-رسالة م. فتحي عبد السلام القادياني الثالثة.
بسم الله الرحمن الرحيم:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بعد الثناء على الله والصلاة على خير من خلق الله، محمد النبي الأكرم على مولاه، وبعد الاستعاذة بالله أن نكتب إلا مايرضيه، وينال بركاته سبحانه، وبعد الدعاء الذي يلى الحمد والصلاة على محمد محبوب الأحد، نبدأ قائلين: الحمد لله الذي جماله هوكماله وهوجلاله أحد، وهو أبسط البسائط، لأنه الأحد حقا فلا تعداد لديه سبحانه. نفهم عنه على قدر مخنا وأساليبنا، فنقول كما أفهمنا: أنه الملك والقدوس والسلام، ومنه أنه السلام من شبه الخلق كله، ويضرب لنا مثلا من أنفسنا، وشئوننا ، لكنه يرد لنا عقلنا إلى محكم القول، وهو أنه أحد بلا أي تعددات، متعال كل التعالي عن الأمثلة والتشبيهات، التي تتعاورها التركيبات والتجزيئات .
إنه أحد الذات، ذاته عين صفاته، أحد الكمال، أحد الجمال، والجمال هو مجمع صفاته، أحد الجلال، أحد القوة، أحد الرحمة، له الأسماء الحسنى ، ولكن معناها أنه حاز واستولى على الحسن في كليته وبساطته، التى سيكشف لنا من سرها يوم الدين .
رب لاتجعلنا ممن ثقلت على قلوبهم قوة معنى الأحدية وكادت تزيغ أبصارهم شدة ضوء الله.
عباد الله تمهلوا وتأملوا، تفهموا بعون ربكم .
هو أحد لا يتعدد في جوهره، بل نحن الذين ندرك كماله على قدرنا، اسما بعد اسم. لا تستقل أسماؤه أو صفاته ولا تتجسد، ولا تتولد .
الله الحق متوحد، ليس له التعداد ولا التركيب.
متعال في علوه ليس كمثله شيء والكاف = مثل ، أي ليس مثل مثله شيء ، أي ليس هناك شيء مثل مثله ، فنفى الله أن يكون هناك شيء شبيه حتى لمثله، فنفى إمكان المثل.!! مثل مثله منعدم، وعندما تصلون لمثل مثله أولا فتعالوا بعدها لنتكلم عن مثله. ولن تجدوا مثل مثله ، وبالتالى فلن تجدوا مثله ، ليفهم العقلاء . ولا يغتروا بمتشابه القول .
تفكروا في خلق الله ولاتفكروا في ذاته فتهلكوا، الله لا يطرأ عليه الوهم، فلا يتصور إنسي أنه بلغ من ذات الله الفهم، ولا تدركه الأبصار، ولكنه هو يدركها ويتجلى على أبصار القلوب ويهبها من تجلياته مايغمرها فتعلم أنه الجميل حق جميل، وتدرك الحق : أنها في حضرته البهية، وقد كانت دوما في حضرته.
أخي المحاور الكريم والفاضل.
فهمنا للنص بما يقتضي التنزيه ليس عارا والتفاسير مليئة به
أخي العالم الكريم صاحب رسالة الرد، الذين ليس عندهم وقت لنذر حياتهم لله والوفاء ببيعة الإسلام أن مالهم والنفس والحياة والموت والصلاة والنسك لله، والذين ليس لديهم وقت ليكونوا ربانيين بما كانوا يعلمون الكتاب ويدرسونه، هؤلاء عليهم أن يكتفوا بعموم الإيمان وأن يمرروا الآيات التي تخص شئون الله كما جاءت، وليس لهم أن يدرسوا للناس عقائد الإسلام لأن هذا ليس حقا لهم.
وليس لهم أن يلزموا الله أن تتنزل معاني كلامه الأعلى على قدر استغنائهم، ومشاغلهم، وإعراضهم عن عظمة بيان لغة القرآن، وعلى قدر وضعهم همهم في دنياهم تحت حجج شتى سيقضي الله فيها بقضائه الحق يوم القيامة، يوم يقول الحق أنه قد هدى السبيل، ويقول لهم لقد جعلت الكون خادما لكم بكل نشاط وتركيز واستكثرتم عليّ أن تـنقعوا النفس في شلال نوري، ثم في غمرة الكسل تريدون أن ترغموا قرآني أن يجاري كسلكم.
أخي الفاضل : إن القرآن نؤمن به معا ولانشك أن كل ما قال الله هو الحق الأصفى من كل صاف ، ولاشك في ثبات وإثبات صحة وصدق وواقعية كل حرف فيه، وكذلك الأمر في كل ماصح عن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم.
فالنصوص الصحيحة التي جئت بها من الكتاب الكريم، وكذا الأحاديث حق.
ولكن لاشك أيضا أن ابن كثير لم يخرج عن نهج السلف الصالح عندما رضي أن معنى اليد في سورة الفتح: أن يد رسول الله صلى الله وسلم مثلت بيعة الله فقد قال في تفسير : يد الله فوق أيديهم( تفسير ابن كثير، سورة الفتح) : يد الله فوق أيديهم، أي هو حاضر معهم يسمع أقوالهم ويرى مكانهم ويعلم ضمائرهم وظواهرهم فهو تعالى هو المبايع بواسطة رسول الله صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ... الآية من سورة التوبة. ثم ذكر حديث: من سل سيفه في سبيل الله فقد بايع الله، ثم حديث الحجر الأسود وفيه: ويشهد على من استلمه فمن استلمه فقد بايع الله. يد الله إذن قد تكون تعبيرا عن مخلوق خلقه الله ويرضى الله عن استلامك له أو ليده، وهكذ يستدعي الذهن احتمال صحة حديث: الحجر الأسود يمين الله في الأرض. والله أعلم.
إذن موضوع الآية ثابت، وشأنها شأن آية بيعة الرضوان، والله أثبت (لنفسه، أي: وفي حقه) أمامنا أنه سبحانه قد بايع من بايع نبيه صلى الله عليه وسلم، وأقول كلمة (لنفسه وفي حقه) هنا وأقصد معنى: من جهته ومن شئون ملكه، وهذا يجعل من الواجب إعادة النظر في حتمية تصور: أننا لابد أن نفهم أن للذات يدا هي مما أثبته الله لذاته ولنفسه متصورين من العيب أن تكون ذات الله بلا يد، فيكون عجزا عند الله يتنزه الله عنه، ناسين أن الله مقتدر بذاته سبحانه، لابيد هي وسيلته تعالى في الاقتدار على الصنع.
إنني وأن أنقل عن ابن كثير مانقلت لاأخفي شكواي وأشكو بثي وحزني إلى الله أنه في تفسير قوله تعالى: ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية: قد أعاد ذكر حديث الأوعال الموضوع، وأخذ ينقل خرافات الروايات عن أبعاد قياس حملة العرش. مما يوجب الحذر ونحن نقرأ في كتب التراث مهما كانت النسبة.
ما أثبت الله لنفسه
تلقيت ردكم تحذرون فيه من تعطيل صفة من الصفات، وأقوم لله شاهدا أمام حضرته أنني لاأعطل صفة واحدة من صفاته تعالى سواء صفة ذات أو صفة فعل، وأشهد رب العرش والسماوات العلى أنني أثبت كل كل كل ما أثبت لنفسه، وكل ما أثبت لتجلياته.
لاتوجد كلمة ( صفة الذات ) في القرآن ولافي السنة، فهي مصطلح كلامي يتكلم به العلماء في الأمة على حسب وضع المتكلم أو مايتفق عليه مع وسطه الثقافي.
وكلمة ( نثبت لله ما أثبت لنفسه ) كلمة حق ولكن يجب تحرير معناها من كل التباس، ومن الالتباس أن تستوى في نظرنا معاني الكلمات في كل السياقات، فكلمة أنفسكم في حقنا تعني: الذوات، وتعني: حياة الجسد التي تقبض تبعث، وتعني بعضكم، وتعني الأمارة.
وأما في حق الله تعالى، فقول الله: واصطنعتك لنفسي، لاتعني أبدا ( لذاتي)، أو: لأن تصير من ذاتي، بل المعنى : اصطنعتك لرسالتي وعبادتي.. وقول الله تعالى: ولاأعلم مافي نفسك، لايعني أبدا أن لله (نفسا) أثبتها لنفسه، أو أنها صفة ذات، ولايعني أن هناك من العلم مايكون (في ذات نفس الله) ومن العلم ما يكون ( بجوار ذات الله ) .. إن لفظ ( في) ليس له علاقة بظرفية دخول ولا علو من قريب أو بعيد، بل المعنى : ولا أعلم مافي إحاطة علمك. وكلمة سورة النساء أن عيسى (روح منه) أي من الله ، لاتعني: من ذات الله. ولايصف الله بهذا نفسه، ولايثبت لذاته صفة، بل يتحدث عن أحد أفعاله. أو: يثبت هذ الفعل لنفسه، ولايثبت وصفا لنفسه أي وصفا للذات الإلهية.
وإذن فلايشترط أن نفهم من أن الله قال : وجه الله، يد الله، لتصنع على عيني، أن الله يصف ملامح ذاته سبحانه، وإلا نكون قد أدركنا الله وبقيت لنا بقية من الملامح، ومعلوم أن كل ماخطر ببالك فالله خلاف ذلك.
ويجب إذن التفريق بين ما وصف الله به ذاته وما وصف به فعله وكله مضاف للفظ أو ضمير الجلالة.
موضوع السماء هل هو جهة للذات وكيف يمكن أن تعتبر: مما أثبت الله لنفسه؟؟
السماء هي السحاب ، والسماء هي المطر، والسماء هي فلك الكواكب، والسماء هيئة الفلك، والسماء هو السمو، أومجد العز ، أو جلال عرش القدرة، فأي سماء مما سبق بيانه تليق بالله ليكون فيها؟؟
علينا أن نفهم أن السلف القديم كانوا يختارون لله بفطرتهم من اللغة أسمى سماء، ومن ثم كانت أنفسهم تعلو وتعلو، وتتجاوز طبقات سماوات القاموس، حتى تغادرها، لتصل لسماء في القاموس أسمى من الجميع، وهي السماء حقا، لأنها ترى الله أسمى وأسمى، حتى لاترضى تلك النفس لله سوى أسمى سماء في قاموس اللغة وهي سماء المجد المطلق.
ولكننا لانتعمق وعي السلف ونسيء الظن بهم كثيرا.
هناك وجه لفهم كلمة ( نثبت ما أثبت الله لنفسه ) في موضوع أن الله في السماء:
وبدءا نقول أننا لسنا كما قال أيوب السختياني عن المعتزلة أو عمن مدار قوله أنه ليس في السماء شيء..
لانقول: ليس في السماء شيء، بل ربنا في السماء، ولو جاز أن نقول: ربنا بذاته في السماء، فيصح قولها بقيود الوعي أننا نتحدث عن ذات رب العرش، فنفهمها بالوجه اللائق، أي في السماء المطلقة السمو، لاالمحدودة السمو..
كلمة السماء منقسمة إلى ( ألـ و سماء.. ) الـ(سماء)، ففكر في أن (أل) هنا للشمول والكمال، مثل أل في قوله تعالى الحمد لله.. فالسماء التي عناها الله هي التي تليق به والتي هو حقا فيها، وهي سماء أسمى من كل مدارات الأفلاك، وهي السماء حق السماء السامي، وهي السمو الذي منه اشتق اسم سماء الفلك صدقة من الله على عالم الشهادة كي يستطيعوا استيعاب بصيص من النور ولكي يكون هناك اتصال للتفهيم.. ونقول كما تقول أنت أيها الفاضل حقا أن الله زوج زينب رضي الله عنها من فوق سبع سماوات لاريب، وعلم الله الأحداث من فوق عرشه، والله فوق السماء السابعة، وفوق العرش، ولكن نعيد ونكرر أن الله ربنا تبارك وتعالى وقبل خلق أي كائن مهما كان، قد كان سبحانه فوق العرش وفوق السماء السابعة، وكان هنا فعل تام لاناقص، وهو يدل على الشأن الدائم المتحرر من الزمان والمكان.. لأن هذه كلمات سامية سموا أخرجها عن المعاني السطحية والساذجة وأدخلها في نطاق من المعاني يتردد رنينه مع أعمق مافي الفطرة من تمجيد وتسبيح لعزة الله الذي ليس كمثله شيء.
من جهة أن الله في السماء، فيمكن القول أن الله أثبت لنفسه أنه في السماء ولكن بهيئة تنزيهية. أي أثبت لنفسه أنه في سماء المجد والعز، حيث لاتعني كلمة (في) أيّ ظرفية : لاظرفية الداخل (في شيء)، ولاظرفية الآخذ مكانا مستعليا ( فوق شيء).. وحاشا لله أن تكون كلمة (في السماء) هي المقابلة لكون السحرة صلبوا (على جذوع النخل).
والله يقضي بقضائه من فوق سبع سماوات ، نعم، ولاشك في ذلك، ولكن هذه ليست مما وصف الله به ( مكان وأين وجهة ذاته) سبحانه سبحانه، بل الله يعبر عن صدور الحكم من مسيطر مهيمن يمسك أمر السماوات والأرض، وهو الحق .. والحديث هنا عن شئونه المتعالية، حسب نظم اللغة، يسوقه الله في تعابير تختال في آيات جمالها التي هي أسمى وأحلى من كل كلام آخر، وإقصاء الاستعارة من القرآن يعني قتل ما أتصوره لايقل عن ثمانين بالمائة من عظمة القرآن وبلاغته وسموه وإفحامه وإعجازه الذي حير العقول لما سمعته، والإصرار على سجن فهم كلام الله في حدود الشخص الذي لا تتصبب منه دلاء عرق في الدراسة وهبة النفس لكتاب الله لظلم عظيم لكتاب الله الكريم المجيد.
الأصل في الكلام على الحقيقة.
الله ينفخ حقا من روحه في الناس الصالحين، ولكن إضافة الروح للفظ الجلالة لايعني أنها (روح الذات الإلهية)، فمن يتصور كلمة الذات هنا فهو يضع إضافة تضلل التفكير عن عمق المعنى، والله يصف فعلا يفعله ولايصف ذاته سبحانه، ولم يرد الله بالإضافة هنا وصف نفسه بمعنى وصف الذات، بل أراد وصف الفعل. ورغم ذلك لو عبر إنسان بأن الله يثبت لنفسه أنه ينفخ الروح فلا بأس بشرط تحرير المعنى وهو الوعي التام أن الله لايصف (ملامح نفسه أي ملامح ذات الحق عز وجل ) ..
وإذا عرفنا هذا وأدركنا الحق والالتباس في فهم عبارة سورة الملك : ( أأمنتم من في السماء)، وخطأ القول: أن الله ( بذاته موجود في ـ بمعنى على ـ هذه السماء الفلكية التي نشير إليها بالأصبع وتحيط بنا كما تحيط غيمة هائلة بجسم في قلبها ) ، وعرفنا أن هناك إضافات ما أنزل الله بها من سلطان وهي عبارة : ( بذاته في هذه السماء التي فوقنا) ، وتخلصنا من اللبس، لاستخلصنا أننا متفقان وأننا معا نؤمن أن الله ( في السماء كما يليق بكماله) ولا نحدد أين الذات، ولانقول أن جواب (أين) المكانية هو أن الذات موجودة في بعد جغرافي (فوق هذه الأجرام الجغرافية التي فوق رؤوسنا).. ..
ونقول : الله في السماء على الحقيقة، نعم على الحقيقة، بدون الانحراف عن الحقيقة قيد أنملة، ونعم أيضا كما قلت أيها الأخ: الأصل في الكلام على الحقيقة، وأزيدك: بل كل الكلام على الحقيقة.. والحقيقة في السماء هي السماء حق السماء.. أي السماء التي من حق جلال الله أنه فيها وعليها ومن فوق سبعتها ومنها يتنزل أمره وإليها يعرج الأمر متحققا منجزا حاضرا قد نفذ قائلا: لبيك اللهم لبيك.
لو قلت لي ماهي سماء السمو لقلت لك: الله أعلم بكنهها، ولو قلت لي كيف كانت البيعة من يد النبي صلىالله عليه وسلم هي بيعة من يد الله فأقول لك لاأدري والله أعلم بكنه أن الحجر الأسود يمين الله في الأرض.
ومادمتم تفوضون ونفوض، وترفضون البحث عن الكيف ونرفض، فنعتبر إذن أننا متفقان، مع ملاحظة بعض الالتباس عندكم في تحرير عبارات السلف أو الخلف ..
وقد تم بدعاء الله كشف الالتباس.
نقر بكل ماقال الله بحذافيره.
الألفاظ تستعمل مع الوعي بمدلولها .. والرسل أفضل من الشهداء، والشهداء (عند الله ) أحياء ولابأس أن يقال أنهم في السماء، فكل محفوظات الله تسمى محفوظة في السماء أي في كرامة عالية، بدون اشتراط الوعاء الفلكي، وسيدنا عيسى عليه السلام حي في السماء بنفس المعنى الذي به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حي في السماء بدون زيادة على الإطلاق..
ولكن، ورغم ماذكرت الآن، فلنذكر دائما أن الله لم يقل عن عيسى عليه السلام: ورافعك إلى السماء، ولاحتى يوجد في ذلك حديث نبوي، ولاحتى حديث ضعيف، لأن الله تعالى لايرضى أن نفكر هكذا مطلقا. وأما الوضع على ألسنة السلف فحدث عنه ولاحرج.
العروج والنزل
لقد وصلني ردكم ولم يصلني رد على ما ذكره ابن كثير رحمه الله أن كرسي الله هو علمه، ولاعلى بياني أن كلمة: إليه، في آية قبض الظل لاتدل على رفع الظل إلى السماوات، وتبين عدم حتمية فهم الرفع إليه تعالى المتعلق بعيسى عليه السلام على أنه رفع إلى السماوات الفضائية، ولم أجد ردا واضحا على قولي أن عروج الأمر إلى الله ليس حركة قطع مسافات نحو ( جهة الله ) وكذلك عروج الملائكة الكرام عليهم السلام.
كما لم أفهم من رد المنتدى فصل الجواب عن سؤال: هل لله جهة؟؟ وأميل أنكم لاتقولون بالجهة.
ولو قلت لي أين الله فلن أفهم أنك تسأل عن المكان الذي تبارك الله خالقه، ولقلت لك في السماء، ولا أعني سماء الفضاء، وسأشير للسماء ولاأقصدها هي نفسها، بل هذه الإشارة هي الرمز الفطري الذي فطرنا عليه للدلالة على ( معنى السمو والعلو والسناء).
ولقد قرأ أحد الأصدقاء رد المنتدى وأخذ يشيد منبهرا، ومصدقا لما فيه، فقلت له: هل تؤمن أن لله جهة؟؟ فقال فورا وبكل ثقة: لا، ليس لله جهة.
إذن الصديق لم يفهم منه أنكم لاتبرهنون به أن لله جهة، وسنأخذ بهذا التصور لحين يأتي نفيكم، وهكذا فكلامكم عن السماء مع نفي الجهة يعني أن رفعنا للأصبع للسماء يعتبر إشارة لجميع الجهات، ومنها الجهة الغيبية التي تعني سماء العز الإلهي، والتي لاتبلغها الأصابع، والتي ربنا فيها، وكلمة: فيها، تعني: مقتضى كماله.. والله تعالى هو في السماء من قبل خلق السماء التي فوقنا. ولافرق بين كلمة السماء التي يقول الله أنه فيها وبين كلمة: المتعال، والعليّ، والأعلى، والعزيز.
ليس حتما علينا أن نفهم أن نزول الله يكون ( بنزول الذات إلى تلك السماء الفضائية )
وبداهة الوعي لاتسمح أن نفهم نزول الله أنه فعل حركة، ولا أن النزول مغادرة للعرش، ولا أن النزول نزول ذات الله إلى جهة هي عكس الصعود، والله ينزل للسماء الدنيا في الثلث الأخير من كل ليلة ليغفر ويرحم، وتعالى الله أن يعود فيصعد بعد انتهاء ثلث الليل، وتبين يقينا يقينا من علوم الفلك أن هناك ثلث ليل دائم في الأرض لايزول حتى تزول الأرض عن مواجهتها الشمس، فهل الله قد نزل ليلة ولما انتهى الثلث كف عن النزول، ثم اكتشف سبحانه أن ثلث الليل مستمر في الأرض فغير نظامه وغير حديث رسوله واستمرت حالة نزوله تعالى؟؟؟ إن البداهة تحكم أن الله يستحيل في حقه أن يكون نازلا دائما بما يخالف النص: من كل ليلة. فوجب فهم النص بما يليق بالجلال الإلهي، وهو أن تجليات رحمة الله تتركز في الثلث الأخير لليل، في حق كل بشر يأتي عليه الثلث الأخير.. وهناك رواية للحديث مدعمة لقولنا هذا تقول أنه إذا كان ثلث الليل الأخير ينزل ربنا إلى السماء الدنيا ملكا فيقول: ألا من ... ألا من ... الحديث.
ويطبق على شأن نزول الملك نفس المعنى السابق، وهو أن هناك ملكا ينادي باستمرار في منطقة ثلث الليل الدائمة يبشر ( كل من يأتي عليه الثلث في بلده ) ممن يدعون ويستغفرون أن الله معهم مجيب.
ألا هل بلغنا؟؟
وبعد أن بينا بما لايدع مجالا لشك أننا لاننفي صفة العلو لله تعالى بل نثبتها له إثباتا كاملا كما أثبتها لنفسه سبحانه، أنه قد تعالى وعلا واستعلى ومتعال بذاته فوق كل مخلوق خلقه حتى أنه تعالى يستحق ثبوت صفة العلو بأنه فوق هذا الخلق قبل أن يوجد المخلوق من الأساس، وبذلك تكون صفة علو الله ثابتة عندنا بشكل مطلق، متحرر من الزمان والمكان، وعلو حق أزلي يتجاوز وجود الأشياء نفسها.. وعند البعض قد يختلفون وربما كانوا يرون صفة العلو قد ثبتت لله فقط بعد خلق السماوات والأرض. ولولا ضيق المجال لبينت لك معنى: وكان عرشه على الماء، ولكن فيما مضى بلاغ يبلغ بنا بلاد الأماني، لو ركزنا وقمنا لله في استلهام المعاني.
موضوع رأيكم في رفع جسد المسيح إلى أي طبقة سماء فلكية.
قلتم أن المشكلة كانت محصورة في نجاة الجسد لارفع الروح، فلماذا اتجهتم إلى أن حل المشكلة محصور لامحالة بالرفع الجسدي للسماء بالذات، فلماذا يقتضي الأمر رفعه في الفضاء البعيد، ولماذا عدم السماح بقتله لايعني إلا الاختطاف نحو سماء الفلك؟؟؟ ، كيف اقتنعتم أن في قتله تلويثا لجسده، لاحل له ليتطهر إلا النجاة بالرفع الجسدي الذي به تم تطهيره من تلويث كان سيحدث، وكيف ساغ عندكم أنه هكذا ترتبط جمل آية سورة النساء : وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه. ولاأدري بأي حتمية اعتبرتم أن الرفع كان للسماء؟؟ هل ربما من كلمة الرفع أو من كلمة الرفع إليه؟؟.
لنفكر في قولكم في حالة ما لو سلمنا به لنرى إلى أين سيقودنا تصوركم.
لو سرنا خلف الفرض الأول الذي افترضتموه وهو أن الخطر كان على الجسد فقط وعلى تلويث الجسد، فتحتمت نجاة الجسد حتى من مجرد القبض عليه، لكان الرفع من كل عوالم وقارات الأرض إلى سماء النجوم بعيدا عن الاتساق العقلي، خاصة لعدم وجود لفظ (إلى السماء) في آية الرفع، ولكان من المعقول أكثر أن تقولوا أن الله أخفاه عن أعين الجند أو الخونة الذين جاءوا للقبض، ثم أسرى به ليلا من المسجد الأقصى إلى بقية بني إسرائيل في القبائل التي كانت سبيت في سبي بابل ولم ترجع، وهي عند الله من بني إسرائيل، الذين ينص القرآن أنه عليه السلام أرسل إليهم لالبعضهم فقط.
ولكنكم لم تروا الأمر على هذا النحو.
وذهبتم إلى توليد النص واعتصاره ليبزغ منه لفظ السماء، وهو غير موجود.. بل إن سنة الله على خلاف ماتذهب إليه أيها الفاضل، ولقد كشفها الله لنا، فلقد فعل الله مثل ذلك من قبل ومن بعد، فجعل قوم لوط لايطولون جسده عليه السلام، وأمره الله بالخروج وفعل بقومه مالايتصوره الوهم. ولما قال قوم نوح: لئن لم تنته يانوح لتكونن من المرجومين، عندك رقم 116 الشعراء، نجاه الله بأن أهلكهم ولم يصلو إليه. ولما أجمع التسعة رهط على قتل صالح أصبح الصباح عليهم وهم قتلى ونجاه الله والحواريون الصالحون.. ولم يجعل الكفار يصلون لجسد النبي محمد صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة.
وهناك نوع آخر يفعله الله بعد أن يأذن بوقوع وليه في يد أسباب الموت، ثم يأمر الله أسباب الموت أن لاتهلك وليه، وأمثلة ذلك عديدة في كتاب الله، كما فعل الله مع إبراهيم عليه السلام مع السلامة التامة من كل ضرر وأذى، ومع يونس عليه السلام، ولكن وقاه الله من الضرر وإن أصابه الأذى.
لم يقم الله بخطف أي واحد من هؤلاء إلى السماء، فعند الله بلايين الحلول البسيطة والرهيبة.
وطول التاريخ ينصح الله المؤمنين المهددين جسديا بالهجرة وترك المكان عندما يكون جسهم مطلوبا لفتنة الروح.
وكان الله غفورا لمن حاول ولم يجد حيلة للخروج.
أوكان الله دوما يضمن وجود هذه الأرض لعباده المخصوصين المخلصين.
قصة الرفع إلى السماء هذه عندما نتصورها حلا لمنع وقوع الجسد في يد العدو هي قصة ضد السنة.
ولاشك أن عيسى من عباد الله المخلصين المخصوصين.
هب أن الخطر على جسده، وقرار الله هو الحيلولة بين جسده وبين طالبيه، وأن الحكمة في نظرك تقتضي ألا يصاب بالضرر ولاحتى بالأذى؛ فليكن، إنهم لأهون على الله من حشرة أو بعوضة، ويجعلهم الله عبرة التاريخ كما فعل مع قوم صالح. ولايستحقون قصة الرفع الضخمة، فهم أتفه من جرادة. فليرفع هونا ما ليحط في مكان بعيد ثم ينطلق لقومه الباقين. وليكن الأمر كما حدث مع موسى لما طلبوا جسده وأتاه نذير، وتوجه تلقاء مدين. ماالحاجة لألف مليون كلمة والأمر يتم قضاؤه بكلمة واحدة. أو ليأخذه الله لقارة جديدة لم يكتشفها الجن الأزرق، ويتعلم فيها لغة المواطنين الهمج، ويعلمهم.. ونحو ذلك. ماالحاجة للرفع إلى السماء وآية الإسراء مانعة للبشر الرسول أن يرقى في السماء بشكل لاحل له؟؟؟ ذلك الخلاص الجسدي كان أهون شيء على الله بكلمة واحدة لاتزيد، وإذا باليهود والرومان صرعى جاثمين.
لابد من شيء يجد في قصة عيسى ليكون الحل رفعا بالجسد للسماء حين كانت خطة الله أن لايطول القوم جسده فما هو؟؟
ليس عندك سوى حل واحد منطقي نوعا تجيب به، ولو أنه لايليق بالله عز وجل مما يجعله غير منطقي نوعين.
الشيء الذي قد يجد ليجعل الرفع للسماء منطقيا نوعا هو أن سيدنا عيسى لامجال أمامه للنجاة في أي بقعة من الأرض كلها، ولو ابتغى نفقا فيها فاليهود وراءه، ولما رأى الله أن العدو صار غولا متمددا باسطا سلطانه على كل شبر في الأرض، وخرجت كل قارات وجزر الأرض من سلطان الله تعالى، والعدو لديه علم الجغرافيا كلها، وله القدرة على عبور المحيطات ولو وصل سيدنا عيسى للأمريكتين، فالعدو الجبار يملك كل أرجاء الأرض، ولامفر لعيسى عليه السلام منهم.. وإذ ضاقت الأرض بما رحبت بعيسى عليه السلام فالحل هو هجر الأرض من أصلها وإيجاد مأوى له في السماء.
وهذا حل لايليق بالله، فالله أسمى وأقوى من ذلك جدا جدا. وفي هذا الحل تعظيم لشأن اليهود أو الرومان بما لايستحقون منه ذرة، فهم أحقر من ذلك وأضعف جدا جدا.
قصة الرفع إلى السماء ضد السنة الربانية وضد مايليق بالله والمنطق السديد، وهي تحتاج لمنطق خاص منقوض مرضوض.
فليس أمامنا إذن سوى إلغاء هذا التفكير وهدم جدرانه وخلع أبوابه.
والحل الأوحد الأتقى لله، لو أصررنا على عدم وقوع الجسد من الأصل في قبضة العدو، هو البحث عن نوع نجاة ورفع ليس للسماء، بل نقل الجسد من الأرض إلى الأرض بشكل ما، وهو هين بالغ السهولة، ونخرج من المكان المعادي إلى مكان آمن وانتهت المشكلة.
ويحيا فترة ليتم حياته ويتوفاه الله .. ويكون بعد الوفاة مرفوعا مثل الرسل والشهداء، كلهم مرفوعون قريبون من الله متحقق فيهم أنهم مرفوعون إلى الله.
وبتحقق: متوفيك، تمتنع عودته للأرض مرة ثانية، فما لم يسمح به لرسول الله أكرم خلق الله فلن يسمح به لمن هو أقل فضلا.
وبهذا تكون بشرى رسول الله بنزول عيسى والمسيح لاتخص نبي بني إسرائيل بل تخص شخصا آخر نبحث عنه.
وعندما يأتي هذا الشخص أو نجده بعد البحث عنه فسيحكم بيننا بالحق في أمر ماحدث بالضبط مع عيسى بن مريم عليه السلام، ونرتاح.
ولقد جاء وأوضح الأمر كل الإيضاح. فكيف كان إيضاحه؟؟
القصة كانت كما يلي ونحن متحررون تماما من فكرة الرفع الجسدي لسماء المجرات:
نزل القرآن وواقع اليهود والنصارى متفق على دمغ عيسى عليه السلام بتهمة الصلب ومن ثم باللعنة مع اختلاف بينهما في السبب.
الآيات نزلت لتقص على بني إسرائيل أكثر الذين هم فيه يختلفون.
والله وجد عيسى عليه السلام متهما بتهم غاية في الشناعة، فطهره الله منها ومن ادعاء الكافرين بالوحدانية، الناسبين الولد إلى الله ، والقائلين أن عيسى عليه السلام أمرهم بذلك.
من جهة اليهود وإصرارهم على الصلب.
عين اليهود كانت على إثبات كذبه لاعلى النيل من الجسد مع بقائه رسولا لله، ومن عملية الصلب بمعنى القتل فوي الخشب، يعتبر اليهود أن المسيح بذلك قد ثبت أنه فاقد لصفة السمو الروحي، وأن الله سمح بلعنه لما سمح بصلبه.
وهم يعتقدون أن روح كل صالح ستصعد إلى السماء بعد موته، ولكن من لقي حتفه صلبا فسوف تهوي روحه إلى الهاوية، وبالتالي يعرف أولادهم أن هذا لم يكن عيسى الذي كانوا ينتظرون.
كان مكرا مؤصلا بأصول، وينظر للمستقبل، ويعمل حسابا لعدم تأثر أجيالهم بدعوى عيسى عليه السلام، كان مكرا مستندا لنص في العهد القديم يقول عن الميت المعلق ليلا على خشبة : لأن المعلق ملعون، مع تحريفه لينال المعلقين ظلما.
أساس المكر هو وضع عيسى مقتولا على خشبة ليأخذ في الخيال صورة الملعون، وفي ذهنهم أن الله لن يجد أمامه سوى قرار لعنه وطرده من رحمته وحضرته المقربة، عندما يجده ميتا على خشبته، بريئا كان أو مدانا، ففي تصورهم أن الله مضطر لتنفيذ ظاهر النص الحرفي إذ ليس هناك تفسير سوى التفسير بالظاهر. .
نتائج قولهم الماكر هو أن عيسى ليس رفيع الروح، بل منحطها، لأنه كاذب، وإذن فليس برسول وجيه عند الله.
وكان لابد من نفي التصور بدءا بالضربة القاضية وهي نفي القتل على الخشبة، وأن جسده قد نجا وآواه الله إلى ربوة ذات قرار ومعين، ومفاجأتهم بما يبهتهم وهو إعلان أنه عليه السلام قد لقي الله بوفاة عادية، وثانيا بأن الله اجتباه في الصالحين ولم يقم بلعنه كما اشتهوا.
وبقوله تعالى: وما قتلوه يقينا فالله يكشف ريبتهم في عملية القتل رغم الادعاء، ويشير إلى اللخبطة التي حدثت لهم أيامها بسبب فقد الجثة وتطاير الإشاعات حول : أين ذهب عيسى عليه السلام؟؟؟
وقول الله سبحانه: بل رفعه الله إليه يقضي على كامل التصور وكل المكر، وعليهم هم أن يبحثوا كيف لم تثبت اللعنة، وماذا حدث للجسد؟
ومن جهة النصارى
فقد انهار النصارى أمام ضغط التصور وترويج الدعاية اليهودية ووقعوا أسارى في قبضة خرافاتهم، واعتبروا أن السيد المسيح قد صلب فعلا وانطبق عليه النص، وزادوا في أعمال الرسل بأنه أيضا نزل الهاوية الجحيمية ثلاثة أيام، أي طبق كل طقوس اللعنة، ثم اخترعوا منطقا مرافقا وهو: ولكنه رغم ذلك غير ملعون، والنتيجة العجيبة: فلابد أن تكون تمثيلية من الله تعالى ورحمة تقضي بأن هناك مهمة معينة تقتضي إجراءات عجيبة يمر بها البار ويتحمل اللعنة، فيصلب أولا بيد من كتابهم يلعن المعلق الميت، ويموت ليحقق اللعن، بل ويؤكد تحمل اللعنة بالنزول للهاوية أياما يتمم بها الإجراءات، ويحصل بها على اعتماد لعنه. ولكن كيف يكون كل هذا رحمة؟؟ يا إلهي .. ويستدعي الذهن قصة آدم واللعنة التي لعن الله الأرض بسبب الخطيئة، وجدناها، ألم تر أن أغلب رسل العهد القديم خطاءون؟؟؟ وجدتها: لقد تحمل اللعنة ليفدينا من الخطيئة، وبالتالي تتحول اللعنة إلى رحمة. وبعد ذلك أضيف اكتشاف عجيب: إنه هو الله الذي تجسد وفعلها، كيف؟؟ إن لله حالات تناسخ Incarnation وهذا ولده الحبيب ناب عنه في الإجراءات.
ونتائج قولهم أن رسول الله عيسى مات ملعونا حقا ولكن لحكمة عالية لايفهمها أحد إلا أبطال قصة الفداء.
وكان لابد من نفي كامل التصور فنزلت الآية في سورة النساء، وتبين أنهم توهموا القتل والصلب ولم يحدث .
وكلام الله عن وفاة السيد المسيح عليه السلام ونفي قتله وصلبه وإثبات رفعه إليه وإيوائه هو رد على أفلام اليهود والنصارى ومخرجيها، وبذلك يرتبط سياق آية النساء برباط لاشك فيه.
فهو يجيب على أسئلة كامنة في عقول اليهود لرحمتهم ولإخراجهم من هاوية الغضب، وعلى أسئلة كامنة في عقول النصارى لهدايتهم من الضلال.
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مهندس فتحي عبد السلام
تمت الكتابة في يوم الجمعة 3 ربيع الثاني 1431 هجرية
19/3/2010 ميلادية
ملحق للرسالة الثالثة للمهندس فتحي عبد السلام القادياني!
سهرت ولم أنم واستهديت رب الفضل والنعم أن يهديني لأستنير ولأنيرلما أرقني بحث النقاش في أن الله فوق السماء الفلكية، بالمعنى الظاهر، حسب قولكم أيها الفاضل من منتدى التوحيد: ( ولا يفهم أحدٌ هذا الكلام عن فوقية الله إلا على حقيقته ؛ لأن الأنبياء يخاطبون الناس بما يفهمون لا بالمجازات المتكلفة والتأويلات البعيدة . لهذا فإن خطاب النبي للناس بعلو الله وفوقيته ينصرف إلى ما يفهمه الإنسان العادي لا إلى ما تتكلفه الأذهان وتشق فيه الفهوم) وبالتالي وبالضرورة فالسماء الفلكية تحته تعالى، وله مكان وجهة، كل هذا الفهم والنقاش هو فرع من تصور أن العرش شيء هائل مخلوق يعلو عالما من المياه.
ونتساءل مستهدين العليم:
هل لله سميّ ؟؟ ج : لا.
لاأحد يسامي الله، لأن الله في سماء لاتسامى، ولايشار إليها بأصبع، وسماؤه هذه ليست مخلوقة، وهو تعالى كان فوق كل خلق من قبل وجود خلق، فوقية لاتنتظر حتى يكون خلق فتستوي فوقهم، بل هو علو بمنطق الحال، ولاينتظر الخلق وتنزيل المقال، علو فوق كل الخلق كبديهية لاتحتاج وضع قواعد ولاتدرس بشأنها عقائد.
الله في سماء الدنيا أم في سماء الآخرة؟ ج: فيهما.
هل سماء الآخرة من الغيب؟؟ ج : نعم ..
هل يمكننا هنا الإشارة بالأصابع لسماوات الغيب؟؟ ج : لا..
إذا الله في سمائه الخاصة به، في سماء سمو وعلاء علوعزه. سماء لاتشير إليه أصابع، سماء يستوي فيها قول أهل الدنيا وأهل الغيب في الآخرة، وسواء في صحة التعبير أقامت القيامة أم لم تقم.
ماالحق في التصورات الشائعة ؟؟
إن التصور الذي يتم ترويجه شعبيا أن سماوات الكون مشمولة بطبقة هائلة من الماء والعرش يعلوها هو تفسير خطأ لكلمات الله العليا. ويؤدي لسوء فهم لمعنى حملة العرش.
من جهة حملة العرش فالملائكة رسل من الله، وكل رسول فهو يحمل التنزيلات من باعث الرسالة.
ورسائل الله هي آثار صفاته، وجماع الصفات الحميدة هو: ربوبية ورحمانية ورحيمية ومالكية.
وتلك هي قوائم العرش التي يحمل كلا منها ملك فيه حقيقة تناسب مايحمل، وموهوب من الأجنحة أي ملكات التوصيل ما يستطيع به أن يحمل رسائلها وفيضها من الله للخلق، وحملة القوائم أربعة ملائكة لفيوض الله إلى عوالم الدنيا، ثم تتجدد فيوض من الله أعظم لعوالم الآخرة، يحمل فيوضها أربعة آخرون، والثمانية حاضرون يوم القيامة.
من جهة كلمة العرش فهي سر عظيم، أطلع الله عليه رجاله الصادقين بكرامات صدقهم.
وعلموا وتعلمنا أن العرش ليس شيئا من هذا العالم، بل هو من صفات الله وكمالات الله التي تتجلى على الخلق، وتأثيره هو تمكين رؤساء الملائكة من حمل الفيض الرباني والرحماني والرحيمي والمالكي لمن دونهم من الملائكة، ثم تمكين من بعدهم من القدرة على حمل الرسائل.
ومن الناحية الظلية فقلب المؤمن الحق هو عرش للرحمن، لأن إيمانه بصفات الله يجعل الصفة تصبغه وتتخذ من قلبه ماهو بمثابة عرش لها، وعندما تتخذ صفات الله الجامعة في سورة الفاتحة من قلب عبد مأخذا، ويصير قلبه مملكة لها بلامنازع، فيكون قلبه عرشا للرحمان. والرسول الأكرم الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم كان قلبه عرشا ظليا لله، بما كان فيه من فيه صفات كمال إنساني، منها عطفه الشامل على كل كائن حي وهي ظل الربوبية، ومنها عطفه على قومه ودعاء الله لهم وعفوه عنهم يوم الفتح لما ملكهم، وهي ظل الرحمانية، ومنها رحمته ورقته للمؤمنين وهي ظل الرحيمية، ومنها عطاؤه كل ذي حق حقه وهي ظل صفة المالكية.
ومن جهة العرش والماء : فلنعلم أن خلق الله للسماوات والأرضين جميعا كان خلقا متزامنا متوازيا متناغما معا، يأخذ كل من بعضه في تفاعل كوني هائل.
ويقدر علماء الفلك مدة خلق العالم بحوالي 15 مليار سنة ضوئية، مما يدل على عظمة مفهوم اليوم الرباني.
ولقد ذكر الله خلق الأرض في يومين، وذكر أنه ضبط رواسيها وأودع بركاتها وأرزاقها في أربعة أيام ليكون المجموع ستا تطور فيها خلق الأرضين جميعا والأرض منها. وهي مدة خلق الكون كله. وهذا يثبت أنه بينما كان ذلك يحدث للأرض، فإن تطور الكون كله وخلقه كان يحدث متزامنا.
وهذا يبين أن لفظ (ثم) في قوله تعالى: ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض، فصلت. ليس للترتيب.
(ثم) هنا ليست للترتيب والراخي كعادتها، بل معناها: وأضف لمعلوماتك. فهو ترتيب في هبة المعلومة، ترتيب في تراكم المعلومات، وفي رواية جملة الأحداث.
والآن ماهو معنى الاستواء إلى ؟؟؟
لنبدأ بالنظر إلى أن الأرض والسماء التي نعرفها الآن ونعهدها (وأل للعهد) لم تكن موجودة، فالاستواء هو توجه تجليات أمره تعالى نحو خلقهما.
والله تعالى قد ( استوى إلى ) أي توجه بأمره إلى موضوع خلق السماء وهي دخان، ليأمرها أن تتكون سماوات سبعا وأرضا، أي أراض، فلبت بلسان الحال لأنها لم تكن قد تكونت بعد.
والآن ننتقل لنبين أن الله ذكر في سورة هود أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثم قال سبحانه : وكان عرشه على الماء ليبلوكم...
ومن كلمة: ليبلوكم،هنا في هود، ومن سياق الكلمة نفسها في سورة الملك: "خلق الموت والحياة ليبلوكم" ، نجمع النصين لنتكشف سر آية هود.
ويتبين المعنى أنه: بعد خلق المكان للسكان وللضيفان، فقد توجه أمر الله لخلق الحياة، واستوى إلى الماء ليخلق منه تلك الحياة، ولذلك قال ( وكان عرشه على الماء) ولما كان خلق الحياة غايته خلق الإنسان المكرم المسخر له كل شيء، فقد قرن الله سياق خلق الحياة بحكمة خلق الإنسان: ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا) ومن ذلك اليوم والله لازال يخلق الحياة، ويبتلي قمة الحياة وهي خلق الإنسان، ولازال عرشه تعالى على الماء، ليبلوكم أيكم أحسن عملا.
لماذا عبر بالعرش وأنه على الماء؟؟؟
والعرش كما تبين هو من صفات الله التي تعبر عنها أسماؤه: ولذلك سمى الله السماوات بالعلى، في سورة طه، ثم فسر تعالى أنه على العرش استوى بأنه الله الذي له الأسماء الحسنى.
والله عبر بالعرش على الماء هنا في سورة هود، لأن كل الصفات تجلت مع خلق الأحياء، حيث تتجلى صفة الربوبية أولا وتعمل لتعطي كل شيء خلقه، وتضع فيه كوامن الاستعدادات، وممكنات الرقي، ثم تتجلى على الكائن الحي خاصة بقية الصفات، من الرحمانية بفيضها المبتدأ، إلى صفة الرحيمية بفيضها كرد فعل وخبر عن مبتدأ العمل الصالح، ثم المالكية والجزاء ومضاعة الرحمات.
فعندما تتوجه العناية الربانية لخلق الحياة من الماء كوسيط أساسي، تكون الصفات كلها متجلية، وهو معنى (وكان عرشه على الماء) إذ تعمل فيه الربوبية والرحمانية والرحيمية والمالكية.
إذن لايوجد جرم كوني من الماء الهائل يستقر فوقه عرش مخلوق.
وبهذا ينسحب البساط من تحت التصور الطبقاتي الفراغي لوجود المجرات النجومية، باعتبار الله شاغل الطبقة الخارجية.
وذلك كما كان البساط من قبل قد انسحب من تحت تصور فكرة الكرسي: أنه فضاء كوني وهو (موضع قدمي) الذات الإلهية وبهذا يكون التصور السطحي للفوقية قد انهدم من أساسه.
ما أرقني من نقاشات الفيزياء
ولقد أرقني مارد علي به الفاضل من منتدى التوحيد وتكلم عن الأمور الفيزيائية بما لايبطل شيئا من قولي.. فقد قال : ( كما أن العلاقة بين (الله) و (بُعد الزمان).. لا تعني خضوع الله لذلك البُعد المخلوق.
كذلك العلاقة بين (الله) و (أبعاد المكان).. لا تعني خضوع الله لتلك الأبعاد المخلوقة.
فإما نقبل الحقيقة كاملة أو نرفضها كاملة دون أى ازدواجية في المعايير.)
وأقول : هذا صحيح ولم أنكره، فأين الرد عليّ هنا؟؟؟ فنحن متفقان على هذا الكلام.
وهو قول يعترف أن الله لامكان له بالمفهوم الفلكي.
ثم تكلم فقال عن : ( محدودية الفضاء:
محدودية حجم الكون بغض النظر عن شكله ودرجة تقوسه فهو دليل على وجود جهة عدمية. إذا رفعت يدك إلى السماء فلن تشير الى فراغ ممتد الى ما لانهاية بل إلى حدود تنهار فيها الأبعاد المكانية، إما بسبب تقوس الأبعاد نفسها أو بسبب خضوع تلك الحدود لحالة تشبه حالة الكون "قبل" الــPlanck time وقبل ظهور المكان واتساع حجمه. والشاهد هنا ليس الترجيح بين النظريات الفيزيائية المتغيرة بل فقط إثبات إمكانية وجود جهة فوقنا على وجه الحقيقة وفي زمن حقيقي لكن في منتهاها تنهار كل الأبعاد الفيزيائية. فإذا ثبتت تلك الإمكانية عقلا سقط حينها كل استنتاج يربط بين (علو الله في السماء) وبين (ضرورة خضوعه لسنن المكان).
هل في هذا رد عليّ وإبطال لقول قلته؟؟؟
أسألك فعلمني: كيف تنهار أبعاد حدود هي فوقنا ونحن تحتها؟؟؟ وكيف تنهار أبعادها وهي في المحاذاة معنا ؟؟
هذا اعتراف يتناقض مع نفسه: يقول مرة بأن لله جهة هي الغلاف الخارجي للكون، ومعناها أن لله مكانا على السماء كما أن السحرة على جذوع النخل، ومرة يقول أنه خارج الغلاف الكوني لاتوجد الأبعاد بل تنهار، (وبالتالي نعلم أنه لايوجد مكان لله خارج الغلاف الكوني حيث انهار المكان).
وهذا يتضمن في الوقت نفسه موافقة ضمنية على قولنا أن الله في سمائه الخاصة، سماء العز التي لاتنتمي إلى الأبعاد الفيزيائية، وبقولنا هذا تتحقق كلمة : الله في السماء، بصرف النظر عن البعد الزماني المتعلق بخلق أو إعدام السماء الفلكية.
ماذا يحدث من بساطة صارت فجأة تعقيدا؟؟؟
على الانترنت نقاشات حول خلق القلم الذي لايمكن تحديد مكانه وأبعاده، وعن الجهة التي هي أمر وجودي أو هي أمر عدمي، وكأنهم يعلمون مايقولون، ويأخذون في تفريع الجمل المكونة من بضع الكلمات، بشكل يهدف لقذفك بالمنجنيق خارج النقاش، لاإفهاما ولا إفحاما، بل ملالا واختناقا من اللاطائل واللاجدوى، ومضغ الممضوغ والتطبيل فيما تم تطبيله.
لماذا على الانترنت تشيع هذه المجادلات الطويلة تستعمل اللفظ العجيب، وهو: الجهة العدمية؟؟ هل لأنه نص يقص ويلصق من آخرين، وجدوه الآن نافعا لملء الجو غبارا ضد الخصم، صالحا لحجب الرؤية، وهو لفظ من القرون السالفة، تجاوزته طرق الله في التوضيح، ويبحثون له عن تسويق في عصر تقدم علوم الفلك.
والأمر الذي لم أفهمه حتى الآن هو كيف يخوضون غمار هذا التعقيد الرهيب وهم يقولون أن النص واضح كل الوضوح، ولله فوقية دون أي مجاز متكلف، وحسب جهة لاتحتمل تأويلا، و بدون أي إشكالات؟؟! كيف يتحول الحوار عن بساطة الأمرالواضح والنص الظاهر (علو الله وفوقيته ينصرف إلى ما يفهمه الإنسان العادي لا إلى ما تتكلفه الأذهان وتشق فيه الفهوم) إلى أن تفوقوا على المتأولين، وأجمعوا أمرهم على مجاهدة الخصم كي يقتنع أن الأمر معقد، وأنه لاأحد يفهم مصير الإشارة البسيطة للأعلى ( التي فهمتها الجارية لما قيل لها أين الله) ، وهل الله في جهة عدمية أو وجودية؟؟ وأننا نشير إلى جهة تنتهي إلى حدود تنهار فيها الأبعاد الفيزيائية، حتى يطفش الخصم من الألفاظ الهلامية.
واضح أن مفهوم المكان نفسه معقد جدا، فلماذا يتكلمون في الأمر أصلا، ومن أين هذه الطمأنينة الظاهرة أنهم هم أهل توحيد الذات وتوحيد الصفات، ومنها الصفات الذاتية الواضحة عن اليد والقدم والاستواء والفوقية التي يفهمها الإنسان العادي بلا تكلف؟؟
عند عتبة علم الفلك والفيزياء تتحطم سيوف قوم كانوا يفتون بضلال من يقول: الأرض كروية، وأنها تدور وهكذا. بناء على تحكم في التفسير يرهب بالتكفير من يخالفه، وحتى لو تراجع واحد عن فتوى فالطريقة الفكرية هي هي.. وهي مؤهلة لتنتج نفس النتائج في أرض أخرى وفي مسائل من نفس النوع.
لاداعي للتعقيد
المكان أو الفضاء طول وعرض وارتفاع. والسماء الفلكية بأبعادها الثلاثة هي مسرح لانتشار الأشعة الضوئية. فلو كان هناك فضاء مطلق لسرى فيه الشعاع حتى تضعف طاقته ويكون من ثم الظلام التام. ولقد ثبت من الأرصاد أن الشعاع الضوئي لايمكنه أن يعرف الاستقامة المطلقة، بل هو يضطر أن ينحني منجذبا أو منحرفا عندما يمر قريبا من جرم كوني ثقيل كالشمس، وليس هناك شعاع لن يمر يوما أو لحظة قرب جرم أو آخر. وهكذا تضطر كل أشعة الكون لصنع أقواس انحناء، وللانحصار في منطقة أثقال المجرات، ويضطر الفضاء بالتالي للانحناء على نفسه، في برهنة على محدودية المكان.
تلك هي اللبنة الكبرى في النظرية النسبية العامة التي مافئت تتأكد معالمها قدما على أيدي عديد من علماء العالم كله دون تراجع. لتبين أنها مما أرانا الله من الآيات في الآفاق.
والله يوسع السماء التي هي ظرف النجوم، ومسرح انتشار الأشعة: ( وإنا لموسعون)، وقد ثبت من الأرصاد أيضا أن الكون يتوسع.
فمن الواضح من جمع النصوص والعلوم إذن أن الله يخلق المكان ليتوسع فيه الكون المخلوق.
مكاننا مرتبط بنا
الله كان، وهو كائن، لكنه كائن ذو وجود ثابت لذاته.
وسبحانه وتعالى.
ولكن الكون والوجود المقصود في الحوار هو الكينونة المخلوقة، والكائن المخلوق.. والمكان مصدر ميمي لفعل كان، ويحتمل أن يكون معناه الكينونة ذاتها، أو مكان التكوين، أو زمانه لو تم تصور كسر عينه ( مفعل "مثل مغرب" بكسر العين تصلح أيضا كاسم زمان، لأن فعل كان أجوف فلايظهر على ألف كلمة : مكان، أي حركات، مما يجعلها تحتمل الزمان والمكان وفحوى المعنى كالمصدر الميمي )
من الناس من هو مستعد لرص الكلمات حول المكان الوجودي والعدمي ونقل عبارات لعلماء سابقين ودون اعتبار لما أرانا الله في الآفاق وفي أنفسنا.
والبعض
الأمر ليس ببساطة كما يحاول البعض تصويرها.
الله تعالى مستو متربع على عرشه، ولكن لايمكن القول أنه تعالى ليس على الأرض.
وكذلك الرحمن يقضي بقضائه من فوق سبع سماوات ولايمكن القول أن السماوات السبع تحت الله.
ويتساءلون أن المكان مرتبط بوجود الشيء نفسه ليس له وجود مستقل:
عند هذه أقول لهم مما علمني ربي أنه لو أريد اعتبار سماء العز مكانا لله فهي مكانه، كمصدر ميمي، وهي مكانه الذي هو هو مكانته، هنا يلتقي المكان والمكانة دون تناقض، وهي سماء فوق السماوات الفلكية من قبل أن تخلق تلك السماوات.
مهندس فتحي عبد السلام
فجر الجمعة
الرسالة الثالثة من أحد الإخوة في منتدى التوحيد.
بسم الله .. والحمد لله ..
حضرة المهندس فتحي عبد السلام.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
قرأت ما كتبته حضرتك في الرد على خطابي إليك من منتدى التوحيد ، وقد بان لي – والله المستعان – أن الهوة واسعة جدًا سيدي الفاضل المحترم بين ما تعرضه من أفكار واعتقادات وما هو ثابت في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الصحيحة وفي آثار الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين المشهود لهم بالعلم والدين وسلامة العقيدة .
وهذا يرجع إلى كون حضرتك لا تنطلق في اعتقاداتك من الكتاب والسنة ابتداءًا كما يُفترض أن يكون الأمر عندما يتعلق بالعقيدة أو الشريعة أو الدين بوجه عام ، بل تنطلق حضرتك من عقلك ابتداء ثم تكرّ على الآيات والأحاديث تخضعها لعقلك وما رسمه لك أو رسمته له ، فتكون الآيات والأحاديث والآثار خاضعة لفهمك وفكرك لا العكس، كما هو المفترض من كل مسلم حتى صار العرش وقوائمه والملائكة التي تحمله والكرسي - عند حضرتك – ليست مخلوقات حقيقية كما أخبر الله ورسوله بل هي صفات الله وكمالاته وتجلياته وهي تمكين الملائكة من توصيل الرسائل وأن أجنحتها هي ملكات التوصيل!
وهذا من التأويل المذموم الذي يرد النصوص لمخالفتها عقل المرء رغم أن العقل لا يحيل أن يخلق الله عرشًا كبيرًا تكون له السموات والأرض كحلقة في فلاة كما ورد في الحديث وأن تكون له قوائم تحملها الملائكة وأن يخلق الله أجنحة للملائكة ، فهذا ليس من المحال على الله أن يخلقه ، فلا مبرر لرده ورفضه ونقضه في سبيل تأويل باطني من جنس تأويلات أهل البدع.
وبهذا المسلك – أي: مسلك التأويل الفضفاض – لا تكون لنصوص الكتاب والسنة أي حقيقة ، بل هي كلها مجازات بعيدة واستعارات واسعة ، أو على الأقل ثمانين في المائة منها كما قلت حضرتك ، ومعلوم أن الله تعالى لا يخاطب عباده وكذلك الرسول لا يخاطب أمته إلا بما يفهمونه ويعرفونه من كلامهم ولغتهم ، لا بما تشق فيه الفهوم وتجهد فيه الأذهان لأن مهمة الرسل هي دعوة الناس بمنتهى الوضوح وأفضل البيان ، وإلا فمن السهل على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبين لقومه إن عرش الرحمن هو قلب المؤمن وأن قوائمه هي الربوبية والرحمانية والرحيمية والمالكية وأن الملائكة هي موصلات لهذه التجليات الإلهية وأن أجنحتها هي ملكات التوصيل ، كان من الأكثر سهولةً ووضوحًا وبعدًا عن اللبس أن يبين رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الكلام لقومه بلا عسر ولا مشقة ، فلماذا يُعلّم الرسول قومه أن العرش من مخلوقات الله وأنه أكبرها وأعلاها وأنه تعالى على العرش وفوقه ، وأن له قوائم تحملها الملائكة ولكل منها عدد كذا وكذا من الأجنحة ؟! لماذا يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا رغم أن المعنى الباطني الذي اقترحته حضرتك ليس من الصعب التعبير عنه أو إفهامه أو إيضاحه ؟ هل يرغب الرسول أن يضل الناس ؟ هل يشتتهم بهذا الكلام الغيبي رغم أن حقيقته شيئًا بعيدًا تمامًا عن ظاهره ؟ هيهات يا حضرة المهندس حاشا لله !
وبطلان تأويلك يا سيدي المحترم واضح لا يحتاج إلى مزيد بيان لأن العرش سرير محسوس له ظل كما في حديث "سبعة يظلهم الله في ظل عرشه" ، وهو محمول ومحفوفة به الملائكة كما يدل عليه قول الباري جل في علاه: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة : 17] وقوله عز وجل : ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [غافر : 7] وقوله سبحانه : ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر : 75].
فالعرش أعظم المخلوقات ، وقد كان موجودًا قبل خلق السموات والأرض كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود : 7] . وله قوائم كما في حديث :"فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش" . فهل قلب المؤمن هو الذي كان على الماء قبل خلق السماوات والأرض ؟! أو أنه الذي تحمله الملائكة وتحف من حوله ؟!! أو هو الذي أخذ موسى عليه السلام بقائمة من قوائمه الربوبية والرحمانية والرحيمية والمالكية ؟!!!
ثم إن حضرتك بدأت ردك بمقدمة طويلة أفصحت فيها عن بعض عقائدك من جنس قولك إن ذات الله هي عين صفاته وإن جمال الله هو كماله هو جلاله ، وهذا كلام غير مستقيم لأن حقيقة الذات غير حقيقة الصفات ، وحقيقة كل صفة غير حقيقة الصفة الأخرى ، فلا يستقيم في العقل أن تكون هذه الأشياء كلها واحدًا رغم اختلاف حقائقها ، وهذه عقيدة معروفة لدى المعتزلة الذين ينفون صفات الله تعالى ولا يثبتون منها إلا أسمائها فقط دون حقائقها ، حتى أن ذات الله عندهم ليس لها صفات حقيقية ، لكنهم يطلقون الأسماء على الله لفظًا لا حقيقيةً ، لأن عندهم الله ليست له صفات وإلا نتج عن هذا تعدد القدماء ، وهذا موقف نظري بحت اعتنقه المعتزلة ، والعقل لا يحيل أن يكون الله تعالى ذاتًا متصفةً بالصفات كالسمع والبصر والعلم والقدرة والخلق والحياة وغيرها ، وأن تكون هذه الصفات حقيقية ولها حقيقة في ذات الله ، ومعروف أن الناس لا تقول لمن تعددت صفاته وأسمائه أنه أكثر من واحد أو أنه متعدد ، بل هو واحد ، أما المبالغة في التوحيد إلى درجة نفي صفات الله وإثبات أسمائها فقط دون حقائقها ومعانيها الثابتة له في الكتاب والسنة فهذا من التجاوز والعدوان .
ثم إن حضرتك تقول إن التنزيه ليس عارًا ، وهذا حقٌ لا مرية فيه ، إنما العار هو التحريف والتأويل الباطل والإعراض عن كلام الله ورسوله ، ثم محاكمة القرآن والأحاديث إلى عقولنا تقبل وترد ؛ فهذا فيه من الإذلال للدين ولنصوصه ما فيه، فإن العقيدة مرجعها إلى كتاب الله وسنة رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم لا إلى أهواء الناس وأقيستهم ، وأنه ليس هناك أعلم بالله من الله ، ولا من الخلق أعلم به من رسول الله صلى الله عليه وسلم . كما أنه ليس هناك أنصح للأمة ولا أحسن بيانًا ولا أعظم بلاغًا منه صلى الله عليه وسلم .
فإذا ثبت وصف الله عز وجل بشيء من الصفات في كتابه الكريم أو ثبت ذلك في سنة نبيه المصطفى الأمين وجب على المسلم اعتقاد ذلك وأنه هو التنزيه اللائق بذاته جل جلاله . ثم إن أصحاب رسول الله رضي الله عنهم لم يجهلوا معاني صفات الله تعالى ولا ارتابوا في وصف الله عز وجل بها، بل ولا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء منها، وهم الذين سألوه عن الأنفال واليتامى والأهلة والخمر والميسر والمحيض وغيرها، ولا يجوز لنا أن نفهم أن العلم بأمر المحيض أعظم شأنًا وأجلّ مكانةً عند الصحابة من معرفة صفات الله التي هي أعظم أسباب محبته وإجلاله، قال أبو المعالي الجويني : "والذي نرتضيه رأيًا ، وندين الله به عقيدةً ، اتباع سلف الأمة . والدليل القاطع السمعي في ذلك أن إجماع الأمة حجة متبعة ، فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوَّغًا أو محتومًا لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشرع ، وإذا انصرم عصر الصحابة والتابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك هو الوجه المتبع" .
ففي باب التوحيد من صحيح البخاري تقرأ :
باب ﴿وكان عرشه على الماء﴾ ﴿وهو رب العرش العظيم﴾ قال أبو العالية : استوى إلى السماء ارتفع ، فسواهن : خلقهن . وقال مجاهد : استوى : علا على العرش.
وتجد فيه أيضا :
باب قول الله تعالى : ﴿تعرج الملائكة والروح إليه﴾ وقوله جل ذكره ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ وقال أبو حمزة عن ابن عباس: بلغ أبا ذر مبعث النبي صلى الله عليه وسلم فقال لأخيه: اعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء . وقال مجاهد: (والعمل الصالح) يرفع الكلم الطيب. يقال: (ذي المعارج) الملائكة تعرج إلى الله.
ومثل هذا كثيرٌ جدًا حتى قال الإمام القرطبي في تفسيره : "لم ينكر أحدٌ من السلف الصالح أن الله استوى على عرشه حقيقةً" .
ولي يا سيدي الفاضل أن أتعجب من قولك : "الذين ليس عندهم وقت لنذر حياتهم لله والوفاء ببيعة الإسلام أن مالهم والنفس والحياة والموت والصلاة والنسك لله، والذين ليس لديهم وقت ليكونوا ربانيين بما كانوا يعلمون الكتاب ويدرسونه، هؤلاء عليهم أن يكتفوا بعموم الإيمان وأن يمرروا الآيات التي تخص شئون الله كما جاءت، وليس لهم أن يدرسوا للناس عقائد الإسلام لأن هذا ليس حقا لهم.
وليس لهم أن يلزموا الله أن تتنزل معاني كلامه الأعلى على قدر استغنائهم، ومشاغلهم، وإعراضهم عن عظمة بيان لغة القرآن، وعلى قدر وضعهم همهم في دنياهم تحت حجج شتى سيقضي الله فيها بقضائه الحق يوم القيامة، يوم يقول الحق أنه قد هدى السبيل، ويقول لهم لقد جعلت الكون خادما لكم بكل نشاط وتركيز واستكثرتم عليّ أن تـنقعوا النفس في شلال نوري، ثم في غمرة الكسل تريدون أن ترغموا قرآني أن يجاري كسلكم."
فهذا الكلام عن هؤلاء القوم الكسالى الذين لم يوفّوا ببيعة الإسلام المعرضين عن عظمة القرآن ينطبق أشد الانطباق على صحابة رسول الله رضوان الله عليهم أجمعين وتابعيهم وتابعي تابعيهم من أهل القرون الثلاثة الأولى بما فيهم الأئمة الأربعة ومشايخهم وأقرانهم التي قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" ، فهؤلاء هم الذين أعرضوا عن التأويل الفضفاض الذي تدعو إليه وتمسكوا بظاهر كلام الله عز وجل وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم .
قال الإمام الذهبي رحمه الله : " هذه الصفات من الاستواء والإتيان والنزول قد صحت بها النصوص ، ونقلها الخلف عن السلف ، ولم يتعرضوا لها برد ولا تأويل ، بل أنكروا على من تأولها مع إصفاقهم (اجتماعهم) على أنها لا تشبه نعوت المخلوقين ، وأن الله ليس كمثله شيء ، ولا تنبغي المناظرة ولا التنازع فيها ، فإن في ذلك محاولة للرد على الله ورسوله ، أو حومًا على التكييف أو التعطيل" .
وقال كذلك رضي الله عنه : " قد فسر علماء السلف المهم من الألفاظ وغير المهم ، وما أبقوا ممكنًا ، وآيات الصفات وأحاديثها لم يتعرضوا لتأويلها أصلا ، وهي أهم الدين ، فلو كان تأويلها سائغًا أو حتمًا لبادروا إليه ، فعلم قطعًا أن قراءتها وإمرارها على ما جاءت هو الحق ، لا تفسير لها غيرُ ذلك ، فنؤمن بذلك ونسكت اقتداءًا بالسلف ، معتقدين أنها صفات لله تعالى استأثر الله بعلم حقائقها (يعني كيفيتها) وأنها لا تشبه صفات المخلوقين ، كما أن ذاته المقدسة لا تماثل المخلوقين . فالكتاب والسنة نطق بها ، والرسول صلى الله عليه وسلم بلّغ ، وما تعرض لتأويل مع كون الباري قال :﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ النحل : 44]، فعلينا الإيمان والتسليم للنصوص ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم" .
أَفَتَرَى زينبَ بنْتَ جحشٍ رضي الله عنها حين تقول للرسول صلى الله عليه وسلم : "زوجنيك الرحمن من فوق عرشه" وفي رواية :"إن الله أنكحني في السماء" لا تعرف معنى أن الله في السماء فوق العرش ؟ أو أن عائشة رضي الله عنها حين قالت في شأن قتل عثمان: "علم الله فوق عرشه أني لم أحب قتله" لا تعرف أين ربها بل تفوض معنى ذلك ؟ أو ليس عبد الله بن عباس هو الذي قال لها رضي الله عنهما: "كنتِ أحبَّ نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن يحب إلا طيبا ، وأنزل الله براءتك من فوق سبع سموات" ؟
أو أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال لخولة بنت ثعلبة : "هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سموات" أو حين استقبله الناس بالشام وأشاروا له أن يركب بِرْذَوْناً يلقاه عظماء الناس فقال لهم : أريكم ههنا ؟ إنما الأمر من ههنا ! وأشار إلى السماء . أتظن أنه لا يعرف أين ربه؟.
أو أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حين قال : "العرش فوق الماء والله فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمالكم" يفوض معنى أن الله فوق العرش ؟!.
بل الأحاديث النبوية الصحيحة تؤكد أن الرسول صلى الله عليه وسلم عرف معنى الصفات وأثبتها لله تعالى وعلّم أصحابه هذا الإثبات، ومن الأمثلة على ما نحن بصدده من إثبات العلو والاستواء ما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم :"ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء ؟"، وما أخرجه مسلم من طريق أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها زوجها" ، وما أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم : "الراحمون يرحمهم الرحمن ، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"، والأحاديث النبوية في ذلك كثيرة جدًا وكذلك أقوال الصحابة والتابعين وسائر علماء المسلمين .
وقد ورد عن الإمام أبي حنيفة من طرق تكفير من نفى أن الله في السماء ، قال : لأن الله تعالى يقول : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه : 5] وعرشه فوق سمواته، وثبت عن مالك أن الله في السماء وعلمه في كل مكان، وعن الإمام الشافعي : القول في السنة التي أنا عليها ، رأيت أهل الحديث عليها ، الذين رأيتهم مثل سفيان ومالك وغيرهما : الإقرار بشهادة أن لاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله – وذكر أشياء – ثم قال : "وأن الله فوق عرشه في سمائه، يَقْرُب من عباده كيف شاء ، وينزل إلى سماء الدنيا كيف شاء". وذكر سائر الاعتقاد، وأما أحمد بن حنبل فالنقل عنه في هذا كثير، بل له كتاب "الرد على الجهمية" الذي بيّن فيه معتقده الموافق لما عليه الصحابة والتابعون من إثبات صفات الباري جل وعلا على ما يليق بجلاله، ومنه ما نقله ولده حنبل حيث قال : سألت أبا عبد الله عن معنى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد :4] و ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة :7] فقال : علمه محيط بالكل ، وربنا على العرش بلا حد ولا صفة .
أما اعتبار علو الله هو علو المجد والجلال والعزة والقهر والغلبة فوق خلقه، فهو معنى لا ننفيه لكننا نقول أيضًا أن العلو الحقيقي الذي يشار إليه بالأصابع مقصودٌ بالدرجة الأولى لأنه هو الحقيقة، ثم يأتي علو المجد والعزة وعلو القهر والغلبة في المرتبة الثانية ، والدليل على ذلك هو ما ذكرته لحضرتك من كون المعنى الأصلي هو الحقيقة لا المجاز ، كما أن قرائن الكلام تفيد الحقيقة كقوله صلى الله عليه وسلم "على عرشه فوق سماواته" وقول الصحابة كذلك وزوجات النبي رضى الله عنهم وعنهن أجمعين ، وكذلك إشارة النبي صلى الله عليه وسلم بإصبعه إلى السماء في خطبة الوداع وهو يقول "اللهم إشهد" ، فهذه كلها دلائل – وليست مجرد قرائن – تفيد المعنى الحقيقي للعلو لا مجرد معنى المجد والعزة والجلال ، يُضاف إلى هذا كله ما استقر في فطرة الناس من كون الله في السماء حقيقةً وعندما يقول الله في كتابه إنه في السماء فإنه يكلمهم بما يفهمون ويعرفون من كونه في السماء لا بما يتأوله المتأولون ، ومعلومٌ أن بلاغ الرسول صلى الله عليه وسلم وبيانه هو خير البلاغ وخير البيان ، وأن مهمته كنبي مرسل من عند الله هو أن يبين للناس ما أنزل إليهم من ربهم ، فإن كان كلامه وتقريره ليس بالبليغ المبين وأنه إنما يقصد مجازات بعيدة وتأويلات متكلفة كالتي تقولها يا سيدي الفاضل كان لم يوف بوظيفة البلاغ والبيان ، وفي هذا من الطعن بالدين ما فيه كما لا يخفى على حضرتك .
ويصب في نفس النهر ما ذكرته من كون قوله عز وجل (يد الله فوق أيديهم) يعني أنه حاضرٌ معهم يسمع أقوالهم ويرى مكانهم ويعلم ضمائرهم وظواهرهم ، فهذا لا ننازع فيه ، لكن نضيف كذلك أن في هذا النص إثبات اليد لله العلي العظيم كما يقول الملك أو الأمير "إن هذه المملكة كلها بيدي" ، فهو يعني أنها تحت ملكه يتصرف فيها كما يشاء، لكن هذا التعبير لا يصح منه إن كان أبتر اليدين أو بدونهما ، كذلك في كلام الله ورسوله عن الصفات الخبرية من يد وعين ووجه وغيرها، فالفرق بيننا هو أن حضرتك تنفي هذه الصفات ونحن نثبتها ، ولا نتنازع معك في كون معنى الكلام أن الله يسمع أقوال المؤمنين ويعلم ضمائرهم أو أن معنى كذا هو أنه يحمي رسله أو يرعى خلقه ، فهذه معان صحيحة لا ننازع فيها ، إنما محل النزاع هو في إثبات صفات الله كما وردت في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ، ومعلومٌ أن من أثبت الصفات الواردة في الكتاب والسنة أقرب للحق ممن ينفيها وينكرها ، فإن في إنكارها ونفيها تكذيبٌ للقرآن والأحاديث.
وتذكر يا سيدي الفاضل أن اليهود عندما قالوا عن الله عز وجل إن يده مغلولة لم يكن الرد بأنه ليس له يد أيها الحمقى أو أنه يتنزه عن أن يكون له يد ، بل كان الرد هو أن يداه مبسوطتان ، فلو كان في إثبات اليد منكر لأنكره الله ولأنكره رسوله ، ومن المعروف أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ، والحاجة إلى معرفة الله الصحيحة لا تبرح داعيةً في كل زمان ومكان ، ولو أخر الله البيان عن إنكار اليد لوقت آخر لكان في هذا تكليفًا بما لا سبيل إليه . كذلك فإن ما تدعو إليه من تأويلات ومجازات فضلاً عن نفي للصفات الثابتة في الكتاب والسنة لم يعلمه الرسول صلى الله عليه وسلم لصحابته ، فإما أن يكون قد علِمها وكتمها أو لم يعلمها أو علِمها وعلّمها للخاصة من صحابته دون عامتهم ، فما بالنا لا نرى أثر ذلك في كلام خاصة الصحابة كعمر وعلي وابن مسعود وابن عمر ، بل إن علي رضي الله عنه عندما سئل عن ميراث النبي صلى الله عليه وسلم لآل البيت من دون الناس قال إنه لم يترك إلا صحيفة فيها أسنان الإبل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر .
ثم إن ما تذكره حضرتك من معان ومجازات وتأويلات ليس فيها ما يبعد عن فهم العامة من الناس، ككون الله يسمو في سماء المجد والعز، أو أن قلب العبد المؤمن عرشٌ للرحمن، أو أن للملائكة ملكة توصيل الرسائل من الله إلى خلقه، أو أن قوائم العرش ربوبية ورحمانية ورحيمية ومالكية وغيرها مما ذكرت في خطابك ، فلماذا لم يبينها الله ورسوله بأيسر سبيل وأقصر طريق بدلاً من هذا المنطلق الوعر الذي سلكته يا سيدي الفاضل ، بل ها أنت حضرتك تكتب هذا الكلام وتنشره بين الناس في مدونتك الخاصة ، ولو كان عسيرًا على الفهم والاستيعاب ما كان لقاريء كلامك أن يفهم قصدك .
ثم إن قصور عامة الناس من الكسالى المعرضين عن إدراك التأويلات التي تدعو إليها إما أن يكون نقصًا في الفطرة أو عدمًا لأسباب التعلم ؛ أما نقص الفطرة فليس له حد ، وفي الناس من ينقص عن فهم ما يفهمه جمهور الناس ، ومن البيّن الواضح أن التأويلات التي تضعها يا سيدي ليس فيها ما يبعد عن فهم عامة الناس وجمهورهم كما ذكرتُ لحضرتك ؛ وأما عدم أسباب التعلم فلماذا لم يعلّمها رسول الله صلى الله عليه وسلم لصحابته وهو المعلم الأعظم الذي علمهم الكتاب والحكمة ، وقد نقلهم عن كل عادة سيئة إلى أحسن العادات والسير والشرائع ، فإن كان التصريح بهذه الأمور مشروطًا بشروط لا بد أن تتوافر في المعلم والمتعلم فلا أفضل من هذا المعلم ولا من هؤلاء المتعلمين ، فهلا علّمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيّنها ؟ ثم هب أن العامة لا يمكنهم فهمها فهلا بيّنها للخاصة ؟ ثم كيف بهذا سيدي الفاضل وقد علمت أن في الكتاب والسنة تصريحٌ بها هو مخالف لتأويلاتك من القول بأن الله في السماء وأنه فوق سماواته وعلى عرشه والإشارة بالإصبع إلى أعلى أمام الخلائق في حجة الوداع وسؤال الجارية أين الله فلما أجابت بأنه في السماء أقرها وشهد لها بأنها مؤمنة ، فإن كان كل هذا التصريح مخالفًا للحق مع تكراره مرة بعد مرة وتنويعه بين القول والفعل والإقرار أفلا يكون هذا تلبيسًا وإضلالاً ؟
إنما الحق الذي لا مرية فيه يا سيدي الفاضل أن الواجب إثبات ما أثبته الرب لنفسه أو أثبته له نبيه صلى الله عليه وسلم بلا نفي أو تعطيل أو تأويل ، وهذا مع تنزيهه أن يشبه أحدًا من خلقه ، وهذا ما عليه أهل السنة والجماعة .
قال الشهرستاني : "فأما أحمد بن حنبل وداود بن علي الأصفهاني وجماعة من أئمة السلف فجروا على منهاج السلف المتقدمين عليهم من أصحاب الحديث مثل مالك بن أنس ومقاتل بن سليمان وسلكوا طريق السلامة فقالوا: نؤمن بما ورد في الكتاب والسنة ولا نتعرض للتأويل بعد أن نعلم قطعاً أن الله عز وجل لا يشبه شيئاً من المخلوقات وأن كل ما تمثل في الوهم فإنه خالقه ومقدره" ( الشهرستاني ، الملل و النحل ص604 )
وقال ابن خزيمة في كتابه (التوحيد) : "فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز واليمن والعراق والشام ومصر مذهبنــا: أن نثبت لله ما أثبته الله لنفسه نقر بذلك بألسنتنا ونصدق بذلك في قلوبنا من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين وعز ربنا أن نشبهه بالمخلوقين ، وجل ربنا عن مقالة العاطلين وعز أن يكون كما قال المبطلون" ( ابن خزيمة ، التوحيد و إثبات صفات الرب ج1 ص26 )
قال ابن قدامة المقدسي : "وعلى هذا درج السلف والخلف رضي الله عنهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله من غير تعرض لتأويله وقد أمرنا بالاقتفاء لآثارهم والاهتداء بمنارهم وحذرنا المحدثات وأخبرنا أنها ضلالات" ( ابن قدامة المقدسي ، لمعة الاعتقاد ص4 )
وقال ابن عبدالبر : "أهل السنن مجمعون على الإقرار بهذه الصفات الواردة في الكتاب والسنة ، ولم يكيفوا شيئاً منها" ( ابن حجر العسقلاني ، فتح الباري ج13 ص407 )
وقال الإمام الترمذي في سننه في باب فضل الصدقة : "ما ثبت بهذه الروايات فنؤمن بها ولا نتوهم ولا يقال كيف هذا ، هكذا روي عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وعبدالله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أَمِرُّها بلا كيف ، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة"
أما تفسير ابن عباس رضي الله عنهما للكرسي بالعلم ، فهو وارد فعلاً في كتب التفسير وعنه – أي: ابن عباس – أيضًا أن الكرسي موضع القدمين ، فلماذا أخذت هذا وتركت ذاك ؟ ما هو المعيار الذي قبلت به حضرتك هذا الأثر عن ابن عباس ورفضت به نظيره عنه نفسه ؟ بل إن هناك عدد من الأحاديث النبوية وجملة من الآثار عن الصحابة والتابعين تفيد أن الكرسي مخلوقٌ من مخلوقات الله بين يدي العرش وأن السماوات والأرض في جوفه ، وهي مذكورة عند ابن كثير في التفسير كما تعلم ، فلماذا أعرضت حضرتك عنها مع ما هو معلومٌ من كون العلم في الغيبيات كالكرسي والعرش مرجعه إلى الله ورسوله في المقام الأول ، وأنه إذا تعارض الحديث النبوي مع قول الصحابي ضربنا بقول الصحابي عرض الحائط ؛ فإن العلم هو ما قال الله وقال رسوله، إلا أنني لا أخفي فضولي البالغ لمعرفة السبب الذي جعلك يا سيدي الفاضل تنتقي هذا الأثر عن ابن عباس دون غيره من كلام النبي والصحابة والتابعين ، بل ودون الرواية الأخرى عن ابن عباس نفسه، هل غرض العلم بالدين ودراسة التفاسير وكتب العلماء هو معرفة مراد الله واتباعه والسمع والطاعة مع مجاهدة النفس ومحاربة الهوى ودفع الشيطان والصبر على هذا أم الغرض هو التنقيب عما يؤيد رأيي ويوافق هواي ورد ما يخالف ذلك ؟ ولا مفر لك يا سيدي الفاضل من الاعتراف بأنك اخترت هذا الأثر واعتنقته إيثارًا للهوى على الحق لأن فيه ما وافق هواك ، وأنك أعرضت عن كلام النبي صلى الله عليه وسلم في نفس الأمر لمخالفته عقلك وقياسك وهواك . فأين السمع والطاعة ؟ وأين البيعة ؟ وأين إسلام الوجه والعقل والنفس لله ؟
ورد حضرتك لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الكرسي هو من جنس ردك لإشارته إلى الله بإصبعه إلى أعلى في حجة الوداع في هذا المجمع العظيم الذي لم يجتمع مثله عندما قال لجموع الناس "وأنتم تُسألون عني ، فماذا أنتم قائلون ؟" قالوا : نشهد أنك بلغت وأديت ونصحت ، فرفع إصبعه الكريمة إلى السماء قائلاً : "اللهم اشهد" تحقيقًا لإثبات صفة العلو لأن الرب الذي يستشهده فوق العالم مستو على عرشه ، ونحن كذلك ينبغي علينا أن نشهد أنه قد بلغ وأبان ووضح فما ترك غامضًا ليؤوله أحدٌ من دونه صلى الله عليه وسلم ، فلا يُحتاج مع بيانه وبلاغه وتوضيحه إلى التأويل والتكلف والحذلقة، بل اسمح لي يا سيدي الفاضل أن أقول إن ردك لإشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أعلى في الدلالة على الله أسوأ وأشنع ؛ لأنك في ردك لكلامه صلى الله عليه وسلم عن الكرسي لجأت إلى رواية عن أحد الصحابة ؛ أما في ردك الإشارة إلى أعلى فقد فعلت إتباعًا لهواك وعقلك وقياسك دون نص أو رواية أو أثر .
أما بخصوص الفيزياء يا سيدي الفاضل ، وما ذكرته عن التعقيد والبعد عن السهولة فإن الأمر باختصار أني لما عرفت أن حضرتك مهندس ذهب ذهني إلى فكرة أن مخاطبة المرء بلغته قد تكون أقرب وأيسر في توصيل المفاهيم والمعاني ، وإلا فإن المسألة يسيرة هينة ألخصها لحضرتك في كلمات قليلة :
فما قلته حضرتك عن إثبات الجهة والمكان لله تعالى مما لم يرد في النص ولم ينطق به الشرع نفيًا ولا إثباتًا ، فنحن كذلك لا ننفي ولا نثبت الجهة أو المكان إلا بعد معرفة المعنى المقصود بهذه الألفاظ على وجه الدقة ، فأنت إن كنت تقصد بالمكان شيئًا مخلوقًا ، فإن الله سبحانه وتعالى ليس في شيء من مخلوقاته ، والمخلوقات لا تحده ولا تحتويه ، بل هو خارج هذا العالم المخلوق تمامًا ومباين له ، أما إن كنت تقصد بالمكان أنه تبارك وتعالى له وجود حقيقي خارج هذا العالم لا داخله ، فهذا ثابتٌ لله تعالى .
كذلك الجهة يا سيدي الفاضل ، فإن كان المقصود بها شيئًا مخلوقًا فهذا لا يجوز في حق الله عز وجل ، أما إن كان المقصود بالجهة علو الله فوق مخلوقاته فهذا معنى صحيح ثابت لله سبحانه وتعالى، وعامة من ينفي عن الله الجهة والمكان والحيز وغيرها إنما تلتبس عنده المعاني الباطلة بالمعاني الصحيحة لأن هذه ألفاظ تحتمل الحق والباطل ، ولم يرد بها الشرع نفيًا ولا إثباتًا ، لهذا وجب التفصيل عند الكلام عنها ؛ فإذا أريد بالمكان العلو فالمعنى صحيح ، وإن أريد به مكان ما بين المواقع فهو خطأ لا يجوز ، كذلك الأمر في الجهة . وبغض النظر عن كون الجهة صفة وجودية أو نسبة عدمية ، فقد أعطيت حضرتك خلاصة الأمر بعيدًا عن "تعقيدات" الفيزياء .
ننتقل الآن لقضية رفع سيدنا عيسى عليه السلام ونزوله آخر الزمان كما وردت في النصوص ، وهذه المسألة يظهر فيها بصورة واضحة المنهج التي تتبعه يا سيدي الفاضل في إنشاء عقائد مبتكرة لم يعرفها أهل الإسلام في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ولا عصر الصحابة رضي الله عنهم ولا عصور التابعين وتابعي التابعين والأئمة الأربعة ومشايخهم وأقرانهم من أهل العلم بالدين ، فحضرتك كما خطّأت المفسرين في مسألة رفع المسيح ، خطّأت كذلك علماء الحديث الذين رووا سبعين حديثًا في نزوله آخر الزمان ثم خطّأت علماء أصول الدين الذين عدّوا نزوله من أشراط الساعة ، فعقلك هذا الذي يتفنن في التبرير المنطقي لكون المسيح لم يرفعه الله حقيقةً يقبل أن المفسرين أخطأوا أو وهموا في تفسير آيتي رفع المسيح وأن المحدثين كذبوا في سبعين حديثًا رووها في نزوله وأن علماء أصول الدين ضلّوا في قبول هذه الأحاديث سندًَا لعدّه عليه السلام من أشراط الساعة .
وأنا بإذن الله أشرع في الرد على ما ذكرته من تبرير منطقي لعدم رفع المسيح عليه السلام إلى السماء ، فإن العقل لا يمنع أن يرفع الله أحد أنبيائه إلى سمائه ، فهذا في العقل جائز غير مستحيل ، وقد أرسل الله لنا الرسل وأنزل إلينا الكتاب ليحكم بيننا فيما نختلف فيه ، وأنا لا أحاكم الله وأقول كان الأفضل أن يفعل كذا أو كذا لأن هذا استدراكٌ على الله واعتراضٌ على حكمته البالغة التي لا تدركها عقولنا ، فأنا منطلقي في الاحتجاج ليس هو التكلف العقلي والتحذلق المنطقي لأن الله قد كتب في كتابه وأوحى إلى نبيه الحق فلا نعدل عنه إلى غيره أبدًا ، وأدعو الله أن نكون جميعًا من الذين يخضعون رقابهم وأرواحهم وأنفسهم للكتاب والسنة وليس العكس .
فإن قوله تعالى ﴿بل رفعه الله إليه﴾ [النساء :158] وقوله ﴿وَرافعك إليّ﴾ [آل عمران :55] ظاهران في الرفع الخاص الذي يمتاز به عيسى عليه السلام ، لا رفع الروح العام لجميع الأنبياء والسعداء كما زعمت ، فإن تعقيب قوله تعالى ﴿وَما قتلوه وما صلبوه﴾ [النساء :157] بقوله ﴿بل رفعه الله إليه﴾ [النساء :158] قطعي في الرفع الذي نقول به ، لا الرفع الذي تقول به ، إذ لا معنى يليق بالبلاغة القرآنية المعجزة في القول إنهم ما قتلوه بل رفع الله روحه إليه ، ففي هذا من الركاكة والسخافة ما فيه ، فضلاً عن عدم وقوع التقابل بين القتل المنفي والرفع المثبت لأن ما يلي (بل) يجب أن يكون ضد ما قبله ، كما صرح النحاة أن (بل) بعد النفي أو النهي تجعل ما بعدها ضدًا لما قبلها ، فهذا اعتراضٌ ليس له عندك جواب .
أما آيات التوفي التي تتمسك بها فليس فيها من التأييد ما يعادل في القوة الاعتراض الذي سقته في الفقرة السابقة ؛ لأن المعنى الأصلي للتوفي المفهوم منه مباشرة ليس هو الإماتة كما تحسب ، بل معناه أخذ الشيء وقبضه تمامًا كما في قوله تعالى ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور :39] وقوله ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر :10] فالتوفي والاستيفاء في اللغة بمعنى واحد كما في مختار الصحاح ، وإنما الإماتة التي هي أخذ الروح نوع من أنواع التوفي الذي يعمها مع غيرها لكونه بمعنى الأخذ التام المطلق . ومنشأ الغلط عند من ظن أن التوفي معناه الإماتة هو كون الناس قد درجوا على استعمال التوفي بهذا المعنى غفلةً عن معناه الأصلي العام ، ولو راجعت كتب اللغة لوجدت الزمخشري في أساس البلاغة يذكر معنى الإماتة في الدرجة الثانية بعد قوله (ومن المجاز) لأن المعنى الأصلي للتوفي المتبادر إلى ذهن العارف بالعربية هو أخذ الشيء تمامًا ولا اختصاص له بأخذ الروح دون غيرها .
وبهذا يكون معنى قوله عز وجل ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران :55] أني آخذك من هذا العالم ورافعك إليّ ، وفي قوله ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بعد قوله ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ دلالةٌ إضافيةٌ على عدم كون معنى توفيه إماتته ؛ لأن تطهيره من الذين كفروا بإماتته وإبقاء الكافرين لايكون تطهيرًا يشرفه كما في تطهيره برفعه من بينهم حيًا إلي السماء ، ثم إن سياق الآيات هو في مقام طمأنة عيسى عليه السلام الذي تآمر أعداؤه ضده ، فلا يكون من المناسب في هذا السياق أن يطمئنه الله تعالى بأنه مميته وقابض روحه كما تزعم يا سيدي الفاضل ؛ فهو كأن تطمئن من هو مهددٌ بالقتل من قبل أعدائه بأنك ستميته وتقبض روحه في المقابل !! فهذا المعنى في هذا السياق غايةٌ في البعد والشذوذ كما لا يخفى .
بهذا يظهر سيدي الفاضل أن ما تزعمه من فهمٍ أو تفسيرٍ لا يمكن أن يقبله العقل على أنه مفهومٌ من النص القرآني، إنما هي تأويلاتٌ تُرتكب لإخضاع القرآن إلى أغراضٍ مخصوصةٍ وإمالته إلى أهواءٍ معينةٍ، ولا تحسبن يا سيدي أن هذه التأويلات المتكلفة تفيد في استمالة أعداء الإسلام إلى الإسلام أو تخفيف غلواء تعصبهم له، لأنهم يعرفون القرآن والسنة وما فيهما فلا يقبلون تبرؤكم من الآيات والأحاديث على أنه تبرؤ الإسلام ذاته ، بل يعدونه نفاقًا وتكلفًا ومصانعةً لضعفٍ في الإسلام نفسه ولعيبٍ فيه ، وهل تظن يا حضرة المهندس أن أحدًا من عقلاء الدارسين للإسلام في الغرب يقبل ما تقوله مثلاً في العرش على أنه تفسيرٌ صادقٌ مطابقٌ للآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأقوال الصحابة والتابعين ؟!
منتدى التوحيد.
رسالة م. فتحي عبد السلام القادياني الرابعة.
بسم الله الرحمن الرحيم .الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين.
حضرة صاحب الرسالة المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بالنسبة لعقائد الصحابة فأحمد الله وأصلي على نبيه وأتضرع إلى الله أن يتوفاني في العقيدة والعمل على ما توفى عليه أبا بكر الصديق، وأعوذ بالله من كل عقيدة غيرها، أعلن هذا أمام حضرة الله وعلى ملأ من الأشهاد قبل أن أستهل مناقشتي..
لقد استبشرت بمطالعة جزء من ردكم خاصة قد يقربنا من بعضنا جدا، وذلك عندما وجهت الكلام إليّ عن قضية نسبة الجهة لله تعالى قائلا: وأنا هنا أقتبس نصكم كله.
فما قلته حضرتك عن إثبات الجهة والمكان لله تعالى مما لم يرد في النص ولم ينطق به الشرع نفيًا ولا إثباتًا ، فنحن كذلك لا ننفي ولا نثبت الجهة أو المكان إلا بعد معرفة المعنى المقصود بهذه الألفاظ على وجه الدقة ، فأنت إن كنت تقصد بالمكان شيئًا مخلوقًا ، فإن الله سبحانه وتعالى ليس في شيء من مخلوقاته ، والمخلوقات لا تحده ولا تحتويه ، بل هو خارج هذا العالم المخلوق تمامًا ومباين له ، أما إن كنت تقصد بالمكان أنه تبارك وتعالى له وجود حقيقي خارج هذا العالم لا داخله ، فهذا ثابتٌ لله تعالى كذلك الجهة يا سيدي الفاضل ، فإن كان المقصود بها شيئًا مخلوقًا فهذا لا يجوز في حق الله عز وجل ، أما إن كان المقصود بالجهة علو الله فوق مخلوقاته فهذا معنى صحيح ثابت لله سبحانه وتعالى . وعامة من ينفي عن الله الجهة والمكان والحيز وغيرها إنما تلتبس عنده المعاني الباطلة بالمعاني الصحيحة لأن هذه ألفاظ تحتمل الحق والباطل ، ولم يرد بها الشرع نفيًا ولا إثباتًا ، لهذا وجب التفصيل عند الكلام عنها ؛ فإذا أريد بالمكان العلو فالمعنى صحيح ، وإن أريد به مكان ما بين المواقع فهو خطأ لا يجوز ، كذلك الأمر في الجهة . وبغض النظر عن كون الجهة صفة وجودية أو نسبة عدمية ، فقد أعطيت حضرتك خلاصة الأمر بعيدًا عن "تعقيدات" الفيزياء .انتهى كلامكم.
كلام جميل، أزال الله مابيننا من اختلاف بفضله.. مع ملاحظة خفيفة أن الأين المكاني المعهود مخلوق لايجوز في حق الله، وفعلا المراد بالمكان اللائق بالله لو جاز التعبير هو العلو، والمكان هنا هو تعبير عن (الكينونة التي هي وجود حقيقي ) وهو علو مطلق لايرتبط بحيز مخلوق، وعندما أتساءل مع أولادي وهم يتكلمون عن حيرة في مشكلة، وأقول لهم: وأين الله؟؟ لاأكون متسائلا عن ( أين مكاني فضائي) لأن الفضاء مخلوق كله بكل أبعاده الثلاثة. والمؤمن دائما يعرف أين يجد ربه، وعندما يتوجه إليه يجده فعلا. ويعلم أن عمله الصالح ( عند ربه ) في الحفظ والصون.
وكما قلت َ فالله تبارك وتعالى له وجود حقيقي خارج هذا العالم لا داخله.
لكن أذكرك أنه مع قولنا أن الله متربع على عرشه، فلايمكن القول: أنه تعالى ليس على الأرض. ومع العلم أن كلمة خارج العالم ليست تعيينا لمكان ولا لفضاء.
الصحابة والوعي بالعرش
يقدس القرآن الله عما يصف الواصفون.. ولاذكر لكلمة ( صفة الرحمن ) في الصحيح غير حديث عائشة ( فتح الباري جـ13 /7375) عن تعبير صحابي يقول عن سورة الإخلاص أنها: صفة الرحمن. وماجاء في التراث الإسلامي بعد ذلك عن ( الصفات ) فهو مصطلح يجب الحرص عند استعماله، ولا تلصق كل إضافة للفظ الجلالة إلى تفسير حديدي يقول ( بما وصف الله به نفسه)، ويقصدون ذاته العلية ثم يشتقون مصطلح: صفات الذات، ثم يجعلون لذات الله الجوارح كالأقدام وتعالى الله تعالى الله ..
وهاأنت ترى أنك قد تضيف للذات صفة :الحقو ( وهو منطقة الحوض أو معقد الإزار) وحاشا لله، فتجعل لله خصرا وحاشاه، وذلك من فهم خطأ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه ( فتح الباري جـ8 /4830) أنه : خلق الله الخلق فلما فرغ قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن، فقال له: مه، قالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال ألا ترضين .. ؟؟ الحديث. فالحديث تعبير مفعم بالبلاغة عن خطورة قطع الرحم، والفهم الصحيح للنص أن الرحم تعلقت بالرحمانية، وتشبثت بها كما تشتبك الشجنة ببعضها، والشجنة هي عروق الشجر المشتبكة، وتلك الاستنارة تأتي أيضا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، في حديث أبي هريرة: ( فتح الباري جـ10 /5988) أن : الرحم شجنة من الرحمان، فقال الله: من وصلك وصلته... الحديث, أي أن اسم الرحم مشتق من الرحمن، فتشبثت الأرحام بدعاء الله، كتشبث اسم الرحم بلفظ الرحمن، وهو معنى : شققت لها اسما من اسمي.
وكأن حروف (رحم) بالنسبة لحروف (الرحمان) تقوم مقام الحقو أو الخصر من الجسم الكامل، الذي هو حروف لفظ ( الرحمان): حيث يكون رأسه وصدره هو (ألـ) للشمول والعهد والاستغراق، وحقوه هو (رحم ) وقدماه هما ( الألف والنون) للامتلاء والفيضان وقوة الفوران .. أو يكون الحق هنا أن الحقو من السهم ريشه، والريش هو أذيال السهم، فالتعلق بالحقو بهذا الفهم هو استعارة للتعلق بالأذيال، فالرحم قامت وتعلقت بأذيال الرحمة، وهوبمثابة التعلق بأذيال أستار الكعبة، ومن تعلق بأستار الكعبة تعلق بأذيال رحمة الله.
وهو نفسه معنى أن: الرحم معلقة بالعرش وليس الواصل كالمكافيء.
فهو معنى واحد لاغير يجمع التعلق بالعرش والتعلق بحقو الرحمان أي بالرحمان أي بالرحمانية، أي بصفة الله .. وهو معنى أن العرش = صفات الله تعالى، والتي تتلخص تجلياتها في: الرحمان الرحيم .
وعند تفهم عن النبي صلى الله عليه وسلم متحدثا عن بدء الخلق والعرش، كما هو حديث عمران بن حصين في البخاري ( فتح الباري جـ6 /3190) : فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يحدث بدء الخلق والعرش. فلتحذر يا أخي من التسرع في الاستنتاج، فلقد أدرك عمران رضي الله عنه عموم الكلام ولا يشترط أن نفهم منه أن الترتيب كان قد روعي بالتفصيل.
ويشوش البعض من الناس على نفسه عندما يستنتج ترتيبا ويتصوره محتما من حديث آخر لعمران بن حصين رضي الله عنه :كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السماوات والأرض، فنادى مناد.. الحديث. ( فتح الباري جـ6 /3191) فيجمع عبارة :كان الله ولم يكن شيء غيره، مع عبارة: وكان عرشه على الماء، على أن كل ماذكر بعدهما فقد حدث لاحقا، وهو : وكتب في الذكر كل شيء وخلق السماوات والأرض، فيتخيل أن العرش كان على الماء كوضع مسبق لخلق السماوات، وأن خلق السماوات والأرض كان لاحقا.
هذا وهم من القراءة، والحديث يجمع أمور الخلق بعد أزلية الله دون ترتيب، ولكن آية فصلت ( ثم استوى إلى السماء وهي دخان) تبين أن استواء الله لعمل ما في الخلق يسبق استواءه تعالى لعمل تال، ولذلك استوى الله بأمره، للسماء وهي دخان، وكان باستوائه على عرشه كأن عرشه على السماوات، أي توجهت أوامره وكلمات التكوين لتخليق السماوات والأرض من الدخان، بعد أن سوى الدخان تسوية، وفتقه تعالى كمادة خلق أولى تبدأ في تطورها كالجنين حتى تستوي سماوات وأرضين . والماء جزء من كيمياء السماوات والأرض. وآية هود تبين أن أوامر الله توجهت نحو خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وبعد ذلك كان عرشه على الماء، أي : وكان التالي أنه تعالى استوى إلى الماء وهو ماء بلا حياة، فقال له: فلتكن منك الحياة.
ويساعدك على الاتجاه لهذا الفهم أن تتدبر قول عمران رضي الله عنه بنص: يحدث بدء الخلق1 والعرش2.. فلو كان كلاهما مخلوقا كالوهم الشائع، وأن العرش وجد مخلوقا ثم بدأ الخلق بعده، لقال : يحدث العرش1 وبدء الخلق2، هذا لو كان ترتيب المخلوقات مقصودا في نص حديث عمران رضي الله عنه.
وفي سورة يونس ( ثم استوى على العرش يدبر الأمر) فيفسر الله قوله:استوى الله على العرش، بقوله فورا: يدبر الأمر.. أي تجلت صفاته تعالى عاملة في الكون بعد خلقه. وصفة شمول التدبير وإحكام توصيل الفيض اسمها رب العرش.
إذن فالله ربنا بصفاته العلى يدبر الأمر، فلنبن على ذلك أن كل مسافة تجريها الأجرام، وكل زاوية تدورها كل الأراضي، وكل الشموس في دورانها وجريانها فهي بإذن ومقدار، وهو معنى آية الرعد: ( ثم استوى على العرش؛ وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى؛ يدبر الأمر ) ولايصح إذن أن يفهم أحد خطأ من رواية أبي ذر عن نبي الله صلى الله عليه وسلم ( فتح الباري جـ6 /3199) أن الشمس بعد أن تغرب تذهب حتى تسجد تحت العرش فستأذن فيؤذن لها .. فيفهم حرفيا وبظاهر من القول أن الشمس تغادر المجموعة الشمسية بعد الغروب وتعرج وتخترق السماوات السبع والماء، أو تتوقف تحت الماء تحت ىالعرش وتستأذن ثم تعود من معراجها عند الصباح. لأن علم الفلك ينص أن حركة الغروب دائمة على الأرض بلا انقطاع كل لحظة، ليس فيها فترة لاشروق فيها أو لاغروب. ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين بأسلوب عال عال بليغ بليغ خضوع حركات الشروق والغروب لتدابير الله وإذنه، ودوام قيوميته، وخضوع الكون لقوانين الله الحي وفعله، لالميكانيكية الظاهر الموهومة.
وفي نفس النطاق سنفهم حديث أبي هريرة من قول الرسول صلى الله عليه وسلم ( فتح الباري جـ13 /7404) ( لما خلق الله الخلق كتب في كتابه وهو يكتب على نفسه وهو وضع عنده على العرش أن رحمتي تغلب غضبي)
فليس قوله: لما خلق الله الخلق كتب ، أن كتابة حصلت بعد الانتهاء من الخلق، بل المعنى أنه لما حدث الخلق كان الله من قبله قد قضى في قضائه سبق الرحمة، واختار هذا بكماله، وتفضل فقدر بموجب جماله، وهو معنى: كتب في كتابه.
وصيغة المضارعة في قوله: وهو يكتب على نفسه، تعني أنه الآن لازال شأنه كما كان، كاتبا ذلك وهو شأنه الأزلي، يؤكده قوله: وهو وضع عنده على العرش أن رحمتي تغلب غضبي، والفحوى أن اسمه الرحمان الرحيم هو جماع صبغة الصفات، وخلاصة الفاتحة، وهو ماكتب الله عند فاتحة الخلق، فتنطبق فاتحة فاتحة الكون على فاتحة فاتحة القرآن.
ثم تأمل بعمق الضراعة، ودموع اللوعة شوقا للهداية، مصليا على نبي الله محمد أن البخاري لما وضع عنوانا مقدمة لهذا الحديث عن العرش قال: باب قوله تعالى: وهو العزيز الحكيم، وقوله: سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وقوله: ولله العزة ولرسوله. فما المناسبة عند البخاري بين الأمرين سوى أنه يتكلم عن صفة الله: (رب العرش) مساويا العرش بالعز مبينا أن العرش ليس بمخلوق، وأن لفظ:رب، لم يرد مقرونا بصفة الله إلا في: رب العزة، ورب العرش. فأراد البخاري بيان عقد هذه الصلة هنا، ليبين اعتقاده أن رب العزة هو هو رب العرش، وبالتالي فعرشه هو عزه. وأكد ذلك بتعزيز الآيات للحديث.
ولوعي عقائد الصحابة جيدا فلدينا خزانة ثناء الله عليهم، ومعنى الثناء أن القرآن كان نسيج خلايا مخ كل منهم، وتصير كل آية في القرآن كتقرير عن عقائدهم، وكان رسولهم قرآنا يمشي على قدمين، صلى الله عليه وسلم، وكانوا هم بمثابة جوارحه، فكانت آيات القرآن تروي أحشاءهم بمادة الحياة.
الصحابة رضوان الله عليهم كانوا في الوعي عن الله أفراس السباق السابقة، ولقد تنـزى قلبي ماهو بمثابة الدم وأنت تسقط كلامي عن كسالانا عليهم، وتضعني في صورة من يتنقصهم. فلتخسف بي كل أرض لو كنت أتهم الصحابة أنهم لايفهمون جلال الله وجماله وتوحيده. وتعال نحاول أن نقدرهم.
لايصح الاستهانة بالفاتحة وكنوزها، عندما يقرؤها أنقى خلق الله، وأعلمهم بالعربية، وأقربهم لتشرب أسرار الله من رسولهم، ولاشك في تلك الفيوض والسكينة الرائعة، التي كان الله يجدد للصحابة بركاتها في صلواتهم وهم يتهجدون بكتابه، ويهبهم كلما خشعوا من ثمارها مالم يكتبوه، ولكنهم كانوا يستهلكونه وقودا لسعيهم وجهادهم وتفانيهم في ربهم. فلايغرنك قلة شروحهم.
كانوا قليلي الكلام كثيري العمل ولايجوز سوء الظن بهم، وتطبيق صفات كسالى المتأخرين عليهم ياسيدي العالم، ولاتوقعني في الصحابة وهم سواد حبة العين مني.
وعيهم
كانوا يدركون العرش الحق، وهو صفات الله وتجلياتها على الخلق، وكانوا يدركون العرش الظلي، الذي تتجلى فيه رحمات الرحمان، من قلب المؤمن الكامل، ومن قلب محمد صلى الله عليه وسلم، إلى ظل الرحمان الذي هو تحت عرش ظلي يظل سماء الجنة ويتجلى الله فيه بقضائه ورحمته على الناس يوم العرض.
لنتأمل مايقول الإمام الرازي: في تفسير الحاقة: المسألة الرابعة: قالت المشبهة: لو لم يكن الله في العرش لكان حمل العرش عبثا عديم الفائدة، ولا سيما وقد تأكد ذلك بقوله تعالى: {يومئذ تعرضون} *الحاقة: 18* والعرض إنما يكون لو كان الإله حاصلا في العرش، أجاب أهل التوحيد عنه بأنه لا يمكن أن يكون المراد منه أن الله جالس في العرش وذلك لأن كل من كان حاملا للعرش كان حاملا لكل ما كان في العرش فلو كان الإله في العرش للزم الملائكة أن يكونوا حاملين لله تعالى وذلك محال، لأنه يقتضي احتياج الله إليهم، وأن يكونوا أعظم قدرة من الله تعالى وكل ذلك كفر صريح، فعلمنا أنه لا بد فيه من التأويل فنقول: السبب في هذا الكلام هو أنه تعالى خاطبهم بما يتعارفونه، فخلق لنفسه بيتا يزورونه، وليس أنه يسكنه، تعالى الله عنه وجعل في ركن البيت حجرا هو يمينه في الأرض، إذ كان من شأنهم أن يعظموا رؤساءهم بتقبيل أيمانهم، وجعل على العباد حفظة ليس لأن النسيان يجوز عليه سبحانه، لكن هذا هو المتعارف فكذلك لما كان من شأن الملك إذا أراد محاسبة عماله جلس إليهم على سرير ووقف الأعوان حوله أحضر الله يوم القيامة عرشا وحضرت الملائكة وحفت به، لا لأنه يقعد عليه أو يحتاج إليه بل لمثل ما قلناه في البيت والطواف. انتهى كلام الفخر الرازي رحمه الله.
فعند الصحابة الكرام كان العرش ( غير المرئي ولا المحسوس ولاهو بسرير ) الذي استوى الله عليه والذي هو من صفاته تعالى، عندهم مميزا عن عرش هو من عالم الآخرة على سبيل الظلية، وتحته مساحة الظل المرئية التي تضم في طواياها الجنة وموقف المؤمنين في يوم الحساب. الظل الذي هو من تحت عرش ظلي، ومرئي، وله قوائم مرئية، يمثل يوم القيامة سقف الجنة ومحراب الدعاء ومنصة التكريم . كما في حديث البخاري رحمه الله عن قول الخلق يوم المقام المشهود : ألا ترى إلى مانحن فيه، فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي، ( فتح الباري من حديث أبي هريرة جـ 8 /4712)
وكذلك حديث أنس جـ 13/7510 في فتح الباري، فأقول أنا لها، فأستأذن على ربي فيؤذن لي ... الحديث. هذا عرش الله الجلالي الذي هو ظل للعرش الكريم من صفات الله.
لماذا تخيرت تفسير الصحابي: كرسيه = علمه؟؟
الكرسي من الغيب، والصحابة لايتكلمون عن الغيب من عند أنفسهم، فابن عباس لايتكلم عن الكرسي من عنده فهو في حكم المرفوع مادام حديثا عن غيب خالص، فيعتبر حديثه أن : كرسيه هو علمه، صحيحا.
ومن المفسرين من قال أن الكرسي هو العرش، فلو صح فالصحابة سمعوا حديثا يجعل الكرسي هو العرش، وهو مما يجعلهم يربطون حقيقة الكرسي بحقيقة العرش، ( من صفات الله) .. فلو جمعت هذا مع بعضه، ونفيت منه حكاية أن له أطيطا كأطيط الرحل، وهو لاشك من تدخلات الوضع.. ثم تفكرت في أن الكرسي مادام معناه العلم، والعلم صفة الله، فسيكون الكرسي من صفات الله، إذن فهو فعلا بالنسبة للعرش (الذي هو مجموع الصفات والكمالات) سيكون كحلقة في فلاة.
ولأن الكرسي الذي هو العلم يحوي معلومات الله وهي أوسع من علم السماوات والأرض، فلذلك كان علم السماوات والأرض فعلا بالنسبة للكرسي الواسع كحلقة في فلاة. هكذا يتبين في غابة النصوص سبيل للسلوك والجمع بينها.
وكان الصحب الكرام النبهاء يجمعون النصوص ويعقلونها كلما سمعوها، وتتكامل لديهم التصورات والمفاهيم، وينفون كل مالايعقل وكل مايتناقض بصورة تلقائية، بدون أن يحدثوا ضجيجا؛ كموحدين وكعرب خلص وعقلاء متدبرين، ومرافقين لخير البرية وهو يعلمهم الكتاب، ويتشربون روح التحكم والحكمة، وهم يرونه يوما بعد يوم يسلك بسنته، بكل حكمة ومطابقة مع الكتاب، واضعا كل شيء في موضعه.
قال لهم أن الجنة رحمة الله، وأنه هو رحمة الله.. فيتفكرون: الجنة رحمة الله، ولكن الرحمة صفة الله، إذن الجنة ظل صفة الرحمة الربانية.
وتراكمت لديهم المعارف، وتركهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد عرفوا العرش الأصلي والعروش الظلية أو المرايا التي هي مظاهر للجلال والرحمة.
وعرفوا العلو والسمو والسماء بكل طبقاتها، والسماء التي الله فيها والسماء التي الله ليس فيها وعلموا أنه (هو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم) الأنعام.
الحمد والعرش
لما كانت كلمة: رب، في القرآن غالبا يتبعها ذكر شيء مخلوق، تصور بعض الناس من قوله تعالى : رب العرش، أنه بالضرورة شيء مخلوق. ولكن هناك مرة ذكر الله كلمة رب مرتبطة بصفته وهي آية الصافات : سبحان ربك رب العزة عما يصفون. وهنا يجب التوقف والإعلان أن رب العزة كرب العرش تماما، وأن العرش هو صفات الله المتعال. وأن العرش لله كالعزة له تعالى. من صفاته.
ثم نلاحظ أنه يرتبط ذكر العرش الرباني في القرآن بسياق التسبيح والحمد..
والله في سورة (المؤمنون) له اسم : رب العرش الكريم. تماما مثل رب العزة.
والله هو الأحد، وهذا هو جذع شجرة الحمد الجامع، بل الأجمع. وهذه سورة الإخلاص تلخص عرش الله الذي استوى عليه وهو عرش الأحدية. في أربع آيات جامعات. ولكن فيما يخص وعينا بأحدية الله وما يصلنا منها: فلما كانت رحمة الله هي السابقة على كل الصفات، وكتب الله على نفسه الرحمة، لذلك لخص الله مجده في البسملة بأنه: الرحمان الرحيم. هنا ينقسم الجذع إلى فرعين عظيمين.
ثم زاد الله التفصيل في القرآن بذكر فروع مجده الأعلى في حوالي مائة اسم جميل له إلا واحد، وكلها صفات له تعالى، وأنزل الله الفاتحة كي يجمع فروع الحمد في أربعة حزم عظمى. تقع كقوائم عرش الله العظيم، تفصل الفرعين العظيمين المذكورين في البسملة.
وحملة العرش اليوم أربعة يوصلون للمخلوقات حزم فيوض الحمد الجامعة الأربعة المذكورة في الفاتحة وهي فيوض: الربوبية العامة والرحمانية للأحياء والرحيمية للمؤمنين والمالكية للجزاء والجدوى ثم يكشف الله فيوض حمد زائدة من محامده عند عرض الأرواح الكاملة على الله بعد القيامة ليأخذ الصالحون حظا جديدا من ربوبية أخرى وحظا من رحمانية جديدة وحظا من رحيمية ومالكية تغاير ماكان في الدنيا وهنا تكون ثماني صفات تحملها ثمانية من الملائكة، حيث يحمل الملك الموكل بالصفة فيضها الذي خلق لتوزيعه وتدبيره ووضعه في محله كما قال الله تعالى : والمدبرات أمرا.
العروش الظلية أو المرايا
لو تكلمنا في عظمة الفاتحة لتكلمنا كثيرا، ولقد كانت الفاتحة سر جنة الصحابة الروحية وكانوا كلما قرأوها يعلمون منها بنور الله مالو كتبوه في كتب لكتب كل منهم مكتبة، ولكن الله لاينتزع العلم انتزاعا من الصدر ولكن ينتزعه بموت العلماء. إن الله في الفاتحة يبين مرآة مجده وترجمة حمده، في نص يتدبره المؤمنون كل صلاة مرارا وكل يوم تكرارا، ولكل تدبر بركته، بين الله في أول الفاتحة تعليما عن قوائم عرشه سبحانه التي تنتهي كل قائمة منها بملك عظيم منوط به توصيل فيوضها وتجلياتها من الله للخلق، ولهذا خلق هذا الملك.
وخلق الله قلب رسوله مرآة لمن أرسله، وخير سفير لدول الناس يعرف بمدى رقي الدولة العليا التي جاء يمثلها.. وكانت صفات رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ظلا لعرش الله تعالى، من محبة وحرص على الخلق والكرم وحمل الخير للناس والجمال والروعة بحيث أن من يتأمله يفكر في نفسه : أي إله جميل وذو جميل؛ ذلك الذي أعطاني هذا الرسول بلامقابل، ويجعل كل هذا الرجل وما يحمله من صفات عديدة (خلاصتها الرحمانية بالناس والرحيمية بالمؤمنين) وما يتلوه ويعاني لتوصيله من كلام نفيس ووحي ثمين متاحا مجانا لي، يدعوني بلا أجر، بل ويصبر علي حتى أرضى به، ثم ماذا ؟؟ لكي أذهب وأغترف من جبال كنوز الله ماشئت وما قدرت أن أحمل وما أطقت أن أجمع !!!!.
فمن المرآة التي هي محمد صلى الله عليه وسلم، يأخذون فكرة عن ربهم ومحامده الرحمانية والرحيمية على قدر مايستوعبون عن جمال الله وصفاته العليا.
ويخلق الله كثيرا من المرايا التي تعرف به وتقرب شئونه للفهم، ومنها شئون الرحمة، فخلق الرحم وفطرها على الرحمة، وتعلقت بالعرش أي بمدد مجده، ودوام معيته، فخلق الآباء والأمهات تقرب معنى الرحمة الخالصة التي لاتبتغي المقابل، وكمرآة لترتيبه الملك والجند وتنزيل القضاء والعذاب والثواب، فقد خلق الله الملوك وعلم كلمة العرش وصنع الملوك العروش، وأعلنوا المهابة أو الهيبة، وجندوا الجنود ورتبوا القوانين والبوليس والضبط والإحضار والمحاكم، والسجون والمناصب والإكرام. وهو المعنى الدقيق لكون السلطان ظلا لله في الأرض، فالمقصود به عموم الحكم الصالح، وليس تخصيصا لحكم بعينه.. ولقد أمر الله ببناء البيت وجعله مثابة للناس فصار لله بيت هو بيت الله، ولكن لايسكنه الله لكن نسبه إليه تشريفا، وبيانا أن من لجأ إليه أو إلى شريعته ودعائه أكرمه تعالى وجعله رمزا لنعمته.
العرش المذكور في ساحة العرض هو مرآة جلالية لعرش صفة التجلي والكمال والحكم ومجد السيطرة والهيمنة الذي استوى الله عليه سبحانه وتعالى.
والكرسي والعرش في القرآن منظومة مشتركة، وهما من السماع ومن نص كلام الله وليس من بنات أفكاري.
فلاتتهمني برد نص أرجوك، إلا مالم يكن رده تهمة، مما يجب رده مما جاء نصا من الروايات، لما يغشاه من القحول والذبول ومن الضعف وهزال الرواية.
لاأرى عيبا أن أومن بكلام الله الحق، ولا أن أختار رواية قوية عن ابن عباس لمعنى الكرسي موافقة لما يليق بذات الله، تعالى وتقدس، وبدأ بها ابن كثير تفسيره، ورجحها مفسرون آخرون، خاصة أن القاموس اللغوي يضع كلمة العلم والسرير جنبا إلى جنب كمعنى للكرسي (في القاموس المحيط: والكرسيّ بالضم والكسر السرير والعلم) .. ومادمت اخترت العلم تفسيرا للكرسي، وصار الكرسي من صفات الله تعالى، وصرت بنعمة الله مسلحا بما سبق، فحق لي من هنا أن أتجه إلى فهم منظومة العرش كما هو الحال في الكرسي، علي أنه داخل في صفات الله تعالى .. والعرش أعظم من الكرسي بكثير، لأن جميع صفات الله تعالى أعظم من صفة العلم وحدها، فينفتح الباب لفهم أنه مجمع محامد الله ، وبالتالي فهو الكمال الرباني ويتدلى إلينا بقوائم هي البيان الوارد في سورة الفاتحة تفصيلا لكلمة الـ (حمد) الجامعة. فيكون تدلي العرش الرباني إلينا بما نرى وما سنرى من فيض الوجود من فيضان الربوبية الأعم، ثم مايليه من تكميل فيض الرحمانية الخاص الذي لاينظر لاستحقاق، . ثم الرحيمية التي ترعى استحقاق وعد الله للصالحين ذوي التعلق الكامل بمدد عظيم، وهكذا. فهومبدأ قديم لتوصيل الفيض وللتجليات الربانية والرحمانية والرحيمية والمالكية منه تعالى للملائكة ومن الملائكة للرسل أو لمن دونهم من الملائكة نزولا .
لو اتجهت لمعنى أن الكرسي موضع القدمين، وأن له أطيطا لدخلت في متاهة. لذا تركت ماروي عن ابن عباس أن الكرسي موضع القدمين ، ولعلي قد عللت الآن وذكرت المعيار الذي به قبلت عن ابن عباس شيئا ورفضت به نظيره عنه نفسه. وضممت للفهم أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم عن الكرسي وصدقت حديث نسبة الكرسي إلى العرش بشكل رائع تنزيهي فما رأيكم؟؟؟
ماهي المشكلة أن يكون العرش هو مبدأ التجليات؟ وأن أومن بالله ورسوله وكتابه وصدق كل حرف فيه وأنه حقيقة. وأعتقد في عرش الله وكرسيه وعلوه وفوقيته وأنه يقضي بقضائه من فوق سبعة أرقعة فلماذا تعتبر فهمي بطريقة تنزيهية إنكارا أو ردا أو انطلاقا من غير كلام الله؟؟ !!
لاأجد هوة بين أفكاري واعتقاداتي وثوابت القرآن الكريم والأحاديث النبوية الصحيحة ولا بينها وبين آثار الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين المشهود لهم بالعلم والدين وبالطبع واللزوم سلامة العقيدة ، وكيف أنطلق في اعتقاداتي عن العرش من عقلي وليس في العقل عروش لازمة ولا حملة العرش من البديهيات الضرورية، بل هو سماع من الله ورسوله، وهو شيء من الكتاب والسنة مبني على تصديق القرآن. ومعاني العرش وقوائمه معان عالية، وطريقة حمله من قبل الملائكة التي تحمله هو معنى كامن في كلام الله عن أن الملائكة: رسل. والرسل يكونون بفيوض الله. ولابد لرسل كونيين أن تعطى لهم قدرات كونية الطابع سماها الله أجنحة. والكرسي ليست مخلوقا بل هو من صفات الله وكمالاته، وهو علمه المحيط والسياق في الآية يحكم به ويشرحه. فهو اختيار موفق بدأ به عديد من المفسرين تفسيرهم، ورجحه عدد منهم لوجاهته مع عدم تعرضهم للاستهزاء بهم. ويمكن ألا يعتبر تفسير الكرسي بالعلم تأويلا أصلا، ففي القاموس المحيط ببساطة: الكرسي؛ السرير، والعلم . بل فيه: العرش؛ عرش الله تعالى، وسرير الملك، والعز.. فكيف تقول أنت أنه من التأويل المذموم الذي يرد النصوص لمخالفتها عقل المرء؟؟؟
والمعقول أن رب عرش العزة له أيضا عرش المهابة الرمزي في الآخرة ، الذي هو سقف الجنة، والذي هو كمسجد مطهر ومحراب دعاء ومهبط وحي ، وهو ظل و مرآة فقط للعرش الذي هو من صفات الله وليس هو نفسه.
انظر لأحاديث سبعة يظلهم الله. وروايات: يظلهم الله في ظله، وروايات: يظلهم الله في ظل عرشه.. وكيف تنتهي الصيغ كلها بقوله: يوم لاظل إلا ظله.
فظل (عرش الله) يوم القيامة هو ظل (الله) إذ لاظل يومها سوى ظل ( الله )..
إذن عندما تأتي الروايات يشرح بعضها بعضا وفيها يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( موحدا بين لفظ : الله، وبين لفظ: عرشه) أن الله يظل سبعة في ظله يوم القيامة، فإنه يومها لاظل إلا ظله، ولم يقل يوم لاظل إلا ظل عرشه.. فالظل هو ظله سبحانه، والظل في القاموس المحيط أيضا له معنى العز والمنعة، والمعنى يظلهم الله بحمايتهم من كل مخاوف هذا اليوم، لامن الشمس فقط بل من البؤس والخوف والملل والفضيحة والخزي. وسواء عبر بأنه : يظلهم الله في ظل عرشه، أو عبر بأنه: يظلهم الله في ظله. فالمعنى واضح أن عرشه هو هو وهو صفاته وهو تجلي صفاته.
ولذلك تجذر هذا الفهم في قلوب الصحب الكرام، وكان لسانهم عربيا سليقة، وكان فهمهم عربيا ببساطة، ففهموا من حديث السبعة الكثير الكثير وكان هذا عندهم من البديهيات التي لاتقتضي طول الشرح، وقد كانوا يحيون لله حنفاء مشغولين به، ولم يتكلموا كثيرا ولو كتبوا لكتبوا رضي الله عنهم مجلدات على غرار ماقلت في شرح حديث السبعة الذين يظلهم الله بما ينهي الموضوع.
وهكذا أكون بفضل الله قد أجبتك ياسيدي الفاضل عما بدأت به رسالتك وأنهيته بقولك: له ظل كما في حديث "سبعة يظلهم الله في ظل عرشه" ، وهو محمول ومحفوفة به الملائكة كما يدل عليه قول الباري جل في علاه: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة : 17] وقوله عز وجل : ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [غافر : 7] وقوله سبحانه : ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر : 75].
فالعرش أعظم المخلوقات ، وقد كان موجودًا قبل خلق السموات والأرض كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود : 7] . وله قوائم كما في حديث :"فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش" . وقلب المؤمن ياسيدي هو مرآة للمحامد لاصطباغه بها، والعرش على الماء لأن تجليات الله متوجهة لخلق الحياة ومن الماء خلق الله كل شيء حيّ. ولم يقل الله أن العرش كان على الماء قبل خلق السماوات والأرض، فالماء جزء من خلق الكون، وقد كانت السماء أي مادة التكوين دخانا فاستوى الله إليها بأمره لتتكون ثم تكونتا تدريجيا.. بل ذكر الله أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وأضاف أن العرش كان على الماء ليبلونا أينا أحسن عملا وهو تجاوب سورة الملك مع سورة هود. أي استوى إلى الماء بأمره، وهو معنى: وكان عرشه على الماء، ليخلقنا، ولازال. وفعل كان هنا فعل تام لاناقص. ولاتدل على كينونة سبقت خلق السماوات والأرض باعتبار كان فعل ماض ناقص، بل الكينونة المذكورة كانت ثم لازالت قائمة لم تنته.
ومما يدعم هذا الفهم أن لفظ: استوى إلى، والوارد في سورة فصلت، يشرحه القاموس المحيط بقوله؛ ( استوى إلى السماء :صعد، أو عمد، أو قصد أو أقبل عليها) فالله عمد لخلق السماوات والأرض بلفظ: استوى إلى، ثم عمد إلى خلق الأحياء بلفظ : وكان عرشه على الماء.
بالنسبة للاختلاف بين الذات والصفة، وكثرة الصفات واختلافها.
فما وعيته عن التوحيد أن الله فريد من المبالغة في الفرادة، وهو أبسط البسائط تعالى، وأي كثرة أو اختلاف فهي في الذهن لافي ذات الله ولافي صفاته. تعالى الله عن التكثر والاختلاف، لاتكثر في ذات الله ولاتكثر في صفاته، ولااختلاف ، ومفهوم التكثر مما يتنزه ذات الله عنه، ولكننا، كبشر ، مخلوقات ضعيفة، والجزئية مرتبطة بنا حتى النخاع، نأكل لقمة لقمة، ونفهم كلمة بعد كلمة، ونستوعب الموضوع جملة بعد جملة.. وعندما أقول لك : صف لي شيئا؛ وهو عظيم وواحد، فالمعنى هو : انقل إلى وعيي فهما أعمق عنه، وذلك لايمكن دفعة واحدة، لذلك يصب المعنى في الذهن قطرة قطرة، ويستغرق الاستيعاب وقتا، فتقص علي وحدته خطوة بعد خطوة، وتسوق لي أمره الواحد جزءا جزءا، لا لأنه هو متجزيء الذات ولا الصفات، بل لأنني أستوعب شيئا فشيئا.. ولقد سبق أن قال لنا الله أنه أحد، وهذه هي صفته، فهو أحد الكمال، وهي كلمة التوحيد العظمى، وهي جامع الكمالات، ولكن ليعمق الله فهمنا ويلمس بجماله وجلاله أنحاء وعينا، ونتأثر ونتعظ من علمنا بكماله، فقد استنفد الله في القرآن طاقة اللسان العربي في بيان حسن صفاته وأسمائه، وطرق كل زوايا الوعي البشري، ذلك الوعي الذي يدرك المعاني حسب الطاقة جانبا فجانبا، ولازالت له تعالى أسماء وصفات كثيرة كثيرة لم نعلمها. وتعالى الله في ذاته وكمالاته عن كل مايمت إلى التكثر والكثرة بصلة، فهو الوحيد الفريد الذي ( مادناه التكثر) وتعددها هو تعدد في الوعي الإنساني، وكثرة في الاستيعاب الذهني، وتغايرها هو تغاير في زاوية رؤيتنا والله عظيم الشأن، ونحن ندرك أي شيء أي معنى بشكل تدريجي، فلا طاقة لنا باستيعاب مفهوم هائل مثل كمال الله تعالى، وذات الله عندي وعندنا لها صفات حقيقية ، .. ولكن كلمة ( عندي ) أي عند وعيي، وعلى قدر طاقة استيعابي، ونحن نطلق الأسماء على الله لفظًا وحقيقةً، والله عندنا له صفات، لكن تأمل دائما أن عندنا تعني طاقة إدراكنا، وفي حدود مانملك وحسب طبيعة خلقنا نعي الشيء شيئا فشيئا، مع أنه هو شيء واحد ، وأنا معك في أن العقل لا يحيل أن يكون الله تعالى ذاتًا متصفةً بالصفات كالسمع والبصر والعلم والقدرة والخلق والحياة وغيرها ، وأن تكون هذه الصفات حقيقية (ولكن انظر لقولك : ولها حقيقة في ذات الله .. مع قولك : حقيقة الذات غير حقيقة الصفات ) فمن أي كتاب وأي سنة جئت بهذه العبارة؟؟ وهي تشعر بأن الله يدانيه التكثر، وتطرق جماله وجماله الكثرة وحاشاه، فتأمل ليتبين لك العبارات المضافة من عندنا نحن البشر والتي تتحول لعقائد ليست في الكتاب ولا السنة ولافي عقائد الأئمة الصالحين، والناس تقول لمن تعددت صفاته وأسماؤه (من الناس) أنه واحد لا متعدد، مع إدراكهم أنه في الحقيقة مركب وقد يوجد هو مع مجموعة صفات مع غياب صفات أخرى.. فهو مركب يغزو التكثر بلاده في الحقيقة، كما هو في الذهن .. وحاشا التكثر أن يقترب من الله .. ( قل: هو الله ، أحد ) .
وعبت علي المبالغة في التوحيد، مع أن اسم الله الأحد هو جامع التوحيد ليدل على أعلى أنواع المبالغة، فلا أدري أين أجرمتُ؟؟!!.
ومعاذ الله من التحريف والتأويل الباطل أوجريمة الإعراض عن كلام الله ورسوله أو محاكمة القرآن والأحاديث الصحيحة إلى عقول أو غير عقول، بل الله هو الحكم، وهو الهادي. و معاذ الله من إذلال الدين ولنصوصه، وأوافق على ما قلت أنت أن العقيدة مرجعها إلى كتاب الله وسنة رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم لا إلى أهواء الناس وأقيستهم ، وأنه ليس هناك أعلم بالله من الله ، ولا من الخلق أعلم به من رسول الله صلى الله عليه وسلم . كما أنه ليس هناك أنصح للأمة ولا أحسن بيانًا ولا أعظم بلاغًا منه صلى الله عليه وسلم . فإذا ثبت وصف الله عز وجل بشيء من الصفات في كتابه الكريم أو ثبت ذلك في سنة نبيه المصطفى الأمين وجب على المسلم اعتقاد ذلك وأنه هو التنزيه اللائق بذاته جل جلاله . ثم إن أصحاب رسول الله رضي الله عنهم لم يجهلوا معاني صفات الله تعالى ولا ارتابوا في وصف الله عز وجل بها بل ولا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء منها . وهم الذين سألوه عن الأنفال واليتامى والأهلة والخمر والميسر والمحيض وغيرها . ولا يجوز لنا أن نفهم أن العلم بأمر المحيض أعظم شأنًا وأجلّ مكانةً عند الصحابة من معرفة صفات الله التي هي أعظم أسباب محبته وإجلاله .انتهى كلامك
مختاراتكم من الحديث وأقوال الأئمة وأقوال المفسرين.
أوافق على عبارة أبو المعالي الجويني : "والذي نرتضيه رأيًا ، وندين الله به عقيدةً ، اتباع سلف الأمة . وأرى أن ماأسلفت بيانه كان هو المتبادر لأذهان قوم منقوعين في عطر القرآن، ولم يلزمهم الكتابة ولاالتأليف فتصورتم أنهم لم يعوا تأويلا.
وأما عن باب التوحيد من صحيح البخاري :باب ﴿وكان عرشه على الماء﴾ ﴿وهو رب العرش العظيم﴾ فقد بيناه آنفا ، وأما ما قال أبو العالية : استوى إلى السماء ارتفع ، فسواهن : خلقهن . فنضيف إليه ماجاء في القاموس المحيط : استوى إلى السماء : عمد وقصد. وأما ما قال مجاهد : استوى : علا على العرش. فالله علا على عرش العزة وعلى الوجود كله فهو المتعال.. ولا أختلف معك على صحة ماجاء في باب قول الله تعالى : ﴿تعرج الملائكة والروح إليه﴾ وقوله جل ذكره ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ وقول أبو حمزة عن ابن عباس: بلغ أبا ذر مبعث النبي صلى الله عليه وسلم فقال لأخيه: اعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء فنعم، وكل خير فمن السماء، من سماء غنى الله وقدرته وعلمه وحكمته، وسماء قضائه وقدره. وقال مجاهد: (والعمل الصالح) يرفع الكلم الطيب.
وأما مانقلت بنص : يقال: (ذي المعارج) الملائكة تعرج إلى الله.
فلا أجد أفضل من عبارة الرازي تبريرا لوجاهة ماقلت في رسالتي السابقة عن العروج، وأنه هو ( تحقق المهام وتنجز القضاء وإنجاز أوامر الله) فأنقل لك ماقال الإمام الرازي في تفسير المعارج:
المسألة الثانية: احتج القائلون بأن الله في مكان، إما في العرش أو فوقه بهذه الآية من وجهين: الأول: أن الآية دلت على أن الله تعالى موصوف بأنه ذو المعارج وهو إنما يكون كذلك لو كان في جهة فوق والثاني: قوله: {تعرج الملائكة والروح إليه} فبين أن عروج الملائكة وصعودهم إليه، وذلك يقتضي كونه تعالى في جهة فوق والجواب: لما دلت الدلائل على امتناع كونه في المكان والجهة ثبت أنه لا بد من التأويل، فأما وصف الله بأنه ذو المعارج فقد ذكرنا الوجوه فيه، وأما حرف *إلى* في قوله: {تعرج الملائكة والروح إليه} فليس المراد منه المكان بل المراد انتهاء الأمور إلى مراده كقوله: {وإليه يرجع الامر كله} *هود: 123* المراد الانتهاء إلى موضع العز والكرامة كقوله: {إنى ذاهب إلى ربى} *الصافات: 99* ويكون هذا إشارة إلى أن دار الثواب أعلى الأمكنة وأرفعها.
وهكذا أرجو أن يصدر لي حكم براءة.
وجوابا عليك فإني أرى صحة رأي الطاهرة زينبَ بنْتَ جحشٍ رضي الله عنها حين تقول للرسول صلى الله عليه وسلم : "زوجنيك الرحمن من فوق عرشه" وفي رواية :"إن الله أنكحني في السماء" وأنها تعلم معنى أن الله في السماء فوق العرش، هي رضي الله عنها وعائشة رضي الله عنها كذلك، حين قالت في شأن قتل عثمان: "علم الله فوق عرشه أني لم أحب قتله" وأن عائشة تعلم أين الله (لاأينية المكان) بل أينية الأول الآخر الظاهر الباطن. ولاتناقض بين كل هذا وبين ما قال لها عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: "كنتِ أحبَّ نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن يحب إلا طيبا ، وأنزل الله براءتك من فوق سبع سموات" وهو المعنى هو المعنى من قول سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لخولة بنت ثعلبة : "هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سموات" وهو متفق مع قوله بالشام لما أشاروا له أن يركب بِرْذَوْناً ليلقاه عظماء الناس وهو يمتطيه فقال لهم : إنما الأمر من ههنا ! وحين أشار إلى السماء، كان يشير وهو يعرف أن ربه في السماء الأسمى مما أشار إليه، لكن هذه الإشارة هي لغة البشر للتفهم.
ولو صح قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حين قال : "العرش فوق الماء" فهو يقصد ( على ) كما في القرآن. وهي عنده استواء الله إلى الماء ليخلق الحياة. وقوله: "والله فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمالكم" فهو يقصد أنه على عرش العزة يحكم الخلق ويدبر الأمر .
وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم في البخاري "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء ؟ " وكذا حديث مسلم "والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها زوجها" . لايتناقض مع ماسبق شرحه من طرفنا فلا اعتراض لنا أن الله في السماء التي عناها الله. والتي هي نفس ماجاء في سورة الملك والتي الله فيها سابقا ولاحقا على كل سماء مخلوقة.
ونفس الشيء أقوله عن حديث أبي داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم : "الراحمون يرحمهم الرحمن ، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" .
ولا تعارض بيني وبين ما ذكر أبو حنيفة ولا مالك ولا الشافعي ولا ابن حنبل مع محاذير أن كل هؤلاء تعرضوا لتحريف أقوالهم بدرجة أو أخرى كما حصل للحديث النبوي.
وسعدت بموافقتكم على مانقلت من تفسير ابن كثير لآية يد الله فوق أيديهم، وقوله : يعني أنه حاضرٌ معهم يسمع أقوالهم ويرى مكانهم ويعلم ضمائرهم وظواهرهم .. وأما ما أضفت وقلت : أن في هذا النص إثبات اليد لله العلي العظيم كما يقول الملك أو الأمير "إن هذه المملكة كلها بيدي" ، فهو يعني أنها تحت ملكه يتصرف فيها كما يشاء لكن هذا التعبير لا يصح منه إن كان أبتر اليدين أو بدونهما. فإنني أختلف معك هنا وأقول أن الملك لو حدث له حادث أو كان مولودا أبتر اليدين لكنه مطاع الأمر، والمملكة راسخة بتدبيره وكلامه وفكره فإن له كل الحق في التعبير أنها في يده، ولسان العرب يسمح له وأنت تحرمه بغير الحق. ولا يصح لك الإكثار من وصفي بنفي الصفات، وأقول لسيادتك ألف مرة أنا لاأنفي ما أثبت الله ولا أعطل فاتق الله في شخصي فالله أعلم بنيتي وإني لأفضل أن يمحوني الله من الوجود ولا أنفي ما ثبت من صفة من صفاته تعالى لذاته أو لقوله أو لفعله أو لملائكته. سبحانه.
تناقض الادعاء بأن ما بينته متكلف وبعيد واستعارات واسعة وأنه ليس فيه مايبعد عن فهم العامة
إني لسعيد بهذا ومستعد لتقديم كافة الاعتذار لمن أسأت إليهم من الناس العاديين بأي عبارة تجريح، والاستغفار الكثير، مادمتم اعترفتم أن ما قلته من معان ومجازات وتأويلات ليس فيها ما يبعد عن فهم العامة من الناس، ككون الله يسمو في سماء المجد والعز، أو أن قلب العبد المؤمن عرشٌ ظلي للرحمن، أو أن للملائكة ملكة توصيل الرسائل من الله إلى خلقه، أو أن قوائم العرش ربوبية ورحمانية ورحيمية ومالكية، وغيرها مما ذكرت في خطابك، وأزعم أن بيانها كامن في حديث السبعة، لأن عرشا ظليا، لن يخلطه الصحابة بعرش الله الذي هو صفته، عرش الكمال الذي هو أوسع من صفة الكرسي، ولما كان الكرسي عندهم من صفات الله فكذلك العرش.
وهكذا بعد توضيح قضية العرش والسماء ينهدم بناء تصور مسكن في السماء الفلكية يرفع إليه الرسل قرب الذات الإلهية .
ولم يلبس الرسول صلى الله عليه وسلم على أحد . ولا مرية فيه ياأيها العالم الجليل أن الواجب إثبات ما أثبته الرب، سواء لقوله أو لفعله أو لذاته (والمعبر عنها في التراث أنها: لنفسه ) سواء ما أثبته القرآن أو أثبته له نبيه صلى الله عليه وسلم، ولاتكثر علي من تهم النفي أو التعطيل للصفات وأنت ترى استماتتي على تنزيهه تعالى، ونحن نزعم أننا أيضا أهل السنة والجماعة والله يجمع ويفصل بين كل المختلفين ، واسمه الجامع وهو خير الفاصلين.
وأقول لك لاداعي أنني أقر بكل عقائد الإسلام في نزول عيسى عليه السلام، وفي صدق ماجاء في صحيح مسلم في : كتاب الفتن وأشراط الساعة في آخره، فلا تجعل اختلافي معك في التفسير ذريعة لاتهامي بإنكار عقائد الإسلام لأن الله لن يكون راضيا عنك وأنت تفعل ذلك بل ذلك مما يسخط الله.
ترد حضرتك بالقطعية في الدلالة وتقول : فإن تعقيب قوله تعالى ﴿وَما قتلوه وما صلبوه﴾ النساء :157 بقوله ﴿بل رفعه الله إليه﴾ النساء :158 قطعي في الرفع الذي نقول به، لا الرفع الذي تقول به، إذ لا معنى يليق بالبلاغة القرآنية المعجزة في القول إنهم ما قتلوه بل رفع الله روحه إليه.
لفظ: بل ، يرد على مجلدات مكتوبة في التراثين اليهودي والنصراني، والقرآن يتكلم وعينه على الثقافة التي فيها: المعلق ملعون، وتقصد المعلق المقتول. وتغفل أن المعلق المقتول البريء غير ملعون، قديما عندهم وحديثا عندنا، كشأن ابن الزبير والمصلوبين ظلما في دولة بني العباس. . والقرآن يعين العالم المسلم الباحث في لسان العرب عن معنى ( صلب ) ليدحض تهم المنصرين. والقرآن يخزي من يسب الرسل وهو يقص عليهم أكثر الذي هم فيه يختلفون، فالبلاغة القرآنية في عمقها قد قالت : ستتوفى، أي وفاة طبيعية. طيب، وما سيحدث عند القبض؟؟ لن يتحقق لهم فعل ( صلب) أي لن تحرق يا إبراهيم بصرف النظر عما إذا كانوا أوقدوا النار، فبين القوسين الخلاصة: ((أنت ناج))، وخارج القوسين: ليفعلوا ماهم فيه شطار وأذكياء، ولكن سيتحسرون عندما تترامى الأخبار ((أنك ناج)).
فلا تعاند الفهم الحق بقشر البلاغة وتدع لبها العامر.
وعن آية ( رفعه الله إليه)، فالحق أننا لو فهمنا تماما معنى (إليه) لانحلت كل المشكلات. ولقد أشبعتها بيانا ولكن بعد كل شبع قد يستجد جوع فنزيد بحمد ربنا المنان:
انظر لحديث الشفاعة: ألا ترى (إلى) مانحن فيه؟؟. أي ألا تقترب عاطفتك من شدة معاناتنا؟؟ ألا تضم آلامنا لقائمة عنايتك القصوى؟؟؟ !! لتعلم أن (إلى) لاترمي لمعنى الحركة دائما بل تعني الاقتراب الروحي. وقول الرسول الكريم : أنا عند حسن ظن عبدي بي. فتح الباري جـ13 /7405. فالله عند حسن الظن وحسن الظن ليس مكانا والعندية ليست خزانة إيداع.
تقول ياسيدي الفاضل أن العقل لايمنع أن يرفع الله أحد أنبيائه إلى سمائه، وأقول : نعم لايمنع، بل فعل الله ورفع، والشرع قال وما قال الشرع فقد وقع. وقد رفع الله كل الرسل السابقين إلى سمائه بعد الوفاة، ولقيهم فيها سيدنا محمد ليلة المعراج صلى الله عليهم وسلم، وعندما توفاه الله أخذ مكانه هناك بينهم في عالم البرزخ الغيبي، وقد رفعهم الله إليه تقريبا. وانظر إلى حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه عن الثلاثة وأحدهم وجد فرجة في الحلقة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة: أما أحدهم فأوى (إلى الله) فآواه الله، فتح الباري جـ 1/66.. صلى الله عليه وسلم. وحديث البراء بن عازب رضي الله عنهما عن الرجل إذا أتى مضجعه: أسلمت وجهي إليك. بل الظهر نفسه يسلمه إليه.
والعقل يمنع أن يكون إنسان في قامة محمد صلى الله عليه وسلم ينجو من مؤامرة قتله بالحركة في الأرض ليلة الهجرة، وعندما يموت يدفن في تراب، ونبي آخر أقل منه مكانة يميز عن كل نبي ويطار به إلى السماء، ويبقى في السماء آلاف السنين بلا شيخوخة.
ولو أن إنسانا يطير إلى السما لكان رسول الله أولى وأجدر
والعقل لايمنع رفع المسيح عليه السلام إلى السماء، وأعني سماء الفلك، ولكن القرآن هو الذي منع ذلك لأسباب: أولا في قول الله عمن طلبوا من نبي الله أن يرقى في السماء فقال يعلمه الرد عليهم: قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا؟؟؟ الإسراء.. وذكر الله بعدها تنزيل الملك الرسول دلالة على التقابل.
وثانيا في أن الله حبس أجسام الناس عند التوفي في الأرض، فلو ناموا فالجسد على الفراش لايغادره، ولو ماتوا فالأرض كفات لهم أحياء وأموات، وبلا أدنى استثناء مطلقا، والله أبلغ البشر مسبقا أنهم في الأرض يحيون وفيها يموتون ومنها يخرجون، ولااستثناء من كلام الله ولو انطبقت ألف سماء على ألف أرض، وألـّف المؤلفون ألف ألف كتاب في دحض سطر من كتاب الله، أو مهما موّه الناس على عقائد أصحاب خير خلق الله صلى الله عليه وسلم.
وتقول أيها الفاضل أنني لو : راجعت كتب اللغة لوجدت الزمخشري في أساس البلاغة يذكر معنى الإماتة في الدرجة الثانية بعد قوله (ومن المجاز) لأن المعنى الأصلي للتوفي المتبادر إلى ذهن العارف بالعربية هو أخذ الشيء تمامًا ولا اختصاص له بأخذ الروح دون غيرها .وبهذا يكون معنى قوله عز وجل ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران :55] أني آخذك من هذا العالم ورافعك إليّ.انتهى كلامك.. وترى في ذكر التطهير تأكيدا للرفع الجسدي متكاملا مع الروحي.
والرد على حضرتك: أنني أتكيء على آية التوفي الذي شرحها سيدي وسيدك وعالمي وعالمك وهو محمد صلى الله عليه وسلم في حديث عن أناس من أصحابه، فشرح وفض الموضوع منذ اليوم الأول.
فماذا قال؟؟ في فتح الباري جـ 6/3349 عن ابن عباس رضي الله عنهما. فأقول أصحابي أصحابي فيقال إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح : وكنت عليهم شهيدا مادمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد... الحديث، المائدة.
هنا يساوي رسول الله صلى الله عليه وسلم، بين موقفه إزاء من انحرف وموقف عيسى عليه السلام ممن انحرف. ويفوض لله نفس التفويض. وينطق ذات العبارة كعيسى.
ويقول ( كما ) ونفس الكلمة التي يقولها عيسى. فلابد من جدية الرسول المطلقة وتساوي الوفاتين. وأنت تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤخذ (تماما جسدا وروحا)، بل صعدت روحه وبقي جسده، فلابد أن يكون هو شأن عيسى ولامناص. فإذا كان نبي الله محمد لم يتحقق له المعنى الأصلي للتوفي، فإن نبي الله عيسى لم يتحقق له نفس المعنى الأصلي. ذلك المعنى المتبادر إلى ذهن العارف بالعربية كما تقول حضرتك، وهو (أخذ الشيء تمامًا، ولا اختصاص له بأخذ الروح دون غيرها )، فليكن مادام الذي حصل لسيدنا هو هو الذي حصل لعيسى دون فرق. حتى لاتكون خلافاتنا لفظية. وننتهي إلى أن الله توفى محمدا صلى الله عليه وسلم بنفس المعيار الذي توفى به عيسى عليه السلام .
وهكذا تنهدم عمارة رفع عيسى جسديا مرة ثانية، ولما كان الذي مات لايعود فقد حبسه القرآن، ومن حبسه القرآن فلايفرج عنه ألف عالم، وبناء عليه فقد وجب فهم مختلف أصوب لحديث البخاري جـ 6/3449. عن أبي هريرة رضي الله عنه : كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم .. ؟؟ وكذلك رواية مسلم: كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وأمكم منكم.
مهندس / فتحي عبد السلام
ملحق للرسالة الرابعة للمهندس فتحي عبد السلام القادياني.
آية الأنبياء وما يتصل بها
وحرام على قرية أهلكناها أنهم لايرجعون.. الأنبياء.
لايذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى .. الدخان
الدلالة على أن من مات لايعود فقد حبسه القرآن وخاصة أهل الإيمان
انظر ألا تغريك اختلافات التفسير لتعذر نفسك أن الأمر شائك أو أن المعنى المختار هو مايختاره لي أحدهم، وترى نفسك قرير العين في النهاية أن الآية بمثابة مالامعنى له، وتستغني عن معناها مادام يجرك إلى الحق المر.
لما تأكد موت عيسى عليه السلام، وهزم جيش حياته عليه السلام في سماء الفلك، وثبت أنه دفن في الجبال أو التلال، في ربوة ذات قرار ومعين كما نص الله ذو الجلال، قال البعض من فلول الجيش بلسان الحال، إذن فلاقونا عند معركة أخرى يدوم عندها الجدال، أن من مات يعود للدنيا، وسيعلمون أن هذا ماجعله القرآن من المحال.
وقبل القرآن فإن عليهم أولا أن يرتكبوا العجائب التي لاتفسير فيها ولامقال، وهي أن يأنفوا من القول بمجيئه من بلد من أراضي الدنيا ماشيا على قدميه، طالبا لعلم القرآن والسنة، عند إحدى مدارس فرق الإسلام، ثم يهديه الله وينطلق مثلنا داعيا لله، ويلجأوا للقول أنه سيبعث في الأرض ثم يرفع للسماء بعد أن يتعلم القرآن والحديث لينزل منها كما هو الفهم الشائع عن معنى النزول والمتبادر للبال.
ولو تجاوزوا العقبات المنطقية ومشاكل عدم وجود أي مسانيد نصية، فسوف يفاجئهم القرآن بالمحكمات.
إن قضية الرجوع للدنيا بعد الموت تقتضي موتا آخر. وبالتالي تتحقق موتتان فيهم. والله نفى أي موتتين بالذات للصالحين، وأبو بكر قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله لن يجمع عليه موتتين، والموتة المكتوبة فقد ماتها.
وهذا الفهم يريحك في تفسير كل الآيات التى توهم عودة حياة البدن بعد الموت في الدنيا، مثل آية البقرة : فأماته الله مائة عام. فلو فسرت الآية بموت حقيقي محسوس، وبعث للدنيا، لمات بعدها الموت الضروري، ولجمع الله عليه موتتين، وهو ممنوع منعه القرآن، والله قادر عليه ولكن الله أبرم منعه.
فاترك هذا الاتجاه، وسيتبين لك ضرورة فهم الموت بأنه موت الكشف.
ويساعدك على ذلك الفهم أن موته وبعثه حدثا في الدنيا لافي عالم البرزخ، بالتقابل مع حياة وبعث القرية تماما.
فاعلم أن التساؤل كان عن مدة بقيت لتبدأ حياة ثانية لتعمير قرية هالكة فانية، وهو نوع حياة ستحصل في الدنيا، أي عمران سيعود. فالموت والبعث كلاهما دنيويان، وتساؤله عن هذه القرية التي ماتت كان بمعنى خربت، لاأن سكانها ماتوا، وغادرت الروح أبدانهم فكيف ستعود الأرواح للأجسام. فموت القرية معناه غادرتها روح العمران، وعودتها للحياة لن يكون بعث الآخرة.. لقد مر على مدينة خالية ولم يمر على جبانة ولم يتساءل متى يبعث الله من في هذه القبور. والعظام التي أراه الله كيف ينشزها هي عظام نفس القرية، أي عودة العمران تدريجيا حتى يكتمل العمار.
فاترك الموت بمعنى مفارقة الروح للبدن وزيارة الأجداث واجنح للاستعارة الرائعة عن حياة وموت الأمم.
وفي نفس الإطار قول الله تعالى: فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم، فالله حرم عليهم الأرض المقدسة، لما عصوا، ثم بعثهم كأمة عاملة، في صورة أولادهم بعد هلاك القرن العاصي في تيه الأرض. ولايذهب وهلك أن الله كان يميت بني إسرائيل ويصيروا رمما ثم يبعثهم للحياة الدنيا، فهذا دونه خرط القتاد، ولو جاءتك الإسرائيليات بالرواية بعد الرواية والعناد.
كما أنه:
لايوجد نبي لقي الله تعالى، ورأى جنته، وطار في سمائها، وشم من ريحانها ومسكها وعطورها، وحطت روحه في حوصلة الطائر الأخضر، مستريحة بعد طيرانها في قنديل تحت ظل عرش الله تعالى، ثم يعيده الله ليعاني مرارة الدنيا، والحر والعرق والمخاط واللعاب والروائح، وضرورات دورة المياه وهرج البكتريا في بطنه. هذا هو المحال.
لن يعيده الله أبدا ليعاني مرارة الحياة الدنيئة الواطية الدنيا، ويمر بمراحل التحلل المقيتة بعد أن ذاق طعم عالم الصحة، ولن يعاني المغص ومقدمات الشيخوخة، والجوع والحر والعرق والمخاط واللعاب والروائح، وضرورات دورة المياه وهرج البكتريا والفيروسات، فقد قال الله: وماهم منها بمخرجين.
لايخرج نبي من جنته، سواء كان الخروج من جنة البرزخ، أو كان الخروج منها بعد القضاء.
والرسل والشهداء لايخرجون من جنتهم يوم القيامة، بل هم يبعثون تحت ظل العرش، عرش صفات الله ومجموع الرحمات، ويظلون تحته والعباد يجري عليهم القضاء وهم في ظلالهم.
ثم فاعلم الإعلان الرباني
الله أعلن بعد ذكر الصالحين في الأنبياء أنه كاتب لسعيهم، وشاكر له، وبالتالي هم في رحمته.
ويعلن بعده إعلانا يخص قرى الصالحين قبل الطالحين، أنه قد حرم الرجوع للدنيا عليهم بعد الهلاك.
وكلام الله يفسر بعضه، وقوله تعالى : وحرام، بصيغة فـَــعال هو بمثابة عنوان لبيان سيلقى، كقوله تعالى: وأذانٌ، في الآية : وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر. ومايأتي بعد ذلك هو نص البيان المراد طرحه. وهو هو كالمعنى من عنونة عقد بصيغة: ضمان، أو عنونة إعلان بصيغة: بيان.
ما سبق من بيان عدم جمع الموتتين يحتم ألا ننقض كلام الله ببعضه، فلاتفسر الرجوع في الآية بمعنى الرجوع للدنيا مطلقا.. وأيضا ففي صدد قول الله عن الرجوع فإن :
الله في طول كتابه وعرضه دوما قرن الرجوع إليه بلفظ : إلى، ليدل على الرجوع الضروري للحياة أو الجزاء بعد البعث، ( إليّ ، إلينا، إليه، إلى الله، إلى ربهم، إلى الجحيم ) والله لم يذكر في كتابه لفظ الرجوع متروكا مطلقا، ودون لفظ: إلى، إلا بمعنى العودة للدنيا، سواء: ترجعونها إن كنتم صادقين، في الواقعة، أو فارجعنا نعمل صالحا في السجدة، أو رب ارجعون في المؤمنون، أو في يس: ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم لايرجعون. وهذه الآية التي نحن بصددها من الأنبياء.
عندما تعلم ماسبق يكون الطريق قد أنار أمامك لتجتاز عقبة الجمع الذي جمعه الرزي لآراء المفسرين فتختار على نور مبين.
الآيات
{فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون * وحرام على قرية أهلكناهآ أنهم لا يرجعون * حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون * واقترب الوعد الحق فإذا هى شاخصة أبصار الذين كفروا ياويلنا قد كنا فى غفلة من هاذا بل كنا ظالمين} *
التفسير
1
اعلم أنه سبحانه لما ذكر أمر الأمة من قبل وذكر تفرقهم وأنهم أجمع راجعون إلى حيث لا أمر إلا له، أتبع ذلك بقوله: {فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه} بين أن من جمع بين أن يكون مؤمنا وبين أن يعمل الصالحات (فيدخل في الأول العلم والتصديق بالله ورسوله وفي الثاني فعل الواجبات وترك المحظورات) : {فلا كفران لسعيه} أي لا بطلان لثواب عمله وهو كقوله تعالى: {ومن أراد الاخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا} *الإسراء: 19* فالكفران مثل في حرمان الثواب، والشكر مثل في إعطائه، وقوله: {فلا كفران} المراد نفي الجنس، ليكون في نهاية المبالغة، لأن نفي الماهية يستلزم نفي جميع أفرادها.
وأما قوله تعالى: {وإنا له كاتبون} فالمراد وإنا لسعيه كاتبون، فقيل: المراد حافظون لنجازي عليه، وقيل: كاتبون إما في أم الكتاب أو في الصحف التي تعرض يوم القيامة، والمراد بذلك ترغيب العباد في التمسك بطاعة الله تعالى.
2
هذا بيان يتعلق بالحرمة
أما قوله: {وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون} فاعلم أن قوله: {وحرام} خبر فلا بد له من مبتدأ وهو إما قوله: {أنهم لا يرجعون} أو شيء آخر أما الأول فالتقدير أن عدم رجوعهم حرام أي ممتنع وإذا كان عدم رجوعهم ممتنعا كان رجوعهم واجبا فهذا الرجوع إما أن يكون المراد منه الرجوع إلى الآخرة 1 أو إلى الدنيا 2؛ أما الأول 1: فيكون المعنى أن رجوعهم إلى الحياة في الدار الآخرة واجب، ويكون الغرض منه إبطال قول من ينكر البعث، وتحقيق ما تقدم أنه لا كفران لسعي أحد فإنه سبحانه سيعطيه الجزاء على ذلك يوم القيامة وهو تأويل أبي مسلم بن بحر، وأما الثاني2 : فيكون المعنى أن رجوعهم إلى الدنيا واجب، لكن المعلوم أنهم لم يرجعوا إلى الدنيا، فعند هذا ذكر المفسرون وجهين:
الأول: أن الحرام قد يجيء بمعنى الواجب.. والدليل عليه الآية، والاستعمال والشعر:
أما الآية فقوله تعالى: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم : أن لا تشركوا به شيئا} * الأنعام: 151*.. وترك الشرك واجب وليس بمحرم.
وأما الشعر فقول الخنساء:
وإن حراما لا أرى الدهر باكيا على شجوه إلا بكيت على عمرو يعني وإن واجبا.
وأما الاستعمال فلأن تسمية أحد الضدين باسم الآخر مجاز مشهور كقوله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} *الشورى: 40*.
إذا ثبت هذا فالمعنى أنه واجب على أهل كل قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون..
ثم ذكروا في تفسير الرجوع أمرين: أحدهما، أنهم لا يرجعون عن الشرك ولا يتولون عنه وهو قول مجاهد والحسن، وثانيها: لا يرجعون إلى الدنيا وهو قول قتادة ومقاتل.
الوجه الثاني: أن يترك قوله وحرام على ظاهره ويجعل في قوله: {لا يرجعون} صلة زائدة كما أنه صلة في قوله: {ما منعك أن لا تسجد} *الأعراف: 12* والمعنى حرام على قرية أهلكناها رجوعهم إلى الدنيا وهو كقوله: {فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون} *يس: 50* أو يكون المعنى وحرام عليهم رجوعهم عن الشرك وترك الإيمان، وهذا قول طائفة من المفسرين، وهذا كله إذا جعلنا قوله وحرام خبرا لقوله: {أنهم لا يرجعون} أما إذا جعلناه خبرا لشيء آخر فالتقدير وحرام على قرية أهلكناها ذاك، وهو المذكور في الآية المتقدمة من العمل الصالح والسعي المشكور غير المكفور ثم علل فقال: {أنهم لا يرجعون} عن الكفر فكيف لا يمتنع ذلك .. هذا على قراءة إنهم بالكسر والقراءة بالفتح يصح حملها أيضا على هذا أي أنهم لا يرجعون.
أما قوله تعالى: {حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون * واقترب الوعد الحق فإذا هى شاخصة أبصار الذين كفروا} ففيه مسائل:
المسألة الأولى: أن حتى متعلقة بحرام فأما على تأويل أبي مسلم فالمعنى أن رجوعهم إلى الآخرة واجب حتى أن وجوبه يبلغ إلى حيث أنه إذا فتحت يأجوج ومأجوج، واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا، والمعنى أنهم يكونون أول الناس حضورا في محفل القيامة، فحتى متعلقة بحرام وهي غاية له ولكنه غاية من جنس الشيء كقولك دخل الحاج حتى المشاة.
وحتى ههنا هي التي يحكى بعدها الكلام.
والكلام المحكى هو هذه الجملة من الشرط والجزاء أعني قوله: { إذا * فتحت يأجوج ومأجوج * واقترب الوعد الحق} فهناك يتحقق شخوص أبصار الذين كفروا، وذلك غير جائز لأن الشرط إنما يحصل في آخر أيام الدنيا والجزاء إنما يحصل في يوم القيامة، والشرط والجزاء لا بد وأن يكونا متقاربين، قلنا التفاوت القليل يجري مجرى المعدوم، وأما على التأويلات الباقية فالمعنى أن امتناع رجوعهم لا يزول حتى تقوم الساعة.
المسألة الثانية: قوله: {حتى إذا فتحت} المعنى فتح سد يأجوج ومأجوج فحذف المضاف وأدخلت علامة التأنيث في فتحت لما حذف المضاف لأن يأجوج ومأجوج مؤنثان بمنزلة القبيلتين، وقيل حتى إذا فتحت جهة يأجوج.
المسألة الثالثة: هما قبيلتان من جنس الإنس، يقال: الناس عشرة أجزاء تسعة منها يأجوج ومأجوج يخرجون حين يفتح السد.
الرسالة الرابعة لأحد الإخوة من منتدى التوحيد.
الحمد لله الذي أنزل القرآن بلسانٍ عربيٍّ غيرِ ذي عِوج، الحمد لله أرسل رسوله بالهدى وأعطاه جوامع الكلم، الحمد لله جعل لأهل السنة نسبًا للحقِّ غير مؤتشب، وأقام على الحق البراهين كالنُّجُم، وأخلى المبطلين من صلةٍ للعلم بسبب، فالحمد بعد الحمد لله!
ونشهد ألّا إله إلا الله وحده، تفرّد بالملك، وله الخلق والأمر، وكلُّ يوم هو في شأن، أقرّ بالضعف عن إدراك حكمته العقلاءُ، وعجز عن إدراك الثناء عليه الفصحاءُ، بكرمه أنعمَ على عباده فلم يحصوا لنعمائه عدًّا، وبفضله غفر للتائبين وإن جاءوا شيئًا إدًّا، فانظر إلى آثار رحمة الله!
ونشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، وصفيُّه من خلقه وخليله، أرسله ربنا بالهدى ودين الحق، وأظهره على الدين كله، ولم يقبضه حتى أقام الملة العوجاء، ففتح به أعينًا عميا، وآذانًا صمّا، فما أشقى من أعرض عن هديه، واحتذى على غير نهجه، يشقى في الواضحات بعقله، ما أشقاه!
ونعلم أن الصحابة كانوا خير أمةٍ أخرجت للناس، عاصروا الوحي، ولازموا النبي، وأقاموا اللسان، وزايلوا العُجْمة، وفهموا الحجة، وتُركوا على المحجة، وقاموا بواجب البلاغ، وآذنوا بالعداوة من زاغ، ونعلم أن التابعين خير قرنٍ بعدهم، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، فنحن نسعى على آثارهم، ونقتفي أثرهم، سائلين الله الهداية والثبات حتى نلقاه!
وبعد ..
فسلام الله عليك ورحمته وبركاته..
المهندس الكريم فتحي، أظنك تتفق معي على أن الخوض في الجزئيات يطول جدًّا، خلّ عنك الانشغال ببنيات الطريق فضلًا عما ليس من الطريق أصلًا!
ولذا سأضع خطوطًا عامة مما أعتقده وأنطلق من خلاله، مما هو مبثوث في كتب أهل العلم في القديم والحديث، ثم أرد من خلال ذلك على ما ذكرته من جزئيات، وسأعطي الجزئيات ما تستحقه مما تختص به إن كان، ثم بعد ذلك أرجو أن يتوجه كلامك إلى المراد من محل النقاش في الحوار، وعلى الأخص إلى الخطوط العامة لا الجزئيات.
أولًا: الألفاظ نوعان :
نوعٌ مذكورٌ في كتاب الله وسنة رسوله وكلام أهل الإجماع، فهذا يجب اعتبار معناه وتعليق الحكم به، فإن كان المذكور به مدحًا استحق صاحبه المدح، وإن كان ذمًّا استحق الذم، وإن أثبت شيئًا وجب إثباته، وإن نفى شيئًا وجب نفيه، لأن كلام الله حق، وكلام رسوله حق، وكلام أهل الإجماع حق.
والثاني : ألفاظ ليس لها أصلٌ في الشرع فتلك لا يجوز تعليق المدح والذم، والإثبات والنفي على معناها، إلا أن يبين أنه يوافق الشرع، والألفاظ التي تُعارَض بها النصوص هي من هذا الدرب، كلفظ "الجسم" و "الحيز" و "الجهة" و "الجوهر" و "العرض" و "التركيب" و "الجارحة" و "التكثر" وغيرها من ألفاظ دخلتنا من الفلسفة وعلم الكلام.
ثانيًا: حيث إنّ القرآن الكريم قد نزل بلسانٍ عربيٍّ مبين، والسنة النبوية مبينةٌ للقرآن الكريم، وكلاهما يهدي للتي هي أقوم، فالواجب إجراء النصوص الواردة على ظاهرها، إذ إن هذه النصوص وردت بأفصح وأبلغ وأبين لفظ، لتدل الناس على المعنى الذي فيه صلاح قلوبهم، وصفاء معتقدهم، وكمالُ علم المتكلم وفصاحته ونصحه يمنع أن يريدَ بكلامه خلافَ حقيقته، وتيسير القرآن للذكر ينافي حمله على غير ظاهره، وظاهر الكلام هو ما يسبق إلى العقل السليم منه لمن يفهم بتلك اللغة، ثم قد يكون ظهوره بمجرد الوضع، وقد يكون بسياق الكلام.
ثالثًا: النصوص الواردة في الصفات تمر كما جاءت ويؤمن بها وتصدق، وتصان عن تأويلٍ يفضي إلى تعطيل، وتكييفٍ يفضي إلى تمثيل، وذلك أن الكلام في الصفات فرعٌ على الكلام في الذات، يحتذي حذوه، ويتبع فيه مثاله، فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية.
رابعًا: الكلام من حيث قبوله للتأويل من عدمه أقسام:
الأول: ما هو نص في مراد المتكلم لا يقبل محتملًا غيره، فهذا يستحيل دخول التأويل فيه، وهذا شأن عامة نصوص القرآن الصريحة في معناها، كمثل أنه سبحانه يأمر وينهى، وكل يوم هو في شأن، ويسمع ويرى، فعّال لما يريد ... فهذا القسم إن سلّط عليه التأويل عاد الشرع كله مؤولًا أو قابلًا للتأويل، وما كان في المستطاع إقامة حجةٍ على مبطل أبدًا!
الثاني: ما هو ظاهرٌ في مراد المتكلم وإن احتمل أن يريد غيره، فهذا يُنظر في وروده، فإن اطرد استعماله على وجه استحال تأويله بما يخالف ظاهره، لأن التأويل إنما يكون لموضعٍ جاء خارجًا عن نظائره، فيؤول حتى يرد إلى نظائره، وهذا هو المعقول في الأذهان وفي الفطر وعند كافة العقلاء.
ومثال هذا اطراد النصوص بالنظر إلى الله تعالى هكذا "ترون ربكم" "تنظرون إلى ربكم" "إلى ربها ناظرة" ولم يجئ في موضع واحد: ترون ثواب ربكم، فيحمل عليه ما خرج عن نظائره!
الثالث: الخطاب بالمجمل الذي أُحيل بيانه على خطاب آخر، فهذا أيضًا لا يجوز تأويله إلا بالخطاب الذي يبينه، وقد يكون بيانه معه، وقد يكون بيانه منفصلًا عنه.
والمقصود أن الكلام الذي هو عرضة التأويل أن يكون له عدة معان، وليس معه ما يبين مراد المتكلم، فهذا التأويل فيه مجال واسع، وليس في كلام الله ورسوله منه شيء من الجمل المركبة.
خامسًا: الفرق المبتدعة " تتأول كل ما يخالف نحلتها وأصلها، فالمعيار عندهم فيما يتأول وما لا يتأول هو المذهب الذي ذهبت إليه، ما وافقها أقروه ولم يتأولوه، وما خالفها تأولوه"، "وكلام شيوخهم وتصنيفهم عندهم نص في مرادهم لا يحتمل التأويل، وكلام الموافقين عندهم نص لا يجوز تأويله، حتى إذا جاءوا إلى كلام الله ورسوله وقفوه على التأويل"، فهم احتكموا إلى عقولهم وأئمتهم، ثم حكموا بذلك على نصوص الشرع، بينما الحق الذي لا شك فيه أن الحكم لله!
والآن سأشرع في تناول ما تطرقت إليه من جزئيات من خلال ما سبق، فإن كان ثمّ خلاف فلترده إلى الأصول لنقف على أصل الخلاف، أسأل الله التوفيق والسداد:
غابة النصوص!
تأملتُ قولك (هكذا يتبين في غابة النصوص سبيل للسلوك والجمع بينها)، ورددت النظر فيه كَرةً بعد كرة، فوجدته وصفًا كاشفًا لحالك مع النصوص، فأنت – وفقك الله – تنطلق من فكرةٍ مسبقة، ثم تقف أمام النصوص تحمل في قلبك بقيةً من تعظيمها، ويتبادر إلى ذهنك ظاهرها، فتأبى عليك الفكرة المسبقة ما تبادر، فتتلمس في خطواتٍ حذرة على طريق وعرة مُشقة، حتى تقف على سبيل السلوك!! وأسفتُ كثيرًا!
فإنّ الله تعالى أنزل القرآن مُبينًا، يهدي للتي هي أقوم، ويسّره للذكر، فضرب للناس طريقًا واضحًا، ومنهجًا لائحًا، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حيّ عن بينة، وكان أولى ذلك بالوضوح، وأحقه بالظهور هو صفات الله وكماله، ومقتضيات أسمائه ونعوت جلاله، يعرفها العاميّ والعالم، ويدركها الغُمر والبحر، فما بالك جعلتها سبيلًا في (غابة!)، واعتسفتَ على نفسك، وأجهدتَ من خلفك، واضطبنتَ التبديل، إذ اضطررتَ إلى التأويل؟!
فهل يقوم في ذهن العربيّ عندما يسمع ظاهر النص، أن "عرش" الملك هو "صفات عزه"، أو أن "عرش" الملك هو "الملك نفسه"، وأن "عرشه على الماء" تعني أنه "عمد إلى خلق الأحياء"، و أن "صفات الرسول الكريم" هي "ظل عرش الرحمن"، فاستحلفتك بالله أهذا هو لازم الوضوح، ومقتضى التبيان، وموجب البلاغ، وظاهر النصوص، والمتبادر للأذهان؟!
فامدد إلى الصحابة بسبب!!
تقول في حق الصحابة رضي الله عنهم (وأرى أن ما أسلفت بيانه كان هو المتبادر لأذهان قوم منقوعين في عطر القرآن، ولم يلزمهم الكتابة ولا التأليف فتصورتم أنهم لم يعوا تأويلا.)، وتقول إنهم ( ولم يتكلموا كثيرا ولو كتبوا لكتبوا رضي الله عنهم مجلدات على غرار ما قلت) وتقول (عند الصحابة الكرام كان العرش الذي استوى الله عليه والذي هو من صفاته تعالى، مميزا عن عرش هو من عالم الآخرة على سبيل الظلية)اهـ.
فلو كان الأمر على ما قلتَ، لبلغنا عن الصحابة رضي الله عنهم هذا البيان، كما أبنتَ عن نفسك في عشرين صفحةٍ أو يزيد، ولكانوا رضي الله عنهم أحقّ الناس بتعليم الناس تنزيه الله وتسبيحه، إن لم يكن بالكتابة فبالرواية، وإن لم يكن بالتصنيف فبالتلقين، وهذا حقّ الأمة عليهم، ومقتضى النصيحة لله ولرسوله ولعامة المؤمنين وخاصتهم، بل إنه من تمام حفظ الذكر، وإظهار الدين!
فهل هناك نصّ عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيه (وصفة شمول التدبير وإحكام توصيل الفيض اسمها رب العرش)، أو فيه أن العرش هو (مجموع الصفات)، أو فيه أن معنى (رب العزة كرب العرش تمامًا)، أو أن العرش نوعان (العرش الحق وهو صفات الله، وعرش جلالي هو ظل العرش الحق)، وأن (كانت صفات رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ظلا لعرش الله تعالى)، وأن عروج الملائكة هو (تحقق المهام وتنجز القضاء وإنجاز أوامر الله)، كما أبنتَ وأظهرت معتقدك وعقيدتك؟؟
وتقول ( لو صح قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حين قال : "العرش فوق الماء" فهو يقصد ( على ) كما في القرآن، وهي عنده استواء الله إلى الماء ليخلق الحياة) فليت شعري أعجز ابن مسعود عن الإفصاح عن المراد من أنه استواء الله إلى الماء ليخلق الحياة؟!
ألم يعلم الأصحاب قول النبي عليه السلام (لما خلق الله الخلق كتب في كتابه وهو يكتب على نفسه وهو وضع عنده على العرش أن رحمتي تغلب غضبي)، فيخبرونا بما ذكرتَ في فحوى قوله (وهو وضع عنده على العرش أن رحمتي تغلب غضبي) أنّ (الفحوى أن اسمه الرحمان الرحيم هو جماع صبغة الصفات، وخلاصة الفاتحة، وهو ما كتب الله عند فاتحة الخلق)؟! أتراهم قصروا في البلاغ؟!
فإن عدمتَ أيّ نص عن الصحابة في هذه المسائل، يقولون فيه بمثل قولك، وهم العدول الأثبات، والحفاظ الثقات، والفصحاء البلغاء، والمبلغون الأمناء، فلا ريب أن هذه علامة أكيدة، ودليل باهر، وبرهان ساطع، على أن ما ذكرتَ ليس مما اعتقدوه، إذ لو كان كذلك لبلّغوه!
بل هم رضي الله عنهم العلماء المرشدون!
لقد تتابعت عليك الأقوال، من قول أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها لزوجها المصطفى صلى الله عليه وسلم (زوجنيك الرحمن من فوق عرشه)، ثم قول ابن عباس رضي الله عنه لعائشة رضي الله عنها (وأنزل الله براءتك من فوق سبع سماوات)، ثم قول الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها في مقتل عثمان رضي الله عنه (علم الله فوق عرشه أني لم أحب قتله)، ومن قبلُ قول الفاروق لخولة عليهما الرضوان (هذه امرأةٌ سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات)، ثم قوله رضي الله عنه (إنما الأمر من ههنا!) وأشار إلى السماء، تتابعت عليك فماذا قلتَ فيها؟!
قلتَ (هي لغة البشر للتفهم)! وقد نقلتَ قول الرازي (فنقول: السبب في هذا الكلام هو أنه تعالى خاطبهم بما يتعارفونه)!
أبيني لنا إنّ الصّريمة راحةٌ *** من الشكّ ذي المخلوجة المتلبّس!
ماذا تريد أن تقول من وراء هذا؟! وما يريد الرازي من قبلك؟! أتريد أن تقول كما قال ابن سينا (ما كان يمكن لموسى ابن عمران مع أولئك العبرانيين، ولا يمكن لمحمد مع أولئك العرب الجفاة، أن يبينا لهم الحقائق على ما هي عليه، فإنهم كانوا يعجزون عن فهم ذلك، وإن فهموه على ما هو عليه انحلت عزماتهم عن اتباعه)؟؟! أهذا هو المراد أم ماذا يرحمك الله؟؟ أجزم أنك لا ترضيك هذه الحطة من شأن الصحابة عليهم الرضوان!
وما تريد من قولك (هي لغة البشر للتفهم)، ألسنا من البشر؟؟ فما يضرنا أن نقول بما يقول البشر، وأن نعتقد ما يتبادر إلى الذهن من ظاهر فعل وكلام البشر، والله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ولو كان هذا القول من عمر رضي الله عنه وتلك الإشارة، لو كانا يحملان لنا معشر البشر معنى العلو كما يتبادر إلى الذهن، فلمَ لم يبادر عُمر بنفي هذا المتبادر إلى أذهان الناس؟؟ وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فكيف بعدم البيان أصلًا؟!
ظلمتني .. ثم ظلمتَ العامة مرتين!
تقول (تناقض الادعاء بأن ما بينته متكلف وبعيد واستعارات واسعة وأنه ليس فيه ما يبعد عن فهم العامة)اهـ.
إنما أتاك التناقض من فهمك لا من قولي، فالذي أريد قوله أنّ معنى أن الله يسمو في سماء المجد، معنى – في حد ذاته – واضح لا غبار عليه، يفهمه العامي بالعبارة المُفهمة المعبرة عنه، ويتبادر إلى ذهنه المعنى المراد إن قلنا له "الله يسمو في سماء المجد"، فما الداعي لعدم مخاطبة العوام بهذه المعاني في ألفاظ صريحة، والإتيان بها مخبوءة في ظلال نصّ لا صلة بين ظاهره أو باطنه وإياها؟!!
والمَظلمة الثالثة أنّ العامي لا يفهم من ظاهر النص ما تفهمه أنت، فلا يفهم أن "العرش" تعني مجموع الصفات أو الفيوضات، لأن ظاهر الكلمة وباطنها ليس فيه شيءٌ من هذا المعنى على الحقيقة! ولعل ذلك يفضّ ما اشتبك في ذهنك من تناقض متوهّم ظلمتني به وظلمت العامة مرتين!
هذا .. ما اسمه؟!
تقول في محاولة لجعل البخاري ممن يفسر العرش بالعزة، تقول (البخاري لما وضع عنوانا مقدمة لهذا الحديث عن العرش قال: "باب قوله تعالى: وهو العزيز الحكيم"، وقوله: "سبحان ربك رب العزة عما يصفون"، وقوله: "ولله العزة ولرسوله"، فما المناسبة عند البخاري بين الأمرين سوى أنه يتكلم عن صفة الله: (رب العرش) مساويا العرش بالعز مبينا أن العرش ليس بمخلوق، وأن لفظ:رب، لم يرد مقرونا بصفة الله إلا في: رب العزة، ورب العرش. فأراد البخاري بيان عقد هذه الصلة هنا، ليبين اعتقاده أن رب العزة هو هو رب العرش، وبالتالي فعرشه هو عزه. وأكد ذلك بتعزيز الآيات للحديث.)اهـ.
ففهمتُ من كلامك أن هذا الباب، (باب قوله تعالى "وهو العزيز الحكيم")، قد أورد البخاري تحته حديثًا عن العرش، فهمتُ هذا من كلامك، فذهبتُ لأتأمل (بعمق الضراعة، ودموع اللوعة شوقا للهداية، مصليا على نبي الله محمد) صلى الله عليه وسلم كما أردتَ، فلم أجد في الأحاديث ذكر العرش رأسًا، فقلتُ لعله سقطٌ في المتن! فذهبت إلى الشروح فكانت كالمتون، فقلتُ لعله وهمٌ في الشرح، فذهبت إلى الشروح المفردة لكتاب التوحيد من صحيح البخاري، فوجدتُ الأمر كما كان في المتن وفي الشروح، فلم يرد ذكرٌ للعرش في هذا الباب أصلًا!
وتسأل عن السبب!
تسأل (وكيف أنطلق في اعتقاداتي عن العرش من عقلي وليس في العقل عروش لازمة ولا حملة العرش من البديهيات الضرورية، بل هو سماع من الله ورسوله، وهو شيء من الكتاب والسنة مبني على تصديق القرآن)اهـ.
والجواب من كلامك، ومما طالبتني بالتأمل فيه من قول الرازي في حتمية التأويل (لا يمكن أن يكون المراد منه أن الله جالس في العرش وذلك لأن كل من كان حاملا للعرش كان حاملا لكل ما كان في العرش فلو كان الإله في العرش للزم الملائكة أن يكونوا حاملين لله تعالى وذلك محال، لأنه يقتضي احتياج الله إليهم، وأن يكونوا أعظم قدرة من الله تعالى وكل ذلك كفر صريح، فعلمنا أنه لا بد فيه من التأويل)اهـ.
فكما ترى، الرازي تصوّر أن إثباتنا علو الخالق تعالى على خلقه، واستواءه على عرشه، ومجيئه في سلطانه وعزته، والملائكة يحملون عرشه، تصوّر أن هذا يعني أن حمل الملائكة لعرش الرحمن، كحمل الغلمان لعروش سلاطين الدنيا الزائلة، يلزم منه احتياج الله لحملة عرشه، أيّ أنه وقع في التمثيل ابتداءً، ثم أراد أن ينزّه الله عن هذا التمثيل الذي أتاه من عقله، فوجد أن التأويل لا بد منه!! وهكذا ما عطّل إلا ممثّل!!
فنحن نؤمن بأن الله تعالى يحمل العرش وحملة العرش بقدرته، وأن الملائكة يحملون العرش كما ثبت بنص القرآن الكريم، ولا نقع في القول بكيفية كالآدميين ولا تمثيل بأحوال البشر، فنزعم أن ذلك يستلزم الاحتياج، وليس بلازم، وعليه فالتأويل ليس بلازم!
وهاهو مثالٌ آخر مما نقلته عن الرازي في قوله تعالى(تعرج الملائكة والروح إليه)، يقول: (عروج الملائكة وصعودهم إليه، وذلك يقتضي كونه تعالى في جهة فوق، والجواب: لما دلت الدلائل على امتناع كونه في المكان والجهة ثبت أنه لا بد من التأويل)اهـ.
فمن أين جاء بدعوى امتناع الجهة والمكان هكذا بإطلاق، وهي ألفاظٌ لم يتوجه إليها الأصحاب بنفي ولا إثبات، فالواجب فيها التفصيل كما سبق البيان، فما كان على مراد حقٍّ أثبتناه، وما سواه أسقطناه.
والحاصل أن هذا هو المقصود بمحاكمة النصوص إلى العقل، فالعقل يرى أن حمل العرش يقتضي الاحتياج، وليس كذلك، فيلجأ إلى تأويل النصوص، ويرى أن المكان والجهة يمتنعان مطلقًا وبكل اعتبار، فيلجأ إلى التأويل، ولعلك ترى في هذا جواب السؤال بأظهر مثال!
"مصطلح" الصفات!
تقول (يقدس القرآن الله عما يصف الواصفون.. ولا ذكر لكلمة ( صفة الرحمن ) في الصحيح غير حديث عائشة ( فتح الباري جـ13 /7375) عن تعبير صحابي يقول عن سورة الإخلاص أنها: صفة الرحمن. وما جاء في التراث الإسلامي بعد ذلك عن ( الصفات ) فهو مصطلح يجب الحرص عند استعماله، ولا تلصق كل إضافة للفظ الجلالة إلى تفسير حديدي يقول ( بما وصف الله به نفسه))اهـ.
فالرد على ذلك من وجوه:
الأول: قولك (يقدس القرآن الله عما يصف الواصفون)، فأين في كتاب الله عز وجل أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو في آثار الصحابة رضي الله عنهم، أين قدّس الله ذاته عن وصف الواصفين هكذا بإطلاق؟!
الثاني: أن الثابت والمتواتر أن الله تعالى قدّس ذاته عن وصف أهل الكفر والبهتان، فقال سبحانه (وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم، وخرقوا له بنين وبناتٍ بغير علم، سبحانه وتعالى عما يصفون)، وقال (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، فسبحان الله رب العرش عما يصفون)، وقال جل في علاه (ما اتخذ الله من ولدٍ وما كان معه من إله، إذا لذهب كل إلهٍ بما خلق ولعلا بعضهم على بعض، سبحان الله عما يصفون)، (قل إن كان للرحمن ولدٌ فأنا أول العابدين * سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون)، ( فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذَرين، وتول عنهم حتى حين، وأبصر فسوف يبصرون، سبحان ربك رب العزة عمّا يصفون)، وهذا ينقلنا إلى:
الوجه الثالث: أنه سبحانه لو كان مقدسًا عن أي وصف كما ذكرتَ، فكان أردى للكفرة، وأخزى للمبتدعة، وأحرى أن يكون الرد بنفي الوصف رأسًا، لا تعليق الوصف المنفيّ بالكافرين، وحيث إن كلام الله أبلغ الكلام وأبينه، وأشد قولٍ على إبطال ضلال الكافرين وأعظمه، فإنه لابد أن يكون الوصف لله تعالى جائزًا إن كان من المؤمنين، وهذا المفهوم قد ورد منصوصًا عليه، وهذا ينقلنا إلى:
رابعًا: قال تعالى (وجعلوا بينه وبين الجِنَّة نسبًا، ولقد علمت الجِنَّة إنهم لمحضرون * سبحان الله عما يصفون * إلا عباد الله المخلصين)، فاستثنى عباده المخلصين، ولم ينزه نفسه عما يصفونه به، لأنهم يصفونه بما يليق بجلاله سبحانه، ويعلمون أن وصفه يكون بما وصف به نفسه جلّ في علاه، فثبت بالنّص أن عباد الله المخلصين يصفونه بما يليق بجلاله.
خامسًا: تقول (ولا ذكر لكلمة ( صفة الرحمن ) في الصحيح غير حديث عائشة ( فتح الباري جـ13 /7375) عن تعبير صحابي يقول عن سورة الإخلاص أنها: صفة الرحمن.)اهـ، والحديث أن (رجلًا كان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم بقل هو الله أحد، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال "سلوه لأي شيءٍ يصنع ذلك؟!"، فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه إن الله يحبه.) فهل ترى – وفقك الله وأنار بصيرتك - أن هذا الحديث مجرّد "تعبير صحابي"؟!
سادسًا: إن النبي صلى الله عليه وسلم أقرّه على وصفه، ولم يقل له إن الله منزه عن وصف الواصفين، أو إن كلمة "صفة" لم ترد في الكتاب، بل على النقيض تمامًا، بشره أن الله يحبه، فسبحان الله!
سابعًا: أن حاصل احتجاجك عند التأمل يمكن صياغته في أن (كلمة "صفة" لم يكن لها من حظّ إلا ورودها على لسان صحابي!! هذا وحسب!!)، فلا ندري ما نقول حقيقةً، ألا ترضى أن نكون على عقيدة الصحابة، وأنت القائل بعدُ (الصحابة رضوان الله عليهم كانوا في الوعي عن الله أفراس السباق السابقة )؟! ولذلك فإن من سبقك ممن أراد أن يحتج على ما ذهبتَ إليه وتسعى لإثباته، لم يجد بدًّا من تضعيف الحديث، فتكلّف فيما لا يُحسن، وخالف أهل الصنعة فيما اتفقوا عليه!
ثامنًا: وعليه فإن قولك (وما جاء في التراث الإسلامي بعد ذلك عن ( الصفات ) فهو مصطلح)، تقصد بذلك أنه مما اصطلح عليه العلماء ولم يثبت في نصوص الشرع، مردودٌ بما سبق ذكره، فإن الله تعالى نزّه نفسه عن وصف الواصفين إلا وصف عباده المخلصين، وثبت ذلك عن الصحابة رضوان الله عليهم، وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم عليها، وما تلا ذلك من كلامك عن التفسير الحديدي! "نؤمن بما وصف الله به نفسه" وغيره فمبنيّ على ما سبق وقد ثبت بيان مخالفته للصواب، نسأل الله لنا ولك التوفيق والسداد.
"يد الله فوق أيديهم"
قلتُ (ما ذكرتَه من كون قوله عز وجل يد الله فوق أيديهم يعني أنه حاضرٌ معهم يسمع أقوالهم ويرى مكانهم ويعلم ضمائرهم وظواهرهم ، فهذا لا ننازع فيه ، لكن نضيف كذلك أن في هذا النص إثبات اليد لله العلي العظيم.....).
فرددتَ (إنني أختلف معك هنا وأقول أن الملك لو حدث له حادث أو كان مولودا أبتر اليدين لكنه مطاع الأمر، والمملكة راسخة بتدبيره وكلامه وفكره فإن له كل الحق في التعبير أنها في يده، ولسان العرب يسمح له وأنت تحرمه بغير الحق) اهـ.
فليتك تعطي كلامي من التأمل ما أعطي كلامك، فالمقصود من عدم القبول أن الملك لو كان مبتور اليدين، وقال له أحد الشعراء مادحًا "والمملكة في يديك!"، لكان في هذا أقذع السخرية، وأبلغ قولٍ يقال في ضياع شأن المملكة!
ثم إنك لو استرسلت في هذا بفكرك، لوجدتَ أنه لولا أن (جنس) الإنسان له يد، لما صحّ أن يكون في لغة الناس "والمملكة في يديه"، وعليه فإن قوله تعالى (يد الله فوق أيديهم) يدل على ثبوت اليد لله تعالى.
الجهة والمكان:
تقول (الأين المكاني المعهود مخلوق لا يجوز في حق الله، وفعلا المراد بالمكان اللائق بالله لو جاز التعبير هو العلو)اهـ.
فهذه الألفاظ كما سبق الذكر مما أحدث، ولذا نتوقف في النفي والإثبات حتى نقف على المراد، فإن كان المراد أنه ليس فوق العالم إلا العدم المحض، وأن الله ليس فوق السماوات ولا فوق العرش، فهذا ننفيه وننكره، وننفر منه ولا نثبته، وإن كان المقصود أن الله جلّ جلاله قاهر فوق عباده لا تحيط به المخلوقات، ولا يكون في جوف الموجودات، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، مستوٍ على عرشه، غني عن العرش وكل ما سواه، لا يفتقر إلى شيء من المخلوقات، بل هو مع استوائه على عرشه يحمل العرش وحملة العرش بقدرته، ولا يمثل استواء الله باستواء المخلوقين، فهذا نثبته بيقين، ونؤمن به دون أن نقع في تكييف يفضي إلى التمثيل، أو تأويل يؤدي إلى التعطيل، فالممثِّل يعبد صنمًا، والمؤوِّل يعبد عدمًا، وأهل السنة يعبدون الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
تقول ( لكن أذكرك أنه مع قولنا أن الله متربع على عرشه، فلا يمكن القول: أنه تعالى ليس على الأرض)اهـ .
الله تعالى مستوٍ على عرشه، وهو مع خلقه بعلمه وقدرته وسمعه وبصره وسلطانه وغير ذلك من معاني ربوبيته، ومع المؤمنين بالنصر والتأييد والكفاية، كما قال تعالى (هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، وهو معكم أينما كنتم، والله بما تعملون بصير)، وروى الإمام أحمد عن الإمام مالك قوله: (الله في السماء وعلمه في كل مكان، لا يخلو من علمه مكان)، فلا نقول بقول أهل الحلول أنه معنا بذاته في الحشوش والأسواق!! تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا!
"معاني" العرش عندك!
لقد اختلفت عبارتك في بيان معنى العرش، اختلافًا لا يمكن بحالٍ ردّه إلى معنى واحد، والواضح الجليّ أن هذا الاختلاف يختلف بحسب النص، وكأنّ العرش ليس له حقيقة ثابتة.
فتارةً تقول ( صفة شمول التدبير وإحكام توصيل الفيض اسمها رب العرش)، فالعرش هو صفة التدبير، وتارةً تقول (رب العزة هو هو رب العرش، وبالتالي فعرشه هو عزه)، فالعرش هو صفة العزة، وأخرى تقول إن العرش هو (مجموع الصفات والكمالات)، فالعرش هنا مجموع الصفات، ثم نأتي لنصوص ظل العرش يوم القيامة، فتقول (العرش المذكور في ساحة العرض هو مرآة جلالية لعرش صفة التجلي والكمال والحكم ومجد السيطرة والهيمنة الذي استوى الله عليه سبحانه وتعالى)، فصرنا أمام نوعٍ آخر من العروش، وإن وصلنا إلى أن عرشه كان على الماء كان المراد أنها (تجليات الله متوجهة لخلق الحياة)، فالعرش صار توجه تجليات الله!
ثم تأتي نصوص عن حملة العرش، فترى أن حملة العرش هم ملائكة يحملون ( فيوض الربوبية العامة والرحمانية للأحياء والرحيمية للمؤمنين والمالكية للجزاء .. ثم يكشف الله فيوض حمد زائدة من محامده عند عرض الأرواح الكاملة على الله بعد القيامة)، فصار العرش المحمول هو فيوضات الربوبية والرحمة والملك، ثم آخر ذلك قولك (وسواء عبر بأنه : يظلهم الله في ظل عرشه، أو عبر بأنه: يظلهم الله في ظله. فالمعنى واضح أن عرشه هو هو وهو صفاته وهو تجلي صفاته)، فجعلتَ الله عزّ وجلّ هو العرش، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا!!
فما ذاك ولم كان؟! أهو عائدٌ إلى قولك بتنزيه الله عن "التكثّر"، ذاك اللفظ المحدث كسائر الألفاظ التي تحملك على التأويل، فتبني عليها دعوى أن تعدد صفات الله (هو تعدد في الوعي الإنساني، وكثرة في الاستيعاب الذهني، وتغايرها هو تغاير في زاوية رؤيتنا)، أفتريدُ أن تقولَ أن العلم والحكمة والرحمة والحياة والقدرة والعزة وتدبير الأمر هي على الحقيقة بمعنى واحد، لا فرق بين العلم والحياة إلا في "زاوية رؤيتنا"؟!! فتخالف بذلك الكتاب والسنة وإجماع الصحابة واللغة والعقل والفطرة؟!!
وأسأل هاهنا عدة أسئلة طامعًا في تحصيل جواب مقنع:
- آلعرش هو صفة التدبير أم صفة العزة أم مجموع الصفات أم هو أنواع أم هو توجه تجليات الله أم هو فيوضات الربوبية والرحمة والملك أم هو هو الله ذاته؟!
- لم اضطررتَ نفسك إلى ذلك؟! وما يضرك إن أخذت اللفظ على ظاهره، فقلتَ إن العرش كما هو المعنى المتبادر للأذهان، وأن الله تعالى مستوٍ عليه، بائنٌ من خلقه، غنيٌّ عن العرش وحملته؟! ما يضرك وما يضرنا من هذه العقيدة الصافية التي لم ينقل خلافها عن الصحابة؟!
- إنك تنطلق من هذا الذي ذكرتَه، فتنظر في قول مجاهد (استوى : علا على العرش.)، فتقول ( فالله علا على عرش العزة)، فهل كان مجاهد رحمه الله عيّ اللسان لا يستطيع الإبانة فيقول بمثل قولك "علا على عرش العزة"؟!
- ثم تنطلق منه كذلك، فتنظر في قول ابن مسعود رضي الله عنه (والله فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمالكم) ، فتقول (فهو يقصد أنه على عرش العزة يحكم الخلق ويدبر الأمر)، فهل كان ابن مسعود رضي الله عنه عيّ اللسان لا يستطيع الإبانة فيقول بمثل قولك (والله فوق عرش العزة) والفرق بين قولكما كلمة "العزة"؟؟! فلمَ لم يذكرها ابن مسعود والحاجة داعيةً إليها؟؟! لم لَم يذكرها فإن ظاهر الكلام يجعلنا نقول بمعنى العرش المتبادر للأذهان؟؟!
- هل هناك نصّ في الكتاب أو السنة أو أقوال الصحابة أو القرون الخيرية، هل هناك نصّ فيه صراحة أن العرش هو صفة التدبير أو العزة أو مجموع الصفات؟!
- إنك تميّز بين نوعين من العرش، الأول (العرش الحق وهو صفات الله وتجلياتها على الخلق) والثاني هو (العرش الظلي، الذي تتجلى فيه رحمات الرحمان)، وهذا الثاني هو (عرش الله الجلالي الذي هو ظل للعرش الكريم من صفات الله)، فما دليل هذه القسمة؟! وما أصل هذا التفريق؟؟ ما الدليل من كتاب أو سنة أو لغة الذي استندت إليه في التفريق بين العرش المذكور في ساحة العرض والعرش في سائر النصوص، من كتابٍ أو سنةٍ أو إجماع وفقك الله؟!
- ماذا عن احتمال لسان العرب لهذه المعاني؟! ولا يكتفى هاهنا بنقل كلمتين من القاموس المحيط لتقوم بذلك حجة، بل الاحتجاج باللغة في مثل هذا الموضع له أصوله التي لا ينبغي أن تكون خافيةً على مثلك وفقك الله، فهل هناك في كلام العرب وجه لحمل معنى العرش على صفة التدبير وصفة العزة ومجموع الصفات بل على الذات الإلهية؟!
ما استدللتَ به على "معاني" العرش!
أما قولك إن العرش هو (صفة شمول التدبير وإحكام توصيل الفيض)، فاستدللت – أو استأنست – له بقول الله تعالى (ثم استوى على العرش يدبر الأمر) وقوله تعالى (ثم استوى على العرش؛ وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى؛ يدبر الأمر)، فقلتَ إن ورود هذا بعد هذا يعني حمل هذا على هذا، وهذه كما لا يخفاك مجرد دعوى تفتقر للدليل، ولا يُستدل بها، فنحن نقول إن الاستواء على العرش كان على الحقيقة، وإن تدبير الأمر يحمل معنى جديدًا، وهذا هو الأصل في لسان العرب.
وقولك إن العرش هو العزة، فقد استدللت – أو استأنست – له بقولك (هناك مرة ذكر الله كلمة رب مرتبطة بصفته وهي آية الصافات : "سبحان ربك رب العزة عما يصفون". وهنا يجب التوقف والإعلان أن رب العزة كرب العرش تماما، وأن العرش هو صفات الله المتعال. وأن العرش لله كالعزة له تعالى. من صفاته)اهـ، وهذه هي الأخرى مجرد دعوى تفتقر للدليل، ولا يستدل بها، فأنت بدأت بأن العرش والعزة صفتان لله تعالى، ثم ثنيت بأن "رب العرش" و "رب العزة" هما الموضعان اللذين ذكرت فيهما كلمة "رب" مرتبطة بصفته، وبالتالي قلت بالترادف بين العرش والعزة، وأنا – أصلًا وابتداءً – أخالفك في كون "العرش" صفة، وأقول إنه مخلوق من مخلوقات الله، فهل تستدل على محل النزاع بمحل النزاع؟!!
أما تعلق الرحم بالعرش فتقول إنه هو (معنى واحد لا غير يجمع التعلق بالعرش والتعلق بحقو الرحمان أي بالرحمان أي بالرحمانية، أي بصفة الله)، فهذا التقرير كذلك يفتقر إلى دليل، ولا يستدل به، وقد خلا كلامك من دليل، وسرى فيه القول بما ترتضيه من تأويل، فهل في هذا حجة عليّ؟!
وتستدل على معنى العرش الظلي عندك بقولك ( وفيها يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( موحدا بين لفظ : الله، وبين لفظ: عرشه) أن الله يظل سبعة في ظله يوم القيامة، فإنه يومها لا ظل إلا ظله، ولم يقل يوم لا ظل إلا ظل عرشه.. فالظل هو ظله سبحانه، والظل في القاموس المحيط أيضا له معنى العز والمنعة، والمعنى يظلهم الله بحمايتهم من كل مخاوف هذا اليوم) اهـ، اتفقنا على أن الظل المضاف إليه سبحانه ظلٌّ مخلوق، هو ظل العرش كما ورد في الروايات الأخرى، أو غيره كما في الحديث "كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس"، وهذا يتضمن حمايته تعالى للمتقين من حر يوم القيامة! اتفقنا على هذا، لكنّك – لو تأملت – لوجدت حقيقة استدلالك هي أنه بما أن "ظل العرش" و "ظل الله" وردا في الحديث عن يوم القيامة، إذن العرش هو الله تعالى الله عن ذلك، فتقول (فالمعنى واضح أن عرشه هو هو وهو صفاته وهو تجلي صفاته)، فما دليل هذه الدعوى العريضة بخلاف ذكرك إياها؟!
قولك في معنى حديث سجود الشمس تحت العرش أن المراد (خضوع حركات الشروق والغروب لتدابير الله وإذنه، ودوام قيوميته، وخضوع الكون لقوانين الله الحي وفعله، لالميكانيكية الظاهر الموهومة)، فهذا التأويل للعرش بمعنى التدبير لا يحوجنا إليه شيء، ولا تسعف القائل به حجة ولا سلف ولا لغة، لأننا نقول إن الشمس ساجدة سجود خضوع تحت عرش الله تعالى، وكل المخلوقات تحت العرش، وسجود الشمس ليس كسجود الإنسان، كما أن تسبيح الطير ليس كتسبيح البشر، ونقول بما يلزم ذلك من دوام سجود الشمس وخضوعها، تحت عرش الله عز وجل، فأي شيءٍ يُحوجنا للتأويل!؟
الكرسي!
تقول عن الكرسي أن (معناه العلم، والعلم صفة الله، فسيكون الكرسي من صفات الله)، واحتججتَ في ذلك برواية نُسبت لابن عباس رضي الله عنه فتقول (أختار رواية قوية عن ابن عباس لمعنى الكرسي موافقة لما يليق بذات الله، تعالى وتقدس، وبدأ بها ابن كثير تفسيره، ورجحها مفسرون آخرون) و جعلتَ ذلك من ابن عباس رضي الله عنه حديثًا عن غيبٍ خالص، فيكون (في حكم المرفوع)اهـ.
وأقول: أثبت العرش ثم انقش، فنحن أمة الإسناد، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، فالرواية عن ابن عباس (كرسيه علمه)، جاءت من طريق مطرف عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عنه، وجعفر ليس بالقوي في سعيد ولم يُتابع على روايته كما قال ابن منده، بل قد خُولف فيها برواية عن ابن عباس يقول فيها ( الكرسي موضع القدمين ، والعرش لا يقدر قدره إلا الله عز وجل)، وللشيخ محمد الأبيضي حفظه الله ورقة بعنوان (القول الجلي في تخريج أثر ابن عباس في تفسير الكرسي)، فيها التفصيل إن شئت الاستزادة.
ودونك قول ابن كثير رحمه الله (وعن ابن عباس وسعيد بن جبير أنهما قالا في قوله تعالى "وسع كرسيه السماوات والأرض" ، أي : علمه ، والمحفوظ عن ابن عباس كما رواه الحاكم في مستدركه - وقال إنه على شرط الشيخين ولم يخرجاه - من طريق سفيان الثوري عن عمار الدهني عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه قال: ( الكرسي موضع القدمين ، والعرش لا يقدر قدره إلا الله عز وجل))اهـ.
ولذا فقولك ( تركت ما روي عن ابن عباس أن الكرسي موضع القدمين ، ولعلي قد عللت الآن وذكرت المعيار الذي به قبلت عن ابن عباس شيئا ورفضت به نظيره عنه نفسه.)، فالصراحة أنك ما وضحت المعيار، ولا رسمت المنهج، فإن كان الشأن شأن إسناد، فالرواية التي أعتمدها أقوى إسنادًا، وإن كان الشأن شأن المتن والمعنى، فنحن نثبت علم الله تعالى من أدلة أخرى، ونثبت أن الكرسي موضع القدمين، دون تمثيل ولا تعطيل كما سبق البيان، فأين المعيار؟!
الأدلة على أن العرش مخلوق، وبطلان ما تأولته به!
هذه الأدلة الواضحة، كما هو ظاهر لكل عربيّ على أن العرش مخلوق، وهو أكبر المخلوقات، والله تعالى على العرش استوى، فسبحان ربي الأعلى! والعرش لا يعني شيئًا من المعاني التي تأولتها، من غير دليل كما سبق البيان، وعلى خلاف الدليل كما يأتي البيان، والحمد لله الذي أقام على الحق براهين عديدة، فإذا الباطل قد انتفى وزهق، ولم يحر جوابًا ولم يطق!
- قال تعالى (وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء).
- وقال (الله الذي رفع السموات بغير عمدٍ ترونها ثم استوى على العرش).
- وقال (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به)
- وقال (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذٍ ثمانية).
- وقال (وترى الملائكة حافين من حول العرش) الآية.
- وقال ( قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم * سيقولون لله قل أفلا تتقون)
- وفي صحيح مسلم قال صلى الله عليه وسلم لجويرية بنت الحارث رضي الله عنها ( لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزنت بما قلتيه لوزنتهن: سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله رضى نفسه، سبحان الله مداد كلماته).
- وفي الصحيحين ( اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ)
- وصحّ قوله صلى الله عليه وسلم ( يا أبا ذر! ما السموات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة).
- وعند مسلم قال صلى الله عليه وسلم (كتب الله مقادير الخلائق، قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء).
ونكتفي بذلك عساك تجيل فيه النظر، فتعطيه حقه من التأمل مع ما سبق، نسأل الله لنا ولك التوفيق والهداية والسداد.
****
وننتقل الآن إلى رفع المسيح الحق الموعود عيسى عليه السلام، ونزوله آخر الزمان.
الأدلة التي ذكرتُها ولم تتوجه إليها بنقض:
الأدلة التي ذكرتُها ولم تتوجه إليها بنقض:
الدليل الأول والذي لم تتوجه إليه بنقض كما سيأتي البيان:
(تعقيب قوله تعالى ﴿وَما قتلوه وما صلبوه﴾ بقوله ﴿بل رفعه الله إليه﴾ قطعي في الرفع الذي نقول به ، لا الرفع الذي تقول به، إذ لا معنى يليق بالبلاغة القرآنية المعجزة في القول إنهم ما قتلوه بل رفع الله روحه إليه، ففي هذا من الركاكة والسخافة ما فيه، فضلاً عن عدم وقوع التقابل بين القتل المنفي والرفع المثبت لأن ما يلي (بل) يجب أن يكون ضد ما قبله، كما صرح النحاة أن (بل) بعد النفي أو النهي تجعل ما بعدها ضدًا لما قبلها، فهذا اعتراضٌ ليس له عندك جواب.).
الدليل الثاني والذي لم تتوجه إليه بنقض كما يأتي البيان:
(المعنى الأصلي للتوفي المفهوم منه مباشرة ليس هو الإماتة كما تحسب ، بل معناه أخذ الشيء وقبضه تمامًا كما في قوله تعالى ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ وقوله ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ فالتوفي والاستيفاء في اللغة بمعنى واحد كما في مختار الصحاح، وإنما الإماتة التي هي أخذ الروح نوع من أنواع التوفي الذي يعمها مع غيرها لكونه بمعنى الأخذ التام المطلق . ومنشأ الغلط عند من ظن أن التوفي معناه الإماتة هو كون الناس قد درجوا على استعمال التوفي بهذا المعنى غفلةً عن معناه الأصلي العام ، ولو راجعت كتب اللغة لوجدت الزمخشري في أساس البلاغة يذكر معنى الإماتة في الدرجة الثانية بعد قوله (ومن المجاز) لأن المعنى الأصلي للتوفي المتبادر إلى ذهن العارف بالعربية هو أخذ الشيء تمامًا ولا اختصاص له بأخذ الروح دون غيرها).
الدليل الثالث والذي لم تتوجه إليه بنقض كما يأتي البيان:
(قوله ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بعد قوله ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ دلالةٌ إضافيةٌ على عدم كون معنى توفيه إماتته ؛ لأن تطهيره من الذين كفروا بإماتته وإبقاء الكافرين لا يكون تطهيرًا يشرفه كما في تطهيره برفعه من بينهم حيًا إلي السماء ، ثم إن سياق الآيات هو في مقام طمأنة عيسى عليه السلام الذي تآمر أعداؤه ضده ، فلا يكون من المناسب في هذا السياق أن يطمئنه الله تعالى بأنه مميته وقابض روحه كما تزعم يا سيدي الفاضل ؛ فهو كأن تطمئن من هو مهددٌ بالقتل من قبل أعدائه بأنك ستميته وتقبض روحه في المقابل !! فهذا المعنى في هذا السياق غايةٌ في البعد والشذوذ كما لا يخفى.).
والآن سأتناول ما ذكرتَه في مقابل هذه الأدلة الواضحة:
ويتلخص ذلك في ستِّ نقاط:
ويتلخص ذلك في ستِّ نقاط:
تقول (والعقل يمنع أن يكون إنسان في قامة محمد صلى الله عليه وسلم ينجو من مؤامرة قتله بالحركة في الأرض ليلة الهجرة، وعندما يموت يدفن في تراب، ونبي آخر أقل منه مكانة يميز عن كل نبي ويطار به إلى السماء، ويبقى في السماء آلاف السنين بلا شيخوخة). اهـ.
وهذا الكلام ليس فيه من التحقيق شيء، فإن العقل لا يمنع ذلك وفقك الله، وما ينبغي لمن وسّدَ نفسه ما سوّدتَ أن يجهل معنى الاستحالة العقلية.
ثم ما تقول لو أتاك متعالمٌ ما فقال (والعقل يمنع أن يكون إنسان في قامة محمد صلى الله عليه وسلم ينجو من مؤامرة قتله بالحركة في الأرض ليلة الهجرة، ونبيّ آخر أقل منه مكانة يميز عن كل نبي فينفلق له البحر، فيمشي على صفحته)، أستنكر عندها لأجل قالتِه انشقاقَ البحر لموسى عليه السلام؟!
ثم ما تقول لو أتاك متعالمٌ ما فقال (والعقل يمنع أن يكون إنسان في قامة محمد صلى الله عليه وسلم لا يكلّم الناس في المهد، أو لا يحمله اليم فيلتقطه العدو) أتترك ما ثبت بالبرهان لكلماتٍ لا غرض لها إلا دغدغة العواطف؟!
ثم إن الحبيب صلى الله عليه وسلم هو خاتم الرسل، وآخر النبيين، وأمين من في السماء، واللبنة التي بها تمّ البناء، وبموته انقطع الوحيّ من السماء إلى الأرض، وبشرعته ظهرت المحجة واستتب الأمر، فكان ورثته العلماء، وأتباعه الأتقياء، فمن صدّق بهذا فقد وعى مكان النبي ومكانته، ومن أنكر هذا فهو الحقيق أن يلام، وأن يستتاب للإسلام، فنسأل الله السلامة من العمى والعمه، ونحمده تعالى على الهداية ونشكره!
تقول ( في فتح الباري جـ 6/3349 عن ابن عباس رضي الله عنهما. فأقول أصحابي أصحابي فيقال إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح : وكنت عليهم شهيدا مادمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد... الحديث، المائدة، هنا يساوي رسول الله صلى الله عليه وسلم، بين موقفه إزاء من انحرف وموقف عيسى عليه السلام ممن انحرف. ويفوض لله نفس التفويض. وينطق ذات العبارة كعيسى، ويقول ( كما ) ونفس الكلمة التي يقولها عيسى. فلابد من جدية الرسول المطلقة وتساوي الوفاتين. وأنت تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤخذ (تماما جسدا وروحا)، بل صعدت روحه وبقي جسده، فلابد أن يكون هو شأن عيسى ولامناص. فإذا كان نبي الله محمد لم يتحقق له المعنى الأصلي للتوفي، فإن نبي الله عيسى لم يتحقق له نفس المعنى الأصلي. ذلك المعنى المتبادر إلى ذهن العارف بالعربية كما تقول حضرتك)اهـ.
لا ينبغي أبدًا أن يدفعك قولي عن أصل معنى التوفي، وبياني أنه قبض الشيء تمامًا، وذكري أن هذا هو المتبادر إلى ذهن العربي، لا ينبغي أبدًا أن يدفعك هذا إلى أن تأتي لقضيةٍ ليس لها أصل، ولا لبيانها ذكر، فتجعلها من المتبادر إلى ذهن العربي، لتكون هذه سواء بسواء، ما ينبغي!
فأنت تستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم (فأقول كما قال العبد الصالح: وكنت عليهم شهيدا مادمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد) فتجعل "كما" دليلًا على أن النبي صلى عليه وسلم كانت وفاته كوفاة عيسى عليه السلام!
ألم تقرأ يا سيدي قول عائشة رضي الله عنها فيما ورد في الصحيحين، أنها قالت في حادثة الإفك: ( والله! ما أجد لي ولكم مثلًا إلا كما قال أبو يوسف "فصبرٌ جميل والله المستعان على ما تصفون")، أفتقول على وزان قولك عن "كما" في حديث الرسول، فتجعل ابتلاء عائشة رضي الله عنها بفقد الولد، أو ابتلاء يعقوب عليه السلام كابتلاء الصِّديقة، أفتقول بهذا أو تقول إنه مما يتبادر إلى ذهن "العارف بالعربية"؟! أيقول بهذا عربي؟!
وكيف يا سيدي تقرأ قول الله تعالى (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوحٍ والنبيين من بعده)، أفتقول على نسق ما ذكرت عن "كما" في حديث الرسول، فتجعل نوحًا عليه السلام قد أوحي إليه بالقرآن!؟ أيقول بهذا عالم؟!
وكيف ترى قول نوحٍ عليه السلام فيما جاء في القرآن (قال إن تسخروا منّا فإنا نسخر منكم كما تسخرون)، فهل سخرية نوحٍ عليه السلام من الكافرين كسخرية الكافرين منه تمامًا بتمام؟!! أيقول بهذا مؤمن؟!
وكيف تصيبك العظة من قول الله تعالى (يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة)، أفتقول على غرار ما ذكرت عن "كما" في حديث الرسول، فتجعل فتنة الشيطان لنا كفتنته لأبوينا تمامًا بتمام، فتكون فتنته لنا بأن نأكل من الشجرة في الجنة؟!! أيقول بهذا عاقل؟! قد ألزمتَ نفسك شططًا! والتزمتَ رهقًا!
لقد علمَ كلُّ مبتدئٍ في اللغة، فضلًا عن أن يكون (عارفًا باللغة)، أن التشبيه بالكاف وبأمثالها مثل "كما"، يعني مشاركة أمرٍ لأمر في معنى، ولا يعني مماثلته له في كلّ المعاني، وهذه القاعدة الأساسية – لو عرفتها – لبان لك ضعف استدلالك، وقيمته الهزيلة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يشبه حاله مع من أحدث من بعده بحال المسيح عيسى عليه السلام مع من كفر من بعده، بأنّ هؤلاء ارتدوا وأحدثوا بعد أن غابا عنهم، فلا دخل لمسألة "تماثل الوفاتين" هنا أصلًا، هذا عند العارف بالعربية!
وترى أن القرآن يمنع رفع المسيح إلى السماء فتقول إن (الله حبس أجسام الناس عند التوفي في الأرض .. وبلا أدنى استثناء مطلقا، والله أبلغ البشر مسبقا أنهم في الأرض يحيون وفيها يموتون ومنها يخرجون، ولا استثناء من كلام الله)اهـ، وكذلك ما في ملحق ردك الذي بنيته على قضيةٍ أثارتها "فلول الجيوش" بلسان الحال فقلتَ (لما تأكد موت عيسى عليه السلام، وهزم جيش حياته عليه السلام في سماء الفلك، وثبت أنه دفن في الجبال أو التلال ........... لاقونا عند معركة أخرى يدوم عندها الجدال، أن من مات يعود للدنيا، وسيعلمون أن هذا ما جعله القرآن من المحال.)اهـ.
وهذا مردودٌ عليه بما سبق – ولم ترد عليه – من أن الأصل في التوفي هو القبض التام، وأننا لا نقول إن عيسى عليه السلام مات أصلًا حتى تستهلك نفسك ووقتي في الكلام عن إمكانية عودة الموتى للدنيا من عدمها، فأنا لا أقول بموت المسيح عليه السلام أصلًا لتثير هذه القضية، وتبني عليها ملحقًا من عدة صفحات، فما كان أغناك عن هذا، وعليه فإني في غنى عن الرد على ملحق ردك - بما فيه من أخطاء - لأنه يتطرق إلى عنوانٍ ليس من حوارنا في الأساس!
وتقول (لفظ: بل ، يرد على مجلدات مكتوبة في التراثين اليهودي والنصراني ... فالبلاغة القرآنية في عمقها قد قالت : ستتوفى، أي وفاة طبيعية ... لن يتحقق لهم فعل ( صلب) .. الخلاصة: ((أنت ناج)) .. ليفعلوا ما هم فيه شطار وأذكياء، ولكن سيتحسرون عندما تترامى الأخبار ((أنك ناج)).اهـ.
أين الرد عليّ في هذا الكلام؟! لقد قلتُ ما حاصله أن تعقيب قوله تعالى ﴿وَما قتلوه وما صلبوه﴾ بقوله ﴿بل رفعه الله إليه﴾ قطعي في الرفع الذي نقول به، إذ لا معنى يليق بالبلاغة القرآنية المعجزة في القول إنهم ما قتلوه بل رفع الله روحه إليه، فضلاً عن عدم وقوع التقابل بين القتل المنفي والرفع المثبت لأن ما يلي (بل) يجب أن يكون ضد ما قبله، كما صرح النحاة أن (بل) بعد النفي أو النهي تجعل ما بعدها ضدًا لما قبلها.
فهل ترى أني لا أقول إن عيسى عليه السلام ناجٍ! بل إني أقول إن نجاته أتم من تلك التي تدّعيها، فهو لم يهرب في البلاد، ليدفن في جبل أو تل، أو يبشر بالموت عوضًا عن القتل والصلب، بل أقول إن نجاته كانت أسمى من هذا، وفضل الله كان أعظم، إذ رفعه الله إليه، فكلامك لا يزيد على قولك "ستتوفى أي وفاة طبيعية"، هكذا دون دليل، ودون ردّ على ما ذكرته من مقتضى البلاغة، والمتعارف عليه في اللسان، والأصول التي ورد عليها الكلام!
تقول (والعقل لا يمنع رفع المسيح عليه السلام إلى السماء، وأعني سماء الفلك، ولكن القرآن هو الذي منع ذلك لأسباب: أولا في قول الله عمن طلبوا من نبي الله أن يرقى في السماء فقال يعلمه الرد عليهم: قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا؟؟؟ الإسراء)اهـ.
إنك تستدل بقول النبي إنه ما كان إلا بشرًا رسولًا، في مقابلة طلب المشركين لرقيه في السماء، تستدل بهذا على أن القرآن منع رفع الأنبياء إلى السماء، وبالتالي رفع المسيح إلى السماء، فهل قرأت الآيات الكريمات وأعطيتها حقها من التدبر؟!
قال الله تعالى ( وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجُرَ لنا من الأرض ينبوعًا * أو تكونَ لك جنةٌ من نخيلٍ وعنبٍ فتفجرَ الأنهارَ خلالها تفجيرًا * أو تُسقطَ السماء كما زعمتَ علينا كِسفًا أو تأتيَ بالله والملائكةِ قبيلًا * أو يكون لك بيتٌ من زخرفٍ أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تُنزلَ علينا كتابًا نقرؤه، قل سبحان ربي هل كنتُ إلا بشرًا رسولًا ).
فالمقصود واضحٌ جدًّا من هذه المذكورات من تفجير الينابيع، وإنشاء الجنان تتفجر خلالها الأنهار، وإسقاط السماء كسفًا، والإتيان بالله والملائكة، والبيت من زخرف، والرقي في السماء، هذه جميعها لا يقدر عليها البشر الرسول، ولا يأتي بها من عند ذاته، إنما هو مبلغٌ عن ربه، يؤيده ربه بما شاء سبحانه من آيات، وليس الأمر حسب طلب المعاندين، أو حسب رغبة الرسول!
أما أن تكون هذه المذكورات بإرادة الله وقدرته، فهي عندئذٍ مما لم يمنعه القرآن، بل القرآن مليءٌ بذلك، قال تعالى (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماءً فسلكه ينابيع في الأرض)، وقال (واضرب لهما مثلًا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعنابٍ وحففناهما بنخلٍ وجعلنا بينهما زرعًا * كلتا الجنتين آتت أُكلها ولم تظلم منه شيئًا، وفجرنا خلالهما نهرًا)، وقال (إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفًا من السماء، إن في ذلك لآية لكل عبدٍ منيب)، وقال (كلا إذا دكت الأرض دكًّا دكًّا * وجاء ربّك والملك صفًّا صفًّا)، وقال (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن، لبيوتهم سقفًا من فضةٍ ومعارجَ عليها يظهرون)، إلى آخر ذلك مما يعرفه من قرأ كتاب الله عز وجل.
فإن لم يكن تفجير الينابيع، وإنشاء الجنان تتفجر خلالها الأنهار، وإسقاط السماء كسفًا، وإتيان الله والملائكة، والبيت من زخرف، إن لم يكن شيءٌ من هذا ممنوعًا في القرآن، وليس بعسير على الله، فكذلك – ولا فرق – الرقيّ في السماء، ليس بممنوعٍ في القرآن، ونحن نقول إنّ عيسى عليه السلام رُفِع إلى السماء بإرادة الله وقدرته، وعليه فما ذكرتَه فوقَ كونه غير صحيح، فهو على خطئه لا يلزمنا بشيء!
وتريد أن تطعن في دلالة "إلى" على رفعه، فتقول (وعن آية ( رفعه الله إليه) ..... انظر لحديث الشفاعة: ألا ترى (إلى) ما نحن فيه؟؟. أي ألا تقترب عاطفتك من شدة معاناتنا؟؟ .. لتعلم أن (إلى) لا ترمي لمعنى الحركة دائما بل تعني الاقتراب الروحي، وقول الرسول الكريم : أنا عند حسن ظن عبدي بي... فالله عند حسن الظن وحسن الظن ليس مكانا والعندية ليست خزانة إيداع .. وانظر إلى حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه عن الثلاثة وأحدهم وجد فرجة في الحلقة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة: أما أحدهم فأوى (إلى الله) فآواه الله ....وحديث البراء بن عازب رضي الله عنهما عن الرجل إذا أتى مضجعه: أسلمت وجهي إليك. بل الظهر نفسه يسلمه إليه). اهـ.
إن هذا كله لا ينفعك، فأمامك ثلاثة تفسيرات:
أولها: أن تقول بقولي فتجعل الرفع رفع الروح والجسد جميعًا، فتكون من المحسنين.
ثانيها: أن تقول إن الرفع رفع الروح فقط، وهنا تكون قد استعملتَ "إلى" بنفس المعنى الذي استعملته أنا، فلا يقوم كلامك السابق بمقام الحجة عليّ إلا قام عليك بالمثل!
ثالثها: أن تقول إن الرفع رفع مكانة، وهذا يأباه السياق، فالله تعالى قال (وما قتلوه يقينًا * بل رفعه الله إليه)، و "بل" كما سبق تجعل ما بعدها ضدًّا لما قبلها، فهل رفعة المكانة ضد القتل؟!! وهل عيسى عليه السلام لم يكن رفيع المكانة قبل إرادتهم قتله؟! وهل القتل في سبيل الله ليس من رفعة المكانة؟!
فالحاصل – كما سبق – أن كلامك عن "إلى" لا ينفعك شيئًا، ولابد للمنصف من أن يعود إلى القول الأول!
ثم إني لو رضيت بقولك (لتعلم أن (إلى) لا ترمي لمعنى الحركة دائما بل تعني الاقتراب الروحي)، أليست هذه خلاصة هذه النقطة من كلامك، أن "إلى" لا ترمي لمعنى الحركة دائمًا، فماذا نفعل إن اختلفنا في "إلى" التي في قوله تعالى (بل رفعه الله إليه) فقلتُ أنا إنها على الظاهر المتبادر من رفع المسيح بالجسد وقلتَ أنتَ إنها تعني رفع المكانة، فلمن نحتكم؟!
احتكمنا للكتاب فوجدنا قول الله تعالى (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته، ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا) وقد صح عن ابن عباس قوله: قبل موت عيسى عليه السلام، وصح عن أبي هريرة وأبي مالك والحسن البصري وابن زيد، واختاره الطبري وابن كثير وغيرهما، وهذا يكون عند نزوله مرةً أخرى آخر الزمان فيؤمن به أهل الكتاب ولا يتخلف منهم واحد.
أضف إلى هذا ما سبق ذكره – ولم ترد عليه – من تعقيب قوله تعالى ﴿وَما قتلوه وما صلبوه﴾ بقوله ﴿بل رفعه الله إليه﴾، فلا معنى يليق بالبلاغة القرآنية المعجزة في القول إنهم ما قتلوه بل رفع الله روحه إليه، فضلاً عن عدم وقوع التقابل بين القتل المنفي والرفع المثبت لأن ما يلي (بل) يجب أن يكون ضد ما قبله، وأضف إليه أنّ المعنى الأصلي للتوفي المفهوم منه مباشرة هو أخذ الشيء وقبضه تمامًا كما في قوله تعالى ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ وقوله ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، أضف إلى هذا أنّ ورود قوله ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بعد قوله ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ دلالةٌ إضافيةٌ على عدم كون معنى توفيه إماتته ؛ لأن تطهيره من الذين كفروا بإماتته وإبقاء الكافرين لا يكون تطهيرًا يشرفه كما في تطهيره برفعه من بينهم حيًا إلي السماء ، ثم إن سياق الآيات هو في مقام طمأنة عيسى عليه السلام الذي تآمر أعداؤه ضده ، فلا يكون من المناسب في هذا السياق أن يطمئنه الله تعالى بأنه مميته وقابض روحه كما تزعم يا سيدي الفاضل ؛ فهو كأن تطمئن من هو مهددٌ بالقتل من قبل أعدائه بأنك ستميته وتقبض روحه في المقابل !! فهذا المعنى في هذا السياق غايةٌ في البعد والشذوذ كما لا يخفى.
أضف إلى هذا أنه في الصحيحين قوله صلى الله عليه وسلم (والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الحرب، ويقبض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خير من الدنيا وما فيها) ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه (واقرأوا إن شئتم "وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته، ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا").
أضف إلى هذا أنه في الصحيحين قوله صلى الله عليه وسلم (كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم)، وفي صحيح مسلم قوله (والذي نفسي بيده ليهلَّنَّ ابن مريم بفج الروحاء حاجًّا أو معتمرًا أو ليثنينهما)، وفي مسند أحمد بإسناد حسن قوله (أنا أولى الناس بعيسى بن مريم، وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه ...) وذكر وصفه، وفي مسند أحمد قوله (إني لأرجو إن طال بي عمرٌ، أن ألقى عيسى بن مريم، فإن عجل بي موتٌ فمن لقيه منكم فليقرئه مني السلام).
والأدلة كثيرة في إثبات رفع المسيح عيسى عليه السلام بالروح والجسد إلى السماء، ونزوله آخر الزمان، حتى لا يسع المنصف إنكارها، ولا يستطيع العالم إلا الانسياق لمدلولها!
صفوة القول وخلاصته:
أنني ذكرتُ الخطوط العامة والقواعد التي نعتمد عليها في هذا الباب، وأشرت إلى القواعد التي يعتمد عليها المبتدعة، ثم أتيت على ذكر بعض الأدلة على علو الرحمن، وعلى كون العرش من المخلوقات، من الكتاب والسنة وآثار الصحابة، وأنه له زنة، وأنه اهتز لموت ابن معاذ رضي الله عنه، وأن له حملة من الملائكة، وأن له ظل، وأن الرحمن على العرش استوى، من غير تكييف يؤدي إلى تمثيل، ولا تأويل يؤدي إلى تعطيل، هكذا عقيدةً واضحةً مؤصلة، بينما أنت تؤول العلو والعرش والكرسي، وأنت في ذلك يضطرب قولك كثيرًا في ذكر معنى العرش، بما لا يسعفك فيه نص من كتابٍ ولا سنةٍ ولا أثر صحابي، ولا يقف معك فيه لسان العرب.
وذكرتُ الأدلة على رفع المسيح الحق الموعود عيسى عليه السلام بروحه وبدنه، وأدلة نزوله آخر الزمان، هكذا عقيدةً واضحةً مؤصلة، فلم تتوجه للأدلة بنقض، بل ذكرت كلامًا عامًّا بعضه لا يقول به مبتدئ في اللغة، وبعضه لا يلزمني بشيء، و لا يسعفك نص من كتابٍ ولا سنةٍ ولا أثر صحابي، ولا يقف معك فيه لسان العرب.
فتأمل ذلك يرحمك الله، وأعطه حقه من التدبر، فأن تكون ذَنَبًا في الحق، خيرٌ لك من أن تكون رأسًا في الباطل، وإن هذه الدنيا موليةٌ مدبرة، وهذا الجاه زائفٌ زائل، والمعتز بغير الله يذل، والكثير بغير تقوى الله يقل، وما هي إلا ساعة أو سويعة وسيطوي الزمان ذكرنا، ويعود كلّ امرئٍ إلى ما قدمت يداه، ينظر فيه فمستبشرٌ أو شقيٌّ يأكله الندم، فاعمل لهذه الساعة! اعمل لهذه الساعة! أسأل الله لي ولك التوفيق والسداد!
منتدى التوحيد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق