الباب الرابع
العصر الذهبي
1464-1492
الفصل الأول
بيرو »إلجتوسو«
ورث بيرو بن كوزيمو وهو في سن الخمسين ثروة أبيه، وسلطانه، وداء مفاصله. وقد حل به هذا المرض مرض ذوي اليسار منذ أيام صباه، ولهذا كان معاصروه يميزونه من غيره ممن يشبهونه في اسمه بأن يلقبوه إلجيتوسو It Gottoso. وكان رجلاً على درجة لا بأس بها من الكفاية، رضى الأخلاق، أحسن القيام بعدة مهام دبلوماسية عهد بها إليه والده. وكان مكرماً لأصدقاءه، مناصراً للآداب، والدين، والفن، ولكنه كان يعوزه ذكاء كوزيمو، وظرفه، وبشاشته، وكياسته. وكان كوزيمو قد ضمن لنفسه العون السياسي بأن أقرض ذوي النفوذ من مواطنيه مبالغ طائلة، ولكن بيرو لم يكد يخلف أباه حتى طالب فجأة بهذه القروض، فما كان من بعض المدنيين الذين كانوا يخشون الإفلاس إلا أن نادوا بالثورة »باسم الحرية التي اتخذوها شعاراً لها« كما يقول مكيفلي Machiavelli »وستاراً يخفون بها غرضهم«(1).واستطاعوا أن يسيطروا على الحكومة وقتاً ما، ولكن حزب آل ميديتشي أستردها منهم، وظل بيرو يحكم المدينة حكماً مضطرباً حتى توفي في عام 1469.
وخلف بيرو ولدين لورندسو وكانت سنه عشرين عاماً وجوليانو Giuliano وكان في السادية عشر من عمره. ولم تكن فلورنس تصدق بأن هذين الغلامين يصلحان لإدارة أعمال أسرتهما دع عنك شئون الدولة عامة، وأخذ بعض الأهلين يطالبون بإعادة الحكم الجمهوري في حقيقته وفي مظهره، وكان كثيرون يخشون أن تضرب الفوضى أطنابها في المدينة وتتقد فيها نار الحرب الداخلية، ولكن لورندسو أدهشهم بأن أزال هذا الخداع فجأة عن عيونهم.
الفصل الثاني
تنشئة لورندسو
لم يكن ضعف صحة بيرو خافياً على كوزيمو، ولهذا بذل كل ما في وسعه ليعد لورندسو للإطلاع بواجبات الحكم. وكان الغلام قد درس اللغة اليونانية على جوانس أرجير و بولس Joannes Argyropoulos، والفلسفة على فتشينو، وتعلم وتربى عن غير قصد بالاستماع إلى حديث الحكام، والشعراء، والفنانين، والكتاب الإنسانيين. وتعلم كذلك فنون الحرب، ونال وهو في التاسعة عشرة من عمره الجائزة الأولى في مباراة للفروسية قامت بين أبناء الأسر الكبيرة في فلورنس »بفضل شجاعته لا محاباة« لأسرته(2). وكان منقوشاً على درعه من تلك المباراة شعار فرنسي معناه »سيعود الزمان« Le temps revient، وهو شعار يصح أن يكون شعار النهضة. وكان قد عمد في هذه الأثناء إلى كتابة المقطوعات الغنائية بإسلوب دانتي وبترارك، وإذا كان لا بد له أن يتبع التقاليد السائدة في ايامه فيكتب في الحب، فقد أخذ يبحث في الأسر الشريفة عن سيدة يتصبب فيها بشعره، حتى وقع اختياره على لكريدسيا دوناتي Lucrezia Donati وأخذ يتغنى بجميع فضائلها ما عدا عفتها التي كانت موضع اسفه، فقد يبدو أنها لم تسمح له بأكثر من عواطف قلمه. ورأى بيرو أن الزواج هو العلاج الشافي من داء العشق، فأقنع الشاب بأن يتزوج كلارتشي أرسيني Clarice Orsini (1469)، وبهذا استطاع ان يعقد حلفاً بين آل ميديتشي وبين واحدة من اقوى أسرتين من روما. وأقام آل ميديشتي بهذه المناسبة ولاءً لأهل المدينة كلهم دامت ثلاثة أيام متوالية، وأستهلك فيها خمسة آلاف رطل من الحلوى.
وكان كوزيمو قد درب الصبي على ممارسة الشئون العامة بعض التدريب، فلما تولى بيرو الأمر وسع دائرة تبعاته المالية والحكومية، ولما توفى بيرو، الفى لورندسو نفسه أغنى رجل في فلورنس، بل ربما كان اغنى رجل في إيطاليا كلها. ولقد كان تصريف شئون ماله وأعماله عبئاً ينوء به كاهله الغض ويتيح الفرصة لأن تعود الجمهورية فتفرض عليه سلطانها، ولكن عملاء آل ميديتشي، ومدينتهم، واصدقائهم، ومن ولوهم هم مناصبهم قد بلغوا وقتئذ درجة عظيمة من الكثرة ومن الحرص على أن يدوم سلطان الأسرة. فلم يمض على وفاة بيرو غير يومين حتى مثل بين يدي لورندسو في بيته وفد من ذوي المكانة في المدينة، وطلبوا اليه أن يتولى ريادة سفينة الدولة. ولم يجد الوفد صعوبة في إقناعه بالنزول على مطلبه، ذلك أن مصالح أسرة ميديتشي المالية متصلة بشئون المدينة اتصالاً يخشى معه ان تنهار إذا استطاع اعداء هذه الأسرة أو منافسوها أن يستحوذوا على السلطة السياسية. وأراد أن يكّم أفواه من يوجهون النقد لصغر سنه، فعين مجلساً من المواطنين المجربين يستشيروا في جميع الأمور ذات البال، وظل طول حياته يستشير هذا المجلس، ولكنه سرعان ما أظهر من الحصافة وأصالة الرأي ما جعل المجلس يسلم بزعامته فلا يعارض آرائه إلا في القليل النادر. وقد عرض على أخيه الأصغر قسطاًُ كبيراً من السلطة، ولكن جوليانوا كان يؤثر عليها الموسيقى، والشعر، والمثاقفة، والعشق، وكان شديد الإعجاب بلورندسو وسره أن يتخلى له عن مشاغل الحكم وما يضفيه عل صاحبه من الشرف.ونهج لورندسو في الحكم منهج كوزيمو وبيرو من قبله، فظل (حتى عام1490) مواطناً عادياً، ولكنه كان يشير بالخطط السياسية على الباليا Balia التي كان لأنصار أسرته فيها أغلبية مضمونة موثوثق بها. وكان لمجلس الباليا بنص للدستور سلطة مطلقة وإن كانت مؤقتة، وقد أصبح في عهد الميديتشيين مجلساً دائماً من سبعين عضواً.
وارتضى أهل المدينة حكمهم لأن الرخاء ظل كما كان، ولما زار جاليتسو ماريا اسفوردسا Galeazzo Maria Sdorza دوق ميلان مدينة فلورنس في عام 1471 ذهل حين شهد ما تتمتع به المدينة من ثراء، وذهل أكثر من هذا مما جمعه كوزيمو، وبيرو ولورندسو من روائع الفن في قصر آل ميديتشي وحدائقهم. فقد كانت المدينة حتى في ذلك الوقت متحفاً حقاً من التماثيل، والمزهريات، والجواهر، والصور، والمخطوطات المزدانة بالنقوش، والآثار المعمارية. وأكد جليتسو أنه شاهد في هذه المجموعة وحدها من الصور الجميلة أكثر مما شاهده منها في سائر إيطاليا، ذلك أن فلورنس قد سبقت غيرها بمراحل طويلة في هذا الفن الذي يمتاز به عصر النهضة. وزاد آل مديتيشي ثراء على ثرائهم حين رأس لورندسو (1471) وفداً من أهل فلورنس قدم إلى روما ليهنئ سكتس Sixtus الرابع بارتقائه عرش البابوية، ورد سكتس على هذه التهنئة بأن جدد تعيين ممثل بيت ميديتشي مديراً للأموال البابوية، وكان بيرو قد حصل قبل خمس سنين من ذلك الوقت على حق استغلال المناجم البابوية القريبة من سفيتا فيتيشيا وكانت تخرج حجر الشب الثمين المستعمل في صباغة الأقمشة وصقلها، وكان استغلال هذه المناجم يدر عليه أموالاً طائلة.
وواجه لورندسو بعد قليل من عودته من روما أولى أزماته الكبرى التي لم يفلح كل الفلاح في معالجتها. وتفصيل ذلك أن منجماً من مناجم الشب في ناحية فلتيرا Volterr- وهي جزء من أملاك فلورنس- قد أجر إلى بعض المتعهدين أكبر الظن أنهم كانوا ذوي صلة بآل ميديتشي. فلما تبين لأهل فلتيرا أن المنجم يدر ربحاً موفوراً طالبوا بأن يكون للبلدية قسط من هذا الربح. فأحتج المتعهدون على هذا الطلب، ورفعوا امرهم إلى مجلس فلورنس الأعلى. وزاد المجلس المشكلة تعقيداً حين أمر بأن يذهب الربح بأجمعه إلى بيت مال دولة فلورنس كلها. واعترضت فلتيرا على هذا الأمر،
النهضة الفلورنسية -> العصر الذهبي -> تنشئة لورندسو
وأعلنت استقلالها، وقتلت عدداً من الأهلين الذين عارضوا في انفصالها عن فلورنس.وأشار توماسو سودير يني Tommaso Soderini بتسوية الخلاف بالتوفيق بين الطرفين، ولكن لورندسو رفض ما عرض عليه من وسائل التوفيق، وكانت حجته أن ذلك يشجع الفتن وحركات الانفصال في أنحاء أخرى من الدولة، وأخذ بهذا الرأي، وأخمدت الفتنة بالقوة القاهرة، وأفلت زمام جنود فلورنس المرتزقين، ونهبوا المدينة الثائرة فلم يسمع لورندسو إلا أن يعجل بالذهاب إلا فلتيرا، ويبذل جهده لإعادة النظام وإصلاح ما فسد من الأمور، ولكن ذلك العمل بقي وصمة في سجل حكمه.
ولم يتردد الفلورنسيون في أن يغفروا له قسوته على فلتيرا، وامتدحوا نشاطه حين أنقذ المدينة من المجاعة في عام 1472 باستيراد مقادير موفورة من الحبوب. وسرهم فوق ذلك حين عقد حلفاً ثلاثياً مع البندقية وميلان لكي يحتفظ بالسلم في شمالي إيطاليا غير أن البابا سكتس لم يرض كل الرضى عن هذا العمل، ذلك أن البابوية لا يمكن أن تعيش مطمئنة على سلطتها الزمنية الضعيفة إذا كانت على أحد جانبي الولايات البابوية دولة قوية موحدة في شمالي إيطاليا، ومملكة نابلي القوية تحف بها من الجانب الآخر. ولما عرف سكتس أن فلورنس تحاول ابتياع مدينة إيمولا واقليمها (وهي الواقعة بين بولونيا ورافنا) ارتاب في أن لورندسو يعمل لبسط أملاك فلورنس حتى تصل إلى البحر الأدرياوي. فما كان من سكتس نفسه إلا أن عجل بشراء إيمولا Imola ليجعل منها الحلقة التي لا غنى عنها في سلسلة المدن الخاضعة لسلطان البابوات من الناحية القانونية، وإن كانت قلما خضعت لهم فعلاً. وقد استعان في هذا العمل بخدمات شركة باتسي Pazzi المصرفية وبأموالها، وكانت هذه الشركة وقتئذ أقوى منافس لآل ميديتشي. ثم نقل من فلورنس إلى باتسي الامتيازات التي تدر الربح الموفور والخاصة
بتصريف شئون المالية البابوية، ولم يكتف بذلك بل عين رجلين من أعداء الميديتشين-جيرولامو رياريو Girolamo Riario حاكماً لإيمولا وفرانتشسكو سلفياني Francesco dalviati كبيراً لأساقفة بيزا، وكانت وقتئذ من أملاك فلورنس. ورد لورندسو على ذلك في ساعة غضبه بعمل عاجل طائش لم يكن كوزيمو ليرضي به: ذلك أنه أتخذ الوسائل المؤدية إلى انهيار شركة باتسي، وأمر بيزا أن تمنع سلفياني من الجلوس على كرسي الأسقفية. واستشاط البابا غضباً من هذا العمل، ووافق على مؤامرة دبرها آل باتسي، ورياريو، وسلفياني يبغون بها إسقاط لورندسو، وقد أبى أن يوافق على اغتيال عدوه الشاب، ولكن المتآمرين لم يجدوا في هذا التأنق عقبة تحول بينهم وبين غرضهم، فدبروا أمر قتل لورندسو وجوليانوا أثناء القداس الذي سيقام في الكنيسة الكبرى في يوم عيد الفصح (26 أبريل من اعم 1478)، في اللحظة التي يرفع فيها القس القربان المقدس غير مبالين بمخالفة ذلك العمل للأصول الدينية المرعية. وأتفق على أن يستولي سلفياتي وجماعة آخرون على البلاتسو فيتشيو ويطردوا مجلس فلورنس الأعلى.
وجاء لورندسو إلى الكنيسة في اليوم المحدد لا يحمل سلاحاً وليس معه حرس جرياً على سنته، وتأخر جوليانو عن الموعد المضروب، فذهب إليه فرانتشسكو ده باتسي وبرناردو بنديني، وكانا قد تعهدا باغتياله، وأخذا يمزحان معه، واقنعاه بالذهاب إلى الكنيسة، وفيها وبيننا كان القس يرفع يده بالقربان المقدس طعنه بنديني جوليانو في صدره، فسقط على الأرض مدرجاً بدمه، وانقض عليه فرانتشسكو واخذ يكيل له الطعنات بعنف أدى إلى جرح ساقه هو. وهاجم أنطونيو دا فلتيرا Antonio da Volterra وقسيس يدعى استفانوا لورندسو بخنجريهما، فاتقى الضربات بذراعيه، ولم يصب إلا جرح خفيف، ثم أحاط به أصدقاؤه وساروا به إلى إحدى غرف المقدسات في الكنيسة، وفر المعتديان من الجمهور الغاضب، وحمل جوليانو بعد موته إلى قصر آل ميديتشي.
وبينما كانت هذه الأحداث تقع في الكنيسة زحف سلفياتي كبير الأساقفة، وياقوبو دة باتسي ومائة من أتباعهما المسلحين نحو البلاتسا (قصر) فيتشيو، وحاولوا أن يثيروا الشعب ويضموه لهم بصياحهم الشعب! الحرية! ولكن الشعب التف حول آل ميديتشي في هذه الأزمة ورد عليهم بندائه لنحي السكرات!- وهي شارة آل ميديتشي، ولما دخل سلفياتي القصر طعنه سيزاري بتروتشي حامل الشعار، وشُنق ياقوبو دة بجيو Jacopo di Poggio ابن الكاتب الإنساني المعروف في إحدى نوافذ القصر، وقبض كبار الحكام في عزم وشجاعة على عدد آخر من المتآمرين الذين ارتقوا الدرج، وألقوا بهم من النوافذ، فمنهم من مات شدة الاصطدام بالأرض ومنهم من أجهز عليه الشعب رجماً بالحجارة. ولما ظهر أمامهم لورندسو ومن حوله عدد كبير من الحراس عبر الشعب عن فرحته بنجاته بغضبه العنيف على كل من ارتاب في أنه كانت له يد في هذه المؤامرة، واختطف فرنتشسكو دة باتسي من فراشه، وكان قد خارت قواه من كثرة ما نزف من دمه، وشنق إلى جانب كبير الأساقفة, الذي أخذ يعض كتف فرانتشسكو وهو يعالج سكرات الموت. . وجرت جثة ياقوبو دة باتسي كبير الأسرة المبجل عارية في شوارع المدينة وألقيت في نهر الآرنو Arno. وبذل لورندسو كل ما يستطيع ان يبذله لتخفيف حنق العامة وتعطشهم للدماء، وأنقذ حياة عدد من الذين اتهموا ظلماً بالاشتراك في المؤامرة، ولكن الغرائز الكامنة حتى في المتحضرين لا تستطيع ان تترك هذه الفرصة السانحة لها لتعبر عن نفسها وهي آمنة وخافية عن الأعين في زحمة الجماهير.
وهال سكستس الرابع أن يشنق كبير الأساقفة على هذا النحو، فاصدر قراراً بحرمان لورندسو، وحامل الشعار، وكبار الحكام في فلورنس، ووقف جميع الخدمات الدينية في كافة أملاك المدينة، واحتج عدد من رجال الدين على قرار الحرمان، وأصدر وثيقة ينددون فيها البابا وملأوها بأشنع
ألفاظ السباب(3)،وبعث فرانتي Ferrante أي فرديناند الأول ملك نابلي بناء على طلب البابا وفداً إلى فلورنس يدعو مجلسها الأعلى وأهلها إلى أن يسلموا لورندسو إلى البابا أو ينفوه من المدينة على الأقل. ونصح لورندسو المجلس بإجابة طلب فرديناند، ولكن المجلس رد عليه بأن فلورنس مستعدة لان تتحمل أية محنة تنزل بها وألا تغدر بزعيمها فتسلمه إلى الأعداء. فما كان من سكتس وفرانتي إلا أن أعلنا الحرب على فلورنس (1479). وهزم ألفنسو ابن الملك جيش فلورنس بالقرب من بجيوبنسي Poggiobonsi وأخذ يعيث في الريف فساداً. gthslashألفاظألفاظ ألفا
وما لبث أهل فلورنس أن أخذوا يتذمرون من فدح الضرائب التي فرضت عليهم لأداء نفقات الحرب، وأدرك لورندسو أنه ما من جماعة تطول تضحيتها بنفسها من أجل فرد واحد. فأستقر رأيه في هذه الأزمة الخطيرة من تاريخ حياته على قرار لا يستقر عليه سواه ولم يسبق أن أتخذ مثله من قبل. ذلك أنه ركب البحر من بيزا إلى نابلي، وطلب أن يؤخذ إلى الملك. وأعجب فرانتي بشجاعته، فقد كان الرجلان يحتربان ولم يحصل لورندسو على تصريح بضمان حياته في سيره، لم يكن معه سلاح ولاحرس. وأكثر من هذا أن فرانتشسكو بسينيو الزعيم الحربي المغامر الذي دعا إلى نابلي لينزل ضيفاً على مليكها قد اغتيل غدراً وخيانة من وقت قريب بأمر من الملك نفسه. واعترف لورندسو بصراحة بالصعاب التي كانت فلورنس تواجهها، ولكنه أوضح شدة الخطر الذي يحيق بنابلي إذ قوى سلطان البابوية بتمزيق أملاك فلورنس، لأن البابوية إذا تم لها هذا استطاعت أن تصر على طلبها القديم وهو أن تكون نابلي إقطاعية بابوية تعطي الجزية عن يد وهي صاغرة. يضاف إلى هذا أن الأتراك كانوا يزحفون على الغرب براً وبحراً، وأنهم قد يغزون إيطاليا في أي وقت من الأوقات، ويهاجمون أملاك فرانتي الواقعة على البحر الأدرياوي، وليس
من مصلحة إيطاليا في تلك الأزمة أن تنقسم على نفسها وأن تمزقها الأحقاد والحروب الداخلي. ولم يرتبط فرانتي مع لورندسو بشيء، ولكنه مر بأن يحجز لورندسو كما يحجز الأسير والضيف الكريم.
وزادت الانتصارات المستمرة التي نالها ألفنسو على جيوش فلورنس وإلحاح سكتس المستمر بأن يرسل لورندسو إلى روما أسيراً بابويا، زادت هذه وتلك مهمة لورندسو صعوبة على صعوبتها. وبقي أمر زعيم فلورنس ثلاثة أشهر طوال معلقاً لا يبت فيه، وكان يدرك أن إخفاقه في مهمته سيؤدي في أكبر الظن إلى قتله وإلى القضاء على استقلال فلرونس. وكان في هذه الأثناء قد كسب صداقة الكثيرين بكرمه وسخائه، ودماثة أخلاقه، وبشاشته، وكان ممن كسب صداقتهم الكونت كارفا Count caraffa وزير الدولة، فأخذ هذا يدافع عن قضيته. وقدر فرانتي أعظم التقدير ثقافة أسيره، ونبل خصاله، فها هو ذا كما يلوح رجل مهذب كريم، فإذا عقد الصلح مع رجل على شاكلته فإن ذلك سيضمن لنابلي صداقة فلورنس طوال حياة لورندسو على أقل تقدير. ولهذا وقع معه معاهدة، وأهداه جواداً كريماً، وسمح له بأن يركب البحر من نابلي. ولما علمت فلورنس أن لورندسو جاء بالصلح رحبت به ترحيباً فخماً اعترافاً منها بجميله. واستشاط سكتس غضباً، وأراد أن يواصل الحرب بمفرده، ولكن محمدا الثاني فاتح القسطنطينية أنزل جيشاً له في أترانتو Otranto (1480)، وهدد باجتياح إيطاليا، والاستيلاء على حصن المسيحية اللاتينية نفسه. فما كان من سكتس إلا أن دعا أهل فلورنس للمفاوضة في شروط الصلح. وقدمت وفودهم إلى البابا ما يجب له من فروض الطاعة، وأخذ هو يؤنبهم أشد التأنيب، ثم عفا عنهم. وأقنعهم بأن يجهزوا خمس عشرة سفينة لمحاربة الأتراك، وعقد الصلح معهم، واصبح لورندسو من ذلك الحين سيد تسكانيا لا ينازعه في ذلك منازع.
الفصل الثالث
لورندسو الأفخم
وشرع الآن يحكم حكماً رحيماً أكثر مما كان يحكم في أيام شبابه، وكان وقتئذ قد بدأ العقد الرابع من عمره، ولكن الناس كانوا سريعي النضوج في أيام النهضة ذات الأحداث التي تعجل النضوج، ولم يكن لورندسو وسيما، فقد كان أنفه الكبير الأفطس يشرف على شفته العليا، ثم يعود فيتجه نحو الخارج اتجاهاً عجيباً. وكان أدكن اللون، وكانت جبهته الصارمة وفكه الثقيل ينمان عن غير ما يبدو من دماثة أخلاقه، ورقة أدبه ومجاملته، وحلو فكاهته، وعقله المرهف الشاعري. وكان طويل القامة، عريض المنكبين، قوي البنية، أشبه برجال الرياضة منه برجال السياسة والحكم، والحق أنه قلما كان يفوقه أحد في ألعاب القوة. وكان في سيره وجلوسه مهيباً إلى الحد الذي لا غنى له عنه في منصبه السامي، أما في حياته الخاصة فإنه سرعان ما يجعل أصدقاءه ينسون سلطانه وثراءه. وكان كابنه ليو العاشر يستمتع بأعظم الفنون دقة، وأكثر المهرجين سذاجة، وكان فكها مع يلتشي Pulci، شاعراً مع بولتيان Politian عالماً مع لندينو Landino فيلسوفاً مع فيتشينو Ficino، يتذوق جمال الفن مع بتيتشلي Botticelli، موسيقياً مع اسكوار تشيالوبي Squarchialupi، مرحاً مع اشد الناس مرحاً في أيام الأعياد. كتب مرة إلى فيتشينو يقول: (إذا ما اضطرب عقلي بكثرة الأعمال العامة وصخبها، واستكت مسامعي بصراخ المواطنين المشاكسين، فكيف أطيق ذلك الخصام والنزاع إذا لم أجد الراحة في العلم"؟- ويقصد بالعلم طلب المعرفة على اختلاف أنواعها(4).
بيد أن اخلاقه لم تكن مضرب المثل في الكمال كما كان عقله، ذلك أنه
كان، مثله مثل الكثيرين من معاصريه، لا يدع عقيدته الدينية تحول بينه وبين الاستمتاع بالحياة. فكان يكتب ترانيم دينية بإخلاص ظاهر، ولكنه كان ينتقل منها دون تأنيب من ضمير إلى القصائد التي تتغنى بالحب الشهواني. ويبدو أنه لم يعرف الندم قط إلا على ما فاته من الملاذ، ولما أن قبل مكرها ولأسباب سياسية زوجة كان يجلها أكثر مما يحبها، أخذ يستمتع بالزنا كعادة أهل زمانه، ولكنه لم يكن له أبناء غير شرعيين، وكانوا يرون في ذلك ميزة له على غيره من أمثاله. ولا يزال الجدال حامياً حول خلقه التجاري. لكن أحداً لم يشك قط في سخائه، والحق أنه كان متلافا للمال مثل كوزيمو، لا يستريح له بال حتى يجزي على كل عطية بعطية أكبر منها، وقد أمد بالمال أكثر من عشر منشآت دينية، وأعان عدداً لا يحصى من الفنانين، والعلماء، والشعراء، وأقرض الدولة أموالا طائلة. وكان من نتيجة ذلك أنه وجد بعد مؤامرة باتسي أن ما أنفقه من الأموال على الشئون العامة والخاصة قد تركه غير قادر على أن يوفي بالتزاماته، فما كان من المجلس، الحريص على استرضائه، إلا أن يقرر الوفاء بديونه من مال الدولة (1480). وليس من الواضح كل الوضوح أكان هذا العمل جزاء عادلا على خدماته التي أداها لبلاده، وأمواله الخاصة التي أنفقها في الأغراض العامة(5)، أم كان اختلاساً سافراً للأموال العامة(6(. فإذا عرفنا أن هذا العمل لم يقلل من حب الشعب للورندسو مع أنه كان معروفاً له غير خاف عليه، فإن هذا في حد ذاته يوحي بأن التفسير الهين الرقيق أدنى التفسيرين إلى الصواب. ولقد كان جوده، وثراءه، وترفه في منزله كل ما كان يفكر فيه الناس حين لقبوه بالأفخم II magnifico.
وكان من أثر نشاطه الثقافي المتعدد النواحي أن اضطره إلى إهمال مؤسساته المالية المترامية الأطراف بعض الإهمال. وقد استغل عماله انشغاله بهذه الشئون فاندفعوا في الإسراف والتدليس. ولكنه أنقذ ثروة أسرته بأن
سحبها شيئاً فشيئاً من الأعمال التجارية واستثمرها في الملاك العقارية بالمدينة، وفي الزراعة الواسعة النطاق، وكان يجد لذة كبرى في الإشراف بنفسه على مزارعه وبساتينه، ولم يكن علمه بالمخصبات يقل عن علمه بالفلسفة. حتى اضحت أرضه القريبة من قصره الريفي في كاريجي Careggi وبجيو أكايانو Poggio a Caiano مضرب المثل في الاقتصاد الزراعي. وانتعشت حياة فلورنس الاقتصادية تحت حكمه(7)، فنقصت فوائد الديون فيها إلى خمسة في المائة، وسرعان ما ازدهرت المشروعات التجارية التي كانت تجد المال موفوراً، دام هذا الازدهار حتى صارت إنجلترا منافسا لها يخشى بأسه في صادراتها من المنسوجات. وكانت سياسة السلم التي انتهجها في حكمه وسياسة توازن القوى التي استمسك بها في إيطاليا في العشر السنين الثانية من هذا الحكم أقوى أثراً من العوامل السابقة نفسها. ذلك أن فلورنس اشتركت مع غيرها من الدول الإيطالية في طرد الأتراك من إيطاليا، فلما ترك لها ذلك اقنع لورندسو فرنتي ملك نابلي، وجاليتسو اسفوردسا Gaoleazzo Sforza صاحب ميلان أن يعقدا مع فلورنس حالفاً للدفاع المتبادل، ولما أن انضم البابا إنوسنت الثامن إلى هذا الحلف، بادرت الكثير من الدول الصغرى إلى الانضمام أيضاً إليه. وتنحن عنه مدينة البندقية، ولكن خوفها من الحلفاء أرغمها على أن تسلك بإزائه مسلكاً طيباً، ودامت السلم في إيطاليا بفضل هذه الوسيلة حتى توفي لورندسو إذا استثنينا فترات قصيرة قليلة.. وقد بذل في هذه الأثناء كل ما كلن لديه من كياسة وماله من نفوذ لحماية الدول الضعيفة من القوية، ولتسوية المصالح المتضاربة والمنازعات، والتوفيق بينها، والقضاء على كل سبب من أسباب الحرب قبل استفحاله(8). وبلغت فلورنس في هذه العشر السنين السعيدة (1480-1490) ذروة مجدها في الشئون السياسية والأعمال الفنية والأدبية.
وكان لورندسو من حيث الشئون الداخلية يحكم عن طريق مجلس السبعين Consiglio di Settante. وكان هذا المجلس يتألف بنص دستور سنة 1480 من ثلاثين عضواً يختارهم مجلس سيادة المدينة القائم في ذلك العام، ومن أربعين عضواً آخرين يختارهم هؤلاء الثلاثون.. وكانت عضويته تدوم مدى الحياة، وكان ما يحدث فيه من فراغ يملأ باختيار هؤلاء الأعضاء أنفسهم، وبفضل هذا النظام لم يكن مجلس السيادة وحامل العلم أكثر من عمال منفذين لسياسة مجلس السبعين، واستغنى بهذا عن البرلمان الشعبي وعن الانتخابات العامة. ولم تكن معارضة هذه السياسة بالأمر الهين، لأن لورندسو كان يستخدم الجواسيس للوقوف عليها، وكانت لديه الوسائل الكافية لمضايقة معارضيه من الناحية المالية. وبذلك اختفت الأحزاب القديمة إلى حين، وقضى على الجرائم، وساد النظام وإن ضعفت الحرية، وفي ذلك يقول أحد الكتاب المعاصرين: " ليس لدينا هنا تلصص، ولا اضطرابات ومشاغبات ليلية، ولا اغتيالات بل إن في مقدور كل إنسان أن يصرف شئونه ليلاً أو نهاراً وهو آمن كل الأمان"(9). ويقول جوتشيارديني Guiceiardini: " إذا كان لا بد لفلورنس أن يكون لها حاكم مستبد، فإنها لم يكن في مقدورها أن تجد مستبداً خيراً منه أو اكثر منه بهجة". وكان التجار يفضلون الرخاء الاقتصادي على الحرية السياسية، أما صعاليك المدينة فقد شغلوا على الدوام بالاشغال العامة الواسعة النطاق، وغفروا للورندسو سلطانه المطلق مادام يمدهم بالخبز والالعاب. وأما الاغنياء فكان يغريهم بالعاب الفروسية، ويثير مشاعر الطبقات الوسطى بسباق الخيل، والعامة بالحفلات والمواكب.
وكان من عادة أهل فلورنس في أيام المواكب التنكرية أن يطوفوا بشوارع المدينة في أقنعة زاهية مخيفة، ينشدون أغاني هجائية أو غرامية، وأن ينظموا مواكب نصر- مايسمونه الترينفي Trionfi - وهي استعراض
من جموح تسير في أزياء منقوشة أو تيجان من أزهار تمثل شخصيات أو أحداثاً أسطورية أو تاريخية. وكان لورندسو يحب هذه السنة ولكنه يخشى ما تنزع إليه من اضطراب، ولهذا اعتزم أن يخضعها لسيطرته، وذلك بأن يمنحها موافقة الحكومة وتنظيمها، وبهذا اضحت هذه المواكب في عهده أحب مظاهر الحياة إلى نفوس الفلورنسيين. وقد استخدم الفنانين لتصميم المركبات، والاعلام، والأزياء وتلوينها، ووضع هو وأصدقاؤه الأغاني التي يتغنى بها من فوق المركبات، وكانت هذه الاغاني تمثل ما في الأعياد التنكرية من تحلل في الأخلاق، وكان اشهر مواكب لورندسو هذه موكب " انتصار باخوس" وفيه كان يسير موكب من العربات يحمل فتيات حساناً وجماعة من الشبان ذوي الثياب الغالية الجميلة يمتطون جياداً وثابة مختالة، يجتازون جسر فيتشيو Ponte Vecchio حتى يصلوا إلى الميدان الفسيح القائم أمام الكنيسة الكبرى، وكانت أصوات متناسقة متعددة النغمات تملأ الجو مصاحبة لدق الصنوج، والعزف على العود، تغني قصيدة من نظم لورندسو نفسه لا تتفق بأي حال مع الموضع الذي تغنى فيه أمام الكنيسة.
| 1- ما أحلى الشباب وما أخلاه من الهموم ! |
| ولكنه يسرع بالفرار في كل ساعة. |
| أيها الفتيان والفتيات استمتعوا بهذا اليوم |
| لأنكم لا تعرفون شيئاً مما يأتي به الغد. |
| 2- هذا هو باخوس وهذه أدرياني المبتهجة |
| المحبان الصادقان ! |
| وهما، على الرغم من سرعة مر الزمان |
| يجد كلاهما في صاحبه متعاً جديدة على الدوام |
| 3- أولئك الحور العين وأتباعهن جميعاً |
| يستمتعن بأعياد متواصلة، |
| أيها الفتيان والفتيات استمتعوا بهذا اليوم |
| لأنكم لا تعرفون شيئاً مما ياتي به الغد. |
| 4- أيتها السيدات وأيها العشاق من الشبان ! |
| ليعش باخوس، ولتحي الشهوات |
| ارقصوا، والعبوا، وغنوا، |
| وليملأ الحب الحلو صدوركم ناراً. |
| 5- ومهما يكن ما يأتي به المستقبل |
| فاستمتعوا أيها الشبان وأيتها الفتيات بيومكم هذا |
| لأنكم لا تعرفون شيئاً مما يأتي به الغد(11). |
وتؤيد أمثال هذه القصائد والمواكب بعض التأييد ما اتهم به لورندسو من أنه أفسد شباب فلورنس، واكبر الظن أن هذا الشباب كان " يفسد" من تلقاء نفسه وإن لم يعمل هو على فساده؛ ذلك أن الآداب العامة في البندقية، وفرارا، وميلان لم تكن خيراً منها في فلورنس، بل إن هذه الآداب كانت في فلورنس على آل ميديتشي المصرفيين خيراً منها في روما أيام البابوات الميديتشيين.
لقد كانت حاسة الجمال المرهفة في فلورنس أقوى من أن تكبح جماحها آدابه العامة، وكان الشعر من أهم ما يصبو إليه وينفق فيه ساعات فراغه، وكانت قصائده تضارع خير ما قيل من الشعر في أيامه؛ وبينا كان بوليتان الذي يفوقه في هذه الميدان لا يزال يتردد بين اللغتين اللاتينية والإيطالية، كانت أشعار لورندسو قد أعادت إلى اللغة الإيطالية القومية الأسبقية الأدبية التي جاء بها دانتي ونبذها الكتاب الإنسانيون؛ وكان يفضل مقطوعات بترارك الغنائية على أشعار الحب التي جاءت في الآداب اللاتينية القديمة، وإن كان يسهل عليه أن يقرأ هذه الاشعار في لغتها الاصلية، وكم من أغنية
أنشأها كانت خليقة بأن تزدان بها أغاني بترارك نفسه. ولكنه لم يمن يأخذ الحب الشعري مأخذ الجلد فوق ما يجب أن يأخذه. وكان يكتب بإخلاص أكثر وأجمل على المناظر الريفية، التي يمرن فيها أطرافه ويستمتع فيها بهدوء عقله، وكانت خير قصائده هي التي يتغنى فيها بما في الريف من الغابات ومجاري المياه، والاشجار والأزهار، وقطعان الماشية والرعاة. وكان في بعض الأحيان يكتب قطعاً شعرية فكهة سمت بلغة الفلاحين الساذجة، فأوجدت فيها شعراً حياً بهيجاً؛ وكتب في بعض الأوقات هزليات هجائية متحررة من المبادئ الخلقية تحرر هزليات رابليه Rabelais، ثم كتب مسرحية دينية لأبنائه، وترانيم نجد في مواضع متفرقة منها نغمة من التقي الذي تسري فيه روح الإخلاص، غير أن أكثر ما يميزه من القصائد عن غيره من الشعراء هي أغاني التنكر التي كتبت ليتغنى بها في أوقات الأعياد وفي ساعات اللهو والانشراح، والتي تعبر عن مشروعية اللذة، وتسخر من احتشام العذارى. وليس ثمة ما نستبين منه أخلاق النهضة الإيطالية وآدابها، وتعقدها، واختلاف مناحيها، من صورة أعظم شخصياتها ومحور قطبها يحكم دولة، ويصرف شئون ثروة، ويثاقف في ألعاب الفروسية، ويكتب شعراً ممتازاً، ويشكل برعايته النقادة المميزة الفنانين والمؤلفين، ويختلط في غير تكلف أو تباعد بالعلماء والفلاسفة، والفلاحين، والمهرجين، ويمشي في المواكب ويترنم بالأغاني الفاجرة الخليعة، ويؤلف الأناشيد الرقيقة، ويداعب العشيقات، ويلد أحد البابوات، وتجلّه أوربا بأجمعها وتعده أعظم الإيطاليين في زمانه وأكثرهم نبلاً.
الفصل الرابع
الأدب (عصر بوليتيان)
وأفاد أدباء فلورنس من عونه ومثلهن فأخذوا يزيدون في كل يوم ما يكتبونه باللغة الإيطالية، وأخرجوا على مهل اللغة التسكانية الأدبية التي أضحت نموذجاً ومثلاً تحتذيه شبه الجزيرة كلها. ويصفها فاركي Varchi المتحمس لوطنيته: » بأنها ليست أحلى واغنى لغات إيطاليا وأكثرها ثقافة فحسب، بل إنها تفوق في هذا كله جميع اللغات المعروفة في هذه الأيم(12)«.
وبنما كان لورندسو يحي الأدب الإيطالي، كان في الوقت عينه يواصل في جد وحماسة مشروعا جده فيجمع كا ما يستطيع من الكتب الأدبية اليونانية والرومانية القديمة ليفيد منها العلماء في فلورنس. من ذلك أنه بعث بوليتيان Politian وجون لاسكارس John Lascaris إلى كثير من المدن في إيطاليا وخارجها لشراء المخطوطات القديمة، وقد جاء لاسكارس من دير واحد عند جبل آثوس Mt. Athos بمائتي مخطوط، منها عشرون لم تكن معروفة حتى ذلك الوقت في أوربا الغربية. ويقول بوليتيان إن لورندسو كان يود لو سمح له بأن ينفق كل ثروته، بل ويرهن أثاث بيته ليبتاع الكتب. وكان يستأجر النساخين لينسخوا له ما لا يستطيع شراءه من المخطوطات، ويجيز في نظره ذلك لغيره من المولعين بجمع الكتب أمثال ماثياس كورفينوس Matthias Corvinus ملك المجر وفد ريجو Federigo دوق أربينو أن يرسلوا نساخين من عندهم ليعيدوا نسخ ما في مكتبة آل ميديتشي من مخطوطات.. وقد ضمت هذه المجموعة بعد موت لورندسو إلى المجموعة الأخرى التي
وضعها كوزيمو من قبل في دير سان ماركو، وكانت المجموعتان تضمان في عام 1495 تسعة وثلاثين والف مجلد منها ستون وأربعمائة باللغة اليونانية. وخطط ميكل أنجيلو فيما بعد داراً فخمة لهذه الكتب، وأطلق عليها الخلف أسم لورندسو فسماها المكتبة اللورنتيانية Bibliotheca Laurentiana. ولما أنشأ برناردو تشينيني Bernardo Cennini مطبعة في فلورنس (1471)، لم يسخر لورندسو من الفن الجديد، كما سخر منه صديقه بوليتيان أوفد ريجو دوق أربينو، بل يبدو أن ما سوف يتمخض عنه نظام الحروف المتنقلة من إمكانيات، واستخدم العلماء لمقابلة النصوص المختلفة حتى تطبع الكتب القديمة بأعظم الدقة المستطاعة في ذلك الوقت. وشجع ذلك بارتولوميو دي لبري Bartolommeo di Libri فطبع النسخة الأصلية من مؤلفات هومر (1488) برعاية العالم المدقق دمتريوس كلكنديلس Demetrius Chalcondyles، وكذلك أصدر جون لاسكارس النسخة الأصلية من مؤلفات يوربديز (1494)، والمختارات الشعرية اليونانية، ومؤلفات لوتشيان Lucian، وطبع كرستوفورو لندينو Cristoforo Landino أشعار هوراس (1482)، وفرجيل، وبلني الأكبر، ودانتي، وكانت لغة هؤلاء الثلاثة وإشاراتهم تحتاج في هذا الوقت إلى شئ من الإيضاح. وفي وسعنا أن نستشف روح ذلك العصر إذا عرفنا أن فلورنس كافأت كرتوفورو على أعماله العلمية بأن أهدت إليه بيتاً فخماً.
وهرع العلماء إلى فلورنس بعد أن أغراهم بذلك اشتهار آل ميديتشي وغيرهم من أهل فلورنس بما يغدقونه عليهم من الهبات، واتخذوا هذه المدينة عاصمة الثقافة الأدبية. وكان من هؤلاء العلماء فسبازيانو دا بستتشي Vespasiano da Bisticci الذي كان يعمل بائعاً للكتب وأميناً للمكتبات في فلورنس، وإربينو، وروما، ثم ألف سلسلة بليغة محكمة في سير أعيان الرجال خلد فيها أسماء كتاب ذلك العصر وأنصار العلم فيه. وأراد لورندسو أن
ينمي التراث الذهني للوع البشري وينقله إلى الأجيال القادمة فأعاد إلى الوجود الجامعة القديمة في بيزا والمجمع العلمي الأفلاطوني في فلورنس ووسع نطاقهما. ولم يكن مجمع فلورنس العلمي كلية رسمية بل كان هيئة من العلماء المولعين بفلسفة أفلاطون، يجتمعون في فترات غير منتظمة في قصر لورندسو بمدينة فلورنس أو في قصر فتشينو الريفي في كاريجي Careggi، ويطعمون معاً، ويقرءون بصوت عال محاورة من محاورات أفلاطون أو أجزاء منها، ثم يتناقشون فيما تحتويه من آراء فلسفية. وكان المجمع يحتفل باليوم السابع من نوفمبر، وهو الذي يزعمون أن أفلاطون ولد ومات فيه، احتفالا لا يكاد يقل روعة ومهابة عن الاحتفالات الدينية، فكانوا يتوجون بالأزهار تمثالا نصفياً يعتقدون أنه تمثال أفلاطون، ويوقدون أمامه مصباحاً كما توقد المصابيح أما صور الآلهة. وقد اتخذ كرستوفورو من هذه الاجتماعات أساساً للحديث الخيالي الذي سماه جدل الكملدولينين Disputationes Camaldulenses (1468) وذكر فيه كيف زار هو وأخوه دير الرهبان الكملدولينين، والتقى فيه بالشابين لورندسو وجوليانودة ميديتشي، وليون باتستا ألبرتي وستة آخرين من علية أهل فلورنس، وكيف كانوا يضطجعون على الكلأ قرب عين ماء جارية، ويوازنون بين حياة المدينة المسرعة القلقة، وسكنى الريف الصحي الجميل، وبين حياة النشاط وحياة التأمل والتفكير، وكيف كان ألبرتي يمتدح حياة التفكير الريفي، بينما كان لورندسو يقول إن العقل الناضج يؤدي أكمل وظيفته ويجد أعظم ما يرضيه في خدمة الدولة وفي تجارة العالم(13).وكان بين من يحضرون مناقشات المجمع العلمي الأفلاطوني بوليتبيان، وبيكو دلا ميرندولا Pico della Mirandola ومرسيليو فيتشينو Marsilio Ficino وقد بلغ من إخلاص مرسيليو للمهمة التي ندبه لها كوزيمو أن
خصص حياته كلها تقريباً لترجمة أفلاطون إلى اللغة اللاتينية، ولدراسة الأفلاطونية، وتعليمها، والكتابة عنها. وكان في شبابه وسيم الخلق إلى درجة جعلت عذارى فلورنس يشغفن به حباً. ولكن عنايته بهن كانت أقل من عنايته بكتبه، وقد ضل عن دينه وقتاً ما، وخيل إليه أن الأفلاطونية أسمى من الدين قدراً، وكان يلقب طلابه »بأحبائه في أفلاطون« بدل »أحبائه في المسيح«(14)، وكان يحرق الشموع أمام تمثال نصفي لهذا الفيلسوف، ويمجده كما يمجد القديسين(15)، ولم تكن المسيحية وهو في هذه النشوة تبدو له إلا أنها أحد الأديان الكثيرة التي تخفي كثيراً من عناصر الحق في طيات عقائدها المجازية وطقوسها الرمزية، وظل كذلك حتى ردته كتابات القديس أوغسطين، وشكر الله على شفائه من مرض خطير، إلى الإيمان بالدين المسيحي، وبلغ من شدة إيمانه أن أصبح قسيساً حين بلغ سن الأربعين، ولكنه ظل مع ذلك متحمساً للأفلاطونية، يقول إن سقراط وأفلاطون قد جاءا بعقيدة للتوحيد لا تقل نبلا عما جاء به أنبياء بني إسرائيل، وأنهما هما أيضاً ق نزل عليهما الوحي نزولا مصغراً، كما نزل في الواقع على جميع الناس الذين يخضعون لحكم العقل. وحذا لورندسو وبعض الكتاب الإنسانيين حذوه فسعوا إلى تفسير الدين المسيحي تفسيراً يقبله الفيلسوف دون أن يعملوا على استبدال دين جديد بهذا الدين. وظلت الكنيسة جيلاً من الزمان أو جيلين (1447-1534) تبتسم لهذه المخاطرة وتتسامح مع لقائمين بها حتى جاء سفنرولا وشنع بها وقال إنها خداع وتضليل. وكانت الشخصية الساحرة الجذابة التي لا يعلو عليها إلا لورندسو نفسه هي شخصية الكونت جيوفني بيكو دلا ميرندولا. وكان مولده في البلدة (القريبة من ميدونا) التي أذاع اسمه شهرتها، ثم تلقى العلم في بولونيا وباريس، وكان يستقبل بأعظم مظاهر التكريم في بلاط الملوك والأمراء في أوربا كلها تقريباً، حتى أقنعه لورندسو آخر الأمر أن يتخذ فلورنس موطناً له. وكان عقله الحريص على العلم المتحمس له ينتقل من فرع منه
إلى فرع- من الشعر، إلى الفلسفة، إلى العمارة، إلى الموسيقى،-وقد وصل في كل فرع منها إلى درجة غير قليلة من البراعة. حتى قال عنه بوليتيان إن الطبيعة قد كملته فجمعت فيه كل مواهبها: »كان طويل القامة، متناسب الأعضاء، يشع وجهه بشيء من النورانية الإلهية«، نافذ النظرات، لا يمل الدرس، قوي الذاكرة إلى حد الإعجاز، غزير المعرفة في كل فرع من فروع العلم، فصيح اللسان يجيد عدة لغات، تعجب به النساء ويحبه الفلاسفة، لا يقل جمال خُلقه عن وسامة خَلْقه، بلغ الدرجة العليا في جميع الصفات الذهنية. وكان عقله مفتوحاً لجميع الفلسفات والأديان، لا يسعه ولا يوائمه أن يرفض أي نظام أو أي إنسان، ومع أنه نبذ التنجيم في السنين الأخيرة من حياته، فإنه رحب بالتصوف وبالسحر ولقيا منه من القبول ما لقيه أفلاطون والمسيح. ولم يظن بكلمة طيبة على الفلاسفة المدرسين، الذين رماهم معظم من عداه من الكتاب الإنسانيين بأنهم قوم همج ينطقون بالسخافات والأباطيل. وكان يجد في التفكير العربي
الساحر الفنان الذي لا تضارعه إلا ثقته القوية المخلصة بدقة علمه وبقوة العقل الإنساني.
ولما قدم إلى روما في الرابعة والعشرين من عمره (1486)، أذهل القساوسة. والعلماء بأن نشر مجموعة مكونة من تسعمائة قضية تشمل المنطق، وما بعد الطبيعة، واللاهوت، وعلم الأخلاق، والرياضيات، والطبيعة، والسحر، والقبلة، وتضم فوق ذلك البدعة الدينية السمحة القائلة بأنه ما دامت أعظم خطيئة ارتكبها الإنسان محدودة غير أبدية، فإنها لا يمكن أن تستحق العقاب الأبدي. وجهر بيكو باستعداده للدفاع عن أية قضية من هذه القضايا وعنها جميعاً في أية مناقشة عامة ضد أي إنسان، وعرض أن يقوم بأداء جميع نفقات السفر لمن يريد أن يتحداه أيا كان البلد الذي يأتي منه. وقد مهد لهذه المباراة الفلسفية المقترحة بإعداد رسالة ذائعة الصيت عرفت فيما بعد باسم:(في كرامة الإنسان De hominis dignitale) عبر فيها بحماسة الشباب عن آراء الكتاب الإنسانيين في النوع الإنساني وهي الآراء التي تناقض معظم ما يراه أهل العصور الوسطى. وقد كتب بيكو في ذلك يقول: »من الأقوال المألوفة في المدارس أن الإنسان عالم صغير نتبين فيه جسماً امتزجت فيه العناصر الأرضية، بالروح السماوية، والنفس النباتية بحواس الحيوانات الدنيا والعقل الإنساني، وعقل الملائكة، وصورة الإله«(17)، ثم قال على لسان الله نفسه تلك العبارة التي قالها لآدم وعدها دليلا من قبل الله على ما للإنسان من إمكانيات لا حد لها: »لقد خلقتك كائناً لست سماوياً ولا أرضياً... لكي تكون حراً في أن تشكل نفسك وتتغلب عليها ... في مقدورك أن تنحط فتكون حيواناً، أو أن تولد من جديد في صورة الله«. وأضاف بيكو إلى هذه عبارة تنم عن الروح العليا الممثلة في النهضة الفنية:
»تلك هي العطية الإلهية التي لا تعلو عليها خطيئة ما، تلك هي سعادة
الإنسان العظمى ليس بعدها سعادة... وهي انه يستطيع أن يكون ما يريد أن يكون. أن الحيوانات لتحمل معها من أجسام امهاتها من اللحظة التي تولد فيها كل ما هو مقدر لها أن تكونه، والأرواح العليا (الملائكة) هي منذ البداية... ما سوف تكونه إلى أبد الدهر، لكن الله أبا الكون قد وهب الإنسان منذ مولده أصول كل الإمكانيات وكل نوع من أنواع الحياة(18).
ولم يجرؤ أحد على أن يقبل تحدي بيكو فيناقشه في قضاياه المتعددة الأنواع، ولكن البابا إنوسنت الثامن وسم ثلاثاً من هذه القضايا بالإلحاد، وإذا لم تكن هذه القضايا الثلاث إلا جزءاً صغيراً من مجموع قضاياه، فإن بيكو كان يسعه أن ينتظر من البابا الرأفة به، وفي الحق أن إنوسنت لم يقف من هذه المسألة موقف الإصرار والمعاندة، ولكن بيكو أصدر تصريحاً رجع فيه عن أقواله فيها وإن يكن رجوعاً تكتنفه الحيطة والحذر، وسافر إلى باريس حيث عرضت عليه جامعتها أن تحميه من البابا، فلما كان عام 1496 أبلغ البابا إسكندر السادس المعروف بظرفه ودماثة خلقه بيكو أنه قد نسي كل شيء، فعاد بيكو من فوره إلى فلورنس، وأصبح من أخلص أتباع سفنرولا، وتخلى عن سعيه وراء التبحر في العلوم عامة، وأحرق مجلداته الخمسة في الغزل. وخرج عن ماله لأداء بائنات الفتيات الفقيرات، وعاش هو نفسه كما يعيش الرهبان، وفكر يوماً ما في الانضمام إلى طائفة الرهبان الدمنيكيين، ولكنه مات قبل أن يكوّن رأيه في هذا الموضوع-وكان عند وفاته لا يزال شاباً في الحادية والثلاثين من عمره. ولم يمنح نفوذه بعد انقضاء حياته القصيرة، وكان هو الملهم لرتشلين Reuchlin أن يواصل في ألمانيا تلك الدراسات العبرية التي كان يشغف بها بيكو طوال حياته.
وكان بوليتيان يعجب ببيكو إعجابا نبيلا كريماً، ويصحح شعره بعد
أن يقدم لذلك أجمل اعتذار. على أن نجمه لم يلمع بالقوة والسرعة اللتين لمع بهما نجم بيكو، وإن كان أكثر منه نفاذاً إلى بواطن الأمور، وأعظم منه ثقافة وتهذيباً. واتخذ أنجيلس باسوس Angèlus Bassus كما كان يسمى نفسه أول الأمر-أو أنجيلو أمبروجيني Angelo Ambrogini كما كان يسميه بعضهم-اتخذ اسمه الذي اشتهر به اكثر من غيره من الأسماء من مونتي بولدسيانو Monte Poliziano في مؤخرة مدينة فلورنس. ودرس اللاتينية بعد أن قدم إلى فلورنس على كرستوفورو لندينو Cristoforo Landino كما درس اللغة اليونانية على أندرونكوس سالونيكا Andronicus Salonica، والأفلاطونية على فتشينو، وفلسفة أرسطو على أرجيروبولوس Argyropoulos. وبدأ وهو في السادسة عسرة من عمره يترجم هوميروس إلى لغة يونانية قوية مليئة بالمصطلحات اللغوية إلى حد بدت معه وكأنها من أعمال العهد الفضي للشعر الروماني إن لم تكن من عهده الذهبي. ولما أتم ترجمة الكتابين الأولين بعث بالترجمة إلى لورندسو، فشجعه هذا الأمير- أمير أنصار الأدب والفن، اليقظ لكل ما يجده من جودة وامتياز-على الاستمرار في عمله، وأقامه في بيته واتخذه معلماً خاصاً لأبنه بيرو، وأمده بكل ما يحتاجه. ولما تحرر بوليتيان بفضل هذا العون من كل عوز أحذ ينشر النصوص القديمة ومن بينها قوانين جسفتيان وأظهر فيها من غزارة العلم واصالة الحكم ما أكسبه ثناء العالم الأدبي كله. ولما نشر لندينو أشعار هوراس قدم لها بوليتيان بقصيدة تضارع في لغتها اللاتينية، وتركيب جملها، وأوزانها الشعرية المعقدة قصائد هوراس نفسه. وكان يستمع إلى محاضراته في الأدب القديم آل ميديتشي، وبيكو دلا مير ندولا، وطلبة من الأجانب- روتشلن، وجروسين Grocyn وغيرهما- بعد أن ترددت فيما وراء الألب أصداء شهرته في العالم، والشعر، والخطابة بلغات ثلاثة. وكان من عادته في كثير من الأحيان أن يبدأ محاضرته بقصيدة لاتينية طويلة يقرضها لتلك المناسبة
خاصة، وكان من هذه القصائد قصيدة جزلة جميلة النغم سداسية الأوتاد تروي تاريخ الشعر من هوميروس إلى بوكاتشيو. وكشفت هذه القصيدة هي وغيرها من القصائد التي نشرها بوليتيان بعنوان السلفيات عن اسلوب لاتيني سهل، سلس، فياض، قوي الخيال إلى حد جعل الكتاب الإنسانيين ينادون به أميراً عليهم على الرغم من صغر سنه، وسرهم أن اللغة النبيلة التي كانوا يأملون إعادتها قد علمها بوليتيان تعليما بعث فيها الحياة من جديد. وقد جعل بوليتيان من نفسه كاتباً لاتينياً من طراز الكتاب اللاتين الأقدمين، غير أنه مع ذلك أصدر في يسر وخصب إنتاج طائفة متتابعة من القصائد باللغة الإيطالية لا نجد لها نظيرا في كل ما كتب بين بترارك وأريستو، فلما أن فاز جوليانو أخو لورندسو في مثاقفة أقيمت عام 1475 وصف بوليتيان هذه المثاقفة في قصيدة مثمنة الأوتاد، رخيمة النغم، رشيقة العبارة، ثم امتدح في قصيدته سيمونتا الحسناء جمال حبيبة جوليانو الأرستقراطي بشعر بليغ عذب جعل شعر الغزل الإيطالي من ذلك الوقت ينمو نمواً جديداً في رقة اللفظ وقوة الشعور. ويصف بوليتيان على لسان جوليانو خروجه إلى الصيد والتقائه بسيمونتا وغيرها من الفتيات يرقصن في الحقل فيقول:
| وجدت الحورية الحسناء التي ألهبت قلبي بنار الحب |
| ذات مزاج لطيف، نقي، فطين تقف وقفة رشيقة، |
| يشع منها الحب والأدب، والقداسة، والحكمة، والظرف، |
| وجهها القدسي حلو رقيق. |
| تفيض منه البهجة وتتمثل في عينيها السماويتين جنات الخلد؛ |
| وكل ما نتمناه نحن الخلائق الفانين المساكين من نعيم؛ |
| وقد أرسلت من رأسها الملكي وجبينها الوضاء |
| غدائر ذهبية تساقط مسترسلة في بهجة وحبور؛ |
| وأخذت الحسناء تسير بين المغنيين، |
| وقد انتظمت خطاها ونسقت على وقع الأنغام الشجية |
| وأرسلت إلىَّ من عينيها خلسة، |
| وهما لا تكادان ترتفعان عن بساط الحقل، |
| شعاعاً قدسياً مختلساً |
| وكأن شعرها قد دبت فيه الغيرة مني، |
| فسد طريق هذا الشعاع الوضاء وحجبه عن ناظري |
| ولكنها، وهي التي ولدت ونشأت في السموات العالي لتثني عليها الملائكة الكرام، |
| لم تكد ترى هذا الظلم حتى رفعت بأنقى يد وأنصعها |
| غدائرها العاصية، وتبدت لي بطلعتها الرقيقة الحلوة، |
| ثم أرسلت من عينيها نظرة حادة ملتهبة |
| من نظرات الحب القوية، وقعت على عيني فألهبتها، |
| حتى لم أدر كيف نجوت من الاحتراق بذلك اللهيب(19) |
وانشأ بوليتيان في حب معشوقته إبوليتا ليونتشينا Ippolita Leoncina أغاني غرامية أوفت على الغاية في الرقة والحنان، ثم أطلق العنان للأنغام التي كان يفيض بها قلبه فأنشأ أغاني مثلها يتخذ منها أصدقاؤه رقى يتخلصون بها من حيائهم. ولم يفته حفظ أقاصيص الفلاحين الشعرية، فلما حفظها صاغها من جديد في صورة أدبية مصقولة، ثم انتقلت في صورتها الجديدة إلى الشعب وذاعت بين أفراده، ولا تزال لها أصداء تتردد في تسكانيا إلى يومنا هذا، وقد وصف في قصيدته حبيبتي السمراء فتاة ريفية حسناء تغسل وجهها وصدرها عند ماء، وتتوج شعرها بالأزهار»وكان ثدياها كورد الربيع، وشفتاها حمراوين كالورد«، وذلك بوصف قديم لا يمل الإنسان سماعه. وأراد بوليتيان أن يؤلف من جديد بين التمثيل،
والشعر، والموسيقى والغناء، كما حدث في مسرح اليونان الديونيسي، فوضع في يومين أثنين، كما يؤكد هو ويقسم، مسرحية غنائية في 434 بيتاً غنيت للكردنال فرانتشسكو جنزاجا Francesco Gonzaga في منتوا (1472). وقد سماها قصة أورفيوس وتحدث فيها عن موت يوريديس Eurydice زوج أورفيوس، وكيف ماتت من عضة ثعبان، حين كانت تحاول الهرب من راع هام بحبها، وكيف اتخذ أورفيوس البائس المسكين طريقه إلى الجحيم، وسحر بلوتو بقيثارته فلم يسمع إله العالم السفلي إلا أن يعيد له يوريديس على شريطة ألا ينظر إليها حتى يخرج من الجحيم كله، فاختطفت منه وأعيدت من فورها إلى الجحيم، وحيل بينه وبين تعقب خطاها. وأثر ذلك في أورفيوس وتملكته نوبة من الجنون فكره النساء كلهن، وأوصى الرجال بأن يغفلوا النساء، ويشبعوا أنفسهم بالغلمان كما أشبعها زيوس بجانيميد. واستشاطت مينادات (أرواح) الغاب غضباً من احتقاره النساء، فانهلن عليه ضرباً حتى فارق الحياة، وسلخن جلده، ومزقن أطرافه من جسمه، وأخذن يغنين وهن مبتهجات لانتقامهن منه. وقد ضاعت الموسيقى التي كانت تصاحب الشعر، ولكن في وسعنا أن نضع ونحن آمنون مسرحية أورفيوس بين أولى المسرحيات التي تبشر بظهور المسرحيات الغنائية الإيطالية.
وكاد بوليتيان أن يصبح من الشعراء العظام، ولكنه لم يبلغ من هذه المرتبة لأنه تجنب مساقط العواطف الثائرة، ولم يتعمق أغوار الحياة أو الحب، فهو ساحر على الدوام غير عميق على الإطلاق، وكان حبه للورندسو أقوى ما عرف من المشاعر، وكان يقف إلى جانب راعيه ونصيره عند مقتل جوليانو في الكنيسة، وكان هو الذي أنقذ حياة لورندسو بإغلاق أبواب غرفة المقدسات وإحكام مزاليجها في وجه المتآمرين، ولما عاد لورندسو
من رحلته الخطرة إلى نابلي حياه يوليتيان بأبيات من الشعر تشف عن حب يكاد يزري به وبسيده، ولما مات لورندسو حزن عليه يوليتيان حزناً يجل عن العزاء، ثم أخذ غصنه يذبل شيئاً فشيئاً حتى مات بعد عامين من وفاته في ذلك العام المشئوم الذي مات فيه بيكو عام 1494 عندما كشف الفرنسيون إيطاليا.
ولم يكن لورندسو ليبلغ ما بلغه من مرتبة الرجل المكمل، لم يكن له بعض الهوى بالفلسفة، وبعض الشك في الدين، وبعض الانطلاق في الحب، وكان أمير فلورنس المصرفي يدعو إلى صحبته ومائدته لويجي بلتشي Luigi Pulci ويلذ له سماع الهجاء الفظ في قصيدته مرجنتي الأعظم Morgante maggiore. فقد كانت هذه القصيدة الشهيرة التي يعجب بها بيرون تقرأ للورندسو وضيوف بيته بصوت عال فقرة فقرة. وكان لويجي رجلاً قوي الفكاهة منطلقاً فيها، هز مشاعر القصر والأمة كلها باستخدام لغة الطبقات الوسطى، ومصطلحاتها، وأفكارها، في قصص الفروسية الغرامية. وكانت القصص الخيالية التي تصف مغامرات شارلمان في فرنسا،واسبانيا، وفلسطين قد دخلت إيطاليا في القرن الثاني عشر أو قبله، ونشرها في شبه الجزيرة المغنون الجوالون، والشعراء المرتجلون، فتدخل البهجة والسرور على كافة الطبقات. ولكن الذكور العاديين من بني الإنسان كان يوجد فيهم على الدوام نزعة من الواقعية المخادعة، الفتية، الساخرة من نفسها، تصاحب وتكبح جماح الروح الغرامية التي يحبو بها النساء والشباب الأدب والفن. وقد جمع بلتشي هذه الصفات كلها، وألف من القصص الشعبية الخرافية، ومن المخطوطات المحفوظة في مكتبة لورندسو، ومما كان يدور من الحديث حول مائدة لورندسو نفسه- ألف من هذا كله ملحمة تسخر من المردة، والشياطين، والوقائع الحربية التي تفعم بها قصص الفروسية، وتقص من جديد في شعر جدي تارة، وساخرة تارة أخرى، مغامرات الفارس المسيحي
أورلندو والمارد العربي الجبار الذي يكون اسمه نصف أسم القصيدة
ويدخل بلتشي في المقطوعة الثامنة عشرة مارداً جديداً يدعى مرجوتي Margute، وهو لص مرح، وقاتل رقيق، يعزو إلى نفسه كل رذيلة إلا الغدر بالصديق. وسأله مورجنتي هل يؤمن بالمسيح أو يؤثر عليه محمداَ فيجيب مرجوت بقوله:
| إني لا أومن بالأسود أكثر مما أومن بالأزرق |
| وكل ما أومن به هو الديكة السمينة مسلوقة أو قد تكون محمرة، |
| وأومن أحياناً بالزبد أيضاً، |
| وبالجعة وبالخمر الفطير الذي يطفو على وجهه قطع التفاح الحميص،... |
| أما الذي أؤمن به أشد الأيمان فهو النبيذ المعتق، |
| إن الأيمان كالحرب معد،... |
| والإيمان يتشكل بالصورة التي يدركه بها الإنسان- هذه أو تلك، |
| أو غيرها من الصور. |
| فإذا شئت إذن أن تعلم أي نوع من العقائد أنا مرغم على اعتناقه! |
| فأعلم أن أمي كانت راهبة يونانية، |
| وأن أبي كان من بين الأتراك في بروصه ملا(21) |
ويموت مرجوتي من الضحك بعد أن يظل يختال ويستهتر في مقطوعتين، ويموت بلتشي دمعة واحدة يذرفها عليه، بل يجتذب من خياله السحري شيطاناً من الطراز الأول يدعى عشتروت هو الذي اشترك في العصيان مع إبليس، يستدعيه الساحر ملاجيجي Malagigi ليأتي برينلدو بسرعة من مصر إلى رنتشسفاليز، فيقوم بهذه المهمة في مهارة ويكسب من حزق رينلدو ما يجعل هذا الفارس المسيحي يقترح أن يرجو الله أن يطلق عشتروت من الجحيم. ولكن الشيطان الظريف شديد التفقه في الدين، ومن أجل ذلك يقول إن التمرد على العدالة اللانهائية جريمة لا نهائية تستحق عقاباً سرمدياً. ويعجب ملاجيجي من أن الله الذي سبق كل شيء في علمه بما في ذلك عصيان إبليس واللعنة الأبدية قد خلقه، فيعترف عشتروت بأن هذا من الأسرار الخفية التي لا يعرف أحد حتى الحكماء أنفسهم كنهها(22).
ولقد كان في الحقيقة شيطاناً عاقلاً، لأن بلتشي وهو يكتب في عام 1483 ينطقه بأقوال مدهشة يستبق بها كولمبس، فيقول عشتروت لرينلدو وهو يشير إلى التحذير القديم القائم عند أعمدة هرقل (جبل طارق) والذي يقال فيه »لا تسر إلى ما بعد هذا ne plus ultra:
| أعلم أن هذه النظرية خاطئة، وأن سفينة |
| الملاح الجريء ستخوض عباب الأمواج الغربية |
| وتتوغل فيها إلى مدى بعيد. |
| والأرض، وإن بدت سهلا أملس منبسطا، |
| قد خلقت في صورة عجلة مستديرة |
| ولقد كان الإنسان في الأيام الخالية أفظع صورة مما هو، |
| وإن كان من شأن هرقل نفسه أن يعتريه الخجل إذا عرف |
| إلى أي مدى سينطلق بعد قليل أضعف قالب بحري |
| وراء الحدود التي حاول عبثاً أن يضعها له. |
| سوف يكشف الإنسان بلا شك عن نصف عالم آخر |
| لأن الأشياء جميعها تنزع نحو مركز مشترك عام |
| والأرض المتزنة اتزاناً عجيباً بقدرة الله العجيبة الخفية |
| معلقة بين أبراج النجوم |
| وفي الجهات المقابلة لنا من الأرض مدن ودوا |
| وأقطار غاصة بالسكان لم تعرف حقيقتها قبل الآن |
| وها هي ذي الشمس تشق طريقها الغربي مسرعة |
| لتدخل البهجة على قلوب الأمم بما تتوقعه من ضياء |
وقد سار بلتشي على سنة ابتداء كل مقطوعة، مهما يكن فيها من السخرية والتهريج، بتضرع وابتهال إلى الله وإلى الأولياء الصالحين، وكلما زاد ما في مادته من دنس زادت المقدمة جداً ووقاراً. وتختم القصيدة بالجهر بإيمانه بأن الأديان كلها خير وبركة-وهو تصريح يغضب بلا شك كل مؤمن حق. ويجيز بلتشي لنفسه بعض عبارات من الكتاب المقدس ليؤيد بها قوله إن علم المسيح السابق لم يكن يعدل علم الله الأب، وحين يجيز لنفسه أن يأمل بأن تنجو جميع الأرواح في آخر الأمر بما فيها روح إبليس نفسه. ولكنه بقي كما بقي كل فلورنسي صالح، وكما بقي غيره من أفراد الدائرة الملتفة حول لورندسو، مؤمناً في ظاهر الأمر بكنيسة مرتبطة ارتباطاً
لا انفصام له بالحياة الإيطالية. ولم ينخدع رجال الدين بخضوعه هذا وولائه، ولما توفي (1484) لم يسمحوا بأن تدفن جثته في أرض مكرسة.
وإذا كانت جماعة لورندسو قد استطاعت أن تنتج هذه الآداب المتنوعة في جيل واحد، فإن من حقنا أن نظن-وسنجد في واقع الأمر- أن يقظة مثل هذه اليقظة قد وجدت في مدن أخرى غير فلورنس-في ميلان، وفراراً، ونابلي، وروما. والحق أن إيطاليا كانت قد أتمت المرحلة الأولى من نهضتها وتجاوزتها إلى المرحلة التالية، فقد أعادت كشف بلاد اليونان القديمة، ووضعت المبادئ الأساسية للدراسات القديمة، وجعلت اللاتينية مرة أخرى لغة ذات بهاء وجلال، وقوة وعنفوان. ثم فعلت أكثر من هذا: فقد كشفت إيطاليا من جديد الذي بين موت كوزيمو ولورندسو لغتها هي وروحها، وطبقت مقاييس اللفظ والأسلوب على اللغة القومية، وأنشأت شعراً قديماً في رومة، ولكنه أصيل و »حديث« في لغته وتفكيره، متأصل في شئونها ومشاكلها اليومية أو في مناظر الريف وأشخاصه. يضاف إلى هذا أن إيطاليا قد نهضت في جيل واحد، وبفضل بلتشي، بالمسلاة الفكهة فجعلتها أدباً راقياً، ومهدت الطريق إلى بورادو Borardo وأريتسو Ariosto، بل إنها قد استبقت بسمات سرفنتير Cervantes من خيلاء الفروسية وتنطعها وادعاءاتها، وأخذ عهد الدراسة يختنق تدريجياً، وحل بالخلق والإبداع محل المحاكاة، وبعث الأدب الإيطالي بعثاً جديداً بعد أن ذبل على أثر اختيار بترارك اللغة اللاتينية ليكتب بها ملحمته. ولم يمض بعد هذا الوقت الذي نتحدث عنه زمن طويل حتى كاد إحياء الأدب القديم أن ينسى في نضرة الثقافة الإيطالية وغزارتها، وهي الثقافة التي تزعمت العالم في الأدب وغمرته بفيض من الفن.
الفصل الخامس
العمارة والنحت (عصر فيروتشيو)
وواصل لورندسو في حماسة بالغة تقاليد آل ميديتشي القديمة القاضية بمناصرة الفن، يشهد بذلك ما كتبه معاصريه فالوري يقول : » لقد بلغ من شدة إعجابه بآثار العهود القديمة لأنه لم يكن شيء أحب إليه من هذه الآثار وإن كان من يريدون التقرب إليه وإدخال السرور عليه يجمعون من كل أنحاء العالم مدليات، ونقوداً،... وتماثيل كاملة ونصفية، وكل ما طبع بطابع اليونان أو روما القديمة(24). وأضاف لورندسو ما جمعه من مخلفات العمارة والنحت إلى ما خلفه كوزيمو وبيرو، ووضعها كلها في حديقة قائمة بين قصر آل ميديتشي ودير سان ماركو، وأجاز لكبار الزوار والعلماء الموثوق بهم أن يدخلوها، وعين راتباً لمن كان يظهر الجد أو تلوح عليه سمات النجابة من الطلاب- وكان من بينهم الشاب ميكل أنجيلو-ليعيشوا منه، كما كان يمنح الجوائز لمن يظهر منهم كفاية ممتازة. وفي ذلك يقول فاساري: »ومن أهم ما يستلفت النظر أن جميع من كانوا يدرسون في حديقة آل مديتشي، وكانوا من المقربين للورندسو، قد أصبحوا من رجال الفن الممتازين، ويرجع الفضل كل الفضل في هذا إلى عظيم الحكمة هذا الرجل العظيم المناصر للفنون... الذي لم يكن صادق الحكم على العباقرة فحسب، بل أوتي فوق ذلك من الإرادة والقوة ما استطاع به أن يكافئهم على نبوغهم(25).
وكانت أهم الحوادث ذات الشأن العظيم في تاريخ الفن في عهد لورندسو هي نشر رسالة فتروفيوس Vitruvius (1486) المسماة في العمارة De Architectura (التي كتبت في القرن الأول قبل الميلاد) والتي كان
بجيو قد استخرجها من أرض دير سانت جول قبل ذلك الوقت بنحو سبعين عاماً. واستحوذت هذه الرسالة القديمة الجامدة على مشاعر لورندسو، واستخدم نفوذه في نشر طراز روما الإمبراطورية في العمارة، ولعله في هذه المسألة بالذات قد أساء أكثر مما احسن، لأنه أعاق في فن العمارة ما كان يمارسه بنجاح مثمر في ناحية الأدب-تعني تنمية الأشكال الوطنية. لكن الروح التي حفزته إلى هذا العمل كانت روحاً كريمة بحق، فقد ازدانت روما بفضل تشجيعه، وبفضل أمواله في كثير من الأحوال، بطائفة كبيرة من المباني الرشيقة كانت ملكاً للمدينة أو الأفراد. وكان من هذه الأعمال إتمامه كنيسة سان لورندسو والدير القائم في فيسولي، واستخدامه جوليانو دة سنجلو Giuliano da sangallo لتخطيط دير خارج باب سان جلو San Gallo هو الذي خلع على هذا المهندس اسمه. وبنى له جليانو قصراً ريفياً فخماً في بوجيو أكايانو Poggio a Caiano وبلغ من جماله أن أوصى به لورندسو فرديناند ملك نابلي حين طلب إليه هذا مهندساً يعمل عنده. ويدلنا على مقدار حب أولئك الفنانين للورندسو ما أظهره جوليانو من الكرم بعدئذ، فقد أرسل إليه هدايا كل ما منحته إياه فلورنس من هبات-وهي تمثال نصفي للإمبراطور هدريان، وتمثال كيوبيد النائم وغيره من التماثيل القديمة، وضم لورندسو هذه الهبة إلى مجموعاته التي في حديقته، والتي تكون منها فيما بعد نواة مجموعة التماثيل القائمة في معرض أفيزي Uffizi، وكان غيره من ذوي المال يضارعونه -ومنهم من بزه-في فخامة مسكنه. من ذلك أن بينيديتو ده ميانو Benedetto de Maiono شاد لفلبو استرتزي الأكبر Filippo Strozzi Elder قصراً يتجلى فيه باكمل صورة ذلك الطراز التسكاني من العمارة الذي أبرزه في قصر بتي Pitti- والذي يتمثل فيه الفخامة والنعيم من الداخل تحجبهما عن العين واجهة ضخمة من الكتل الحجرية »الريفية« غير المصقولة. وقد بدا المهندس بناءه بعد أن
رصد له طالع بأكبر عناية، وبعد أن أقيمت لذلك صلوات دينية في عدة كنائس، وبعد أن وزعت الصدقات زلفى واستدراراً للبركة. وأتم سيموني بولايولو Simone Pollaiuolo
وكان معظم المهندسين مثالين أيضاً، لأن المثالين كانوا أصحاب الشأن الأكبر في زخرفة الأبنية، ونحت أطنافها، وقوالبها وعمدها المربوعة، وتيجانها، وعمد الأبواب واثاث المصطلى، والنقوش البارزة على الجدران، وأماكن القربان، ومواقف المرنمين، والمنابر، وأجران التعميد، وكان جوليانو دا مايانوا هو الذي نحت مواضع المقدسات في الكتدرائية وفي دير فيسولي. وكان آخو بينيديتو هو الذي أتقن فن تلبيس الخشب، واشتهر به إلى حد ماتيوس كورفينوس Mathius Corvinus ملك المجر يطلب إليه صنع صندوقين من الخشب الملبس ويدعوه إلى بلاطه. ولبى بينيديتو الدعوة، وعمل على أن يرسل الصندوقان بعد ذهابه، فلما وصل الصندوقان وأخرجا من غلافهما أمام الملك سقطت منهما القطع الخشبية المطعمة لأن الهواء الرطب قد حلل الغراء الذي يمسكها، ونجح بينيديتو في إعادة القطع إلى أماكنها، ولكنه كره صناعة التلبيس، واتجه من ذلك الوقت إلى فن النحت فنبغ فيه أعظم نبوغ، حتى لا نكاد نجد من تماثيل العذراء ما هو أجمل من تمثال مادنا الجالسة على العرش، ولا من
التماثيل النصفية ما يفوق تمثال فلبو استرتسي الذي في التزم فيه أمانة التصوير وكشف فيه عن خصائص صاحبه، وقل أن نجد في المقادير ما يضارع في جماله قبر استرسي هذا الذي أنشأه له في سانتا ماريا نوفلان ولا في المنابر ما هو أعظم رشاقة في نحته من المنبر الذي صنعه بينيديتو لكنيسة الصليب المقدس Santa Croce، وقل أن نجد في المحاريب ما هو أقرب إلى الكمال من محراب سانتا فينا Santa Fina القائم في كنيسة سان جمنيانو san Gimignano المعهدية
وكان النحت والعمارة يوجدان عادة في أسر بعينها- كأسر دلا ربيا della Robias، وسنجالو sangalli، وروسلينو Rossllini، وبولايولو. وقد تعلم أنطونيو بولايولو عم سيموني دقة التصميم ورقته حين كان صائغاً في مشغل والد ياقوبو. وقد رفعته منتجاته من الفضة والذهب إلى مكانة جعلته تشيليني Cellini زمانه، والصديق المفضل للورندسو، وللكنائس، ومجلس السيادة في فلورنس، وطوائف الحرف. ولاحظ أنطونيو أن هذه التحف الصغيرة قلما تحتفظ باسم صانعها، وكان يتوق كما يتوق رجال النهضة إلى تخليد شهرته، فأتجه نحو النحت وصب من البرنز تمثالين فخمين لهرقول Hercules لا يقلان في قوتهما عن تمثال الاسرى لميكل أنجيلو وعن تمثال لأوكؤون الذي رمز إلى العاطفة المعذبة. ولما انتقل بعدئذ إلى الرسم روى قصة هرقول في ثلاثة رسوم جدارية لقصر آل ميديتشي، وتحدى بتيتشلى في صورة أبلو ودافني وضارع سخف مائة من الفنانين بأن أظهر كيف يستطيع القديس سبستيان أن يتلقى وهو هادئ السهام التي يرميه بها الرماة من أقواسهم على مهل، فلا تؤثر في جسمه قط. وعاد أنطونيو في سنيه الأخيرة إلى صنع التماثيل، وصب لكنيسة القديس بطرس القديمة في رومة
نصبين فخمين لقبري سكتس الثامن أظهر فيهما من قوة النت ودقة العلم بالتشريح ما يبشر مرة أخرى ببراعة ميكل أنجيلو المقبلة.
ولم يكن مينو دا فيسولي Mino da Fesole يضارع أنطونيو هذا في تعدد كفايته أو في شدة انفعاله؛ فقد قنع بأخذ فن النحت عن دزيديريو دا ستنيانو Desiderio da Settigonano، ولما مات أستاذه اكتفى بالسير على ما كان له من تقاليد في الرشاقة السهلة اللينة. ولقد بلغ من تأثر مينو بموت دزبديريو، إذا جاز أن نصدق فاساري، أنه لم يجد بعدئذ شيئاً من السعادة في فلورنس، وأخذ يطلب مناظر جديدة في روما. وفيها أذاعت شهرته ثلاث تحف فنية هي: قبرا فرنتشسكو ترنابؤوني Francesco Tornabuonj والبابا بولس الثاني، ورواق من الرخام للكردنال ده استوت فيل Cardinal d' Stouteville، فلما عادت إليه الثقة ونجا من الإفلاس عاد إلى فلورنس وزين بمحاريب بديعة كنائس سانت أميروجيو sant' Ambrogio وسانتا كروتشي (الصليب المقدس)، ومكان التعميد، وانشأ في كتدرائية فيسولي موطنه الأول قبراً مزخرفاً على الطراز الروماني القديم للأسقف سالوتاتي Salutati وصنع لدير فيسولي نصبا آخر شبيهاً به، اقل منه إمعاناً في الزخرف ليخلد به ذكرى الكونت أوجو Count Ugo مؤسس الدير. ومما تفخر به كتدرائية براتو Prato منبر من صنعه، وثمة اثنا عشر متحفاً يعرض فيها تمثال نصفي أو أكثر من تمثال نصفي حفظ فيها صورة انصاره أكثر مما تملقهم: صورة وجه نقولو استرتسي منتفخاً كأنه مصاب بالنكاف
التحف كلها الرشاقة النسوية التي أخذها مينو من دزيديريو، فهي تبعث السرور ولكنها لا تسترعي الانتباه، وليس فيها عمق؛ فهي لا تثير اهتمامنا كما تثير تماثيل أنطونيو بولايولو، أو أنطونيو روسلينو؛ وكان منشأ هذا أن مينو قد أفرط في حب ديزيديرو حتى لم يستطع إغفال النماذج التي وضعها هذا الأستاذ، ليبحث في الطبيعة الصارمة غير الرحيمة عن حقائق الحياة وما تكشف عنه من معان خفية.
أما فيروتشيو Verrocchio فقد كانت له » عين حقة « وأوتي من الشجاعة ما أمكنه به أن يفعل هذا الذي عجز عنه مينو، وأخرج أعظم آيتين من آيات النحت في عصره. كان أندريا دي ميكيلي تشيوني Andrea di Michele Cione ( لأن هذا هو أسمه الحقيقي) صائغاً، ومثالاً، وصانع اجراس؛ ورساماً، وعالماً بالهندسة النظرية، وموسيقياً. ويرجع أكبر أسباب شهرته في الرسم إلى أنه علم ليوناردو، ورندسو دي كريدي، وبروجينو Perugino وكان له فيهم أثر كبير. أما رسومه هو فأكثرها جامد، ميتة؛ وقل أن يوجد في صور عهد النهضة ما هو أبعث على النفور من صورة تعميد المسيح الذائعة الصيت؛ فالمعمد فيها متطهر متزمت، عنيد، والمسيح وهو على ما يظن في الثلاثين من عمره يبدو كأنه شيخ مسن؛ والملاكان اللذان إلى يساره فدمان فدامة نسوية، ومن هذه الصور صورة المَلَك التي كان من العادة أن تعزى إلى ليوناردو؛ غير أن صورة طوبياس والملائكة الثلاثة صورة ممتازة؛ وفي صورة الملك الوسطى ما يستبق رشاقة صور بتيتشلي ومزاجه، كما أن صورة الشاب طوبياس تبلغ من الجمال حداً لا يسعنا معه إلا ان نقول إنها هي صورة لورندسو أو أن نقّر أن دافنتشي قد اخذ من طراز فيروتشيو في التصوير أكثر مما كنا نظن. وثمة رسم لرأس امرأة محفوظ في كنيسة المسيح Christ Church بأكسفورد يوحي مرة أخرى بالتفكير السماوي الغامض الذي يطالعنا في صور نساء ليوناردو،
كما أن صور مناظر فيروتشيو الطبيعية القائمة تنبئ مقدماً بالصخور القاتم والمجاري الخفية الغامضة التي نشاهدها في آيات ليوناردو الخيالية الحالمة.
وأكبر الظن أن ثمة كثيراً من الخيال في القصة التي يرويها فاساري عن فيروتشيو ويقول فيها إنه لما رأى صورة الملاك التي رسمها ليوناردو في تعميد المسيح »اعتزم ألا يمسك الفرشاة مرة أخرى، لأن ليوناردو وهو لا يزال في شرخ الشباب قد بزه في هذه الصورة«(26). ولكننا نعلم أن فيروتشيو، وإن ظل يشتغل بالتصوير بعد ظهور صورة التعميد قضى في الواقع معظم سني حياته بعد نضوجه في الاشتغال بالنحت، فعمل بعض الوقت مع دوناتلو وأنطونيو بولايولو، وتعلم من كل منهما شيئاً، ثم نَـــمَّى هو طرازه الخاص الذي يمتاز بالصرامة وبالزوايا. وأخذ يشق طريقه بنفسه فصب من الصلصال المحروق تمثالا نصفياً مبرءاً من الملق للورندسو-أظهر فيه أنفه، وقُصَّته
من البرنز فجوة في جدار أورسان ميتشيل من الخارج ومجموعة من تماثيل المسيح وتومس الشاك (1483). وصورة المسيح تنم عن النبالة القدسية، كما أن تومس قد صور بعطف وإدراك، وقد صقلت يداه صقلا بلغ من الكمال حداً قلما يرى له نظير في التماثيل؛ وتمثل الأثواب انتصار فن النحت، والمجموعة كلها تطالعك بواقعية حية يخيل إليك أنها تتحرك.
وقد بلغ تفوق فيروتشيو في صناعة التماثيل والنقوش البرونزية من الوضوح حداً لم يسع مجلس شيوخ البندقية معه إلا أن يدعوه (1479) إلى تلك المدينة ليصب لها تمثالاً لبرتولومبو كليوني Bartolomeo Colleoni، المحارب المغامر الذي كسب النصر لدولة الجزيرة في عدة وقائع. ولبى أندريا الدعوة، وعمل نموذجاً للجواد، وكان يتأهب لصبه من البرنز حين علم أن مجلس الشيوخ يفكر في أن من الخير أن يقصر عمله على صنع تمثال الجواد وحده، وأن يترك تمثال راكبه إلى فيلانو Vellano من أهل بدوا. فما كان من أندريا، كما يقول فاساري إلا أن حطم رأس النموذج وسيقانه وعاد إلى فلورنس مغضباً حانقاً. وأنذره مجلس الشيوخ أنه إذا وطئت قدماه أرض البندقية بعدئذ حطم رأسه تحطيماً حقيقياً لا مجازياً، فأجابه بأن ليس له لأن يتوقع عودته إلى المدينة لأن الشيوخ لم يؤتوا كما أوتى المثالون من المهارة ما يستطيعون به أن يعيدوا الرؤوس المحطمة إلى أصحابها. ثم عاد مجلس الشيوخ ففكر في الأمر تفكيراً خيراً من تفكيره الأول، وعهد إلى فيروتشيو بالمهمة كلها مرة أخرى، وأقنعه بأن يعود إلى عمله نظير أجر يعادل ضعفي الأجر الأول؛ فعاد وأصلح رأس نموذج الجواد وأفلح في صبه؛ ولكن المكان الذي كان يعمل فيه ارتفعت حرارته أثناء العمل ارتفاعاً كبيراً، ,اصيب فيروتشيو ببرد وقشعريرة، ومات بعد بضعة أيام وهو في السادسة والخمسين من عمره (1488)، ولما وضع أمامه في ساعاته الأخيرة صليب خشن الصنع، طلب إلى من حوله أن يبعدوه عنه وأن يأتوا
إليه بصليب آخر من صنع دوناتلو، حتى يموت، كما كان يعيش، في حضرة الأشياء الجميلة.
وأتم المثال البندقي السندرو ليوباردي Alessandro Leopardi التمثال العظيم. وأخرجه في طراز حي، وأبرز فيه على خير وجه من الحركة والسيطرة ما نفي عن هذا التمثال أية خسارة بموت فيروتشيو. وأقيم التمثال في كامبو دي سان دسانيوبولو Campo di San Zaniopolo- ميدان القديسين يوحنا وبولس؛ ولا يزال يزهو فيه إلى اليوم، وهو أجمل ما بقي من عصر النهضة من تماثيل الفوارس وأعظمها خيلاء.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق