لونجينا (1604- 1675)
وإذا كان بالاديو قد أعرب في أكثر من موقف عن إيثاره الكنائس الرحبة ذات المسقط الدائري التي استوحى فكرتها بلا شك من مبنى البانثيون الروماني، فقد ظهر من بعده من وضع هذه الفكرة موضع التنفيذ، وذلك حين شيّد خليفته المهندس المعماري لونجينا Longhena كنيسة سانتا ماريا دللاسالوتي (لوحة 14) في عام 1631 والتي تعد النتيجة المنطقية لحيوية مزاج أهل البندقية حسّاً وحماسة. فتتخذ الكنيسة شكل مثمّن تتصدّر كل جانب من جوانبه الثمانية واجهة مثلثة كلاسيكية، فجاءت نموذجاً رائعاً للطراز الباروكي المبكر حيث تسند القبّة الهائلة البديعة لفافات لولبية زخرفية ضخمة تتوسّط بينها وبين كتلة المبنى الفسيح القائمة تحت القبة. ومن الغريب أن هذا المبنى قد استلفت أنظار أهل البندقية وأرضى أذواقهم بأكثر مما أرضاهم تصميم كنيستي بالاديو السابق ذكرهما.
وثمّة تباين جدير بالذكر نلحظه بين منجزات سانسوفينو وبالاديو يتمثّل في مادة البناء التي استخدمها كل منهما. فعلى حين لجأ سانسوفينو إلى أندر أنواع الرخام وأجمل الأحجار وهو يشيد المباني العامة الكبرى، قنع بالاديو في أغلب الأحوال بالآجر والجص والطين المحروق إذ كانت معظم إنجازاته مساكن خاصة أو ما شابهها من المباني في مدينة فتشنزا الريفية الأقل ثراء من مدينة البندقية. وما أكثر ما نادى بالاديو بأسبقية التصميم على مادة البناء، وتقف منجزاته العظمى الفخمة ذات المواد الأقل تكلفة ويسراً دليلاً على أن سمو المعمار يكمن في التصميم والفكر لا في مادة البناء، فالنسب المدروسة "للكل" والترتيب المنطقي "للأجزاء" هما من أهم الخواص المميزة لفنّه. وهكذا انتقل إلى العصر التالي شغفه بالتماثل والتراصف واستخدامه الحكيم للطرز المعمارية الخمسة: التوسكاني والدوري والأيوني والكورنثي والمركّب، كما أضحى استخدامه البارع لمبدأ التزاوج والتعارض سواء في تصميم واجهات قصوره ذات الأجنحة أو في انعكاس واجهاته المعمارية على صفحة الماء كما هي الحال في كنيسة سان جورجيو وغيرها من مباني البندقية إرهاصات بالطراز الباروكي، حتى لقد ذهبت المدن الأخرى التي تفتقر إلى حركة المياه المتماوجة في قنوات البندقية إلى اصطناع بحيرات أمام الواجهات التي شيّدت خصيصاً من أجل هذا الغرض. كذلك عدت واجهة المعبد الكلاسيكي من بعد بالاديو وخلال القرن التالي له نموذجاً تحتذيه مباني الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، لكنها ما لبثت أن حلّ بها الضعف من الناحية الإنشائية على أيدي المهندسين اللاحقين، وصارت أساساً للزخارف المفرطة المميّزة لطراز الباروك المسرف.
ولقد خلّف فكر بالاديو الذي عبّر عنه بوضوح تام في مؤلفه "أربعة كتب عن العمارة" بعجالاته التخطيطية ورسومه أثراً أشدّ عمقاً من مبانيه في كل من فرنسا وإنجلترا وأيرلندا وأمريكا. وكانت للترجمة الإنجليزية التي نشرها مع تعليقات تلميذه إنيجو جونز Inigo Jones الفضل في ابتكار طراز الملك جورج Georgian Order في كل من إنجلترا وأمريكا حيث تشيّع له الرئيس توماس جفرسون فبلغ ولعه ببالاديو أن اقترح أن يشيّد البيت الأبيض مقرّ رئيس الجمهورية على غرار فيلا روتوندا وإن كان رأيه قد استُبعد في آخر لحظة. ومع ذلك فإن تصميم البيت الأبيض ما يزال يحمل بصمات بالاديو، إذ هو تصميم تمتد له أجنحة على جانبي رواق ذي أعمدة لمعبد كلاسيكي.
لونجينا: كنيسة سانتا ماريا دللا سالوتي. البندقية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق