الفصل الخامس
العمارة (عصر برونيلسكو)
نادى أنطونيو فيلاريتي Antonio Filarete في عام 1450 يقول : »لعن الرجل الذي ابتدع العمارة القوطية التعسة! ولم يكن في وسع أحد أن يدخلها إلى إيطاليا إلا شعب همجي«(35). ذلك أن هذه الجدران المقامة من الزجاج لا توائم شمس إيطاليا الساطعة، وبدت الدعامات الأفقية العالية (وأن كانت قد اتخذت في كنيسة نوتردام ده باري صورة جميلة فكانت كأنها ماء في نافورة تجمد أثناء مسيله) في أعين أهل الجنوب كأنها محالات قبيحة المنظر تركها وراءهم البناءون الذين عجزوا عن أن يكسبوا بناءهم استقراراً من تلقاء نفسه. لقد كان الطراز القوطي ذو العقد المستدق والقبة العالية يعبر أحسن تعبير عن آمال الأرواح الرقيقة العائدة من العمل المجهد في الحقول إلى سلوى السماء، غير أن الرجال الذين وهبوا من عهد قريب الثراء والراحة اضحوا يرغبون في تجميل الحياة لا أن يفروا منها ويقدحوا فيها، فكانوا يريدون أن يحيلوا الأرض جنة، وأن يحيلوا أنفسهم أربابا.
ولم تكن عمارة النهضة الإيطالية في اساسها ثورة على العمارة القوطية، لأن هذه العمارة القوطية لم تكن لها الغلبة على إيطاليا في يوم من الأيام؟ فقد كان كل طراز وكل تأثير ممثلين بشيء ما في تجارب القرنين الرابع عشر والخامس عشر: كانت فيها العمد الثقيلة، والعقود المستديرة المأخوذة من الطراز الرومانسي اللمباردي، والصليب الذي كانت تخطط على صورته المباني السفلى، والقبة والعارضة المثلثة بين عقودها المتعامدة، وأبراج النواقيس في الكنائس التي أقيمت على منوالها مآذن المساجد الإسلامية،
والعمد الرفيعة في الأديرة التسكانية التي تذكر الناظر إليها بعمد المساجد أو الأروقة الرومانية واليونانية القديمة، والسقف ذات الكتل الخشبية في إنجلترا وألمانيا، والقبة المضلعة والعقد القوطي والشبابيك القوطية، والفخامة المتناسقة في الواجهات الرومانية، وفوق هذا كله المتانة البسيطة في صحن الباسلقا الذي يكتنفه من الجانبين جناحان يدعمانه. لقد كانت هذه العناصر كلها تمتزج في إيطاليا امتزاجا مثمراً حين أخذ الكتاب الإنسانيون يوجهون العمارة نحو خرائب روما. وبدت وقتئذ العمد المحطمة في السوق الرومانية، التي كانت تتراءى من خلال ضباب العصور الوسطى لأعين الإيطاليين أعظم جمالا من طرز البندقية الغربية، أو فخامة تشارتر الكئيبة، أو جسارة بوفيه الهشة، أو إمتدادات قبة أمين الخفية الغامضة، وأضحت الرغبة في العودة من جديد إلى استخدام العمد الملتفة الجميلة، الغائرة في قواعد ضخمة، والمتوجة بتيجان جميلة في صورة الأزهار، والمرتبطة بطيلات رصينة مهيبة المنظر، نقول أضحت الرغبة في استخدام هذه العمد، حين أخذ الماضي القديم المدفون الحي يتلمس طريقه إلى الظهور، هي الحلم الذي يراود خيال رجال من طراز بروند لسكو، وألبرتي، وميكلتسو Michelozzo، وميكل أنجلو، وروفائيل.
وكتب فاساري الوطني الصميم عن بروند لسكو يقول: »أما فليو بروند لسكو فيمكننا أن نقول عنه إن الله قد وهبه القدوة على أن يكسب العمارة أشكالا جديدة بعد أن ظلت السبيل قروناً كثيرة«(36). وقد بدأ عمله صائغا شأن كثيرين من فناني عصر النهضة الإيطاليين، ثم درس فن النحت وظل وقتاً ما ينافس دوناتلو منافسة الصديق لصديقه، ونازعه هو وجبرتي مهمة نقش الأبواب البرنزية لمكان التعميد في فلورنس. ولما ابصر الرسوم التي وضعها دونالتو غادر فلورنس ليدرس في المنظور والتخطيط في رومة، فلما جاءها افتتن بما رآه فيها من العمائر القديمة وعمائر العصور الوسطى، وشرع يقيس المباني الكبرى بجميع عناصرها، وكان أعظم ما أثار دهشته
قبة هيكل مجمع الآلهة الذي أقامه أجربا، البالغ عرضها 142 قدماً، ولاح أنه يتوج بقية مثلها كتدرائية سانتا ماريا دل فيوري التي لم تكن قد تم بناؤها، في مسقط رأسه. وعاد إلى فلورنس في الوقت الذي أمكنه فيه أنه يشترك في مؤتمر من المهندسين معماريين وغير معماريين ليبحثوا مشكلة سقف موضع المرنمين المثمن الأضلاع في هذه الكتدرائية والبالغ عرضه مائة وثماني وثلاثين قدماً ونصف قدم. واقترح فلبو أن تقام فوقه قبة، ولكن الضغط إلى الخارج الذي سوف تحدثه هذه لقبة الضخمة على الجدران التي لا تسندها دعامات من خارجها أو كتل خشبية من الداخل بدا لهؤلاء المهندسين عقبة لا يمكن التغلب عليها. والعالم كله يعلم قصة البيضة التي تطلق بها برونسكو: وكيف تحدى الفنانين المجتمعين أن يجعلوا البيضة تقف على أحد طرفيها، فلما عجزوا جميعاً نجح هو في هذا العمل بأن ضغط الطرف الغليظ الفارغ على المنضدة. ولما احتجوا عليه بقولهم إنه كان في وسعهم أن يفعلوا ما فعله هو، قال أنهم سوف يدعون مثل هذه الدعوى بعد أن تتم إقامة قبة الكتدرائية. وكلف هو بالعمل، وظل أربعة عشر عاماً (1420-1434) بلا انقطاع يكدح في القيام بهذا الواجب، ويقاوم ألف محنة ومحنة حتى رفع القبة المزعومة بمقدار 133 قدماً فوق حافة الجدران التي تستند إليها. وانتهى من العمل آخر الأمر، وقامت القبة ثابتة قوية، وابتهجت المدينة كلها لتمامها وعدته أول الأعمال المعمارية الكبرى في عصر النهضة، وأجرأ هذه الأعمال كلها عدا عملا واحداً لا غير. ولما صمم ميكل أنجيلو بعد قرن من الزمان قبة كنيسة الرسول بطرس، وقيل له إنه قد أتيحت له الفرصة للتفوق على برونلسكو رد على ذلك بقوله: »سأقيم قبة مثلها وأختا لها، أكبر منها، ولكنها لا تفوقها في الجمال«(37). ولا تزال هذه لقبة الفخمة الزاهية تشرف على ما حولها من مناظر تمتد عدة فراسخ من مدينة فلورنس ذات السقف الحمراء التي ترقد كأنها حوض من الورد في أحضان تلال تسكانيا. وقد أخذ فلبو فكرته عن هيكل مجمع الآلهة، ولكنه وفق أحسن التوفيق بينها وبين الطراز القوطي التسكاني الذي يتمثل في كتدرائية فلورنس، وذلك بأن جعل استدارة قبته على طراز العقد المستدق القوطي. لكنه حين سمح له بتخطيط مبان في الطابق الأرضي جعل الانقلاب إلى الطراز القديم أتم وأوضح. وكان في عام 1419 قد بدأ يشيد لوالد كوزيمو كنيسة سان لورندسو، ولم يتم منها إلا »غرفة المقدسات«، لكنه اختار لها طراز الباسلقا، والبواكي، والرواق المعمد، والعقد الرومانسكي، فجعلها هي العناصر التي بنى عليها تصميمه، وبنى لأسرة باتسي Pazzi في أديرة سانتا كروتشي (الصليب المقدس) معبدا جميلا يعيد إلى الذاكرة قبة هيكل مجمع الآلهة في أثينة ورواقه المعمد، ثم اختط في هذه الأديرة نفسها مدخلا مستطيل الشكل-من عمد ذات حزوز، وتيجان على شكل أزهار، وطيلات ذات تماثيل، وحليات هلالية منقوشة- كان هو الطراز الذي صنع على نمطه مائة ألف باب والذي بقى حتى الآن في كل مكان في أوربا الغربية وأمريكا. ثم بدأ ينشئ على الطراز القديم كنيسة سانتو اسبريتو Santo Spirito، ثم مات ولما يكد البناء يعلو على الأرض. ففي عام 1446 كان جثمان هذا الفنان المولع بفنه سجى في الكتدرائية محوطاً بمظاهر العظمة وتحت القبة التي أقامها، وأقبل عليه سكان فلورنس من كوزيمو إلى اصغر عامل كان يكدح في ذلك المكان، أقبلوا عليه جميعاً، وقد امتلأت قلوبهم أسى وحسرة على أن يكون الموت مآل العباقرة العظام. ويقول فيه فاساري:»لقد عاش كما يعيش المسيحي الصالح، وخلف في العالم آثار صلاحه وتقواه...... ولم يجد الزمان من عهد اليونان والرومان القدامى إلى يومنا هذا برجل أعظم منه، لقد كان بحق منقطع النظير(38)«. وكان برونلسكو في أيام حماسته المعمارية قد وضع لكوزيمو تصميم قصر بلغ من السعة والزخرف مبلغا حمل هذا الحاكم المطلق المتواضع على أن يرفض الاستمتاع بمنظره حين يقوم لأنه يخشى حسد الناس له. ولهذا
كلف ميكلتسو دي بارتليمو Michelezzo di Baptolmmeo، (1444) أن يشيد له ولأسرته ومكاتبه بدل هذا القصر قصر آل ميديتشي Palazzo Medici أو الريكاردي Riecardi القائم اليوم، ذا الجدران الحجرية السميكة الخالية من الزخرف، والتي تنم عما كان في ذلك الوقت من اضطراب اجتماعي، ومنازعات عائلية، وخوف دائم من العنف والثورة، وهي العوامل التي كانت تبعث النشاط والحياة في السياسة الفلورنسة. وكان لهذا القصر ابواب ضخمة من الحديد يدخل منها الأصدقاء والدبلوماسيين، والفنانون، والشعراء إلى فناء مزدان بتماثيل من صنع دوناتلو، ويؤدي إلى حجرات متوسطة الروعة، ومعبد مزدان بمظلمات فخمة زاهية من صنع بنتسو جوتسولي Benozzo Gozzoli. وأقام آل ميديتشي في هذا القصر إلى عام 1538، عدا الفترات التي نفوا فيها من المدينة، ولكنهم كانوا بلا ريب يخرجون من هذه الجدران المكتئبة ليستمتعوا بأشعة الشمس في البيوت الريفية التي شادها كوزيمو خارج المدينة في كاريجي Careggi، وكفاجيولو Cafaggiolo، وعلى منحدرات فيسولي Fiesole. وكانت هذه الملاجئ الريفية هي التي يأوى إليها كوزيمو ولورندسو، وأصدقاؤهما، وصنائعهما فراراً من عناء السياسة إلى الاستمتاع بالشعر، والفلسفة، والفن، وإلى كاريجي أوى الأب والحفيد ليستقبلا الموت، وكان كوزيمو من حين إلى حين يفكر فيما بعد الموت فتبرع بكثير من المال لإقامة دير في فيسولي Fiesole، وليعيد بناء الدير القديم في سان ماركو ويجعله أوسع رقعة أكثر متعة.. وخطط ميكلتسو في هذا الدير بواكي مسقوفة رشيقة، ومكتبة تضم كتب نقولي، وصومعة ينفرد فيها كوزيمو من حين إلى حين معتزلا أصدقاءه أنفسهم ليقضي يومه في التأمل والصلاة.
وكان ميكتسو أحب المهندسين إليه في هذه المشروعات، كما كان هو الصديق الوفي الذي صاحبه في منفاه، وعاد معه بعد النفي، وعهد إليه
الأمير بعد عودته بزمن قليل بذلك الواجب الدقيق واجب تقوية قصر فيتشيو لمقاومة ما كان يتهدده من خطر الانهيار. وقد جدد بناء كنيسة سانتسيما أنندسياتا Santissima Annunziata، وأنشأ لها معبداً جميلا، وأثبت أنه مثال ماهر حين زينها بتمثال للقديس يوحنا المعمدان. وشاد لبيرو Piero ابن كوزيمو معبداً فخما في كنيسة سان منياتو San Miniato القائمة على سفح أحد التلال، وعاون بمهارته دوناتلو في تصميم »منبر النطاق« الجميل وحفره في واجهة كتدرائية براتو Prato، ولو أن ميكلتسو كان وقتئذ يعيش في غير بلده لكان هو بلا جدال حامل لواء فن العمارة. وكان أثريا التجار في ذلك الوقت يشيدون أبهاء مدينة فخمة وقصوراً رائعة. وفي عام 1376 عهد مجلس المدينة إلى بنتشي دي تشيوني Benci di Cione وسيمون دي فرانتشسكو تالنتي Simone di Francesco Talenti أن يشيدا رواقاً ذا عمد في مواجهة قصر فيتشيو ليكون مكاناً يخطب فيه الحكام، وأطلق على هذا الرواق في القرون السادس عشر أسم »بهو حاملي الرماح« Loggia dei lanzi، لأن الدوق كوزيمو الأول أقام فيه الرماحة الألمان. وكان أفخم قصر خاص في فلورنس هو الذي شاده (1459) لوكا فانتيشلي Luca Fancelli للمصرفي لوكا بتي Luca Pitti من تصميم قام به برونلسكو قبل أن يشرع في بنائه بتسعة عشر عاماً. وكان في بتي تواضعه، وكان ينازع كوزيمو السلطان، وقد وجه إليه كوزيمو نصيحة لاذعة قال فيها:
إنك تسعى إلى غير غاية، أما أنا فاسعى إلى غاية محددة، وانت تنصب سلكك في الهواء، أما أنا فأنصبه على الأرض... ويبدو لي أن من العدل، ومن الطبيعي أن أرغب في أن يفوق مجد بيتي وشهرته شرف بيتك أنت وسمعته، فلنفعل إذن ما يفعله كلبان كبيران يشم أحدهما الآخر
حين يلتقيان، ويكشران عن أنيابهما، ثم يسير كلاهما في طريقه، فتعنى أنت بشئونك، وأعنى أنا بشئوني(39).
وواصل بتي مؤامراته ودسائسه، ولم ينقطع عنها بعد موت كوزيمو، بل أخذ يعمل على انتزاع السلطة من بيرو ده ميديتشي Piero de'Medi، واقترف في عمله هذا الجريمة الوحيدة التي لا يعفو عنها أحد في عصر النهضة- وهي جريمة الاخفاق، وأعقبها نفيه من بلده، وخرابه، وبقى قصره ناقصاً مدى قرن من الزمان.
الفصل السادس
النحت
1- جبرتي
لقد كانت محاكاة الأشكال اليونانية والرومانية القديمة في النحت أمم منها في العمارة. ذلك أن رؤية الخرائب الرومانية ودراستها، والكشف من حين إلى حين عن آية فنية رومانية كانا يبعثان في المثالين الطليان رغبة قوية في محاكاة هذه المخلفات. وقد يدل على ذلك ما كتبه جبرتي عن تمثال هرم أفروديتي Hermaphrodite الملقى على وجهه الآن في البهو االبرغي Borghese Gallery مستديراً بمظهره إلى النظارة كأنه غير عابئ بهم، وذلك حين وجد هذا التمثال في كروم سان تشلسو San Celso: »إن البيان ليعجز عن أن يصف ما يكشف عنه هذا التمثال من علم وفن أو يُوَفى طرازه الرائع حقه من الثناء«، ويضيف إلى هذا قوله إن ما بلغته هذه الأعمال من الكمال الأعظم من أن تدركه العين، ولا يستطاع تقديره إلا بمرور اليد على سطحه ومنحنياته الرخامية(40). ولما زاد عدد هذه المخلفات المستخرجة من باطن الأرض وألف الناس رؤيتها، اعتاد العقل الإيطالي على مهل مشاهدة التماثيل والصور الفنية العارية، وأضحت دراسة التشريح مما يعني به في مراسم الفنانين كما يعنى به في قاعات الطب، وسرعان ما أخذت النماذج العارية تستخدم بلا خوف ولا حساء. وكان من أثر هذا الحافز القوي أن خرج فن النحت من سيطرة العمارة ومن النقوش على الحجر أو الجص إلى تماثيل البرنز أو الرخام المجسمة.
لكن النقش البارز هو الذي ظفر فيه فن النحت بأشهر انتصاراته
فلورنس على عهد كوزيمو. ذلك ان بناء التعميد القبيح المنظر المخطط الذي كان يواجه الكتدرائية لم يكن يزيل قبحه إلا الزخارف التي تضاف إليه. وكان ياقوبو توريتي Jacopo Torriti قد زخرف قبلئذ المنصة، كما زخرف أندريا تافي Andrea Tafi السقف المقبب بنقوش فسيفسائية متزاحمة، كذلك كان أندريا بيزانو Andrea Pisano قد صنع للواجهة الجنوبية بابا مزدوجاً من البرانز (1330-1336). حدث هذا كله من قبل، أما الآن (1401) فإن مجلس السيادة في فلورنس قد اعتمد بالاشتراك مع طائفة تجار الصوف مبلغاً كبيراً من المال ينفق في صنع باب من البرنو للواجهة الشمالية، لعل هذا العمل يرضي عنهم الله فيقضي على وباء الطاعون المنتشر وقتئذ. وأجريت لذلك مباراة، ودعا جميع الفنانين في إيطاليا لتقديم الرسوم، وكان أعظمهم توفيقاً هم برنلسكو، وياقوبو دلاكو يرتشيا Jacopo della Quercia، ولورندسو جبريتي، وعدد قليل آخر من الفنانين، فعهد إليهم أن يصبوا لوحة نموذجية من البرنز تمثل تضحية إبراهيم بإسحق
وليس في وسع إنسان أن يعرف لماذا استغرق العمل في تصميم هذا الباب الشمالي وصبه الجزء الأكبر من السنين الإحدى والعشرين التالية، إلا من درس هذا الباب دراسة دقيقة عن كثب. وكان يساعد جبرتي في عمله مساعدة كريمة دوناتلو، وميكلتسو، وطائفة كبيرة من الأعوان،
إلا انهم جميعاً قد عقدوا العزم على أن تكون النقوش المطلوبة أجمل النقوش البرنزية في تاريخ الفن كله، وأن فلورنس تتطلع إليهم ليجعلوها كذلك. وقسم جبرتي البابين إلى ثمانية وعشرين لوحة: منها عشرون تروى حياة المسيح، وأربع تصور الرسل، وأربع تمثل علماء القوانين الكنسية. ولما أن صممت هذه الألواح كلها، وانتقدت، ثم أعيد تصميمها، وصبت، ووضعت في أماكنها على الباب، ولم يستكثر واهبوا المال ما أنفقوه عليها وهو 22.000 فلورني (550.000 دولار)، بل عهدوا إلى جبرتي أن يصنع بابا مزدوجاً آخر للناحية الشرقية من بناء التعميد (1425). وكان يساعد جبرتي في هذا العمل الثاني الذي استغرق سبعة وعشرين عاما رجال ذاع صيتهم من قبل، أو بعد قليل من ذلك الوقت: برونلسكو، وأنطونيو فيلاريتي، وباولو أتشلو Paolo Uccello وأنطونيو دل بولايولو Antonio del Pollaiuolo وغيرهم. واصبح مشغله على مر الزمن مدرسة للفن أنجبت أكثر من عشرة من العباقرة. وكان البابان الأولان يشرحان أجزاء من العهد الجديد، أما هذان البابان فقد مثل فيهما جبرتي على عشر لوحات مناظر من العهد القديم، تبدأ من خلق الإنسان وتنتهي عند مجيء ملكة سبأ إلى سليمان، وأضاف على جوانبهما عشرين شكلا من النقش الكامل أو القريب من الكمال وزخارف متنوعة-من حيوان ونبات-ذات جمال فائق رائع. وهنا تلاقت العصور الوسطى وعصر النهضة تلاقيا منسجما أتم الانسجام: فمثلت في اللوحة الأولى قصص العصور الوسطى عن خلق آدم، وإغواء حواء له، وخروجهما من الجنة، وقد عولجت هذه الموضوعات وكانت شخصياتها إما مكتسبة بأثواب مسترسلة كأثواب اليونان والرومان الأقدمين أو عارية وكثير منها كل العري. وكانت الصورة التي تمثل حواء وهي خارجة من جسم آدم تضارع النقش الهلنستي الذي يمثل أفرديتي خارجة من البحر. وقد دهش الناس حين وجدوا في خلفية النقش مناظر تكاد تضارع في دقة مراعاتها لفن المنظور،
وفي وفرة التفاصيل ما يجدونه في أحسن الصور الملونة التي رسمت في ذلك الوقت. ومنهم من كان يشكو من أن هذه النقوش تعتدي على فن التصوير أكثر مما يجب، وتتخطى التقاليد الموضوعة لفن النقش اليوناني الروماني القديم. ولسنا ننكر أن هذه الشكوى الصادقة من الوجهة العلمية النظرية البحتة، ولكن الأثر الذي تحدثه كان أثرا حيا واضحا ساميا. وكان هذا الباب المزدوج الثاني بإجماع الآراء أجمل من الباب الأول. وكان ميكل أنجيلو يرى أنه »بلغ من الجمال حدا يجعله خليقا بأن يزدان به مدخل الجنة«، وكذلك يقول عنه فاساري، وهو بلا ريب لا يفكر إلا في النقوش، إنه »يبلغ حد الكمال في جميع دقائقه وتفاصيله، وإنه أجمل آية فنية في العالم كله عن الأقدمين والمحدثين على السواء(41)«. وسرت فلورنس من هذا العمل سرورا دفعها إلى أن تختار جبرتي لمجلس السيادة في المدينة، ووهبته من المال ما يستعين به على الحياة في شيخوخته. -دوناتلو
يظن فاساري أن دوناتلو كان من بين الفنانين الذين اختيروا لكي يعدوا لوحات تجريبية لأبواب بناء التعميد، ولكن الحقيقة أن دوناتلو كان وقتئذ غلاما لا يتجاوز السادسة عشرة من العمر. وقد أطلق عليه أصدقاؤه ذلك الاسم المصغر المحبب الذي يعرفه به الخلف، أما اسمه الحقيقي فهو دوناتو دي نقولو دي بتوباردي Donato di Niccol? di Betto Bardi. ولم يتعلق في مشغل جبريتي إلا بعض فنه، ولكنه سرعان ما شق طريقه لنفسه وانتقل من رشاقة نقوش جبرتي النسوية إلى تماثيل الرجولة المجسمة, وأحدث في فن النحت انقلابا يقوم على إخلاصه للطبيعة وتمسكه بأصولها وقوة شخصيته المبتكرة وطرازه المبدع الخالي من الزخرف والتجميل، أكثر مما يقوم على الأساليب والأهداف اليونانية
والرومانية القديمة. لقد كان دوناتلو ذا روح مستقلة لا تقل قوة عن تمثاله لداود أو جرأة عن تمثاله للقديس جورج.ولم تنضج عبقريته بالسرعة التي نضجت بها عبقرية جبرتي، ولكنها كانت أسمى منها وأوسع مجالا. ولما ان تم نضوجها أخذت تنثر الآيات الفنية الرائعة بلا حساب حتى امتلأت فلورنس بتماثيل من صنعه، ورددت اًصداء شهرته أصقاع ما وراء جبال الألب. ولما بلغ الثانية والعشرين من عمره نافس جبرتي بأن صنع لأورسان ميتشيل Or San Michele، تمثالا للقديس بطرس، ثم فاقه وهو في السابعة والعشرين حين اضاف لهذا الصرح تمثالا للقديس مرقس بلغ من القوة، والبساطة، والإخلاص، درجة »يستحيل معها أن يرفض الإنسان الإنجيلي الذي يبشر به مثل هذا الرجل الصريح« على حد قول ميكل أنجيلو
أنهما يونانية من الحد الواجب. ولقد نبذ دوناتلو الواقعية في هذه المرة، واستسلم الفنان لخياله، وكان يبلغ في هذا التمثال ما بلغه فيما بعد تمثال ميكل أنجلو الأكثر منه شهرة للملك العبراني.
ولكنه لم يلق في تمثال المعمدان ما لقيه هنا من النجاح، ذلك أن هذا الموضوع موضوع شاق غريب على روحه الدنيوية، ولهذا كان تمثالا يوحنا القائمان في بارجلو سخيفين ليس فيهما حياة. وأجمل منهما كثيراً رأس طفل سمى لغير سبب معقول سان جيو فانينو-رأى القديس يوحنا الصغير. ومن التماثيل التي تشاهد في معرض دوناتلو أيضاً تمثال القديس جورج الذي يجمع بين واقعية المسيحية المجاهدة وخطوط الفن اليوناني المقيدة غير الطليقة. ووقفة التمثال قوية تنم عن الثقة بالنفس، والجسم قوي ناضج، والرأس بيضي قوطي ولكنه يستبق رأس بروفس الروماني الطراز الذي نحته بوانارتي Buonarotti. وصنع لواجهة كتدرائية فلورنس تمثالين قويين لإرميا وحبقوق، وكان ثانيهما أصلع إلى حد جعل دوناتلو يطلق عليه اسم »القرعة الكبيرة«. ولا يزال تمثال يوديث القائم فوق »بواكي الرماحة« والذي صنعه دوناتلو تنفيذاً لأمر كوزيمو، لا يزال هذا التمثال يلوح بسيفه فوق هولوفرنير Holofernes. ويرى القائد الذي دس له المخدر في النبيذ نائماً في هدوء قبل أن يقطع رأسه، والفكرة التي أوحت به وطريقة تنفيذها غاية في البراعة، ولكن الفتاة التي قتلت الطاغية تقبل على عملها مرتدية كامل ثيابها في هدوء لا يتفق مع رهبة الموقف.
ووضع دوناتلو أثناء رحلة قصيرة إلى روما (1432) تصميم معبد من الرخام قديم الطراز لكنيسة القديس بطرس القديمة. وأكبر الظن أنه درس وهو في روما التماثيل النصفية الباقية من عهد الإمبراطورية، وسواء كان ذلك أو لم يكن فقد كان هو الذي عمل أول تمثال نصفي ذي شأن في عصر النهضة. وكانت خير صوره الفنية كلها تمثاله النصفي الذي صنعه من الطين
المحروق الملون والذي يصور السياسي نقولو دا أتسانو Niccolo da Uzzano. وقد سلى نفسه وعبر عنها في هذا التمثال بنزعة واقعية تكشف عن الرجولة الحقة وإن كانت لا تضفي على صاحبها شيئاً من التمجيد والثناء. وفيه كشف دوناتلو عن الحقيقة القديمة القائلة إن الفن ليس في حاجة دائمة إلى الجري وراء الجمال، بل إن عليه أن يختار الأشكال ذات القيمة ويبرزها للناظرين. وكان كثير من الكبراء يعلنون أن تماثيله المنحوتة لا تظهر الأشكال على حقيقتها، ولم تكن نتيجة عملهم هذا أحياناً في مصلحتهم. ومن ذلك أن تاجراً من أهل جنوي، لم يرض عن نفسه كما صوره دوناتلو فأخذ يساوم في ثمن التمثال، فلما عرض الأمر على كوزيمو حكم بأن التمثال الذي يطلبه دوناتلو أقل من الواجب أداؤه. وشكا التاجر من أن الفنان لم يقض من العمل إلا شهراً واحداً، ومعنى هذا أن الأجر الذي يطلبه يصل إلى نصف فلوري (12.5دولا) في اليوم وهو أكثر مما يجب أن يتقاضاه إنسان ليس إلا فنانا. فما كان من دونالتو إلا أن حطم التمثال إلى ألف قطعة، وقال إن هذا الرجل لم يؤت من الذكاء إلا القدر الذي يستطيع أن يساوم به على حبات الفول(43).
لكن مدائن إيطاليا كانت تقدره تقديراً أحسن من هذا وتتنافس في الانتفاع بخدماته، وأغرته كل من سينا، ورومة، والبندقية بالإقامة فيها وقتاً ما، ولكن بدوا هي التي صنع فيها روائعه، فقد نحت لمذبح كنيسة القديس إنثوني ST.Anthony ستاراً من الرخام غطيت به عظام الراهب الفرانسيسي العظيم، ووضع فوقه نقوشاً متحركة وتمثالا برنزياُ لصلب المسيح تنم فكرته عن حنان ورقة منقطعي النظير. وأقام في الميدان الذي أمام الكنيسة (1453) أول تمثال عظيم لفارس في الزمن الحديث، وما من شك في أنه استمد وحي هذا التمثال من تمثال أورليوس الراكب القائم في روما، ولكن وجهه ومزاجه يستوحيان عصر النهضة دون غيره من العصور. ولم يجعله
المثال مثلاً أعلى للملك الفيلسوف، بل صوره رجلا تتمثل فيه طبيعة عصره، قاسياً، غير هياب، وقوياً. ذلك هو تمثال جتاميلاتا Gattamelata قائدمدينة البندقية المشهور باسم »القط المعسول«. ولسننا ننكر أن جسم الجواد الغاضب، الذي يقذف بالزبد من فيه أكبر من أن يتناسب مع ساقي راكبه، وأن الحمام يلوث في كل يوم الرأس الأصلع للزعيم الفاتح المغامر، ولكن وقفة التمثال تدل على الزهو والقوة كأن ما كان يتوق إليه مكيفلي من حب الناس للفن قد امتزج هنا مع البرنز المصهور ليكسب تمثال دونالتو القوة والصلابة. وكانت بدوا تنظر في دهشة وتمجيد إلى تمثال هذا البطل الذي أنقذه دوناتلو من النسيان والفناء، ووهبت الفنان 1650 دوقة ذهبية (41.250 دولاراً) في نظير الست السنين التي قضاها في الكدح المتواصل، وطلب إليه أهلها أن يتخذ مدينتهم وطناً له، ولكنه رفض ذلك العرض في نزوة من نزواته، فقد رأى فنه لا يمكن أن يرقى في بدوا حيث يثنى جميع الناس عليه، ولهذا فإن من واجبه لخير الفن أن يعود إلى فلورنس حيث ينتقده جميع أهلها.
والحق إنه عاد إلى فلورنس لأن كوزيمو كان في حاجة إليه، ولأنه كان يحب كوزيمو، لأن كوزيمو كان يفهم الفن، ويعهد إليه بأعمال تدل على الفطنة، ويجزيه عليها الجزاء الأوفى، وقد بلغ الوفاق بينهما حداً يستطيع معه دونالتو أن »يدرك ما يرغب فيه كوزيمو من أقل إشارة تبدر منه«(44). وقد أخذ دونالتو بإيحاء كوزيمو بجميع القديم من التماثيل، والتوابيت، والعقود المعمارية، والعمد، وتيجانها، ويضعها كلها في حديقة آل ميديتشي لكي يدرها الناشئون من الفنانين. وأنشأ دونالتو بمعاونة ميكلتسو استجابة لرغبة كوزيمو قبراً في مكان التعميد للبابا المطرود يوحنا الثالث والعشرين اللاجئ إليه. ونحت لكنيسة سان لورندسو كنيسة كوزيمو المحبوبة منبرين زينهما بنقوش برنزية، ومن هذين المنبرين وغيرهما كان سفنرولا فيما بعد
يصب صواعقه على آل ميديتشي المتأخرين. وأنشأ للمذبح تمثالا نصفياً جميلا من الطين للقديس لورنس، ثم صنع المقدسات القديمة زوجين من الأبواب البرنزية وتابوتاً يتسم بالبساطة والجمال لأبوي كوزيمو. وتوالت أعماله الأخرى كأنها عبث اطفال: منها نقش بديع على الحجر يمثل الصعود لكنيسة الصليب المقدس، وصنع للكتدرائية تماثيل للغلمان المكتنزين يرتلون الترانيم في حماسة عظيمة (1433-1438)، ومنها تمثال نصفي من البرنز لشاب كأنه صحة الشباب مجسمة (وهو الآن في المتحف الفني في نيويورك)، وتمثال لسانتا تشيتشيليا Santa Cicilia (وقد يكون من صنع دزيدريو دا سنتيانو) بلغ من الجمال حداً يكفي لأن يجعله ربة للغناء مسيحية، ونقش برنزي يمثل صلب المسيح (في برجلو) لا يسع الناظر إليه إلا أن يعجب بتفاصيله الواقعية، ومنها في كنيسة الصليب المقدس تمثال منفرد ضامر من الخشب يعد من أكثر صور هذا المنظر تأثيراً في النفس رغم ما وجهه إليه برونلسكو من نقد ووصفه إياه بأنه »فلاح مصلوب«.
وتقدمت السن بالفنان ونصيره معاً، وعنى كوزيمو بالمثال عناية قلما كان دوناتلو معها يفكر في المال. ويقول فاساري في هذا إنه كان يحتفظ بماله في سلة معلقة في سقف مشغله، وكان يأمر معاونيه وأصدقاءه أن يأخذوا منها ما يشاءون كل بقدر حاجته دون أن يرجعوا إليه في ذلك. ولما حضرت كوزيمو الوفاة (1464)، أوصى ابنه بيرو بأن يرعى دوناتلو، ووهب بيرو الفنان الشيخ بيتا في الريف، ولكن دوناتلو لم يلبث أن عاد إلى فلورنس، لأنه كان يفضل مشغله المعتاد عن شمس الريف وحشراته. وعاش الفنان في فلورنس، بل اشترك أهلها كلهم تقريباً، في جنازته حتى ورى في مقره الأخير في قبو سان لورندسو بجوار قبر كوزيمو نفسه (1466) كما طلب هو في حياته.
وقد ارتقى دوناتلو بفن النحت رقيا لا حد له، ولسنا ننكر أنه كان من حين إلى حين يصب في مواقف شخصياته أكثر مما يجب من القوة ومن دقة التصميم، وكثيرا ما كان يعجز عن أن يبلغ الشكل المصقول الحد الذي يعلى من قدر أبواب جبرتين. ولكن أخطاءه كان مردها إلى الذي يعلى من قدر أبواب جبرتين. ولكن أخطاءه كان مردها إلى تصميمه على أن يعبر عن الحياة أكثر مما يعبر عن الجمال، وعن الخُلُق المعقد أو المزاج العقلي لا عن الجسم القوي الصحيح فحسب. كذلك ارتقى دوناتلو بفن النحت الملون وذلك بتوسيع مداه، فلم يجعله مقصوراً على الأغراض الدينية بل جعله يشمل كذلك الأغراض الدنيوية، وبما حبا به موضوعاته من تنويعه، وانفرادية، وقوة لم يسبق لها مثيل، وهو الذي أنشأ أول تمثال للفارس بقي إلينا من عهد النهضة، وتغلب في هذا العمل على مائة من الصعاب الفنية، ولم يتفوق عليه من المثالين غير واحد منهم، وحتى هذا التفوق كان مرده إلى أن صاحبه قد ورث ما تعلمه دوناتلو، وأبدعه، وعلمه غيره. ذلك هو برتلدو Bertolda تلميذ دوناتلو ومعلم ميكل أنجيلو.
3- لوكادلاَّ ربيا
إن الصورة التي ترتسم في عقولنا، حين نقرأ ترجمتي فاساري لحياة جبرتي ودوناتلو، لتظهر مشغل المثال في عصر النهضة في صورة مشروع تعاوني تعمل فيه كثير من الأيدي، ويوجه عقل واحد، ولكنه ينقل الفن يوماً بعد يوم من الأستاذ إلى الطلاب المتعلمين جيلا بعد جيل. وتخرج من المشاغل مثالون صغار خلفوا في التاريخ أسماء لا تضارع في شهرتها أسماء أساتذتهم الكبار، ولكنها ساعدت بالحد الذي وصلت إليه على أن تشكل الجمال الزائل في صورة خالدة. ومن هؤلاء المثالين الصغار ناني دي بانكو Nanni di Banco الذي ورث ثروة كبيرة، أمكنته من أن يصبح إنساناً عديم القيمة، ولكنه أحب النحت ودوناتلو، وتتلمذ عليه وكان وفيا له حتى استطاع أن ينشئ لنفسه مشغلا مستقلا. وقد نحت تمثالا لسانت فيليب يوضع في كوة في مركز طائفة الحداثين في أورسان ميشيل كما صنع للكنيسة تمثالا للقديس لوقا جالسا وممسكا الإنجيل بيده، وينظر بالثقة الكاملة التي يبعثها في النفس الإيمان الجديد بإيطاليا في عهد النهضة التي بدأت وقتئذ فقط تدخلها الريبة في الدين.
وجاء دزدريو دا سنياتو Desiderio da Settignano إلى فلورنس من مدينة ستنيانو القريبة منها والتي ينتسب إليها. وانضم إلى من كانوا يعملون مع دوناتلو، ورأى أن عمل أستاذه لا ينقصه إلا الصقل الذي يتطلب الصبر الطويل، وامتازت أعماله بالظرف والبساطة، والرشاقة. ولم يبلغ القبر الذي صنعه لمرسبيني القبر أقامه رسلينو لبروني، ولكن المعبد الذي وضع تصميمه لكنيسة سان لورندسو (1464)، قد سر له كل من وقعت عليه عيناه، وقد زاد ما صنعه من تماثيل ملونة ونقوش محفورة، وإن لم تكن هذه هي أعماله الجوهرية
ووهب لوكا دلا ربيا من العمر اثنتين وثمانين سنة، استخدمها على خير وجه، فرفع العمل في الطين المحروق إلى مستوى يكاد يضعه في مصاف الفنون الكبرى، وذاعت شهرته أكثر مما ذاعت شهرة دوناتلو نفسه، وما من متحف في أوربا لا تعرض فيه الآن تماثيل من صنعه للعذراء، ونماذج من اعماله في الصلصال الملون الأزرق والأبيض. وقد بدأ لوكا عمله صائغا، كما بدأه كثيرون من فناني النهضة، فلما تعلم في ميدان التصوير الصغير جميع دقائق التصميم، انتقل إلى نقش التماثيل ونحت ميدان التصوير الصغير جميع دقائق التصميم، ولعل خَزنَة الكنيسة لم يخبروا لوكا أن هذه التحف تفوق أعمال جيتو نفسها، ولكنهم سرعان ما عهدوا إليه أن يزين شرفة الأرغن بنقش أعمال جيتو نفسها، ولكنهم سرعان ما عهدوا إليه أن يزين شرفة الأرغن بنقش يصور الغلمان والفتيات المرنمين والمرنمات في أثناء نشوة الترنيم. ونحت دوناتلو بعد عامين من ذلك الوقت نقشا يماثله، ولا يزال يواجه احداهما الآخر في معرض تحف الكنيسة ويبرز كلاهما في قوة عظيمة حيوية الطفولة، وقد أعاد عصر النهضة في هذين النقشين استخدام الأطفال في الفن. ثم عهد إليه سدنة الكنيسة في عام 1446 أن يعد نقوشا لأبواب من البرنز خاصة بمكان المقدسات في إحدى الكنائس الكبرى. ولم تبلغ هذه النقوش ما بلغته نقوش جبرتي، ولكنها كانت هي التي أنقذت حياة لورندسو ده ميديتشي أثناء مؤامرة باتسيا Pazzia، ونادت فلورنس كلها وقتئذ بأن لوكا من الفنانين العظام. وكان حتى ذلك الوقت قد اتبع الأساليب التقليدية التي يجري عليها فن المثال، إلا أنه كان في هذه الأثناء يقوم ببعض التجارب على الصلصال، ويبحث عن طريقة يستطيع بها أن يجعل هذه المادة المطواعة جميلة في نسيجها جمال الرخام نفسه. فكان يشكل الصلصال بالصورة التي يرسمها في ذهنه، ثم يغطيه بطبقة زجاجية براقة يستخدم فيها مواد كيميائية مختلفة، ثم يحرقه في أتون بني لهذا الغرض خاصة. وأعجب سدنة الكنيسة بنتيجة هذه التجارب وعهدوا إليه أن يصنع صوراً من الصلصال المحروق تمثل البعث والصعود فوق ابواب أماكن المقدسات في الكنائس الكبرى (1443-1446). وكانت هذه الألواح ذات لون أبيض منفرد، ولكنها كان لها تأثير عظيم بفضل مادتها الجديدة ورقة صقلها وجمال تصميمها. وطلب كوزيمو وابنه بيرو أن تصنع نقوش شبيهة بها من الصلصال المحروق يزدان بها قصر آل ميديتشي ومعبد بيرو في سان ميناتو San Minato. وقد اضاف لوكا في هذه النقوش اللون الأزرق إلى اللون الأبيض الغالب عليها. وتوالت عليه وقتئذ الطلبات بكثرة أغرته على الإسراع في عمله والتساهل فيه، فزين مدخل كنيسة الانيسانتي Ognissanti، بصورة من الصلصال المحروق تمثل تتويج العذراء، كما زين مدخل كنيسة باديا Badia بصورة رقيقة من النوع نفسه تمثل العذراء والطفل يحف بهما ملائكة تغرينا بأن نؤمن بخلود السماوات. ثم شرع يعمل صورة كبرى
من الصلصال المحروق تمثل الزيارة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق