الاثنين، 5 أبريل 2010

فيرميز










  باسم توفيق
Jan Vermeer. Woman with a Water Jug. c.1664-1665. Oil on canvas.
Jan Vermeer. Girl with a Red Hat. c.1666-1667. Oil on canvas.
Jan Vermeer. The Guitar Player. c.1672. Oil on canvas.
Jan Vermeer. Woman with a Pearl Necklace. c.1664. Oil on canvas.
  • يقول جون آبدايك الأديب والناقد الأمريكي إن أجمل ما يوصف به الفنان التشكيلي والأديب هو القدرة الوصفية والموهبة الخالصة علي طرح أفكاره بشكل شديد القرب بما يحس به حيث يجعل المتلقي يحس أنه يشاركه أفكاره وآراءه بنفس القوة من هنا كان للعديد من الفنانين التشكيليين القدرة علي تحريك الحس والدق علي أجراس الفتنة الكامنة داخل العمل الفني حيث يعد الهولندي يوهانس فيرمير من أوائل الفنانين الذين ينطبق عليهم هذا المبدأ فبالرغم من أن فيرمير كان مقلا في أعماله التي تعالج مشاهد طبيعية في أماكن مفتوحة وذات خلفيات طبيعية فإنه خلق من مشاهده الفنية التي تقبع داخل حوائط المنازل أعمالا فنية وأدبية خلقت لنا تراثا غامضا عن فنان تشكيلي ربما هو الوحيد الذي أعطي لبساطة المشهد المنزلي أهميته الفنية.

إذن لقد قصد ابدايك كما رأينا أن يجعل من فيرمير مثالا مهما وناصعا علي جمال المشهد الذي يتخذ من البساطة عنوانا له وهذا بالتحديد ما قصدنا أن نبرزه قبل ان ندخل للحديث عن أعمال فيرمير الفنية ومذهبه شديد الخصوصية والذي يميزة مجموعة من المميزات لن نجدها في فنان سبقه او لحق به وأهم هذه المزايا مزية تجاهلها كل من كتبوا او أرخوا عنه سواء بشكل متعمد او غير متعمد حيث أغفل كل من تكلم عن فيرمير خاصية شديدة الغموض تحسب له وهي خاصية الحشمة نعم لقد كان فيرمير الفنان الوحيد في الجزء الثاني من عصر النهضة الذي لم يتخذ من العري مثلا لإظهار مواهبه وقدرته الوصفية التشكيلية وهذا غريب اذا عرفنا أن النموذج العاري لم يكن مستهجنا تماما في هذه الفترة بل علي العكس كان يعتبر من فضائل الفن التشكيلي في هذه الفترة اذن هناك ما يلفت النظر بالفعل في هذه القضية وربما كان أحد أسبابها ان المجتمع الهولندي في هذه الفترة كان لا يزال يتمتع بقدر شديد من الريفية والتحفظ من حيث قضية العري التي ربما لم تظهر في الفن الهولندي قبل جيل فان جوخ لكن ايضا هذا لا يفسر خلو أعمال فيرمير تماما حتي ولو من لمحة بسيطة لنموذج أنثوي او ذكوري يعلي من جمال المقاييس البشرية دون تحفظ في معالجة أي قضية تخص الجسد.
اذن كان فيرمير كما وصفته لورينا روكسانا ماروني الناقدة الفنية رجل يحب في الأنثي الاحتجاب والوقار ولا يجعل منها سلعة جسدية رخيصة ليظهر حرفيته العالية وفنه بل علي العكس لقد أثبت انه أكثر مهارة من معاصريه حين طرق باب الحشمة والوقار الذي يعد اصعب من النموذج غير المتحفظ .
ولد الفنان العظيم يوهانس فيرمير بمدينة دلفت الهولندية 1632 وهو نفس العام الذي ولد فيه الفيلسوف الشهير سبينوزا في امستردام وكان والد فيرمير يملك فندقا صغيرا في دلفت وكان يديره بنفسه حيث ورث فيرمير عن والده نفس المهنة والتي كانت مهنته الرئيسية وتزوج فيرمير عام 1653 من كاترينا بولنز حيث كان زواجا تقليديا أثمر 11 طفلا مما جعل فيرمير يقضي كل حياته القصيرة كرب أسرة غارقا في الديون ويقال إن لوحته الشهيرة فتاة تصب اللبن أخذها صاحب المخبز الذي كان يدين له فيرمير بمبلغ كبير إذن لم يكن فيرمير ذكيا في إدارة حياته المادية وكان ذلك لعدة أسباب أولها أنه كان مقلا في أعماله الفنية وثانيها أنه لم يستطع أن يبيع جزءا كبيرا من لوحاته بسبب ان زوجته كانت كاثوليكية والتي كان ينظر إليها نظرة مغايرة في مجتمع بروتستانتي مثل المجتمع الهولندي من هنا عاش فيرمير حياة فيها الكثير من المتاعب المادية مما جعله يموت وهناك مجموعة من لوحاته مرهونة من أجل ديونه حيث لم يحقق أي ثروة مادية لأسرته.
حيث ترك فيرمير 36 لوحة فقط بعد وفاته بالاضافة الي أربع مشكوك في نسبهم إليه وهو عدد قليل - نسبيا - يتهافت عليها الآن جامعو الصور وأصحاب المتاحف.. وقد بلغت أثمان لوحاته حاليا أرقاما مثيرة.. تعد بالملايين! بل إن لوحة واحدة من أعماله تمثل اليوم ثورة طائلة لمن يمتلكها.. ولكننا إذا رجعنا عبر التاريخ لثلاثة قرون خلت رأينا أنه في عام 1663 يقول دي مونكنيز وهو من كبار النبلاء حينذاك قابلت فيرمير في بلدته دلفت ورأيت لوحة في منزل أحد الخبازين اشتراها بمبلغ ستمائة فلورن وفي نظري أن ستة بستولات كثيرة عليها! والبستول عملة اسبانية صغيرة لا تكاد تساوي شيئا.. ومن العجيب أن هذه الصورة التي تحدث عنها مونكنيز وهي اللوحة الشهيرة خادمة تصب اللبن .. هي نفسها التي حظيت بإعجاب فنان بريطانيا الكبير رينولدز وقال عنها: إنها أحسن ما رأيت من أعمال فيرمير الرائعة! ومن عجائب القدر كذلك أنه بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية تحدثت صحافة العالم عن فضيحة كبري: فقد قام فنان هولندي يدعي فان ميجرن بتقليد أعمال فيرمير وظل يقوم بهذه العملية فيما بين عامي 1935 و1945.. واستطاع أن يقلد ست لوحات أكسبها طابع القدم بطريقة فنية خاصة ثم باعها بنصف مليون جنيه حينذاك علي أنها مقتنيات أثرية من أعمال فيرمير وقد باع اللوحة السادسة لأحد قواد النازية هو الماريشال جورنج وكان يمكن أن يظل ميجرن مستمرا في تقليده وحصوله علي الملايين لولا انكسار النازية في الحرب العالمية الثانية وحصر ممتلكات قادتها.. فقد وجدت اللوحة ضمن مقتنيات جورنج وقبض علي ميجرن بتهمة التضامن مع العدو وبيعه احدي لوحات فيرمير للقائد النازي! وأسقط في يد الرجل.. ولم يجد بدا من أن يعترف بالتزوير.. وفضل هذه التهمة علي أن يعتبر خائنا لبلده ! وهكذا كشف عن نفسه وما كانت هذه الواقعة لتعرف في العالم لولا أن اعترف ميجرن بنفسه فقد بلغ من دقة التقليد أن صنع ألوانه من المواد الخام التي كان فيرمير يصنع ألوانه منها جريا علي عادة القدماء في صنع ألوانهم بأنفسهم. كما كان يرسم لوحاته علي قماش بالغ القدم ليحصل علي مخلفات أثرية بطريقته الخاصة.
لعلنا لا نفرط في المبالغة إذا قلنا إن الفتاة ذات القرط اللؤلؤي هي واحدة من عيون الأعمال التشكيلية في العالم الغربي، فهي تنعت بموناليزا العالم الشمالي. إنها من بين احب اللوحات في العالم. وهي، مثل موناليزا دافنشي، لا تخلو من سحر وغموض. وجه الفتاة، هنا، يبدو كوميض ضوء منبثق من الظلام. إنه شيء خارق في دلالته البصرية. ثم ان الفتاة، بالتفاتة وجهها إلينا، تذهلنا وتأسرنا بسحرها. فهل هي صورة لفتاة حقيقية، أم دراسة عن فن البصريات وعلم الفراسة، أم كلاهما، كما يتساءل احد النقاد. إن عينيها المكورتين تنطقان بالكثير من التعابير الصامتة. وهناك ذلك البياض ذو اللمعة القشدية لبشرتها، والضوء الساقط علي شفتيها الفاغرتين قليلاً، وحتي مظهر أسنانها، وسواد احد المنخرين. ثم ذلك الجمال الأخاذ لوجهها المائل، المرصع بالظلال، الذي يضفي علي ملامحها انطباعاً من الثقة العالمية بالنفس... وجه يتألق بفتحة فم مقتصدة ومعبرة.
حرص فيرمير علي رسم فتاته علي خلفية من الظلام، وهو شيء يختلف تماماً عما هو مألوف في منازل ديلفت. وهذا ما يجعل اللوحة عملاً آسراً: إنها منبثقة من الليل، كمشكاة، ما يضفي علي اللوحة بعداً ميتافيزيقياً.
وهناك ايضا لوحته الشهيرة المرأة بثوب أزرق تقرأ رسالة التي يرجح النقاد أنه رسمها في الفترة بين عامي 1662-1663، وهي بقياس 46.5 * 39 سم زيت علي القماش. واللوحة موجودة في متحف ريجكس بأمستردام.عند النظر إلي هذه اللوحة الصغيرة نجد أن هناك امرأة تتوسط مساحتها وقد وقفت في سكون تام تقرأ الرسالة التي بين يديها. حولها منضدة وثلاثة كراسي، ونلاحظ أنها تقرأ رسالتها علي ضوء منبعث من خلال شباك مفترض، في الجدار المتخيل أمامها، وأن هناك خريطة معلقة علي الجدار الوحيد الظاهر في اللوحة. وحالما ننتهي من تلك التفاصيل نجد أن الفنان جان فيرمير قد أنجز شيئاً من السكون باستخدام اللون الأزرق، والأزرق المتداخل مع البني والبني المحمر، حيث نلاحظ أن فيرمير قد أبدع بإتقانه ودقته المعروفة في تجسيد أشكاله من خلال عبقريته في استخدام الظل والضوء، وهذا ما كان وراء بروز الخريطة والكرسي القريب من الجدار حيث جعلهما الظل ماثلين للعيان ليزيدا من صمت الجدار والسكون التام لجو الموضوع بشكل عام. وهذا ما ينسحب علي شاخص المرأة، حيث لعبت الخلفية دوراً كبيراً في بروز شكلها وسكونها.
هذا التدرج الحاذق في اللون والتضاد بين الظل والضوء في اللوحة، كان مثاراً للإعجاب منذ أكثر من مئتي عام مضت. ودليل كاتلوج المزاد الذي أجري في عام 1791 أفضل دليل علي هذا، حيث ذُكِرَ فيه بما يخص لوحة المرأة في الأزرق تقرأ رسالة العبارة التالية التأثير البهيج في سحر الظل والضوء .
الواضح أن المرأة في هذه اللوحة تقرأ رسالة حب ! ففي فن الرسم الهولندي منذ ذلك الحين وحتي فترة قريبة، تكون رمزية الحب واضحة حين تظهر اللوحة شخصاً يقرأ أو يكتب رسالة، فهذا يعني أن مصدر تلك الفعلة هو الحب، أو أنه إشارة إلي الحب. وهذا يصبح أكيداً حين النظر إلي الخريطة المعلقة علي الجدار، فتلك إشارة إلي أن الحبيب في مكان بعيد، وتلك أيضاً من الرموز التي كانت سائدة في ذلك الوقت. بالإضافة إلي هذا فإن اللوحة.تظهر مهارة ودقة فيرمير في الرسم، فالخريطة التي علي الجدار تظهر هولندا وغرب ألمانيا، وتلك الخريطة كانت قد تضمنتها لوحة أخري لفيرمير بعنوان الجندي والفتاة الضاحكة التي رسمها عام 1658، وهي الآن موجودة في مجمع فريك الفني في نيويورك، وقد أظهرت الأشعة السنية بأن الخريطة المعلقة علي الجدار في هذه اللوحة، هي في الحقيقة خريطة متقنة بدقة كبيرة، وعظيمة القرب من الخريطة الأصلية.
وتعتبر ايضا لوحته الفنان في مرسمه من أهم ألغاز الفن التشكيلي في عصره حيث تعالت أصوات النقاد مؤكدة انها تمثل ربة الفن كاليوبي كما ان هناك من أكد أن فيرمير كان يصور الفنان الهولندي بيتر دي هوخ في مرسمه لأن اسمه منقوش علي المقعد الذي يجلس عليه الرسام في اللوحة إلا أن الباحثين أثبتو أن هذا الاسم اضيف فيما بعد للوحة بعد وفاة فيرمير ليرفع من قيمة اللوحة.
لقد عني فيرمير بتصوير المنازل من الداخل كما عني فنانو عصر النهضة الايطاليين بتصوير الجسد تماما وهذا بالطبع يجعلنا نؤكد علي ان فيرمير كان فنانا يقدر الحياة الجدية وواقع المشهد التصويري مما جعله فنانا واقعيا ولد قبل أن تولد الواقعية باكثر من قرن ونصف تقريبا.
مات فيرمير في سن صغيرة حيث كان يبلغ من العمر 42 عاما وكانت تحاصره الديون كما قلنا لكن أيضا حياته لم يشوهها سوء السمعة قط علي الرغم من ظروفه المادية حيث كان مثالا للفنان الملتزم والملهم كما كان يحترم فنه جدا مما جعله أقل ميلا للتعامل مع فنه كتجارة تباع وتشتري وهذا يفسر لنا قلة أعماله الفنية.






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق