السبت، 25 سبتمبر 2010

فنون عصر النهضة - ثروت عكاشة -ياكوبو باسانو (1510- 1592)











 
ياكوبو باسانو (1510- 1592)

كان انتقال أهل المدن إلى الريف إبّان العصور الوسطى محفوفاً بالمخاطر، ولذا لم يتح للتصوير البندقي أن يسجّل مشاهد الريف إلا بأخرة. وقد ظلّ الأمر على هذا المنوال حتى أمكن إخضاع الريف شيئاً فشيئاً لسلطان المدن القريبة منه فأصبح الانتقال إليه آمناً، وبات المصورون قادرين على تصوير المشاهد الخلوية الريفية أيضاً، فلقد لقي عشق الريف حظّه من أدب الكتّاب الإيطاليين خلال عصر النهضة، ولم يتردّد الإيطاليون في اتباع كل ما كان يؤثره الأسلاف الرومان العظام وخاصّة إذا كان يتفق مع ميولهم الطبيعية ومع ممارساتهم اليومية، فكان من عادات القادرين الاستجمام في دورهم الريفية شطراً من العام. ولا ننسى أن الشعراء الكلاسيكيين القدامى وعلى رأسهم فرجيل قد شجّعوا بقصائدهم على الافتتان بجمال الريف وسكونه العميق، كما انساق الكثير منهم إلى التعلّق بالحياة الريفية حتى تاقوا إلى أن يكون بين أيديهم في المدينة ما يذكّرهم بالريف. ولهذا بدأ الفنانون يصوّرون الشخوص المقدسة تحت الأشجار الوارفة وسط المشاهد الخلوية الجذابة، وشيئاً فشيئاً اطرحوا مجموعات العذراء والقديسين التقليدية وانبروا يصوّرون مشاهد الحفلات الريفية والحفلات الموسيقية الخلوية وشرفات الفيلات وجماعات الصيد والنزهات في الغابات. غير أن ياكوبو باسانو Bassano الذي تلقّى تدريبه في البندقية وكانت صوره في مبدأ الأمر لسكان البلدة الصغيرة التي اشتق منها اسمه لم يقنع بتصوير أهل المدن في حدائقهم فحسب، بل انتقل إلى تصوير المناظر الطبيعية ذاتها، فكان بارعاً في معالجة الضوء والبيئة المحيطة حتى ليعد في الحق أوّل مصوّر عصري للمناظر الطبيعية (لوحة 111، 112). وإذ كان تتسيانو وتنتوريتو وجورجوني بل وبلليني قد سبقوه إلى تصوير مناظر طبيعية بديعة إلا أنها لم تكن في معظمها دراسات عن الطبيعة مباشرة بل كانت مجرد خلفيات زخرفية لتجميل عناصر الصور الدينية أو الدنيوية، ومن هنا كان باسانو أول مصور إيطالي حاول تصوير مشهد من الطبيعة الريفية كما تبدو في الواقع دون اصطناع. ولا تكمن أهمية باسانو في تهافت المتذوقين على شراء لوحاته وإنما لأنه كان يمتلك العديد من الصفات الجوهرية لمصور المناظر الطبيعية الموهوب، يأتي على رأسها الصدق الواقعي والتلقائية. كذلك كان أول من مهّد الطريق الذي انتهى بظهور فيلاسكيز، فإن أحد مناقب مدرسة البندقية للتصوير أنها قطعت شوطاً أبعد من سواها في تكوين هذا الأستاذ الإسباني العظيم الذي بدأ بالتتلمذ على يدي باسانو، وإن لم يبلغ أسلوبه غايته من النضج إلا بعد ما عكف عدة سنين يدرس أعمال فيرونيزي وتتسيانو وتنتوريتو.





 
ياكوبو باسانو: الفردوس الدنيوي. وقد تولى فرنشيسكو ابن الفنان تصوير الشخوص في هذه اللوحة. جاليريا دوريا بامفيلي. روما.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق