السبت، 25 سبتمبر 2010

فنون عصر النهضة - ثروت عكاشة -جوليو رومانو 1492- 1546










 
جوليو رومانو 1492- 1546
وقديماً ذهب بترارك إلى أن الفنان الذي يتطلّع إلى محاكاة أسلوب أسلافه لا معدى أمامه من أن يسعى إلى التشابه لا إلى التطابق، وأن هذا التشابه لا يصحّ أن يوحي بنفس العلاقة التي تقوم بين صورة شخص ما ونموذجها الحيّ بل بالصلة التي تربط الابن بأبيه0 فرغم ما يمكن أن يكون من اختلافات بين الملامح التفصيلية لكل منهما إلا أن ثمّة طابعاً عامّاً مشتركاً أو تأثيراً كليّاً يؤدّي في النهاية إلى تحقيق الغرض المنشود وهو التشابه مع عدم التطابق الذي يذكّرنا بالأب حالما نرى الابن. ويُضيف بترارك إلى ذلك قوله إن جوانب الاتفاق في عملية المحاكاة لا ينبغي أن تكون بيّنة للوهلة الأولى، وإنما يجب أن تكون مكنونة لا تُدركها إلا رغبة المُستقصي. والواقع أن الكثيرين من فناني عصر النهضة قد سعوا إلى محاكاة أعمال القدماء من اليونان والرومان، غير أن صعوبة تحديد الصلات الدقيقة التي تربط بين هؤلاء الفنانين وبين القدماء إنّما تنشأ بسبب أمرين هامّين قد يبدوان متناقضين، هما تماسك التراث ومرونته في ذات الوقت. فعلى حين أدّت خاصية التماسك والصمود إلى صيانة الصيغ الفنية وتداولها عبر العصور الوسطى ، ساعدت خاصية المرونة على إمكانية تحوير هذه الصيغ وإعادة تشكيلها لمطابقة احتياجات كل عمل فنّي على حدة0


ومن النماذج الجيّدة التي تجسّد المقدرة على استيعاب النماذج الفنية السابقة على نفس النحو الذي يستوعب به الجسم الغذاء، أو يحوّل به النحل الرحيق إلى شهد ما نراه في لوحة المعركة بين قسطنطين ومكسنتيوس (لوحة 440) للفنان جوليو رومانو Giulio Romano المصوّر والمهندس المعماري الإيطالي وأقرب تلامذة رافائيل ومعاونيه إلى السويداء من قبله. فلقد استقى هذا الفنان الكثير من أوضاع المحاربين والجياد والفرسان والمشاة فضلاً عن الجَرحى والقتلى من أصول رومانية معروفة سواء كانت صوراً جدارية أو نقوشاً بارزة فأفاد أقصى الإفادة من أزياء الجند ودروعهم وتروسهم وألويتهم. وعلى الرغم من علاقات الشبه الأكيدة بين هذه اللوحة الضخمة والأصول الرومانية إلا أن الفروق التي استحدثها جوليو رومانو أكثر إثارة للاهتمام، فقد واءم بين أوضاع الجنود الصرعى وحركات الجياد على نحو يتّفق ومنطق الحرب من ناحية والاتجاه نحو اتقاء الخطر من ناحية أخرى. كذلك قيل إن هذا الفنان قد اختبر صحّة نموذجه المقتبس باستعانته بنماذج حيّة في مرسمه أعانته على إحكام قدرته على تصوير الأوضاع المتقنة، فضلاً عن تدعيم معرفته العميقة بأسرار الجسم الإنساني. ومن هنا يتضح الفارق بين المحاكاة والاستيعاب في الفن، فالاستيعاب يقتضي نوعاً من التعميم، إذ يستلزم من الفنان أن يدرك كيف يخلق رسماً يجسّد فكرته عن النموذج التقليدي دون أن يحصر نفسه في نموذجه الأصلي على نحو يجعل من هذا النموذج قيداً على قدراته الإبداعي



جوليو رومانو. تفصيل من لوحة المعركة بين قسطنطين وماكسنتيوس.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق