الأربعاء، 15 سبتمبر 2010

فنون عصر النهضة - ثروت عكاشة - بييترو لونجي Longhi (1702- 1782)










 
بييترو لونجي Longhi
(1702- 1782)
كان بييترو لونجي مدركاً لكل ما يدور في أذهان مواطنيه بمدينة البندقية، كما كان نموذجاً لما يمر به عصره من أحداث حتى بات شبيهاً بصحفي ثرثار يرقب مسرى الحياة في مدينة البندقية، مسجّلاً إيـّـاها في سخرية غير لاذعة على العكس من لسعات وليام هوجارث الإنجليزي القارصة، فإذا عَـرَضَ للعادات والأعراف فهو يصوّرها بحياد تام. ومن هنا تزاحم حوله الأشراف وعِلية القوم منذ عام 1740 متسابقين للفوز باقتناء ما تيسّر لهم من لوحاته الصَـغيرة التي تسجّل نشاط مجتمع البندقية من مجالس تناول شراب الشوكولاته صباحاً في مرابع الأوساط الثريّـة (لوحة 234)، إلى دروس الرقص (لوحة 235) وحفلات الكونسير العائلي (لوحة 236) وتسليم الرسائل الغرامية (لوحة 237). وقد حرص الفنان على أن يُضمّـن لوحاته لمحات تسجّل محتويات الغرف والقاعات الفينيسية من أثاث وثريّات وستائر ومفروشات وطنافس وسُرُر وأُطـُـر للمرايا ولوحات مصوّرة، مستعرضاً أزياء النساء والرجال العصرية، فضلاً عن تسجيل طقوس حياكة الملبس وطهو الطعام بين الأوساط المتواضعة (لوحة 238)، منطلقاً إلى خارج الدور لتسجيل الكرنفالات والمواهب والمهرجانات والأحداث المثيرة مثل مناسبة ظهور حيوان وحيد القرن في مدينة البندقية للمرة الأولي عام 1751، فإذا جوفاني جريماني دي سيرفي أحد وجهاء البندقية يطالبه بتسجيل هذا الحدث الغريب في لوحة يقتنيها (لوحة 239)، ومثل ألعاب المشعوذين في الأعياد (لوحة 240) ، وحكيم الصحة الدجّال الذي يعالج أسنان السابلة ويقوم بخلعها في الطريق العام (لوحة 241)، وهكذا اكتسب لونجي لقب "مؤرّخ الأحداث الصادق" عن جدارة، وما من شك في أن أناقة تكويناته وتوهّـج ألوانه وبراعة فرشاته تنضوي تحت راية طراز الروكوكو.
ولقد عاصر لونجي في أواخر حياته نهاية جمهورية البندقية وما طرأ على مجتمعه البندقي من تغيّر، فإذا لوحاته تكاد تصبح انطباعية النّزعة بعد أن لم يعد يلتزم الدقّة في رسومه، غير مكترث باستخدام تقنية "الكياروسكورو"، فبدت شخوصه أحياناً جامدة غير متماسكة، وهو ما يعكس مناخ الكآبة والإحباط الذي يسود الأمم عادة في خواتيم الحقب التاريخية. وليس في كل ما ساقه لونجي من مبرّرات لهذا النمط من التصوير أي سند من قواعد فنية، لكنه كان يصرّ على أن ما يصوّره هو الواقع بحذافيره. وبرغم احتشاد جدران دور مدينة البندقية بلوحات هذا الفنان إلا أنها لم تظفر بالإقبال عليها عالمياً. ومع أنه قد اختار باريس مقراً له لكنه لم يكن سعيداً بإقامته فيها حيث كان يرى مجتمعها - رغم كونه رفيع الثقافة - آسناً وبورجوازياً إلى حد بعيد. ومع بروز ظاهرة معارض صالون باريس المستحدثة وقتئذ أصبح فن التصوير لا يواجه جمهور المتذوّقين فحسب بل نقاد الفن أيضاً. وثمة علاقة وثيقة تربط بين صور لونجي ومسرح كارلو جولدوني ، فشخوصه المصوّرة مماثلة إلى حد بعيد لشخوص جولدوني الدرامية، ولا غرو فلقد كانا متقاربيْـن قيماً وأهدافاً، وبرغم ما يتخلّل أعمالهما من سخرية فإنها كانت سخرية بنّاءة تفيض إنسانية.
وقد لعبت المواكب والمهرجانات دوراً هاماً خلال عصر النهضة بوصفها صمام أمن للعواطف الجيّاشة في صدور الناس. وكانت البندقية بصفة خاصة من المدن المولّهة بالمجد، وإن انصبّـت هذه العاطفة البالغة الحدّة على دويلتهم وحدها، فلم يكن ثمة شيء يتردّد البنادقة في إتيانه إذا ما كان يضيف شيئاً إلى أمجاد مدينتهم وعظمتها، ولم يقنعوا بتحويل مدينتهم لتصبح أجمل مدن العالم فحسب، بل مضوا يبتكرون لتكريمها والإعلاء من شأنها حفلات تشاطر الطقوس الدينية جلالها وروعتها حتى أصبحت المواكب والمهرجانات والكرنفالات برّاً وبحراً واحدة من مهام الدولة لا تقلّ شأناً عن سواها من مهام. وكانت مثل هذه المناسبة التي يرتدي فيها الدوج وشيوخه باذخ الثياب – التي لا تقلّ دلالتها الرمزية عن دلالة أردية كهنة الكنيسة عند مباشرتهم لطقوسهم – وسط العمائر الفارهة في ساحة القديس مرقص أو على ضفّتي القناة هي محطّ الأنظار وتطلّع القوم. وكان أهل البندقية ينتظرون المناسبات التي تـُشبع نهم عشقهم لدويلتهم وولعهم بالأبهة والجمال والمرح نافدي الصبر، يتمنـّـون لو أمكن تكرارها كل يوم وكل ليلة لو كان إلي ذلك سبيل.
ومما يلفت النظر في لوحات لونجي سمة تغلب على معظم لوحاته - هو وغيره من الفنانين البنادقة المعاصرين له - تشيع في المشاهد التي تقع عليها عينه في الطريق العام أو داخل الدور، هي حرصه على وضع قناع فوق وجوه بعض شخوص لوحاته. ومردّ ذلك إلى أن الكرنفالات في مدينة البندقية خلال القرن الثامن عشر - وهي مناسبات يشيع فيها ارتداء الأقنعة - كانت تستغرق قرابة عشرة شهور على مدار السنة، ومن هنا اعتاد البنادقة ارتداء الأقنعة لاسيما إذا شاءوا ارتكاب ما يخالف القانون. وكم حاولت سلطات جمهورية البندقية سن القوانين التي تحدّ من ظاهرة استخدام الأقنعة، لكن دون جدوى، فقد انبرى أهل البندقية يخصّصون مواسم بعينها خلال السنة ينطلقون خلالها إلى اللهو والمرح واستباحة الموبقات التي تـُـدخل السرور عليهم، والراجح أن هذا هو ما دفع الفنانين البنادقة إلى تصوير بعض مواطنيهم في لوحاتهم مرتدين الأقنعة ليلاً ونهاراً.

بييترو لونجي: تناول شراب الشوكولاته صباحاً. قصر كا - رتزونيكو. البندقية.
لونجي: درس الرقص. متحف الأكاديميا بالبندقية.
لونجي: حفل الكونسير العائلي. متحف الأكاديميا بالبندقية.
لونجي: تسليم رسالة غرامية. قصر كا - رتزونيكو بالبندقية.
لونجي: إعداد صحن السلطة. متحف الأكاديمية بالبندقية.
لونجي: الخرتيت وحيد القرن. قصر كا - رتزونيكو بالبندقية.
لونجي: المشعوذ: قصر كا - رتزونيكو بالبندقية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق