نطاق الجوزاء، وهكذا؛ ولو قلت إن الواسطة الغُميصاء لها هادٍ وتابع، إن فرّقتَهما اتفقا، وإن ألَّفتهما تفرّقا، يُقبل بِشَوْك السَّيال، ويُدبر بسفى البُهمى، ويعترض بسُودٍ قِصار سواسية كأسنان الحمار - لصَدقت.
فأَبِن لي ما قُلتُه، فهو تعريض كالتَّصريح، وتمريض كالتصحيح، والسلام.
وحدثني أبو غالب الكاتب قال: كتب أبو الفضل إلى أبي دُلَف الخزْرجي في أوائل عِلّته التي نهَكته وحالفته، يثعاتبه ويعابثه فقال: " الآن علمتُ، أيها الشيخ، أنك لي مكايد، وإلى جميع ما أنهاك عنه مخالف، وعلى دَيْدَنك المعروف ثابت، وبفضلة لسانك مسحور، وبشائع حلمي عنك مغرور، وليت ثقتك بذلك لا تخونك، وتطوّلي عليك لا يتطاول بك، واغترارك بغيري لا يُزلّك، وليتك، إذ قد ضللت سواءَ السبيل في حظّك، شاوَرتَني فكنتُ لا أبخلُ عليك بالهداية.
يا هذا! شكوتُ إليك أوائل هذه العلّة التي قد تخوَّنتني ونهكتني وكان التَّلافي سهلا، وباب العافية مفتوحاً، فوعدت بالقيام عليها وبذل النصيحة في تدبيرها، وكنت لشكري على ذلك حائزاً، وبمُقترحك مني فائزاً، فتقاعست عني بلا عُذر، ووَقفتَني بين وصْل وهجْر، فلم أدرِ كيف أُخاطبك، وعلى ماذا أُعاتبك؛ لأني يئستُ من نُجوع العتاب فيك، ومن إحاكة الخطاب في قلبك؛ ولأنك مشهور بِقحة، ومذكور بسلاطة، ومعتاد للبهت، وجارٍ على الكذب.
وأول ذلك أنك تدّعي بُنُوّة محمد بن زكريا من ناحية ابنته، وقد شاهدتُ محمداً وما خلّف بنتاً، ولا وَلَدت بنت لم تكن له ابناً، ولو كانت له بنتٌ وولدت ابناً لم يكن أنت، ذاك للغوائل المجموعة فيك، والعيوب المتناثرة عليك.
(1/87)
________________________________________
ولك تكن العلّة التي رجعت إليك في تدبيرها صَرْعاً ولا صُداعاً، ولا جنوناً ولا جُذاماً، ولا صَمماً، ولا بَكَماً، ولا فالِجاً، ولا لقْوة، ولا سَكْتةً، ولا زَمانةً، ولا شللاً، ولا أَدْرَةً، ولا عِلَةً لا يقوم ببرئها إلا المسيح الذي هو كلمة الله التي ألقاها إلى مريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها؛ ولم تحتج في مُداواتي إلى الرُّقى والتمائم، ولا إلى النَّفق في الأرض، أو إلى الطَّيران في السُّكَاك، ولا إلى يدٍ بيضاء كيد موسى ابن عمران، ولا عصَا موسى، ولا إلى قميص يوسف، ولا إلى عرش بلقيس، ولا إلى لوحٍ من سفينة نوح، ولا إلى فلذةٍ من كبش إبراهيم الذي فدى الله به ابنه إِسحق، كما قال الله تعالى: (وَفَدَيْنَاهُ بِذَبْحٍ عَظِيمٍ)، ولا إلى الصَّدفة التي فيها الدُّرة اليتيمة، ولا إلى شَطْبةٍ من سَنام ناقةِ صالح، ولا إلى زُبْرَة من زُبَرِ الحديد الذي جُعل رَدْماً ليأْجُوجَ ومأْجوجَ، ولا إلى عُسٍّ من لبنِ بقرة بني إِسرائيل التي ذبحوها وما كادوا يفعلون، ولا إلى أدمِغةِ الطير الآبابيل التي رَمَت بحجارةٍ من سِجّيل، ولا تُربةٍ من (إِرَمَ ذاتِ العِمَادِ التي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلاَد)، ولا إلى قطعةٍ من السّحاب المُسَخّر بين السماء والأرض، ولا إلى لمعة من البرق الذي يخطف الأبصار، ولا إلى مثقال من صوت الرَّعد الذي يسبّح بحمده تعالى، ولا إلى ذرَّةٍ من الشمس التي جُعلت ضياءً للعالمين، ولا إلى قبضةٍ من القمر الذي جُعل نوراً لأهل الخافقين، ولا إلى صبْغٍ من الأصباغ التي تظهر في قوس قُزَح غِبَّ الأنداء المتّصلة، ولا إلى مثقالٍ من السَّراب الذي يحسبه الظمآن ماء، ولا إلى شيءٍ من شحم الذئب الذي لم يأكل يُوسُف، ولا إلى ناب الكلب الذي كان باسطاً ذِراعيه بالوصيد الذي لو اطَّلعتَ عليه لولَّيتَ منه فراراً ولَمُلِئتَ منه رُعْباً، ولا إلى الكِبريت الأحمر، ولا إلى المُومياي الأبيض الذي لا يوجد، ولا إلى حيلة بُلِنْيَاس ولا إلى قطرات من ماءِ الحيوان تعجُن به هذه الأدوية، ولا إلى مُنخل تنخل به، ولا إلى ذَنَب شَعَر حِمار عُزَير الذي أماته الله مائة عامٍ ثم بعثه، فتنخُلَ به العقاقير، ولا إلى مرارة العَنقاءِ المُغْرب التي لم تُرَ قطُّ، ولا إلى مُخّ البَعُوض، ولا إلى بيض الأَنُوق، ولم تحتج في تدبير علَّتي وجميع أدويتي إلى نهارٍ لا ليلَ بعده، ولا إلى ليلٍ لا نهارَ بعده، ولا إلى نهارٍ مولج في ليل، ولا إلى ليلٍ مُولَج في نهار، ولا إلى زمان يخرج من أن يكون ربيعاً أو صيفاً أو شتاءً أو خريفاً.
ولو ظننت أن هذه كلها أو بعضها تلزمك أو تدخل في تكلفك لآثرت الموت على العافية؛ فإن في الموت خلاصاً منك، ومُفارقةً لمثلك، ووالله ما أندُب إلا حُسن ظنّي بك، ومُباهاتي أهل مجلسي بفضلك، وقولي: أبو دلف وما أدراك ما أبو دُلَف! لا تنظروا إلى هَزْله، فإن وراءَ ذلك جدّا، وإن أردتم حقيقة ما أقول فافزعوا إليه في حوائجكم؛ فإنكم تجدونه في قضائها قبل إنهائها؛ وهو المرءُ الذي قد جمع الله له بين المنظر والمخْبَر، وبين الدَّعوى والبيِّنة، وبين القول والحُجّة، وبين الضّمان والوفاء، وبين الصداقة والشفَقة. فما زلت أقول هذا أو شِبهه، وأصحابي يُشيِّعون قولي بمثله في الظاهر، ويُخالفونني بعِلمهم في الباطن حتى كان الفُلْجُ لهم ساعة هذه؛ لأني احتجت إلى علمك فخُنتَ عهدي، وأقبلتُ عليك فأعرضتَ عنّي، ووَهبتُ لك كلّي فبَخِلتَ ببعضك عليّ؛ " فيارُبَّ مظنونٍ به الخيرُ يُخْلِفُ " ولقد استفدتُ بمعرفتك تجنُّب مثلك؛ ويقال: لم يهلك من مالك مَن وعَظك، ومَن أطلَعك على خَبيئه من خيره وشرّه، فقد أراحك من طويل الفكر فيه، وكَفاك خَطر التجربة له والسّلام " .
قلتُ لأبي دُلَف: ما أجبته عن هذا الكلام؟ قال: عملتُ في المسوّدة شيئاً، ثم لم أجسر على إظهاره، وخِفت صَولته ونِكايته وشرّه وغائلته؛ ومما قد حدث في رؤساءِ زمانك أنهم يحقدون على الأتباع، ولا يعرفون حقّهم في الخدمة والطّاعة.
وكنّا يوماً عند ذي الكِفايتين بمدينة السلام، فجرى حديث بغداد، فقال ذو الكفايتين: لمّا رجع ابن عباد من بغداد، قال له الأستاذ الرئيس - نضَّر الله وجهه - : كيف رأيت بغداد؟ قال: رأيت بغداد في البلاد، كالأستاذ في العِباد.
(1/88)
________________________________________
وحَكَى أيضاً في هذا اليوم عن أبيه قال: لمّا انصرف أهل خُراسان سنة خمسٍ وخمسين وثلاثمائة أمام الغُزاة من الريّ، بعد الحادثة التي جرت ودفع الله حدّها، وأعادَ نضارتها، أخذ الرئيس يبني حول دار ركن الدولة حائطاً عظيماً.
فقال له عليّ بن القاسم العارض: هذا كما يُقال: الشَّدُّ بعد الضَّرط.
فقال: هذا أيضاً جيّد لئلا تنفلت أُخرى.
ورأيت أبا الفتح ذا الكِفايتين يسأل أبا الحسن العامِريّ: لِمَ طَلَبت النَّفسُ الفرق بين المتشابهين؟ فقال العامريّ: لأنها في جوهرها، وما هو لائقٌ بها تأبى الكثرة وتنفر منها، وهي تحنُّ إلى الوَحدة بسُوسها، وتنزع نحوها وتتقبَّل كل ما أعانها على ذلك، ويُذَلّل الطريق لها؛ والفرق يوضّح سبيل الوحدة. وكلما كان الاشتباه أشدّ كان الفرق ألطف. وكلّما كان الفرق ألطف كانت أشدّ بحثاً عنه وألهجَ بطلبه لأن ظفرها به يكون أعزّ، ونيلها مطلوبها يكون أحلى.
وقال أبو الفتح يوماً آخر لابن فارس المعلّم: لِمَ قال الجاحظ: " فإنّ الكلام قد يكون في لفظِ الجِدّ ومعناه الهزل، كما يكون في لفظ الهزل ومعناه الجِدّ " ؟ فلم يقُل شيئاً.
فقال أبو الفتح: قد صدق أبو عثمان، هذه خاصة مذاهب العرب، ولكن لِمَ عرض هذا في أخبارها، وأدنى ما فيه أن يدلّ على وضع الشيء في غير موضعه؟ فلم يُحره شيئاً.
فقال هو: إن إفراز الجدّ من الهزل، وتمييز الهزل من الجد حتى لا يُؤتى بهذا في هذا، ولا بهذا في هذا لَنوْعٌ من الخَطر على المتكلّم البليغ والقائل البيّن، ولو جرى على ذلك كان الاقتدار يُبطل الحدَّ الملزوم، والسَّعة تُضيّق الغاية المبلوغة.
ولما كان البيان لا يكون بياناً، والبلاغة لا تصير بلاغة إلا بأن يكون المتكلم آخذاً في كلّ واد، قادحاً بكل زِناد، مُستظهراً بكل عتاد، وجب أن يدخل الهزل في الجدّ إمتاعاً واستمتاعاً، ويدخل الجدّ في الهزل اقتداراً واتّساعاً.
قال ابن فارس: وأيُّ خُصوصيّة تكون في هذا، ونحن بالفارسية نرى هذا المذهب، ولعلّ سائر اللغات على ذلك؟ فقال: القول كما قلت، ولكن أين مزية كلام العرب على جميع ما لأَِصناف العجم؟ ثم قال: إن الغرض الأول في الكلام الإفادة، وجُلُّ الأُمم على هذا. والثاني تحسين الإفادة، ثم التحسين تارةً يكون بمعاني التوكيد، وتارةً يكون بمعاني الحذْف، وتارةً يكون بوزن اللفظ، وبتعديل الوزن، وبتسهيل المطالع، وبتيديل المقاطع؛ وهذه الأنواع غيرها مما يطول إحصاؤه؛ وهو للعرب خاصة، ولباقي الأُمم عامّة.
ثم قال: وقد اشتمل القرآن على هذا كله، وعلى ضروبٍ أُخر لم تن في عادة القوم فاشية ولا كثيرة، ولكن كالشيء البديع، أَلا ترى أنك لا تجد شوافع هذه المعاني التي في الكتاب غريبة في منثور كلامهم ولا في نظومهم؟ وأنت تعلم أنهم كانوا لا يسكتون، وكان ولوعهم بالكلام أشدَّ من ولوعهم بكل شيء، وكلُّ وَلوع كان لهم بعد الكلام فإنما كان بالكلام.
فهل تجد معنى قوله تعالى في الإنابة عن التّوحيد: (مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ، إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِمَا خَلَقَ، وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) في شيء من كلام.
وكذلك أيضاً لا تجد ما يشبه قوله عزّ وجل: (لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا تَقُوُلُون إذاً لاَبْتَغَوْا إلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً).
وكذاك أيضاً لا تجد ما يقارب قوله: (لَوْ كَانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاّ اللهُ لَفَسَدَتَا).
(1/89)
________________________________________
وكذلك لا تجد ما يُداني قوله: (وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ)، أو قوله: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَر). ثم تدبَّر قوله: (إِنَّا صَبَبْنَا المَاءَ صَبّاً)، وقال: (ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقّاً)، وقال: (فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا)، وقال: (إنَّ في خَلْقِ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ وِاخْتِلاَفِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ التي تَجْرِي في الْبَحْرِ بمَا يَنْفَعُ النَّاسَ)، وقال: (وَفي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آياتٌ لقَوْمٍ يُوقِنون)، وقال: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ، قَالَ: مَنْ يُحْيِي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ: يُحْيِيهَا الذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ)، وقال: (الذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ)، وقال: (يأَيُّهَا النَّاسُ إنْ كُنتُم فِي رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَام مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى ثُمَّ نُخْرِجُكُم طِفْلاً، ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُم مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُم مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمْ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً، وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإذا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا المَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْج بَهِيجٍ)، وقال: (وَمِن آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْها الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ). وقال: (إنَّ الذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
ثم قال: وهذا سَبكٌ بديع، وأسلوب مُعجز؛ ولو كانت العرب نغمت بهذه المعاني بعبارات دون عباراتها، أو حلمت بهذه العبارات بمعانٍ دون معانيها، لكنّا نقف ونترجّح، ونرتاب ونضطرب، فأما وشيء لا يصاب لهم، لا على وجه التشبيه ولا على التحقيق فماذا يبقى؟ ثم هب أنهم كانوا مصروفين عنها في الأول وهم لا يأبهون لها، هلاَّ تصرَّفوا فيها في الثاني وقد تُحُدُّوا بها؟ إنّ هذا لَواضح.
وكان مع شبابه وكثرة أشغاله مليئاً بهذا الفن، ولقن أكثره من معلمه ابن فارس؛ فإنه قد ذلل هذا وأشباهه له، وكان ينتصب للناس في جامع الري، ويفسّر القرآن، ويتكلّم على وجوهه ونظائره وتأويلاته، وزاد هو أيضاً أعني أبا الفتح بقوته كشفاً لغامضها، وإبانةً لما خَفي منها؛ وكان على كلّ حال أمثل طريقةً من والده أبي الفضل الذي سُمع يُنشد هازئاً:
وَمُدَّعٍ يدَّعي بالسَّيْفِ حُجتَه ... ما حُجَّةُ السَّيفِ إِلاَّ حُجّةُ البَطَلِ
وينشد:
لَعَن اللهُ ذا العَصَا فلَقَد كا ... نت لقُفْل النَّامُوسِ كالْمفتاحِ
وهذا كله دليل على سوء الضمير، وخبث العقيدة، وشدّة المجاهرة.
قال أبو الفتح يوماً لأبي سليمان: قال أبو عثمان في رسالته في " التّربيع والتّدوير " إلى ابن عبد الوهاب: " لمَ صرنا تنذكر الشيء المهمّ فلا نقدر عليه حتى ندعه يأساً منه أجمع ما نكون نفساً وأحسن ما نكون تدبُّراً، ثم يُعارضنا ويخطر على بالنا في حال شُغل أو حال نوم، وأسهى ما نكون عنه وأقل ما نكون احتفالاً به " . وأنا أُحب أن أسمع من الشيخ فيه قولاً.
فقال أبو سليمان: ليست النفس على قدرة إرادة الإنسان منها، بل الإنسان على قدر مُراد النفس؛ لأن النفس هي مالكته ومُدبرته ومقوِّمته ومُتمّمتُه ومحرّكته؛ فلو كان الإنسان إذا أراد إِذْكارها أذكَرها، وإذا أراد إنساءها أنساها، كانت النّفسُ تحت مَلَكة الإنسان وجارية على إرادته، ومتصرَّفة بتصريفه وإرادته، إنما هي منها ويقوم هو بها، وكما له من جهتها، وتمامُه من مَعونتها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق