كريفيللي (1457 - 1493)
وقد ورثت البندقية عن بيزنطة عشقها للماديات، كما ورثت عنها أيضاً منهجها في صياغة "الشكل"، وعلى حين كانت الأحجار النفيسة في بيزنطة هي منبع التألّق والتوهّج اتخذ "الشكل" عندهم سمة كهنوتية جامدة. وجاءت البندقية لتزاوج في لوحاتها المصوّرة بين هاتين الفكرتين المستقلّتين بعد أن أخضعتهما سوياً للحسّ، الأمر الذي أسفر عن فن ذاتي شديد التفرّد يدين بالكثير إلي مدرسة بادوا التي يرتبط بها ارتباطاً تاريخياً، والتي كانت تنبض بالحرص على إشاعة نوع من الصلابة في تصاويرها تثير في الذهن إحساساً بالتطلّع إلى كتل من الرخام، وبهذا تتحاور مع حاسّة اللمس مثلما تتحاور مع حاسّة البصر، كما يكثّف تماسك حوافّها المحوطة الإيحاء برؤية نثار من الأطلال. ولقد تميّز هذا الاتجاه الذي حمل لواءه أندريا مانتنيا على نحو ما سنرى بقدر من الشطط، وكان أوّل من حذا حذوه في البندقية هو المصوّر كريفيللي Crivelli، وهو فنان من شمال إيطاليا صوّر مشاهد الطبيعة الساكنة تصويراً رائعاً وبجاذبية آسرة مثيرة للحواس، كما أبدع تحفاً مصوّرة بالغة الروعة أضفى عليها حذلقته التنميقية الأثيرة، كما فرض على شعور نسائه تموّجات منتظمة تلتفّ في مثل حلزونية الأصداف، وهو ما لم يترك لعناصر الحسّ أو الشكل أن يعتدي أحدهما على الآخر بل على العكس.;وتميّز فنّه بالاستمساك بتقاليد جزيرة مورانو البيزنطية النزعة المولعة بالأسطح المزخرفة البالغة الإسراف في تنميقها المغرق في الخيال والمعني بالتفاصيل. ولا نزاع في أن كريفيللي هو أحد أكثر المصوّرين البنادقة فتنة وجاذبية، تتحدّث بهما أعماله التي تميّزه وتمتاز عن غيرها بخروجها عن المألوف (لوحات 15، 16، 17).
كريفيللي: القديس جورج يصرع التنين. متحف إيزابيللا ستيورات جاردنر. بوسطن.
كريفيللي: مريم المجدلية. متحف ريكس بأمستردام.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق