السبت، 25 سبتمبر 2010

فنون عصر النهضة - ثروت عكاشة -بالاديو (1508- 1580)











 
بالاديو (1508- 1580)

والثابت أن تصميمات سانسوفينو المعمارية كانت ذات أثر بعيد على أندريا بالاديو Andrea Palladio أعظم
مهندسي طراز البندقية. وقد قدّم بالاديو مؤلّفه البعيد الأثر "أربعة كتب عن العمارة" Four Books of Architecture والصادر في البندقية عام 1570 دون أن تفوته الإشارة في مقدمته إلى مكانة أستاذه الروماني القديم فتروفيوس، فمن وحي الأبحاث القيّمة المتبقية من مؤلفات هذا المهندس الكلاسيكي اندفع بالاديو إلى الدراسة التفصيلية للآثار القديمة، وبعد أن تبيّن له أنها جديرة بدراسة أشدّ دقّة وإتقاناً وأكثر عمقاً ممّا ظنّ في بادئ الأمر شرع يقيس بمنتهى الحرص والعناية أدقّ أجزائها، ومن ثم قامت أفكاره على الدراسة المعمّقة للتصميمات التقليدية الكلاسيكية. كذلك لا ينسى بالاديو الثناء على سلفه سانسوفينو، مطرياً "مكتبته" أجلّ الإطراء ذاهباً إلى أنها أفخم وأجمل مبنى شُيّد منذ عصر الأقدمين.
ومع أن مدينة البندقية لا تفتأ تزهو وتباهي بما تضمّه من مبان لبالاديو إلا أن مسقط رأسه "فتشنزا" تبز البندقية وتتجاوزها في هذا المجال، حتى أن الأسد المجنّح رمز القديسة مرقص يشمخ في ميدان السينيوريا بفتشنزا بنفس الشموخ الذي يتبدى به في الميدان المقابل له بمدينة البندقية التي تبعد عنها زهاء اثنين وأربعين ميلاً، فلقد كانت فتشنزا جزءاً من المساحة الشاسعة الواقعة في قلب إيطاليا والتابعة لجمهورية البندقية وقتذاك. ولعلّ أشدّ المباني جلالاً وهيبة في مواجهة الميدان الرئيس بفتشنزا هي البازيليكا (لوحة 7) المصمّمة وفق الطراز القوطي اللاحق فإذا بالاديو يعدل من عمارتها في عام 1550. وكما هي الحال في مكتبة سانسوفينو استخدم بالاديو الأعمدة الدورية في الطابق الأرضي ومن فوقها الأعمدة ذات الطراز الأيوني. وفي كلا الحالتين - المكتبة والبازيليكا - يفصل الطوابق عن بعضها البعض درابزين، كما يعلو سطح المبنيين درابزين آخر يحمل صفّاً من التماثيل، ونلحظ أن الأروقة الخارجية لكلا الطابقين في مبنى بالاديو هي أروقة مفتوحة. كذلك يكثّف بالاديو الحس الباروكي بالفراغ بتفريغ المسافات الواقعة بين الأعمدة الحاملة للعقود وبين الأعمدة الرئيسة، وبفتح طاقات مستديرة في الفسحات المثلثة الواقعة بين المنحنى الخارجي للعقود وبين الأعمدة والأعتاب مخلّفاً بذلك إحساساً أوفى وأشدّ بالعمق وسطحاً يتلاعب فيه الظلّ والضوء متماوجين.;وتقع فيلا "روتوندا" في ضواحي فتشنزا (لوحات 8، 9) وقد شيّدها بالاديو كي يلوذ بها نشداناً للراحة، وأمضى بها أخريات سني حياته الخصبة الحافلة. وكنت أظن حين قصدتها في عام 1963 أنها متحف معماري مباح للجمهور دخوله وإذا أنا أتبيّن أن الكونت أندريا دي فالمارانا قد اشتراها منذ عام 1912 وإن لم يتخذها سكناً، وقد دخلتها في غيبة أهل الدار بعد أن أتاح لي ذلك حارسها، إذ لم يكن من المعقول بعدما تكبّدت من وعثاء السفر ومشقّة الترحال إلى هذا المكان النائي أن أعود خالي الوفاض وقد صافحت يداي بابها. والروتوندا فيلا مشيّدة خصّيصاً للريف أو للضواحي مترفة الطراز وتعدّ النموذج الأصلي للمباني المماثلة التي تلتها، وتحتل ربوة تشرف على المنطقة من حولها، وتواجه بأطرافها الجهات الأربع الأصلية. وثمة مجموعات أربع من درج السلم تؤدي إلى أروقة المداخل التي يبلغ عمق كل منها ما يزيد على أربعة أمتار قليلاً كما يبلغ عرضها اثنا عشر متراً، وتنتصب فيها أعمدة أيونية. والواجهات المثلثة على غرار المعبد الكلاسيكي تزيّنها تماثيل رابضة على الطرفين وفي المنتصف. وتؤدّي أروقة المداخل إلى إحدى أفخم القاعات في العالم وأبهاها، وهي قاعة الاستقبال المستديرة التي تضفي على الفيلا اسمها "روتوندا" Rotonde أي المستديرة، تطاول المنزل نفسه ارتفاعاً حتى تلتقي بالقبة، وقد أفسحت الحنايا الناتجة عن التقاء القاعة المركزية المستديرة بالأجناب المربّعة للمبنى مكاناً لسلالم أربعة حلزونية. وقد يبدو للرائي من الخارج أن الفيلا لا تضم غير قاعة واحدة فحسب، لكنها في واقع الأمر تحتوي على اثنتين وثلاثين حجرة موزّعة في أنحاء الدار، وجميعها تستقبل كفايتها من الضوء سواء من الخارج أو من النوافذ الثماني المستديرة في قاعدة القبة.;وفي أركان الطابق الرئيس ثمّة أربع غرف استقبال كبيرة يبلغ مساحة كل منها أربعة وخمسين متراً مربعاً، فضلاً عن حجرات أربع أقل سعة وغرف الخدم والتخزين والمطبخ في أسفل المبنى (البدرون). وتتجلى عبقرية بالاديو في إنشاء دار رحبة رشيقة غير متخمة ممتدة المقاييس. ويفسر بالاديو عمله هذا في كتابه بقوله: "عندما يقدم المعماري على بناء بيت لواحد من علية القوم وخاصة من يشغل بينهم مركزاً مرموقاً، عليه أن يشيّده مزوّداً برواق وشرفات وقاعات واسعة جليلة مزخرفة في سخاء حتى يستطيع أن يستقبل الوافدين عليه بصورة لائقة، كما يشدّ انتباههم ما تقع عليه أبصارهم من زخارف مبهرة فلا يحسّون مللاً أثناء انتظارهم حضور صاحب الدار".
وبعدما تقدّم العمر بسانسوفينو وعاقته الشيخوخة عن أن يواصل نشاطه استدعى أهل البندقية بالاديو لتشييد عدّة مبان أهم ما تبقّى منها كنيسة سان جورجيو ماجيوري وكنيسة إلردنتوري (أي المخلص)، غير أن القدر لم يُمهله فودّع الحياة قبل أن يفرغ من مهمته، فواصل المعماريون البنادقة العمل فيما أخذ فيه بالاديو مستأنسين بتصميماته. وعلى الرغم مما بين هاتين الكنيستين (لوحة 10، 11) من تشابه، تتميز الأولى بموقعها المثالي الفريد المنعزل فوق جزيرة صغيرة تواجه قصر الدوج عبر البحيرة. وقد انحصرت مشكلة بالاديو في تطويع المعبد الكلاسيكي كي يلائم تصميم الكنيسة الكاثوليكية الرومانية المعتمد والمفروض مراعاته، والتي كان ينبغي أن تصمّم على شكل صليب لاتيني بمجاز أوسط ذي سقف مرتفع ورواقين أوطأ على جانبيه. وإذ كان المعبد اليوناني الروماني دائماً ذا ارتفاع موحّد فإننا نلمس على الفور أصالة المعالجة، فقد شيّد بالاديو في واجهتي كلا الكنيستين رواقاً على غرار المعبد الكلاسيكي بأعمدته وواجهته المثلّثة مواجهاً محور الكنيسة، أي على امتداد المجاز الأوسط، وأقام هذه الواجهة المثلثة فوق واجهة مثلثة أخرى مقسومة شطرين يواجه كل منهما رواقاً من الرواقين الجانبيين ويزيّن كلاً منهما أعمدة ملتصقة مسطحة على عكس الأعمدة الأسطوانية في الواجهة الأولى، وذلك للإيحاء بتراجع الأسطح نحو العمق. وهكذا قدّمت لنا عبقرية بالاديو واجهتي معبد متداخلتين تتصدّر الواجهة المثلثة العليا منهما الواجهة المثلثة الأدنى فيتدرّجان عمقاً، ومن ثم غدا اجتماع الواجهة المثلثة المكسورة عن قصد بالواجهة المثلثة المكتملة رمزاً للطراز المعماري الباروكي.
وكان آخر مبني تعهّده بالاديو هو المسرح الأوليمبي في مسقط رأسه بفتشنزا (لوحات 12، 13)، وقد بدئ في تنفيذه عام وفاته وأنهاه سكاموتزي Scamozzi وفق رسوم بالاديو التي استلهم فيها النماذج الرومانية القديمة، وكانت في حد ذاتها مصدر إلهام في تشييد وبناء الكثير من المسارح فيما بعد مثل مسرح البالاديوم في لندن وغيره.



بالاديو: بازيليكا فتشنزا.
بالاديو: فيلا فالمارانا "لاروتوندا". فتشنزا.
بالاديو: فيلا لاروتوندا. فتشنزا.
بالاديو: كنيسة سان جورجيو ماجيوري. البندقية.
بالاديو: كنيسة المخلص "الردنتوري". البندقية.
بالاديو: المسرح الأوليمبي. فتشنزا.

هناك تعليق واحد: