الرسام الهولندي العالمي : بيتر بول روبنز
ولد في 27 يونيو 1577 ميلادية
توفي في 30 مايو 1640 ميلادية
له العديد من اللوحات العالمية من بينها :
شمشــون و دليـلــة
للفنان الهولندي بيتـر بـول روبنــز
كلف نيكولاس روكوكس صديقه الفنان روبنـز برسم لوحة تتّخذ من قصّة شمشون ودليلة موضوعا لها كي يعلّقها في منزله.
وشمشون، حسب ما تذكر الأساطير، كان بطلا يهوديا يقال انه كان يتمتّع بقوى وقدرات جسدية خارقة.
وتذكر الروايات الانجيلية أن ملاكا ظهر لامّه قبل أن يولد وأخذ عليها عهدا بأن تحسن تربيته فتمنع عنه الخمر ولا تطعمه إلا الغذاء الطيّب وأن لا تقصّ شعر رأسه أبدا.
ويقال إن شمشون كان يصارع أعداءه فينتصر عليهم لوحده مهما كان عددهم وعدّتهم. وتروي بعض القصص كيف انه صارع سبعا ضخما فصرعه، وكيف اقتلع بوابّات مدينة محصّنة بيديه العاريتين، وكيف أباد جيشا بأكمله وليس معه من سلاح سوى عظمة حيوان ميّت! إلى آخر تلك القصص الغريبة.
وقد حاول أعداء شمشون مرارا القبض عليه أو قتله، غير أنهم لم يستطيعوا.
لكن سقوط شمشون تحقّق عندما وقع في حبّ امرأة جميلة تدعى دليلة. وقد رشا أعداؤه المرأة كي تساعدهم في معرفة مصدر قوّته ومن ثم تمكينهم من السيطرة عليه.
وفي إحدى الليالي وبعد عدّة محاولات من المرأة، كشف لها سرّ قوّته المتمثل في شعره الذي لم يقصّ أبدا.
واللوحة تصوّر هذا الجزء من القصّة.
وفيها نرى شمشون بلحيته السوداء وجسده القويّ راقدا في حضن دليلة في ما يبدو وكأنه نهاية ليلة غرامية طويلة.
صدر المرأة ما يزال مكشوفا وعيناها نصف مغمضتين، بينما انهمك شخص بقصّ شعر شمشون النائم على ضوء شمعة تحملها امرأة عجوز.
وفي الخلفية يظهر تمثال لفينوس وكيوبيد في إشارة إلى أن الحبّ كان السبب في المصير البائس الذي انتهى إليه شمشون.
وعلى الباب، إلى يمين اللوحة، وقف بعض الجند حاملين الشموع وقد ظهرت على وجوههم علامات الحماس والترقّب انتظارا لما سينجلي عنه الموقف.
المشهد يحمل لمسة درامية واضحة . وشكل الإضاءة وألوان الملابس والسجّاد ذو النقوش الشرقية والستائر المسدلة على الجدار وملامح الوجوه وانعكاسات اللحم العاري، كلها عناصر تعطي انطباعا بعمق الإحساس بدراماتيكية اللحظة ومصيرية الحدث.
مما يلفت الانتباه أيضا في اللوحة غموض ملامح المرأة، وليس واضحا هنا ما إذا كانت نظراتها تعبيرا عن الشعور بالانتصار أو الشفقة.
بعد أن ُقصّ شعر شمشون تلاشت قوّته وتمكّن أعداؤه من السيطرة عليه واعتقاله. ثم قاموا بعد ذلك بوضعه في السجن بعد أن سملوا عينيه.
وبعد فترة، أخذ للعمل كمهرّج خلال احتفال للإله داغون. في ذلك اليوم كان المعبد ممتلئا بالناس. ولم يفطن أعداء شمشون إلى أن شعره قد نما وعادت إليه قوّته مرّة أخرى.
وقد طلب من الخادم الذي كان يلازمه أن يجلسه في وسط المعبد. وعندما وصل إلى هناك وقف بين العمودين اللذين يسندان السقف وهزّهما بعنف ليتقوّض المعبد ويموت آلاف الناس تحت ركامه بمن فيهم شمشون الذي كان يردّد جملته المشهورة "عليّ وعلى أعدائي يا ربّ!".
قصّة شمشون ودليلة كانت وما تزال موضوعا للكثير من الأعمال التشكيلية والسينمائية والأدبية.
والدرس الذي تقدّمه القصّة هو أن جمال المرأة قد يكون أحيانا مصدر خطر مميت، وأن الرجل مهما كان قويّا فإن امرأة جميلة بإمكانها أن تروّضه وتعرف نقاط ضعفه وان تستغلّها إلى الحدّ الذي يمكن أن يتسبّب في شقائه وربّما نهايته، خاصّة إن كان الرجل من النوع الذي ينقاد للشهوة بسهولة.
بعض الروايات تقول إن دليلة كانت قد مشت في إثر شمشون محاولة خطب ودّه والتقرّب منه، غير أنه كثيرا ما كان يعرض عنها ويتجاهلها. لكنها بعد فترة أصبحت خليلة لأحد أعتى أعدائه.
وقد استخدمها هذا الأخير للإيقاع بخصمه اللدود. ولما عادت إلى شمشون كان قلبها يشتعل غيظا وحقدا عليه، تحدوها الرغبة العارمة في الثأر لكبريائها بالانتقام منه.
بعد وفاة روكوكس، مالك اللوحة الأصلي، ضمّت إلى مجموعة ليكتنشتاين في فيينا. وفي العام 1980 بيعت اللوحة إلى الناشيونال غاليري في لندن بمبلغ خمسة ملايين جنيه استرليني. ومنذ ذلك الوقت يثور الكثير من الجدل والتساؤلات حول اللوحة. وهناك من النقاد والمؤرّخين من يجادل بأن اللوحة الموجودة في الناشيونال غاليري اليوم ليست سوى نسخة مزيّفة عن اللوحة الأصلية التي رسمها روبنز منذ أربعمائة سنة
Peter Paul Rubens, Samson and Delilah, 1610
**************
مـذبحــة الأبــريــاء
للفنان الهولندي بيتـر بـول روبنــز
تعتبر هذه اللوحة رابع أغلى لوحة في العالم، إذ ابتاعها زبون مجهول بمبلغ سبعة وسبعين مليون دولار في مزاد سوذبي اللندني قبل أربع سنوات.
موضوع اللوحة مستمدّ من حادثة تاريخية ورد ذكرها في الإنجيل، وإن بشكل عابر.
إذ تروي بعض المصادر التاريخية أن هيرود الروماني ملك يهوذا أمر جنوده بذبح كافة الأطفال المولودين في بيت لحم في ذلك الوقت خوفا من أن يكون أحدهم هو المسيح الذي سينازعه الحكم ويؤلّب عليه الناس.
وقد فعل هيرود هذا بعد أن ابلغه جماعة من السحرة قدموا من بلاد فارس انهم رأوا نجما في الأفق الشرقي يشير إلى قرب ولادة نبيّ اليهود المنتظر.
ُرسمت اللوحة في ما بين عامي 1609 و 1611 ، وهي عبارة عن كتلة مضطربة من الدم والمعاناة والوحشية والألم.
في اللوحة نرى جنود هيرود المسلّحين بالسيوف والخناجر وهم منهمكون في ذبح الأطفال وسط استماتة أمهاتهم في الدفاع عنهم ومحاولة استنقاذهم من القتل.
وقد بذل روبنز جهدا كبيرا في تصوير المشهد بتفاصيله الكثيرة وبما يفرضه من تعامل مع تشكيلات مركّبة وانفعالات عديدة ومتباينة تتراوح ما بين الحزن والعنف واليأس والصدمة.
وفي ما بعد استعار بيكاسو من "مذبحة الأبرياء" مشهد المرأة التي تحتضن طفلها لحمايته من القتل وضمّنها لوحته الذائعة الصيت غورنيكا التي تصوّر هي الأخرى همجية الحرب وبشاعتها.
يرى بعض النقاد أن روبنز كان داعية سلام وكارها للحروب، يشهد على ذلك مشاركته في مفاوضات السلام بين اسبانيا وبريطانيا في ذلك الحين. ويرجّح أن يكون قد رسم اللوحة مستذكرا ما حدث منذ سنوات قليلة قبل ذلك في مدينته انتورب عندما لقي حوالي سبعة آلاف شخص حتفهم في عمليات قتل واغتصاب ونهب واسعة النطاق.
روبنز كان أحد اشهر فناني الباروك وقد تتلمذ على كبار الفنانين الإيطاليين أمثال رافائيل ومايكل انجيلو ودافنشي. وبالإضافة إلى شهرته كفنان تشكيلي، كان روبنز مهندسا معماريا بارعا وديبلوماسيا محنّكا. وقد ُعرفت لوحاته بضخامة حجمها وبألوانها الزاهية وعمقها العاطفي والانفعالي.
ولد بيتر بول روبنز في المانيا قبل أن تعود عائلته إلى مدينتهم انتورب حيث تعلّم هناك الرّسم منذ صغره. وفي العام 1600 رحل إلى إيطاليا حيث درس فيها الفن وأصاب الكثير من الشهرة وحظي برعاية بعض الأمراء والأعيان.
لوحات روبنز تتّسم بالضخامة والتنوّع والثراء. وهي اليوم موجودة في اشهر المتاحف العالمية.
بعد وفاة (بروغل) بثمانية أعوام، ولد الفنان (بيتر بول روبنز) ليرسم عارياته الأمازونات الفلمنكيات الأسطوريات، ضمن حقبة (الباروك). كما نرى ذلك في متحف (انفرس) حيث تعرض لوحات (روبنز) التي بالغ في حسيتها, إلى جانب لوحات (بروغل). و كان القرن السابع عشر, يمثل خليطا حسيا صريحا وألوانا من الغموض والعته والنزق والزنا والسفه، فعرف ذلك الزمان العزلة والبؤس والحروب والمجاعات والأوبئة والصراعات الطبقية والدينية والسياسية.. وبين حقبة دافنشي, ورفائيل, وأنجلو, وحقبة (روبنز) ظهرت تجربة الفنان (بروغل) ليصور حلو الحياة ومرها. رده (روبنز) إلى شكل مصطنع زخرفي مبالغ فيه عرف بزمن الباروك.
وكان الفنان بيتر (بول روبنز 1577-1640). قد ولد في جو مشحون بخلافات الطوائف الدينية في عصر النهضة. وعندما بلغ الثالثة عشرة من عمره ظهرت موهبته الفذة في الرسم مبكرا فتوجه لدراسة أسرار مهنة الرسم ليستوعب تقنيتها، ولم يكتف بما تلقاه من معلومات عن فن الرسم، بل تطلع إلى روما باعتبارها ينبوع الفنون الكلاسيكية القديمة، فغادر مدينته (انفرس) في ربيع عام 1600م ليدرس ويستنسخ في ثمان سنوات أعمال كبار فناني عصر النهضة كاشفا عن براعة فائقة أكسبته شهرة واسعة في أوربا. وكان يسعى إلى التخلص من سمات الأسلوب المتكلف وتقديم الموضوعات التقليدية والقصص الدينية المتداولة بأسلوب يتميز بالبساطة والتلقائية فأثار بتجربته عواطف ومشاعر الناس واستمال نفوسهم بألوانه الرفافة الموزعة بدقة وعناية وبمنحنياته المتدفقة وأشكاله المتميزة وغير المألوفة في هذا النوع من الرسم حيث تنبض صوره بغزارة وتنوع يملك (خلال تحقيق معالجته) ذلك التعبير عن المشاعر والانفعالات والأحاسيس الدرامية المحزنة تارة وعن العواطف المتوهجة المتدفقة حيوية تارة أخرى. وقد حقق مواضيعها بالحجم الطبيعي التي كانت وما تزال تهز مشاعر من يتطلع إليها فتشيع في أعماقه المتعة..
إن المتأمل لتكوينات ( روبنز) الفنية الضخمة يفتح أمامه آفاقا فسيحة تحتشد بالعديد من ( البورتريهات) والشخوص والانفعالات، تجاذبا وتنافرا، جعل من صياغته لها سمة متميزة من سمات الطراز الباروكي الذي اعتلى روبنز قمته. وتلك السمة هي الواقعية التي تتجلى بشدة إلى جانب المثالية، بحيث نشهد في وجوه أشخاصه المرسومة، جمالا يفيض حنانا وقدسية وعذوبة لم نعتده من قبل في لوحات أسلافه قبل قرن ونصف، وتكمن قوة روبنز الخارقة في قدرته على التعبير المباشر من خلال لغة الفن والواقعية المطلقة المعبرة عن شتى العواطف الإنسانية، وذلك لان روبنز متعدد البراعات طليق الحركة، ولكنه لم يشأ أن يحصر فنه في الموضوعات الدينية والتعبير عن العواطف الإنسانية فحسب، فإذا كان الفنان ( تتسيانو) (فنانه الأثير) قد تفوق في رسم البورتريهات والموضوعات الكلاسيكية الأسطورية، فروبنز ليس اقل منه موهبة أو طموحا فنيا.. كان معجبا به وبمايكل أنجلو الذي درس أسلوبه في جداريته الشهيرة لسقف كنيسة (سكستينا) في روما فهي نسق فريد من رسم العضلات ابتدعه مايكل أنجلو لشخوصه، شغف به روبنز وأطال التأمل فيه فتأثر في معالجته ( لتقويسة جسد الإنسان) بعد دراسته ورسمه وتسجيله للأفكار التي اقتبسها عن مايكل أنجلو، وصاغ منها النموذج الأصيل بالغ السحر الذي أضفاه على تحقيق رسم أشخاصه، وما أسبغه عليها روبنز من ألوان ساحرة سخية، ولمسات فرشاة رحبة عريضة، وهذا ما تفرد به من مهارة بارعة وتقنية حاذقة منذ عودته من ايطاليا..
لقد ذاع صيت (روبنز) وتقاطرت عليه عقود التكليف من ملوك وأمراء وقادة وأثرياء أوربا حتى غدت مدينة ( انفرس) المركز الفني الجديد لأوربا، بفضل شهرته وعبقريته الخلاقة على إطلاق العنان لحريته في الرسم بأسلوب فني ضخم، يتفرد بانفساح رقعة تكويناته وشدة الوضوحن في تناغم بارع وإيقاع محسوب، بتكوينات تتعاقب فيها الحيوية الفعالة، والجمالية الساحرة.كانت لوحات روبنز الواحدة والعشرون الكبيرة الحجم، قد رسمت و نفذت، لتخليد حياة ( الملكة مديتشي). وهي سلسلة من اللوحات المصورة التي تزين بها قصر لوكسمبرج التي تُذهل المشاهد بكثرة التكوينات الرمزية الشائعة في الأحداث التاريخية وبالمزج بين الطقوس الإغريقية والشخوص الحية المعاصرة.
لقد استخدم ( روبنز) مائتي مساعد للعمل معه في مرسمه لإنجاز سلسلة لوحاته الضخمة تلك منذ عام 1622.. كان يرسم الهيكل العام للتكوين الفني الخاص بكل لوحة ويعهد بالإعمال التحضيرية إلى احد المساعدين وبالخلفية المعمارية إلى مساعد آخر وبالمنظر الطبيعي ورسوم الحيوان إلى أخصائيين في هذه المجالات محتفظا لفرشاته بمواقع معينة ينتقيها بنفسه، وعندما تم تعليق اللوحات عام 1625 وضع روبنز بنفسه اللمسات الأخيرة..
بعد انتهاء الهدنة بين أسبانيا والأقاليم الهولندية المتحدة عام 1621م، اندلعت الحرب الضروس بين البروتستانت والكاثوليك التي دعيت فيما بعد بحرب الثلاثين سنة وكانت مصدر قلق شديد لروبنز رجل السلام بطبعه يود أن يعيش العالم كله في سلام (العصر الذهبي) لا نزاع ( عصر الحديد) الذي عاشه كارها وعلى مضض.
سافر إلى باريس عام 1625وإنكلترة وهولندة ثم إلى أسبانيا بعد انقضاء ربع قرن منذ زيارته السابقة لها، وتعرف إلى الفنان ( فيلاسكيز) مصور البلاط الجديد آنذاك، وتطوع بان يبسط أمامه في مرحلة حاسمة من حياته الفنية أحدث التطورات التي بلغها التصوير الأوروبي، كما قام باستنساخ كل لوحات (تتسيانو) التي يحتفظ بها الملك فيليب الرابع، وكانت النتيجة مزيدا من التحرر بأكثر مما شهدته لوحاته المبكرة، وبعد أن قضى ثمانية أشهر في أسبانيا عاد إلى بروكسل عن طريق فرنسا ليشهد من جديد لوحاته التي رسمها (لمديتشي) وقد استقرت نهائيا بقصر لوكسمبرج.
لوحة السلم والحرب
ارتحل عام 1629 روبنز في مهمة دبلوماسية إلى بلاط الملك تشارلس الأول الذي اكتشف فيه روبنز حسا جماليا رفيعا مرهفا وبلباقته وسلوكه ودرايته الواسعة بالفنون، استحوذ على تقدير الجميع، فعاد بشهادة دكتوراه فخرية من جامعة كمبريدج، كما نال أعلى الأوسمة.. وقام بزخرفة سقف قصر الحفلات العظيم بسلسلة من اللوحات لتخليد عهد الملك جيمس الأول.
تكشف لنا لوحات روبنز عن عالمه المرئي في وضوح وقوة، ذلك إنها تحتشد بادئ ذي بدء بالون الأحمر المسيطر الموحي على الفور بالدماء الدفاقة وبالأجساد المتناكبة والحيوية النابضة فضلا عن تلك التموجات المدومة الشبيهة بالسيل العاتي والتكوينات الفنية القائمة على الخطوط المفعمة بالطاقة تبث إيقاعها الصاخب في الفراغ المصور، ثم هناك مفردات الموضوع ذاته من إنسان ونبات وحيوان، تنبض جميعا بقوى مؤثرة فكل شئ في صوره تغمره الحيوية، ويزدري كل ما هو غير واقعي في الحياة.
وإذا كان الفنان برويجل قد أوحى بفكرة السرعة كما في لوحته (السفينة الغارقة)، مستوحيا مايكل أنجلو وتنتوريتو رائدي تصوير الباروك الإيطالي، فقد مضى روبنز الى ابعد من ذلك فادخل الحركة على عناصر التكوين الفني ذاتها، وإذ بروبنز لا يحتفظ إلا بالإيقاعات المتموجة للخطوط التي تسجل حركات النماذج المصورة وإيماءتها، وكانت الألوان وسيطا أكثر ملائمة لتسجيل مثل هذه الحركة من الخط وحده. وفي هذا المجال لعب برويجل دور الريادة بينما جعل روبنز من حركة الفرشاة سجلا للعمل الفني الخلاق وشهادة تصويرية لقوة هذا الخلق وما يتضمنه من عناصر وجدانية، كذلك أصبح تكوين الصورة هو الآخر حركيا، فبعد أن كان في الماضي بناء مكونا من خطوط ولا يعتمد إلا على الخطوط فحسب، ما لبثت الخطوط أن اكتسحت التكوين بحركتها فغدت خطوطا مشحونة بالطاقة، ناجمة عن قوى متعددة تندفع عبر اللوحة كتيارات المحيط حتى نكاد نتخيل أمكان قياس قوة اندفاعها وتتبع سرعتها، وفي الحق أن الصورة لا يتحرك فيها شئ، ولكنها العين هي التي تتطلع إليها محملقة في سلسلة من الحركات يتراقص البصر معها تنقلا وتجوالا، وما يلبث الخيال الذي يستثار في أعقاب الرؤية أن يلهث مبهورا وهو أسير قوى كامنة في الصورة، جياشة نابضة بالحياة. وإذا كان الخط المنحني هو اقرب الخطوط غلى تجسيد الحياة فقد استعذب روبنز الخطوط المنحنية فجعلها محور تكويناته، غير انه حرص على ألا تكون منحنياته جامدة مغلقة الاستدارة حتى لا يتسرب إلى المشاهد ملل الدوائر المغلقة الموحية بالثبات وبالحركة المقنعة، فإذا هو يرسم منحنياته فسيحة حلزونية غير منتظمة لتوحي على الدوام بأنها أشكال آخذة في الاتساع والدينامية.
ويعرف الفنان حق المعرفة أن العناصر التي يختزنها في ذاكرته وتلك التي يستعيرها من الطبيعة وأدوات أنجاز عمله الفني تتيح له حين تجتمع كلها في لوحة مصورة أن ينقل إلى غيره الأحاسيس التي يبغي تحريكها في نفوسهم، فثمة نهج خاص به ينسق الأشكال والكائنات ويحدد الزمان والأعمار والفصول والمواسم لا نملك ألا أن ندعوه نهج روبنز الذي كان يستعير عناصر تكوينه الفني من الحياة سواء تناول موضوعا دينيا أو دنيويا، مؤثرا أن تتوحد الأشكال كلها في قوة محركة واحدة شبيهة بتلك القوة التي تدفع أمواج السيل إلى التعانق والتعاقب كل منها اثر الأخرى، حتى لتملك لوحاته المترابطة الأجزاء أن تنقل إلينا تيار الحياة الدافق.
تميزت لوحات روبنز بالمسحة الحماسية الملحمية التي تميزت بها أعمال مايكل انجلو، إذ يندر أن نظفر بفنان يبزه في تنوع ابتكاراته واتقاد خياله وقدرته على تحقيق المنجزات العظمى، وليس ثمة فنان أعطى هذا القدر من الاهتمام لدراسة إعمال أسلافه كما فعل روبنز، إذ تعلم منهم القواعد الصارمة التي ينبغي خضوع فن الرسم لها، وكان روبنز حريصا على رسم شخوصه مكتنزين من خلال أشكال محددة المحيط لإظهار صلابة كتلتها، وبتلك الصياغة، يشحن لوحاته بالامتلاء والوفرة والحركة الدافقة..
إن مجمل ظروف روبنز وجهوده( فنانا ودبلوماسيا) ورجل بلاط، أملت عليه رسم لوحته الرمزية (السلم والحرب) التي أهداها إلى تشارلس الأول ملك انجلترا في عام 1630، احتفاء بنجاح مهمته الدبلوماسية باستتباب السلام بين انجلترا وأسبانيا، وكانت خاتمة مساعيه السياسية. وفي الثلاثين من مايو عام 1640 مات الذي هيمن بزخمه الفني على مدى جيل كامل على الحياة الفنية في أوروبا بأسرها..والخلاصة، فإن قيمة روبنز الإبداعية، لا تكمن فيما حققه من تقنية فنية بقدر ما تكمن في اقتدار خياله.. وقد أدى ما أداه تتسيانو ومايكل أنجلو وأساطين الفن السالفين من قدرة على الإبداع والتواصل مع الفن الواقعي..وسنجد ذلك واضحا في الكتب والدراسات التي صدرت عنه.
جانب من لوحات الفنان بول بيترروبنز :
Peter Paul Rubens and Frans Snyders, Prometheus Bound, 1611-12. Philadelphia Museum of Art.
قفزة برومثيوس 1611
******************************
Peter Paul Rubens, The Garden of Love, c. 1630-32
حديقة الحب
************************************************** **
Rubens and Isabella Brant in the Honeysuckle Bower", 1609-10. Alte Pinakothek, Munich.
روبنز وإيزابيلا في زهر العسل
***********************************
Equestrian Portrait of the Duke of Lerma, 1603, Museo del Prado, Madrid. Painted during Rubens's first trip to Spain in 1603.
صورة لفروسية الدوق ليرما
بالترتيب







ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق