طراز الباروك
ظهر الكثير من المصطلحات الفنية التي يستخدمها مؤرخو الفن أول ما ظهرت ضمن ألفاظ القدح والاستهجان، فكان لفظ (القوطي) على سبيل المثال مرادفاً لمعنى المخرّب أو الهمجي المدمّر الذي لا يعير مواطن الجمال التفاتاً. وبقي لفظ "الباروك" يرد في قاموس أكسفورد للجيب حتى طبعة عام 1934 يدل على كل ما هو شائه غريب، ومثلهما كلمة "انطباعي " التي صاغها أحد النقّاد في معرض السخرية والاستهزاء. على أن هذه المصطلحات ما لبثت أن تخلّصت من إيحاءاتها الجارحة وبتنا نستخدمها الآن بمعناها الوضعي للإشارة إلى أساليب أو طرز أو مراحل فنية معينة، فنَصِفُ منجزات فنية عاجية أو مصورات منمنمة بأنها ذات طراز قوطي، ونشير إلى مبان معينة بأنها ذات طراز باروكي، ونسم لوحات مصورة بأن قد رسمها فنانون انطباعيون وهكذا. غير أن يقيننا ما يلبث أن يهتز ويتداعى عندما نصل إلى المناقشة النظرية حول الحدود الفاصلة بين هذه الطرز الفنية، فهل يمكن على سبيل المثال أن نعدّ الفنان جيبرتي قوطياً، وهل نعزو رمبرانت إلى العصر الباروكي، أو ديجا إلى المدرسة الانطباعية؟ يذهب مؤرّخ الفن جومبرتش إلى: "أن مثل هذه التعريفات المحدّدة قد تؤدّي بنا إلى ألوان من اللبس والإبهام على الرغم من أنها قد تكون أحياناً ذات فائدة لأنها تدفعنا إلى التأمّل، غير أن هذه التعريفات التي نلصقها بالمنجزات الفنية تختلف الاختلاف كله عن تلك التعريفات ذات الدلالة عند علماء الحشرات - على سبيل المثال - التي يشيرون بها إلى أنواع الفراشات المختلفة، إذ يتعذّر عند مناقشة الأعمال الفنية أن نفصل فصلاً قاطعاً بين ما هو وصف وما هو نقد". على حين يذهب الفيلسوف بنيديتو كروتشه إلى: "أن تحديد الطرز الفنية لا يؤدي إلا إلى عزلة كل عمل فني عن غيره"، وإن أقرّ بأن التصنيف بصفة عامة رغم كونه شرّاً لا بد منه فهو أداة ضرورية. هذا إلى أن التصنيف هو اجتهاد بشري قابل للتعديل والتغيير ومن هنا يمكن اعتباره أداة نافعة، فالإنسان مطبوع على تصنيف الظواهر والأشياء. كما يذهب أيضاً إلى: "أن التعريفات التي يضعها المرء لتجاربه موصولة بالواقع منبثقة عنه، وتاريخ الفكر يمدّنا بنماذج شتّى، كالتفرقة بين الحر والبرد والومد والجفاف وبين فصول السنة، مثلما اتسمت حياتنا السياسية بعبارات اليمين واليسار وبتصنيفات جديدة في مجالي علم النفس والاجتماع كالمنطوي والمنبسط والاجتماعي والعزوف عن الناس. وطالما ظللنا نفحص وننقد فسوف نفيد من هذا التصنيف الذي ينطبق بدوره على الطرز الفنية التي قدّمها علم الجمال إلى ساحة النقد". وما من شك في أن استخدام هذه التعريفات والمصطلحات مفيد لدارسي الأساليب الفنية غير أنه ينبغي أن نضع في اعتبارنا أن بعض هذه الأسماء أو البطاقات التي يستخدمها مؤرخ الفن قد تكون مضللة، إذ الواقع أن سلسلة الطرز والأساليب والمراحل الفنية التي يعرفها كل مبتدئ كالطراز الكلاسيكي والقوطي والرومانسكي وعصر النهضة والباروكي والروكوكو والكلاسيكي المحدث والرومانسي ما هي في الواقع إلا أقنعة تحتجب وراءها مرحلتان أساسيتان هما المرحلة الكلاسيكية والمرحلة غير الكلاسيكية. فلم تكن كلمة "القوطي" تعني عند المؤرخ الفنان فاساري مثلاً إلا الطراز المعماري الذي استخدمته القبائل الجرمانية الغازية التي اجتاحت الإمبراطورية الرومانية خلال القرن الثاني عشر، ومن ثم استند في وصفه لهذا الطراز "المنحط غير الكلاسيكي" في مجال المعمار إلى ما ورد في المؤلَّف الكلاسيكي الوحيد الذي وجد فيه هذا الوصف جاهزاً ألا وهو كتاب "فن العمارة" لفتروفيوس. وكان منطقياً ألا يعنى فتروفيوس بوصف أي طراز معماري خارج عن الطراز الكلاسيكي، غير أن أحد فصول كتابه انبرى لإدانة ما كان قد بدا في عصره الروماني من تحرر في التصاوير الجدارية بما يتعارض مع الأسلوب العقلاني الرشيد الملتزم بالواقعية في الفن المعماري. وبمضاهاة العرض النقدي الذي قدّمه فتروفيوس بالصورة التي تخيّلها فاساري عن طرز البناء عند همج الشمال، يتبين لنا أن أصول المرحلة الفنية التي أطلق عليها اسم "العصر القوطي" لا تستند إلى أية مثالب في الأبنية نفسها، وإنما تستند إلى قائمة المحاذير التي وردت في كتاب فتروفيوس، فإذا فاساري يتخذها منطلقاً لأحكامه النقدية. ومن هنا شاعت قديماً صفة "القوطي" مرادفة للذوق المتدهور الذي شاع خلال العصور المظلمة قبل أن تنساب أضواء أسلوب عصر النهضة الجديد من إيطاليا صوب الشمال وعبر جبال الألب.وإذا كان لفظ "القوطي" قد انسحب في الأصل على كل ما لم يعدّ كلاسيكياً، فإن لفظ "الباروكي" قد ظهر في لغة النقد الفني باعتباره استنكاراً لخطيئة الانحراف عن الأسلوب الكلاسيكي السوي. والواقع أن نفس المصدر الذي ألهم فاساري أوصافه التي أطلقها على الطراز القوطي، هو الذي ألهم بللوري Bellori أيضاً الأسباب التي بنى عليها إدانته لفن العمارة "الفاسد!" في عصره والذي تمثّل عنده في فن بوروميني وجواريني خلال القرن السابع عشر حين قال: "ثمة أشخاص تعشّش في أذهانهم أفكار جديدة وتصورات خاصة بهم في مجال المعمار، فإذا بهم يعرضونها في الميادين وواجهات المباني. وأولئك لا يتمتعون يقيناً بأية معرفة لائقة بالفنان المعماري فينتحلون صفته دون وجه حق. إنهم يشوّهون أبنية الماضي ومدنه وآثاره بما استحدثوه من فوضى، ويسيئون إلى طرز البناء الراسخة بما يضيفون إليها من رسوم جدارية متدهورة وحليات معمارية تافهة الشأن وبدع لا يرضى عنها فتروفيوس". وفي الحق إن بللورى لم يستخدم لفظ "الباروك" صراحة، وإنما هم مفكرو القرن الثامن عشر الذين استخدموا لفظي القوطي والباروكي تعبيراً عن الذوق الشاذ الغريب. وبمضي الوقت تحددت وظيفة المصطلحين اللذين يشيران أصلاً إلى ما هو غير كلاسيكي، فغدا لفظ "القوطي" يدل على ما لم يعد كلاسيكياً أو على ما كان همجياً، واقتصر لفظ "الباروكي" على وصف ما لم يعد بعد كلاسيكياً أو ما عرض له من وهن وانحلال.
على أنه مهما كان الخلاف بين الواقعيين من ناحية وبين الاسميين من ناحية أخرى، فلا شك أن التصنيفات والمسميات المناسبة للتعبير عن غرض معين قد تفقد دلالتها لو استخدمت في سياق آخر. وليس معنى ذلك أن أصول هذه المسميات لا بدّ أن تؤخذ في الاعتبار من جانب من يستخدمونها، فاكتشاف أن الأسلوب القوطي لا علاقة له بالقوط أنفسهم هو أمر لا يهم مؤرخ الفن في شيء طالما لا زال يجد هذا الوصف ذا نفع، إذ أن ما يهمه من حيث تاريخ المصطلح نفسه هو قدرة هذا المصطلح أو افتقاره إلى التمييز بين المنجزات الفنية. ذلك أن أغلب التعبيرات الفنية قد نشأت في صورة مصطلحات ذات طابع سلبي مثل لفظة "همجي" Barbaric والتي لم تكن تعني في الحقيقة أكثر من "غير يوناني"، وإنما استمدت هذه المصطلحات قيمتها الفنية عندما وقع عليها الاختيار للتعبير عن طرز خاصة ذات سمات محددة.
والواقع أننا لن نستطيع التوصل إلى نظرية متكاملة عن الأسلوب الفني سواء عن طريق النظريات النقدية المبنية على ترسم النماذج التقليدية أو عن طريق التعريفات الوصفية. والسبل المثلى هي تلمّس القيم الفنية الحقة في المواصفات التي تعد من الأمور المسلم بها في نطاق فترة زمنية معينة، وتحديد الأولويات التي يتصور الفنان أنها ضرورية محاولاً من خلالها التوفيق بين المتطلبات المتضاربة في إطار العمل الفني. ومثل هذا المنحى من جانبنا سوف يجعلنا أشدّ التزاماً بالنماذج الكلاسيكية، كما سوف ييسر لنا في ذات الوقت استيعاب وتذوق الأعمال غير الكلاسيكية التي تمثّل اكتشافات أو ابتكارات جديدة تماماً في مجال التعبير الفني.
والباروك تطوّر فنّي نشأ قرب نهاية القرن السادس عشر (1580- 1720) خلال الفترة الممتدة بين ازدهار "الطراز التكلفي " في إيطاليا وبداية اضمحلاله بظهور طراز الروكوكو في مطالع القرن الثامن عشر. وأصل الكلمة مشتق من كلمة باروكو Barroco البرتغالية ومعناها اللؤلؤة الخام أو الخشنة، وهو ما يشير إلى حد ما إلى ما ينطوي عليه طراز الباروك من عدم انتظام في الشكل وإن كان مقصوداً لذاته، بغية إضفائه طابعاً مسرحياً مهيباً على الأثر الفني. وينطبق مصطلح الباروك على كل من فنون العمارة والنحت والتصوير، كما يتجلى في أروع صوره عند اندماج الفنون الثلاثة كلها معاً. وإذا كان ميكلانجلو هو أول من أرهص بتطوير الأثر الدرامي للحركة في الفراغ في لوحته (يوم الحساب)، فلقد أسهم كارافاجيو هو الآخر بتبايناته الضوئية في هذا التطوير. وشهدت روما في عهد برنيني امتداد موجة التصوير الباروكي إلى أقصى مداها لا من خلال العبقرية التي اتصف بها المصورون وقتذاك وإنما من خلال حسهم الرهيف بالمعمار والنحت وحيل الإيهام الجريئة التي استخدموها في منجزاتهم.
على أنه لا يجوز النظر إلى الطراز الباروكي من وجهة النظر الجمالية فحسب، فهو وثيق الارتباط بالظروف الدينية والاجتماعية والسياسية وخاصة بحركة مناهضة الإصلاح الديني، ومن هنا كان هدف الطراز الباروكي المسرحي المثير دعائياً خالصاً، حتى ليمكن القول بأن الطراز الباروكي هو التعبير الوجداني عن الكاثوليكية. ومع ذلك فقد انسحب الطراز الباروكي بالمثل إلى خدمة الأهداف الدنيوية تعزيزاً لسلطة الملوك والأمراء كما سنرى. كذلك لم يقتصر ظهوره على إيطاليا وحدها بل امتد إلى دول أخرى تسيطر عليها الأرستقراطية وتتفشى فيها الكاثوليكية مثل جنوب الأراضي الواطئة وإسبانيا والبرتغال، كما انتشر بالعالم الجديد في المكسيك والبرازيل.
على أنه مهما كان الخلاف بين الواقعيين من ناحية وبين الاسميين من ناحية أخرى، فلا شك أن التصنيفات والمسميات المناسبة للتعبير عن غرض معين قد تفقد دلالتها لو استخدمت في سياق آخر. وليس معنى ذلك أن أصول هذه المسميات لا بدّ أن تؤخذ في الاعتبار من جانب من يستخدمونها، فاكتشاف أن الأسلوب القوطي لا علاقة له بالقوط أنفسهم هو أمر لا يهم مؤرخ الفن في شيء طالما لا زال يجد هذا الوصف ذا نفع، إذ أن ما يهمه من حيث تاريخ المصطلح نفسه هو قدرة هذا المصطلح أو افتقاره إلى التمييز بين المنجزات الفنية. ذلك أن أغلب التعبيرات الفنية قد نشأت في صورة مصطلحات ذات طابع سلبي مثل لفظة "همجي" Barbaric والتي لم تكن تعني في الحقيقة أكثر من "غير يوناني"، وإنما استمدت هذه المصطلحات قيمتها الفنية عندما وقع عليها الاختيار للتعبير عن طرز خاصة ذات سمات محددة.
والواقع أننا لن نستطيع التوصل إلى نظرية متكاملة عن الأسلوب الفني سواء عن طريق النظريات النقدية المبنية على ترسم النماذج التقليدية أو عن طريق التعريفات الوصفية. والسبل المثلى هي تلمّس القيم الفنية الحقة في المواصفات التي تعد من الأمور المسلم بها في نطاق فترة زمنية معينة، وتحديد الأولويات التي يتصور الفنان أنها ضرورية محاولاً من خلالها التوفيق بين المتطلبات المتضاربة في إطار العمل الفني. ومثل هذا المنحى من جانبنا سوف يجعلنا أشدّ التزاماً بالنماذج الكلاسيكية، كما سوف ييسر لنا في ذات الوقت استيعاب وتذوق الأعمال غير الكلاسيكية التي تمثّل اكتشافات أو ابتكارات جديدة تماماً في مجال التعبير الفني.
والباروك تطوّر فنّي نشأ قرب نهاية القرن السادس عشر (1580- 1720) خلال الفترة الممتدة بين ازدهار "الطراز التكلفي " في إيطاليا وبداية اضمحلاله بظهور طراز الروكوكو في مطالع القرن الثامن عشر. وأصل الكلمة مشتق من كلمة باروكو Barroco البرتغالية ومعناها اللؤلؤة الخام أو الخشنة، وهو ما يشير إلى حد ما إلى ما ينطوي عليه طراز الباروك من عدم انتظام في الشكل وإن كان مقصوداً لذاته، بغية إضفائه طابعاً مسرحياً مهيباً على الأثر الفني. وينطبق مصطلح الباروك على كل من فنون العمارة والنحت والتصوير، كما يتجلى في أروع صوره عند اندماج الفنون الثلاثة كلها معاً. وإذا كان ميكلانجلو هو أول من أرهص بتطوير الأثر الدرامي للحركة في الفراغ في لوحته (يوم الحساب)، فلقد أسهم كارافاجيو هو الآخر بتبايناته الضوئية في هذا التطوير. وشهدت روما في عهد برنيني امتداد موجة التصوير الباروكي إلى أقصى مداها لا من خلال العبقرية التي اتصف بها المصورون وقتذاك وإنما من خلال حسهم الرهيف بالمعمار والنحت وحيل الإيهام الجريئة التي استخدموها في منجزاتهم.
على أنه لا يجوز النظر إلى الطراز الباروكي من وجهة النظر الجمالية فحسب، فهو وثيق الارتباط بالظروف الدينية والاجتماعية والسياسية وخاصة بحركة مناهضة الإصلاح الديني، ومن هنا كان هدف الطراز الباروكي المسرحي المثير دعائياً خالصاً، حتى ليمكن القول بأن الطراز الباروكي هو التعبير الوجداني عن الكاثوليكية. ومع ذلك فقد انسحب الطراز الباروكي بالمثل إلى خدمة الأهداف الدنيوية تعزيزاً لسلطة الملوك والأمراء كما سنرى. كذلك لم يقتصر ظهوره على إيطاليا وحدها بل امتد إلى دول أخرى تسيطر عليها الأرستقراطية وتتفشى فيها الكاثوليكية مثل جنوب الأراضي الواطئة وإسبانيا والبرتغال، كما انتشر بالعالم الجديد في المكسيك والبرازيل.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق