الباب السادس والعشرون
إيطاليا قبل النهضة
1057- 1308
الفصل الأول
صقلية في عهد النورمان
من أعجب الأشياء أن النورمان قد استطاعوا أن يكيفوا أنفسهم بما ينفق مع البيئات الكثيرة المختلفة التي حلوا بها من اسكتلندة إلى صقلية، وأنهم أيقظوا بنشاطهم القوي العنيف الأقاليم والشعوب الراقدة، وأن رعاياهم قد امتصوهم امتصاصاً كاملاً في عدد قليل من القرون حتى اختفوا من التاريخ.
لقد ظلوا مائة عام مفعمة بالاضطرابات يحكمون جنوبي إيطاليا التي كانوا فيها خلفاء للبيزنطيين، وصقلية التي ورثوها عن المسلمين. فقد شرع روجر جسكارد Roger Guescard يغير على هذه الجزيرة بجماعة قليلة العدد من القراصنة في عام 1060، فلم يحل عام 1091 حتى تم له الاستيلاء عليها، واعترفت إيطاليا بحكمه فيها عام 1085، فلما مات (1011) كانت "الصقليتان"- الجزيرة وجنوبي إيطاليا- قد أصبحتا ذواتي شأن في السياسة الأوربية. وكانت سيطرة مضيق مسينا والخمسين ميلاً الفاصلة وأفريقية، قد أكسبت النورمان ميزات تجارية وحربية عظيمة، وأضحت مدائن أملفي، وسلرنو، وبالرم مراكز للتجارة الناشطة مع ثغور البحر المتوسط بما فيها
مراكز التجارة الإسلامية في بلاد تونس وأسبانيا. وأضحت صقلية وقتئذ إقطاعية بابوية فحولت المساجد الإسلامية كنائس فخمة زاهية، وحل القساوسة الروم الكاثوليك محل المطارنة اليونان في إيطاليا الجنوبية.
واتخذ روجر الثاني (1101-1154) مدينة بالرم عاصمة لملكه ووسع أملاكه في إيطاليا حتى ضمت نابلي وكبوا، ورفع لقبه في عام 1130 من كونت إلى ملك. وكان له من الطموح والشجاعة، والدهاء وسعة الحيلة ما لعمه روبرت جسكارد؛ فقد كان نابها يقظاً في تفكيره، نشيطاً في عمله إلى حد جعل الإدريسي المسلم كاتب سيرته يقول عنه إنه قد أنجز وهو نائم ما لم ينجزه غيره من الرجال وهم أيقاظ. وكان يقاومه البابوات لأنهم يخشون اعتداءه على الولايات البابوية، ويقاومه الأباطرة الألمان الذين ساءهم استيلاءه على أبرزي Abruzzi، والبيزنطيون الذين كانوا يحملون باسترجاع إيطاليا الجنوبية، ومسلمو أفريقيا الذين كانوا يتوقون إلى استرجاع صقلية. وقد حارب هؤلاء جميعاً، وكان في بعض الأحيان يحارب عدة طوائف منهم في وقت واحد، وخرج من حربهم ومملكته أعظم مما كانت حين جلس على عرشها، وقد ضم إليها أملاكاً جديدة هي مدائن تونس، وصفاقس، ووهران، وطرابلس. واستعان بمن في صقلية من النابهين المسلمين، واليونان، واليهود، لتنظيم أداة حكومية مدنية وبيروقراطية إدارية أفضل مما كان لأية أمة أخرى في أوربا وقتئذ. وأبقي على نظام الزراعة الإقطاعي في صقلية، ولكنه كبح جماح البارونات بفضل المحكمة الملكية التي كانت قوانينها تفرض على جميع الطبقات. وقد أصلح نظام صقلية الاقتصادي بأن جاء إليها بناسجي الحرير من بلاد اليونان، ووسع نطاق التجارة بتأمين الناس على حياتهم في حلهم وترحالهم وعلى أملاكهم. ومنح المسلمين واليهود، واليونان، والكاثوليك حريتهم الدينية واستقلالهم الثقافي، وفتح أبواب المناصب العليا لذوي المواهب على اختلاف أديانهم وطبقاتهم، ولبس هو الثياب الإسلامية التي يلبسها رجال الدين
المسلمون، وعاش معيشة ملك لاتيني في بلاط شرقي. وظلت مملكته جيلاً من الزمان "أغنى دول أوربا وأعظمها حضارة"(2)، وكان هو أكثر ملوك زمانه استنارة(3)، ولولاه لما وجد فردريك الثاني، وهو ملك أعظم منه.
وفي وسعنا أن نعرف ما كانت عليه صقلية في عهد النورمان باطلاعنا على كتاب جاري
وعادت مسينا، وقطانيا، وسرقوسة إلى الازدهار كعهدها أيام القرطاجنيين واليونان، والرومان؛ وخيل إلى الإدريسي أن بالرم "هي المدينة السنية العظمى والمحلة البهية الكبرى، والمنبر الأعلى في بلاد الدنيا، وإليها في المفاخر النهائية
القصوى ذات المحاسن الشرائف ودار الملك في الزمان المؤتنف والسالف"
ولما شاهد ابن جبير الرحالة المسلم مدينة بالرمة في عام 1184 صاح قائلاً: إنها أم الحضارة والجامعة بين الحسنين غضارة ونضارة... تروق الأبصار بحسن منظرها البارع، عجيبة الشأن... قد زخرفت فيها لملكها دنياه. تنتظم بلبتها قصوره انتظام العقود في نحور الكواعب"
وكان من يزورون بالرم يدهشون من كثرة اللغات المختلفة التي يتكلمها أهلها، ومن اختلاط الأجناس والأديان اختلاطاً لا يعكر صفوه ما بينهم من اختلاف، ومن تجاور الكنائس المسيحية، والمعابد الإسرائيلية، والمساجد
الإسلامية واختلاطها بعضها ببعض، من ثياب أهلها الرشيقة، وشوارعها الكثيرة النشاط والحركة، وحدائقها الهادئة، وبيوتها المريحة.
وكانت فنون الشرق تستخدم في تزيين القصور والبيوت التي يقيم بها الفاتحون من أهل الغرب. كذلك كانت أنوال بالرم تنسج الأقمشة الحريرية الفخمة والثياب المطرزة بالذهب، وكان صناع العاج يصنعون أقداحاً صغيرة مشكلة أو محفورة ذات صور خيالية غريبة أو فنية دقيقة. كما كان صناع الفسيفساء يغطون أرض البيوت، وجدرانها، وسقفها بالرسوم التي تمثل موضوعات شرقية. وكان المهندسون والصناع اليونان والمسلمون يشيدون الكنائس، والأديرة، والقصور، فلا يظهر في هندستها أو في زخرفها أثر للطراز النورماني بل تجمع بين ما تركه الطراز البيزنطي أو العربي من آثار الألف العام السابقة. وشاد الفنانون اليونان في عام 1143 ديراً للراهبات بأموال وهبها جورج أمير بحرية روجر وأهداه إلى سانتا كاريا دل أمرجليو Santa Maria dell Ammiraglio ولكنه يعرف الآن بالمرتورانا Martorana نسبة إلى مؤسسه. ولقد جدد بناء هذا الدير مراراً كثيرة حتى لم تبق إلا القليل من عناصره التي كان عليها في القرن الثاني عشر. ويحيط بقبته الداخلية نقش عربي من ترنيمة مسيحية يونانية. وأرض الدير من الرخام البراق المختلف الألوان، وبه ثمانية عمد من الحجر السماقي الملون تحيط بأقباء ثلاث؛ وتيجان الأعمدة منحوتة نحتاً جميلاً؛ أما الجدران، والأجزاء المثلثة التي بين العقود، والقباب فتتلألأ فيها الفسيفساء الذهبية المشتملة على صورة شهيرة لملك السكون في قبة المحراب. وأجمل من هذا الدير نفسه كنيسة القصر الخاصة Capella Palatina التي بدأها روجر الثاني في عام 1132، فكل ما في هذه الكنيسة غاية في الرونق والجمال: من رسوم الأرضية الرخامية البسيطة، إلى العمد الرفيعة الدقيقة البالغة حد الكمال، وتيجانها المختلفة الأشكال، وقطع الفسيفساء البالغ عددها 282 قطعة والتي تملأ كل فراغ، وصورة المسيح الرهيبة
القائمة فوق المذبح والتي تعد من أروع ما في العالم من نقوش الفسيفساء، يعلو هذا كله سقف من الخشب على شكل قرص العسل، منحوت أو مذهب، أو مرسوم عليه بالألوان صور فيلة، وريم، وغزلان، و"ملائكة"، أكبر الظن أنها كانت صوراً مما يحلم به المسلمون في جنات النعيم. وليس في فنون العصور الوسطى أو الحديثة كنيسة ملكية تضارع هذه التحفة الفنية التي هي أثمن جوهرة في صقلية النورمانية.
ومات رجار (روجر) في عام 1154 وهو في التاسعة والثلاثين من عمره. واستحق ابنه وليم الأول (1154-1166) لقب "الخبيث"؛ ويرجع بعض السبب في هذا إلى أن سيرته قد كتبها أعداؤه، وبعضه الآخر إلى أنه ترك مقاليد الحكيم لغيره وعاش هو مترفاً منعماً بين الخصيان والمحاظي. وثار في أيامه المسلمون في تونس على المسيحيين، وقضوا على سلطان النورمان في إفريقيا. وعاش وليم الثاني (1166-1189) عيشة أشبه ما تكون بعيشة وليم "الخبيث"، ولكن كاتبي سيرته لقبوه وليم "الطيب"، ولعلهم لم يكن لهم غرض من وراء هذه التسمية إلا أن يحولوا دون اختلاط الأسماء. وأراد أن يكفر عن انحلال أخلاقه بما أنفق من المال في عام 1176 على دير منريل Monreale- "الجبل الملكي"- وكنيسته وهما على بعد خمسة أميال في خارج بالرم. ويتألف بناء هذا الدير وتلك الكنيسة من خليط مشوه من القواعد والعمد المتشابكة؛ أما الأروقة فذات قوة وجلال، وجمال، ونقوش الفسيفساء ذائعة الصيت رغم فجاجتها؛ وتيجان العمد غنية بالنقوش المحفورة التي تمثل الحياة الواقعية- فيها نوح ثمل ونائم، وراعي خنازير يعني خنزير، وبهلوان واقف على رأسه.
ولعل ما انغمس فيه ملوك صقلية النورمان من النعيم قد أوهن بنيتهم وقصر آجالهم، فقد ماتت أسرة روجر الثاني ميتة غير شريفة بعد أربعين عاماً من موته،
ولم يعقب وليم الثاني أبناء فاختير للجلوس على العرش ابن غير شرعي لأحد أبناء روجر الثاني يدعى تانكرد Tancaed (1189). وكان هنري السادس إمبراطور ألمانيا قد تزوج في هذه الأثناء من كنستانس Constance ابنة عمه وليم الثاني. وكان يتوق إلى توحيد إيطاليا كلها تحت تاج الإمبراطور، فطالب بعرش الصقليتين؛ وعقد حلفاً مع بيزا وجنوى اللتين كانت تجارتهما ترزح تحت سيطرة النورمان على وسط البحر المتوسط؛ وفي عام 1194 وقف أمام بالرم بقوة عظيمة لا تقهر، وأقنع أهلها بأن يفتحوا له أبوابها، وتوج فيها ملكاً على صقلية. ولما مات (1197) ترك عروشه لابنه فردريك البالغ من العمر ثلاث سنين، والذي صار فيما بعد أقوى الملوك المستبدين وأعظمهم استنارة في القرن الثالث عشر الغني بملوكه الأقوياء.
الفصل الثاني
الولايات البابوية
كانت دولة مدينة بنفنتو تقوم في شمالي إيطاليا النورمانية، وكان يحكمها أدواق من أصل لمباردي. وكان من ورائها الأراضي التي تخضع لحكم البابوات الزمني- "ميراث بطرس"- وتشمل أنياني، وتيفولي، وروما، ثم تمتد من المدينة الأخيرة إلى بروجيا Perugia.
وكانت روما مركز المسيحية اللاتينية، ولكننا لا نستطيع أن نعدها أنموذجاً للمسيحية؛ ذلك أنه لم تكن في العالم المسيحي مدينة أقل منها احتراماً للدين، إلا باعتباره إحدى مصالحها المكتسبة، ولم يكن لإيطاليا في الحروب الصليبية نصيب كبير، فلم تشترك مدينة البندقية مثلاً في الحرب الصليبية الرابعة إلا لتستولي على القسطنطينية، ولم تكن المدن الإيطالية تنظر إلى هذه الحروب إلا على أنها في الأغلب الأعم فرص تمكنها من إنشاء ثغور، وأسواق، وتجارة في بلاد الشرق الأدنى. وقد أجل فردريك الثاني حملته الصليبية إلى أبعد أجل مستطاع، ثم أقدم عليها وفي قلبه أضعف قسط من العقيدة الدينية. ولسنا ننكر أنه كان في روما رجال ذوو روح دينية رحيمة يساعدون الحجاج على تعهد أضرحة القديسين والاحتفاظ بها، ولكن أصوات هؤلاء الرجال لم تكن تعلو على صخب السياسة وضجيجها.
وإذا ما غضضنا النظر عن البابوية، وجدنا روما في ذلك الوقت مدينة فقيرة، فقد كان انتهاب النورمان إياها خاتمة ستة قرون من الدمار والإهمال، نقص فيها عدد السكان إلى أربعين ألفاً أو نحوها، وكان عددهم في العهد القديم مليونا، ولم تكن مركزاً للتجارة أو الصناعة؛ وبينا كانت مدن إيطاليا الشمالية تتزعم الثورة
الاقتصادية، كانت الولايات البابوية لا تزال تتلكأ متوانية في النظام الزراعي الساذج؛ فكانت حدائق الخضر، والكروم، وحظائر الماشية تختلط بالبيوت والخربات داخل أسوار أوريليا. وكانت الطبقات الدنيا من أهل العاصمة تعيش إما من صناعتها اليدوية أو من الصدقات الكنسية؛ أما الطبقات الوسطى فكانت خليطاً من التجار، والمحامين، والمدرسين، ورجال المصارف، وطلاب العلم والقساوسة المقيمين فيها أو الذين يأتون لزيارتها؛ وأما الطبقة العليا فكانت من كبار رجال الدين وكبار الملاك الزراعيين. وكانت العادة الرومانية القديمة، عادة امتلاك الأرض في الريف والإقامة في المدن، لا تزال سائدة. وكان أشراف الرومان قد تجردوا من زمن بعيد من النزعة الوطنية العامة التي تؤلف بين قلوبهم وتدعوهم إلى الدفاع عن أنفسهم، فانقسموا لهذا السبب شيعاً وأحزاباً تتزعمها الأسر الغنية القوية- الفرنجيباني Frangipani، والأرسيني Orsini، والكولنا Colonna، والبيرليوني Pierleoni، والكيتاني Ceatani، والسافلي Savilli، والكرسي Carsi، والكنتي Conti، والأنيبلدي Annibaldi. وجعلت كل أسرة مسكنها قلعة حصينة، وسحلت أفرادها وأتباعها، وكثيراً ما كانت تشتبك هي وغيرها من الأسر في شجار في الشوارع، وتشتبك من حين إلى حين في حروب أهلية. أما البابوات فلم تكن لهم إلا أسلحة روحية قلما يخشاها أحد في روما، وأخذوا يكافحون عبثاً ليحفظوا النظام في المدينة. وكثيراً ما كانوا يتلقون فيها الإهانات، ويعتدي عليهم في بعض الأحيان. وفر كثير منهم إلى أنانيي، أو فيتربو Viterbo أو بروجيا بل إن منهم من فروا إلى ليون وأخيراً إلى أفنيون لينجو من الموت أو يعيشوا في هدوء وسلام.
وكان البابوات يحملون بأن يقيموا حكماً دينياً تكفي أن تكون فيه كلمة الله، كما يفسرونها هم، هي القانون؛ ولكنهم وجدوا أنفسهم لا حول لهم ولا طول بين استبداد الأباطرة وألجركية الأشراف، وديمقراطية الشعب. وحافظت بقايا السوق
الكبرى والكبتول بين الرومان على ذكرى جمهوريتهم القديمة، وكانت جهود تبذل من حين إلى حين لإعادة نظم الحكم الذاتي وأشكاله القديمة. وظل الأشراف القدماء يسمون الشيوخ وإن كان مجلس الشيوخ قد اختفى من الوجود. وكان القناصل ينتخبون أو يعينون، وإن لم يكن بيدهم شيء من السلطان، وكانت بعض مخطوطات قديمة، نسيت أو كادت تنسى، تحفظ للبلاد الشرائع الرومانية. وبعث قيام المدن الحرة في شمالي إيطاليا في أهل روما روحاً جديدة، فأخذوا يطالبون بالعودة إلى الحكم الذاتي المدني لا الديني، واختاروا في عام 1143 مجلس شيوخ مؤلف من ستة وخمسين عضواً، وظلوا عدة سنين بعد هذا التاريخ يختارون له أعضاء جدداً في كل عام. وكانت أحوال ذلك الوقت تتطلب صوتاً يرتفع بتغييرها، ووجدت هذا الصوت في رجل من أهل بريشيا Brescia يدعى أرنولد Arnold. وتقول الرواية المتواترة إنه درس على أبيلار Abelard في فرنسا ثم عاد إلى بريشيا راهباً. وبلغ من زهده وتقشفه أن وصفه برنار بأنه رجل "لا يأكل ولا يشرب". وكان شديد التمسك بالدين القويم، ولكنه ينكر صحة العشاء الرباني إذا قدمه القساوسة المذنبون. وكان يرى أن مما يجافي القانون الأخلاقي أن يكون للقس أملاك، ويطالب بأن يعود رجال الدين إلى الفقر الذي كان يتصف به الحواريون، وأشار على الكنيسة بأن تنزل للدولة عن جميع أملاكها المادية وسلطانها السياسي. وأدانه إنوسنت الثني في مجلس لاتران عام 1139 وأمره أن يلزم الصمت، ولكن البابا أو أوجنيوس الثالث Eugenius III عفا عنه على شريطة أن يحج إلى عدد من الكنائس في روما. وكان هذا خطأ كريماً من البابا؛ لأن منظر معالم الجمهورية القديمة ألهب خيال آرنلد، فـأهاب بالرومان وهو واقف وسط خرائب المدينة بأن ينبذوا حكم رجال الدين، ويعيدوا الجمهورية الرومانية (1145). وافتتن الشعب بحماسته فاختار قناصل وتربيونين ليكونوا هم حكامه الحقيقيين، وأقام طائفة من هيئة من الفرسان ليكونوا قادة
في جيش إقليمي للدفاع. وسكر أتباع آرنلد بخمرة هذا النصر الهين فلم يكتفوا بنبذ سلطة البابوات الزمنية بل أيضاً سلطة أباطرة الدولة الرومانية الشرقية في إيطاليا. ثم ذهبوا إلى أبعد من هذا فقالوا إن الجمهورية الرومانية يجب ألا تحكم إيطاليا وحدها بل أن تحكم "العالم" كما كانت تحكمه في الزمن القديم(5). وأعادوا بناء الكبتول، واستولوا على كنيسة القديس بطرس، وأحالوها قلعة، واستولوا على الفاتيكان، وفرضوا الضرائب على الحجاج؛ وفر أوجنيوس الثالث إلى فيتربو وبيزا (1146) بينا كانت القديس برنار يصب اللعنات من كليرفو Clairvaux على شعب روما، ويذكرهم بأن كيانهم موقوف على وجود البابوية، وظلت حكومة روما الذاتية عشر سنين تحكم مدينة القياصرة والبابوات.
واستجمع أوجنيوس الثالث شجاعته وعاد إلى روما في عام 1148، وقصر واجباته وقتاً ما على الواجبات الروحية، وأخذ يهب الصدقات، وكسب بذلك قلوب الشعب. وغضب خليفته هدريان الرابع أشد الغضب من مقتل كردينال في شجار عام، فأصدر قراراً بحرمان العاصمة (1155)، وخشي مجلس الشيوخ أن تقوم في المدينة ثورة لا يستطيع الأشراف تحمل آثارها، فألغي الجمهورية واستسلم إلى البابا. واختبأ آرنلد المطرود من حظيرة الكنيسة في كمبانيا؛ ولما أن اقترب فردريك بربروسه من روما طلب إليه هدريان أن يقبض على هذا الرجل المتمرد؛ وكشف مخبأ آرنلد وقبض عليه، وأسلمه الإمبراطور إلى صاحب شرطة البابا في روما، وشنقه (1155). ثم حرقت جثته، وألقي برماده في نهر التيبر "خشية أن يجمعها الناس ويكرموها بوصفها رماد شهيد" كما يقول أحد معاصريه(6). وعاشت آراؤه بعد موته، وعادت إلى الظهور عند زنادقة لمباردي الباتريين Paterine والوالدنسيين Waldensian، وعند الأليجنسيين في فرنسا، وفي مرسليوس Marsilius من أهل بدوا، وفي زعماء حركة الإصلاح. وظل مجلس الشيوخ قائماً حتى عام 1216 حين أفلح إنوسنت الثالث في أن
يستبدل به شيخاً أو شيخين من المناصرين لقضية البابا. وظلت سلطة البابوات الزمنية قائمة حتى عام 1870.
وكانت الولايات البابوية في أوقات مختلفة تشمل أمبريا Umbria بما فيها اسبليتوا Spoleto وبروجيا؛ وأرض التخوم المشتملة على أنكوتا الواقعة على البحر الأدرياوي، ورومانيا Romagna، أو الإقليم الخاضع لحكم روما والمشتمل على مدائن رميني Rimini، وإمولا Imola، ورافنا Ravenna، وبولونيا Bologna، وفرارا Ferrare. وظلت رافنا في هذا الوقت آخذة في الانحطاط، بينا أخذت فرارا تزداد شهرة بحكمة زعمائها من آل إست Este. وقامت في بولونيا حياة ناشطة قوية في ظل حكومتها الذاتية بزعامة رجالها القانونيين العظام خريجي جامعاتها. وكانت من أولى المدائن التي اختارت لها حاكماً ذا سلطان Podesta يتولى الشؤون الداخلية في حكومتها الذاتية، ورئيساً Capitano ليشرف على شئونها الخارجية. وكانت تشترط فيمن يتولى الشؤون الداخلية صفات خاصة: كان يجب أن يكون من الأشراف، وأن يكون من غير أهل المدينة، وأن تزيد سنه على ستة وثلاثين عاماً؛ وألا تكون له أملاك في داخل نطاق البلدة ذات الحكم الذاتي، وألا يكون له أقارب بين الناخبين، وألا يكون من أقارب الحاكم السابق أو من موطنه. وكانت هذه القواعد الغربية التي وضعت لتضمن النزاهة في إدارة شؤون المدينة هي المتبعة في كثير من المدن الإيطالية ذات الحكم الذاتي. أما "رئيس شعب (قبطانه)" فلم يكن يختاره مجلس المدينة، بل يختاره حزب الشعب الذي يسيطر عليه نقابات التجار الطائفية؛ ولم يكن يمثل الفقراء بل كان يمثل طبقة رجال الأعمال. وقد بسط سلطانه في القرون التالية بإضعاف سلطان البودستا، وذلك بعد أن تفوق رجال الطبقة الوسطى الرأسمالية على الأشراف في الثروة والنفوذ.
الفصل الثالث
البندقية تنتصر
1096- 1311
كان إقليم فنيتو Veneto يقع إلى شمال كرارا ونهر البو، وكان هذا الإقليم يفخر بمدائنه الهامة- البندقية، وترفيزو، وبدوا، وفيسنزا، وفيرونا.
وفي هاذ العصر بالذات عظمت قوة البندقية، فأمكنها حلفها من أن تصل إلى ثغور بحر إيجة والبحر الأسود، حتى ليقال إن بنيها الذين كانوا في القسطنطينية في القرن الثاني عشر زادوا على مائة ألف، وإنهم كانوا يعيشون الرعب في أحد أحياء المدينة بوقاحتهم ومشاحناتهم. ثم انقلب مانيول Manuel إمبراطور الروم فجأة على البنادقة المقيمين في عاصمته، وألقي القبض على عدد كبير منهم، وأمر بان تصادر بضائعهم كلها (1171)، وكان أهل جنوى هم الذين حرضوه على هذا العمل غيرة منهم وحسداً. وأعلنت البندقية الحرب، وأخذ أهلها يعملون ليلاً ونهاراً لإنشاء أسطول، فلما كان عام 1171 قاد الدوج فيتالي الثاني Doge Vitale Michieli II عمارة بحرية مؤلفة من 130 سفينة لقتال جزيرة عوبية Euboea ليتخذوها قاعدة بحرية لأعماله المقبلة ضد المضيقين. ولكن جنوده أصيبوا وهم على سواحل عوبية بمرض يقال إن سببه تسميم اليونان موارد الماء في الجزيرة! وهلك منهم آلاف مؤلفة بلغ من كثرتها أن السفن لم تجد بعد ذلك من يحاربون على ظهرها. وقاد الدوج عمارته عائداً إلى البندقية، وفشا الطاعون فيها وأهلك عدداً كبيراً من أهلها؛ ولما أن اجتمعت الجمعية وجهت اللوم إلى الدوج على هذه الكوارث، وأصيب بطعنة قاتلة (1172)(7). ومن واجبنا ألا نغفل عن هذه الكوارث حين ندرس ما حدث في الحملة الصليبية الرابعة، والثورة الألجركية التي غيرت دستور البندقية.
وخشي كبار التجار أن تنهار إمبراطوريتهم التجارية إذا دامت هذه الهزائم، فعقدوا النية على أن ينتزعوا من الجمعية العمومية حق انتخاب الدوج، وأن ينشئوا مجلساً من صفوة الأهلين يكون أقدر على بحث شؤون الدولة وتصريفها، وعلى الوقوف في وجه أهواء الشعب واستبداد الدوج، ثم أقنعوا أكابر قضاة الجمهورية الثلاثة بأن يعينوا لجنة تضع للبلاد دستوراً جديداً. وأوصت هذه اللجنة في تقريرها أن يختار كل حي من أحياء دولة المدينة الستة اثنين من كبار الأهلين يختار كل منهم أربعين من خيرة الرجال، وأن يتألف من الأربعمائة والثمانين عضواً الذين يختارون على هذا النحو مجلس أعظم Maggior Conscglio يكون هو الهيئة التشريعية العامة للأمة ثم يختار المجلس الأعظم ستين عضواً من أعضائه يكونون مجلس الشيوخ الذي يشرف على الشؤون التجارية والمالية والعلاقات الخارجية. وكان من هذه التوصيات ألا تجتمع الأرنجو Arrengo أي الجمعية الشعبية إلا للتصديق على اقتراحات الحرب والسلم أو رفضها، وأن يختار رجل من كل حي من الأحياء الستة يتألف منهم جميعاً مجلس خاص يحكم الدولة إذا ما أصبح عرش الدوج شاغراً، وكان لابد من أن يقر هذا المجلس كل عمل حكومي يقوم به الدوج لكي يصبح هذا العمل مشروعاً. واختار أول مجلس أعظم انتخب بالطريقة السالفة الذكر أربعة وثلاثين من أعضائه، اختاروا من بينهم أحد عشر عضواً، عقدوا اجتماعاً علنياً في كنيسة سان ماركو اختاروا فيه الدوج (1173). ورفع الشعب عقيرته باحتجاج لحرمانه من حق اختيار رئيس الدولة، ولكن الدوج الجديد وجه الاضطراب وجهة أخرى بأن نثر النقود على الجموع المحتشدة(8)، ولما اختار المجلس الأعظم أنريكو دنوولو Enrico Dandolo دوجاً في عام 1192 طلب إليه أن يقسم في يمين تتويجه أن يطيع جميع قوانين الدولة، وبهذا أضحت ألجركية التجارة صاحبة السلطة العليا في البلاد.
وأثبت دندولو، وكان وقت اختياره في الرابعة والثمانين من عمره، أنه من أقدر الزعماء في تاريخ البندقية؛ فقد استطاعت البندقية في أيامه، وبفضل سياسته المكيفلية، وبسالته الشخصية، أن تثأر لنفسها من الكارثة التي حلت بها عام 1171، فتستولي على القسطنطينية وتنهبها في عام 1204، وبهذا أصبحت البندقية القوة المسيطرة على الجزء الشرقي من البحر المتوسط، والبحر الأسود؛ وانتقلت الزعامة التجارية في أوربا من بيزنطية إلى إيطاليا. وساعد أهل جنوى في عام 1261 اليونان على استعادة القسطنطينية، وكوفئوا على عملهم هذا بأن منحوا فيها ميزات تجارية؛ ولكن أسطول البندقية هزم أسطول جنوى بالقرب من صقلية بعد ثلاث سنين من ذلك الوقت، وأرغم إمبراطور الروم على أن يرد إلى البندقية مركزها الممتاز في عاصمة ملكه.
وتوجت الألجركية الظافرة هذه الانتصارات الخارجية بضربة دستورية جديدة. فقد عرض الدوج بيترو جرادنجو Pietro Gradenigo في عام 1297 على المجلس الأعظم اقتراحاً، حمله على الموافقة عليه، يقضي بألا يختار لعضوية هذا المجلس إلا من كان من أعضائه منذ عام 1293 أو كان من أبنائهم الذكور(9). وكان من أثر "إغلاق المجلس" في وجه المواطنين أن حرمت الكثرة الغالبة من الشعب من الوظائف العامة، وأن وجدت طبقة مغلقة لا يستطيع الانتماء إليها إلا أبناء أعضائها. وأنشئ "كتاب ذهبي" Libro d'oro لتسجيل عقود الزواج والوفيات بين أفراد هذه الطبقة الأرستقراطية ليضمن به نقاءها واحتكارها للسلطان، وبهذا جعلت الألجركية التجارية نفسها ألجركية المولد. ولما أن دبر الشعب ثورة على هذا الدستور الجديد، سمح لزعمائه بأن يدخلوا قاعة المجلس ثم شنقوا من فورهم.
ولا يسعنا إلا أن نقر بأن هذه الألجركية السافرة القاسية قد أحسنت الحكم، فقد كانت في محافظتها على الأمن والنظام، وفي حسن توجيهها للسياسة العامة،
وفي العمل على استقرار القانون وبسط سلطانه، تفضل غيرها من المجتمعات الإيطالية في العصور الوسطى. وسبقت القوانين التي سنتها البندقية لتنظيم أعمال الأطباء والصيادلة أمثالها في فلورنس بنصف قرن من الزمان؛ وحرمت القوانين في عام 1301 قيام الصناعات المضرة بالصحة بين المساكن، وأخرجت من البندقية جميع الصناعات التي تنفث الدخان المؤذي في الهواء. وكانت قوانين الملاحة شديدة مفصلة، كما كانت جميع الواردات والصادرات خاضعة لرقابة الدولة وسيطرتها، وكانت التقارير الدبلوماسية تعني بأحوال التجارة أكثر من عنايتها بالشؤون السياسية، وأصبحت الإحصاءات الاقتصادية للمرة الأولى جزءاً من الحكم في هذه المدينة(10).
وكادت الزراعة تكون غير معروفة في البندقية، أما الصناعات اليدوية فكانت متقدمة لأن هذه المدينة استوردت من مدن البحر المتوسط القديمة فنوناً وحرفاً كادت تقضي عليها الاضطرابات السياسية في الغرب، واشتهرت مصنوعات الحديد، والشبه، والزجاج، والأقمشة المنسوجة من خيوط الذهب والحرير، واشتهرت كلها في القارات الثلاث، وأكبر الظن أن بناء القوارب للتنزه، أو الاتجار، أو الحرب كان أعظم صناعات البندقية. وقد وصلت هذه الصناعة إلى مرحلة الإنتاج الرأسمالي بالجملة، والتمويل الجماعي، وكادت تصل إلى المرحلة الاشتراكية لسيطرة أكبر عميل لهذه الصناعة وهو الدولة. وكانت سفائن جمالية المنظر عالية الجؤجؤ، منقوشة الأشرعة، في بعضها مائة وثمانون مجذافاً تربط البندقية بالقسطنطينية، وصور، والإسكندرية، ولشبونة، ولندن، وعشرات من المدن الأخرى بسلسلة ذهبية من المرافئ والمتاجر. وكانت بضائع من وادي البو تصل إلى البندقية كي يعاد شحنها منها إلى الخارج؛ وكانت بضائع مدن نهر الرين تأتيها بعد أن تجتاز جبال الألب لتنتشر من موانيها في عالم البحر المتوسط؛ وكان مصفق المدينة Rialto أكثر الأماكن حركة في سائر أنحاء أوربا،
يزدحم بالتجار، والملاحين ورجال المصارف القادمين من مائة قطر، ولم تكن ثروة شمالي أوربا تضارع غناء هذه المدينة التي يرتبط كل شيء فيها بعجلة التجارة والمال، والتي كانت السفينة الواحدة من سفنها التي ترسل إلى الإسكندرية تعود منها بربح يعادل ألفاً في المائة من المال المستثمر في بضائعها- إذا لم تلاق عدواً، أو قرصاناً، أو عاصفة مدمرة(11). وقصارى القول أن البندقية كانت أغنى المدن الأوربية في العصور الوسطى، ولعلها لم يكن يضارعها في ثرائها إلا المدائن الصينية التي وصفها ماركو بولو ابن البندقية وصفاً لا نستطيع تصديقه.
إلا أن العقيدة تضمحل كلما زادت الثرة. ولقد كان البنادقة يكثرون من استخدام الدين في الحكم، ويواسون من لا أصوات لهم في إدارة الشؤون العامة بالمواكب ويمنونهم بجنة النعيم؛ غير أن الطبقات الحاكمة قلما كانت تسمح للمسيحية أو للحرمان من حظيرة الكنيسة بأن يعترض سبيل الحرب أو الأعمال المالية، فقد كان شعارها "نحن بنادقة، ونحن بعد ذلك مسيحيون Siamo Veneziani poi Cristiani"(12)، وتطبيقاً لهذا الشعار لم يكن لرجال الدين نصيب ما في الحكم(13)، وكان التجار البنادقة يبيعون السلاح والرقيق، ويمدون المسلمين الذين يقاتلون المسيحيين بالمعلومات الحربية(14). وكان شيء من التسامح يصحب هذا الحرص على الكسب المتميز بسعة الأفق؛ فقد كان في وسع المسلمين أن يأتوا إلى البندقية وهم آمنون، وكان اليهود- وخاصة في الجيودكا Giudecca جزيرة أسبنالنجا Spinalunga يقيمون شعائر دينهم في معابدهم وهم آمنون.
وقد ندد دانتي بـ"فجور البنادقة الطليق"(15)، ولكن ليس من حقنا أن نصدق ما يوجهه من نقد رجل يصب اللعنات ذات اليمين وذات الشمال. وأكثر من أقوال دانتي دلالة على أخلاق البنادقة تلك العقوبات الصارمة الواردة
في الشرائع البندقية لتوقع على الآباء الذين يحرضون أبناءهم على الفسق، وتلك القوانين التي تكرر وضعها بلا جدوى لمنع الارتشاء في الانتخابات(16). والصورة التي تنطبع في أذهاننا منها هي صورة أرستقراطية صارمة ساطعة اعتادت منظر بؤس الجماهير فلم تعد تتأثر به؛ وسوقة تخفف من حدة الفقر بمباهج الحب الطليق. ونحن نسمع منذ عام 1094 عن مواكب "الكرنفال" وذكرت "المساخر" لأول مرة في عام 1228؛ وفي عام 1296 جعل مجلس الشيوخ اليوم السابق للصوم الكبير عيداً شعبياً. يزدان فيه السكان- رجالاً ونساء- بأغلى أثوابهم وأبهى زينتهم، فكانت النساء ذوات الثراء يتوجن أنفسهن، بتيجان أو قلانس أو عمائم منسوجة بخيوط الذهب، تتلألأ عيونهن تحت أقنعة من نسيج الذهب أو الفضة، وفي أعناقهن عقود من اللؤلؤ، وفي أيديهن قفاوات من جلد الشموا Chamois أو نسج الحرير، وفي أقدامهن أخفاف أو أحذية من الجلد، أو الخشب، أو الفلين، حمراء اللون أو ذهبية؛ وأثوابهن من نسيج التيل الرفيع أو الحرير العادي أو المشجر أو المطرز، والمنثورة، عليه الجواهر، يكشف عن أعناقهن وما تحت أعناقهن، فكن بذلك فتنة لأهل زمانهن وشاهداً على ما فيه من فضائح وآثام. وكن يضعن على رؤوسهن شعراً مستعاراً، ويستعملن الأدهان الملونة والمساحيق، ويصمن لكي تصبح أجسامهن نحيلة رشيقة(17). وكن يسرن بكامل حريتهن وسط الجماهير في أي وقت يردن، ويشتركن في غواية وخفر في حفلات اللهو والتنزه في القوارب، ويستمعن في سرور إلى الشعراء الغزلين الذين أدخلوا أساليب الغناء البروفنسية في موضوعات الحب الأبدية.
ولم يكن البنادقة يميلون في هذا الوقت إلى الثقافة. نعم إنهم كانت لهم مكتبة عامة طيبة، ولكن أنهم قلما كانوا يفيدون منها، ولم يسهموا بنصيب في العلوم، ولم يخلفوا وراءهم شعراً خالداً ظهر في وسط هذا الثراء المنقطع النظير.
وكانت المدارس كثيرة عندهم في القرن الثالث عشر، ولدينا ما يدل على أنهم كانوا يعطون الطلاب الفقراء منحاً تمكنهم من مواصلة الدرس، ولكننا نعرف أنه كان لديهم في القرن الرابع عشر قضاة لا يعرفون القراءة(18). وكانوا يقدرون الموسيقى أعظم تقدير، أما الفن فلم يكن قد وصل إلى الدرجة العالية التي بلغها فيما بعد؛ غير أن الثراء كان يأتي إلى البندقية بالفن من بلاد كثيرة، وكان ذوق الأهلين آخذاً في الارتقاء؛ وكانت أسسه توضع في هذه الفترة وبخاصة فن الزجاج، وقد بقي لهم بعض ما كان للرومان الآخرين من حذق فيه.
وليس من حقنا أن نصور البندقية في ذلك العصر بتلك الصورة الجميلة التي وجدها عليها فاجنر Wagner أو نتشه في القرن التاسع عشر. فقد كانت بيوتها مقامة من الخشب، وشوارعها من الأرض العادية؛ وإن كان طريق سان ماركو قد رصف بالآجر في عام 1172؛ وكان الحمام موجوداً في المدينة منذ عام 1256. وبدأ البنادقة يقيمون الجسور على القنوات وكان أصحاب القوارب ينقلون الناس في القناة العظمى. أما القنوات الجانبية الصغرى فالراجح أنها كانت أقل بهجة مما هي عليه الآن؛ ذلك أن النضوج الكامل في كل شيء يتطلب بعض الوقت. غير أن ما في الشوارع والقنوات من عيوب لا يمكن أن يحجب عن العين عظمة مدينة ترتفع جيلاً بعد جيل من مناقع البحر الضحل وضبابه، أو يحول بين الإنسان وبين الدهشة من شعب يدفع هامته من الخراب والعزلة ليغطي سطح البحر بسفنه ويجبي المال ويستورد الجمال من نصف العالم.
وكانت مدينة ترفيزو Treviso وتخومها تقع بين البندقية وجبال الألب، ولن نقول عن هذه المدينة إلا أن أهلها كانوا يجبون الحياة حباً جماً، ويسمونها بلد الحب ويقولون إن المدينة احتفلت في عام 1214 بعيد
قصر الحب، فأقيم قصر من الخشب علقت فيه الطنافس والأقمشة المزركشة، وتيجان الزهر، وجاءت نساء المدينة فأمسكن بالقصر وهن مسلحات بالماء المعطر، والفاكهة، والأزهار، ثم أقبل الفرسان الشبان من أهل البندقية ينافسون شباب بدوا المرح الجريء في حصار السيدات، ويمطرونهن وابلا مماثلاً لقذائفهن؛ ويقال إن البنادقة كسبوا المعركة بأن خلطوا الأزهار بقطع النقود الذهبية. ومهما يكن سبب هذا النصر فقد سقط الحصن وحامياته الحسان في أيديهم(19).
الفصل الرابع
من منتوا إلى جنوى
كانت المدائن الشهيرة في لمباردية تحكم السهول الواقعة في غرب فنيتو والمحصورة بين نهر البو وجبال الألب وهي: منتوا، وكرمونا، وبريشيا، وبرجامو، وكومو، وميلان، وبافيا. وكانت في جنوب نهر البو، في المقاطعة باسم إميليا Emilia في هذه الأيام، مدائن مودينا، ورجيو، وبارما، وبياسنزا، ولسنا نعتقد أن من يحبون إيطاليا سيملون من تكرار هذه الأسماء على مسامعهم. وكانت ولاية بيدمونت Piedmont المحصورة بين لمباردية وفرنسا تضم فرسلي Vercelli وتورين، وفي جنوبي هاتين البلدتين كانت تنحني حول خليج جنوى ومدينة جنوى نفسها. وثروة هذا الإقليم هدية من نهر البو الذي يخترق شبه الجزيرة من الغرب إلى الشرق، يحمل المتاجر، ويملأ القنوات ويروي الحقول. وكان نشاط الصناعة والتجارة في هذه المدن هو الذي حباها بالثروة والعزة اللتين جعلتاها تغض الطرف في معظم الأوقات عما كان للإمبراطور الألماني من سيادة اسمية عليها وأمكناها من أن تخضع الأشراف شبه الإقطاعيين المقيمين خلفها.
وكانت كنيسة كبرى تقوم عادة في وسط كل بلدة من هذه البلدان الإيطالية، لكي تخلع البهجة والسرور على الحياة بمواكب التقي وقوة الأمل. وكان إلى جانبها مكان التعميد الدال على تمتع الطفل بمزايا المواطنية المسيحية وتبعاتها، وبرج الأجراس التي تدعو الناس إلى العبادة أو الاجتماع أو حمل السلاح. وفي الميدان العام المجاور للكنيسة الكبرى كان الفلاحون والصناع يعرضون
بضاعتهم، والممثلون، واللاعبون على الحبال ونحوها، والشعراء الجائلون يمثلون أدوارهم، والمنادون يعلنون ما يريدون، والمواطنين يثرثرون بعد قداس أيام الآحاد، والشبان أو الفرسان يتبارون في الألعاب الرياضية أو البرجاس. وكانت قاعة عامة للمدينة، وبضعة حوانيت وبيوت ومساكن مشتركة يتكون منها سياج من الآجر حول الميدان. ومن هذا المكان الوسط تمتد الشوارع المتعرجة الملتوية التي يبلغ من ضيقها أنه إذا سار فيها راكب فر س أو مرت بها عربة اضطر الراجلون إلى الانزواء في مدخل بيت أو الالتصاق بجدار. ولما تقدم القرن الثالث عشر وازدادت ثروة الأهلين استخدمت قطع القرميد في تسقيف البيوت المطلية جدرانها بالمصيص فراق منظرها في أعين من يستطيعون نسيان الوحل والروائح الكريهة. وكان الميدان والشوارع الكبرى دون غيرها هي المرصوفة، وكان يحيط بالمدينة سور ذو أبراج وشرفات لأن الحروب كانت كثيرة في تلك الأيام، وكان من واجب الإنسان أن يعرف كيف يقاتل إذا لم يشأ أن يكون راهباً.
وكانت ميلان وجنوى أكبر هذه المدن كلها. وكانت جنوى- الفخمة كما كان يسميها أحباؤها- ذات موقع ممتاز للعمل والمتعة. فقد كانت تقوم على تل مواجه للبحر الذي يغري بالاتجار، وتستمع بجو الرفييرا الدافئ الذي يمتد إلى رابلو Rapallo في الشرق وسان ريمو San Remo في الغرب. وكانت جنوى منذ أيام الرومان ثغراً نشيط الحركة، ولهذا كان سكانها تجاراً، وصناعاً، ورجال المصارف، وصناع السفن، وبحارة، وجنوداً، وساسة. ونقل مهندسو جنوى الماء النقي إليها من الألب الليجورية Ligurian Alps في قناة مسقفة لا تقل عن قنوات روما القديمة، وأقاموا حاجزاً ضخماً في الخليج المسمى باسمها ليجعلوا مرفأها العظيم آمناً في أثناء العواصف والحروب. وقلما كان أهل جنوى يعنون بالآداب أو الفنون في تلك الأيام؛ شأنهم في هذا شأن البنادقة المعاصرين لهم؛ فقد كانوا يصرفون جهودهم كلها في التغلب على منافسيهم وارتياد سبل جديدة
للكسب. وكاد مصرف جنوى يكون هو الدولة، فقد كان يقرض المدينة المال بشرط أن يحصل هو إيرادتها، وكان بفضل سلطانه هذا يسيطر على الحكومة، وكان كل حزب يتولى السلطة يتعهد بأن يكون وفياً مخلصاً للمصرف؛ ولكن أهل جنوى كان لهم من الشجاعة بقدر ما لهم من حب الكسب، فقد تعاونوا مع أهل بيزا على إخراج المسلمين من غربي البحر المتوسط (1015-1113)، ثم حاربوا بيزا حروباً منقطعة حتى قضوا على القوة المنافسة لهم في واقعة ملوريا Meloria البحرية (1284). وجندت بيزا في هذه الحرب الأخيرة كل من كان فيها من الرجال بين العشرين والستين من العمر، كما جندت جنوى كل من كان فيها بين الثامنة عشرة والسبعين. وتلك حقيقة في وسعنا أن نعرف منها روح ذلك العصر وحالته النفسية. وكتب الراهب سلمبيني Salimbene في ذلك يقول "بين أهل بيزا وأهل جنوى، وكذلك بين أهل بيزا وأهل لوكا Lucca، الحقد والاشمئزاز الطبيعي بقدر ما بين الآدميين والأفاعي"(21). وظل الرجال يقتتلون يداً بيد في هذه الواقعة الأخيرة التي حدثت في البحر قرب ساحل قورسقة حتى هلك نصف المحاربين "وارتفعت في جنوى وبيزا أصوات الحزن والعويل كما لم ترتفع في هاتين المدينتين من يوم أنشئنا إلى أيامنا هذه"(22). ولما علم أهل لوكا وفلورنس الأخبار بالكارثة التي حلت ببيزا وفلورنس ظنوا أنهم قد لاحت لهم أحسن فرصة لإرسال حملة لقتال تلك المدينة البائسة، ولكن البابا الرابع أمرهم أن يكفوا عن القتال، واندفع أهل جنوى في هذه الأثناء نحو الشرق وتضاربت مصالحهم مع مصالح البنادقة، فنشأت بينهم أشد الأحقاد، وتنازع أهل المدينتين في عام 1255 على امتلاك عكا، وانحاز فرسان المستشفى في المعركة إلى جانب أهل جنوى، كما انضم فرسان المعبد إلى البنادقة؛ وسقط في هذه المعركة وحدها عشرون ألف رجل(23)، وكانت سبباً في تحطم وحدة المسيحيين في بلاد الشام، ولعلها هي التي قررت
إخفاق الحروب الصليبية. وظل النزاع قائماً بين جنوى والبندقية حتى عام 1379، حين منيت جنوى بهزيمة ساحقة لا تقل في ذلك عما لحق ببيزا على يديها قبل ذلك بمائة عام.
وكانت ميلان أغنى مدائن لمباردية وأقواها؛ وكانت من قبل إحدى العواصم الرومانية، ولهذا كانت تفخر بقدم عهدها وتقاليدها. ذلك أن قناصل جمهوريتها قد تحدوا الأباطرة، وأساقفتها تحدوا البابوات، وآوى أهلُها الملحدين الذين تحدوا المسيحية نفسها أو اشتركوا معهم في إلحادهم. وكان فيها في القرن الثالث عشر مائة ألف من الأهلين، وثلاثة عشر ألف بيت وألف حانة(24). وكانت هي مولعة بالحرية حريصة عليها، فلم تتخل عنها راضية إلى غيرها، وكان جنودها يطوفون بالطرق ليرغموا القوافل، أياً كانت وجهتها، على أن تعرج على ميلان أولاً. وقد دمرت كومو ولودي Lodi، وحاولت أن تخضع بيزا، وكرمونا، وبافيا، ولم تركن إلى السكون حتى سيطرت على جميع تجارة نهر البو(25). ووقف رجلان من أهل لودي أمام كنستانس عام 1154 وتوسلوا إلى فردريك بربروسه أن يحمي مدينتهم؛ وبعث الإمبراطور إلى ميلان يحذرها من مواصلة العدوان على لودي؛ فرفضت المدينة رسالته في سخرية ووطئتها بالأقدام. واغتنم فردريك هذه الفرصة ليحقق رغبته التي طالما تاقت نفسه إليها وهي تدمير ميلان (1162)، ولم تمض خمس سنين على هذا التدمير حتى أعاد الباقون من أهلها هم وأصدقاؤهم بناء المدينة، وابتهجت لمباردية جميعها ببعثها، ورأت فيه رمزاً لتصميم إيطاليا علة ألا يحكمها قط ملك ألماني. وخضع فردريك، ولكنه قبل أن يموت زوج ابنه هنري السادس من كنستانس ابنة روجر الثاني ملك صقلية؛ ووجدت العصبة اللمباردية في ابن هنري رجلاً أشد رهبة من فردريك.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق