السبت، 25 سبتمبر 2010

فنون عصر النهضة - ثروت عكاشة -جورج ديلاتور (1593- 1652)










فن الباباروك
 
جورج ديلاتور (1593- 1652)
ويبرز من بين مصوّري القرن السابع عشر جورج ديلاتور George de la Tour الذي قضى معظم حياته في مسقط رأسه الذي كان يعجّ بنشاط لا ينقطع. وقد ذاع صيته في باريس عندما عيّن ضمن مصوّري الملك لويس الثالث عشر، وكان من قبل ينعم برعاية أمراء اللورين الذين كانوا على صلة وثيقة بآل مديتشي في فلورنسا، ومن هنا كانت رحلته إلى إيطاليا التي تعرّف فيها على خلفاء كارافاجيو الذي لقن عنه الكثير من تقنية أسلوبه الفاتح والداكن (كياروسكورو)، كما تكشف أعماله عن علاقته بمصوّري أضواء الشموع الهولنديين وخاصة هونثورست Honthorst . وعلى يدي ديلاتور اكتسب أسلوب كارافاجيو والمدرسة الهولندية في إنارة المشاهد بالضوء الصناعي روعة بغير نظير، ظفر من أجلها بلقب "أستاذ الشموع".
وقد جاء على ألسنة بعض المتصوّفة المسلمين من مشارقة وأندلسيين إشارة إلى ما يجدونه في الليل من خلوة صحيحة تصلهم بالمعشوق الأول وهو ما لا يجدونه في النهار الفاضح، ومن أجل هذا كانوا يؤثرون الليل بنجومه على النهار. وعن هذه النزعة التصوفية الأندلسية كانت النزعة التصوفية التي سادت بعض مسيحيي أوربا في القرن الحادي عشر. وهذا الذي نزع إليه متصوفة المسيحية مثل القديسة تيريزا من أفيلا وغيرها نزع إليه بعض المصورين مثل كارافاجيو وديلاتور وغيرهما، فكان تصوير الليل هو الفرصة الوحيدة التي تتيح لهم الكشف عن كل مكنون، وعلى هذا جرت تصاويرهم.
وتشدّنا لوحة "مريم المجدلية في لحظة تأمّل على ضوء شمعة" (لوحة 238) بانقضاض ضوء الشمعة وصورتها على صدر مريم انقضاضاً يكشف عن تماسك كتلته الملساء، كما يشدّنا بتناغم اللون الأحمر البنفسجي مع اللون الذهبي، وبساطة كتل التكوين الفني، ورهافة التحوير الذي نعهده دائماً في المدرسة الفرنسية. كذلك تكشف لوحة "يوسف النجار والصبي يسوع" (لوحة 239) بتفاصيلها الشديدة الواقعية عن الجهد الشاق الذي يبذله النجّار الضخم البنية القوي الساعد بعروقه النافرة المتفجّرة وتغضّنات جبينه. وعلى النقيض من هذا الطيف الظلي المادي الثقيل الكتلة يتألق الطفل يسوع وقد أضفى عليه ضوء الشمعة روحانية شفافة. ورويداً رويداً ندلف إلى الغموض الذي يكتنف اللوحة حيث نشهد في الظل العارضة التي ينقبها النجار فتستحضر ذاكراتنا الصليب. وستبقى لوحة "يوسف النجار والصبي يسوع" من أجمل النماذج المصوّرة للمشاهد الليلية والدينية، تنبض بمجد ديلاتور بوصفها أروع ما قدمه. غير أن الكسوف لم يلبث أن غشّى اسم جورج ديلاتور تحت تأثير سوط دكتاتورية لوبران وأكاديميته. ومع ذلك فلا ننسى أن لويس الثالث عشر قد ظل إلى النهاية مولعاً بأسلوبه إلى الحد الذي قرّر معه نزع كل اللوحات المعلّقة بغرفة نومه ليستبدل بها لوحة "القديسة إيرين تبكي مصير القديس سباستيان المفجع" لجورج ديلاتور (لوحة 240).
ولم يبعد مؤرّخ الفن رينيه ويج حين لقّب جورج ديلاتور "بأستاذ الجفون المسدلة"، فلا نجد في شخوصه الذين صوّرهم مستغرقين في تأمّلاتهم من يشخص ببصره نحونا وقلّ أن يلتفت أحدهم إلى الآخر، وهو ما لم يفعله في لوحاته التي رسمها في المرحلة الأولى من حياته، إذ جميعهم منشغلون بالتأمّل في نفوسهم يستكنهون ما فيها من أسرار خفية، كما نجدهم مطرقين بأبصارهم إلى الأرض وقد أسدلوا جفونهم في خشية وتواضع، وهو ما يعكس وقدة التوهّج النفسي، فيبدو يوسف النجار وكأنه مستغرق في سبات تراوده أحلام، ويبدو القديس سباستيان يعالج سكرات الموت والخنجر مستقر في صدره وكأنه في غمرة من التفكير لمغادرته العالم الزائل إلى العالم الخالد. وحتى الطفل الوليد حين صوره ديلاتور لأول عهده بالحياة جعله هو الآخر ذا نظرة عميقة تأملية إلى ما في نفسه عله يستشف منها ما يخبئه له الغيب... ولم جاء؟ (لوحة 241).
ولعل ميل ديلاتور إلى أن يخصّ نفسه بتصوير ما يجنّه الليل مردّه إلى أنه كان يرى الضوء الباهر يحول دون النفاذ إلى النفس ولا نقع فيه إلا على ما هو مادي. ومن هنا كانت كراهيته لتصوير المشاهد الباهرة الأخّاذة، وكذا تصوير كل ما هو حركي لأنه ينتزع من المشهد صفة السكون والتأمّل، فالحركة الحقيقية في رأيه لا تتجلى إلا فيما تخفق به النفوس، لكأنه يستشرف مقولة أنطوان ده سانت إكسوبرى على لسان "الأمير الصغير": "المرء لا يحسن الرؤية إلا بقلبه، فالجوهر خفي عن الأنظار".
ولا يحذو ديلاتور حذو كارافاجيو في تصويره للمناظر الليلية فحسب بل في تصويره أيضاً لعامة الناس على نحو ما نرى في لوحة "لاعبات الورق" (لوحة 242) ولوحة "عازف الجيروندا الضرير" (لوحة 243)، ولوحة "المنجّمة تقرأ الطالع"  (لوحة 244 أ، ب، ج).
ولقد غشّىالنسيان هذا الفنان منذ اختفت لوحاته التي كانت تنسب خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر إلى أشياع كارافاجيو إلى أن بدأ الدارسون منذ بضع سنين يجمعون لوحاته والوثائق الخبيئة بالأرشيف المتحدثة عن فنه، فأتيح لهم إلقاء الضوء على عبقرية هذا الفنان الذي لم تكد لوحاته تعرض عام 1943 في معرض الفن الواقعي بباريس حتى أعادت إليه ما كان جديراً أن يظفر به من شهرة وتكريم.




جورج ديلاتور: مريم المجدلية في لحظة تأمل على ضوء شمعة. متحف اللوفر. 
جورج ديلاتور: يوسف النجار والصبي يسوع. متحف اللوفر.
جورج ديلاتور: القديسة إيرين تبكي مصير الشهيد القديس سباستيان. كنيسة برولييه. بيدمونت. 
جورج ديلاتور: الوليد الجديد. متحف رن بفرنسا. 
جورج ديلاتور: لاعبات الورق. متحف اللوفر.
جورج ديلاتور: لاعبات الورق. متحف اللوفر. (تفصيل).
جورج ديلاتور: عازف الجيروندا الضرير. متحف الفنون الجميلة. نانت. 
جورج ديلاتور: المنجمة قارئة الطالع. متحف المتروبوليتان.
جورج ديلاتور: المنجمة. (تفصيل).
جورج ديلاتور: المنجمة. (تفصيل).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق