الباب الثامن
تسكانيا وأمبريا
الفصل الأول
بيرو دلا فرانتشيسكا
إذا ما عدنا الآن إلى تسكانيا وجدنا أن فلورنس قد فعلت ما فعلته باريس في هذه الأيام، فاستحوذت على مواهب الأقاليم التابعة لها، ولم تترك فيها إلا شخصا هنا وشخصاً هناك يستوقفنا في طريق عودتنا إليها، وقد ابتاعت لوكا عهداً باستقلالها الذاتي من الإمبراطور شارل السادس (139)، واستطاعت أن تبقى مدينة حرة إلى أيام نابليون. وكان أهل لوكا يفخرون بكتدرائيتهم الباقية من القرن الحادي عشر، واكن من حقهم أن يفخروا بها، وقد احتفظوا بها بتجديد بنائها المرة بعد المرة، وجعلوها متحفاً حقاً للفنون، وهي الآن متعة للعين والروح بما حوته في مواضع الترنيم من مقاعد جميلة (1452)، وزجاج ملون (1485)، وبصورة عميقة أعظم من صورة العذراء مع القديس استيفن والقديس يوحنا المعمدان (1509)، وبعدد من الصور المتتابعة الجميلة من صنع ماتيو تشفيتالي Matteo Civrtali ابن لوكا نفسها.
وفضلت بستويا فلورنس على الحرية، ذلك أن الصراع بين البيض والسود قد أشاع الاضطراب في المدينة، فلجأت الحكومة إلى مجلس السيادة في فلورنس أن يتولى هو شئونها (1306)، وشرعت بستويا
ذلك الحين تأخذ فنها كما تأخذ شرائعها من فلورنس، وقد صمم فيها جيوفني دلا ربيا giovanni della Robbia وبعض مساعديه (1514-1525) إفريزاً حوى نقوشاً بارزة على الصلصال المحروق البراق لمستشفاها المعروف باسم أسبدالي دل تشيو Ospedale del Ceppo والذي سمي بهذا الاسم لوجود جذع شجرة مجوف يستطيع الإنسان أن يلقي فيه ما يتبرع به للمستشفى. ويمثل هذا النقش "أعمال الرحمة السبعة": كساء العارين، وإطعام الجائعين، والعناية بالمرضى، وزيارة السجون، واستقبال الغرباء، ودفن الموتى، ومواساة الثاكلين. لقد كان الدين هنا يتجلى في أحسن مظاهره.
وكانت بيزا قد بلغت من قبل درجة من الثراء استطاعت معها أن تحول جبال الرخام إلى كنيسة كبرى، وموضعا للتعميد، وبرجاً مائلاً. وكانت تدين بهذا الثروة لى موقعها المنيع على مصب الآرنو، ومن أجل هذا أخضعتها فلورنس إلى سلطانها قوة واقتداراً (1405)، لكن بيزا لم تقبل لنفسها هذا الإذلال، فكانت تثور المرة بعد المرة، وحدث في عام 1431 أن طرد مجلس السيادة الفلورنسي من بيزا جميع الذكور القادرين على حمل السلاح، واحتفظ بنسائها وأطفالها رهائن يضمن بهم حسن سلوك الأهلين(1). واغتنمت بيزا فرصة الغزو الفرنسي (1495) لتستعيد به استقلالها، وظلت أربعة عشر عاماً تحارب جنود فلورنس المرتزقين، حتى خضعت آخر الأمر بعد مقاومة عنيفة أبلت فيها بلاء الأبطال، فلما حدث هذا هاجرت كثير من الأسر الكبيرة إلى فرنسا أو سويسرا مفضلة النفي على الخضوع الأجنبي، وكان من بين هذه الأسر آل سمسندي Sismondi أسلاف المؤرخ الذي روى في عام 1838 بعبارة بليغة قصة تلك الحوادث في كتابه تاريخ الجمهوريات الإيطالية. وحاولت فلورنس أن تكفر عن استبدادها بتمويل جامعة بيرزا وبإرسال فنانيها لتزيين الكنيسة
والميدان المقدس، ولكن شيئاً ما لم يكن ليستطيع أن يأسو جراح تلك المدينة التي تقضي عليها طبيعتها الجيولوجية بالاضمحلال، حتى ولا المظلمات الذائعة الصيت التي صورها بينوتسو جتسولي Benzzo Gozzol في الميدان المقدس لذي يضم رفات الموتى. وكان سبب القضاء عليها أن رواسب نهر الآرنو تدفع ساحل البحر إلى الأمام دفعا تدريجياً لا رحمة فيه ولا هوادة، حتى نشأ من ذلك ثغر جديد في ليفورنو Livorno أو لجهورن Leghorn على بعد ستة أميال مبيزا، ففقدت هذه المدينة مركزها التجاري الممتاز الذي كان سبباً في ثرائها وفي مأساتها جميعاً.
أشتق اسم سان جمنيانو san Gimignano من اسم القديس جمنيان Giminian الذي أنجى القرية البدائية من جحافل أتلا حوالي عام 450 م. وتمتعت المدينة ببعض الرخاء في القرن الرابع عشر، ولكن السر الغنية فيها انقسمت أحزاباً متطاحنة سفاحة، وشادت الأبراج الستة والخمسين الحصينة (التي نقصت الآن إلى ثلاثة عشر) والتي خلعت على البلدة اسمها الذي اشتهرت به زهو سان جمنيانو دلي بلي توري San Gimqnens delle Belle Torri (أي ذات الأبراج الجميلة). وبلغ النزاع بين أحزابها في عام 1353 درجة من العنف أضطر المدينة أن تستسلم للقضاء فترضي بالاندماج في أملاك فلورنس. ويبدو أن الحياة قد بدأت تفارقها من ذلك الحين. نعم إن دومنيكو غرالندايو أذاع شهرة معبد سانتا فينا Santa Fina القائم في كنيسة سانتا أجستينو Santa Ogostino ومناظر من حياة القديس أوغسطين تضارع صور الفرسان التي صورها في معبد آل ميديتشي، وإن بينيدتو دا مايانو Bendetto da Maiano حفر محاريب جميلة لهذه المزارات المقدسة، ولكن التجارة سلكت مسالك أخرى، وافتقرت الصناعة إلى مقوماتها، وانعدم الحافز الذي لابد منه لتقدمها، وظلت سان جمنيانو
ساكنة في شوارعها الضيقة، وأبراجها المتصدعة، حتى إذا كان عام 1928 حولت إيطاليا تلك المدينة إلى أثر قومي، واحتفظت بها بوصفها صورة نصف حية لما كانت عليه الحياة في العصور الوسطى.
وكانت أرتسو، القائمة على بعد أربعين ميلاً من فلورنس تجاه منبع الآرنو، بقعة حيوية في شبكة الحصون الدفاعية عن فلورنس ومسالكها التجارية. وكان مجلس السيادة الفلورنسي شديد الرغبة في السيطرة عليها، وينصب الفخاخ لإيقاعها تحت هذه السيطرة، فلما كان عام 1384 اشترت فلورنس هذه المدينة من دوق أنجو Anjou، ولم تنس أرتسو قط هذه المهانة. وفيها ولد بتراراك وأريتينو Aretino، وفارساى، ولكنها عجزت عن الاحتفاظ بهم، لأن روحها كانت لا تزال هي روح العصور الوسطى. وقد ذهب لوكا اسبنيلو Luca Spinello، ويسمى هو أيضاً أريتينو Aretino، من أرتسو ليصور في رسوم الميدان المقدس في بيزا مظلمات حبة جميلة تنبض بصدمات المعارك الحربية (1390-1392)، ولكنها تمثل فيما تمثله المسيح ومريم والقديسين تمثيلا ينطق بعظيم التقوى المؤثرة في النفس أعظم التأثير. وقد صور لوكا - إذ جاز لنا أن نصدق فارساي - الشيطان بصورة قبيحة منفرة بلغ من قبحها أن غضب منه الشيطان نفسه فظهر له في حلم وأخذ يؤنبه بعنف مات معه لوكا من شدة الرعب. وفي الثانية والتسعين من العمر(2).
وكانت بلدة بورجو سان سبيلكرو Borgo San Sapolcro تقع على نهر التيبر الأعلى في الشمال الشرقي من أرتسو، وبدا أنها اصغر من أن ينشأ فيها فنان من طراز راق أو أن يقيم بها مثل هذا الفنان. وكان من أبنائها بيرو دي بينيدتو الذي سمى فرانتشيسكا باسم أمه، لأن والده توفي وهي حامل به، فربته في حب وحنان، وهدته إلى تعلم الرياضيات والفن، وأعانته على تعلمهما. ونحن نعلم أنه ولد في بلدة الضريح المقدس، ولكنا نجد
أول إشارة له وهو في فلورنس عام 1439. وهذا هو العام الذي أتى فيه كوزيمو بمجلس فيرارا إلى فلورنس. ولعل بيرو قد أبصر الحلل الفخمة التي يرتديها الحبار والأمراء البيزنطيون الذين جاءوا ليتفاوضوا في توحيد الكنيستين اليونانية والرومانية. وفي وسعنا أن نفترض ونحن أكثر من هذا ثقة انه درس مظلمات ماساتشيو Masaccio في نعبد برنكاتشي Berncacci، وكانت هذه هي العادة المألوفة التي لا يكاد يخرج عنها كل طالب فن في فلورنس، وأمتزج ما كان لماساتشيو من هيبة، وقوة، ومراعاة جدية لقواعد المنظور، في فن بيرو بما كان للأحبار الشرقيين من لحى ذات جلال وروعة وجمال.
ولما عاد بيرو إلى برجو (1442) اختير عضواً في مجلس المدينة ولما يتجاوز السادسة والثلاثين من العمر. وبعد ثلاث سنين من ذلك الوقت عهد إليه أول عمل يذكره التاريخ المدون: أن يرسم صورة مارنا دلا مزريكورديا لكنيسة سان فرانتشيسكو، ولا تزال هذه الصورة محفوظة في قصر البلدية، وهي مزيج عجيب من صور القديسين المكتئبين، ومن عذراء نصف صينية تكشف ثياب رحمتها عن ثمان صور، ومن صورة فطنة للملك الأكبر جبريل يعلن إلى مريم البشارة بأمومتها بطريقة شكلية محضة، ومن صورة للمسيح تجعله شخصياً فلاحاً مُثَّل صلبه تمثيلاً واقعياً محزناً، ومن صورة واضحة للأم الحزينة والرسول يوحنا. تلك صورة نصف بدائية، ولكنها قوية ليس فيها شيء من العواطف الجميلة، ولا الزخرف الرقيق، ولا يحاول صاحبها أن يخلع على القصة المفجعة شيئاً من الرقة المثالية، ولكنا نرى أجساماً يعلوها ويستنفذ جهدها عثير الحياة، غير أنها مع ذلك تسمو إلى درجة النبل في آلامها الصامتة، وصلواتها، وغفرانها ذنوب من آذوها.
وانتشر صيته وقتئذ في جميع أنحاء إيطاليا، وانهالت عليه الأعمال
فصور في فيرارا (1449؟) صوراً جدارية في قصر الدوق. وكان روجير فان در ويدن Rogier van der Weyden مصور الحاشية في تلك البلدة، وأكبر الظن أن بيرو أخذ عنه شيئاً من أصول فن التصوير باللون الممزوج بالزيت، ورسم في ريمني Rimini (1451) صورة لسجسمندو مالاتيستا Sigismondo Malatesta - الطاغية، والقاتل، ونصبر الفن - وهو واقف وقفة المصلي الخاشع. والى جانبه كلبان فخمان يخففان من رهبة الموقف. ورسم بيرو في أرتسو في فترات مختلفة بين 1452 و 1464 سلسلة من المظلمات تمثل أعلى مستوى وصل إليه فنه، وأكر ما تحدث عنه قصة الصليب الحقيقي، التي تنتهي باستيلاء كسرى الثاني عليه، ثم استرداده وإعادته إلى بيت المقدس على يد الإمبراطور هرقل. ولكن في هذه الصورة مواضع أيضاً لحوادث من امثال موت آدم، وزيارة الملكة سبأ لسليمان، وانتصار قسطنطين على مكنتيوس عند جسر ملفيا. وإن جسم آدم الهزيل وهو يحتضر، ووجه حواء المنهوك وثدييها المتهدلين، وأجسام أبنائهما القوية، وبناتهما التي لا تقل قوة ورجولة عن أجسام البنين، والأثواب الفخم السابة التي ترتديها حاشية ملكة سبأ، ووجه سليمان العميق التفكير الذي تكشف عنه الخداع، والطريقة المدهشة التي يسقط بها الضوء في حكم قسطنطين، والطريقة الفاتنة الخلابة التي يحتفظ بها الرجال والجياد في انتصار هرقل - هذه كلها من أقوى مظلمات عصر النهضة وأعظمها تأثيراً في النفس.
والراجح أن بيرو قد صور في فترات تتخلل هذه الجهود الكبرى ستار المحراب في بورجيا كما رسم بعض صور جداريه في الفاتيكان - وقد غطيت هذه الصور الجداريه فيما بعد بالجير لتفسح مكاناً لفرشاة روفائيل الأعظم منها شأناً. وصور في أربينو عام 1469 أعظم صورة له الإطلاق - وهي الصورة الجانبية التي تستوقف النظر للدوق فيدير يجو دامونتي فيلترو Duke Federigo da Montefeltro وكان أنف فيدير يجو
قد كسر وخده الأيمن قد جرح في حفلة برجاس: وصور بيرو جانبه الأيسر سليما ولكنه منتفخ بما فيه من شامات، ثم صور النف المعوج صورة واقعية جريئة. كذلك كشف في الصورة عن حقيقة هذا الحاكم بشفتيه المضمومتين وعينيه نصف المغمضتين، ووجه الرزين، فأظهره الرجل الرواقي، الذي خبر حقارة المال والسلطان. غير أننا لا نجد في ملامحه رقة الذوق الذي هدى فيديريجو إلى تنظيم الموسيقى القديمة المزدانة بالرسوم. وقد رسم بيرو معها في الصورة ذات الطيتين المحفوظة في أفيزى صورة جانبية لباتيستا أسفوردسا زوجة فيديريجو، ذات جلال ووقار، ولكنه خلع على الصورتين من الرشاقة ما يجعلهما سخيفتين بحق.
وشرع بيرو في عام 1480 وبهذا بلغ الرابعة والستين من عمره يقسي كثيراً من المتاعب بسب مرض عينيه، ويظن فارساي انه فقد بصره، ولك يبدو انه كن لا يزال قادراً على التصوير الجيد. وكتب في سني الشيخوخة كتاباً دراسياً في فن المنظور ورسالة حلل فيها لعلاقات والنسب الهندسية التي يتطلبا فن التصوير. وتبنى تلميذه لوك بشيولي أفكاره في كتابه النسب الإلهية De divina proptione، ولعل آراء بيرو في الرياضة قد أثرت بهذه الطريقة غير المباشرة في دراسات ليوناردو لهندسة الفن.
ولقد نسي العالم الآن كتب بيرو وكشف صوره من جديد. وإذا ما ذكرنا الوقت الذي كان يعيش فيه، وعرفنا أنه أتم عمله في الوقت الذي بدأ فيه ليوناردو، ولم يسعنا إلا أن نضعه في مصاف كبار المصورين الإيطاليين في القرن الخامس عشر. ولسنا ننكر أن صورة تبدو عديمة
الصقل، وأن وجوهها خشنة غليظة، وأن كثير منها يبدو أنه صيغ في قالب فلمنكي، لكن الذي يسمو بها إلى مرتبة النبل هو ما يظهر عليها من مهابة وهدوء، وطلعة وقورة، وقفة رائعة، وما في حركات أصحابها وأعمالهم من قوة مقموعة محتجزة ولكنها مع ذلك مسرحية. والسمة التي تتألق في هذه الصور هي الانسياب والتناسق ألا وهو الأمانة التي دفعت بيرو إلى تمثيل ما أبصرته عينه وأدركه عقله محتقراً بذلك العواطف المتكلفة والتقيد بمثل أعلى لصوره.
وكان بعده عن مراكز النهضة الكبيرة مما حال بينه وبين وصوله فنه إلى ما كان خليقاً به أن يبلغه من كمال، وحرم هذا الفن من أن يكون له أثره القوي الكامل فيمن جاء بعده من الفنانين، ومع ذلك فقد كان من بين تلاميذه سنيوريلي Signorelli، كما أنه كان ممن شكلوا طراز لوكا. وكان والد روفائيل هو الذي دعا بيرو إلى أربينو، ومع أن هذه الدعوة جاءت قبل مولد روفائيل بأربعة عشر عاماً، فإن هذا الشاب المحظوظ قد أبصر ودرس بلا ريب ما خلفه بيرو في تلك المدينة وفي بورجيا من صور. كذلك أخذ ميلتسو دا فورلي Melozzo da Forli عن بيرو شيئاً مكن القوة والرشاقة في التصميم، وإن صورة الملائكة الموسيقيين التي رسمها ميلتسو والمحفوظة في الفاتيكان لتذكرنا بالصور التي رسمها بيرو في أحد أعماله الأخيرة - صورة عيد الميلاد المحفوظة في معرض الصور بلندن - تذكرنا بها كما تذكرنا صورة الملائكة المرنمين لبيرو بصورة كنتوريا للوكا دلا ربيا. وهكذا يترك الناس تراثهم لمن يأتون بعدهم - يتركون عملهم، وقوانينهم، ومهاراتهم، ويصبح انتقال هذا التراث نصف أسباب الحضارة ومقوماتها.
الفصل الثاني
سنيوريلي
بينما كان بيرو دلا فرانتشيسكا يرسم روائع صوره في أرتسو دعا لتسارو فرساي Lazzaro Vasari والد جد المؤرخ المعروف بهذا الاسم شاباً من طلبة الفنون يدعى لوكا سنيوريلي ليعيش في بيت أسرة فارساي ويدرس الفن على بيرو. وكان لوكا قد ابصر نور العالم لأول مرة في أقرطونة Cortona التي تبعد نحو أربعة عشر ميلا إلى الجنوب الشرقي من أرتسو (1441). ولم يكن قد تجاوز الحادية عشرة من عمره حين قدم بيرو إلى هذه المدينة: ولكنه بلغ الربعة والعشرين حسن توفي هذا الفنان. وشغف الشاب بفن المصور في هذه الفترة وتعلم منه رسم الجسم العاري رسماً صادقاً لا أثر فيه للتصنع - وبصرامة مرجعها إلى تأثير معلمه، وقوة في الرجولة تنبئ بقوة ميكل أنجيلوا. وكان هذا الشاب يفحص عن الجسم الإنساني أينما استطاع أن يجده، وكان يبحث فيه عن القوة لا عن الجمال، ويبدو أن هذا هو كل مل كان يعنيه. فإذا كان قد صور شيئاً خلاف هذا فقد كان ذلك خروجاً منه عن خطته المرسومة يضيق به ذرعاً وإن ارتضاه إلى حين. وحتى في هذا كان يتخذ الأجسام العارية في بعض الأحيان ليزن بها هذه الرسوم. ولم يجيد تصوير النساء العاريات (إذا كان لنا أن نتحدث في هذا دون أن نراعي الدقة الكاملة) شأنه في ذلك شأن ميكل أنجيلو، فإذا رسمهن لم يلقي في رسمه إلا قليلاً من النجاح، وكان إذا صور الذكور لم يفضل منهم الشبان ذوي الجمال كما كان يفضلهم ليوناردو وسودوما؛ بل كان يفضل الكهول الذين اكتملت رجولتهم وقوية عضلاتهم.
واحتفظ سنيوريلى بهذا الشغف أثناء تنقلاته بين مدن إيطاليا الوسطى يترك فيها الصور العارية أينما ذهب؛ وبعد أن قام ببعض الأعمال في سان سيبلكرو وانتقل منها إلى فلورنس (حوالي عام 1475) ورسم للورندسو صورة مدرسة بان وهي صورة على القماش مزدحمة بالآلهة الوثنية العارية وأهداها له. والراجح أيضاً أنه صور للورندسو صورة العذراء والطفل المحفوظة في معرض أفيزى، وصورة العذراء ممتلئة الجسم ولكنها جميلة، وأكثر ما تتكون منه خليفة الصورة هو الرجال العراة، وقد استمد ميكل أنجيلو منها بعض الإيحاء بصورة الأسرة المقدسة.
ومع هذا فإن هذا المصور الوثني للأجسام العارية قد استطاع أيضاً رسم صورتين تنمان عن التقى والصلاح؛ فصور العذراء في الأسرة المقدسة المحفوظة في معرض أفيزى من أجمل ما أخرجه فن النهضة. وذهب سنيوريلى إلى لوريتو Loreto بدعوة من البابا سكستس الرابع (حوالي عام 1479) وزين حرم سانتا ماريا بصورة جصية ممتازة للمبشرين بالإنجيل وغيرهم من القديسين. ثم نجده بعد ثلاث سنين من ذلك الوقت في روما يضيف إلى معبد سستينى منظراً من حياة موسى يثير الإعجاب بما فيه من صور الذكور، والاشمئزاز مما فيه من صور النساء. واستدعى بعدئذ إلى بروجيا (1484) فرسم بعض صور جصية صغرى في كتدرائيتها. ويلوح أنه اتخذ أقرطونة موطناً له في ذلك الحين، ورسم فيها صوراً طلبت إليه من أماكن أخرى، ولم يتركها في الغالب إلا لأعمال كبرى في سينا؛ وأفيتو، ورومة، وصور في طرفات دير مونتى أليفيتو Monte Oliveto المقنطرة في شيوزورى Chiusuri القريبة من سينا مناظر من حياة القديس بندكت، وأتم لكنيسة سانت أجيستينو في سينا ستاراً لمحرابها يعد من خير رسومه كلها، ولم يبقى من هذه الصورة إلا جانباها. ورسم بعدئذ لبنديلفو بيروتشى طاغية سينا
حوادث من التاريخ أو القصص القديم، ثم انتقل إلى أرفينو ليقوم فيها بخاتمة أعماله الكبرى.
وتفصيل ذلك أن مجلس الكتدرائية ظل ينتظر في غير جدوى قدوم بروجيو ليزين معبد سان بردسيو، وكان قبل دعوته قد بحث في دعوة بنتورتشيو Pintoriccio ورفض هذه الدعوة. فلما كان عام 1499 استدعى سنيوريلى، وطلب إليه أن يتم العمل الذي بدأه الراهب أنجيلكو في المعبد قبل خمسين عاماً من ذلك الوقت. وكان ذلك العمل هو تزيين المحراب المحبب إلى الأهلين في الكتدرائية العظيمة؛ وكان سبب هذا الحب أن قد علقت فوقه صورة قديمة للسيدة دى سان دسيو التي تستطيع (كما يعتقد الناس) أن تخفف آلام الوضع، وأن تدعم الوفاء بين المحبين، والأزواج، وأن تمنع الحمى الراجعة، وتهدئ العاصفة. وكان الراهب أنجيلكو قد رسم على سقف المحراب صوراً تمثل يوم الحساب حوت كل ما يكتنف روح العصفور الوسطى من آمال ومخاوف، ثم رسم سنيوريلى تحت هذه الصور موضوعات أخرى شبيهة بموضوعها تمثل - المسبح الدجال، وخاتمة العالم، وبعث الموتى، والجنة، وهبوط الملعونين إلى الجحيم. غير أن هذه الموضوعات القديمة لم تكن بالنسبة له في واقع الأمر إلا إطاراً يظهر فيه الرجال والنساء العراة الأجسام في مائة من الأوضاع المختلفة، وفي مائة من انفعالات الفرح والألم. ولم يشهد عشر النهضة بعد ذلك الوقت هذه الأكداس من اللحوم البشرية إلا حين أخرج ميكل أنجيلو صورة يوم الحساب. ترى هل كان سنيوريلى يبتهج بتصوير الأجسام الجميلة أو المشوهة، والوجوه الحيوانية أو السماوية، وتجهم الشياطين، وآلام المعذبين حين يتناثر عليهم لهب النار، وتعذيب المذنبين واحداً بعد واحد بتكسير أسنانهم وعظام أفخاذهم بالعصى الغليظة - نقول هل كان سنيوريلى يبتهج بهذه المناظر، أو هل أمر أن يصورها كي يشجع
الناس على التقى والصلاح؟ وسواء كان هذا أو ذاك صور نفسه (في أحد أركان صور المسبح الدجال) يتطلع إلى هذا التطاحن بهدوء الرجال الذي نجا من العذاب.
وقضى سنيوريلى ثلاث سنين في رسم هذه المظلمات عاد بعدها إلى أقرطونة ورسم صورة المسبح الميت لكنيسة سانت مرغريتا. لما حملت له الجثة "طلب أن تنضى من ثيابها" كما يقول فاسارى، "وتذرع الصبر الذي ليس عده صبر، ولم يذرف دمعة واحدة، ورسم صورة للجسم كي يستطيع أن يشهد على الدوام في هذه الصورة التي من صنع يده، ما حبته به الطبيعة؛ وسلبته إياه الأقدار القاسية".
وحلت به في عام 1508 نكبة من نوع آخر. ذلك أن يوليوس الثاني عهد إليه هو وبروجينو، وبنتورتشيو، وسودوما أن يزينوا الغرف البابوية في قصر الفاتيكان. وبينما هم قائمون بالعمل إذ أقبل عليهم روفائيل، وسر البابا من مظلماته البدائية سروراً حمله على أن يخصص له كل الحجرات وطرد منها سائر الفنانين. وكان سنيوريلى وقتئذ في السابعة والستين من عمره، وربما كانت يده قد فقدت حذقها وثباتها، بيد أنه رغم هذا صور بعد أحد عشر عاماً من ذلك الوقت ستاراً لمذبح عهدت به إليه شركة سان جيرولامو في أرستو، ونجح في ذلك نجاحاً أكسبه كثيراً من الثناء. ولما فرغ من الصورة جاء الاخوة الشركاء في أقرطونة وحملوا صورة السيدة والقديسين على أكتافهم طوال الطريق إلى أرتسو؛ ورافقهم سنيوريلى، وأقام مرة أخرى في بيت فاسارى. وفيه أبصر جيورجيو فاسارى Giorgio Vasari وهو غلام في الثامنة من عمره، وتلقى منه كلمات مشجعة على دراسة الفن ظل يذكرها أمداً طويلاً. وكان سنيوريلى في صباه شاباً قوى العاطفة سريع الاهتياج، لكنه أصبح في شيخوخته سيداً عطوفاً رحيماً، أوفى على
الثمانين من عمره، ويعيش في رخاء لا بأس به في البلدة التي كانت مسقط رأسه. واختير وهو في الثالثة والثمانين من عمره وللمرة الأخيرة في حياته عضواً في مجلس حكام أقرطونة ثم مات في عام 1524.
وبعد، فإن من العلماء الممتازين من يعتقدون أن سنيوريلى لم يبلغ من الشهرة ما تؤهله لها مواهبه، ولكن لعل الحقيقة أنه نال فوق ما يستحق. لقد كان يرسم في يسر، ولقد أدهشنا في دراساته للتشريح، ومواقف النماذج؛ وفن المنظور، وترتيب أجزاء الصورة بحيث يتبين الناظر إليها القريب منها والبعيد؛ وهو يدخل علينا السرور باستخدام الأجسام البشرية في تأليف صورة وتزيينها. وهو حين يرسم صورة السيدات يسمو أحياناً إلى مستوى عال من الرقة، ولقد افتتنت عقول الناقدين الخبيرين بصور الملائكة الموسيقيين في لورنتو. أما في ما عدا هذا فكان هو الداعي إلى إجادة تصوير الجسم بإتقان التشريح؛ فهو لم يخلع عليه رقة بدنية، أو رشاقة شهوانية، أو يمجده بجمال التلوين، أو سحر الضوء والظل، وقلما كان يدرك أن وظيفة الجسم هي أن يكون المظهر الخارجي والأداة المعبرة عن الروح أو الأخلاق الرقيقة التي لا تدركها الحواس؛ وأن الواجب الأسمى للفن هو أن يبحث عن الروح ويظهرها في ثنايا قناعها الجسدي. ولق أخذ ميكل أنجيلو عن سنيوريلى تعظيمه للتشريح إلى حد العبادة، كما أخذ عنه إضاعته الغاية في سبيل الوسيلة؛ ولهذا نراه يكرر في صورة يوم الحساب التي رسمها في معبد سستينى ما في مظلمات أفيتو من جنون عجيب بوظائف أعضاء الجسم ويكررها في الثانية بصورة أكبر منها في الأولى. غير أنه أستخدم في الصور التي رسمها على سقف هذا المعبد نفسه وفي تماثيله جسم الإنسان فجعله لسان الروح الناطق. وقد انتقل فن التصوير على يد سنيوريلى في خطوة واحدة من أهوال فن العصور الوسطى ورقته، إلى مغالاة في الزخرف مغالاة أفقدته روحه.
الفصل الثالث
سينا وسودوم
كادت سينا في القرن الرابع عشر تلاحق فلورنس في التجارة والحكم والفن. أما في القرن الخامس عشر فقد أنهكت قواها في أعمال العنف والتعصب الحزبي إلى حد لم تصل إليه أي مدينة أخرى في أوربا، فقد تناوبت على حكم المدينة خمسة أحزاب - أو خمسة تلال Monti كما يسميها أهلها - أسقطت كلا منها ثورة جامحة نفي على أثرها أعضاؤه البارزون واكنوا يبلغون في بعض الأحيان عدة آلاف. وفي وسعنا أن نتبين حدة هذا النزاع من اليمين التي أقسمها حزبان من هذه الأحزاب الخمسة والتي يعلنان بها عزمها على وضع حد لهذا النزاع (1494). ويصف شاهد عيان روعته هذه الحال أعضاء الحزبين مجتمعين اجتماعاً رهيباً في سكون الليل في جناحين منفصلين بكنيستهم الرحبة الخافتة الضوء:
وقرئت شروط الصلح وكانت تملأ ثماني صفحات، وصحبتها يمين من أشد الأيمان رهبة، مليئة بألفاظ المقت واللعن، والحرمان، واستنزال الشر، ومصادرة الأموال، وغيرها من المصائب التي تستك منها المسامع والتي لا ينجي منها شيء حتى القربان المقدس ساعة الموت. بل إنه سيضاعف اللعنات على الذين ينكثون العهد ويحالفون هذه الشروط؛ وإني... لأعتقد أن أحد لم يسمع قط يميناً أشد هولا أو رهبة من هذه اليمين. ثم أخذ الكتبة الواقفين على جانبي المحراب يسجلون أسماء جميع المواطنين وهم يقسمون على الصليبين الموضوعين في كلا الجانبين، ثم يقبله كل اثنين من هذا الحزب وذاك، وتدق أجراس الكنيسة وينشد دعاء "لك الحمد يا رب" مصحوباً بموسيقى الأرغن أثناء تلاوة القسم.
وتمخض هذا النزاع عن قيام أسرة سيطرت على الموقف هي أسرة بيتروتشى. ذلك أن بنفدلفو بيتروتشى نصب نفسه حاكاً بأمره في عام 1497 ولقب نفسه بصاحب الفخامة il magnifico، وعرض أن يهب سينا النظام، والسلم، والحكم الأتوقراطي الصالح الذي سعدت به فلورنس أيام آل ميديتشى. وكان بنديلفو هذا على جانب كبير من المهارة، وكان على الدوام ينجو بنفسه من جميع الأزمات بل إنه نجا من انتقام سيزارى بورجيا نفسه؛ وقد ناصر الفنون وكان يميز غثها من ثمينها، ولكنه كثيراً ما كان يلجأ للاغتيال خفية حتى لقد فرح الناس جميعاً بموته (1512)، فلما كان عام 1525 بلغ يأس المدينة درجة لم يسعها معه إلا أن تتقدم للإمبراطور شارل الخامس بأن يضعها تحت حمايته، وعرضت عليه في نظير ذلك خمسة عشر ألف دوقة.
وبلغ فن سينا ذروته خلال فترات الصحو التي سادها السلم، فواصل أنطونيو باريلى Antonio Barile تقاليد العصور الوسطى في الحفر العجيب على الخشب، وشاد لورندسو دى مريانو في كنسية فنتجيستا محراباً عالياً على الطراز الروماني الجميل. واتخذ ياقوبو دلا كويرتشيا Jacopo della Quercia لقبه من قرية في مؤخرة سينا. وكان الذي يمده بالمال وهو ينحت تماثيله الأولى هو أرلندو ماليفلتى Orlando Malevalti فأثبت بذلك أنه غير خليق بأن يسمى صاحب "الوجوه الشريرة". ولما أن نفي أرلندو لأنه انضم إلى الجانب الخاسر في النزاع السياسي، غادر ياقوبو سينا لاي لوكا (1390) حيث تصميم قبر فخم لإلاريا دل كاريتو Iliaria del Carretto، وبعد أن ظل فترة من الزمن ينافس دوناتيلو وبرونيلسكو في فلورنس انتقل إلى بولونيا وحفر على باب سان بترونيو Soan Patronio تماثيل ونقوشاً رخامية تعد من أجمل ما صنع في النهضة (1425 - 1428). وشاهدها ميكل أنجيلو في موضعها بعد سبعين عاماً من ذلك الوقت، وأعجب بما تنطق به هذه الصور العارية من قوة ورجولة، وظل
وقتاً ما يستمد منها الوحي والحافز. ولما عاد ياقوبو بعدئذ إلى سينا قضى شطراً كبيراً من العشر سنين التالية يعمل في آيته الفنية المعروفة باسم "الفسقية المرحة Fonte Gaia". فنقش على قاعدتها الرخامية صورة العذراء السيدة المدينة الرسمية؛ وصورة حولها الفضائل السبعة الأصلية؛ وأضاف إلى ذلك مناظر من العهد القديم ملأت جزءاً كبيراً من القاعدة، ثم ملأ ما بقى بعد ذلك بصور الأطفال والحيوانات - تشهد كلها بقوة التفكير وحسن التنفيذ الذين يبشران بقدوم ميكل أنجيلو. وأعجبت سينا بعمله هذا فبدلت اسمه وجعلته ياقوبو ذا القسقية Jacopo della Fonte وأجازته عليه بألفي كرون ومائتين (55.000 دولار أمريكي؟). ومات في الرابعة والستين من عمره بعد أن أنهكه فنه، وحزن عليه جميع المواطنين.
واستعانت المدينة المعجبة بنفسها طوال الجزء الأكبر من القرنين الرابع عشر والخامس عشر بمائة فنان مختلفي المواطن ليجعلوا كنيستها درة العمارة في إيطاليا، وعين دمينيكو دل كورو Domenico del Coro أحد أساتذة التلبيس بالخشب مشرفاً على العمل في الكتدرائية بين عامي 1413 - 1423، وأخذ هو وامتيو دي جيوفني، ودمينيكو بكافومي Domenico Beccafumi وبنتورتشيو وكثيرون غيرهم يطعمون أرض المزار العظيم بقطع من الرخام تمثل حوادث في الكتب المقدسة حتى أضحت أرض الكنيسة أعجب أرض الكنائس في العالم كله. ونحت انطونيو فيديريغي Antonio Federighi لهذه الكنيسة فسقيتين جميلتين للتعميد، وصب لها لورندسو فتشيتا Lorenzo Veccietta صندوقاً للعشاء الرباني من البرنز البراق، وأقام سانو دي ماتيو Sano di Matteo اللجيا دلا ميركندسيا Loggia della Mercanzia في الميدان (1417 - 1438) وحفر فيتشيتا وفيدريجي على واجهات عمدها تماثيل مؤتلفة متناسقة. وشهد القرن الرابع عشر قصراً
من أشهر القصور، منها قصور سلميني Salimbeni، وبونسنيوري Buonsignori، وسرتشيني Saracini، وجرتانيلي Grottanelli ...، ووضع برناردو رسيلينو Bernardo Rosselino في عام 1470 رسوماً لقصر أسرة بيكولوميني على الطراز الفلورنسي، وصمم أندريا برينو لأسرة بيكولوميني محراباً في الكنيسة (1481)، وشاد الكردنال فراتشيسكو بكولوميني مكتبة ملحقة بهذه الكنيسة (1495) لتضم الكتب والمخطوطات التي تركها له عمه بيوس الثاني، وأنشأ لورندسو ودي ماريانو لهذه الدار مدخلاً يعد من أجمل مداخل الدور في إيطاليا. وسم بنتو ريتشيو ومساعدوه (1503-1508) على جدرانها، داخل أطر معمارية فخمة رائعة، مظلمات جميلة تبهج النفوس وتمثل مناظر في حياة البابا العالم.
وكان في سينا خلال القرن الخامس عشر عدد كبير من المصورين في المرتبة الثانية من الإجادة، نذكر منهم تاديو برتولي Taddeo Bartoli، ودومينيكو دي برتولو Domenico di Bartolo، ولوندرسو دي بيترو المسمى فيتشتيا، واستيفانو دي جيوفيني، المعروف باسم ساسيتا Sassetta، وساني دي بيترو Sani di Pietro، وماتيو دي جيزفني، وفرانشيسكو دي جيورجيو، وقد واصلوا جميعاً التقاليد الدينية القوية في الفن السينمائي، فكانوا يصورون موضوعات تدل على التقي والخشوع، وقديسين مكتئبين، وكثيراً ما يصورونهم في لوحات جامدة مزدحمة كثيرة الطيات كأنهم يريدون أن يطيلوا حياة العصور الوسطى إلى أبد الدهر. وقد أسترد ساسيتا شهرته حديثاً بفضل نزوة عارضة من نزوات الناقدين، وكان قد صور بخطوط وألوان ساذجة موكباً رائعاً من مواكب المجوس وأتباعهم يتحركون في ثبات ووقار مجتازين ممرات الجبال إلى مهد المسيح. ووصف في صورة رشيقة ثلاثية الطيات مولد العذراء، وفي صورة أخرى وصف ترحيب
القديس فرانسس بالفقر، ومات عام 1450 بعد أن هدت جسمه الريح الجنوبية القارسة(5).
ولم تنجب سينا فناناً ذاعت شهرته بالخير أو بالشر في جميع أنحاء إيطاليا إلا في أواخر ذلك القرن. وكان الاسم الصحيح لهذا الفنان هو جيوفيني أنطونيو باتسي Giovanni Antonio Bazzi ولكن معاصريه السفهاء بدلوا اسمه إلى سودوما لأنه لم يكن يستحي من التصريح بانه يشتهي الرجال. وارتضى وهو منشرح الصدر هذا اللقب الذي يستحقه الكثيرون، ولكنهم يعجزون عن الحصول عليه. وكان مولده في فرتشيلي Vereclli، (1477)، ثم انتقل منها إلى ميلان، ولعله تعلم فيها التصوير واللواط من لورندسو. وخلع على صورة سيدة بريرا Brera ابتسامة شبيهة بالتي يخلعها دافنتشي على صورة سيداته. وقلد صورة ليدا التي رسمها ليوناردو تقليداً بلغ من الدقة والإحكام أن ظل الناس عدة قرون يظنون إن صورته هي الصورة الأصلية التي رسمها ليوناردو نفسه. وهاجر سودوما إلى سينا بعد سقوط لدوفيكو، وأنشأ فيها طرازاً من التصوير خاصاً به، فكان يصور موضوعات مسيحية وهو مغتبط غبطة الفنان الوثني بالأشكال البشرية. ولعله في خلال أقامته الأولى في سينا قد رسم تلك الصورة القوية صورة المسيح مصلوباً على العمود يوشك أن يجلد، ولكنه مع ذلك سليم الجسم صحيحه. وصر لرهبان مونتي أليفيتو مجيوري Monte Oliveto Maggiore سلسلة من المظلمات روى فيها قصة القديس، بعضها في غير عناية وبعضها ذات جمال مغر إلى حد لم يسع رئيس الدير معه إلا أن يصر على عدم أداء أجر سودوما إلا بعد أن يكسو أجسام الصور العارية حتى لا تفتتن بها عقول من في الدير.
وأعجب المصر في أجستينو تشيجي Agestino Chigi بأعمال سودوما حين زار موطنه سينا ودعاه إلى رومة، حيث وكل إليه البابا يوليوس الثاني أن ينقش إحدى حجرات نقولاس الخامس في قصر الفاتيكان،
ولكن سودوما قضى شطراً كبيراً من الوقت يعيش المعيشة التي يمثلها اسمه. حتى اضطر البابا الشيخ إلى طرده، وحل محله رفائيل. ودرس سودوما في فترة من فترات تواضعه طراز الفنان الشاب، وأخذ عنه شيئاً من صقله الناعم ورشاقة تصويره ورقته. ثم أنقذ تسيجي سودوما بأن عهد إليه أن يصور في بيت تشيجي الريفي قصة الإسكندر وركسانا، ولما خلف البابا ليو العاشر يوليوس الثاني بعد قليل من ذلك الوقت استرد سودوما مكانته عند البابا؛ ورسم جيوفني للبابا المرح صورة للكريديسيا عارية تطعن نفسها وتموت. وكافأه ليو على هذه الصورة مكافأة سخية ومنحه لقب فارس من طبقة المسيح.
ولما عاد سودوما إلى سينا مثقلاً بهذه الأكاليل، عهد إليه رجال الدين والدنيا كثيراً من الأعمال؛ ومع أنه كان كما يبدو من المشككين في الدين فقد رسم صوراً للعذراء لا تكاد تقل عن صور رفائيل. وكان استشهاد القديس سبستيان من الموضوعات التي تروقه بنوع خاص؛ ولم يفقه أحد قط في تصوير هذا الاستشهاد في قصر بتي Bitti؛ وصور كذلك في كنيسة سان دمينيكو بسينا القديسة كاترين مغمي عليها تصويراً واقعياً وصفه بلدساري Baldassare بأنه لا مثيل له من نوعه. وبينا كان سودوما يقوم بهذه الأعمال جلل سينا بالعار لما كان يقوم به من "أعمال حيوانية" على حد قول فاساري.
"لقد كان يحيا حياة الفسق والفجور، إذ كان على الدوام يحيط نفسه بالغلمان والشبان المرد ويفتتن بهم إلى حد الجنون، فقد أطلق عليه اسم سودوما، ولم يكن يخجل قط من هذا العمل، بل كان يفخر به، ويقرض فيه الشعر، ويتغنى به على العود. وكان مولعاً بأن يملأ بيته بجميع أنواع الحيوانات العجيبة: كالغريراء، والسناجب، والقردة، والفهود، والحمر القزمة، وخيول السباق المغربية، وأمهار إلبا، وغربان الزرع،
والبنطم%=@العزيراء حيوان حفار في حجم الثعلب تطارده الكلاب، والبنطم نوع من الدجاج المنزلي يمتاز بالشجاعة ويقال إن اسمه مشتق من بنطم بجزيرة جاوة. (المترجم)@ ، واليمام وأمثالها من المخلوقات... وكان لديه فضلاً عن هذه غراب أسود أجاد تعليمه النطق حتى كان يحاكي صوته، وخاصة حين يجيب طارق الباب. وكثيراً ما كان الطارقون يظنون أن صاحبه هو الذي يجيبهم. وكانت الحيوانات الأخرى أليفة مروضة تلتف حوله على الدوام، وتلعب وتقفز قفزاتها العجيبة، حتى كان بيته سفينة نوح بحق"(7).
وتزوج بامرأة من أسرة طيبة، ولكنها فارقته بعد أن ولدت له طفلاً واحداً؛ وبعد أن قضى في سينا مدة من الزمن خسر فيها إيراده وما لقيه من ترحاب، غادرها إلى فلتيرا، ثم إلى بيزا ولوكا، (1541- 1542) للبحث عن أنصار جدد. ولما تخلى عن هؤلاء أيضاً، عاد إلى سينا، واشترك في فقره مع حيواناته، ومات في الثانية والسبعين من عمره بعد أن أنجز في الفن كل ما تستطيع أن تنجزه اليد الصناع دون أن تكون لها روح عميقة ترشدها.
وكان الرجل الذي شغل مكانه في سينا هو دمينيكو بكافومي، وكان دمينيكو هذا قد درس طراز بروجينو حين قدم هذا الفنان إليها في عام 1508؛ فلما غادرها بروجينو، سافر دمينيكو إلى رومة ليستزيد من العلم، وعرف الشيء الكثير عن مخلفات الفن الروماني القديم، وبحث عن أسرار رفائيل وميكل أنجيلو. ولما عاد إلى سينا قلد أولاً سودوما، ثم نافسه في عمله؛ وطلب إليه مجلس السيادة أن ينقش قاعة مجمع الكرادلة، فقضى ست سنوات يكدح في تزيين جدرانها (1529- 1535) بمناظر من التاريخ الروماني، وأبدع في هذا النقش من الوجهة الفنية ولكنه كان نقشاً ميت الروح.
وانقضى عهد النهضة في سينا بموت بكافومي (1531). نعم إن
بلدساري بيرتسي كان من أبنائها، ولكنه غادرها إلى روما، وعادت سينا مرة أخرى إلى أحضان العذراء، وأعدت نفسها في غير عناء لاستقبال عهد الإصلاح المعارض، ولا تزال حتى اليوم متشددة في التمسك بالدين الأصيل راضية بهذا الاستمساك، تغري الأرواح المتعبة أو المستطلعة بتقواها الساذجة، وحفلات البرجاس أو السباق الشتوية (منذ عام 1659) وتمنعها عن كل ما هو جديد. الفصل الرابع
أمبريا والبجليوني
تقوم في أماكن متفرقة من أمبريا الجبلية مدائن ترني terni، واسبوليتو، وأسيسي، وفولنيو Foligno، وبروجيا، وجينو Gobbio، وتحيط بها تسكانيا من الغرب، ولاتيوم من الجنوب، وولايات التخوم من الشمال والشرق. ونتحدث هنا أول ما نتحدث عن فبريانو Fabriano- الواقعة خارج حدودها في التخوم- لأن جنتيلي دا فبريانو كان هو البشير بمدرسة أمبريا الفنية.
وجنتيلي Gentile هذا شخصية غامضة ولكنها شخصية ذات أثر قوي: فقد رسم صوراً تمثل العصور الوسطى في جبيو، وبروجيا، وأقاليم التخوم، متأثراً بعض التأثر بمصوري سنا الأولين، ولكنه ينضج على مهل، ثم يعلو نجمه إلى حد يحمل بنديلفو مالاتستا، كما تقول إحدى الروايات التي لا يقبلها العقل، على أن يكافئه بأربعة عشر ألف دوقة نظير زخرفة معبد بروتيلو Broletto في بريشيا (حوالي عام 1410)(8) برسوم جصية. وبعد عشر سنين أو نحوها من ذلك الوقت عهد إليه مجلس شيوخ البندقية أن يرسم منظراً حربياً في قاعة المجلس الكبير، ويلوح أن جنتيلي يليني كان من بين تلاميذه في ذلك الوقت. ثم نجده بعدئذ في فلورنس يرسم لكنيسة سانت ترينيتا Santa Trinita صورة عبادة المجوس (1423)، التي يعدها العالم من روائع الفن ومنهم أهل فلورنس المزهوون المتكبرون. ولا تزال هذه الصورة في معرض أفيزي: وهي عبارة عن حشد براق جميل على ظهور الخيل من الملوك والأتباع، ومن
الخيول المطهمة، والماشية المطرقة، والحمر المدملجة، والكلاب اليقظة، وصورة لمريم جميلة، كلها مركزة حول طفل رضيع فنان، يضع يده الفاحصة على رأس ملك أصلع. وتلك صورة رائعة، زاهية اللون، منسابة الخطوط، ولكنها تكاد تكون بدائية في خلوها من فن المنظور، وتمثيل القرب والبعد، واستدعى البابا مارتن الخامس جنتيلي إلى روما، حيث أنشأ بعض المظلمات في سان جيوفني لاتيرانو San Giovanni Laterno، وقد اختفت هذه المظلمات، ولكننا نستطيع أن نحدس ما كانت عليه من تحمس روجيير فان درويدن، فقد أعلن حين رآها أن جنتيلي أعظم المصورين في إيطاليا(9). وأنشأ جنتيلي في كنيسة سانت ماريا نوفا مظلمات أخرى لم يعد لها وجود، منها واحد أنطق ميكل أنجيلو بقوله لفارساي انه "كانت له يد شبيهة باسمه"
وحياته شاهدة بأن أميريا التي ينتمي إليها من الناحية الثقافية كانت تنجب عباقرتها وطرازها الخاص في الفن. ولكن المصورين الأمبريين كانوا بوجه عام يهتدون بهدى سينا، ويواصلون الجري على النزعة الدينية دون انقطاع من دوتشيو Duccio إلى بيروجينو والشطر الأول من حياة روفائيل. وكانت اسيسي المنبع الروحي للفن الأمبري. ذلك أن كنائس القديس فرانسس والقصص التي كانت تروي عنه قد أذاعت في الأقاليم المجاورة لتلك البلدة نزعة دينية قوية سيطرت على الفن كما سيطرت على العمارة، وعارضت الموضوعات الوثنية أو الموضوعات غير الدينية التي كانت تغزو الفن الإيطالي في بلدان أخرى، ولهذا قلما كانت تطلب صوراً من المصورين في أمبريا، وإن كان بعض الأفراد إذا ادخروا طوال حياتهم شيئاً من المكال قد يطلبون عادة إلى فنان محلي أن يرسم صورة للعذراء
أو الأسرة المقدسة ليضعوها في معبدهم المفضل، ولهذا فإنه قلما كانت توجد كنيسة، مهما بلغت من الفقر تعجز عن جمع المال لإقامة مثل هذا الرمز الدال على التقي والأمل والفخر الجماعي، وعلى هذا النحو كان لجبيو مصوروها، كما كان أتفيانونلي Ottaviano Nelli وفولينو Foligno نقولا دي لبيراتوري Niccolo di Liberatore وكما كانت بروجيا تفخر يبفجلي Bonfigli وبروجينو ونتورتشيو.
وكانت بروجيا أقدم بلدان أمبريا، وأكبرها، وأغناها، وأشدها عنفاً. وكان موقعها على قمة جبل منيع يبلغ ارتفاعها ألف قدم وستمائة، ويتعذر الوصول إليها إلا بعد جهد جهيد، وكانت تشرف على مناظر فسيحة من الريف المجاور لها. وكان موقعها هذا صالحاً كل الصلاحية للدفاع، ولهذا بنى الإتروربون- أو ورثوا ممن قبلهم- مدينة في هذا المكان قبل ان يؤسسوا روما. وظل البابوات زمناً طويلاً يدعون أن بروجيا تابعة للولايات البابوية، ولكن المدينة نادت باستقلالها في عام 1375، وظلت أكثر من مائة عام تعاني آثار الحزبية العارمة التي لا تفوقها فيها إلا سينا.
وكانت أسرتان غنيتان تقتتلان من أجل السيطرة على المدينة- على تجارتها وحكمها، ورتبها الكهنوتية، وأهلها البالغ عددهم 40.000 نسمة. لقد كان آل أدي Oddi وآل بجيولوني يقتل بعضهم بعضاً غيلة أو علناً في الطرقات، وكانت دماء القتلى تخضب السهل الذي يبسم تحت أبراج المدينة. وكان آل بجليوني يشتهرون بحسن وجوههم وقوة أجسامهم، وشجاعتهم، ووحشيتهم، واكنوا وهم في وسط أمبريا الصالحة التقية يسخرون من الكنيسة ويسمون أنفسهم بأسماء وثنية- إركولو Ercolo، وترويلو troilo، وأسكانيو Ascanio، وأنيبالي Annibale، اطلنطا، وبنلوبي penelope، ولافيانا laviana، وزنوبيا. وصد البجليوني محاولة قام
بها الأدي في عام 1445 للاستيلاء على بروجيا، وظلوا من ذلك الحين يحكمون المدينة حكم الطغاة وإن كانوا يعترفون رسمياً بأنها إقطاعية بابوية ولنترك الآن فرانتشيسكو ماتارتسو Franccsco Matarazzo مؤرخ بروجيا نفسه وصف حكومة البجليوني:
أخذت حال مدينتنا تزداد سواءً على سوء منذ اليوم الذي طرد فيه الأدي، والتحق جميع الشبان بحرفة الجندية، , واضطربت حياتهم جميعاً، وانتشرت في كل يوم أخبار عن إيغالهم في اللذات المختلفة، وفقدت المدينة عقلها وعدالتها، فكان كل إنسان يأخذ حقه بيده كأنه هو صاحب السلطان والملك المسيطر. وبعث البابا راجياً أن يعيد بذلك النظام إلى المدينة المضطربة، ولكن كل من بعثهم إليها عادوا فزعين مرعوبين يخشون أن تمزق أجسادهم إرباً، لأن البجليوني أنذرهم بأن يلقوا بعضهم من نوافذ القصر، ولهذا لم يجرؤ كردنال أو غيره من الأحبار أن يقترب من بيروجيا إلا إذا كان صديق السرة الحاكمة. وبلغ من تعاسة المدينة أن اصبح أشد الناس خروجاً على القانون أعظم أهلها شأناً، وإن كان من قتل منها رجلين أو ثلاثة رجال يسير في داخل القصر كما يشاء، ويذهب وبيده سيفه أو خنجره ليخاطب الحاكم أو غيره من ولاة الأمور, كان كل صاحب مقام يتعرض للمهانة ويطأه بالأقدام القتلة المأجورون الذين لهم الحظوة عند الأشراف، ولم يكن في وسع أحد من الأهلين أن يدعي أن شيئاً ما ملك له، فقد كان الأشراف ينهب بعضهم ممتلكات البعض الآخر وأرضه، وكانت كل الوظائف تباع أو تلغى، وبلغ من فدح الضرائب وشدة الاغتصاب أن ضج الناس جميعاً بالشكوى(11).
وسأل أحد الكرادلة البابا إسكندر عما عساه أن يفعل مع أولئك الشياطين الذين لا يخشون الماء المقدس؟(12) وكان البجليوني بعد أن طردوا الأدي من المدينة قد انقسموا أحزاباً جديدة، وأخذوا يتطاحنون
تطاحناً من أشد ما عرف في عهد النهضة ومن أكثرها إراقة للدماء، وكانت أطلنطا بجيلوني التي ترملت بعد اغتيال زوجها تواسي نفسها بجمال ابنها جريفونيتو Grifonetto الذي يصفه ماتارتسو بانه جانوميد
متارتسو "إن الشاب النبيل مد يده لأمه الشابة، وضغط على يدها البيضاء وفاضت روحه من جسمه الجميل"(13). وكان بروجينو وروفائيل يصوران وقتئذ في بروجيا.
وأمر جيان بولو فقتل مائة من الرجال في الشوارع أو في الكنيسة إذ ظنهم مشتركين في المؤامرة، وزين البلدة بناء على أمره برءوس القتلى كما علقت صورهم مقلوبة رءوسهم إلى أسفل، ووجد الفن بروجيا في هذا موضوعاً من موضوعاته الهامة. وحكم جيان بولو المدينة من ذلك الوقت دون أن يلقى مقاومة حتى استسلم ليوليوس الثاني (1506) ورضى أن يحكمها نائباً عن البابا؛ ولكنه لم يعرف كيف يحكم من غير أن يلجأ إلى الأغتيال، ولما مل ليو العاشر جرائمه، أغراه بالقدوم إلى روما في عام (1520) بعد أن أمنه فيها على نفسه؛ ثم أمر به فقطع رأسه في قصر سان أنجليو. وكان هذا العمل من الوسائل التي تلجأ إليها دبلوماسية النهضة للتخلص من غير المرغوب فيهم وحافظ رجال آخرون من آل بجلوني على سلطاتهم إلى حين، حتى إذا ما أغتال مالاتستا بجليوني مندوبا بابوياً، سير البابا بولس الثالث جيشاً ليستولي على المدينة نهائياً ويلحقها بأملاك الكنيسة (1534).
الفصل الخامس
بيروجينو
وأزدهر الأدب والفن ازدهاراً عجيباً في عهد هذه الحكومة حكومة المؤامرات والاغتيالات، فقد كان في مقدور أصحاب المزاج الناري الذين يعبدون العذراء ويهينون الكرادلة، ويقتلون أولي القربى، وكان في مقدور هؤلاء أن يشعروا بحمى الكتابة المبدعة، ويتأدبوا بأدب الفن الصارم. وإن كتاب ماتارتسو المسمى أخبار مدينة بروجيا Cronaca della Citta di Perugia، والذي يصف ذروة مجد أسرة بجليوني ليعد من أروع ما أنتجته النهضة في الأدب. وكانت التجارة قبل أن يتولى آل بجليوني زمام السلطة قد جمعت من الثروة ما يكفي لتشييد قصر البلدية الضخم القوطي الطراز (1280-2333) وأن تزينه هو وبناء الغرفة التجارية الكليجيو دل كامبيو Collegio del Cambio (1452-1456) برسوم من أجمل ما أخرجه الفن في إيطاليا. وكان لهذه الغرفة منصة للقضاة، ومقعد لمبدلي النقود منحوتاً نحتاً بديعاً لا يستطيع معه أحد أن يتهم رجال الأعمال في بيروجيا بقلة الذوق. ولا تكاد مقاعد المرنمين في كنيسة القديس دمنيكو (1476) تقل عن هذين رشاقة، كما كان في هذه الكنيسة معبد الورود الذائع الصيت الذي صممه أجستينو دي دوتشيو. وكان أجستينو هذا يتردد بين فني النحت والعمارة، وكان في العادة يجمع بينهما كما فعل في معبد الدعاء oratovio بكنيسة سان برتردينو (1461)، حيث غطى الواجهة كلها تقريباً بالتماثيل، والنقوش البارزة، والزخارف العربية وغيرها من أنواع الزخارف. ذلك أن كل سطح غير مزخرف كان على الدوام يثير حماسة أحد الفنانين الإيطاليين.
وكان خمسة عشر مصوراً على الأقل يعملون في تلبية هذه الدعوة في بيروجيا؛ وكان زعيمهم في شباب بيروجينو هو بينيديتو بنفجلي. والظاهر أن بينيديتو هذا تعلم شيئاً من المبادئ الجديدة التي أنشأها ونماها ماسوليني، وماساتشيو، وأتشيلو Uccello، وغيرهم في فلورنس، وكان ذلك عن طريق اختلاطه بدومنيكو فندسيانو أو بيرو دلا فراتشيسكا، أو عن طريق دراسة المظلمات التي صورها بنوتسو جتسولي في مونتى فلكو. ولما أن نقش مظلمات لقصر البلدية أظهر من المعرفة بفن المنظور ما كان جديداً بين فناني أمبريا، وإن كانت شخصياته قد استعارت وجوهاً مقررة الطراز من قبل، وكانت مكسوة بأثواب خالية من الرونق. وكان في المدينة منافس لبينيديتو أصغر منه سناً ولكنه يضارعه في عدم بهاء الألوان، ويفوقه في رقة العاطفة والرشاقة في بعض الأحيان، وعني به فيورندسو دي لورندسو Fiorenzo di Lorenzo. وتقول الرواية المأثورة في بيروجيا أن بنفجلي وفيورندسو قد علما الأستاذين اللذين بلغا بفن التصوير الأمبري ذروته.
تعلم برتردينويتي المعروف باسم بنتورتشيوفني التصوير الزلالي والتصوير الجصي (المظلمات) من فيورندسو، ولكنه لم يلجأ إلى التصوير بالزيت الذي جاء إلى بيروجيتو من أهل فلورنس؛ وسافر في صحبة بيروجيتو إلى رومة في عام 1481وهو في السابعة والعشرين من عمره، وغطى لوحة في معبد سستيني بصورة لتعميد المسيح لا حياة فيها؛ لكنه ارتقى بعد ذلك؛ فلما أمره البابا إنوسنت الثامن بان يزين إحدى الشرفات المكشوفة في قصر بلفدير اختط في تزيينها خطة جديدة بأن صور فيها مناظر من جنوي وميلان، وفلورنس، والبندقية، ونابلي، وروما، ولم تكن رسومه خالية من العيوب ولكن كان تصويره نزعة إلى الولع بالطبيعة تسر الناظر استرعت التفات البابا إسكندر السادس. وأراد هذا البابا الظريف من آل بيروجيا أن يزين حجراته الخاصة في الفاتيكان فكلف بنتو رتشيو وبعض أعوانه أن ينقشوا على الجدران والسقف مظلمات تمثل
أنبياء وسيبيلات (عرافات اسطورية)، وموسيقيين، وعلماء، وقديسين ومريم العذراء، ولعل فيهم أيضاً معشوقات. وسر البابا من هذه أيضاً سروراً حمله على أن يعهد إلى هذا الفنان بأن يرسم في الجناح الذي خصص له في قصر سانت أنجيلو بعض أحداث الصراع بين البابا وشارل الثامن (1495). وكانت بيروجيا في هذه الأثناء قد وصلتها شهرت بنيو رتشيو، فاستدعته إليها وطلبت إليه كنيسة سانتا ماريا ده فسي Santa Maria de' Fossi أن يصور ستاراً لمحرابها، فلبى الطلب ورسم صورة العذراء والطفل والقديس يوحنا التي اعجب بها كل من رآها ما عدا المحترفين. ولقد سبق القول أنه زين مكتبة بكولوميني بصور متلألئة من حياة ببيوس الثاني والقصص التي تروى عنه، وقد أضحت هذه الحجرة بفضل هذه الصور القصصية رغم ما فيها من عيوب من أبهج ما خلفه فن النهضة. وقضى بنتو رتشيو في هذا العمل خمس سنين انتقل بعدها إلى رومة، وكان له نصيب من الإذلال الذي لحق الفنانين على أثر نجاح روفائيل. ثم اختفى بعدئذ من الميدان الفني، ولعل ذلك كان بسبب مرضه، لأن بيرجينو وروفائيل تفوقا عليه. وتقول إحدى القصص المشكوك في صحتها أنه مات من الجوع في سينا في سن التاسعة والخمسين (1513)(14).
ولقب بيترو بيروجينو بهذا اللقب لأنه اتخذ بيروجيا موطناً له، وإن كانت بيروجيا نفسها تسميه على الدوام فنوتشي Vannucci باسم أسرته. وكان مولده في تشتا دلا بييف Citta' della Pieve، (1446) القريبة من بيروجيا ثم أرسل إليها وهو في التاسعة من عمره، وتتلمذ فيها على يد فنان معروف. ويقول فرساي أن معلمه كان يرى أن مصوري فلورنس أحسن المصورين في إيطاليا، ونصح الشاب بأن يذهب إليها ليدرس فيها. فذهب إليها بيترو، وقلد مظلمات ماساتشيو بعناية شديدة، وجعل يتدرب عند فيروتشيو حوالي عام 1468،
وأغلب الظن أن بيروجينو التقى به ولم يستنكف أن يتعلم منه بعض خصائص الصقل والرشاقة، وازدياد العناية بالمنظور، والألوان، والزيوت، وإن كان بيروجينو في ذلك الوقت أكبر منه بست سنين. وتظهر مهارته في هذه النواحي في صورة القديس سبستيان التي رسمها بيروجينو والمحفوظة في متحف اللوفر وقد بدت فيها من حول صورة القديس ميان جميلة، ومنظر طبيعي لا يقل لطفاً عن وجه القديس ذي الثقوب، ولما ترك بيروجينو مرسم فيروتشيو عاد إلى الطراز الأمبري في صورة العذراء المتحاشمة الوديعة، ولعل تأثيره هو الذي رقق التقاليد الواقعية في فن التصوير الفلورنسي فجعله فناً مثالياً كما يبدو في صور الراهب بارتولميو وأندريا دل سارتو Andrea del sarto.
ولما بلغ بيروجينو الخامسة والثلاثين من عمره في عام 1481 كان قد بلغ من الشهرة حداً جعل البابا سكستس الرابع يدعوه إلى روما، فصور في معبد سستيني عدة مظلمات أجمل ما بقي منها صور المسيح يسلم مفاتيح إلى بطرس والصورة شديدة التقيد بالعرف في تناسب شكلها أكثر مما ينبغي، ولكن الهواء وما فيه من تدرج دقيق في الضوء يصبح في الصورة لأول مرة في التصوير عنصراً واضحاً متميزاً يكاد يلمس باليد، والأثواب التي كانت قد أضحت في صور نفجلي ذات طراز واحد مقرر جمعت هنا وثنيت حتى أصبحت تنبض بالحياة، وخلعت على بعض الصور نزعة انفرادية مدهشة- كصور المسيح، وبطرس وسنيورلي؛ ولم يكن أقلها من هذه الناحية وجه بيروجينو نفسه الكبير، المستدير، الشهواني، الواقع، وقد استحال بهذه المناسبة من حواريي المسيح.
وعاد بيروجينو إلى فلورنس في عام 1486، ويستدل على ذلك من أن محفوظات المدينة تذكر أنه قبض عليه لارتكابه جريمة الاعتداء على أحد أعدائه.وتفصيل ذلك أنه هو وصديقاً له تخفيا وتسلحا بالعصى الغليظة
وترقبا في الظلام عدواً لهما، ولكن أمرهما كشف قبل أن يرتكبا الجريمة، ونفي الصديق، وحكم على بيروجينو بغرامة قدرها عشرة فلورينات(15). وبعد أن أقام في روما فترة أخرى، اتخذ له مرسماً في فلورنس (1492)، واستأجر بعض المساعدين، وشرع ينتج لعملائه الأقربين والأبعدين صوراً لم تكن كلها معتنى بصقلها؛ وكان منها لجماعة أخوان جيسواتي Gesuati صورة مريم تحتضن جسم المسيح الميت أضحت فيها صورة العذراء حزينة ومجدلين المفكرة مثالا كرره هو ومساعدوه في نحو مائة شكل مختلفة لكل معهد أو فرد يطلبه. واتخذ صورة مريم والقديسين طريقها إلى فينا، كما اتخذ صورة أخرى طريقها إلى كرمونا، وثالثة إلى فانو، ورابعة هي صورة مريم في مجدها إلى بيروجينا، وخامسة إلى الفاتيكان، وتوجد الآن واحد في معرض أفيزي. واتهمه منافسوه بأنه حول مرسمه إلى مصنع، وظنوا أنه من العار أن يصبح ثرياً سميناً. ولكنه ابتسم لقولهم ورفع أثمان صوره؛ ولما دعته مدينة البندقية ليرسم لوحتين في قصر الدوق وعرضة عليه أربعمائة دوقة (5000 دولاراً) طلب ثمانمائة، فلما لم يجب إلى طلبه بقى في فلورنس، وكان يصر على أن يؤدى أجره فوراً ويرفض الآجل منه؛ ولم يكن يتظاهر باحتقار الثروة، بل كان يعتزم ألا يموت من الجوع حين تبدأ يده في الاهتزاز، وابتاع له أملاكاً في فلورنس وبيروجيا؛ وكان يلزم نفسه بأن يضيف ولو قدراً قليلاً من الأرض عقب كل انقلاب في حياته. وصورته التي رسمها لنفسه والقائمة الآن بالميدان في بيروجيا (1500) واعتراف صريح صراحة عجيبة. فهو يظهر فيها ذا وجه مكتنز، وأنف كبير، وشعر مهدل دون عناية تحت قلنسوة حمراء ضيقة، وعينين هادئتين نافذتين، وشفتين تنمان عن بعض الاحتقار، ورقبة ضخمة، وهيكل قوي. وجملة القول أنه كان رجلا لا يسهل خداعه؛ متأهباً للكفاح، واثقاً من نفسه، لا يقدر الجنس البشري تقديراً كبيراً. ويصفه فاساري بأنه لم يكن رجلا متدنياً، وبأنه لا يؤمن قط بخلود الروح(16).
على أن تشككه ونزعته التجارية لم يحولا بينه وبين السخاء في بعض الواقف(17)، أو بينه وبين إنتاج أرق الصور وأكثرها خشوعاً وتعبداً في عصر النهضة. ومن هذه الصور صورة جميل للعذراء رسمها للكرتوزا دي بافيا (وهي الآن في لندن)؛ ومنها صورة مجدلين التي تعزى إليه والمحفوظة في متحف اللوفر، وهي صورة لخاطئة جميلة مجيلة لا يحتاج الإنسان معها إلى الرحمة الإلهية لكي يعفو عن خطيئتها. ورسم لراهبات سانتا كلارا بفلورنس صورة الدفن كانت ملامح النساء فيها ذات جمال نادر، ووجوه الشيوخ من الرجال تفصح عن حياتهم، وخطوط التأليف فيها تلتقي على جثة المسيح التي لا دم فيها، تحتوي على منظر طبيعي من الأشجار الرفيعة النامية على منحدرات صخرية، وعلى بلدة بعيدة قائمة على جوٍ هادئ؛ وكل هذه تخلق جواً من الهدوء وعلى منظر الموت والأحزان. والحق أن هذا الرجل كان يستطيع أن يصور وأن يبيع.
وعرف أهل بيروجيا آخر الأمر قدره من نجاحه في فلورنس. فلما أعتزم تجار الميدان أن يزينوا غرفتهم، أفرغوا ما في جيوبهم من مال في سخاء المتوانين المتراخين، وعهدوا بالعمل إلى بيتور فانوتشي. وساروا على مزاج ذلك العصر ومشورة أحد علماء بلدتهم، فطلبوا إليه أن يزين قاعة الاجتماع بمزيج من الموضوعات المسيحية والوثنية: فيزين السقف بصورة للكواكب السبعة والبورج؛ وأن ترسم على أحد الجدران صورة مولد المسيح والتجلي؛ وعلى جدار آخر صورة الأب الخالد، والأنبياء، وست سيبيلات "عرافات" وثنيات تشير إلى ما سيرسمه ميكل أنجيلو من نوعها فيما بعد. ورسم على جدار غيره الفضائل الأربعة الروحانية يمثل كلا منها أبطال من الوثنيين: الفطنة يمثلها نوما Numa، وسقراط؛ وفابيوس؛ والعدالة يمثلها بتاكوس Pittacus، وفيوريوس Furius، وتراجان، والجلد ويمثله لوسيوس، وليونداس، وهوراشيوس ككليس Horatius Cocles والاعتدال يمثله بركليز وسنسناتوس واسكبيو Scipio، ويبدو أن هذا كله
كان من صنع بيروجيا ومساعديه- ومنهم روفائيل- في عام واحد هو عام 1500 أي العام الذي كان فيه اقتتال البجليوني بريق الدماء في شوارع بيروجيا. فلما حقنت الدماء كان بمقدور أهل البلدة أن يخرجوا من مساكنهم ليمتعوا أنظارهم بالجمال الجديد الذي خلع على الميدان. ولعلهم وجدوا الشخصيات الوثنية جامدة بعض الشيء وودوا لو أن بيرودجينو لم يصورها واقفة ثابتة بل قائمة بعمل مل يكسبها حياة، ولكن صورة داود كانت جليلة رائعة بحق، وصورة عرافة ابربثتربون لا تكاد تقل رشاقة عن عذراء روفائيل، وصورة الأب الخالد فكرة طيبة فذة عن الكافر. وأظهر بيروجينو في رسومه على هذه الجدران وهو في سن الستين قواه الكاملة، وفي عام 1501 نصبته المدينة رئيساً لبلديتها اعترافاً منها بفضله.
ثم أخذ ينحدر من هذا الأوج انحدراً سريعاً، ففي عام 1592 صور زواج العذراء في صورة قلدها روفائيل بعد عامين في صورة اسبيوز الدسيو وفي عام 1503 عاد إلى فلورنس، ولم يسره أن يرى المدينة تلهج بالثناء على صور داود لميكل أنجيلو؛ وكان من بين الفنانين الذي دعوا للنظر في المكان الذي توضع فيه الصورة. ولكن المثال نفسه لم يقتنع برأيه، وكانت له الغلبة عليه. والتقى الرجلان بعد قليل من ذلك الوقت، وتبادلا الشتائم؛ وكان ميكل أنجيلو وقتئذ شاباً في الحادية والعشرين من عمره فقال إن بيروجينو غبي، وإن فنه "عتيق سخيف"(18). وقاضاه بيروجينو على هذا السب ولكنه لم يجن سوى السخرية. وفي عام 1505 اتفق على أن يتم لكنيسة البشارة صورة الوديعة التي بدأها فلبينو لبي ولم تيمها، وأن يضيف إليها صورة صعود العذراء؛ وأتم عمل فلبينو بحذق وسرعة ولكنه كرر في صورة الصعود كثيراً من الأشكال التي استخدمها في عدة صور سابقة، ومن أجل هذا اتهمه فنانو فلورنس (وكانوا لا يزالوا يحسدونه على أجوره القديمة)
بالتكاسل والإبطاء، فما كان منه إلا أن ترك المدينة مغضباً واتخذ مسكنه في بيروجيا.
وتكررت هزيمة الشيخوخة على يد الشاب، وهي الهزيمة التي لا مفر منها، حين قبل دعوة البابا يوليوس الثاني ليزين له حجرة في الفاتيكان (1507). فلما أن أتم بعض مراحل العمل ظهر تلميذه السابق روفائيل واكتسح كل شيء أمامه، فغادر بيروجينو روما كسير القلب، وعاد إلى بيروجيا، يرجو القيام ببعض الأعمال، وظل يعمل فيها إلى آخر أيام حياته؛ فبدأ (1514)ولعله أتم (1520) ستاراً لمحراب مُعقَّد النقش لكنيسة سانت أجستينو، وكرر فيه مرة أخرى قصة المسيح. ثم صور لكنيسة عذراء لجريمي Madonna delle Lagrime في تريقي Trevi (1521) صورة عبادة المجوس وهي نتاج مدهش لرجل في الخامسة والستين على الرغم مما فيها من بعض الرسوم التافهة. وبينما كان يصور في فنتنيانو Fontignano القريبة من بيروجيا في عام 1523 إذ أصيب بالطاعون أو لعله مات من الشيخوخة والضعف. وتقول الرواية المتواترة إنه أبى أن يتلقى القداس الأخير، وقال أنه يفضل أن يرى ما سوف يحدث في العالم الآخر للروح الخاطئة المعاندة(19)، ومن أجل ذلك دفن في أرض مجردة من القداسة(20).
وبعد فان الناس جميعا يعرفون عيوب تصوير بيروجينو - يعرفون إسرافه في العواطف، ويعرفون تقواه المصطنعة الحزينة، ووجوهه البيضية الشكل المتقيدة بالعرف، والشعر المعقود بالأشرطة، والرؤوس المنحنية إلى الأمام على الدوام دليلا على التواضع لا يستثنى منها رأساً كاتو Cato وليونداس Leonidas الجريء. وفي وسعنا أن نجد في أوربا وأمريكا مائة من طراز بيروجينو الذي يتكرر كل يوم، لقد كان هذا الأستاذ خصباً أكثر
منه مبتكراً، وإن صوره لتعوزها الحركة والحيوية، وتنعكس عليها حاجات الخشوع الأمبري أكثر مما تنعكس عليها حقائق الحياة ومعانيها. ولكن فيها مع ذلك كثيراً مما يسر النفس التي بلغت من النضج حداً لا يكفي للتغلب على ما تتصف به من سوفسطائية؛ فيها صفة ضوئها الحية، وجمال نسائها المتواضع، وجلال شيوخها الملتحين، وألوانها الرقيقة الهادئة، والناظر الطبيعية الظريفة التي تخلع السلام على المآسي بأجمعها.
ولما عاد بيروجينو في عام 1499 بعد طول المقام في فلورنس، جاء معه إلى الفن الأمبري من عند الفلورنسيين الحذق في التنفيذ، دون أن يأتي منهم موهبة النقد، فلما مات أورث هذا الحذق في إخلاص رفاقه وتلاميذه- بنتورتشيو، وفرانتشيسكو أبرتينو "البكياكا li Bachiacca وجيوفني دي بيترو "لوسبانيا Lo Spagna" ورفائيل. والحق أن هذا الأستاذ أدى واجبه: لقد أغنى تراثه وأسلمه غنياً إلى من جاءوا بعده، ودرب تلميذاً له بزه وسمى عليه. ذلك أن روفائيل هو بيروجينو مبرأ من أخطائه، كاملا غاية الكمال.
الباب التاسع
مانتوا
1378- 1540
الفصل الأول
فتورينود أفلتري
كانت مانتوا مدينة محظوظة لأنها حكمتها طوال عصر النهضة أسرة واحدة لا أكثر، ولأنها نجحت من الاضطرابات الناشئة من الثورات، والاغتيالات التي تحدث في بلاط الحكام، والانقلابات السياسية؛ذلك أنه لما أصبح لويجي جندساجا Luigi Gonzaga رئيس الشعب (1328) استتب الأمر لبيته إلى حد كان يستطيع معه أن يغادر عاصمة ملكه من حين إلى حين، ويؤجر نفسه إلى المدن الأخرى ليكون قائداً لجيوشها- واتبع خلفاؤه هذه العادة مدى أجيال عدة. ورفع الإمبراطور سجسمند الأول سيد هذه الأسرة من الوجهة النظرية جيان فرانتشيسكو الأول حفيد حفيده إلى مرتبة مركيز (1423)، وأصبح هذا اللقب من ذلك الحين وراثياً في أسرة جندساجا حتى استبدل به لقب أسمى منه وهو لقب دوق (1530). وكان جيان هذا حاكماً صالحاً، جفف المستنقعات وأصلح أحوال الزراعة والصناعة، وناصر الفن، وأستقدم إلى مانتوا رجلاً من أعظم رجال التربية وأنبلهم ليعلم أبنائه.
واتخذ فتورينو لقبه من مسقط رأسه بلدة فلترى Feltre في الشمال الشرقي من إيطاليا. وتملكته الرغبة القوية في دراسة الآداب القديمة. وهي التي
كانت تجتاح جميع أنحاء إيطاليا في القرن الخامس عشر اجتياح السيل الجاف، فسافر إلى بدوا ودرس اللغتين اليونانية واللاتينية، والعلوم الرياضية، وفنون البلاغة على أساتذة مختلفين، وأدى لواحد منهم أجره بأن عمل خادماً عنده، ولما أن تخرج من الجامعة فتح مدرسة لتعليم الصبيان. وكان يختار تلاميذه على أساس من المواهب والحرص على التعليم لا على أساس الحسب أو كثرة المال؛ وكان يتقاضى من أغنى التلاميذ أجراً يتناسب مع ثروتهم، أما الفقراء فلم يكن يتقاضى شيئاً على الإطلاق. ولم يكن يقبل الكسالى المتوانين ويطلب كل بأن يبذلوا في التعليم أقصى الجهود، ويحرص على النظام الصارم الدقيق. وإذا كانت هذه المطالب مما يصعب الوفاء بها في جو المدينة الجامعية الصاخب فقد نقل فتورينو مدرسته إلى البندقية (1423). وفي عام 1525 قبل دعوة جيان فرانتشيسكو للمجيء إلى بدوا ليعلم فيها نخبة ممتازة من الأولاد والبنات، من بينهم أربعة من أبناء المركيز وبنت له، وابنة فرانتشيسكو اسفوردسا، وبعض أبناء الأسر الحاكمة الإيطالية.
وخصص المركيز للمدرسة بيتاً عرق باسم كاسا دسوجوسا Casa Zojosa أي البيت المبتهج. وحول فتورينو القصر إلى ما يشبه الدير، وعاش فيه هو وتلاميذه عيشة البساطة، قانعين بالضروري من الطعام، وجروا فيه على المثل اللاتيني المأثور "العقل السليم في الجسم السليم". وكان فتورينو نفسه يجيد الألعاب الرياضية كما يجيد العلم، فكان يتقن المثاقفة، وركوب الخيل، لا يتأثر بتقلبات الجو حتى كان يرتدي نوعاً واحداً من الثياب صيفاً وشتاء، ولا يحتذي إلا الصنادل في أشد الأيام برداً. وإذ كان ذا مزاج شهواني سريع الغضب. فقد عمل على أن يسيطر على هاتين النزعتين بالالتجاء إلى الصيام من حين إلى حين، وبأن يضرب جسمه بالسوط كل يوم. ويعتقد معاصره أنه لم يقرب النساء قط طوال حياته.
وكانت أولى وسائله للتسامي بغرائز تلاميذه وتنشئتهم على الخلق الكريم أن يحتم عليهم التمسك الشديد بأصول الدين، وأن يغرس فيهم الإحساس
الديني القوي؛ فكان يقاوم كل نزعة إلى الفساد، والفحش، والنطق بالعبارات النابية، يعاقب كل من يغضب أو يحتد في الجدل، وكاد يجعل الكذب من الجرائم التي يعاقب عليها بالإعدام. على أنه لم يكن بحاجة إلى من يقول له، كما قالت زوجة لورندسو لبولتيان، أنه يربي أمراء قد يواجهون في يوم من الأيام واجبات الحكم أو الحرب. وكانت وسيلته إلى تقوية أجسام تلاميذه وتحسين صحتهم أن يدربهم على ضروب كثيرة من الألعاب الرياضية كالجري، وركوب الخيل، والقفز، والمصارعة، والمثاقفة، والتمارين العسكرية، وكان يعودهم على تحمل المشاق دون أن يجأروا بالشكوى أو يصابون بأذى؛ واكن يرفض نزعة العصور الوسطى إلى احتقار الجسم وإن كانت مبادئه الخلقية هي المبادئ التي كانت سائدة في تلك العصور؛ وكان يقدر كما يقدر اليونان ما لصحة الجسم من شأن في رفع مستوى الرجال. ولهذا كان يستعين على تكوين أجسام تلاميذه بالألعاب الرياضية، وبالجهود الجسمية، كما يعنى بتكوين أخلاقهم بالتمسك بالدين والنظام والتأديب، ورفع مستوى ذوقهم بتعليمهم التصوير والموسيقى، وعقولهم بالعلوم الرياضية، واللغتين اللاتينية واليونانية، والآداب القديمة. وكان يرجو أن يجمع في تلاميذه بين فضائل الأخلاق المسيحية، وصفاء الذهن الثني الحاد، والإحساس بالجمال الذي هو من خصائص عصر النهضة. وهكذا تحقق لأول مرة مثل النهضة الأعلى للرجال الكامل L'uomo universale- أي الرجل الصحيح الجسم، المتين الخلق، الغزير العلم- تحقق هذا المثل على يد فتورينو دا فلتري.
وانتشرت أخبار طريقته في جميع أنحاء إيطاليا وفي غيرها من الأقطار، وأقبل الكثيرون على مانتوا ليروا معلمها لا ليروا مركيزها، وأخذ الآباء يرجون جيان فرانتشيسكو أن يسمح بإلحاق أبنائهم في "مدرسة الأمراء" كما كانت تسمى مدرسته. وقبل رجاءهم، وجاءه فيما بعد عدد من الأعيان أمثال فردريجو الأبينوئي، وفراتشيسكو الكستجليوني، وتديو منفريدي
Taddeo Monfrdi ليربو على يديه. وكان الطلاب الذين تلوح عليهم أعظم سمات النجابة يحظون بعناية الأستاذ الخاصة، فكانوا يقيمون معه تحت سقف واحد، ويحظون بالميزة التي لا تقدر بمال وهي أن يكونوا على صلة دائمة بخلقه الكريم وعقله الراجح. وكان فتورينو يصر على أن يقبل في المدرسة النجباء من الطلاب الفقراء، وأقنع المركيز بأن يرصد ما يلزمه من المال والوسائل المدرسية المساعدين لتعليم ستين من فقراء الطلبة في وقت واحد وإيوائهم، فإذا لم تف هذه الأموال بالحاجة وفاها فتورينو من موارده الخاصة الضئيلة؛ ولما مات في عام 1446 وجد أنه لم يترك من المال ما يكفي لتشييع جنازته.
وأثبت لدوفيكو جندساجا، الذي خلف جيان فرانتشيسكو دوقاً على مانتوا (1444) أنه تلميذ خليق بأن يشرف أستاذه. فقد كان لدوفيكو حين تولى فتورينو أمر تربيته غلاماً في الحادية عشر من عمره، بديناً وقحاً، ولكن فتورينو عمله كيف يسيطر على شهيته وأن يكون جديراً بجميع ما يفرضه على الحكم من واجبات. وأدى لدوفيكو هذه الواجبات أحسن أداء وترك دولته عند وفاته رخية مزدهرة، وفعل ما يفعله أمير النهضة الحق فخص الآداب والفنون بجزء من ماله؛ وجمع مكتبة كبير ممتازة، وكان أكثر ما احتواه الآداب اللاتينية واليونانية القديمة؛ واستخدم النقاشين ليزينوا له ملحمتي الإنياذة والملهاة الإلهية، وأشأ أول مطبعة في مانتوا؛ وكان بوليتيان، وبيكوا دلا ميرندولا، وفيليفو،وجوارينو دا فيرونا Guarino da Verona، وبلاتينا من بين الكتاب الإنسانيين الذين تمتعوا في وقت واحد من الأوقات برفده، وعاشوا في بلاطه. وأقبل ليون باتستا ألبرتي من فلورنس بناء على دعوته، وصمم معبد الإنكوروناتا Ancoronata في الكتدرائية، وكنيستي سانتا أندريا وسانتا سيستيانو. وجاء أيضاً دوناتيلو وصب للدوفيكو تمثالاً نصفياً من البرونز، وفي عام 1460 عين المركيز في خدمته فناناً من أعظم فناني النهضة هو أندريا مونتينيا Anderea Montegna.
الفصل الثاني
أندريا منتينيا
1431 - 1506
ولد هذا الفنان في أسولا دي كارنورا Asola di Cartua القريبة من بدوا قبل مولد بتيتشيلي بثلاثة عشر عاماً. وعلينا أن نراجع في الزمن قليلاً إلى الوراء إذا شئنا أن نقدر أعمال منتينيا الجميلة حق قدرها. لقد قيد اسمه في نقابة المصورين في بدوا ولما يتجاوز العاشرة من العمر. وكان فرانتشيسكو أسكواراتشيوني Francesco Squaracione وقتئذ أشهر معلمي التصوير لا في بدوا وحدها بل في إيطاليا كلها. والتحق أندريا بمدرسته وبلغ من سرعة تقدمه أن أخذه أسكواراتشيوني قد تأثر كثيراً بالكتاب الإنسانيين، فجمع في مرسمه كل ما كان يستطيع الحصول عليه وينقله من بقايا الروائع القديمة في فني النحت والعمارة، وأمر تلاميذه أن يقلدوها المرة بعد المرة ويتخذونها نماذج للرسوم القوية، المتناسقة غير المسرفة. وأطاع منتينيا أمره في حماسة قوية، وعشق العاديات الرومانية، واتخذ أبطالها مُثُلاً عليا له؛ وبلغ من إعجابه بفنها أن جعل لنصف صوره خلفيات من فن العمارة الرومانية، وأن كانت نصف شخصياته أياً كانت الأمة التي ينتمون إليها والزمن الذي يعيشون فيه، ذات طابع روماني وكساء روماني. وأفاد فنه من افتتان الشباب هذا كما عانى منه الشيء الكثير. فقد تعلم من هذه المثل جلال التخطيط وهيبته، ونقائه وصرامته؛ ولكنه لم يخرر رسومه تحريراً كاملاً من هدوء الأشكال المنحوتة في الحجر، ولما قدم دوناتيلو إلى بدوا وكان منتينيا لا يزال غلاماً في الثانية عشرة من عمره شعر مرة أخرى بتأثير هذا المثال، كما أحس بدافع قوي نحو الواقعية. ثم إنه افتتن في الوقت عينه بعلم المنظور
الجديد الذي نما حديثاً في فلورنس على يد ماسولينو، وأتشيلو Uccello وماتشيو؛ ودرس أندريا قواعده كلها وأدهش جميع معاصريه بقدرته على تمثيل القرب والبعد تمثيلاً صادقاً إلى حد الفظاظة.
وتلقى سكوارانشيوني في عام 1448 دعوة لعمل مظلمات في كنيسة الرهبان الإرمتاني Eremitani Friars في بدوا، فعهد العمل إلى اثنين من أحب تلاميذه إليه وهما نقولو بتسولو، ومنتينيا. وأتم نقولو لوحتين من الطراز ممتاز ثم فقد حياته في مشاجرة، وواصل أندريا العمل، وكان وقتئذ في السابعة عشرة من عمره، وأذاعت اللوحات الثمان التي رسمها في السبع سنين التالية شهرته في جميع أنحاء إيطاليا. وكانت موضوعات الرسوم مأخوذة من العصور الوسطى، أما طريقة التنفيذ فكانت ثورة على تلك العصور؛ فقد كانت الخلفيات مأخوذة من العمارة الرومانية القديمة ومفصلة بعناية شديدة، وكانت أجسام الرجال قوية، ودروع الجنود الرومان البراقة تختلط بملامح القديسين المسيحيين الجادة الحزينة؛ وامتزجت الوثنية والمسيحية في هذه المظلمات امتزاجاً أوضح من امتزاجها في كل صفحات الكتاب الإنسانيين. وبلغ الرسم هنا درجة جديدة من الدقة والرشاقة، وبذل في المنظور من الجهود ما وصل به إلى درجة الكمال؛ وقلما شهد التصوير صورة رائعة في شكلها وهيئتها كصورة الجندي الذي يحرس القديس أمام الجسر الروماني، أو شهد شيئاً بلغ من الواقعية العاتية ما بلغه الجلاد الذي يرفع هراوته ليضرب بها الشهيد على أم رأسه. وأقبل الفنانون من المدن القاصية ليدرسوا فن ذلك الشاب العجيب الذي أنجبته بدوا- وقد دمرت كل هذه الرسوم الجصية عدا اثنين منها في الحرب العالمية الثانية.
وشهد ياقوبو بليني هذه اللوحات أثناء عملها، وأعجب بأندريا، وعرض عليه أن يزوجه ابنته، وكان ياقوبو نفسه مصوراً واسع الشهرة كما كان في ذلك الوقت (1454) أياً لمصورين قدر لهم أن يتفوقوا عليه ويقضوا على
شهرته. وقبل منتينيا هذا العرض، ولكن اسكواراتشيولي قاومه، وعاقب هروب مانتينيا من بيته الذي آواه وتبناه فيه بأن ذم المظلمات الإرمتانية ووصفها بأنها تقليد جامد شاحب للرخام العتيق. والأغرب من هذا أن آل بليني أفلحوا في أن ينقلوا إلى أندريا تلميحهم بأن في هذه التهمة بعض الصدق(2). وأعجب من هذا وذاك أن الفنان الحاد المزاج صدق هذا النقد وأفاد منه بأن تخلى عن دراسة صناعة التماثيل إلى الحرص على ملاحظة الحياة بجميع حقائقها ودقائقها، فضمن اللوحتين الأخيرتين من الألواح الإرمتانية صورتين لمعاصرين له إحداهما صورة لشخص بدين متربع هو اسكواراتشيونى نفسه.
ولما أن ألغى منتينيا عقده مع معلمه كان في وسعه أن يقبل بعض الدعوات التي تكاثرت عليه وكان منها عرض من لدوفيكو جندساجا في مانتوا (1456)؛ ولكن أندريا ظل يماطل فيه أربع سنين، كان في أثنائها يرسم لكنيسة سان دسينو San Zeno في فيرونا صورة كثيرة الطيات لا تزال حتى اليوم تجعل هذا الصرح الفخم كعبة للحجاج من مختلف الأقطار. وقد صور في اللوحة الوسطى من هذه الصورة وسط إطار فخم بين عمد وشرفة وقوصرة رومانية الطراز مريم العذراء ممسكة بطفلها، يحف بهما الموسيقيين والمرنمون من الملائكة؛ ثم رسم تحت هذا صورة قوية تمثل صلب المسيح، وتحتوي على بعض الجنود الرومان يقذفون النرد ليعرفوا من منهم يستحوذ على أثوابه؛ والى اليسار صورة حديقة زيتون تمثل منظراً طبيعياً وعراً كان خليقاً بأن يدرسه ليوناردو ليستعين به على رسم عذراء الصخور. وتعد هذه الصورة ذات الثلاث الطيات من أعظم صور عصر النهضة
وقضى منتينيا في فيرونا ثلاث سنين ثم قبل أخيراً أن يذهب إلى مانتوا
(1460)، حيث بقى إلى أن وافته المنية إذا استثنينا فترات قصيرة أقامها في فلورنس وبولونيا وسنتين أقامها في روما. وأسكنه لدوفيكو بيتاً أمده فيه بالوقود والحبوب، ورتب له خمسة عشر دوقة (375 دولاراً) في الشهر. وزين أندريا في خلال هذه المدة قصور ثلاثة مراكيز، وأمكنة صلاتهم، وبيوتهم الريفية. غير أنه لم يبق من ثمار كدحه في مانتوا غير المظلمات الذائعة الصيت في قصر الدوق، وبخاصة ما كان منها في بهو الخطيبين- دجلي اسبوزي Sala degli Sposi- التي سميت بهذا الاسم وزينت بمناسبة خطبة فيدريجو بن لدفيكو لمرجريت أميرة بافاريا. ولا يتعدى موضوع النقش صور الأسرة الحاكمة- المركيز، وزوجته، وأبنائه، وبعض الحاشية؛ ويرى فيها الكردنال فرانتشيسكو جندساجا يرحب به والده لدوفيكو عند عودة الحبر الشاب من رومة، ولكنها تمثل مجموعة من الصور التي أوفت على الغاية في واقعيتها، ومن بينها منتينيا نفسه الذي يبدو أكبر سناً مما هو في الحقيقة، لأنه لم يكن قد تجاوز وقتئذ الثالثة والأربعين، ولكنك تراه في صورته وقد تجعد وجهه وانتفخ ما تحت عينيه.
وكان لدوفيكو أيضاً يتقدم به العمر تقدماً سريعاً، وكانت السنون الأخيرة من حياته كدرة مفعمة بالمتاعب. فقد كانت ابنتان من بناته مشوهتي الخلق؛ وكانت الحرب قد استنفدت موارده؛ واجتاح وباء الطاعون مانتوا في عام 1478 حتى كاد يقضي على حياتها الاقتصادية؛ ونقص ارادات الدولة نقصاً كبيراً. وكان مرتب منتينيا من المرتبات الكثيرة التي لم تؤد زمناً ما إلى أصحابها، فبعث الفنان إلى لدوفيكو برسالة تقريع، ولكن المركيز رد عليه رداً رقيقاً يطلب إليه فيه أن يتذرع بالصبر؛ وانتهى وباء الطاعون، ولكن لدوفيكو لم يعش بعده. فلما خلفه ابنه فيدريجو (1478- 1484) بدأ منتينيا العمل، وأتم في عهد جيان فرانتشيسكو بن فيدريجو (1484- 1519)، أجمل أعماله كلها وهي صورة انتصار قيصر
وكانت هذه الصور التسع المرسومة على القماش بالألوان الزلالية قد صممت قد تزدان بها قاعة فيتشيا Vecchia في قصر الدوق، ثم باعها دوق معسر من أدواق مانتوا إلى تشارلز الأول ملك إنكلترا، وهي الآن في قاعة هامبتن. ويصور هذا الفريز
واستجاب منتينيا في السبع السنين التي انقضت بين بداية صورة انتصار قيصر والانتهاء منها إلى دعوة من إنوسنت الثالث، وصورة عدة مظلمات (1488- 1489) بادت كلها فيما باد بفعل عوادي الزمن في روما. لكن منتينيا أخذ يشكو من شح البابا، بينا كان البابا يشكو من قلة صبره، فعاد إلى مانتوا، واختتم حياته الكثيرة الإنتاج بمائة صورة في موضوعات دينية؛ أخذ فيها ينسى قيصر ويعود إلى المسيح. وأشهر هذه الصور كلها وادعاها إلى النفور صورة المسيح الميت Cristo Morto (المحفوظة في بريرا)، وتمثل المسيح راقداً على ظهره، وقد رسمت قدماه كبيرتين في مقدمة الصورة ومتجهتين نحو الناظر؛ وهو يبدو فيها أشبه بجندي مغامر مأجور منه بإله خارت قواه.
وأخرج منتينيا في شيخوخته صورة وثنية أخيرة، فقد تخلى في صورة بانسس Parnassus المحفوظة في متحف اللوفر عما اعتاده قبل من تصوير الحقيقة لا الجمال، فقد استسلم ساعة من الزمن للأساطير المنافية للأخلاق، ورسم صورة عارية لفينوس على عرشها فوق جبل بارنسس بجوار المريخ حبيبها المحارب، وصور في أسفل الجبل أبلو وربات الفنون يمجدان جمالها بالرقص والغناء. وأكبر الظن أن إحدى تلك الربات هي الدرة اليتيمة إزبلا دست زوجة جيان فرانتشيسكو وكانت وقتئذ أعظم سيدات البلاد.
وكانت هذه آخر صور منتينيا العظيمة، وكانت السنون الأخيرة من حياته قد خيم عليها الحزن بسبب ضعف صحته، وحدة أخلاقه، وتراكم الديون عليه. وقد ساءه ما كانت تدعيه إزبلا لنفسها من حقها في فرض دقائق الصور التي تطلب إليه رسمها؛ ولهذا آثر العزلة وهو غاضب ناقم، وباع معظم مجموعاته الفنية وانتهى به الأمر أن باع بيته. ووصفته إزبلا في عام 1505 بأنه: "يستسلم للبكاء والاضطراب؛ غائر الوجه إلى حد يبدو معه أقرب إلى الموت منه إلى الحياة"(3). ومات بعد عام من ذلك الوقت في سن الخامسة والسبعين. وأقيم على قبره في سانت أندريا تمثال نصفي من البرنز لعله من صنع منتينيا نفسه في فنه مدى نصف قرن من الزمان، حتى إنهدت قواه وتشعبته الأحزان. ذلك أن الذين يبغون "الخلود" يجب أن يبتاعوه بحياتهم.
الفصل الثالث
أولى سيدات العالم
أولى سيدات العالم La prima donna Mondo- هكذا كان الشاعر نيقولو دا كريجيو يسمى إزبلا دست(4). وكان الكاتب القصصي بنديلو يراها "صاحبة السيادة بين النساء"(5)، ولم يكن أريستو Ariosto يعرف أي الصفات في "إزبلا الكريمة الجليلة" أجدر بالثناء، جمالها الفتان ، أو تواضعها، أو حكمتها أو مناصرتها الآداب والفنون. فقد كانت تتصف بمعظم المزايا والمفاتن التي جعلت المرأة المتعلمة في عصر النهضة إحدى تحف التاريخ النادرة. وكانت ذات ثقافة واسعة متنوعة دون أن تكون "من العلماء" ودون أن تفقد شيئاً من جاذبية النساء. ولم تكن ذات جمال رائع غير عادي؛ وكان الذي يعجب به الرجال فيها هو حيويتها، وسمو روحها، وقو تقديرها، وكمال ذوقها. وكان في مقدورها أن تركب الخيل طول النهار ثم ترقص طوال الليل، وأن تظل في كل لحظة ملكة حاكمة. وكانت تستطيع أن تحكم مانتوا بكياسة وعقل يختلفان عن كياسة زوجها وعقله، ولما أدركه الضعف في سنيه الأخيرة، أمسكت بزمام دولته الصغيرة وحالت بينها وبين أن تتشتت على الرغم من أخطائه، وتجواله، ومرض الزهري الذي أصيب به. وكانت تراسل أعظم الشخصيات في زمانها مراسلة الند للند؛ وكان البابوات والأدواق يسعون لصدقاتها، والحكام يفدون على بلاطها، وأرغمت كل فنان على أن يعمل لها، وألهمت الشعراء وأن يتغنوا بها؛ وأهدى إليها بمبو Bembo، وأريستو، وبرناردو ومؤلفاتهم، وإن كانوا يعرفون ضيق مواردها المالية. وكانت تجمع الكتب والتحف الفنية
بحكمة العالم ودقة الخبير الماهر؛ وكانت أينما ذهبت تكون هي المصدر الذي يشع الثقافة، والمثل الذي يحتذي في إيطاليا كلها.
وكانت من آل إستنسي Estensi- الأسرة النابهة التي أنجبت أدواقاً لفيرارا، وكرادلة للكنسية؛ ودوقة لميلان. وقد ولدت إزبلا في عام 1474 وكانت تكبر أختها بيتريس بعام. وكان والدها إركولى Ercole الأول صاحب فيرارا، وأمهما إليانورا أميرة أرغونة وابنة فيرانتي Frrante الأول ملك نابلي؛ وقد رزقا خير الأبناء. وأرسلت بيتريس إلى نابلي لتتقن أساليب النشاط والمرح في بلاط جدها، ونشئت إزبلا وسط العلماء، والشعراء، وكتاب المسرحيات؛ والموسيقيين، والفنانين الذين جعلوا من فيرارا في وقت ما أبهى العواصم الإيطالية.
وكانت وهي في السادسة من عمرها ذات ذكاء نادر أكثر مما تؤهله لها سنها ويدهش له الدبلوماسيون؛ وها هو ذا بلترامينو كاساترو Beltramino Cusatro يكتب عنها إلى المركيز فيدريجو صاحب مانتوا عام 1480: "لم أكن أتصور قط أن شياً من هذا مستطاع"(6). وظن فيدريجو أن هذه غنيمة طيبة ينالها ابنه فرانتشيسكو، فخطبها من والدها؛ ووافق إركولي على هذه الخطبة لأنه كان في حاجة إلى معونة مانتوا على البندقية، ووجدت إزبلا نفسها وهي في السادسة من عمرها مخطوبة لغلام في الرابعة عشرة. وبقيت عشرة أعوام أخرى في فيرارا تتعلم كيف تخيط وتغني، وتكتب الشعر الإيطالي والنثر اللاتيني، وتعزف على البيان العود، وترقص بخفة ورشاق يخيل إلى من يراها أن لها جانحين لا تراهما العين. وكانت ذات وجه أبيض صاف وعينين سوداوين براقتين، أما شعرها فكان أشبه بشبكة من خيوط الذهب. ولما بلغت السادسة عشرة من عمرها غادرت مسارح طفولتها السعيدة، وأصبحت بحق مركيزة مانتوا فخورة بهذا المركز السامي.
أما جيان فرانتشيسكو فكان كالح الوجه أشعث الشعر، مولعاً بالصيد، متهوراً في الحرب والحب. وكان في سنيه الأولى يعنى بشئون الحكم، واستبقى منتينيا وغيره من العلماء في بلاطه وأخلص لهم. وقد حارب في فورنوفو Fornovo بشجاعة تعدو حدود الحكمة، ثم أرسل إلى شارل الثامن معظم المغانم التي استولى عليها في خيمة الملك بعد فراره؛ ولسنا نعلم أكان الباعث على هذا هو الشهامة والمروءة أم التبصر وحسن التدبر. وقد أطلق العنان لشهواته الجنسية كما هي عادة الجنود، وبدأت خيانته لزوجته أثناء الوضع الأول. وبعد سبع سنين من زواجه سمح لعشيقته تيودورا أن تظهر في حفل برجاس في بريشيا بثياب لا تكاد تفترق عن الثياب الملكية، وكان هو فيه من بين اللاعبين. وربما كانت إزبلا ملومة بعض اللوم من هذه الناحية: فقد اعتراها بعض السمن، وشرعت تقوم بزيارات طويلة إلى فيرارا، وأربينو، وميلان؛ ولكن أياً كان حظها من اللوم فإن المركيز لم يكن ممن يطيقون الاقتصار على زوجة واحدة. وصبرت إزبلا على مغامراته صبر الكرام، ولم يعرها الالتفات جهرة، وظلت زوجة وفية، تسدى إلى زوجها النصح السديد في السياسة، وتسعى لتحقيق مصالحه بفضل ما أوتيت من حذق دبلوماسي ومن فتنة. ولكنها كتبت إليه في عام 1506- وكان وقتئذ يتولى قيادة جنود البابا- كلمات قليلة أشعرته فيها بما تحسه من أذى، قالت: "لست في حاجة إلى من يجعلني أقسم بأنك يا صاحب العظمة قد قل حبك لي في الأيام الأخيرة. على أنه لما كان هذا من الموضوعات غير المحببة فإني لن... أقول أكثر من هذا"(7). وكان من بواعث اهتمامها بالفن، والأدب، والصداقة أنها تحاول بذلك نسيان الفراغ المرير الذي تعانيه في حياتها الزوجية.
وليس في كل ما تتكشف عنه النهضة من متع كثيرة ما هو أجمل من روابط الود والحنان التي كانت تربط إزبلا، وبيتريس، وإلزبتا جندساجا
زوجة أخي إزبلا؛ وقلما نجد في أدب النهضة ما هو أجمل من رسائل الحب المتبادلة بينهن. لقد كانت إلزبتا ضعيفة الجسم ميالة إلى الجلد، وكثيراً ما كان يعتريها المرض؛ أما إزبلا فكانت مرحة، حلوة الفكاهة، متوقدة الذكاء، أكثر اهتماماً بالأدب والفن من إلزبتا وبيتريس؛ ولكن حسن الذوق وكمال العقل جعلا هذا الاختلاف في الأخلاق يكمل بعضه بعضاً؛ وكانت إلزبتا تحب المجيء إلى مانتوا، كما كانت صحتها تشغل بال إزبلا أكثر مما تشغل بالها صحتها هي نفسها، وكانت تتخذ كل الوسائل التي تمكنها من شفاء علتها. ولكن إزبلا كانت تتصف بشيء من الأنانية التي لا نجدها قط في إلزبتا؛ فقد كانت تطاوعها نفسها بأن تطلب إلى سيزاري بروجيا أن يعطيها صورة كيوبد التي صورها ميكل أنجيلو، والتي اختلسها بروجيا بعد استيلائه على أربينو موطن إلزبتا. ولما سقط لدوفيكو المورو (المغربي) زوج أختها الذي حبها بكل ما يتطلبه النبل، والشهامة سافرت إلى ميلان، ورقصت في أقامها لويس الثاني عشر قاهراً لدوفيكو. على أن هذا العمل قد يكون هو الوسيلة النسوية التي لجأت إليها لتنجي بها مانتوا من الغضب الذي أثاره زوجها بصراحته غير الحكيمة في نفس لويس، ولقد كانت خطتها الدبلوماسية تقتضي منها الاشتراك في ما يقوم بين الدول من صلات الغرام في زمانها وزماننا نحن. أما فيما عدا هذا فكانت امرأة صالحة، وقلما كان في إيطاليا رجل لا يسره أن يخدمها، وكتب لها بمبو يقول أنه "يرغب في أن يخدمها ويسرها كما لو كانت هي البابا نفسه"(8).
وكانت تتكلم اللغة اللاتينية أحسن مما تتكلمها أية امرأة أخرى في أيامها، ولكنها لم تتقن قط هذه اللغة؛ لما أن شرع ألدس مانوتيوس Aldus Manutius يطبع الكتب الممتازة من الآداب القديمة؛ كانت هي من أشد عملائه تحمساً لاقتنائها- وقد استأجرت العلماء لترجمة أفلوطرخس،
وفيلوستراتس، كما استخدمت أحد علماء اليهود ليترجم لها مزامير من اللغة العبرية حتى تعرف على وجه التأكيد معناها الأصلي. وكانت إلى هذا تجمع الكتب المسيحية أيضاً، وتقرأ كتب آباء الكنيسة في شجاعة نادرة في تلك الأيام. والراجح أنها كانت تقتني الكتب اقتناء الجامعين الهواة أكثر من اقتناء القراء والعلماء؛ وكانت تجل أفلاطون، ولكنها كانت في الحقيقة تفضل قصص الغرام والفروسية التي كانت تلذ قراءتها لأريستو ومن على شاكلته في جيلها وتاسو Tasso وأمثالها في الجيل الذي يليه. وكانت تحب الزينة والحلي أكثر مما تحب الكتب والفن؛ وكانت نساء إيطاليا وفرنسا ينظرن إليها حتى في سنيها الأخيرة على أنها مرآة الطراز الحديث وملكة الذوق. وكان من أساليبها الدبلوماسية أن تؤثر في الشعراء؛ والكرادلة بشخصيتها الجذابة، وأناقة ملبسها، ورقي آدابها، وقوة عقلها مجتمعة. وكانوا يظنون أنهم يعجبون بواسع علمها أو حكمتها حين كانوا في الواقع الأمر يمتعون أنظارهم بجمالها أو حسن ثيابها، أو رشاقتها. وإنا ليصعب علينا أن نصفها بالتعمق في شيء اللهم إلا في قدرتها على الحكم. وكانت ككل معاصريها تقريباً تستمع إلى المنجمين، وتحدد بداية مشروعها بمواقع النجوم. وكانت تسلي نفسها بالأقزام، وتتخذهم جزءاً من بطانتها، وأمرت ببناء ست حجرات ومعبد في قصرها تناسب أحجامهم. وبلغ أحد هؤلاء الأقزام من قصرها (كما يقول أحد الفكهين) حداً لو أن الدنيا زاد مطرها بوصة واحدة لمات غرقاً. وكانت أيضاً مولعة بالكلاب والقطط، تختارها بذوق المربي الهاوي، فإذا ماتت أقامت لدفنها جنازة رهيبة يشترك فيها الأحياء من الحيوانات المدللة، مع كبار رجال البلاط وكبيرات سيداته.
وكان كاستلو (القصر)- أو الرجيو أو قصر الدوق Palazzo Ducale الخاضعة لحكمها خليطاً من المباني أقيمت في أوقات مختلفة وعلى طراز متباينة. ولكنها كلها على نمط الحصن الخارجي والقصر الداخلي الذين قامت عليهما
المباني المشابهة له في فيرارا، وبافيا، وميلان، ويرجع تاريخ بعض أجزائه مثل قصر الرئيس Palazzo del Capitano إلى عهد الحكام من آل بوناكلزي Buonacolsi من رجال القرن الثالث عشر؛ أما الكاستلو سان جيورجيو (قصر القديس جرجس) فكان من منشآت القرن الرابع عشر. وكان الجزء المعروف ببهو الخطيبين من عمل لدوفيكو جندساجا ومنتينيا في القرن الخامس عشر؛ وأعيد بناء كثير من الحجرات في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وأعيدت زخرفة بعضها مثل بهو المرايا Sala degli Specchi خلال حكم نابليون، واختير لها كلها أظرف الأثاث، وكانت المجموعات الكبيرة من الحجرات السكن، وأبهاء الاستقبال، ومكاتب الإدارة، تطل على أقنية أو حدائق، أو نهر المنتشيو المتعرج الذي أشاد به فرجيل في شعره، أو البحيرات التي تحف بمدينة مانتوا. وكانت إزبلا تشغل في هذه المتاهة أجنحة تختلف باختلاف الأوقات، فكانت في سنيها الأخيرة تفضل شقة صغيرة مكونة من أربع حجرات (camerini) تعرف باسم المرسم il Studiolo أو الفردوس li Paradiso؛ وقد جمعت في هذه الشقة وفي حجرة أخرى معها تسمى الكهف il Grotto كتبها وتخفها الفنية، وآلاتها الموسيقية- وكانت هذه نفسها تخفاً فنية جميلة.
وكان أعظم ما تهتم به في حياتها بعد عنايتها بالمحافظة على استقلال مانتوا ورخائها، وبعد روابط الصداقة في بعض الأحيان، هو جمع المخطوطات، والتماثيل؛ والصور الملونة والخزف الفني الرفيع، وقطع الرخام القديم، ومنتجات الصياغ الفنية الدقيقة، وكانت تستعين بأصدقائها؛ وتستخدم عمالاً خصوصيين في مختلف المدن من ميلان إلى رودس ليساوموا ويبتاعوا لها، وأن ينتهوا إلى كل ما يمكن العثور عليه من هذه اللقي والكنوز؛ وكان الذي يضطرها إلى المساومة هو أن خزانة دولتها الصغيرة تضيق عن تحقيق جميع آمالها. وكانت مجموعتها صغيرة، ولكن كل قطعة منها كانت
من أجمل ما يوجد من نوعها، فقد كان لديها تماثيل من صنع ميكل أنجيلو، وصورة من صنع منتينيا، وبروجينو، وفرانتشيا Francia. على أنها لم تقنع بهذه فألحت على ليوناردو دافنتشي، وجيوفني بيلي أن يرسما لها بعض الصور، ولكنهما امتنعا عن الحضور بحجة أنها تعطي من الثناء أكثر مما تعطي من المال؛ وما من شك في أنه في أنه كان من أسباب هذا الامتناع إصرارها هي على أن تحدد بالدقة ما يجب أن تمثله كل صورة وما يجب أن تحتويه. وكانت في بعض الأحيان تستدين الأموال الطائلة لترضي رغبتها القوية بالحصول على إحدى الآيات الفنية كما فعلت حين أدت 115 دوقة (1875 دولاراً) إلى جان فان أيك Jan Van Eyck ثمناً لصورة عبور البحر الأحمر. على أنها لم تكن سخية على منتينيا، وإن كانت قد أقنعت زوجها بعد وفاة هذا العبقري الجبار أن يغري لورندسو كستا Lorenzo Costo بالمجيء إلى مانتوا نظير مرتب كبير. وزين كستا الملجأ المحبب لجيان فرانتشيسكو جندساجا، وقصر سان سبستيان، ورسم عدة صور للأسرة، كما رسم صورة متوسطة القدر للعذراء لتوضع في كنيسة سانت أندريا.
واستدعى جيوليو ببي Giulio Pippi في عام 1524 ورمانو Romano أعظم تلاميذ روفائيل، فأقام في مانتوا، وأدهش أفراد الحاشية بحذقه في العمارة والتصوير. وأعيد نقش قصر الدوق كله تقريباً حسب التصميمات التي وضعها له، وقام بهذا النقش هو تلاميذه- فرانتشيسكو بريماتشيو Franccsco Primaticcio، ونقولو دل أباتي Niccolo dell' Abbate، ميكل أنجيلو أنسيلمي Mickel Angelo Anselmi، وكان فيدريجو ابن إزبلا الحاكم في ذلك الوقت؛ وإذ كان هو قد اكتسب وهو في رومة، كما اكتسب رومانو؛ القدرة على التذوق الموضوعات الوثنية واستخدام الأجسام العارية في الزينة. فقد أمر بأن تصور على جدران عدة حجرات في قصره وعلى سقفها صوراً جذابة لأورورا Aurora، وأبلو، ومحاكمة باريس،
واختطاف هلن Helen، وما إليها من أساطير قديمة. وشرع جويليون في عام 1525 ينشئ في أرباض المدينة أشهر أعماله كلها هو قصر التي Palazzo del Te
وكانت السنون الأخيرة من حياة إزبلا فترة امتزج في كأسها الحلو بالمر،
فقد كانت تساعد زوجها العليل على حكم مانتوا، وأنجتها براعتها الدبلوماسية من أن تقع غنيمة في يد سيزاري بورجيا، ثم في يد لويس الثاني عشر؛ ومن بعدهما في يد فرانسس الأول، وأخيراً في يد شارل الخامس. فقد استطاعت أن تلاطفهم واحداً بعد واحد، وأن تتملقهم وتسحرهم بمفاتنها،في الوقت الذي كان فيه جيان فرانتشيسكو أو فيوريجو على حافة الهاوية السياسية. وخلف فدريجو أباه في عام 1519، وكان قائداً محنكاً وحاكماً قديراً، ولكنه أجاز لعشيقته أن تحل محل أمه في السيطرة على بلاط مانتوا، ولعل إزبلا قد أرادت أن تبتعد عن هذه المهانة، فسافرت إلى روما (1525) لتطلب القبة الحمراء
وذهبت إلى مؤتمر بولونيا وكانت لا تزال فاتنة جذابة في سن الخامسة والخمسين، وخلبت عقل الإمبراطور والبابا، وساعدت أعيان أربينو وفيرارا على أن ينجوا إمارتيهم من الاندماج في الولايات البابوية، وأقنعت شارل الخامس أن يرقي فيدريجو إلى مرتبة الادواق. وأقبل تيشييان في ذلك العام نفسه على مانتوا، ورسم لها صورة ذائعة الصيت. ولسنا نعرف على وجه التحقيق مصير هذه الصورة، ولكن النسخة التي نقلها عنها روبنز Rubens تظهرها في شكل امرأة لا تزال في عنفوان الحياة، مولعة بها. ولما زارها بمبو بعد ثمان سنين من ذلك الوقت أذهله نشاطها ومرحها، ويقظة ذهنها، وكثرة ما تعنى به من الشئون، ووصفها بأنها "أكثر النساء حكمة وأحسنهن حظاً"(9)، ولكن حكمتها كانت أقل من أن تقنعها بقبول
الشيخوخة راضية مبتهجة. ووافتها المنية في عام 1539 في سن الرابعة والستين، ودفنت مع حكام مانتوا السابقين في معبد مجلس السيادة Capella dei Signor بكنيسة سان فرانتشيسكو، وأمر أبنها بأن يقام لها قبر جميل تخليداً لذكراها ولحقها إلى الدار الآخر بعد عام واحد. ولما أن نهب الفرنسيون مانتوا في عام 1797 هدمت قبور أمرائها وأميراتها، واختلطت رفات من فيها بثرى الحطام.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق