الكتاب الثاني
الثورة
145-30 ق.م
الباب السادس
الثورة الزراعية
145-78 ق.م
الفصل الأول
العوامل التي هيأت البلاد للثورة
كان للثورة أسباب كثيرة، وكانت لها نتائج يخطئها الحصر، وكانت الشخصيات التي أطاحت بها الأزمة من ابتداء ابني جراكس إلى أغسطس من أقوى الشخصيات في التاريخ، ولم تنشب قط قبل الحرب أو بعدها إلى أيامنا هذه حرب كان لأهدافها من الخطر مثل ما كان لتلك الحرب، ولم تمثل على المسرح العالمي في يوم من الأيام مأساة ما تمثيلاً أقوى مما مثلت به مأساة تلك الأيام. وكان أول أسباب هذه الثورة تدفق الحبوب الناتجة من عمل الرقيق في صقلية وسردانية وأسبانيا وإفريقيا، وما أحدثه تدفقها من خراب حل بالزراع الإيطاليين، إذ خفض ثمن الحبوب التي تنتجها أراضيهم إلى أقل من تكاليف إنتاجها. وكان سببها الثاني تدفق الرقيق الذين حلوا محل الزراع في الريف والعمال الأحرار في المدن؛ وكان ثالث هذه الأسباب زيادة عدد الضياع الواسعة. وكانت الدولة قد أصدرت في عام 220 قانوناً يحرم على أعضاء مجلس الشيوخ أن يتعاقدوا على الأعمال العامة أو يستثمروا أموالهم في التجارة، فلما أن زاد ثراؤهم من غنائم الحرب اشتروا بهذه الأموال مساحات واسعة من الأراضي الزراعية. وكانت الأرض في البلاد المفتوحة تقسم في بعض الأحيان قطعاً صغيرة وتباع للرومان
المستعمرين، وقلت بذلك حدة الفتن والنزاع القائمين في المدن؛ وأعطى جزء كبير من هذه الأراضي للمولين وفاء ببعض ما أقرضوه للدولة من أموال في أثناء الحروب، أما الجزء الأكبر منها فقد ابتاعه أعضاء مجلس الشيوخ نفسه. وكان من أثر انتشار هذه الضياع الواسعة أن اضطر المالك الصغير إلى اقتراض المال بأرباح فاحشة يستحيل عليه الوفاء بها، فلم يلبث أن وقع في هاوية الفقر أو الإفلاس أو فقد أرضه ونزح إلى المدن ليسكن في أحيائها القذرة الحقيرة الوبيئة. وآخر ما نذكره من أسباب الثورة ما طرأ على حال الفلاح نفسه من تغير كبير. لقد جند هذا الفلاح في الجيش وهيأت له انتصاراته سبيل انتهاب الثروة من العالم، وأصبح يكره العمل الانفرادي الرتيب الخالي من المغامرات في الحقول ولا يستطيع الصبر عليه، وكان أحب إليه من هذا العمل أن ينضم إلى صعاليك المدينة المشاغبين، ويرقب الألعاب المثيرة في المجتلدات بلا أجر، ويأخذ الحبوب من الحكومة بأرخص الأثمان، ويبيع صوته في الانتخابات لمن يبتاعه بأغلى الأثمان أو لمن يمنيه بأعظم الأماني، ويختفي في غمار الجماهير المعدمة الخاملة الوضيعة.
وأصبح المجتمع الروماني يزداد شيئاً فشيئاً على الانتهاب من الخارج والاسترقاق في الداخل، بعد أن كان في أول الأمر مؤلفاً من زراع أحرار. فأما في المدن فكانت كل الخدمات المنزلية، وكان كثير من الصنائع اليدوية، ومعظم الأعمال التجارية، وكثير من الأعمال المصرفية، وكل أعمال المصانع والأشغال العامة، كانت هذه الأعمال كلها يقوم بها الأرقاء، وقد أدى ذلك إلى انخفاض أجور العمال الأحرار انخفاضاً يكاد يجعل الكدح والبطالة في الكسب سواء. وكان الأرقاء في الضياع الواسعة يفضَّلون على العمال الأحرار لأنهم لم يكونوا يلزمون بالخدمة العسكرية، ولأن عددهم كان يمكن الاحتفاظ به جيلاً بعد جيل نتيجة المتعة الوحيدة التي كان يسمح لهم بها أو نتيجة الرذيلة التي كان ينهمك فيها سادتهم%=@يقصد بهذه العبارة تناسل الأرقاء فيما بينهم أو بين النساء وأسيادهن.@ . وكانت الغارات لا تنقطع على بلاد البحر الأبيض المتوسط كلها للمجيء بالأداة الحية اللازمة التي تصنعت. وكان يضاف إلى أسرى الحرب الذين يساقون إلى رومه بعد كل معركة تنتصر فيها جيوشها ضحايا القراصنة الذين كانوا يقبضون على العبيد أو الأحرار على سواحل آسيا أو بالقرب منها، وضحايا الموظفين الرومان الذين كانوا يقتنصون الناس اقتناصاً منظماً ويستعيدون من أهل الولايات كل من لا يجرؤ حكامها المحليون على حمايته(1). ولم يكن يمضي أسبوع لا يأتي فيه النخاسون بفرائسهم البشرية من إفريقيا، وأسبانيا، وغالة، وألمانيا، والبلاد الواقعة على ضفتي نهر الطونة، والروسيا، وآسيا، واليونان- من هذه الأقاليم كلها إلى ثغور البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود. ولم يكن من الحوادث غير المألوفة أن يباع في ديلوس مائة ألف من الأرقاء في يوم واحد. وقد قبضت الجيوش الرومانية في عام 177 على أربعين ألفاً من أهل سرادنية، وفي عام 167 على مائة وخمسين ألفاً من أهل أبيروس، بيعوا في أسواق النخاسة. وكان ثمن الواحد منهم في الحالة الثانية لا يزيد على ما يعادل ريالاً أمريكياً(2). وكان مما خفف من شقاء الأرقاء في المدينة ما كان يبرم من العقود الإنسانية بينهم وبين سادتهم، وما كانوا يطعمون فيه من نيلهم حريتهم؛ أما في الضياع فلم يكن يسمح للصلات الإنسانية بأن تتدخل في أعمال الاستغلال؛ فلم يعد العبد في تلك الضياع عضواً في الأسرة كما كان في بلاد اليونان أو في رومه نفسها في عهدها الأول؛ وقلما كان العبد يرى مالكه، وكان يطلب إلى الحراس أن يعتصروا من هذه الآلات البشرية الموكولة إلى أسواطهم كل ما يستطيعون اعتصاره منها، وبقدر هذا الإعصار يكون أجر هؤلاء الحراس. أما أجر العبد نفسه في الضياع الواسعة فلم يكن يزيد على ذلك القدر من الطعام والكساء الذي يمكنه من أن
يكدح كدحاً متواصلاً في كل يوم من شروق الشمس إلى غروبها- عدا بعض أيام الأعياد- حتى تدركه الشيخوخة. فإذا شكا أو عصى أمر حارسه ألزم أن يعمل ورجلاه مكبلتان بالأغلال، وأن يقضي الليل في جب تحت الأرض ergastulum لا تكاد تخلو منه كل ضيعة واسعة. لقد كان في هذا النظام من التلف والخسارة الاقتصادية بقدر ما فيه من الوحشية، لأنه لم يكن يعول إلا نحو جزء من عشرين جزءاً من الأسر التي كانت تعيش من قبل على هذه الأراضي نفسها معيشة الأحرار من الناس.
وإذا ذكرنا أن نصف هؤلاء الأرقاء، إن لم يكن أكثر من نصفهم، كانوا من قبل أحراراً (لأن الأرقاء قلما كانوا يشتركون في الحروب)، كان في مقدورنا أن نتصور ما يشعر به هؤلاء البائسون المحطمون من مرارة؛ ولا يسعنا إلا أن نعجب من ندرة ما كانوا يلجئون إليه من الثورات. وقد حدث في عام 196. أن ثار أرقاء الريف في إتروريا وعمالها الأحرار، ولكن الجيوش الرومانية أرهبتهم "وقتلت الكثيرين منهم أو أسرتهم، ومنهم من جلدوا أو صلبوا عقاباً لهم على فعلتهم" كما يقول ليفي(3). وحدثت مثل هذه الثورة عام 185 في أبوليا؛ فقبض على سبعة آلاف من العبيد وحكم عليهم أن يعملوا في المناجم(4). وكان أربعة آلاف من الأرقاء الأسبان يعملون في مناجم قرطاجنة الجديدة وحدها. وفي عام 139 شبت نار "حرب الأرقاء الأولى" في صقلية، فقد لبى دعوة إينوس Eunus أربعمائة من الأرقاء وذبحوا الأحرار من أهل مدينة أنا Enna، ثم أقبلت أفواج العبيد من الضياع ومن الأجباب الخاصة في صقلية، فضاعفوا عدد الثوار حتى بلغ سبعين ألفاً. وما لبثوا أن احتلوا أجرجتثم Agrigentum، وهزموا الجيوش الرومانية التي كانت في الولاية، واستولوا على الجزيرة كلها تقريباً،
واحتفظوا بها حتى عام 131. وفي تلك السنة حاصرهم جيش القنطل في إنا ومنع عنهم الزاد حتى اضطرهم الجوع إلى الاستسلام. وسيق إينوس إلى رومه، وألقى في جب تحت الأرض، وبقي فيه حتى قضى عليه الجوع والقمل(5). وقامت ثورات أقل من هذه شأناً انتهت بإعدام مائة وخمسين من الأرقاء في رومه، وأربعمائة وخمسين في نمنتوريا Menturnae وأربعة آلاف في سينوسا Sinuessa. وفي تلك السنة استصدر تيبيرسيوس جراكس Tiberius Gracchus القانون الزراعي الذي فتح باب الثورة الرومانية على مصراعيه.
الفصل الثاني
تيبيريوس جراكس
هو ابن تيبيريوس جراكس Tiberius Sempronius Graccus الذي تدين له أسبانيا بالشكر لأنه حكمها حكماً عادلاً كريماً، والذي عين قنصلاً مرتين ورقيباً مرة، والذي أنقذ من الهلاك أخا سيبو الإفريقي وتزوج ابنته، وأنجبت كرنليا اثنى عشر طفلاً توفوا كلهم إلا ثلاثة منهم قبيل البلوغ، وتحملت هي بعد وفاته عبء تربية تيبيريوس وأخت لهما- تدعى أيضاً كرنليا- صارت فيما بعد زوجة سبيو إيمليانوس؛ وكان للزوج والزوجة نصيب من الثقافة الهيلينية، وكان ممن يعطفون على الدائرة الثقافية السبيونية. وكان لكرنليا ندوة أدبية، وكتبت رسائل بأسلوب سليم رشيق جعلها من خير ما كتب في الآداب اللاتينية، ويقول أفلوطرخس إن ملكاً من ملوك مصر عرض عليها بعد أن ترملت أن تتزوجه، وأن ينزل لها عن عرشه؛ فأبت وآثرت أن تبقى ابنة لسبيو، وحماة لسبيو آخر وأماً لجراكس.
ونشأ تيبيريوس وكيوس جراكس في جو مشبع بطرائق الحكم والفلسفة عرفاً فيه مشاكل الحكومة الرومانية ونظريات الفلسفة اليونانية. وقد تأثرا بآراء بلوسيوس Blossius وهو فيلسوف يوناني من كومي Cumae بعت فيهما نزعة حرة قوية استخفت بقوة المحافظين في رومه. ويكاد الأخوان أن يكونا متماثلين في طموحهما، وكبريائهما، وإخلاصهما، وفصاحتهما التي لا يكاد يصدقها العقل، وشجاعتهما التي لا تشوبها قط شائبة. ويحدثنا كيوس أن تيبيريوس شاهد مآساة الزراع، وتأثر بها أشد التأثر حين كان مسافراً في إتروريا "فرأى قلة السكان ولاحظ أن الذين كانوا يحرثون
الأرض ويرعون قطعان الضأن هم العبيد الأجانب"(6)، وإذ كان تيبيريوس يعرف وقتئذ أن الملاك وحدهم هم الذين يجندون للخدمة في الجيش فقد سأل نفسه كيف تستطيع رومه أن تحتفظ بزعامتها أو استقلالها إذا حل زراعها الأقوياء الذين كانوا يؤلفون الكثرة الغالبة في الفيالق الرومانية عبيد غرباء لا تربطهم بها صلة ما؟ وكيف تكون الحياة الرومانية حياة طيبة، والديمقراطية الرومانية ديمقراطية صالحة، إذا غصت بصعاليك المدن المعدمين بدل الزراع الأباة الأعزاء الذين يمتلكون الأرض ويفلحونها بأنفسهم؟ وخيل إليه أن توزيع الأرض على المواطنين الفقراء هو الحل الصحيح البـين الذي لابد من الالتجاء إليه لحل المشاكل الثلاث القائمة وقتئذ في البلاد: الاسترقال في الريف، والازدحام والفساد الخلقي في المدن، وضعف الروح الحربية بين المواطنين.
وما كاد تيبيريوس جراكس يختار تربيوناً في مستهل عام 133 حتى أعلن أنه يعتزم أن يعرض على الجمعية القبلية ثلاثة اقتراحات (1) ألا يسمح لأي مواطن بأن يمتلك أكثر من 323 فداناً- أو 667 فداناً إذا كان له اثنان من الأبناء- من الأراضي المشتراة أو المستأجرة من الدولة. (2) وأن يُرد إلى الدولة كل ما عدا هذا القدر من الأرض العامة التي باعتها أو أجرتها للأفراد، على أن ترد الدولة لهم أثمانها أو الإيجار الذي أدوه مضافاً إلى قدر من المال نظير ما أنفقوه في إصلاحها. (3) وأن تقسم هذه الأراضي التي ترد إلى الدولة إقطاعيات مساحة كل منها عشرون فداناً توزع على المواطنين الفقراء على شرط أن يتعهدوا بالا يبيع أحد منهم نصيبه من هذه الأراضي؛ وأن يؤدوا عنها ضريبة سنوية إلى خزانة الدولة. ولم يكن هذا الإصلاح الزراعي خيالاً متعذر التنفيذ، بل كانت مجرد محاولة لتنفيذ قوانين ليسنيوس كلفس Licinius Calvus الصادرة في عام 367 ق.م، والتي ألغيت ولم تنفذ قط. وقد قال تيبيريوس للعامة الفقراء في إحدى خطبه الشهيرة التي تعد من أعظم الخطب في التاريخ الروماني كله:
"إن لحيوانات الأرض جحورها ولطير الهواء أوكارها ومخابئها، أما الرجال الذين يحاربون ويموتون من أجل إيطاليا فلا يستمتعون فيها إلا بالضوء والهواء. إن قواد الجيش ينادون جنودهم أن يقاتلوا دفاعاً عن قبور آبائهم وأضرحتهم، ولكن نداءهم هذا نداء سخيف باطل، إذ ليس في وسعك أن تدلهم على مذبح لآبائهم يقربون فيه لآلهتم، وليس للفقراء مقابر لأسلافهم. إنكم أيها الفقراء تقاتلون وتموتون لينعم غيركم بالثروة والترف، ويقال لكم: إنكم سادة العالم، ولكنكم لا تجدون في هذا العالم موضعاً لقدم، في وسعكم أن تقولوا إنه ملك لكم"(7).
وأعلن مجلس الشيوخ أن هذه الاقتراحات ليست في واقع الأمر إلا مصادرة لأموال الناس، واتهم تيبيريوس بأنه يعمل ليكون طاغية حاكماً بأمره، وأقنع إكتافيوس وهو تريبون آخر أن يستخدم ما له من حق الاعتراض في منع عرض المشروع على الجمعية، فما كان من جراكس إلا أن تقدم باقتراح يقضي بأن كل تربيون يعمل ضد مصالح من يمثلهم يجب أن يسقط على الفور من عداد أعضاء الجمعية. ووافقت الجمعية على هذا الاقتراح وأَخرج حرَّاسُ تيبيريوس أكتافيوس قوة واقتداراً من قاعة الجمعية على الفور، ووافقت الجمعية بعدئذ على الاقتراحات الأصلية فأصبحت قانوناً واجب التنفيذ، ثم أوصلته محروساً إلى منزله لخوفها أن يغتاله مغتال في الطريق(8).
غير أن تحكمه غير المشروع في حق التربيون في الاعتراض، وهو الحق الذي جعلته الجمعية نفسها من أقدم الأزمان حقاً مطلقاً غير مقيد بقيد ما، قد وضع في يد معارضيه سلاحاً يشهرونه في وجهه ويقضون به على قانونه. فجهروا بعزمهم على أن يتهموه في نهاية العام الذي يتولى فيه منصبه بالخروج على دستور البلاد واستخدم العنف ضد أحد التربيونين. وأراد تيبيريوس أن يحمي نفسه بالسخرية من الدستور مرة أخرى، وذلك بترشيح نفسه
لأن يعاد اختياره تربيوناً في عام 132. وإذ كان إيمليانس وليليوس وغيرهما من الشيوخ الذين عضدوا اقتراحه الأول قد تخلوا عنه الآن، فقد لجأ بكليته إلى العامة ووعدهم بأن ينقص إذا اختاروه مدة الخدمة العسكرية، ويلغى استئثار الشيوخ بأعمال المحلفين، وأن يجعل حلفاء رومه من الإيطاليين مواطنين رومانيين. ورفض مجلس الشيوخ في هذه الأثناء اعتماد الأموال التي طلبتها اللجنة الزراعية التي نيط بها تنفيذ قوانين تيبيريوس. فلما أوصى أتلس الثالث Atallus III ملك برجموم Pergamum بمملكته لرومه في عام 133 عرض جراكس على الجمعية أن تباع أملاك أتلس الخاصة والمنقولة، وأن يوزع ما يتحصل من بيعها على من نالوا إقطاعيات من أراضي الدولة ليبتاعوا بها ما تحتاجه مزارعهم من أدوات. وأثار هذا الاقتراح غضب مجلس الشيوخ لأنه رأى أن ما له من سيطرة على الولايات وعلى الأموال العامة قد أخذت تنتقل إلى جمعية قوية الشكيمة غير ممثلة للبلاد، معظم أعضائها من أصل وضيع ومن غير أبناء البلاد الأصليين. فلما كان يوم الانتخاب ظهر جراكس في السوق العامة بملابس الحداد ومن حوله حراس مسلحون للدلالة على أن هزيمته في الانتخاب ستؤدي إلى اتهامه وإعدامه. وحدث في أثناء الاقتراع أن لجأ كلا الطرفين إلى العنف. ونادى سبيو نسكا Scipio Nasica بأن تيبيريوس يريد أن ينصب نفسه ملكاً، وقاد الشيوخ إلى السوق العامة مسلحين بالهراوات. وارتاع أنصار جراكس حين شاهدوا أثواب الأشراف الفخمة فتخلوا عنه، وأصيب تيبيريوس بضربة على أم رأسه خر على أثرها صريعاً وهلك معه بضع مئين من أتباعه. ولما طلب كيوس Caius أخوه الأصغر أن يؤذن له بدفنه لم يجب إلى طلبه، وألقيت جثث العصاة الموتى في نهر التيبر وكورنليا في أثناء ذلك حزينة باكية.
وأراد مجلس الشيوخ أن يهدئ من ثورة العامة فوافق على تنفيذ قوانين جراكس. ويستدل من ازدياد عدد المواطنين المدونة أسماؤهم
في السجلات بمقدار 76000 من عام 131 إلى 125 على أن مساحات واسعة من الأراضي قد وزعت حقاً على الزراع، ولكن اللجنة الزراعية وجدت نفسها أمام عقبات كثيرة. ذلك أن كثيراً من الأراضي التي يراد توزيعها كانت قد أخذت من الدولة قبل ذلك الوقت بعدة سنين أو بعدة أجيال، وأصبح لمن يمتلكونها وقتئذ حقوق اكتسبوها بوضع أيديهم عليها زمناً طويلاً، وأن منها أراضي كثيرة أخرى قد ابتاعها الملاك الجدد بأثمان غالية ممن اشتروها من الحكومة بأثمان منخفضة. ولجأ أحلاف رومه الإيطاليون الذين أضرت القوانين بحقوقهم التي اكتسبوها بوضع اليد إلى سبيو إيمليانوس ليحميهم من اللجنة الزراعية، واستطاع بما له من النفوذ أن يؤجل أعمالها فاستشاط الرأي العام غضباً عليه لهذا العمل، واتهمه بالخيانة وعدم الوفاء بذكرى جراكس التي أضحت وقتئذ ذكرى عزيزة مقدسة. وفي صباح يوم من أيام أيار عام 129 وجد الرجل ميتاً في فراشه، وأكبر الظن أن يداً أثيمة قد اغتالته ولم يعرف أحد من هو هذا المغتال.
الفصل الثالث
كيوس جراكس
وأخذ النمامون الذين خلت قلوبهم من الرحمة يشيعون أن كرنليا قد إئتمرت مع ابنتها زوجة سبيو المشوهة المكروهة على قتل تيبيريوس؛ وأخذت كرنليا وسط هذه الكوارث الفادحة تواسي نفسها بالعكوف على العناية بابنها الذي لم يبق لها في هذا العالم عزيز سواه. ولم يكن ما أثاره مقتل تيبيريوس في قلب أخيه كيوس هو مجرد الرغبة في الانتقام، بل أثار فيه صادق العزم على أن يتم ما بدأه أخوه. وكان قبل إذ قد أظهر كثيراً من الذكاء والشجاعة في أثناء خدمته بقيادة إيمليانس في نوماتيا، ونال إعجاب الناس على اختلاف مشاربهم باستقامته وبساطة معيشته؛ وكان رجلاً حاد المزاج جياش العواطف، إذا ثار زادت حدتها لطول كبتها، وقد أصبح بفضلها أعظم خطباء الرومان قبل أيام شيشرون، وفتحت أمامه أبواب المناصب كلها تقريباً في مجتمع كان للفصاحة فيه المحل الثاني بعد الشجاعة في رقي الرجال وبلوغهم أسمى المراتب. لهذا كله اختير تربيوناً في خريف عام 124.
وكان كيوس رجلاً واقعياً أكثر من أخيه، ومن ثم أدرك أن لا بقاء لأي إصلاح إذا لم يقو على مغالبة القوة الاقتصادية أو القوة السياسية في الدولة. ولذلك استقر رأيه على أن يضم إلى جانبه خمس طبقات من طبقات الشعب المختلفة: طبقة الزراع، والجيش وعامة المدن ورجال الأعمال. فأما الطبقة الأولى فقد ضمها إليه بالعودة إلى القوانين الزراعية التي سنها أخوه، ووسع مداها بأن طبقها على الأراضي الزراعية التي تمتلكها الدولة في الولايات التابعة لها، ثم أعاد تشكيل لجنة الأراضي، وأشرف بنفسه على أعمالها. وحقق مطامع الطبقات الوسطى بإنشاء مستعمرات جديدة في كبوا، وتارنتم، وناربو Narbo، وقرطاجنة، وبتنمية هذه
المستعمرات وجعلها مراكز مزدهرة للتجارة. وأرضى الجنود بأن قرر أن تؤدي أثمان ملابسهم من الخزانة العامة، وأرضى عامة المدن بإصدار قانون الحبوب Iex Frumentaria وبمقتضاه أخذت الحكومة على نفسها أن تعطي القمح لكل من يطلبه بسعر ستة آسات وثلث آس لكل موديوس Modius (أي بما يعادل 36slash100 من الريال الأمريكي لكل جالونين) وهو نصف ثمنه في السوق. وكان هذا العمل الأخير صدمة عنيفة للمبادئ الرومانية القديمة- مبادئ الاعتماد على النفس- كما كان له آثار خطيرة في التاريخ الروماني كله. وكان كيوس يعتقد أن تجار الحبوب يبيعونها للجمهور بضعفي نفقات إنتاجها، وأن الإجراء الذي اتخذه لن يكلف الدولة خسارة ما لأن توحيد عمليات البيع والشراء سينزل بالنفقات إلى حد كبير. وسواء كان هذا أو لم يكن فإن القانون قد جعل الفقراء من سكان المدن الأحرار يناصرون ابني جراكس ويناصرون من بعدهما مارينوس وقيصر بدل أن كانوا موالي للأشراف وأتباعاً لهم، يعملون لإطعامهم وتوفير أسباب الترف لهم، كما كان عماد الحركة الديمقراطية التي بلغت ذروتها في كلوديوس Clodius وقضى عليها في أكتوم.
وكان الإجراء الخامس يهدف إلى تثبيت سلطان الحزب الذي ينتمي إليه بالقضاء على السنة المتبعة من زمن قديم والتي تجعل الأغنياء يقترعون في الجمعية المئوية قبل غيرهم من الطبقات، فاستبدل كيوس بهذه السنة تقليداً جديداً يجعل المئات في الجمعية يعطون أصواتهم حسب نظام يعين بالقرعة. ثم استرضى رجال الأعمال بأن جعل لهم وحدهم حق العمل محلفين عند النظر في جرائم الولايات، فأصبحوا بذلك حكاماً في قضاياهم إلى حد بعيد. ولم يكتف بهذا بل أراد أن يستثير مطامعهم فاقترح أن تفرض على جميع غلات آسيا الصغرى ضريبة توازي عشر هذه الغلات يجبونها هم أنفسهم. ثم زاد ثراء المقاولين، وأنقص عدد المتعطلين، بأن وضع برنامجاً لإنشاء الطرق في كافة أنحاء إيطاليا. ولقد
كانت هذه القوانين في جملتها- رغم ما يغشى بعضها من خداع سياسي- أعظم مجموعة من التشريع الإنشائي سنت قبل أيام قيصر.
واستطاع كيوس باعتماده على هذا العون المتعدد النواحي أن يطرح ما جرت به العادة من قديم، وأن يُختار تربيوناً للمرة الثانية. وأكبر الظن أنه قد فكر في ذلك الوقت في السيطرة على مجلس الشيوخ بإضافة ثلاثمائة عضو جديد إلى أعضائه الثلاثمائة، تختارهم الجمعية من بين رجال العمال. واقترح كذلك أن يعطي حق الانتخاب كاملاً لجميع الأحرار من سكان لاتيوم، وأن يعطي هذا الحق منقوصاً إلى سائر الأحرار من سكان إيطاليا، وكانت هذه أجرأ حركة قام بها في طريق الديمقراطية السياسية، ولكنها كانت أيضاً أول ما ارتكب من أغلاط في خططه. ذلك أن من كان لهم حق الاقتراع لم يتحمسوا كثيراً لأن يشترك معهم غيرهم في هذه الميزة التي اختصوا بها حتى ذلك الوقت، ولو كان شركاؤهم فيها قوم لا يستطيع حضور جلسات الجمعيات في رومه إلا أقلية صغيرة منهم. ولم يدع مجلس الشيوخ هذه الفرصة تفلت من بين يديه. ذلك أن كيوس كاد يتجاهله ولا يحسب له حساباً حتى ظن أنه قد فقد كل ما كان له من قوة ومكانة في البلاد، ولم يرقى هذا التربيون النابه إلا زعيماً شعبياً مستبداً يريد أن يستحوذ لنفسه على أكبر قسط من السلطة بتوزيع أملاك الدولة وأموالها ذات اليمين وذات الشمال. ولاح له فجأة حليف جديد هو صعاليك رومه الغيورون على حقهم القديم، وانتهز فرصة غياب كيوس، وكان قد غادر رومه ليثبت قواعد مستعمرته الجديدة في قرطاجنة، فأشار على تربيون آخر هو ماركس ليفيوس دروسس Marcus Livius Drosus أن يضم إليه الزراع الجدد بإصدار قانون يلغي به الضرائب المفروضة على أراضيهم بمقتضى قوانين جراكس، وأن يسترضي صعاليك المدن ويضعفهم في الوقت نفسه بأن يقترح إنشاء اثنتي عشرة مستعمرة جديدة في إيطاليا تتسع كل واحدة منها لثلاثة آلاف من رجال رومه. ووافقت الجمعية من فورها
على هذه المشروعين، ولما عاد كيوس وجد دروسس قد كسب قلوب الشعب، ينازعه الزعامة عند كل خطوة يخطوها. ورشح كيوس نفسه لأن يختار تربيوناً مرة ثالثة ولكنه هزم، وقال أصدقاؤه إنه انتخب ولكن أصوات الناخبين قد تناولها الغش والتزوير، غير أنه نصح أتباعه بألا يلجئوا إلى وسائل العنف واعتزل الساسة وفضل عليها الحياة الخاصة.
وأشار مجلس الشيوخ في العام الثاني أن تجلو رومه عن المستعمرة المنشأة في قرطاجنة، وفسرت الأحزاب جميعها هذا الاقتراح- سراً أو جهراً- بأنه مقدمة لحرب يشنها المجلس على قوانين جراكس لإلغائها. وجاء بعض أنصار جراكس إلى الجمعية مسلحين، وقتل أحدهم رجلاً من المحافظين هم بالقبض على كيوس. فما كان من أعضاء مجلس الشيوخ إلا أن خرجوا في اليوم الثاني على استعداد تام للقتال، ومع كل منهم عبدان مسلحان، وهاجموا أنصار جراكس المتحصنين فوق تل الأفنتين. وبذل كيوس كل ما في وسعه لتسكين الفتنة، ومنع اعتداء كلتا الطائفتين على الأخرى؛ فلما عجز عن ذلك ولى هارباً وعبر نهر التيبر، ولما أن لحقه أعداؤه أمر خادمه أن يقتله، وصدع الخادم بالأمر ثم قتل نفسه. وقطع أحد أصدقاء كيوس رأس صديقه، وحشاها بالرصاص المصهور، وحملها إلى مجلس الشيوخ، وكان المجلس قد أعلن أنه يكافئ من يأتيه بهذا الرأس بما يساوي وزنه ذهباً(9). وقتل من أنصار كيوس في المعركة مائتان وخمسون، وأعدم ثلاثة آلاف غيرهم تنفيذاً لقرار أصدره مجلس الشيوخ. ولما ألقيت جثته وجثث أتباعه في نهر التيبر لم يحتج على هذا العمل غوغاء المدينة الذين كان يعمل لخيرهم، ذلك أن هؤلاء الغوغاء كانوا وقتئذ في شغل عن هذا الاحتجاج بنهب بيته(10). وحرم مجلس الشيوخ على كرنليا أن تلبس ثياب الحداد حزناً على ولدها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق