إن عمق الأسفل ينادي عمق الأعلى من الجانب الآخر لسطح الحاضر, أو لمزيد من الدقة, لا يكون المثال في مكانه إلا وقد قذفه الماضي نحو المستقبل, في حين أنه وقد افترض حضوره يظهر كقوة دوار وإغراء. يتمزق زمن هيغو بين ضرورة الماضي السوداء ومثالية المستقبل الباهرة, بما أن الحاضر لا يكون أبداً على ما يبدو غير تقزيم للماضي, أو إنجاز مبكر دائماً للمثال الذي بيهر بوصفه غنى, وجمال”مرايا الهوية
الأدب المسكون بالفلسفة لجان ماركيه
لا زلت أذكر هذه اللوحة القاتمة – Valjean in sewer – كلما قرأت شيئاً عن رواية فيكتور هيجو” البؤساء”, إذ يشكل المكان في اللوحة أقتم وأقذر مكان في باريس, وحتى في الرواية, أطال هيجو الحديث عن هذا المكان وتحول السرد من كيفية إنقاذ ماريوس بواسطة جان فالجان إلى حديث فلسفي تاريخي ينبش في تاريخ مدينة باريس – الكئيبة السوداء-. أذكر أني قرأت فصل – بالوعات باريس – بسرعة كبيرة بسبب التحول في الخطاب السردي وإطالة هيجو في الحديث, إلى درجة أنه قام يفصل, متى وكيف بنيت بالوعات باريس وتاريخ هذه البالوعات في زمن الملوك السابقين.
أثناء بحثي عن أي شيء يخص رواية البؤساء فنياً, وجدت موقع يعرض رواية البؤساء باللغة الإنجليزية, وتتضمن الرواية لوحات فنية عن أبطال الرواية في مشاهد عالقة بذاكرة من قرأ البؤساء جيداً ويعرفها. أغلب اللوحات كانت بريشة Gustave Brion والبعض الآخر لست متأكداً منها, ومنها هذه اللوحة كذلك, والتي أعتقد أنها له نظراً لتشابه نمط أغلب اللوحات مع بعضها. أعجبت بلوحات كثيرة سأقوم بعرضها تباعاً ولكن الأفضل والأكثر إثارة للإهتمام هي هذه اللوحة. أريد أن أعرف لماذا نقل فيكتور هيجو الفلسفة من أعلى السطح إلى قاع الأرض؟ هذه الأيام بدأت بقراءة كتاب مرايا الهوية الأدب المسكون بالفلسفة لجان ماركيه. وفيه فصل معنون فيكتور هيغو ومتناهي الصغر. الكتاب على وجه العموم سبر عميق للنص الفلسفي والأدبي. وجدت المؤلف يشاركني الإهتمام بهذه اللوحة بشكل غير مباشر, هو تحدث عن الأسفل, عن العمق, عن بالوعات باريس, عن فصل تاريخ البالوعات في أكثر فصول الرواية طولاً .
النزول إلا الأسفل, إلى أبعد مكان في الأرض يجب أن يحدث عند فيكتور هيجو. لأن الأسفل, القعر, لدى هيغو هو مكان الحقيقة الواضحة كل الوضوح.أما الزيف والكذب فهو طابع لا ينفصل عن كل سطح, وبالتالي عن كل سلطة. الصورة الأكثر إذهالاً لبئر الحقيقة النتنة ستكون في رواية البؤساء, البالوعة, مجاري باريس, هذا المكان الذي يسقط فيه كل شيء في الأخير, حفرة الحقيقة هذه يفضي إليها الانزلاق الإجتماعي الهائل. هو مكان غريب إلى أبعد الحدود لأنه مثل اللاوعي الفرويدي, نسيان, وتراكم آثار, ومحفوظات يتواجد فيها كل ما تنبذه المدينة, حتى كفن مارا! لا يتردد هيجو في دعوة الفلسفة إلى هناك, في مجاري باريس. باريس هي نوع من البئر التي لا يمسك قعرها الماء, حيث أودع كل تاريخ البشرية كما كتب على صحيفة :” تحت الطابق الأرضي قبو كنيسة, وتحت القبو مغارة, وأمام المغارة ضريح, وتحت الضريح الهاوية, والهاوية هي المجهول
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق