توماس جينزبُورو (1727 - 1788)
وجوشوا رينولدز (1723 - 1792)
ظلّت "البورتريهات" لمدى طويل المصدر الوحيد لدخل المصوّرين الإنجليز، وإذا القرن الثامن عشر يقدّم في هذا المجال أسلوباً مختلفاً عن تقاليد القارة الأوربية كان له شأنه. ولعل أعظم هؤلاء المصوّرين هو جينزبورو الذي بدأ بتصوير المناظر الطبيعية (لوحة 245) وانتهى بأن غدا مصوّر البورتريهات الأثير لدى الطبقة العليا الإنجليزية (لوحة 246، 247، 248). وتكشف بورتريهاته المبكّرة مثل بورتريه روبرت أندروز وزوجته (لوحة 249) عن غنائية رقيقة ساحرة قد نفتقدها في صوره اللاحقة. ويكفي أن نضاهي هذا البورتريه ببورتريه الملك تشارلس الأول الشديد التكلّف لفان دايك [انظر كتاب الباروك] حيث نري الفنان جينزبورو قد صوّر هذا النبيل وزوجته في مشهد طبيعي بمقرّهما الريفي دون أن تغلب الخيلاء الإنجليزية المألوفة على ملامحهما، كما تغمر الضياء المشهد كله الذي يشكّل بيئة وادعة لم نعهدها في صور المناظر الطبيعية الهولندية.
ومع تأثر جينزبورو بالمصور فاتو، إلا أننا لن نجد له لوحة تتناول موضوعاً من الموضوعات التي طرقها فاتو اللهم إلا ما صوّره في مستهل حياته من بورتريهات اعتمد فيها على ما كان لفاتو من صور مطبوعة بطريقة الحفر، وإن استبدل بصور الريف الفرنسي مشاهد الريف الإنجليزي. ولعل أبرز ما أخذه جينزبورو عن فاتو هو التحرّر والانطلاق، دون أن يرث عنه ما كان يمتّ للخيال بسبب إلا في أواخر حياته، فلم يكن رعاة الفن الإنجليز يُقبلون على هذا اللون الخيالي، مؤثرين فن البورتريه على ما عداه.
وفي بورتريه لاحق رسمه الفنان لممثّلة المسرح الشهيرة آنذاك السيدة سارة سيدونز يلفتنا ما ينطوي عليه من حرص الفنان على الالتزام بالقواعد المتعارف عليها وإن أفاض في إسباغ الأناقة عليها، ومن تقنية بارعة في انسياب الخطوط وشفافية الألوان. وقد رسم جينزبورو هذه الفنانة (لوحة 250) في محاولة يتحدّى بها منافسه الكبير سير جوشوا رينولدز الذي كان قد رسم السيدة نفسها قبله بعام واحد بوصفها ربة الفن المعروفة في التراجيديا الإغريقية. وقد شغل رينولدز منصب مدير الأكاديمية الملكية منذ إنشائها عام 1768 وحمل لواء النزعة الأكاديمية في الفن التي اعتنقها خلال إقامته بروما علي مدى عامين. وعلى غرار مَـنْ سبقه من الفنانين الفرنسيين استنبط رينولدز نظرياته وقواعده الأكاديمية الراسخة التي أذاعها عبر مقالاته وأبحاثه الشهيرة. ولم تكن آراؤه تبعد كثيراً عن آراء شارل لوبران مدير الأكاديمية الملكية الفرنسية وإن تسربلت بالمزاج البريطاني، غير أنه ما لبث أن اكتشف شأنه شأن لوبران أنه من الصعوبة بمكان تطبيق نظرياته وقواعده عملياً. وعلى الرغم من أنه كان يميل إلى تصوير الموضوعات التاريخية الجليلة الشامخة إلا أن الجانب الأكبر من نشاطه انصرف إلى تصوير البورتريهات (لوحة 251). وقد حاول ما استطاع أن يرفع من شأنها بإضافة بعض العناصر الرمزية أو التنكّرية إليها، على نحو ما ضمـّـنه بورتريه السيدة سيدونز (لوحة 252) الذي نلحظ فيه تأثره بأسلوب مدرسة البندقية وبطراز الباروك الفلمنكي لاسيما برمبرانت إذا ما دققنا النظر في عنصر الإضاءة بهذه اللوحة وإن لم يعترف رينولدز بذلك في "مقالاته"، وكذا على النمط الذي تحمله اللوحة التي تضم بورتريهات بنات سيروليام مونتجومري الثلاث في صورة ربّات الحسن وهو يُزيـّـن تمثال إحدى الربّات بأكاليل الزهور (لوحة 253). وأهم ما يمكن قوله عن رينولدز هو قدرته على الارتفاع بفن التصوير في إنجلترا ليصبح محطّ التقدير والاحترام بوصفه أحد الفنون السبعة، غير أن الثمن كان فادحاً لأن "مقالاته" التي سرعان ما أصبحت معياراً لقياس الأعمال الفنية كبّـلت قدرات أجيالٍ من الدارسين الإنجليز والأمريكيين وصرفتها عن الرؤية الموضوعية. وكم كان رينولدز كريماً حين أعطى جينزبورو الذي مات قبله ببضع سنوات حقّه من الثناء الجدير به على الرغم من أنه كان ينفس عليه ما كان يتمتع به من موهبة غريزية خلّاقة.
ومع أن فن القرن الثامن عشر قد انطلق ساعياً إلى الإمتاع والبهجة إلا أنه في الوقت نفسه كان حريصاً منذ البداية علي الاتجاه نحو أهداف أخرى تتّصل بالتربية والحضّ على الالتزام بالسلوك السويّ وبرغم أن بعض هذه الأهداف قد تحقـّـقت في فرنسا في منتصف القرن على أيدي الموسوعي الكبير الأديب ديدرو والمصوّر جروز والفنان شاردان إلا أن التيار الجارف لهذا الاتجاه كان قد ظهر من قبل في إنجلترا، أقل الدول تعاطفاً مع طراز الروكوكو. ففي عام 1713 أدان شافتسبوري تلميذ الفيلسوف لوك تلك المتع الزائفة التي ينطوي عليها طراز الروكوكو سواء في فن التصوير أو في غيره من الفنون التي لا يحكمها ويوجّهها غير ما يُرضي المشاعر والإحساسات لا العقل، فإذا هو يعلن استنكاره للطابع الأنثوي الغالب في هذا الطراز، داعياً إلى اعتماد طابع الرجولة سواء في اختيار الموضوع المصوّر أو في أسلوب تناوله، مع الالتزام بالقواعد المتعارف عليها، ومراعاة اللياقة والاحتشام والسلوك القويم، وتخيُّر الموضوعات التاريخية البطولية لا الموضوعات التي تخاطب الغرائز. ولما كان طراز الروكوكو حينئذ في طريقه إلى الأفول، فلقد كان موقف شافتسبوري في واقع الأمر بمثابة دعوة صريحة إلى تبنّي طراز كلاسيكي محدث بديل لطراز الروكوكو. وفي الوقت نفسه ساد في إنجلترا - التي قامت بثورتها السياسية فبل بداية القرن الثامن عشر - اتجاه فني ينزع نحو الرومانسية والنقد الساخر ولا يواكب في عمومه أذواق الأرستقراطية الإنجليزية، إذ ارتبط بالطبقة الوسطى الصاعدة التي شكّلت جمهوراً قارئاً جديداً يتطلّع إلى أدبٍ وفن يتناولان عالمه الجديد، مما أسفر عن ظهور صحافة "التاتلر" Tatler و"السبكتاتور" Spectator ومهّـد لظهور الفنان وليام هوجارث. ولا يصحّ أن نعدّ هذا التيار معادياً لطراز الروكوكو وإن كان بكل تأكيد تياراً جادّاً يدين نزوات مصوّري حقبة أوج الروكوكو، فإذا الفنان يظفر بمكانة مرموقة في المجتمع لا بوصفه داعية للمتعة الحسّية، وإنما باعتباره مربّياً موجّهاً يستردّ معه الفن مكانته الرفيعة، ويصل نفسه بالأخلاقيات والعلوم على نحو ما كان يرتبط فيما سلف بالعقيدة الدينية.
جينزبورو: مزارعون في طريقهم إلى السوق يحملون حصادهم. كنوود هاوس. لندن.
جينزبورو: الكونتيسة ماري دي هاو ( 1760) كنوود هاوس. لندن.
جينزبورو: ابنتا الفنان نفسه. ناشونال جاليري. لندن.
جينزبورو: رياضة الصباح. ناشونال جاليري. لندن.
جينزبورو: النبيل أندروز وقرينته (1750). ناشيونال جاليري. لندن.
جينزبورو: السيدة ساره سيدونز 1783. ناشيونال جاليري. لندن.
رينولدز: السيد هير الصغير (ابن ربة البيت) Master Hare. وكان يطلق على رب البيت في إنجلترا Mister وعلى ابنهMaster. وجرت العادة خلال القرنين 18، 19 على أن يرتدي الصبية الصغار حتى سن العاشرة ثياب البنات الصغار دون تفرقة بين الجنسين. متحف اللوفر.
رينولدز: السيدة ساره سيدونز في هيئة ربة التراجيديا (1789). كلية دالويتش.
رينولدز: بنات سير وليام مونتجومري في هيئة ربات الحسن الثلاث يزين تمثال إحدى الإلهات بأكاليل الزهور (1773). تيت جاليري. لندن.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق