الخميس، 24 يونيو 2010

شرح ديوان المتنبي









شرح ديوان المتنبي

 

يقدمها وقد خضبـت شـواهـا

فتًى ترمي الحروب به الحروبا
يقول يقدم هذه الخيل إلى الحروب وقد تلطخت قوائمها بالدماء فتى قد تعود الحروب لا تزال حربا تقذفه إلى حرب أخرى ومن روى خضبت بفتح الخاء كان الفعل للخيل.
شديد الخنزوانة لا يبالـي

أصاب إذا تنمر أم أصيبا
الخنزوانة في الأصل ذبابة تطير في أنف البعير فيشمخ لها بأنفه واستعيرت للكبر فقيل بفلان خنزوانة ومعنى تنمر صار كالنمر في الغضب والمعنى إذا غضب على اعدائه وقاتلهم لم يبال أقتلهم أم قتلوه.
أعزمي طال هذا الليل فانظر

أمنك الصبح يفرق أن يؤوبا
قال ابن فورجة أراد لعظم ما عزمت عليه ولشدة الأمر الذي هممت به كان الصبح يفرق من عزمي ويخشى أن يصيبه بمكروه فهو يتأخر ولا يؤوب وقال العروضي يخاطب عزمه يقول أنظر يا عزمي هل علم الصبح بما أعزم عليه من الاقتحام فخشى أن يكون من جملة اعداءي
كأن الفجر حب مستزار

يراعى من دجنته رقيبا
شبه الفجر بحبيبٍ قد طلب أن يزور وهو يراعي من ظلمة الليل رقيبا وتتأخر زيارته من خوف الرقيب يريد طول الليل وأن الفجر ليس يطلع فكأنه حبيب يخاف رقيبا.
كان نجومه حليٌّ عـلـيه

وقد حذيت قوائمه الجبوبا
شبه النجوم الثاقبة بحليّ على الليل وجعل وجه الأرض كالحذاء لليل يقول كان الأرض جعلت نعلا له فهو لا يقدر على المشي لثقل الأرض على قوائمه يقول كان لليل من النجوم حليا ومن الأرض قيدا
كأن الجو قاسى ما أقاسي

فصار سواده فيه شحوبا
يقول كأن الهواء قد كابد ما أكابده من طول الوجد فاسود لونه وصار سواده كالشحوب وهو تغير اللون أي كأن الليل اسود لأنه دفع إلى ما دفعت إليه فصار السواد له بمنزلة الشحوب.
كأن دجاه يجذبها سهادي

فليس تغيب إلا أن يغيبا
الدجى جمع دجية يريد طول ظلمة الليل وطول سهاده فكأن السهاد يجذب الدجى فليس تغيب الدجى إلا أن يغيب السهر والسهر ليس يغيب فكذلك ظلمة الليل.
أقلب فيه أجفاني كـأنـي

أعد بها على الدهر الدنوبا
أي لكثرة تقليبي إياها كأني أعد على الدهر ذنوبه أي كما أن ذنوب الدهر كثيرة لا تفنيى كذلك تقليبني لأجفاني كثير لا يفنى فلا نوم هناك.
وما ليل بأطول من نهـار

يظل بلحظ حسادي مشوبا
يقول ليلى وإن طال فليس بأطول من نهار أنظر فيه إلى حسادي واعداءي
وما موت بأبغض من حيوةٍ

أرى لهم معي فيها نصيبا
يقول إذا شاركني أعدائي في الحياة وعاشوا كما أعيش ولم أقتلهم فالموت ليس بأبغض إليّ من تلك الحياة التي تخل من مشاركة الأعداء فيها
عرفت نوائب الحدثان حتى

لو انتسبت لكنت لها نقيبا
أي لكثرة ما أصابتني النوائب صرت عارفا بها حتى لو كانت لها أنسابٌ لكنت نقيبها والنقيب للقوم هو الذي يعرف انسابهم ويقال انتسب الرجل إلى فلان إذا نسب نفسه إليه
ولما قلت الإبل امتـطـينـا

إلى ابنِ أبي سليمان الخطوبا
أي لما اعوزتنا الإبل وفقدناها لقلة ذات اليد أدتني المحن والشدائد إلى الممدوح فكأنها كانت مطايا لنا
مطايا لا تذل لمن علـيهـا

ولا يبغي لها أحد ركوبـا
وترتع دون نبت الأرض فينا

فما فارقتهـا إلا جـديبـا
يقول هذه المطايا يعني الحوادث لا ترعى نبات الأرض إنما ترعانا وتصيب منا فلم افارقها إلا مجدبا كالمكان الذي أكل نباته فصار جديبا والمعنى أنها رعتني فلم تترك مني ناميا
إلى ذي شيمةٍ شغفت فؤادي

فلولاه لقلت بها النسـيبـا
شغفت فؤادي أي غلبت على عقله والوجه لولا هو كقوله تعالى فلولا أنتم ويجوز لولاه ولولاك يقول لولا أن خلق الممدوح احسن من خلقه لقلت النسيب بخلقه ويجوز أن يريد لولا أني احتشمه لقلت الغزل بشيمته.
تنازعني هواها كل نفـسٍ

وإن لم تشبه الرشأ الربيبا
يقول كل احد ينازعني عشق شيمته أي يعشقها عشقي لها وإن كانت لا تشبه الرشأ إنما هي خلق وطبع لا شخص لها.
عجيب في الزمان وما عجيب

أتى من آل سيارٍ عجـيبـا
يقول هو عجيب في الزمان وليس بمنكر أن تأتي من آل سيار العجائب لأنهم النهاية في النجابة والكرم
وشيخ في الشباب وليس شيخاً

سمي كل من بلغ المشيبـا
يقول هو مع أنه شاب في حنكة الشيخ ورب إنسانٍ غيره بلغ المشيب ولم يستحق إن سمي شيخا لنقصه وتخلفه
قسا فالأسد تفزع من قـواه

ورق فنحن نفزغ أن يذوبا
يقول قسا قلبا بالأسود تخافه ورق طبعا وكرما فنحن نخاف أني يذوب يقال فلان يذوب طرفا إذا لأن جانبه وحسن خلقه والقوى جمع القوى وروى من يديه.
أشد من الرياح الهوج بطشـاً

وأسرع في الندى منها هبوبا
الهوج جمع الهوجاء وهي التي لا تستوي في هبوبها والبطش الأخذ بقوة يقول هو أشد عند البطش من الريح الشديدة العاصف وأسرع منها في العطاء
وقالوا ذاك أرمي من رأينـا

فقلت رأيتهم الغرض القريبا
أي قال الناس للممدوح أنه أرمى من رأيناه يرمي السهم فقلت رأيتموه وهو يرمي الغرض القريب منه يعني فكيف لو رأيتموه يرمي غرضنا بعيدا والغرض الهدف.
وهل يخطى بأسهمه الرمايا

وما يخطى بما ظن الغيوبا
الرمايا جمع الرمية وهو كل ما يرمى من غرض أو صيد يعني أن أصاب رميته بسهمه فلا عجب فإنه لا يخطى بسهم ظنه الغائب عنه أي أنه صائب الفكرة.
إذا نكبت كنانته استبنـا

بأنصلها لأنصلها ندوبا
روى ابن جنى نكتت أي قلبت على رأسها يقال للفارس إذا رمى عن فرسه فوقع على رأسه نكت فهو منكوت وقال ابن فورجة هذا صحيح في الفارس والمعهود في الكنانة نكبتها قال ابن دريد نكبت الإناء انكبه نكبا إذا صببت ما فيه ولا يكون للشيء السائل إنما يكون للشيء اليابس واستبنا تبينا ورأينا والندوب الآثار يقول إذا صبت كنانته رأينا لنصوله آثارا في نصوله لأنه يرميها على طريقة واحدة فيصيب النصول بعضها بعضا.
يصيب ببعضها أفواق بعضٍ

فلولا الكسر لاتصلت قضيبا
يصيب ببعض سهامه أو نصوله أفواق السهام التي رماها فلولا أنه يكسرها لاتصلت السهام حتى تيصير قضيبا مستويا.
بكل مقوم بدل من قوله ببعضها وعني بالمقوم سهما مستويا لا يعصيه فيما يأمره به من الإصابة حتى ظنناه عاقلا لطاعته له.

يريك النزع بين القوس منه

وبـــين رمـــــيه الـــــــهـــــــدف الـــــــلـــــــهـــــــيبـــــــا
يريد بالنزع جذب الوتر وقوله منه أي من المقوم والرميّ المرميّ وهو الهدف يقول إذا جذب الوتر ورمى السهم رأيت بين قوسه وهدفه نارا والعرب إذا وصفت شيئا بالسرعة شبهته بالنار ومنه قول العجاج، كأنما يستضرمان العرجفا، وذلك أن حفيف السهم في سرعة مروره يشبه حفيف النار في التهابها ويروي وبين رميه بالهاء والهدف خفض على البدل منه.
ألست ابن الأولى سعدوا وسادوا

ولم يلدوا امرأ إلا نـجـيبـا
يقول ألست ابن الذين كانوا سعداء بما طلبوا فكانوا سادةً منجبين لم يلدوا إلا نجيبا وهذا استفهام معناه التقرير كقول جرير، ألستم خير من ركب المطايا، وأندى العالمين بطون راحِ، أي أنتم كذلك.
ونالوا ما اشتهوا بالحزم هوناً

وصاد الوحش نملهم دبيبـا
أي ادركوا ما تمنوا بحزمهم على رفق وتؤدة وادركوا المراد الصعب البعيد بأهون سعي جعل الوحش مثلا للمطلوب البعيد ودبيب النمل مثلا لسعيهم هونا وإنما ذلك لحزمهم ولطف تأنيهم
وما ريح الرياض لها ولكـن

كساها دفنهم في الترب طيبا
يقول إن الذي يشم من روائح الرياض ليس لها في الحقيقة ولكنه شيء اكتسبته واستفادته من دفن ابائه في التراب
أيا من عاد روح المجد فيه

وصار زمانه البالي فتشيبا
قال ابن جنى معناه أن روح المجد انتقل إليه فصار هو المجد على المبالغة وقال غيره معناه يا من عاد به روح المجد في المجد يعني أن المجد كان ميتا فعاد به حيا وعاد الزمان الذي كان باليا جديدا به
تيممني وكيلك مادحـاً لـي

وأنشدني من الشعر الغريبا
سمعت الشيخ أبا المجد كريم بن الفضل رحمه الله قال سمعت والدي أبا بشر قاضي القضاة قال انشدني أبو الحسين الشامي الملقب بالمشوق قال كنت عند المتنبي فجاءه هذا الوكيل فانشده هذه الأبيات، فؤاددي قد انصدع، وضرسي قد انقلع، وعقللي لليللي، قد انهوى وما رجع، يا حب ظبي غنجج، كالبدر لما أن طلع، رأيته في بيته، من كوةٍ قد اطلع، فقلت تِهْ تِهْ وتِهْ، فقال لي مر يا لكع، هاتِ قطع ثم قطع، ثم قطع ثم قطع، وضع بكفي ففي، حتى أدعك بضعضعْ، فهذا الذي عناه المتنبي بقوله وأنشدني من الشعر الغريبا.
فآجرك الإله على عـلـيلٍ

بعثت إلى المسيح به طبيبا
يقال أجره أجرا وآجره يؤاجره مؤاجرة وإجارا جعل نفسه كالمسيح وهذا الوكيل كالعليل ولا حاجة بالمسيح إلى الطبيب سيما إذا كان عليلا فإنه كان يحيى الموتى ويداوي الأكمه والأبرص.
ولست بمنكرٍ منك الـهـدايا

ولكن زدتني فيهـا أديبـا
فلا زالت ديارك مشرقـاتٍ

ولا دانيت يا شمس الغروبا
يقول لا زالت ديارك مشرقة بنورك فإنك فيها شمس ولا كان لك غروبا وكني بالغروب عن موته لما جعله شمسا
لأصبح آمنا فيك الرزايا

كما أنا آمن فيك العيوبا
أي كما أنا آمن ان لا يصيبك عيب آمن أن لا أصاب فيك بمصيبة.
وقال يمدحه أيضاً
أقل فعالي بله أكثـره مـجـد

وذا الجد فيه نلت أو لم أنل جد
بله اسم سمي به الفعل ومعناه دع كما قالوا صه بمعنى أسكت ومه بمعنى لا تفعل وبله اكثر أي دع أكثره ويجوز الجر به على أ، يجعل بله مصدرا مضافا إلى أكثره كما قال الله تعالى فضرب الرقاب ومعناه فاضربوا الرقاب والنصب أقوى لأن بله لو كان مصدرا لوجد فعله وليس يعرف له تصرف وهو بمنزلة صه ومه وإيه على أنه قد وجد مصا6ر لا أفعال لها نحو ويل وويس وويح والأنى بمعنى الإعياء والإد للعجب ولا فعل له وأجاز قطرب فيما بعد بله الرفع على أنه بمعنى كيف والمسموع فيما بعد بله في غالب الأمر النصب ومعنى المصراع الأول من هذا البيت أني لا أفعل إلا ومغزاي المجد وإياه أنحو ولو صرح بالأقل لقال نومي وأكلي وشربي للمجد ولو صرح بالأكثر لقال تغريري بنفسي وركوبي المهالك وشهودي الحرب كله مجد أي لأجل المجد وتحصيله يقول إذا عرفت كون الأقل مجدا أغناك ذلك عن أن تعرف الأكثر وقوله وذا الجد فيه نلت معناه أن الجد في الأمور فيصير عادة الجد كعادة الجد قال ابن جنى أي فلو لم يكن عندي غير هذا الجد في أمري وترك التواني لقد كان جدا لي.
سأطلب حقي بالقنا ومـشـائخٍ

كأنهم من طول ما التثموا مرد
أراد أنه يطلب حقه بنفسه وبغيره فكنى بالقنا عن نفسه وبالمشائخ عن اصحابه وأراد أنهم محنكون مجربون ولذلك جعلهم مشائخ وقوله كأنهم من طول ما التثموا مرد أي أنهم لا يفارقون الحرب فلا يفارقهم اللثام فكأنهم مرد حيث لم تر لحاهم كما لا يرى للمرد لحى.
ثقالٍ إذا لاقوا خفافٍ إذا دعوا

كثيرٍ إذا شدوا قليلٍ إذا عدوا
يقول ثقال لشدة وطأتهم على الأعداء ويجوز أن يريد ثباتهم عند الملاقاة وكنى بالخفة عن سرعة الإجابة وكنى بالكثرة عن سد الواحد مسد الألف يقول هم على قلتهم يكفون كفاية الدهم.
وطعن كأن الطعن لا طعن عنده

وضربٍ كأن النار من حره برد
يقول كان طعن الناس عند ذلك الطعن غير طعن لشدته وقصور طعن الناس عنه فكل طعن بالإضافة إليه غير طعن ويجوز أن يريد سرعته فيكون كقوله، ليس لها من وحائها ألم، وضرب حار كان النار بالإضافة إليه برد أي متجسمة من برد فهو مبالغة ويجوز أن يريد ذات برد فحذف المضاف.
إذا شئت حفت بي على كل سابحٍ

رجال كأن الموت في فمها شهد
يريد أنه مطاع في قومه فمتى ما شاء احاطت به رجال يستعذبون طعم الموت كما يستحلى الشهد يعني إذا دعوتهم أجابوني محيطين بي على فرس سابح ويريد كان طعم الموت في فمها شهد واوقع الواحد موقع الجماعة لأنه يريد في أفواهها وهو كما قال، بها جيف الحسرى فأما عظامها، فبيض وأما جلدها فصليب،
أذم إلى هذا الزمان أهيلـه

فأعلمهم فدمٌ وأحزمهم وغدُ
صغر الأهل تحقيرا لهم والفدم العيُّ من الرجال والوغد اللئيم الضعيف وإذا كان الإعلام فدما كيف الجاهل وكان من حقه أن يقول فانطقهم فدم لأن الفدامة لا تنافي العلم لكنه أراد أن الإعلام منهم لا يقدر على النطق وهو عيب شديد في الرجال فكأنه قال اعلمهم ناقص.
وأكرمهم كلب وأبصرهم عمٍ

وأسهدهم فهد وأشجعهم قرد
أي أكرمهم في خسة الكلب وأبصرهم أي أعلمهم من البصيرى أعمى القلب وأكثرهم سهادا ينام نوم الفهد وبه يضرب المثل في كثرة النوم ويضرب المثل بالقرد في الجبن ويقال أن القرد لا ينام إلا وفي كفه حجر لشدة الجبن ولا تنام القرود بالليل حتى يجتمع منها الكثير.
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى

عدوا له ما من صداقتـه بـدُّ
النكد قلة الخير يقول ممن قلة خيرها إن الحر يحتاج فيها إلى اظهار صداقة عدوه ليأمن شره وهو يعلم أنه له عدو ثم لا يجد بدا من أن يرى الصداقة من نفسه دفعا لغائلته وأراد ما من مداجاته بد ولكنه سمي المداجاة صداقة لما كانت في صورة الصداقة ولما كان الناس يحسبونه صداقة ويجوز أن يريد ما من اظهار صداقته فحذف المضاف.
فيا نكد الدنيا متى أنت مـقـصـر

عن الحر حتى لا يكون له ضـد
يروح ويغدو كارهـا لـوصـالـه

وتضطره الأيام والزمن النـكـد
بقلبي وإن لم أرو منـهـا مـلالةٌ

وبي عن غوانيها وإن وصلت صدُّ
قال ابن جنى أي أنا احب الحياة في الدنيا ولما رأى من سوء افعال أهلها ما قد ذكرت زهدت فيها قال ابن فورجة ليس في لفظ البيت ما يدل على أنه يحب الحياة في الدنيا بل فيه تصريح أنه قد ملها فدعواه أنه يحبها محال وإنما ملالته لها لما يشاهد من فيح صنيعها من ابدال النعمى بالبؤسى واسترجاع ما تهب والإساءة إلى أهل الفضل وقعودها بهم عما يستحقونه وقد اجاد أبو العلاء المعري حيث يقول، وقد غرضت من الدنيا فهل زمني، معطى حياتي لغرٍّ بعد ما غرضا، انتهى كلامه يقول أبو الطيب قد مللتها وإن لم استوف حظي منها وبي إعراض عن نسائها وإن واصلتني.
خليلاي دون الناس حزن وعبرةٌ

على فقد من أحببت ما لهما فقد
جعل الحزن والعبرة خليلين له لأنهما يلازمانه ولا يفارقانه وكأنهما خليلان له ألا تراه يقول ما لهما فقد أي فقدت من كنت احبه وصاحبني لفقده حزن وعبرة لست افقدهما.
تلج دموعي بالجفون كأنمـا

جفوني لعيني كلِّ باكيةٍ خدُّ
أي لا تخلوا جفوني من الدموع فكان جفوني خد كل باكية في الدنيا يريد أن ما يسيل من جفونه مثل الذي يسيل على خد كل باكية ويجوز أن يريد أن جفونه لا تنفك في حال من الدمع كما لا تنفك حال من بكاء باكية ما في العالم وبهذا قال ابن جنى لأنه قال أي فلست اخلو من بكاء ودموعٍ كما لا تخلو الدنيا من باكية تجري دموعها.
وأني لتفهيني من الماء بقـية

وأصبر عنه ما تصبر الربد
النغبة الجرعة من الماء وجمعها نغب والربد النعام يقال ظليم أربد ونعامة ربداء وذلك لما في لونها من السواد يصف نفسه بقلة شرب الماء وذلك دليلٌ على أنه زهيد الأكل صابر على العطش كالنعام فإنها لا ترد الماء.
وأمضى كما يمضي السنان لطيتي

وأطوي كما تطوى المجلحة العقد
الطية المكان الذي تطوى إليه المراحل ومنه قول الشنفري، وشدت لطياتٍ مطايا وأرحل،وأطوى اجوع معناه اطوى بطني عن الزاد والمجلحة الذئاب المصممة والتجليح التصميم والعقد جمع الأعقد وهو الذي في ذنبه عقدة وقيل الذي انعقد لحمه ضمرا وهزالا والذئاب اصبر السباع على الجوع والعرب تمدح بقلة الطعم والصبر على الجوع كما قال الأعشى، تكفيه حزة فلذٍ إن ألم بها،
وأكبر نفسي عن جزاء بـغـيبةٍ

وكل اغتيابٍ جهد من ما له جهد
الجهد المشقة والجهد الطاقة يقول لا اجازي عدوي بالاغتياب لان ذلك طاقة من لاطاقة له بمواجهة عدوه ومحاربته وهذا كقول الآخر، ونشتم بالأفعال لا بالتكلم،
وأرحم أقواما من العيِّ والغبي

وأعذر في بغضي لأنهم ضدُّ
الغبي مثل الغباوة يقول إذا نظرت إلى أقوام من أهل العي والغباوة رحمتهم وإذا ابغضوني عذرتهم لأنهم اضدادي والضد يبغض ضده
ويمنعني ممن سوى ابن محمدٍ

أياد له عندي يضيق بها عندُ
عند اسم مبهم لا يستعمل إلا ظرفا فجعله اسما خاصا للمكان كأنه قال يضيق بها المكان هذا كقول الطاءي، وما زلت منشوراً عليَّ نواله، وعندي حتى قد بقيت بلا عند،
توالي بلا وعدٍ لكن قبـلـهـا

شمائله من غير وعدٍ بها وعدُ
أي إذا رأيت شمائله وهي أخلاقه علمت أنه سيعطيك فقامت لك مقام الوعد
سرى السيف مما تطبع الهند صاحبي

إلى السيف مما يطبع الله لا الهنـدُ
يقول سرى صاحبي الذي هو السيف يريد سريت ومعي السيف إلى إنسانٍ كأنه سيف لكن الله طابعه.
فلما رآني مقبلاً هز نفسـهُ

إلى حسام كل صفحٍ له حدُّ
هز نفسه حرك نفسه للقيام إلى حسام كل وجهٍ من وجهيه حد ينفذ في اعدائه وجعله هو الحسام فرفعه وهو امدح من أن ينصبه على الحال فيقول حساما لأن الحال غير لازمةٍ ونفس الشيء أشد مصاحبة له من حاله
فلم أر قبلي من مشي البحر نحوه

ولا رجلاً قامت تعانقه الأسـد
جعله في الحقيقة بحراً وأسداً يقول لم أر قبلي رجلا مشى نحوه البحر أو عانقته الأسود وتحقيق معنى الكلام من مشى نحوه رجل كالبحر أي في الجود وعانقه رجل كالأسد في الشجاعة
كان القسيَّ العاصيات تطـيعـه

هوى أو بها في غير أنمله زهدُ
عنى بالعاصيات القسي الشديدة الممتنعة من النزع يقول كأنها تطيعه حبا له أو زهدا في غير أنامله.
يكاد يصيب الشيء من قبل رميه

ويمكنه في سهمه المرسل الردُّ
الإصابة لمساعفتها أياه يكاد يسبق رميه وكاد السهم لانقياده له يرجع من طريقه إليه وهذا مبالغة في وصف اقتدراه على الرمي ويمكنه عطف على يصيب لا علي يكاد كأنه قال ويكاد يمكنه.
وينفذه في العقد وهـو مـضـيق

من الشعرة السوداء والليل مسود
بنفسي الذي لا يزدهي بـخـديعة

وإن كثرت فيه الذرائع والقصد
لا يزدهي لا يحرك ولا يستخف أي لا ينفذ فيه الخدائع وإن أحكمت بالوسائل قال ابن جنى كأنه قال بنفسي غيرك أيها الممدوح لأنني ازدهيك الخديعة وأسخر منك بهذا القول لأن هذا مما لا يجوز مثله قال وهذا مذهبه في أكثر شعره لأنه يطوي المدح على هجاء حذقا منه بصفة الشعر وتداهيا كما كان يقول في كافور من أبيات ظاهرها مدح وباطنها هجاء قال ابن فورجة إنام فعل أبو الطيب ذلك في مدائح كافور استهزاء به لأنه كان عبدا أسود لم يكن يفهم ما ينشده وإما عليّ بن محمد بن سيار بن مكرم الذي يمدحه بهذه القصيدة فمن صميم بني تميم عربيٌّّ لم يزل يمدح وينتابه الشعراء لا يبعد من فهمٍ وليس في هذا البيت ما يدل على أنه يعني به غيره بل يعنيه به يقول بنفسي أنت ووصفه واتبع ذلك بأوصاف كثيرة على نسق واحد لو كان كلها وصفا لغيره كانت هذه القصيدة خاليةً من مدحه وليس انفاذ الرمي في عقدة من شعر في ليل مظلمٍ أول محالٍ أدعى للممدوح وما هذا غير هوسٍ عرض له فقذفه.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق