وليام هوجارث
(1697 - 1764)
يعدّ المصوّر وليام هوجارث أكثر الفنانين البريطانيين شعبيّة في عصره، إذ طبع الفن الإنجليزي أثناء حياته بطابعه الشخصي. وكان لاعتزازه بأسلوبه الفريد صداه في خلود صيته، فلقد كانت موضوعاته المتـّـسقة مع روح العصر، أو بمعنى آخر "رواياته المصوّرة" – كما كان يُطْـلـَـق عليها في زمانه وفي القرن التالي - أهم ما أبدعته قريحته حتى ذهب الأديب وليام هازلت إلى أن مقام هوجارث يأتي في المرتبة التالية لشكسبير باعتباره أكثر الفنانين إدراكاً لجوهر الملهاة الإنسانية. فقد ابتكر هوجارث - من خلال تنسيق مشاهده المصوّرة في سلسلة متـّـصلة تروي قصة مكتملة مستمرة من الحياة المعاصرة - لوناً جديداً من الفن انطوى شأن معظم مسرحيات عصره على حبكات مسرحية بالغة الإتقان، ومواجهات درامية عميقة، وعناصر تراجيدية متكاملة، وديكورات متنوّعة، فضلاً عن تناول أحداث اجتماعية معاصرة. وما من شك في أن الكثير من السوابق الفنية التي تناولت مثل هذه العناصر كانت متوفـّـرة، تأتي في مقدمتها سلسلة تاريخ ماري ده مديتشي لروبنز بمتحف اللوفر، وكذا الصور الهولندية الحاضّة على التمسّك بالفضيلة، واللوحات الفرنسية المصوّرة والمطبوعة بطريقة الحفر التي تسجّل السلوكيات المعاصرة بحذق شديد وخفـّـة ظل ملحوظة. والثابت أن مردّ ابتكار هذا النمط التصويري الذي يضم هذه العناصر جميعاً هو "المسرح"، ثم الأدب الروائي والشعر الهجائي الإنجليزي.
ولقد أثبت هوجارث جدارته الإبداعية بتقديم هذا اللون الجديد من التصوير الذي أطلق عليه اسم "الموضوعات الأخلاقية المعاصرة المشابهة لما يُقدَّم فوق خشبة المسرح"، إذ كان دائم التطلّع إلى الظفر بصفة المؤلف المسرحي على الرغم من أن ممثّليه كانوا يؤدون أدوارهم ضمن إطارٍ مسرحي صامت. وقد عُرضت لوحاته الأصلية ونسخها المطبوعة بطريقة الحفر للبيع في مجموعات تنتظم تفاصيل يتكرّر بعضها في كل مشهد بغية إضفاء قدر من الوحدة على السياق الفني للمجموعة بكاملها. ويبقى هوجارث أكثر المصوّرين الإنجليز شعبية بما قدمه من نمط جديد في فن التصوير، فلقد كان شديد الوضوح في تحديد أهدافه، كما انطوى إنتاجه على سمة أدبية لا تكاد تُـلحظ تُرهص بأعمال الفنان الفرنسي جروز، ومع أنه لم يقصد أن تنهج صوره نهج الرواية المسرحية تماماً إلا أن العنصر السردي تجلّى بوضوح في أعماله. ومن الإنصاف أن نقرّ بأن كافة الأحداث السّردية التي انتظمتها مجموعات صوره المطبوعة بطريقة الحفر والتي تـُـبرز مخاطر الجشع والعلاقات مع العاهرات أن مساوئ الانتخابات إلى غير ذلك، جعلته يتبوّأ عن جدارة مكانة الفنان الرائد في هذا المضمار، لقدرته الفذّة على التصوير الدرامي لسلوك الأنماط المختلفة الشائعة في مجتمعه. وشأنه شأن مصوّري طراز الروكوكو المعاصرين له كان يعرض لوحاته وكأنها منصّات مسرحية منمنمة لا يدور فوقها إلا ما يبعث على السخرية من حماقات قومه والتنديد بها. وكان هذا الاتجاه الثوري الناقد قد سبقه إليه جون جاي John Gay (1685 – 1732) حين قدّم على خشبة المسرح مسرحية "أوبرا الشحاذ " التي ظفرت بإعجاب هوجارث لأنها كانت من ناحية الشكل والمشاعر تمثـّـل نموذجاً فنياً يـُـتيح لمواهبه الإفصاح عمّـا تتطلـّـع إليه، إذ قامت على الهجاء والسخرية والفكاهة وإثارة العواطف واستمالة النفوس. وكلها عناصر ذات جاذبية شديدة بالنسبة لكافة طبقات المجتمع الإنجليزي، فضلاً عن أنها كان تنتظم العديد من الألحان والأغاني والمواقف القائمة على المفارقة بهدف السخرية من تقاليد الأوبرا الإيطالية - وهى الصيغة الموسيقية لطراز الروكوكو - وحوارها المحشو بالعبارات الطّنانة الرنانة المثيرة حيث يبدو المغنّي الخصي والمغنيَّة الأولى "البريمادونا" ينشدان أغنية حب لا ينتهي بالنهاية السعيدة المنشودة ببن العاشقين، أمام جمهور تشدُّه الواقعية غير مكترث بالرومانسية المثيرة للسخرية، فإذا هوجارث يسارع إلى تسجيل مشهد ماكهيث بطل المسرحية محاصراً بين زوجته وعشيقته، وقد ضمَّن المشهد الممثّلين والمتفرّجين على السواء.
وتقوم المسرحية على سلسلة من المفارقات، فماكهيث قاطع طريق ضال، لكنه في الوقت نفسه بطل رومانسي ينحدر من أرومة النبلاء. وعلى حين نرى اللصوص عصبة متآخية يتبادل أفرادها الوفاء والإخلاص يبدو المحامون وزبانية السجون أوغاداً محتالين. ثم تبلغ المفارقة ذروتها في النهاية على لسان المؤلف الشحّاذ حين يعلّق قائلاً: لقد تبيّن لنا خلال الأوبرا من بدايتها حتى ختامها تشابه العادات بين أفراد الطبقتين العليا والدنيا حتى بات من الصعوبة بمكان حين نتأمل الرذائل الشائعة معرفة ما إذا كان "الجنتلمان" هو الذي يقلّد رجل الشارع أم أن رجل الشارع هو الذي يقلّد الجنتلمان، فللطبقة العليا أيضاً رذائلها شأن أفراد الطبقة الدنيا. وقد أدرك هوجارث منذ البداية أن جمهور المتفرجين جدير هو الآخر بنصيب من السخرية فجعله يشكّل جزءاً من الدراما الموسيقية، وإذا هو يصوّر في النسخ المبكرة للوحة "أوبرا الشحاذ" (1728) جمهور المتفرجين في صورة كاريكاتورية غير مبال بمتابعة العرض المسرحي (لوحة 254).
ويقع المشهد الذي سجّله هوجارث قبيل خاتمة المسرحية عندما أخذت كل من لوسي - ابنة السجان في يسار اللوحة – وبولي - ابنة التاجر المخادع في يمين اللوحة - بالتوسّل إلى أبويهما للإفراج عن قاطع الطريق ماكهيث، فثمة مأزق عويص سيترتب على الإفراج عن ماكهيث، الذي يقف متوسّطاً اللوحة حائراً لا يدري أيتهما يختار من المرأتين الوفيّتين… زوجته أم عشيقته؟ وهنا تتباين الشخصية الجذّابة لقاطع الطريق مع تحجّر قلبي السجّان والمحامي المتلهّفيُن إلى مشاهدة ماكهيث وقد تدلـّـى جسده من حبل المشنقة. غير أن المؤلف يحاول الإفلات من هذا المأزق بحلٍّ يحسم الموقف، فيقضي بشنق ماكهيث، فإذا الممثـّـل يعترض المؤلف قائلاً: "إنك بهذا الحل تحوّل المسرحية إلى مأساة مع أن المفروض أن تنتهي الأوبرا نهاية سعيدة حتى نظفر برضاء الجمهور".
وكان جون ريتش منتج هذه المسرحية قد اشترى من هوجارث النسخة الأولى من هذه اللوحة، وطلب منه أن يعدّ نسخة أكبر حجماً وأحكم تفصيلاً لتعليقها في مسرحه، وهي النسخة الخامسة الموجودة حالياً بجامعة ييل بنيوهافن (1729) والتي يحتفظ التيت جاليري بنسخة منها مطابقة (1731) (لوحة 255). وهاتان النسختان الأخيرتان أشدّ إتقاناً وصقلاً من النسخ المبكّرة. وفضلاً عمّا أضافه هوجارث إلى هذه النسخة من تنقيحات إذا هو يضمّـن جمهور المتفرّجين شخصيات معروفة في المجتمع بعد أن أضفى عليهم مسحة كاريكاتورية، فرسم في أقصى اليمين "دوق بولتون" وهو يتطلّع في اشتهاء إلى "لافينيا فنتـوم" التي تؤدي دور بولي (لوحة 256) موحياً بما كان معروفاً لدى العام والخاص من علاقته بها، كما استند طرفا منصة المسرح يمنة ويساراً علي تمثاليْن لساتير يشير أحدهما إلى دوق بولتون. وكان للنجاح الذي استـُـقبلت به لوحة "أوبرا الشحاذ" ما أقنع هوجارث بأن مشاهده المصوّرة المستمرة من الحياة اليومية الساخرة لأنماط المجتمع السائدة آنذاك ستظفر بإعجاب كاسح. ومن هنا يرجع الفضل إلى جون جاي في ظهور أسلوب تصويري جديد مبتكر ما لبث أن شاع في كافة الدوائر الأدبية والفنية بأوربا، فإذا هو يخلّف أثره في فرنسا على ديدرو، وفي البندقية على الكاتب المسرحي كارلو جولدوني والمصور بييترو لونجي كما أسلفت، وفي ألمانيا على جوتولد لسنج ورفاقه من الأدباء والفنانين. غير أن هوجارث سبقهم جميعاً حين انتقل من نطاق المسرح المستوحَى من مشهد "أوبرا الشحاذ" إلى تصوير البورتريهات و"صور اللقاءات الودّيةومجالس الألفة ". وهي صور لبورتريهات جماعية تضم أفراداً رفعوا الكلفة فيما بينهم كأفراد أسرة أو مجموعة أصدقاء موزعين أمام خلفيّة من الأثاث والمقتنيات المألوفة داخل الدور بينا يتسامرون أو يشغلون أنفسهم بالحكايات والنوادر والشائعات المتداولة (لوحات من 257 إلى 261). وعادة ما كانت هذه الصور صغيرة الحجم. وترجع النماذج الأصلية لهذا النوع من الصور إلى الفن الفلمنكي والهولندي في القرن السابع عشر. وقد شاع هذا النوع من الصور وتألّق بصفة خاصة في البورتريهات الإنجليزية خلال القرن الثامن عشر على يد هوجارث وغيره، فقد وجد الفنانون في تصوير مجالس الألفة ما يتفق وميولهم. ومن أروع صور اللقاءات الودية مشهد الأطفال وهم يمثّلون مسرحية درايدن "الإمبراطور الهندي أو غزو المكسيك" أمام جمع من فتيان الأسر المالكة (لوحة 262)، فإذا هوجارث ببراعته الفائقة في استخدام المنظور يعثر على الحل المنشود لمشكلة إسباغ الأهمية على المشاهدين والممثلين في آن معاً، بحيث ينال الجميع من العناية ما يتفق ومكانته وسنّه.
وقد قدّم هوجارث عدداً وفيراً من صور اللقاءات الودّية التي اعترف أنه كان يؤثرها على رسم البورتريهات لأنها كانت تمنحه فرص استثمار خياله، وتـُـتيح له إمكانيات التعبير الفكاهي أو التعليق الساخر من حماقات البشر، على نحو ما نشاهد في لوحتيه "بيت من أوراق الكوتشينة " [أو البيت المتهاوي] (لوحة 263، 264) حيث نرى مجموعة من الأطفال يؤدون أدواراً يحاكون فيها آباءهم وذويهم، بينما يوحي المشهدان بالتهاوي والانهيار، إذ ما يلبث البيت المشيّد من أوراق الكوتشينة في اللوحة الأولى أن يتهاوى، كما نرى في اللوحة الثانية كلباً يقلب منضدة الدّمى رأساً على عقب، وكان هوجارث يرمز بتقليد الأطفال سلوك الكبار إلى عبثيّة الطموح البشري القائم بدوره على أسس واهية.
وفي الوقت نفسه الذي ظهرت فيه مجموعة صور اللقاءات الودّية قدّم هوجارث لوناً آخر من التصوير مختلفاً في نمطه وروحه تحت عنوان "قبل" و"بعد"، حيث ينتقل الحَـدَثُ من صورة إلى أخرى تجاورها، واعتاد هوجارث أن يُضفي على أداة من الأدوات المصوّرة سمة رمزية على نحو ما نشهد في الصورتين المعروضتين (لوحة 265، 266)، فأثناء محاولة الفتى اغتصاب الفتاة، تقاومه بمدّ يدها إلى منضدة مجاورة تلوذ بها، لكنها ما تلبث أن تستسلم. وينعكس الموقف في المشهد التالي فتنقلب المنضدة على جانبها، وتبدو المرآة مشدوخة مثلما شـُـدخت بكارتها، وبطبيعة الحال لم يكن خافياً على هوجارث الأصول الفرنسية السابقة على صور اللقاءات الوديّـة التي قدّمها، وكذلك الأمر فيما يتصل بمجموعة "قبل" و"بعد".
ولم يلبث هوجارث أن انتقل إلى تصوير مجموعات مصوّرة مسلسلة متكاملة قام هو نفسه باختيار موضوعاتها الداعية إلى الالتزام بالفضيلة ومراعاة القيم الأخلاقية، وقد كشفت جميعها عن قوة ملاحظة لا تبارى مقرونة بسخرية لاسعة وإيمان راسخ بأن الفكاهة والهزل وسيلتان تربويّتان إيجابيَّتان لإصلاح عيوب المجتمع، وذلك بأن يدفع الناس إلى الضحك من حماقاتهم ويسخرون من رذائلهم، موضحاً أن جذور الشرور كلها تكمن في الجشع والرغبة في اكتناز المال. على أن حسّ هوجارث الخاص بما يبعث على السخرية امتد إلى ما هو أبعد من الاهتمامات الخلقية، فنراه يسخر في لوحاته من الأجانب الوافدين ومن السيدات المتبرّجات والراقصات الماجنات، إلى أن اكتشف في نهاية الأمر أن النوازع البشرية المتأصّلة في النفوس هي بالتحديد الجديرة بالسخرية، ويسترعي انتباهنا أن المغزى الأخلاقي هو العنصر الثوري في فنه، فلقد سبقه مصوّرو القرن السابع عشر والثامن عشر كما أسلفت إلى تصوير الحياة اليومية المصطبغة إما بفكاهة خافتة أو بإثارة للعواطف أو استمالة للقلوب. وعلى الرغم من حرص هوجارث علي إسباغ الطابع العصري على قصصه المصوّرة فإن المغزى الأخلاقي الذي انطوت عليه بورجوازي محافظ للغاية، إذ كان هوجارث ضد كل تطرف سواء الثراء الفاحش أم الفقر المدقع، وسواء الأدب المتكلّف في إسراف أم الوقاحة الفظّـة، ويتعذّر علينا أن نتبيّن أي الأمرين كان في رأيه أشد سوءاً. وقد عُـني هوجارث بتسجيل تفاصيل لوحاته بدقة شديدة حتى غدت كل صورة من صوره كنزاً من "اللقطات" الذّكية الزاخرة بالتلميحات والتعريض.
وعلى حين كان هوجارث مرحاً خفيف الظلّ مفعماً بالحيوية والاقتدار على التأثير القوي الفعال كلما اتصل الأمر بتسجيل المعايب، إلا أنه لم يُعن العناية الكافية بتقديم السلوك السويّ المنشود. فلقد كانت وسيلة مسرحيات هوجارث المصوّرة في الدعوة إلى تقويم المجتمع والتخلّق بالسلوك السويّ مقصورة على تسجيل سلوك الأنماط البشرية المعيبة والسخرية منها، فإذا هو يقدّم في مجموعة "مسيرة بغي" A Harlot’s Progress على سبيل المثال قصة فتاة ريفية تفد إلى لندن فتقع فريسة لإغراءات المدينة المعاصرة، أو يعرض لمساوئ الانتخابات وما يصاحبها من زيف وتدليس ورشوة، أو للطبقة الأرستقراطية المعربدة التي لا تعيش إلا لإشباع شهواتها المفرطة، فيتزوج رجالها من نساء موسرات ينحدرن من مستوى أدنى منهم من أجل الاستحواذ على ثرواتهن التي سرعان ما تتبدّد على أيديهم. ففي مجموعة "سيرة الماجن أو زير النساء" Rake’s Progress يطالعنا الزوج الشاب المتلاف وقد أوغل بشراهة في الشراب ومغازلة النساء، كما حفلت مشاهدها المصوّرة بالإشارات والتلميحات الذكية المعبّرة التي قد لا تستوعبها إلا صفحات عديدة من إحدى الروايات إلى أن تنتهي حياة الماجن بالجنون.
ويسترعي انتباهنا أن لوحات هوجارث الناقدة اللاذعة التي تصوّر عبث المجتمع ومجونه قد حظيت بإعجاب الجماهير وتقديرها وحماستها لا بسُخطها وانصرافها عنها كما قد يتوّقع المرء. وما من شك في أن هوجارث قد جمع بين جانب من ومضات فاتو المتألقة وأسلوب يان ستين السّردي الساخر قاصداً الترفيه عن عشّاق فنّه بحيث يستمتعون بسخريته اللاذعة دون أن يُـثـقل عليهم بإلقاء المواعظ، ولعله كان أول مصوّر في إنجلترا يغدو ناقداً اجتماعياً.
وقد طُبعت كافة هذه المجموعات بطريقة الحفر على النحاس التي أتقنها حين تعلّم أصول فن الحفر على المعادن حين كان يعمل في صباه لدى أحد صائغي الفضة. وقد أقبل الجمهور على شراء هذه الصور المطبوعة إقبالاً واسع النطاق من خلال نظام "الاشتراكات" مما كان له أثره في شيوعها وذيوع صيتها حتى شبّهها هُوراس والبول بمسرحيات موليير، وقال عنها تشارلس لام Lamb: "غيرُها من الصور نشاهدها، أما صور هوجارث فنقرؤها". وتؤيد كتابات هوجارث في المرحلة الأخيرة من حياته التي تناول فيها تحليل أسلوبه الفني موضوع أهمية الأداء الدرامي الذي تشرّب أسلوبه خصائصه وهو يرسم أوبرا الشحاذ.
ومن هنا كان المدخل الأول إلى عالم صور هوجارث الأخلاقية هو دراسة مجموعتيه الأوليين "سيرة بغيّ" 1731 التي لم يحفظ لنا الزمن منها إلا صورها المطبوعة بطريقة الحفر على النحاس، و"سيرة الماجن" 1735 المحفوظة بمتحف سير جون سونْ، باعتبارهما سرداً مصوَّراً لقصّـتين كان لهما صدى واسعاً في أوساط معاصريه.
وتبدأ مجموعة "سيرة بغيّ" بصورة سيّدة مُسنّة وقور ترتدي فاخر الثياب وتدير حانة سيئة السمعة تحنو على فتاة ريفية ساذجة وقد خلب جمالها لبّها فعقدت النيّة على استغلالها لحسابها (لوحة 267). وكانت الفتاة قادمة لتوّها من قريتها قاصدة ابن عم لها مقيم في لندن، تحمل إليه إوزّة داخل سلّة هديّة له، وقد علّقت حول عنق الإوزّة بطاقة مدوَّناً عليها: "إلى ابن عمي المحبوب القاطن بشارع تمز بلندن". أما الرجل المسنّ الواقف عند باب الحانة فيقصد به الفنان هوجارث الكولونيل شارتريس زير النساء الذي سبق أن أنقذه أصدقاؤه ذوو النفوذ من حبل المشنقة. وفي خلفيّة الصورة قسّ ريفي يمتطي بغلاً ويحمل رسالة إلى أسقف لندن يلتمس فيها ترقيته، غير حافل بما سيؤول إليه حال الفتاة القروية ورفيقاتها اللاتي لازلن في العربة، وغير آبه بشُـرُودِ بغلته وهي تخوض كومة من الدّنان والدِّلاء. وهو ما قد يكون الفنان رامزاً به إلى الكارثة المرتقبة، كما قد يكون إشارة إلى ما يهدّد بكارة الفتاة. أما الإوزة فقد تكون رمزاً لشخصية الفتاة القروية الساذجة التي تقع فريسة سهلة في أيدي أشرار أهل العاصمة. ويسترعي انتباهنا تركيز لوحة هوجارث على الشخصية الشرّيرة لا الشخصية الساذجة، فلا تبدو الفتاة أكثر ما يلفتنا إلى الصورة بل صاحبة الحانة الأم نيدهام التي تتباين هيئتها الوقور مع البثور التي تُغشَّي بشرة وجهها. واللوحة زاخرة بمثل هذه التباينات: صِـبَا الفتاة القروية وكهولة صاحبة الحانة، وحشمة ثوب السيدة سيئة السمعة وقـُـبح بثور وجهها، وأناقة ملبَس تشارتريس وشهوانية نظراته. وفي أعقاب أحداث هذه اللوحة التي يتلوها هتك بكارة الفتاة ينقلنا الفنان بغتة من عالم البراءة إلى عالم الدعارة.
وفي اللوحة الثانية (لوحة 268) نرى ماري - أو مولي هاكاباوت - توشك أن تفقد مكانتها كعشيقة لثري يهودي وإن لم يوضّـح لنا هوجارث سبباً لهذه النهاية، غير أن مقلّدي صوره فيما بعد انبروا يصولون ويجولون في عالم الفحش الذي بدأ بفضّ الكولونيل تشارتريس بكارتها ثم هجره إياها حتى استقر بها المقام في ظل الثريّ اليهودي بقصره المنيف، إلى أن انتهى بها الملل والضجر بخيانتها إياه. وتبدو مولي في هذه اللوحة وهى تحاول التستـّـر على تسلّل عشيقها الشاب هارباً، بطرقعة أصابعها في اتجاه الثري العجوز وبقلب مائدة الشاي بينما العشيق يرتدي ثيابه على عجل قبل هروبه والخادمة تحملق في اتجاهه مذهولة. ويتبيّـن لنا من محتويات الغرفة الفارق بين حياتها المنظمة كمحظية مدلّلة وحياتها السابقة كريفية فقيرة، كما ترهص اللوحة بالمصير المحتوم الذي ستؤول إليه الفتاة. ومما يشي بتعلّقها بمظاهر الحياة الأرستقراطية استخدامها غلاماً أسوداً واقتناؤها قرداً مستأنساً وما تحمله مائدة الشاي من فاخر الأوعية والأواني، محاكية بأسلوب معيشتها عشيقات رجال البلاط الذين لا ينتمي خليلها الثري إليهم. فلقد طغى ولعها المحموم بعالم العبث والمجون والحفلات التنكرية على الرويّة والحكمة، وهو ما يرمز إليه هوجارث بالقناع التنكري فوق منضدة التزيّـن، مثلما يرهص تحطّم الأواني والفناجين بالكارثة التي ستحلّ بها.
وتمثّلها اللوحة الثالثة (لوحة 269) وهي لا تزال مستغرقة في مرحها وعبثها على الرغم من فقدانها مكانتها الاجتماعية التي كانت تتمتع بها في ظل عشيقها الثري، فإذا هي تغدو إحدى مومسات حيّ كوفنت جاردن. وعلى حين تعبّـر اللوحة السابقة عن قـُـرب زوال حياة الرخاء حيث كانت تحتفظ بعشيق شاب إلى جوار الخليل الموسر تكشف هذه اللوحة عن مدى اتساع الهوّة بين ما كانت ترفل فيه من نعيم وما أصبحت عليه من فقر مدقع ومهانة، وإن خفـّـف من وطأة هذا المُـنقلب علاقة غرام نشأت بينها وبين قاطع طريق جريء تعرف سلفاً المصير الذي سينتهي إليه، وقد احتفظت فوق فراشها بصندوق يضمّ "باروكات" شعره. وبدلاً من الغلام الأسود المعمّم قامت على خدمتها امرأة سوقيّة ينهش داء الجدري بَـشَـرة وجهها، كما انحدر سلوكها إلى حد سرقة ساعة من أحد زبائنها. وتتجلّى دلائل الانحلال في وعاء مشروب "البانش" المُسكر وغلايين التبغ في الركن الأيمن من اللوحة. ويعدّ هذا المشهد نقطة التحوّل في سيرة حياتها المتجهة نحو الحضيض، فهي على الأقل ما تزال تتمتع بحريتها محتفظة باستقلاليتها التي توشك أن تفقدها على يدي سير جون جونسون خصم العاهرات اللدود، الذي نراه في يمين اللوحة يقود نفراً من الجند المسلّحين الذين اصطحبهم لإلقاء القبض عليها.
ونراها في اللوحة الرابعة (لوحة 270) بين أترابها في الإصلاحية مرتدية ما تبقّى لها من ثياب باذخة كانت تملكها أيام الرخاء التي ولـّـت، وتضطر تحت التهديد بالعقاب أن تطرق مع رفيقاتها من المومسات ومع المقامر التعس الذي فقد ثروته على مائدة الميسر ضفائر القنّب لإعداد الحبال المستخدمة لشنق المحكوم عليهم بالإعدام. ويلفتنا أن مولي ما تزال في هذه اللوحة جذابة أنيقة الملبس، غير أن ثمة دلائل مرهصة بمصيرها المحتوم قد تبدّت في وجه عاهرة من رفيقاتها تقف وراءها متحسّـسة ثوبها ويفترّ فمها عن ابتسامة ساخرة، على حين تـُـحكم خادمتها جوربها الأنيق البالي المليء بالثقوب حول ساقها رمزاً إلى تحلّل النسيج والجسد معاً.
وينقلنا هوجارث مباشرة في اللوحة الخامسة (لوحة 271) إلى بيت مولي حيث تلفظ آخر أنفاسها في رفقة خادمتها التي تتطلّع بهلع إلى طبيبيْـن مستغرقيْـن في نقاش حول جدوى أقراص الدواء الموصوفة لمريضتهم المحتضرة. وليس ثمة لوحة أخرى لهوجارث تتشابك فيها المأساة والملهاة معاً مثل هذه اللوحة، إذ تحتشد أرضية الغرفة ومحتوياتها بدلائل تعاطي البغيّ عقاقير الأمراض التناسلية، وكان الطبيب قد رأى قبل موتها الوشيك خلع ضرسها كجزء من العلاج. وثمة امرأة تتعجّل نهاية مولي فتعكف على انتقاء الثوب الذي سيُـكفـّـن به جثمان مولي من صندوق يحتوي على ثياب الحفلات التنكّرية، كما أضاف هوجارث عنصراً طارئاً لطفلٍ يظهر لأول مرة منهمكاً في شيّ شريحة لحم فوق نيران المدفأة.
والمشهد الختامي هو مشهد الوداع حول نعش مولي بعد أن قضت نحبها وقد نُـقش على التابوت: "توفّيت في الثالثة والعشرين من عمرها في 2 سبتمبر 1731" (لوحة 272). وتطالعنا في مشهد الموت نماذج صارخة لأنانية البشر، حيث يختلس القس النظر إلى امرأة يبدو عليها الرضى والرغبة في تلبية دعوته، وفي الناحية الأخرى من اللوحة مومس مسنّة لعلها الأم نيدهام تندب حظها لما سوف يحيق بها من خسارة مادية وقد مدّت ذراعيها أمامها تظاهراً بالحزن، بينما تكشف بغيّ أخرى عن الوجه المودع بالتابوت المكشوف وكأنها تتعرّف فيه على مصيرها هي. ويجلس طفل يعابث نحلة دوّارة تحت التابوت غير مبال بكل ما يدور حوله. ومن بين جميع أفراد المشهد لم تتـّـصف بالمشاعر الإنسانية سوى خادمة مولي التي تبدو وهي تنظر إلى القس شذراً وهو يصبّ الخمر في كأس.
وإذ كانت لوحات مجموعة "سيرة بغيّ" تنتظم عناصر يستسيغها المتديّنون وعشّاق الملذّات على سواء، فقد لقيت نجاحاً منقطع النظير بين أوساط المجتمع الإنجليزي المختلفة. ولما كان استنساخ هذه اللوحات الذي أعقب ظهور مجموعة "سيرة بغي" قد شكّل تهديداً صارخاً لحقوق هوجارث المادية، لذا مضى يسعى حثيثاً وراء الحماية القانونية لأية صور سوف يُـبدعها مستقبلاً. وقد نجح مسعاه هذا بمساعدة أصدقائه ذوي النفوذ، فإذا البرلمان يقرّ لأول مرة 25 يونية 1735 قانوناً لحماية حقوق "الحفـّـارين" سُـمّي فيما بعد "قانون هوجارث"، ولعل هذا هو السبب في إرجائه نشر مجموعة "سيرة ماجن" إلى ما بعد تاريخ صدور هذا القانون الذي حفظ له حقوقه على الرغم من أنه كان قد فتح باب الاشتراك في هذه المجموعة عام 1733، إلى أن ظهرت المجموعة في منتصف عام 1734.
وتنبع مأساة الماجن في مجموعة لوحات "سيرة ماجن" من كونه ابناً لرجل شحيح. وفي عالم الشعر والدراما لا يتولـّـد عن البخل إلا سفاهة التبذير، فعلى حين قضى الأب المتوفّى عمره يكنزُ المال في شُحّ شديد، اندفع الوريث الابن في تبديد ما جمعه أبوه في إسراف مسفّ، تدفعه غريزته إلى شراء كل ما يشتهيه بالمال المتوافر بين يديه مهما ارتفع ثمنه. ونرى وسط لوحة "الوريث توم رِيكْـويل" (لوحة 273، 274) الشاب واقفاً بعد أن أخلف وعده بالزواج من ساره يونج حين كان طالباً في جامعة أكسفورد، كي يسجّـل الخيّاط مقاييس قامته لإعداد أثوابه العديدة التي أمر بها، بينما تتظاهر خادمتان بالبكاء حزناً على رحيل الأب الذي نرى صورته المعلّقة فوق المدفأة مستغرقاً في عدّ نقوده وتفقـّـد مدّخراته الثمينة، وهنا تكمن المفارقة بين شطط حرص الأب على تكديس ثروته وانزلاق الابن الوريث في تبديدها. ويسخر هوجارث من رجال القانون في شخص المحامي الموثّق الذي يبدو وهو يختلس بعض العملات الذهبية من الصحن فوق المنضدة بينما تناثرت الوثائق القانونية التي أسهمت في إنماء ثروة الأب البخيل - وثروته هو أيضاً - فوق الأرض. ويتراءى ما خلـّـفه الأب من مقتنيات نفيسة في صندوق تتكدّس فيه الأواني الثمينة، فضلاً عما يَعْمُـرُ به الصّـوان داخل الجدار من نفائس.
وبعد أن استقر المقام بالماجن في لندن استعار هوجارث حيلة من حيل الملهاة الدرامية هي حفل الصباح اليومي بعد الإستيقاظ من النوم Leve’e الذي يبدو فيه عارضو سلع الترف باهظة الأثمان التي لا ضرورة ماسة لها وهم يحرّضون الوريث الماجن على شرائها مجاراة للطبقة الأرستقراطية وتشبُّـهاً بعاداتها (لوحة 275، 276). فنراه محاطاً بنفر متعدّد الأنماط لنا أن نفترض أنه سقط في شباكهم جميعاً، حيث يؤكد المشهد مدى سذاجته وسهولة خداعه، غير أن الهدف الأساسي من اللوحة هو استعراض مشهد التبذير السّفيه الذي تمارسه الطبقة العليا، مثل استضافة الموسيقيين الأجانب الذين يرمز لهم الفنان بمؤلف موسيقي يعزف ألحان أوبراه الجديدة "اختطاف السابينات" على البيانو، وبمدرّبي المبارزة والرقص الفرنسيين، والعديد من الأجانب من مختلف الأجناس، فإذا هم يغدون بفرشاة هوجارث محطّ التهكّـم والسخرية. كما نشهد إلى يمين اللوحة الفارس الجوكي راكعاً وهو يرفع كأس فوز جواد "الوريث" في سباق الخيل. وفي النسخة المطبوعة بطريقة الحفر لهذا المشهد (لوحة 276) نرى فوق الأرض صورة تشير إلى المغني الشهير آنذاك الكاستراتو فارينيللي الذي دفع غناؤه الرخيم إحدى السيدات في الأوبرا إلى الصراخ قائلة "إله واحد وفارينيللي واحد"، والذي تلقـّى العديد من الهدايا الثمينة من عشـّـاق فنه بمن في ذلك الوريث الماجن نفسه، كما نلحظ أن مَـنْ أدّوا أدوار المغتصبين الرومان في أوبرا "اختطاف السابينات" جميعاً مغنـّـين خصيانا إيطاليين مرموقين وردت أسماؤهم في قائمة توزيع أدوار الأوبرا المتدلّـية وراء ظهر مقعد الموسيقار. وتبدو في ملامح الماجن الذي ما يزال يعتمر طاقية النوم كل معالم السذاجة وسهولة الانخداع التي لن تلبث أن تقوده إلى مصيره الرهيب بسبب تبذيره السّـفيه.
وفي مشهد "الحانة" (لوحة 277، 278) نشهد النهاية البشعة لليلة لهو ومجون عاصفة، حيث ينشب في الطريق عراك مع حارس الليل تعقبه زيارة في الصباح الباكر لأحد بيوت الهوى سيئة السمعة الشهير باسم "حانة الورد" في حيّ كوفنت جاردن حيث تسود العربدة الصاخبة. يصور هوجارث جو المرح الزائف السريع الزوال، كما يدرج تفاصيل رمزية تثير الاشمئزاز والتقزّز، مثل مشهد داعرة تبصق في وجه زميلتها عبر المائدة، ومثل قصريّة غرفة النوم في أقصى يسار اللوحة وقد أُفرغت محتوياتها في صحنين كانا يزخران بالدجاج المحمّـر. ومثل صّـف بورتريهات الأباطرة الرومان المعلـّـق على الحائط وقد طُمست معالم وجوههم باستثناء وجه نيرون، على حين تتهيّـأ المرأة الجالسة في مقدمة الصورة لأداء رقصة خليعة فوق صينية فضية [على نحو ما جاء في شرح الفنان للوحة] تنتهي بإطفاء شمعة في فرجها. وثمة مغنّية شعبية عند الباب تحمل كراسة موسيقية لأغنية فاحشة. وبرغم أن اللوحة لا تضمّ مشاهد جنسية صريحة، إلا أن هوجارث كان موفّـقاً في التدليل على أن متع بيوت الدعارة سطحية عابرة، ونرى إلى جوار الماجن الثـّـمل الذي يفوق العاهرة التي تتحسّس صدره إصراراً على أن يعبّ من اللذة أقصاها، صندوقاً فوق الأرض يحتوي على الأقراص المستخدمة في علاج الزّهري.
وفي اللوحة الرابعة بينما الماجن في طريقه إلى قصر سان جيمس ساعياً وراء تعيينه في إحدى وطائف البلاط إذا الشرطة تلقي عليه القبض بعد افتضاح أمره وعجزه عن تسديد ما عليه من ديون (لوحة 279، 280)، غير أن خطيبته السابقة الوفيّـة ساره يونج تنقذه من المصير المظلم الذي كان ينتظره فتدفع بكيس نقودها رشوة إلى المأمور القضائي لعله يطلق سراحه على الرغم من أنها لم تكن سوى خيّاطة ثياب متواضعة.
ويضطر الماجن بعد ذلك إلى الحصول على المال بأية وسيلة بعد أن اتسعت أمامه الثغرة بين الواقع والخيال، وينتهي به المطاف إلى الخاتمة المنطقية المروّعة وهي الجنون إن لم يقلع عن حماقاته ويعود إلى الحكمة والفضيلة واسترداد خطيبته السابقة التي تخلّى عنها بحماقة. لكنه مرة أخرى يؤثر المال على الحب فيتزوج من حيزبون شمطاء ثريـّة عوراء حدباء على أمل تعويض ثرائه المفقود. ويوحي مظهر القسيس عاقد القران ذي السّحنة الغريبة الشكل - والتي لا يفتأ يكرّرها بحذافيرها في العديد من لوحاته - بما أصاب الكنيسة من تدهور (لوحة 281، 282)، وثمة لوحة للوصايا العشر أمامه على حين يشي صندوق الصّـدقات الخاوي الذي تعلوه خيوط العنكبوت في أقصى يمين اللوحة بغياب طائفة المحسنين. وتبدو ساره يونج في خلفية الصورة تحاول الحيلولة دون عقد القران، بينما تتكالب بعض النسوة على طردها من الكنيسة.
على أن زواج المصلحة لم يُصلح حال الماجن المتلاف فإذا هو يلجأ إلى القمار وسيلة لمحاولة استرداد ثروته المبدّدة (لوحة 283، 284) فنرى الماجن يصبّ لعناته علي ربّـه وقد بدت على ملامحه علامات القنوط والجنون التي لا تـُخطئها عين، والتي لم تـُــلفت غير نظر الصبي الذي يقدّم كوب جعة إلى قاطع طريق تعس في يسار اللوحة، ويتجلـّـى لنا بوضوح التغيير الفاجع الذي لحق بشخصية الماجن نتيجة إدمانه الميسر، وهو ما يتجلـّـى أيضاً فيمن حوله، فالقاسم المشترك بينهم جميعاً هو هيمنة فكرة المقامرة على الأذهان حتى ظل معها المقامرون غافلين عن النار التي شبّت في كسوة الجدران.
لقد انفصم عقل الماجن تماماً عن دنيا الواقع، فنراه في اللوحة قبل الأخيرة قابعاً في سجن المدينين (لوحة 285، 286) الأمر الذي أثار الشفقة في قلب صديقته الوفيـّـة ساره يونج فسقطت مغشيـّـاً عليها بينما انطلقت زوجته العوراء تصخب صائحةً إلى جواره، وانحنى السجّان مطالباً بالحلوان، بينما يمدّ صبيّ يده مطالباً بثمن كوب جعة أتى به للماجن. وفوق المائدة مخطوطة لمسرحية ألّفها الماجن ردّها إليه الناشر معتذراً عن قبولها. ويظل الماجن غير مدرك لما يحيط به ولا يهتدي إلى ما حوله، وقد أوغل عقله في الخيال الذي تـُـمثـّـله تجارب الخيمياء في خلفية اللوحة، والتلسكوب المصوَّب نحو السماء من خلال قضبان النافذة، وكتاب فلسفي فوق الرفّ المجاور للشبّاك إلى جانب بضع هاونات. وإذا حالته تقترب من حالة زميله في الزنزانة الذي شارف الجنون، حتى إذا ما جُـنّ هو الآخر نقل إلى مستشفى بـِدْلام للأمراض العقلية المخصّص لعلاج الـفقراء.
وتبين اللوحة الأخيرة الماجن في نوبة جنون تـُـفضي به إلى الموت (لوحة 287، 288) ويطالعنا التفسير الشاعري المرافق للصورة المطبوعة بطريقة الحفر لهذه اللوحة بعبارة "انظر... ها هو ذا الموت يمسك بتلابيب القنوط". ويعدّ مشهد الموت من أكثر مشاهد سلسلة اللوحات إثارة، حيث نرى ساره يونج تندبُ حظّ محبوبها الماجن وكأنها مريم المجدلية تنوح أمام المسيح المصلوب، وإلى جوارها سلّة وقصعة مترعة بالحساء، بينما يفكّ السجّان قيود قدميه وكأنه يحاول تخليصه من عذاب الدنيا المرير. وبقدر ما جاء مشهد موت الماجن مأساوياً كان ما يدور في القاعة ملهاوياً عبثيّاً فقد تناول هوجارث في لوحته مختلف أنواع الجنون كأنما هي انعكاس للحماقات الدنيوية، فنرى في هذه الحجرة الصغيرة رقم 55 أحد النزلاء عارياً وقد اعتمر بتاج وقبض بيده على عصا - وكأنها الصولجان - بينما يتبوّل في الوقت نفسه. كما نرى زائرة أنيقة الملبس بصحبة خادمتها تحملق مذهولة في المجنون وهو يتبوّل، وتحاول إخفاء وجهها بمروحتها مختلسة النظر إلى عري المجنون بينما تـُـسرّ خادمتها في أذنها بتعليق خبيث. وثمة مجنون آخر يرسم على الحائط كرة أرضية وهلالاً ومدفع هاون تنطلق منه قذيفة وسفينة شراعية، ولعل هوجارث كان يشير – كما يذهب أحد المفسّرين – إلى العالم هويستون الذي كان يحاول قياس خطوط طول الكرة الأرضية باستخدام قنبلة يطلقها من مدفع هاون. ونرى أمامه مباشرة رجلاً منهمكاً في التطلّع إلى النجوم من خلال أسطوانة اصطنعها من الورق المقوّى، وخـيـّـاطاً يحمل "مازورته" حول معصمه، وتعلو رأسه باروكة من القش ومن فوقها قبعة مخيط عليها رقع من أقمشة متنوّعة، ولعل هوجارث قصد به التعبير عن المثل الإنجليزي المتداول والقائل إن الخيـّـاطين يصابون بجنون العظمة من فرط اعتزازهم بمهارتهم. وإلى يمين الخيّاط موسيقي يعزف على كمان وقد غطّى رأسه بكتاب مفتوح على شكل رقم 8، وآخر يرتدي طرطوراً رافعاً صليبه مقتنعاً بأنه البابا ذاته، وثالث جُـنّ عشقاً وقد جلس ساهماً على الدَّرج وأحاط عنقه بقلادة من القش تتدلّى منها رصيعة تحمل صورة معشوقته.
وبالرغم من أن هوجارث كان يتوق إلى أن تظفر مجموعات صوره بالخلود، إلا أن أهم ما كان يُـعنى به هو الفوز بإعجاب معاصريه. ثم هو لم يدّع قط أن فنه يمكن أن يُـصنـَّـف ضمن إطار الفن العالمي اللهم إلا من الوجهة الخلقية البحتة، فلقد اقتصر عالمه الذي يدور فيه فنه على لندن بمقاهيها وصحفها ومتاجرها وبلاطها ومسارحها ومرابعها وملاهيها، ومن هنا كان مقياس واقعية شخوص هوجارث هو تأملها في سياق زمان ومكان محدّدين. ومن ناحية أخرى لا يجوز أن نغفل أن "سـِـيَر" هوجارث المصوَّرة - شأنها شأن الروايات والمسرحيات المعاصرة له - تتناول شخصيات لها نظائرها ونماذجها الأصلية في الواقع زماناً ومكاناً.
وما أكثر المذكّرات وكتب السيرة التي ذهب كتـّـابها إلى أنهم قد شاهدوا في الواقع الأحداث التي سجّلها هوجارث في لوحاته، ومنها على سبيل المثال - مشهد الحانة في "سيرة الماجن" حيث بصقت إحدى العاهرات في عين زميلتها عبر المائدة، ومنها أيضاً أن قصة الفتاة الريفية في "سيرة بغي" هي قصة حقيقية سقطت فيها فتاة بريئة ضحيّة للأم نيدهام والكولونيل تشارتريس، وأنها غدت بالفعل خليلة أحد أثرياء اليهود، وأنها عاشت في حي دروري لين إلى أن قضت المحكمة بحجزها في الإصلاحية حيث لقيت حتفها، وأن بعض هؤلاء الكتاب قد اختلفوا إلى نفس القاعة التي جلس بها العريس والعروس في اللوحة الثانية من مجموعة "الزواج على نهج العصر" Marriage a la Mode. فلقد كان هوجارث مند بداية اشتغاله بفن التصوير مدركاً لشغف الجمهور بمشاهدة أفراد حقيقيين مصوَّرين في لوحاته وصوره المطبوعة بطريقة الحفر، كما كان ما يدور من قيل وقال حول هذه الصور يساعد كثيراً على شيوعها ورواجها.
وقد ظهرت مجموعة "سيرة الماجن" عام 1732، وبدأت خطوات تنفيذ الصور المطبوعة بطريقة الحفر وبيعها عن طريق الاشتراكات عام 1733، غير أن هوجارث رأى إرجاء تسويقها إلى عام 1735 لحين صدور قانون حقوق التأليف الخاص بالحفـّـارين كما قدّمت. وكان ثمن المجموعة كاملة لا يتجاوز جنيهين إلى أن صدرت طبعة أصغر حجماً لم يتجاوز ثمنها ستة وعشرين شلناً وستة بنسات. أما اللوحات النحاسية التي تم الحفر عليها فقد بيعت لأحد هواة الفن عام 1921.
ويحتفظ متحف أشمول بأكسفورد بعدّة عجالات صوّرها هوجارث لعدد من الموضوعات الأساسية في مجموعة "سيرة ماجن" وخاصة دناءة السعي وراء الرقيّ الاجتماعي على حساب الاستقامة الخلقية مثل لوحة "عقد القران" 1732 (لوحة 289)، حيث نرى مسجّل العقود يتوسّط العروس العانس والعريس الشاب الذي ينصرف اهتمامه إلى الحديث مع الجوكي الراكع إلى جواره والذي يُفضي إليه بنبأ فوز جواده في سباق الخيل مقدّماً إليه كأس السَّبق. ويعرض خادم زنجي إلى يسار المائدة لوحة مصوّرة لزيوس يختطف جانيميديس وبعض التماثيل الرومانية النصفية المقلّدة المشتراة من أحد المزادات، على حين يقف الضيوف في البهو المؤدّي إلى الغرفة في الجانب الأيسر من اللوحة. وفى الخلفية نرى عدة لوحات مصوّرة أولاها عن "سرّ التناول " وثانيتها وهي المعلّقة فوق رأس الماجن لوحة من عصر النهضة تصوّر العذراء وهي تضع المسيح الطفل فوق آلة ضخمة تفرز عملات ذهبية يتسلّمها قس لتوزيعها على المؤمنين الراكعين، وثالثتها لقدم قس وطرف من سرواله. فعلى غرار شباب الطبقة الراقية العائدين من "الجولة الكبرى " في أوربا كان الماجن بدوره يقتني صور كبار الفنانين القدامى. وتضم هذه اللوحة بعض العناصر المُـرهصة بمجموعة "سيرة الماجن"، لاسيما مأساة السعي وراء النجاح الاجتماعي على حساب النزاهة والاستقامة والفضيلة، فإذا بعض عناصر هذه اللوحة قد أعيرت إلى لوحات أخرى، مثل موضوع الجوكي والضيوف الواقفين في البهو إلى اليسار الذي نُقل بحذافيره إلى لوحة "حفل الصباح بعد الاستيقاظ من النوم" من مجموعة "سيرة الماجن" (لوحة 275)، كما نرى موضوع الزواج من العانس في لوحة أخرى عندما استقر عزم الماجن على عقد قرانه على عجوز ثريّة شمطاء لاسترداد ثروته وتسديد ديونه (لوحة 281).
ونعرض من مجموعة "الحملة الانتخابية" المكوّنة من لوحات أربع لوحتين، حيث يصوّر هوجارث في هذه المجموعة تزوير عمليات الانتخاب سنة 1754 بعد أن وقع اختياره على موقع انتخابي اشتهر بالتهريج والفساد والعبث في أكسفوردشر باعتباره صورة مصغّرة لما يجرى في إجراءات الانتخاب بصفة عامة، ففي الركن الأيمن من لوحة "الوليمة" التي يقيمها المرشّح لناخبيه (لوحة 290) نرى رجلاً جالساً إلى المائدة العامرة وقد سقط على رأسه قالب طوب فاستلقى مغشيّـاً عليه في مقعده، وجاء تصوير قالب الطوب والأطباق المليئة بالطعام على غرار أسلوب الفنان شاردان في تصويره للطبيعة الساكنة. وفي الجانب الأيسر من المائدة نرى امرأة بدينة تطبع قبلة على وجه المرشـَّـح الشاب على حين يُـفرغ رجلٌ ثمل غليونه فوق رأس المرشـّـح، بينما تتفحّـص صبيّـة صغيرة خاتمه في إعجاب. وما أشبه هذه اللوحة وغيرها بلوحات الفنان برويجل من حيث البراعة في أداء التفاصيل وسرد المواقف الإنسانية المتنوّعة بدقة وصراحة. وقد تعمّـد هوجارث ألا يضمّـن لوحته أية أنماط بشرية تتصف بالبراءة أو الطهارة كما كان يفعل من قبل، إذ تحولت سخريته السابقة في سنيه الأخيرة إلى استسلام وامتثال أمام عالم الشرور التي لا سبيل في رأيه إلى الحدّ منها أو تحاشيها. وفي لوحة "فوز المرشـّـح" الساخرة (لوحة 291) يرسم المرشّح الفائز الذي لا يستمتع بفرحته طويلاً إذ ما يلبث مقعده الذي يحمله الناخبون أن يسقط إثر اعتراض قطيع الخنازير المندفعة نحو موكبه، بينما يقع بصره على مشهد رمزي يمثّل عظمتي ساعدين وجمجمة يقوم منظّف مداخن عابث بتثبيت عوينات عليها.
وفي مجموعة "الزواج وفق نهج العصر" يربط هوجارث بين النهج الفرنسي وبين الحياة المرحة العابثة للبيوتات الكبيرة في حي "وست إند" في لندن. ولا تقلّ هذه المجموعة المكونة من ست لوحات والتي كشف بها عن عورات عصره وتقاليده بلا مواربة - وإن هوّنت من وقعها رشاقة أسلوبه وخفة ظلّه - شأناً عن "أوبرا الشحاذ" لجون جاي وعن "كانديد" لفولتير. وعلى نحو ما فعل إميل زولا والمصوّر جويا والمصوَّر دومييه خلال القرن التاسع عشر، "مَسْـرَح" هوجارث أعراف مجتمعه متحدّياً إياه وهادفاً إلى تطويره نحو الأفضل الذي يصبو إليه، شأن الفـنان الملتزم في كل زمان ومكان. وفي هذه المجموعة يتناول هوجارث من أسماه "صفقة عقد القران" (لوحة 292) يقدّم شخوصه مثلما يقدم المؤلف المسرحي شخوصه في الفصل الأول من مسرحيته؛ فيطالعنا الكونت المصاب بداء النقرس في يمين اللوحة بزيّه الأنيق مزهواً بعلو محتد أسرته بينما هو على وشك التفريط في مرتبته الاجتماعية من خلال صفقة زواج ابنه كي يسدّد قرضاً لتحرير ضيعته الرهينة. وعلى الطرف الآخر من المائدة يبدو التاجر في ثوب بسيط مستعداً لتسليم ابنته بدوره وهو يفحص بعويناته عقد الزواج بالدقة نفسها التي يفحص بها بنود عقد صفقة تجارية. ويبدو العريس في الجانب الأيسر متحذلقاً متفرنساً شديد التأنّق دون أن تتجلّى على أساريره أية مشاعر إلى جوار خطيبته حيث يجلسان متدابريْن كحجري شطرنج لا حول لهما ولا قوة، بما يشي بغياب أية عاطفة تجمع بينهما بعد أن دفعهما الأبوان رغماً عنهما إلى القيام بدوريْهما الشاذّين، أحدهما ماجن عربيد والآخر فتاة عابثة. وعلى حين يطري المحامي الموثّق جمال الكونتيسة سكاوندرفيلد - عروس المستقبل- يخفي العريس ضيقه باستنشاق مسحوق النشوق. وثمّة بورتريه ضخم لشخصية اللورد معلّق على الحائط يحاكي بورتريهات البلاط الفرنسي في عهد لويس الرابع عشر تمثّله في وضعة لا مبالاة متكلّفة في ساحة الوغى. ويسترعي انتباهنا أنه على حين جاءت الأزياء والوضعات الأرستقراطية فرنسية الذوق فإن كافة الأعمال الفنية المعروفة إيطالية الطابع ولا علاقة لها البتة بالذوق الإنجليزي.
وتكشف اللوحات الخمس الأخرى من هذه المجموعة عما أسفرت عنه هذه الزيجة الفاشلة من نتائج مدمّرة، بادئة بالضجر والملل منذ "الإفطار الأول" (لوحة 293 أ، ب) ثم الرعونة والطيش في "حفل الصباح" (لوحة 294)، عبوراً بالخيانة الزوجية وانتهاء بالمبارزة حتى الموت. وفي لوحة غرفة جلوس الكونتيسة تستضيف الليدي سكواندرفيلد بعض أصدقائها من عِلْية القوم بينما تأخذ في زينتها الصباحية بعد الصحو من نومها. ونرى عشيقها سلفر تانج الطَّليّ الحديث الذّرب اللسان يشبّب بها وهو يتلو على مسامعها آخر قصائده الغزلية على حين يقوم حلاقها الإيطالي بتصفيف شعرها، ويدور الخادم بأقداح الشوكولاتة الساخنة على الجميع بينما استغرق مدرّب المبارزة في النوم والشخير، ويشير غلام زنجي في جذل إلى قرنيْ دميته. ويضيف مغن بدين وعازف مصفار نحيل المزيد من الصخب. وكان هوجارث يرمز بالمغني إلى الخصيّ المشهور وقتذاك كاريستيني الذي كان يؤدي الأدوار النسائية في أوبرات هيندل الإيطالية. ونشهد على الحائط لوحتين مثيرتيْن إحداهما لجوبيتر وإيو للفنان كوريجيو والأخرى للوط وابنتيه معلّقتيْن على الحائط في مستوى يعلو الكونتيسة وعشيقها، وعلى الجدار المقابل لوحة اختطاف زيوس للغلام جانيميديس التي تشير بصورة مقنّعة إلى النزعات الجنسية الشاذة للشخصيات المخنّثة أدناها. ويعلو هذه اللوحة بورتريه رصين لأحد رجال الدين تخفيفاً لأثر اللوحات الأخرى الفاضحة. ونلحظ أن كل القائمين بتقديم خدماتهم هم من الأجانب باستثناء المحامي العاشق سلفر تانج. ولا يفوتنا أن نلمس من خلال مجموعة الصور الست الصلة الوثيقة التي تربط بين الذوق المتحيّز للفنون الأجنبية وبين النزوع إلى العربدة وكل ما هو لهو عابث. وتحتشد مجموعة "الزواج وفق نهج العصر" بالكثير من المنجزات الفنية التي يستخدمها هوجارث كمدخل إلى الحدث والتعليق عليه في آن معاً. كما يلفتنا أن اللوحات الفنية المعلّقة على الحائط في بيت اللورد تمثّل ذوق عشّاق الفن الشغوفين باللوحات الداكنة لكبار المصوّرين القدامى. وعندما يلقى الكونت الشاب حتفه بطعنة سيف بيد العشيق سلفر تانج يُدهشنا ألا تتبع الكونتيسة عشيقها الذي ولّى فراراً من النافذة بل تُهرع راكعةً إلى جوار زوجها المحتضر هلعة (لوحة 295). وهكذا ينتقل بنا هوجارث من مشهد استقبال الكونتيسة لأصدقائها في الصباح بما ينطوي عليه من مساخر وعلاقات محرّمة إلى مشهد الموت المأساوي. أما موتها انتحاراً في اللوحة الأخيرة فلا يقع وسط عالم الأزياء والموضة المتغيّر وإنما في بيت أبيها الشحيح الذي لا يعنيه - وابنته في دور الاحتضار بعد انتحارها - إلا انتزاع خاتم الزواج الثمين من إصبعها ليحتفظ به لنفسه (لوحة 296).
وكان حيّ كوفنت جاردن حيث سوق الخضر والفاكهة في لندن يضم إلى جانب المواطنين الصالحين والمهاجرين الهيوجونوت [الكاثوليك] وأصحاب الحرف، العديد من الرعاع والدهماء، كما كان الحيّ أيضاً بؤرة اللهو والترفيه والمجون بمدينة لندن. وحول الحياة في هذا الحَيْ رسم هوجارث مجموعة فريدة دعاها "أوقات اليوم" Times of the Day هي الصباح والظهيرة والغروب والليل. وفي لوحة "الصباح" (لوحة 297) نشهد بعض الريفيات يستدفئن فجراً بحرارة حطب مشتعل، بينما تعابث فتاتان من بنات الهوى اثنين من السّكارى وهما في طريق عودتهما بعد قضاء سهرة عربيدة. وتسير وسط الصورة عانسٌ عجفاء في طريقها إلى الكنيسة يتبعها غلام يحمل كتاب الصلوات وهي تنظر إلى الفتاتين باستعلاء. ويبدو في خلفية المشهد مقهى توم كنجز أشهر بيوت لندن سيئة السمعة وقتذاك.
ومع أن هوجارث لم يتوقف عن رسم البورتريهات طوال حياته، إلا أنه لا يعدّ من بين كبار مصوّري الوجوه بالمعنى المتداول خلال القرن الثامن عشر. وفي معظم الأحوال كانت البورتريهات التي يرسمها لأصدقاء ومعارف لم يَعنِهم أن تكون بورتريهاتهم ناطقة بالجلال والوقار المأثور وقتذاك، وإنما كانوا ينشدون صوراً واقعية تنبض بالحياة (لوحة 298). وكان هوجارث يحاول دوماً التقاط ملامح الوجه أثناء الحديث عندما تبدو الرأس في كامل حيويتها خلال المناقشة، الأمر الذي يكشف معه عن أكثر السّمات الدالة على الشخصية المصوّرة.
وتقاعد هوجارث منذ عام 1751 معتكفاً في داره ليتفرّغ لإصدار كتابه الشهير "تحليل الجمال" Analysis of Beauty الذي عرض فيه القيمة الجمالية لشكل حرف S ودعاه "خط الجمال" Line of Beauty، ذلك أن القوس بصفته جزءاً من الدائرة التي هي أكمل حركة في الوجود يشكّل نصف حرف S الصاعد لأعلى ونصفه الآخر الهابط لأدنى. وتتجلّى في حرف S أيضاً صفة تواصل الخط والامتداد أفقياً أو رأسياً إلى جانب صفة تقوّس الدائرة، مبدعةً بذلك الخط الحلزوني المتحوّي Serpentine spiral الذي دعاه هوجارث "خط الرشاقة" Line of Grace والذي يدور حول مركز وهمي صاعداً إلى أعلى في حركتين كاملتيْن هما الدوران والصعود، فيستغرق وقتاً أطول مما تستغرقه العين في رحلتها البصرية مع الخط المستقيم. ويمكننا متابعة أثر هذا الخط الحلزوني المتحوّي في الأنماط الزخرفية التي تميّز بها طراز الروكوكو لاسيما "طراز لويس الخامس عشر".
على أن ثمّة تطوّراً طرأ على أسلوب هوجارث في التصوير لا صلة له بنظريته عن الفن. إذ يتضح من مجموعة عجالاته الزيتية المصوّرة التي حفظها لنا الزمن أن أسلوب هوجارث غدا أشد ميلاً إلى "التكوير" Painterly Pictural، أعني تصوير الأشكال ذات الحواف المتمازجة، بحيث يكون قوام الأشكال هو الألوان المتداخلة بدرجاتها فلا تبدو محدّدة، وتندمج الحواف فيما يحيط بها من فراغ اندماجاً موصولاً غير مقطوع. ومن بين هذه العجالات لوحة "الخيّـاط" التي أعدّها هوجارث لمشروعه الذي تناول موضوع "الزواج السعيد" The Happy Marriage. وكان يعقد العزم على تقديم هذا الموضوع بعد نجاح مجموعة صوره المطبوعة بطريقة الحفر على النحاس "للزواج وفق نهج العصر" عام 1745، كما كان يزمع أن تكون صوره هذه المرّة معبّرة عن الريف لا المدينة، وأن يقابل فيها بين فضائل الماضي وبين شطحات العصر التي تناولها في مجموعاته السابقة. ولا ندري طبيعة الحبكة الدرامية التي أعدها لهذا العمل، وإن كان أمكن الاستدلال على مضمونها من بعض العجالات الزيتية التي خلّقها وراءه دون البعض الآخر، والتي تساوت في أحجامها وطريقة التناول والموضوع المستخدم.
وتُمثّل أولى هذه العجالات لوحة زوجة أحد أثرياء الريف الشابة وهي تختبر ثوب الرقص الذي سترتديه في مشهد "الحفل الراقص" (لوحة 299). فنرى الخياط يُحكم الثوب على جسدها بينما هي تتطلّع إلى مرآة تحملها خادمتها. وفي يمين الصورة نرى الزوج جالساً على أريكة مرتدياً جلباب النوم ورداءً وطاقية مداعباً طفله الأصغر الذي تحمله مربيّـة حانية تُقبّل عجزه بينما يبدو الطفل الثاني معتمراً قلنسوة مزيّنةبشريط معقود قابضاً على سيف وهو يخطو خطوة الجند، على حين يصبّ شقيقه الثالث اللبن للقطط في قبعة الخيّاط. ويتضح من ثياب الأطفال المنشورة على الحبل الممدود فوق المدفأة أن هذه الوقائع تدور في غرفة الأطفال.
وتكشف العجالة الثانية المعروفة باسم "الحفل الراقص" (لوحة 300) عن أن الاهتمام الأول لهوجارث كان شَغل الفراغات. ولما كان المشهد يقع ليلاً فقد اتجهت عنايته إلى التلاعب بتقنية الضوء والعتمة "كياروسكورو"، فإذا الثريّات هي أكثر ما ظفر من عناصر المشهد بالاكتمال. ويتناول المشهد حفلاً راقصاً في قصر ريفي على الطراز القديم، ويتشكّل المشاركون في الحفل من طبقات مختلفة: من السادة المتأنّقين في أقصى اليمين إلى الريفيين البسطاء على امتداد القاعة، ونرى أحد الضيوف وقد أرهقته حرارة الجو يخلع وفرة شعره لكي يجفّف صلعته التي انعكس عليها ضوء القمر في ليلة قارصة البرد وهو يطلّ عبر النافذة المفتوحة على الحديقة، حيث يتباين ضوء القمر الفضي مع الأضواء الدافئة للثريّا التي تتوسط القاعة المرسومة بعناية فائقة، ويُلفت أنظارنا أن هذين المصدرين للضوء هما العنصران الوحيدان المكتملا الإتقان في اللوحة (لوحة 301)، وتَحُدُّ جمهرة الراقصين والراقصات في مقدمة الصورة مساحة داكنة، وتعلوهم إلى اليسار غرفة الشعراء المنشدين، ومن تحتها مجموعة شخوص "شبحيّـة" الأشكال تضمّ سيدة وقسّيساً يتأهّبان للعب الورق، أما الغلام الجالس القرفصاء وسط الصورة فهو المكلّف بالعناية بقبعات الضيوف المصطفّة على الأرض إلى يمينه. وقد مسّ هوجارث حركات الراقصين والراقصات بفرشاته في رفق، محدّداً ألوان كل فرد، مُضْفياً على سائر عناصر اللوحة التناغم والانسجام دون أن نلمس أثراً للخطوط المحوّطة في التشكيل الفني كله، وإنما هي لمسات فرشاة تخلّـف بقعاً بيضاء متوهّجة.
وقد ظلّت لوحة "الحفل الراقص" ترافق هوجارث في مرسمه حتى يوم وفاته، والدليل على افتتانه بها أنه حاكاها عندما رسم الشكل الثاني الذي أورده في كتابه "تحليل الجمال" (لوحة 302) المنشور عام 1753، بعد أن استبدل بالمبنى ذي الطراز القديم مبنى وفق طراز بالاديو، وحوّل زوج الراقصين الأوّليْن إلى شخصيتيْن أرستقراطيتين، [وفي بعض الطبعات إلى أمير وأميرة ويلز]. ولم يقصد هوجارث من هذا "التصميم" أن يُشكّل به حلقة ضمن مجموعة سرديّة شأن سائر أعماله المصوّرة بل أعده ليكون رسماً تعليمياً لتوضيح نظريته عن الخط المتحوّي بوصفه خط الرشاقة والجمال The Line of Grace and Beauty، وأنه أساس كل ما يرضي العين، حيث تتجلّى الخطوط المتمايلة للرقصات الريفية ورشاقة الراقصيْـن الرائديْن. والثابت أنه كان شديد الاعتزاز بنظريته هذه التي طرحها من خلال لوحته التي صوّرها خلال عام 1745 حتى إنه اختص هذا الخط المنحني بموقع ظاهر في تصويره لنفسه مع كلبه الأفطس (لوحه 303) الذي رسمه في السنة نفسها.
ويعدّ كتاب "تحليل الجمال" Analysis of Beauty لهوجارث كتابه الوحيد المكتمل. وقد بدأت إرهاصات نظريته تلك عام 1733، غير أن الكتاب لم يصدر إلا عام 1745، وذلك بعد أن رسم البورتريه الشخصي لنفسه المحفوظ حالياً بالتيت جاليري (لوحة 303)، حيث تبدو الصورة لأول وهلة وكأنها بورتريه عادي، بينما نحن في الواقع نتطلع إلى بورتريه داخل بورتريه، حيث نشهد لوحة بيضاوية مستندة إلى كومة من الكتب. ويحيط بالبورتريه من أسفل اليسار وأعلى اليمين قماش أشبه بالعباءة الفضفاضة ذات الطيّات على نهج بورتريهات عصر الباروك. وثمة كلب يستند إلى ساقي الفنان في يمين مقدمة الصورة في بورتريه ينافس بورتريه صاحبه الذي يستند إلى كتب لشيكسببر وسويفت وميلتون ترمز إلى شدّة اهتمام هوجارث بالكتّاب الإنجليز أكثر من اهتمامه بالكتّاب الكلاسيكيين، كما يوحي كتاب ميلتون برغبة هوجارث في الاعتراف به أستاذاً للملاحم. ويلفتنا في هذه اللوحة وِضْعة الكلب التي يؤكد بها هوجارث "خط الجمال والرشاقة " The Line of Grace and Beauty. غير أن تفسيره لهذا الخط لم يظهر إلا بعد سنوات ثمان في كتابه "تحليل الجمال"، إذ ذكر في مقدمة الكتاب أنه قصد برسم هذا البورتريه الشخصي إثارة فضول المشاهدين، وإذا المصوّرون والمثّالون يفدون إليه من كان حدب وصوب لاستبيان المعنى المقصود من رسمه. وعلى حين كان كتابه "الدفاع عن المصورين" Apology for Painters محاولة للكشف عن أهداف الفن وصلته بالمجتمع، تناول كتاب "تحليل الجمال" الأثر الجمالي والسيكولوجي للتصوير، فلم تكن نظرة هوجارث إلى الآن باعتباره هدفاً في حدّ ذاته، لأن إنجازاته الفنية جميعاً برهان ساطع على أن تصوير الحياة اليومية والتركيز على الأهداف الخلقية يحمل الأهمية نفسها. ونحن إذا نظرنا نظرة متعاطفة إلى محاولة هوجارث تحديد معايير الجمال بعبارات جليّة لا يشوبها غموض لا يجوز لنا أن نتناسى عزلة موقفه النظري منذ عام 1750، ذلك أن مذهبه التجريبي الذي يربط المعرفة بما تدركه الحواس، ومحاولته قصر المثل الأعلى الجمالي على أسلوب الملاحظة بالعين وحدها لم يلق تأييداً من الفنانين المتأثرين بالمثاليّـة الرومانية الكلاسيكية، كما أن ذوّاقة الفن ذوي الدراية الواسعة والإلمام الشامل أبوا إضفاء أية أهمية على الأعمال الفنية التي ترضي العين فحسب، وإن لم يعن هذا أن هوجارث لم يكن يحظى بتأييد عدد من الفنانين والذوّاقة المؤثرين، وكذا بإعجاب شباب الفنانين.
وكتاب هوجارث شأنه شأن صوره المطبوعة بطريقة الحفر لم يكن موجَّهاً في الأصل إلى أولئك الضالعين في تاريخ الفن، فلقد كان يستلهم معظم موضوعاته من الحياة اليومية العادية بعد تزويدها بعناصر مسلّية مثل تغيير مواضع بعض أعضاء الجسد الآدمي بهدف استثارة انتباه المُشاهِد وإضحاكه، أو رسم رجل مسنّ في ثياب الأطفال، إلى غير ذلك. وقد ضم هوجارث كافة صوره الإيضاحية المعبّرة عن وجهة نظره في لوحتيْن، تصوّر أولاهما (لوحة 304 أ) ساحة تحتشد بتماثيل متنوعة من المنحوتات الكلاسيكية والعصرية، للتدليل على أن أكثر الوضعات رشاقة وقرباً من شكل جسد الإنسان الطبيعي هو أن يبدو الجسد مقوّساً بعض الشيء لا أن يبدو منتصب القامة تماماً، وهو ما عبّر عنه في صورة مدرّب الرقص المعتدّ بنفسه الواقف وقفة مستقيمة متصلّبة إلى جوار تمثال أنتينوس الكلاسيكي (لوحة 304 ب). أما اللوحة الثانية (لوحة 302) فتمثـّـل حفلاً راقصاً في الريف الإنجليزي، وهي صورة معدّلة لصورة الحفل الراقص الشهيرة في مجموعة "الزواج السعيد" كما سبق القول. والفكرة الأساسية في نظر هوجارث هو أن المعيار الحقيقي للجمال تهيّـؤه الطبيعة لا الفن مهما بلغت روعته، ولذا ينبغي على متذوّق الفن أن يتمتـّع بموهبة قوة الملاحظة دون أن يصرفه وميض أضواء الفن وحده، فحتى المتعصّب للفن الكلاسيكي - في رأيه - لا يستطيع إنكار أن بصره قد وقع المرة تلو المرة على وجوه وأعناق وأذرع وأياد وسيقان بين الأحياء من النساء تبزّ أية محاولة لمحاكاة فينوس الكلاسيكية. ذلك أن المنبع الأساسي للمتعة في الطبيعة هو التنوّع المتناسق، وهو ما ينبغي أن ينطبق بدوره على العمل الفني الجيّد. وتقوم فكرة هوجارث على مدى القدرة المحدودة للعين على تحصيل المعرفة، وعلى التقمّص الوجداني لانطباع العين بحركة الطبيعة، فالعين التي تتطلّع إلى امرأة وهي ترقص إنما ترقص معها في الوقت ذاته. وهكذا يحوّل هوجارث فكرتي التنوّع وتقمّص العين الوجداني إلى خط أساسي على شكل قوس متحوّ يمكن رؤيته في الطبيعة والفن على السواء، كما يعدّه القاعدة الأساسية لكل الأشكال الجميلة مسمّياً إياه "خط الجمال". ويضم كتابه "تحليل الجمال" نماذج بارعة للأشكال التي تقفو إثر هذا "الخط الجمالي"، وتلك التي تخرج على القوس الجمالي بدرجات متفاوتة ابتداء من مشدّات الخصور النسائية إلى أرجل المقاعد.
ويعترض هوجارث على النمط الكلاسيكي الذي يفترض إلى أن الجمال الحقيقي يعتمد على البساطة وتماثل الأجزاء وتناظرها، موضحاً أن البساطة ليست صفة أساسية لكنها صفة قد يلجأ إليها الفنان لتوصيل فكرته إلى المُـشاهد بمزيد من اليُسر، كما أن البساطة دون تنوّع تغدو فاقدَة عنصر الجذب والتشويق خالية من المذاق والنكهة. ويمضي هوجارث رافضاً تكلّف التماثل والتشاكل والانتظام والاتساق، ضارباً المثل بكاتدرائية سان بول في لندن مُثنياً على مصمّمها كريستوفر رِنْ واصفاً إياه بأمير المعماريين، مقارناً بين مبناه وبين التماثل المملّ في طراز المعماري الإيطالي بلاديو.
كان هوجارث من الفنانين المولعين بتدريس الفن، غير أن وسيلته إلى الفن كانت تختلف عن غيره من معاصريه. وقد حاول أن يضع نظرياته موضع التنفيذ، غير أن خصومته الشديدة للأكاديميات الرسمية التي أنشئت على غرار الأكاديمية الملكية الفرنسية باعدت بينه وبين زملائه الفنانين. فلقد كان مؤمناً - شأنه شأن فولتير - بأن الأكاديميات الرسمية هي السبيل الأمثل للقضاء على العبقرية، وكانت الأكاديمية الملكية الفرنسية هي النموذج الصارخ لهذا النهج من التعليم الذي رفضه، لاقتناعه العميق بأنه ليس ثمة مجتمع يستطيع أن يفرز أكثر من اثني عشر فناناً موهوباً خلال حقبة بعينها، في حين كانت تلك الأكاديميات تخرّج كل عام أعداداً غفيرة من نمطٍ بعينه يفتقر أغلبهم إلى الموهبة. وبطبيعة الحال لم يكن هوجارث معادياً للتعليم، لكنه كان يؤمن في قرارة نفسه باستحالة اكتساب السّجايا الجوهرية التي تشكّل معدن الفنان العبقري إلا عن طريق القدرة الفطرية النفّاذة على استشفاف التعبيرات و"ملاحظة" السمات والتنوّعات، وهذه جميعاً مردّها إلى الطبيعة وحدها. وبمعنى آخر كان هوجارث يعارض المنهج التقليدي للتعليم الفني القائم على استنساخ أعمال كبار الفنانين نحتاً وتصويراً، والذي لا يغرس في الطالب إلا أدنى الأمور أهمية في الفن. وإذ كان الفن الحقيقي في نظره هو ما يتناول الحياة الواقعية، لذا كانت المقدرة على "الملاحظة" هي أول ما ينبغي غرسه في طلبة المعاهد الفنية، فليس هدف الدراسة – كما كان يرى – هو الدراية بملامح فينوس المجرّدة من التعبير بقدر ما هو الدراية بما تبدو عليه فتاة نضرة الخدّيْن في الخامسة عشر من عمرها تقع عليها أبصارنا، وهو النموذج الذي تمثّله في بورتريهه الطليق المتحرّر "الفتاة بائعة الجمبري" (لوحة305) الذي يُعد بكل المقاييس تحفة بالغة الروعة.
ولم تقتصر لواذع هوجارث الساخرة على الطبقة العليا وحدها، فقد تناولت صوره الهزلية الطبقة الدنيا أيضاً، مثل لوحة "مسيرة العسكر إلى فنشلي" (لوحة 306 أ، ب، ج) فإذا نحن أمام مفارقة بين أناقة أزياء الجنود الزاهية الألوان وسلوكهم البهيمي الفظ، وبين بيت الدعارة الذي تطلّ المومسات من شبابيكه التسعة المفتوحة مرحّبات بالجنود من ناحية، وبراءة جمال الغلام الشارد في محاولة النفخ في مصفاره من ناحية أخرى. مثلما تعرّفنا على مدرب الرقصة في لوحه "حفل الاستقبال بعد الاستيقاظ من النوم" (لوحة 275) من خنوثة هيئته وملامح وجهه الناعمة وشعره المصفّف في خُصل مضفورة إلى مثبّتات الشعر وارتشافه القهوة من الفنجان برقّة أنثوية ملحوظة بينما يتحسّس معدته بكفه مداراة لآلام المغص الذي انتابه. ويعلّل هوجارث إقحامه هذا التفصيل على موضوع اللوحة بأن المتعة التي يشعر بها المتأمِّـل أمام هذا التنوّع يشكّل عامل تحرير له على استنباط مغزى القصة بنفسه، فضلاً عن أن سريان الخط المتحوّي في التكوين الفني كله يربط الأشكال بعضها بالبعض الآخر، كما يتيح للعين الزحف بسلاسة من المغنّي إلى المحامي سلفر تانج إلى السَّاتر "حاجز المداراة" وراءه، ومن ثم إلى خاتمة القصة في اللوحة التالية من المجموعة.
وفي الخمسينات من القرن الثامن عشر توجّه عدد غفير من الفنانين الإنجليز إلى روما بما في ذلك المصوّر الشهير سير جوشوا رينولدز، لاقتناعهم بأن زيارة المواقع الأثرية وغيرها من المعالم الكلاسيكية ستعود عليهم بنفع كبير. كذلك استقر رأي الفنانين الإنجليز على ضرورة قيام المؤسسات المتخصّصة لتعليم الفنون بدورها في التعليم الفني الملتزم، كما صاحبت ذلك الموقف الدعوة إلى الاهتمام بتحصيل المعارف الفنية أكثر من الاهتمام بـ "الملاحظة"، والعناية بـ "المثالية" أكثر من العناية بـ "الطبيعة" التي تشوبها المعايب.
ولا يستطيع هوجارث أن يكبح جماح رغبته في الإفصاح عن نظرياته وآرائه من خلال لوحاته المصوّرة وصوره المطبوعة بطريقة الحفر فيما أسماه "براهين بصرية" Ocular Demonstrations مثل لوحة "كنيسة النيام" (لوحة 307) ولوحتي منصّـة القضاء (لوحة 308 أ، ب) اللتيْـن رسم فيهما قاضياً بديناً مغروراً منتفخ الأوداج يرأس جلسة قضاء بين زملائه الناعسين، تجلّت فيهما قدرته الفائقة على الجمع به السّمات الشخصية والكاريكاتير، كما أورد تحت الصورة المطبوعة بطريقة الحفر شرحاً مستفيضاً لما يدور فيها. كذلك اتخذ هوجارث من لوحته "رهان السيدة الأخير أو نهاية المقاومة" The lady’s last Stake وسيلة للعودة إلى تطبيق نظريته التي يناهض بها أذواق كبار المصوّرين القدامى (لوحة 309). ويدور موضوعها حول سيّدة متزوّجة فقدت كل ما تمتلكه على مائدة القمار أمام ضابط شاب، وإذا هي إزاء مغازلته حائرة بين الإقدام والإحجام، إما أن تمضي دون أن تستسلم إليه أو أن تُسْلم إليه نفسها لاسترداد ما فقدته من مال. واللوحة على الرغم مما كان يعانيه هوجارث آنذاك من إعياء وشعور بالبرم هي في الحق عمل متفرّد بارع حاذق التعبير عن سلوكيات الطبقة العليا على غرار مجموعة "الزواج وفق نهج العصر" ومجموعة "قبل... وبعد".
وثمّة لوحة أخيرة لا تقل روعة هي لوحة الشاعر البائس الفقير الجالس إلى مكتبه في غرفته المنعزلة فوق سطح أحد البيوت إلى جوار النافذة (لوحة 310) وقد بسط أمامه أوراقه في انتظار هبوط لحظة الإلهام عليه، وإن كان من الواضح أنه كان يعاني وقتئذ من عجز قريحته المنهكة. ومن وراء الشاعر صُفّة فوقها كتب ثلاثة، وإلى جواره زوجته تخيط سرواله وعند قدميها أقعت هرّة، بينما تدخل عليهما جارة لهما تحمل إحدى الصحف. ومع أن فن هوجارث لم يتحوّل إلى نمط أو مدرسة تُحتذى بعده، إلا أنه كان ولا يزال عَلَماً خفّاقاً في سماء الفن، إذ كان فنه باكورة الإرهاص بفن الكاريكاتير بصفة عامة.
هوجارث: أوبرا الشحاذ لجون جاي (1728) . النسخة التانية.
لافينيا فنتون ( دوقة بولتون) التي أدت دور بولي في مسحرية أوبرا الشحاذ أداءً فوق الحسبان. ناشونال جاليري بلندن.
هوجارث: كابينة القبطان جراهام. إحدى صور اللقاءات الودية. المتحف البحري القومي. جرينتش.
هوجارث: أسرة سترود. إحدى صور اللقاءات الودية. تيت جاليري بلندن.
هوجارث: جاريك وقرينته. إحدى صور اللقاءات الودية. المجموعة الملكية. قصر وندسور.
هوجارث: أطفال أسرة جراهام. تيت جاليري بلندن.
هوجارث: الفنان نفسه يرسم ربة الملهاة. ناشونال جاليري بلندن.
هوجارث: الأطفال يمثلون مسرحية الإمبراطور الهندي ( أو غزو المكسيك) 1732. مجموعة جالواي الخاصة. دورست.
هوجارث: البيت المتهاوي 1 ( بيت أوراق الكوتشينة) . 1730 مجموعة خاصة.
هوجارث: البيت المتهاوي 2 ( بيت أوراق الكوتشينة) 1730.
هوجارث: قبل ... متحف جيتي. ماليبو. كاليفورنيا.
هوجارث: بعد ... متحف جيتي. ماليبو.
هوجارث: سيرة بغي. اللوحة الأولى. وصول الفتاة الريفية مولي إلى لندن. صورة مطبوعة بطريقة الحفر علىا النحاس ( 1731).
هوجارث: سيرة بغي. اللوحة الثانية. مولي تفقد مكانتها كعشيقة لثري يهودي. صورة مطبوعة بطريقة الحفر على النحاس ( 1731).
هوجارث: سيرة بغي. اللوحةالثالثة. مولي تعيش في فقر مدقع. صورة مطبوعة بطريقة الحفر على النحاس (1731).
هوجارث: سيرة بغي. اللوحة الرابعة. مولي بين أترابها في الإصلاحية. صورة مطبوعة بطريقة الحفر على النحاس (1731).
هوجارث: سيرة بغي. اللوحة الخامسة. مولي تحتضر. صورة مطبوعة بطريقة الحفر على النحاس ( 1731).
هوجارث: سيرة بغي. اللوحة السادسة. مشهد الوداع حول نعش مولي. صورة مطبوعة بطريقة الحفر على النحاس ( 1731).
هوجارث: سيرة ماجن. اللوحة الأولى. الوريث. متحف سون. لندن.
هوجارث: سيرة ماجن. اللوحة الأولى. الوريث. صورة مطبوعة بطريقة الحفر على النحاس.
هوجارث: سيرة ماجن. اللوحة الثانية. حفل الصباح اليومي بعد استيقاظ الوريث من النوم. متحف سون. لندن.
هوجارث: سيرة ماجن. اللوحة الثانية. حفل الصباح اليومي بعد استيقاظ الوريث من النوم. صورة مطبوعة بطريقة الحفر على النحاس.
هوجارث: سيرة ماجن. اللوحة الثالثة. مشهد الحانة. صورة مطبوعة بطريقة الحفر على النحاس.
هوجارث: سيرة ماجن. اللوحة الثالثة. مشهد الحانة. متحف سون. لندن.
هوجارث: سيرة ماجن. اللوحة الرابعة. إلقاء القبض على الماجن لعجزه عن تسديد ديونه. صورة مطبوعة بطريقة الحفر على النحاس.
هوجارث: سيرة ماجن. اللوحة الرابعة. إلقاء القبض على الماجن لعجزه عن تسديد ديونه. متحف سون. لندن.
هوجارث: سيرة ماجن. اللوحة الخامسة. عقد القران متحف سون. لندن.
هوجارث: سيرة ماجن. اللوحة الخامسة. عقد القران. صورة مطبوعة بطريقة الحفر على النحاس.
هوجارث: سيرة ماجن. اللوحة السادسة. الانخراط في لعب القمار. متحف سون. لندن.
هوجارث: سيرة ماجن. اللوحة السادسة. الانخراط في لعب القمار. صورة مطبوعة بطريقة الحفر على النحاس.
هوجارث: سيرة ماجن. اللوحة السابعة. السجن. متحف سون. لندن.
هوجارث: سيرة ماجن. اللوحة السابعة. السجن. صورة مطبوعة بطريقة الحفر على النحاس.
هوجارث: سيرة ماجن. اللوحة الثامنة. الماجن في مستشفى الأمراض العقلية . متحف سون. لندن.
هوجارث: سيرة ماجن. عقد الزواج. المتحف الأشمولي . أكسفورد.
هوجارث:الحملة الانتخابية. الوليمة. متحف سون. لندن.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق